ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ

لَمَّا اسْتَقَرَّ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ مَكَانَ أَبِيهِ بِدِمَشْقَ، بَعَثَ بِهَدَايَا سَنِيَّةٍ فِيهَا تُحَفٌ شَرِيفَةٌ إِلَى بَابِ الْخِلَافَةِ; مِنْ ذَلِكَ سِلَاحُ أَبِيهِ، وَحِصَانُهُ الَّذِي كَانَ يَحْضُرُ عَلَيْهِ الْغَزَوَاتِ، وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ; مِنْهَا صَلِيبُ الصَّلَبُوتِ الَّذِي اسْتَلَبَهُ أَبُوهُ مِنَ الْفِرِنْجِ يَوْمَ حِطِّينَ وَفِيهِ مِنَ الذَّهَبِ مَا يَنِيفُ عَلَى عِشْرِينَ رِطْلًا وَهُوَ مُرَصَّعٌ بِالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، وَأَرْبَعُ جَوَارٍ مِنْ بَنَاتِ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ، وَأَنْشَأَ لَهُ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ كِتَابًا حَافِلًا يَذْكُرُ فِيهِ التَّعْزِيَةَ بِأَبِيهِ، وَالسُّؤَالَ مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مِنْ بَعْدِهِ; فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ.

وَلَمَّا كَانَ شَهْرُ جُمَادَى الْأُولَى قَدِمَ الْعَزِيزُ صَاحِبُ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ; لِيَأْخُذَهَا مِنْ أَخِيهِ الْأَفْضَلِ، فَخَيَّمَ عَلَى الْكُسْوَةِ يَوْمَ السَّبْتِ سَادِسِ جُمَادَى، وَحَاصَرَ الْبَلَدَ، فَمَانَعَهُ أَخُوهُ، وَدَافَعَهُ عَنْهَا فَقُطِعَتِ الْأَنْهَارُ وَنُهِبَتِ الثِّمَارُ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ الْعَادِلُ عَمُّهُمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَرَدَّ الْأَمْرَ لِلْأُلْفَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْعَزِيزِ الْقُدْسُ وَمَا جَاوَرَ فِلَسْطِينَ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَيْضًا، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ جَبَلَةُ وَاللَّاذِقِيَّةُ لِلظَّاهِرِ صَاحِبِ حَلَبَ وَأَنْ يَكُونَ لِعَمِّهِمَا الْعَادِلِ إِقْطَاعُهُ الْأَوَّلُ بِبِلَادِ مِصْرَ مُضَافًا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الشَّامِ

وَالْجَزِيرَةِ; كَحَرَّانَ وَالرُّهَا وَجَعْبَرَ، وَمَا جَاوَرَ ذَلِكَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَتَزَوَّجَ الْعَزِيزُ بِابْنَةِ عَمِّهِ الْعَادِلِ، وَمَرِضَ ثُمَّ عُوفِيَ، وَهُوَ مُخَيِّمٌ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، وَخَرَجَتِ الْمُلُوكُ لِتَهْنِئَتِهِ بِالْعَافِيَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالصُّلْحِ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى مِصْرَ لِطُولِ شَوْقِهِ إِلَى أَهْلِهِ، وَأَوْلَادِهِ.

وَكَانَ الْأَفْضَلُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ قَدْ أَسَاءَ التَّدْبِيرَ فَأَبْعَدَ أُمَرَاءَ أَبِيهِ، وَخَوَاصَّهُ، وَقَرَّبَ الْأَجَانِبَ، وَأَقْبَلَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ وَاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ وَزِيرُهُ ضِيَاءُ الدِّينِ بْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَحْدُوهُ إِلَى ذَلِكَ فَتَلِفَ وَأَتْلَفَهُ، وَأَضَلَّ وَأَضَلَّهُ، وَزَالَتِ النِّعْمَةُ عَنْهُمَا، كَمَا سَيَأْتِي.

وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ شِهَابِ الدِّينِ مَلِكِ غَزْنَةَ وَبَيْنَ كُفَّارِ الْهِنْدِ; أَقْبَلُوا إِلَيْهِ فِي أَلْفِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَمَعَهُمْ سَبْعُمِائَةِ فِيلٍ مِنْهَا فِيلٌ أَبْيَضُ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، فَهَزَمَهُمْ شِهَابُ الدِّينِ عِنْدَ نَهْرٍ عَظِيمٍ يُقَالُ لَهُ: مَاجُونُ. وَقَتَلَ مَلِكَهُمْ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى حَوَاصِلِهِ وَحَوَاصِلِ بِلَادِهِ، وَغَنِمَ فِيَلَتَهُمُ، وَدَخَلَ بَلَدَ الْمَلِكِ الْكُبْرَى، فَحَمَلَ مِنْ خِزَانَتِهِ ذَهَبًا وَغَيْرَهُ عَلَى أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ جَمَلٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بِلَادِهِ سَالِمًا مَنْصُورًا.

وَفِيهَا مَلَكَ السُّلْطَانُ خُوَارِزْمُ شَاهْ تِكِشُ وَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْأَصْبَاعِيِّ بِلَادَ الرَّيِّ وَغَيْرَهَا، وَاصْطَلَحَ مَعَ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ السَّلْجُوقِيِّ، وَكَانَ قَدْ تَسَلَّمَ بِلَادَ الرَّيِّ وَسَائِرَ مَمْلَكَةِ أَخِيهِ سُلْطَانِ شَاهْ وَخَزَائِنِهِ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، ثُمَّ الْتَقَى هُوَ وَالسُّلْطَانُ طُغْرُلُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَقَتَلَ السُّلْطَانَ طُغْرُلَ، وَأَرْسَلَ

رَأْسَهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَعُلِّقَ عَلَى بَابِ النُّوبَةِ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْخِلَعَ وَالتَّقَالِيدَ إِلَى السُّلْطَانِ خُوَارِزْمِ شَاهْ، وَمَلَكَ هَمَذَانَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْبِلَادِ الْمُتَّسِعَةِ.

وَفِيهَا نَقَمَ الْخَلِيفَةُ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَتَغَضَّبَ عَلَيْهِ، وَنَفَاهُ إِلَى وَاسِطٍ فَمَكَثَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَسْتَطْعِمْ بِطَعَامٍ، وَأَقَامَ بِهَا خَمْسَةَ أَعْوَامٍ يَخْدِمُ نَفْسَهُ، وَيَسْتَقِي مِنْ بِئْرٍ عَمِيقَةٍ لِنَفْسِهِ الْمَاءَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ بَلَغَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَتْلُو فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَتْمَةً، قَالَ: وَلَمْ أَقْرَأْ سُورَةَ يُوسُفَ لِوَجْدِي عَلَى وَلَدِي يُوسُفَ إِلَى أَنْ فَرَّجَ اللَّهُ. كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:

أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ

أَبُو الْخَيْرِ الْقَزْوِينِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمُفَسِّرُ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَوَعَظَ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَكَانَ يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ فِي الْأُصُولِ، وَجَلَسَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقِيلَ لَهُ: الْعَنْ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ: ذَاكَ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ، فَرَمَاهُ النَّاسُ بِالْآجُرِّ فَاخْتَفَى، ثُمَّ هَرَبَ إِلَى قَزْوِينَ.

ابْنُ الشَّاطِبِيِّ; نَاظِمُ الشَّاطِبِيَّةِ

أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ فِيرُّهَ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ، الرُّعَيْنِيُّ الشَّاطِبِيُّ الضَّرِيرُ، مُصَنِّفُ الشَّاطِبِيَّةِ فِي الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ فَلَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا وَلَا يُلْحَقْ فِيهَا، وَفِيهَا مِنَ الرُّمُوزِ كُنُوزٌ لَا يَهْتَدِي

إِلَيْهَا إِلَّا كُلُّ نَاقِدٍ بَصِيرٍ، هَذَا مَعَ أَنَّهُ ضَرِيرٌ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَشَاطِبَةُ بَلَدُهُ قَرْيَةٌ شَرْقِيَّ الْأَنْدَلُسِ كَانَ فَقِيرًا، وَقَدْ أُرِيدَ أَنْ يَلِيَ خَطَابَةَ بَلَدِهِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ; لِأَجْلِ مُبَالَغَةِ الْخُطَبَاءِ عَلَى الْمَنَابِرِ فِي وَصْفِ الْمُلُوكِ.

خَرَجَ الشَّاطِبِيُّ إِلَى الْحَجِّ، فَقَدِمَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَمِعَ عَلَى السِّلَفِيِّ الْحَافِظِ، وَوَلَّاهُ الْقَاضِي الْفَاضِلُ مَشْيَخَةَ الْإِقْرَاءِ بِمَدْرَسَتِهِ، وَزَارَ الْقُدْسَ الشَّرِيفَ وَصَامَ بِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْقَاهِرَةِ فَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ بِالْقُرْبِ مِنَ التُّرْبَةِ الْفَاضِلِيَّةِ، وَكَانَ دَيِّنًا خَاشِعًا نَاسِكًا كَثِيرَ الْوَقَارِ، لَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَكَانَ يَتَمَثَّلُ كَثِيرًا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ، وَهِيَ لُغْزٌ فِي النَّعْشِ، وَهِيَ لِغَيْرِهِ:

أَتَعْرِفُ شَيْئًا فِي السَّمَاءِ يَطِيرُ … إِذَا سَارَ صَاحَ النَّاسُ حَيْثُ يَسِيرُ

فَتَلْقَاهُ مَرْكُوبًا وَتَلْقَاهُ رَاكِبًا … وَكُلُّ أَمِيرٍ يَعْتَلِيهِ أَسِيرُ

يَحُثُّ عَلَى التَّقْوَى وَيُكْرَهُ قُرْبُهُ … وَتَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ وَهْوَ نَذِيرُ

وَلَمْ يَسْتَزِرْ عَنْ رَغْبَةٍ فِي زِيَارَةٍ … وَلَكِنْ عَلَى رَغْمِ الْمَزُورِ يَزُورُ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 21 ربيع الأول
التربيع الأخير اليوم 22.2 / 29.5
الإضاءة 49%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
أستغفر الله