ثم دخلت سنة إحدى وثمانين

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة إحدى وثمانين

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة إحدى وثمانين

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ

فَفِيهَا: فَتَحَ عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ مَدِينَةَ قَالِيقَلَا، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَفِيهَا قُتِلَ بُكَيْرُ بْنُ وِشَاحٍ; قَتَلَهُ بُحَيْرُ بْنُ وَرْقَاءَ الصُّرَيْمِيُّ، وَكَانَ بُكَيْرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الشُّجْعَانِ، ثُمَّ ثَارَ لَبُكَيْرِ بْنِ وِشَاحٍ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ: صَعْصَعَةُ بْنُ حَرْبٍ الْعَوْفِيُّ الصُّرَيْمِيُّ. فَقَتَلَ بُحَيْرَ بْنَ وَرْقَاءَ الَّذِي قَتَلَ بُكَيْرًا; طَعْنُهُ بِخِنْجَرٍ، وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، فَحُمِلَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ، فَبَعَثَ الْمُهْلَّبُ بِصَعْصَعَةَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ بُحَيْرُ بْنُ وَرْقَاءَ قَالَ: ضَعُوا رَأْسَهُ عِنْدَ رِجْلِي. فَوَضَعُوهُ، فَطَعَنَهُ بَحِيرٌ بِحَرْبَتِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، وَمَاتَ عَلَى إِثْرِهِ. وَقَدْ قَالَ لَهُ أَنَسُ بْنُ طَارِقٍ: اعْفُ عَنْهُ، فَقَدْ قَتَلْتَ بُكَيْرَ بْنَ وِشَاحٍ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَمُوتُ وَهَذَا حَيٌّ. ثُمَّ قَتَلَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا قُتِلَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فِتْنَةُ ابْنِ الْأَشْعَثِ

قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: كَانَ ابْتِدَاؤُهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: فِي سَنَةِ

ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَقَدْ سَاقَهَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَوَافَقْنَاهُ فِي ذَلِكَ.

وَكَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ أَنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ كَانَ الْحَجَّاجُ يُبْغِضُهُ، وَكَانَ هُوَ يَفْهَمُ ذَلِكَ، وَيُضْمِرُ لَهُ السُّوءَ وَزَوَالَ الْمُلْكِ عَنْهُ، فَلَمَّا أَمَّرَهُ الْحَجَّاجُ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَأَمَرَهُ بِدُخُولِ بِلَادِ رُتْبِيلَ مَلِكِ التُّرْكِ، فَمَضَى وَصَنَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَخْذِهِ بَعْضَ بِلَادِ التُّرْكِ، ثُمَّ رَأَى لِأَصْحَابِهِ أَنْ يُقِيمُوا حَتَّى يَتَقَوَّوْا إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَسْتَهْجِنُ رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ، وَيَسْتَضْعِفُ عَقْلَهُ، وَيَقْرَعُهُ بِالْجُبْنِ وَالنُّكُولِ عَنِ الْحَرْبِ، وَيَأْمُرُهُ حَتْمًا بِدُخُولِ بِلَادِ رُتْبِيلَ، ثُمَّ أَرْدَفَ ذَلِكَ بِكِتَابٍ ثَانٍ ثُمَّ ثَالِثٍ، فَلَمَّا تَوَارَدَتْ كُتُبُ الْحَجَّاجِ إِلَيْهِ يَحُثُّهُ عَلَى التَّوَغُّلِ فِي بِلَادِ رُتْبِيلَ، جَمَعَ مَنْ مَعَهُ، وَقَامَ فِيهِمْ، فَأَعْلَمَهُمْ بِمَا كَانَ رَأَى مِنَ الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ، وَبِمَا كَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ مِنَ الْأَمْرِ بِمُعَاجَلَةِ رُتْبِيلَ، فَثَارَ

إِلَيْهِ النَّاسُ، وَقَالُوا: لَا، بَلْ نَأْبَى عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ الْحَجَّاجِ، وَلَا نَسْمَعُ لَهُ وَلَا نُطِيعُ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ الْكِنَانِيُّ، أَنَّ أَبَاهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ شَاعِرًا خَطِيبًا، وَكَانَ مِمَّا قَالَ: إِنَّ مَثَلَ الْحَجَّاجِ فِي هَذَا الرَّأْيِ وَمَثَلَنَا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ لِأَخِيهِ: احْمِلْ عَبْدَكَ عَلَى الْفَرَسِ، فَإِنْ هَلَكَ هَلَكَ، وَإِنْ نَجَا فَلَكَ. إِنَّكُمْ إِنْ ظَفِرْتُمْ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي سُلْطَانِهِ، وَإِنْ هَلَكْتُمْ كُنْتُمُ الْأَعْدَاءَ الْبُغَضَاءُ. ثُمَّ قَالَ: اخْلَعُوا عَدُوَّ اللَّهِ الْحَجَّاجَ - وَلَمْ يَذْكُرْ خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ - وَبَايِعُوا لِأَمِيرِكُمْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوَّلُ خَالِعٍ لِلْحَجَّاجِ. فَقَالَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: خَلَعْنَا عَدُوَّ اللَّهِ. وَوَثَبُوا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ فَبَايَعُوهُ عِوَضًا عَنِ الْحَجَّاجِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.

وَبَعَثَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى رُتْبِيلَ، فَصَالَحَهُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ ظَفِرَ بِالْحَجَّاجِ فَلَا خَرَاجَ عَلَى رُتْبِيلَ أَبَدًا، ثُمَّ سَارَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِالْجُنُودِ الَّذِينَ مَعَهُ مُقْبِلًا مِنْ سِجِسْتَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ; لِيُقَاتِلَهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُ الْعِرَاقَ، ثُمَّ لَمَّا تَوَسَّطُوا الطَّرِيقَ قَالُوا: إِنَّ خَلْعَنَا لِلْحَجَّاجِ خَلْعٌ لِابْنِ مَرْوَانَ. فَخَلَعُوهُمَا جَمِيعًا، وَجَدَّدُوا الْبَيْعَةَ لِابْنِ الْأَشْعَثِ، فَبَايَعَهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسِنَةِ رَسُولِهِ، وَخَلْعِ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ. فَإِذَا قَالُوا: نَعَمْ. بَايَعَهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَّاجَ مَا صَنَعُوا مِنْ خَلْعِهِ وَخَلْعِ

ابْنِ مَرْوَانَ، كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَيَسْتَعْجِلُهُ فِي بَعْثِهِ الْجُنُودَ إِلَيْهِ، وَجَاءَ الْحَجَّاجُ حَتَّى نَزَلَ الْبَصْرَةَ، وَبَلَغَ الْمُهَلَّبَ خَبَرُ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ يَا ابْنَ الْأَشْعَثِ قَدْ وَضَعْتَ رَجْلَكَ فِي رِكَابٍ طَوِيلٍ، أَبْقِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، اللَّهَ اللَّهَ، انْظُرْ لِنَفْسِكَ فَلَا تُهْلِكْهَا، وَدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا تَسْفِكْهَا، وَالْجَمَاعَةِ فَلَا تُفَرِّقْهَا، وَالْبَيْعَةِ فَلَا تَنْكُثْهَا، فَإِنْ قُلْتَ: أَخَافُ النَّاسَ عَلَى نَفْسِي، فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخَافَهُ مِنَ النَّاسِ، فَلَا تُعَرِّضْهَا لِلَّهِ فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ، أَوِ اسْتِحْلَالِ مُحَرَّمٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ.

وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْحَجَّاجِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ أَقْبَلُوا إِلَيْكَ مِثْلَ السَّيْلِ الْمُنْحَدِرِ مِنْ عَلِ، لَيْسَ شَيْءٌ يَرُدُّهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى قَرَارِهِ، وَإِنَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ شِرَّةً فِي أَوَّلِ مَخْرَجِهِمْ وَصَبَابَةً إِلَى أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَلَيْسَ شَيْءٌ يَرُدُّهُمْ حَتَّى يَصِلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ، وَيَشَمُّوا أَوْلَادَهُمْ، ثُمَّ وَاقِعْهُمْ عِنْدَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

فَلَمَّا قَرَأَ الْحَجَّاجُ كِتَابَهُ قَالَ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ، لَا وَاللَّهِ مَا لِي نَظَرَ، وَلَكِنْ لِابْنِ عَمِّهِ نَصَحَ. وَلَمَّا وَقَعَ كِتَابُ الْحَجَّاجِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ هَالَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ، وَبَعَثَ إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَأَقْرَأَهُ كِتَابَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كَانَ هَذَا الْحَدَثُ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ فَخَفْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ سِجِسْتَانَ فَلَا تَخَفْهُ.

ثُمَّ أَخَذَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي تَجْهِيزِ الْجُنُودِ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْعِرَاقِ فِي نُصْرَةِ الْحَجَّاجِ، وَتَجْهِيزِ الْحَجَّاجِ لِلْخُرُوجِ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَعَصَى رَأْيَ الْمُهَلَّبِ فِيمَا أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِيهِ النُّصْحُ وَالصِّدْقُ، وَجُعِلَتْ كُتُبُ الْحَجَّاجِ لَا تَنْقَطِعُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِخَبَرِ ابْنِ الْأَشْعَثِ صَبَاحًا وَمَسَاءً; أَيْنَ نَزَلَ؟ وَمِنْ أَيْنَ ارْتَحَلَ؟ وَأَيُّ النَّاسِ إِلَيْهِ أَسْرَعُ؟ وَجَعَلَ النَّاسُ يَلْتَفُّونَ عَلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ سَارَ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَمِائَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَخَرَجَ الْحَجَّاجُ فِي جُنُودِ الشَّامِ مِنَ الْبَصْرَةِ نَحْوَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَنَزَلَ تُسْتَرَ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُطَهِّرَ بْنَ حَيٍّ الْعَكِّيَّ أَمِيرًا عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُمَيْتٍ أَمِيرًا آخَرَ، فَانْتَهَوْا إِلَى دُجَيْلٍ، فَإِذَا مُقَدِّمَةُ ابْنِ الْأَشْعَثِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَانٍ الْحَارِثِيُّ، فَالْتَقَوْا فِي يَوْمِ الْأَضْحَى عِنْدَ نَهْرِ دُجَيْلٍ، فَهُزِمَتْ مُقَدِّمَةُ الْحَجَّاجِ، وَقَتَلَ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، نَحْوَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ،

وَاحْتَازُوا مَا فِي مُعَسْكَرِهِمْ مِنْ خُيُولٍ وَقُمَاشٍ وَأَمْوَالٍ، وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِهَزِيمَةِ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُ مَا دَبَّ وَدَرَجَ، وَقَدْ كَانَ قَائِمًا يَخْطُبُ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ارْجِعُوا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَإِنَّهُ أَرْفَقُ بِالْجُنْدِ، فَرَجَعَ بِالنَّاسِ، وَاتَّبَعَتْهُمْ خُيُولُ ابْنِ الْأَشْعَثِ لَا يُدْرِكُونَ مِنْهُمْ شَاذًّا إِلَّا قَتَلُوهُ، وَلَا فَاذًّا إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَمَضَى الْحَجَّاجُ هَارِبًا لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، حَتَّى أَتَى الزَّاوِيَةَ، فَعَسْكَرَ عِنْدَهَا، وَجَعَلَ يَقُولُ: لِلَّهِ دَرُّ الْمُهَلَّبِ! أَيُّ صَاحِبِ حَرْبٍ هُوَ؟! قَدْ أَشَارَ عَلَيْنَا بِالرَّأْيِ، وَلَكِنَّا لَمْ نَقْبَلْ.

وَأَنْفَقَ الْحَجَّاجُ عَلَى جَيْشِهِ - وَهُوَ بِهَذَا الْمَكَانِ - مِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَخَنْدَقَ حَوْلَ جَيْشِهِ خَنْدَقًا، وَجَاءَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فَدَخَلُوا الْبَصْرَةَ، وَاجْتَمَعُوا بِأَهَالِيهِمْ وَشَمُّوا أَوْلَادَهُمْ، وَدَخَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ الْبَصْرَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ بِهَا، وَبَايَعَهُمْ وَبَايَعُوهُ عَلَى خَلْعِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَنَائِبِهِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَقَالَ لَهُمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ: لَيْسَ الْحَجَّاجُ بِشَيْءٍ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِنَا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ لِنُقَاتِلَهُ. وَوَافَقَهُ عَلَى خَلْعِهِمَا جَمِيعُ مَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالشُّيُوخِ وَالشَّبَابِ، ثُمَّ أَمَرَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِخَنْدَقٍ حَوْلَ الْبَصْرَةِ فَعَمِلَ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَأَبُو

مَعْشَرٍ. وَاللَّهُ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمُ.

وَفِيهَا غَزَا مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ أَمِيرُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ، فَافْتَتَحَ مُدُنًا كَثِيرَةً، وَأَرَاضِيَ عَامِرَةً، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى الزُّقَاقِ الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ الْمُحِيطِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

بُحَيْرُ بْنُ وَرْقَاءَ الصُّرَيْمِيُّ الْبَصْرِيُّ

أَحَدُ الْأَشْرَافِ بِخُرَاسَانَ، وَالْقُوَّادِ وَالْأُمَرَاءِ، وَهُوَ الَّذِي حَارَبَ ابْنَ خَازِمٍ وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ بُكَيْرَ بْنَ وِشَاحٍ.

ثُمَّ قُتِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ:

سُوِيدُ بْنُ غَفْلَةَ بْنِ عَوْسَجَةَ بْنِ عَامِرٍ

أَبُو أُمَيَّةَ الْجَعَفِيُّ الْكُوفِيُّ، شَهِدَ الْيَرْمُوكَ، وَحَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُخَضْرَمِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَصَلَّى مَعَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ عَامَ وُلِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَقِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ بَعْدَهُ بِسَنَتَيْنِ. وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، لَمْ يُرَ يَوْمًا مُحْتَبِيًا وَلَا مُتَسَانِدًا، وَافْتَضَّ بِكْرًا عَامَ وَفَاتِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ

وَثَمَانِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ

كَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ الْعُلَمَاءِ، وَلَهُ وَصَايَا وَكَلِمَاتٌ حِسَانٌ، وَقَدْ رَوَى عِدَّةَ أَحَادِيثَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعِينَ.

مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَبُو الْقَاسِمِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَمَةً سَوْدَاءَ سِنْدِيَّةً مِنْ سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ، اسْمُهَا خَوْلَةُ.

وُلِدَ مُحَمَّدٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَوَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقَدْ صَرَعَ مَرْوَانَ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَقَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ، وَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَنَاشَدَهُ مَرْوَانُ بِاللَّهِ، وَتَذَلَّلَ لَهُ فَأَطْلَقَهُ، فَلَمَّا وَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ ذَكَّرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: عَفْوًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَعَفَا عَنْهُ، وَأَجْزَلَ لَهُ الْجَائِزَةَ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، وَمِنَ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَمِنَ الْأَقْوِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ، وَلَمَّا بُويِعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ لَمْ يُبَايِعْهُ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا شَرٌّ عَظِيمٌ، حَتَّى هَمَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِهِ وَبِأَهْلِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَبَايَعَهُ ابْنُ عُمَرَ، تَابَعَهُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبِلَهَا، أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا. وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَالرَّافِضَةُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ بِجَبَلِ رَضْوَى، وَأَنَّهُ حَيٌّ يُرْزَقُ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ، وَقَدْ قَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ فِي ذَلِكَ:

أَلَا إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ … وُلَاةُ الْحَقِّ أَرْبَعَةٌ سَوَاءُ

عَلَيٌّ وَالثَّلَاثَةُ مِنْ بَنِيهِ … هُمُ الْأَسْبَاطُ لَيْسَ بِهِمْ خَفَاءُ

فَسِبْطٌ سِبْطُ إِيمَانٍ وَبِرٍّ … وَسِبْطٌ غَيَّبَتْهُ كَرْبُلَاءُ

وَسِبْطٌ لَا تَرَاهُ الْعَيْنُ حَتَّى

يَقُودَ الْخَيْلَ يَقْدُمُهَا لِوَاءُ … تَغَيَّبَ لَا يُرَى عَنْهُمْ زَمَانًا

بِرَضْوَى عِنْدَهُ عَسَلٌ وَمَاءُ

وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كَانَتْ شِيعَتُهُ تَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَفِيهِ يَقُولُ السَّيِّدُ:

أَلَا قُلْ لِلْوَصِيِّ فَدَتْكَ نَفْسِي … أَطَلْتَ بِذَلِكَ الْجَبَلِ الْمُقَامَا

أَضَرَّ بِمَعْشَرٍ وَالَوْكَ مِنَّا … وَسَمَّوْكَ الْخَلِيفَةَ وَالْإِمَامَا

وَعَادَوْا فِيكَ أَهْلَ الْأَرْضِ طُرًّا … مَقَامُكَ عَنْهُمُ سِتِّينَ عَامَا

وَمَا ذَاقَ ابْنُ خَوْلَةَ طَعْمَ مَوْتٍ … وَلَا وَارَتْ لَهُ أَرْضٌ عِظَامَا

لَقَدْ أَمْسَى بِمُورِقِ شِعْبِ رَضْوَى … تُرَاجِعُهُ الْمَلَائِكَةُ الْكَلَامَا

وَإِنَّ لَهُ بِهِ لَمَقِيلَ صِدْقٍ … وَأَنْدِيَةً تُحَدِّثُهُ كِرَامَا

هَدَانَا اللَّهُ إِذْ حُزْتُمْ لِأَمْرٍ … بِهِ وَعَلَيْهِ نَلْتَمِسُ الْتَمَامَا

تَمَامَ مَوَدَّةِ الْمَهْدِيِّ حَتَّى … تَرَوْا رَايَاتِهِ تَتْرَى نِظَامَا

وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الرَّافِضَةِ إِلَى إِمَامَتِهِ، وَأَنَّهُ يُنْتَظَرُ خُرُوجُهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، كَمَا يَنْتَظِرُ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْهُمُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيَّ، الَّذِي يَخْرُجُ فِي زَعْمِهِمْ مِنْ سِرْدَابِ سَامَرَّا، وَهَذَا مِنْ خُرَافَاتِهِمْ وَهَذَيَانِهِمْ وَجَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ وَبُهْتَانِهِمْ، وَسَنَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.8 / 29.5
الإضاءة 64%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل