ثم دخلت سنة خمس وثمانين وستمائة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة خمس وثمانين وستمائة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث ثم دخلت سنة خمس وثمانين وستمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ

اسْتَهَلَّتْ وَالْخَلِيفَةُ الْحَاكِمُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ، وَالسُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ قَلَاوُونُ وَنَائِبُهُ بِالشَّامِ الْأَمِيرُ حُسَامُ الدِّينِ لَاجِينُ السِّلَحْدَارِيُّ الْمَنْصُورِيُّ، وَالْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ الصَّوَابِيُّ مُحَاصِرٌ مَدِينَةَ الْكَرَكِ فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ مِصْرَ عَسْكَرٌ صُحْبَةَ الْأَمِيرِ حُسَامِ الدِّينِ طُرُنْطَايَ فَاجْتَمَعُوا عَلَى حِصَارِ الْكَرَكِ حَتَّى أَنْزَلُوا مِنْهَا صَاحِبَهَا الْمَلِكَ الْمَسْعُودَ خَضِرَ بْنَ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ فِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ، وَجَاءَتِ الْبِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى دِمَشْقَ فَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَعَادَ طُرُنْطَايُ بِالْمَلِكِ خَضِرٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، كَمَا فَعَلَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ أَبُوهُ بِالْمَلِكِ الْمُغِيثِ عُمَرَ بْنِ الْعَادِلِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَاسْتَنَابَ فِي الْكَرَكِ نَائِبًا عَنْ أَمْرِ الْمَنْصُورِ، وَرَتَّبَ أُمُورَهَا، وَأَجْلَوْا مِنْهَا خَلْقًا مِنَ الْكَرَكِيِّينَ، وَاسْتَخْدَمُوا بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ. وَلَمَّا اقْتَرَبَ دُخُولُ آلِ الظَّاهِرِ إِلَى الْقَاهِرَةِ تَلَقَّاهُمُ الْمَنْصُورُ فَأَكْرَمَ لُقْيَاهُمْ، وَأَحْسَنَ إِلَى الْأَخَوَيْنِ نَجْمِ الدِّينِ خَضِرٍ وَبَدْرِ الدِّينِ سَلَامُشَ، وَجَعَلَهُمَا يَرْكَبَانِ مَعَ ابْنَيْهِ عَلِيٍّ وَالْأَشْرَفِ خَلِيلٍ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمَا عُيُونًا يَرْصُدُونَ مَا يَفْعَلَانِ، وَأُنْزِلَا الدُّورَ بِالْقَلْعَةِ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرَّوَاتِبِ وَالنَّفَقَاتِ مَا يَكْفِيهِمْ وَزِيَادَةٌ كَثِيرَةٌ.

وَكَتَبَ الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ بَكْتُوتُ الْعَلَائِيُّ، وَهُوَ مُجَرَّدٌ بِحِمْصَ إِلَى نَائِبِ دِمَشْقَ لَاجِينَ، أَنَّهُ قَدِ انْعَقَدَتْ زَوْبَعَةٌ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ سَابِعِ صَفَرٍ بِأَرْضِ حِمْصَ،

ثُمَّ ارْتَفَعَتْ فِي السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الْعَمُودِ وَالْحَيَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَجَعَلَتْ تَخْتَطِفُ الْحِجَارَةَ الْكِبَارَ، فَتَصْعَدُ بِهَا فِي الْجَوِّ كَأَنَّهَا سِهَامُ النُّشَّابِ، وَحَمَلَتْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْجِمَالِ بِأَحْمَالِهَا، وَالْأَثَاثِ وَالْخِيَامِ وَالدَّوَابِّ، فَفَقَدَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الرِّحَالِ وَالْأَمْتِعَةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

وَفِي هَذَا الْيَوْمِ وَقَعَ مَطَرٌ عَظِيمٌ بِدِمَشْقَ وَجَاءَ سَيْلٌ كَثِيرٌ وَلَا سِيَّمَا بِالصَّالِحِيَّةِ.

وَفِيهَا أُعِيدَ عَلَمُ الدِّينِ الدَّوَادَارِيُّ إِلَى شَدِّ الدَّوَاوِينِ بِدِمَشْقَ، وَالصَّاحِبُ تَقِيُّ الدِّينِ تَوْبَةُ إِلَى الْوِزَارَةِ بِدِمَشْقَ.

وَفِيهَا تَوَلَّى قَضَاءَ الْمَالِكِيَّةِ بِمِصْرَ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ أَبِي مَخْلُوفٍ النُّوَيْرِيُّ عِوَضًا عَنِ الْقَاضِي تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ شَاسٍ الَّذِي تُوُفِّيَ بِهَا.

وَفِيهَا دَرَّسَ بِالْغَزَّالِيَّةِ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ، انْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ شَمْسِ الدِّينِ إِمَامِ الْكَلَّاسَةِ الَّذِي كَانَ يَنُوبُ عَنْ شَمْسِ الدِّينِ الْأَيْكِيِّ، وَالْأَيْكِيُّ شَيْخُ سَعِيدِ السُّعَدَاءِ، بَاشَرَهَا شَهْرًا، ثُمَّ جَاءَ مَرْسُومٌ بِإِعَادَتِهَا إِلَى الْأَيْكِيِّ، وَقَدِ اسْتَنَابَ عَنْهُ جَمَالَ الدِّينِ الْبَاجُرْبَقِيُّ فَبَاشَرَهَا الْبَاجُرْبَقِيُّ فِي ثَالِثِ رَجَبٍ.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ بْنِ تَغْلِبَ الشَّيْبَانِيُّ

أَحَدُ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ الْمُسْنِدِينَ

الْمُعَمَّرِينَ بِدِمَشْقَ، تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ عَنْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِقَاسِيُونَ.

الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْبَارِعُ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُحْمَانَ الْبَكْرِيُّ الشَّرِيشِيُّ الْمَالِكِيُّ

وُلِدَ بِشَرِيشَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، وَرَحَلَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَمِعَ بِهَا الْحَدِيثَ مِنَ الْمَشَايِخِ; الْقَطِيعِيِّ وَابْنِ زَوْرَبَةَ وَابْنِ اللَّتِّيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَاشْتَغَلَ وَحَصَّلَ وَسَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ، فَدَرَّسَ بِالْفَاضِلِيَّةِ، ثُمَّ أَقَامَ بِالْقُدْسِ شَيْخَ الْحَرَمِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى دِمَشْقَ، فَوَلِيَ مَشْيَخَةَ الْحَدِيثِ بِتُرْبَةِ أَمِّ الصَّالِحِ، وَمَشْيَخَةَ الرِّبَاطِ النَّاصِرِيِّ بِالسَّفْحِ، وَمَشْيَخَةَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعُرِضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَلَمْ يَقْبَلْ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ بِالرِّبَاطِ النَّاصِرِيِّ بِقَاسِيُونَ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ تُجَاهَ النَّاصِرِيَّةِ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ حَافِلَةً جِدًّا.

قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْفَضْلِ يُوسُفُ بْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ مُحْيِي الدِّينِ أَبِي الْفَضْلِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْقُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الزَّكِيِّ الشَّافِعِيُّ

كَانَ فَاضِلًا مُبَرَّزًا، وَهُوَ آخِرُ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ مِنْ بَنِي الزَّكِيِّ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وُلِدَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ حَادِي عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَدُفِنَ بِقَاسِيُونَ، وَتَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنُ الْخُوَيِّيِّ شِهَابُ الدِّينِ.

الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمِصْرِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ الْكَاتِبُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمِهْتَارِ

كَانَ فَاضِلًا فِي الْحَدِيثِ وَالْأَدَبِ، يَكْتُبُ كِتَابَةً حَسَنَةً جِدًّا، وَتَوَلَّى مَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ النُّورِيَّةِ، وَقَدْ سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ وَبِكِتَابَتِهِ، تُوُفِّيَ عَاشِرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَدُفِنَ بِبَابِ الْفَرَادِيسِ.

الشَّاعِرُ الْأَدِيبُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْخِيَمِيِّ

كَانَتْ لَهُ مُشَارَكَةٌ فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ، وَيَدٌ طُولَى فِي النَّظْمِ الرَّائِقِ الْفَائِقِ، جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، وَقَدْ تَنَازَعَ هُوَ وَنَجْمُ الدِّينِ بْنُ إِسْرَائِيلَ فِي قَصِيدَةٍ بَائِيَّةٍ، فَتَحَاكَمَا إِلَى ابْنِ الْفَارِضِ، فَأَمَرَهُمَا بِنَظْمِ أَبْيَاتٍ عَلَى وَزْنِهَا، فَنَظَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا فَأَحَسَنَ، وَلَكِنْ لِابْنِ الْخِيَمِيِّ يَدٌ طُولَى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ ابْنُ خَلِّكَانَ، وَامْتَدَحَهُ عَلَى وَزْنِهَا بِأَبِيَّاتٍ حِسَانٍ، وَقَدْ أَطَالَ تَرْجَمَتَهُ الْجَزَرِيُّ فِي كِتَابِهِ.

وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ:

الْحَاجِّ شَرَفِ بْنِ مِرَى

وَالِدِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الْحَقِّ أَبُو يُوسُفَ الْمَرِينِيُّ

سُلْطَانُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، خَرَجَ عَلَى الْوَاثِقِ بِاللَّهِ أَبِي دَبُّوسٍ، فَسَلَبَهُ الْمُلْكَ بِظَاهِرِ مُرَّاكِشَ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ وَالْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَاسْتَمَرَّتْ أَيَّامُهُ إِلَى مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَزَالَتْ عَلَى يَدَيْهِ دَوْلَةُ الْمُوَحِّدِينَ بِهَا.

الْبَيْضَاوِيُّ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ

هُوَ الْقَاضِي الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ نَاصِرُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الشِّيرَازِيُّ

قَاضِيهَا وَعَالِمُهَا وَعَالِمُ أَذْرَبِيجَانَ وَتِلْكَ النَّوَاحِي، مَاتَ بِتَبْرِيزَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَمِنْ مُصَنَّفَاتِهِ «الْمِنْهَاجُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ»، وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَقَدْ شَرَحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَهُ «شَرْحُ التَّنْبِيهِ» فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ، وَلَهُ «الْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي دِرَايَةِ الْفَتْوَى»، وَ «شَرْحُ الْمُنْتَخَبِ»، وَ «الْكَافِيَةُ فِي الْمَنْطِقِ»، وَلَهُ «الطَّوَالِعُ»، وَ «شَرْحُ الْمَحْصُولِ» أَيْضًا، وَلَهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَانِيفِ الْمُفِيدَةِ، وَقَدْ أَوْصَى إِلَى الْقُطْبِ الشِّيرَازِيِّ أَنْ يُدْفَنَ بِجَانِبِهِ بِتَبْرِيزَ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 28 ربيع الأول
هلال جديد اليوم 0.1 / 29.5
الإضاءة 0%
البدر بعد 15 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل