ثم دخلت سنة أربع وثمانين وستمائة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة أربع وثمانين وستمائة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة أربع وثمانين وستمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ

فِي أَوَاخِرِ الْمُحَرَّمِ قَدِمَ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ إِلَى دِمَشْقَ وَمَعَهُ الْجُيُوشُ، وَجَاءَ إِلَى خِدْمَتِهِ صَاحِبُ حَمَاةَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ بْنُ الْمَنْصُورِ، فَتَلَقَّاهُ بِجَمِيعِ الْجُيُوشِ وَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةَ الْمُلُوكِ، ثُمَّ سَافَرَ السُّلْطَانُ بِالْعَسَاكِرِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ، فَنَزَلَ الْمَرْقَبَ، فَفَتْحَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَامِنَ عَشَرَ صَفَرٍ، وَجَاءَتِ الْبِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى دِمَشْقَ، فَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ وَزُيِّنَتِ الْبَلَدُ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ; لِأَنَّ هَذَا الْحِصْنَ كَانَ مَضَرَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَتَّفِقْ فَتْحُهُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُلُوكِ لَا لِصَلَاحِ الدِّينَ وَلَا لِلظَّاهِرِ، وَفَتَحَ حَوْلَهُ بُلُنْيَاسَ وَمَرَقِيَّةَ، وَهِيَ بَلْدَةٌ صَغِيرَةٌ إِلَى جَانِبِ الْبَحْرِ عِنْدَ حِصْنٍ مَنِيعٍ جِدًّا، لَا يَصِلُ إِلَيْهِ سَهْمٌ وَلَا حَجَرُ مَنْجَنِيقٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ طَرَابُلُسَ، فَهَدَمَهُ تَقَرُّبَا إِلَى السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ، وَاسْتَنْقَذَ الْمَنْصُورُ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَ الْفِرِنْجِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، ثُمَّ عَادَ الْمَنْصُورُ إِلَى دِمَشْقَ، ثُمَّ سَافَرَ بِالْعَسَاكِرِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى الْقَاهِرَةِ.

وَفِي أَوَاخِرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ وُلِدَ لِلْمَنْصُورِ وَلَدُهُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ مُحَمَّدُ بْنُ قَلَاوُونَ.

وَفِيهَا عُزِلَ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ النَّحَّاسِ عَنْ نَظَرِ الْجَامِعِ، وَوَلِيَهُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الزَّكِيِّ، وَبَاشَرَ ابْنُ النَّحَّاسِ الْوِزَارَةَ عِوَضًا عَنِ التَّقِيِّ تَوْبَةَ التَّكْرِيتِيِّ، وَطُلِبَ التَّقِيُّ تَوْبَةُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأُحِيطَ عَلَى أَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ.

وَعُزِلَ سَيْفُ الدِّينِ طَوْغَانُ عَنْ وِلَايَةِ الْمَدِينَةِ، وَبَاشَرَهَا عِزُّ الدِّينِ بْنُ أَبِي الْهَيْجَاءِ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَدَّادٍ

تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ، وَكَانَ فَاضِلًا مَشْهُورًا، لَهُ كِتَابُ «سِيرَةِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ»، وَكَانَ مُعْتَنِيًا بِالتَّارِيخِ.

الْبُنْدُقْدَارُ

أُسْتَاذُ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ بَيْبَرْسَ وَهُوَ الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ أَيْدِيكِينُ الْبُنْدُقْدَارُ الصَّالِحِيُّ، كَانَ مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ، سَامَحَهُ اللَّهُ، تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ الصَّالِحُ نَجْمُ الدِّينِ صَادَرَ الْبُنْدُقْدَارَ هَذَا، وَأَخَذَ مِنْهُ مَمْلُوكَهُ بَيْبَرْسَ، فَأَضَافَهُ إِلَيْهِ لِشَهَامَتِهِ وَنَهْضَتِهِ، فَتَقَدَّمَ عِنْدَهُ عَلَى أُسْتَاذِهِ وَغَيْرِهِ.

الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ شَرَفُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْإِخْمِيمِيُّ

كَانَتْ لَهُ جِنَازَةٌ هَائِلَةٌ، وَدُفِنَ بِقَاسِيُونَ صلى الله عليه وسلم.

ابْنُ عَامِرٍ الْمُقْرِئُ

الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْمِيعَادُ الْكَبِيرُ، الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْمُقْرِئُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْغَسُولِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّينِ بْنِ قُدَامَةَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ يَعْمَلُ الْمِيعَادَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ ذَلِكَ دَعَا بِهِمْ ثُمَّ وَعَظَهُمْ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ حَادِي عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ تُرْبَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَرْمَنِيِّ.

الْقَاضِي عِمَادُ الدِّينِ دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ كَامِلٍ الْقُرَشِيُّ الْبَصْرَوِيُّ الْحَنَفِيُّ

مُدَرِّسُ الْعِزِّيَّةِ بِالْكُشْكِ، وَنَابَ فِي الْحُكْمِ عَنْ مَجْدِ الدِّينِ بْنِ الْعَدِيمِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَهُوَ وَالِدُ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ الْقَحْفَازِيِّ شَيْخِ الْحَنَفِيَّةِ، وَخَطِيبِ جَامِعِ تَنْكِزَ.

الشَّيْخُ حَسَنٌ الرُّومِيُّ

شَيْخُ سَعِيدِ السُّعَدَاءِ بِالْقَاهِرَةِ، وَقَدْ وَلِيَهَا بَعْدَهُ شَمْسُ الدِّينِ الْأَيْكِيُّ.

الرَّشِيدُ سَعِيدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ

مُدَرِّسُ

الشِّبْلِيَّةِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ مُفِيدَةٌ كَثِيرَةٌ، وَنَظْمٌ حَسَنٌ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

قُلْ لِمَنَ يَحْذَرُ أَنْ تُدْرِكَهُ … نَكَبَاتُ الدَّهْرِ لَا يُغْنِي الْحَذَرْ

أَذْهَبَ الْحُزْنَ اعْتِقَادِي أَنَّهُ … كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرْ

وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:

إِلَهِي لَكَ الْحَمْدُ الَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ … عَلَى نِعَمٍ مِنْهَا الْهِدَايَةُ لِلْحَمْدِ

صَحِيحًا خَلَقْتَ الْجِسْمَ مِنِّي مُسَلَّمًا … وَلُطْفُكَ بِي مَا زَالَ مُذْ كُنْتُ فِي الْمَهْدِ

وَكُنْتُ يَتِيمًا قَدْ أَحَاطَ بِيَ الرَّدَى … فَآوَيْتَ وَاسْتَنْقَذْتَ مِنْ كُلِّ مَا يُرْدِي

وَهَبْتَ لِيَ الْعَقْلَ الَّذِي بِضِيَائِهِ … إِلَى كُلِّ خَيْرٍ يَهْتَدِي طَالِبُ الرُّشْدِ

وَوَفَّقْتَ لِلْإِسْلَامِ قَلْبِي وَمَنْطِقِي … فَيَا نِعْمَةً قَدْ جَلَّ مَوْقِعُهَا عِنْدِي

وَلَوْ رُمْتُ جَهْدِي أَنْ أُجَازِيَ فَضِيلَةً … فَضَلْتَ بِهَا لَمْ يَجْزِ أَطْرَافَهَا جِدِّي

أَلَسْتَ الَّذِي أَرْجُو جَنَابَكَ عِنْدَمَا … يُخَلِّفُنِي الْأَهْلُونَ وَحْدِيَ فِي لَحْدِي

فَجُدْ لِي بِلُطْفٍ مِنْكَ يَهْدِي سَرِيرَتِي … وَقَلْبِي وَيُدْنِينِي إِلَيْكَ مِنَ الْبُعْدِ

تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ ثَالِثَ رَمَضَانَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَصْرِ بِالْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ، وَدُفِنَ بِالسَّفْحِ.

أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ بَلَبَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِرِيُّ

الْمُحَدِّثُ الْمُفِيدُ الْمَاهِرُ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُسْتَهَلَّ رَمَضَانَ.

الْأَمِيرُ مُجِيرُ الدِّينِ

مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَلِيٍّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ تَمِيمٍ الْحَمَوِيُّ الشَّاعِرُ، صَاحِبُ الدِّيوَانِ فِي الشِّعْرِ، فَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:

عَايَنْتُ وَرْدَ الرَّوْضِ يَلْطِمُ خَدَّهُ … وَيَقُولُ قَوْلًا فِي الْبَنَفْسِجِ يُحْنَقُ

لَا تَقْرَبُوهُ وَإِنْ تَضَوَّعَ نَشْرُهُ … مَا بَيْنَكُمْ فَهُوَ الْعَدُوُّ الْأَزْرَقُ

الشَّيْخُ الْعَارِفُ شَرَفُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الشَّيْخِ عُثْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الرُّومِيُّ

وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِمْ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، وَمِنْ عِنْدِهِمْ خَرَجَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ السَّاوَجِيُّ، وَحَلَقَ وَدَخَلَ فِي ذِي الْجَوَالِيقِيَّةِ، وَصَارَ شَيْخَهُمْ وَمُقَدَّمَهُمْ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 1 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر