الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة ثلاث وعشرين ومائتين
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَالِثِ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ الْأَفْشِينُ عَلَى الْمُعْتَصِمِ سَامَرَّاءَ وَمَعَهُ بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ، وَقَدْ أَمَرَ الْمُعْتَصِمُ ابْنَهُ هَارُونَ الْوَاثِقَ أَنْ يَتَلَقَّى الْأَفْشِينَ وَكَانَتْ أَخْبَارُهُ تَفِدُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شِدَّةِ اعْتِنَاءِ الْمُعْتَصِمِ بِأَمْرِ بَابَكَ، وَقَدْ رَكِبَ الْمُعْتَصِمُ قَبْلَ وُصُولِ بَابَكَ بِيَوْمَيْنِ عَلَى الْبَرِيدِ حَتَّى دَخَلَ إِلَى بَابَكَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ دُخُولِهِ عَلَيْهِ تَأَهَّبَ الْمُعْتَصِمُ وَاصْطَفَّ النَّاسُ سِمَاطَيْنِ، وَأَمَرَ بَابَكَ أَنْ يَرْكَبَ عَلَى فِيلٍ لِيَشْتَهِرَ أَمْرُهُ وَيَعْرِفُوهُ، وَعَلَيْهِ قَبَاءُ دِيبَاجٍ وَقَلَنْسُوَةُ سَمُّورٍ مُدَوَّرَةٌ، وَقَدْ هُيِّئَ الْفِيلُ، وَخُضِّبَتْ أَطْرَافُهُ، وَأُلْبِسَ مِنَ الْحَرِيرِ وَالْأَمْتِعَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ كَثِيرًا، وَقَدْ قَالَ فِيهِ بَعْضُهُمْ:
قَدْ خُضِّبَ الْفِيلُ كَعَادَاتِهِ يَحْمِلُ شَيْطَانَ خُرَاسَانَ … وَالْفِيلُ لَا تُخَضَّبُ أَعْضَاؤُهُ
إِلَّا لِذِي شَأْنٍ مِنَ الشَّانِ
وَلَمَّا أُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعْتَصِمِ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَحَزِّ رَأْسِهِ، وَشِقِّ بَطْنِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِحَمْلِ رَأْسِهِ إِلَى خُرَاسَانَ وَصَلْبِ جُثَّتِهِ عَلَى خَشَبَةٍ بِسَامَرَّا، وَكَانَ بَابَكُ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي لَيْلَةٍ أَسْفَرَ صَبَاحُهَا عَنْ قَتْلِهِ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ هَذَا الْمَلْعُونُ قَدْ قَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُدَّةِ ظُهُورِهِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَهِيَ عِشْرُونَ سَنَةً مِائَتَيْ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَخَمْسِينَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ إِنْسَانٍ قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَسَرَ خَلْقًا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنِ اسْتَنْقَذَهُ الْأَفْشِينُ مِنْ أَسْرِهِ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةِ آلَافٍ وَسِتِّمِائَةِ إِنْسَانٍ، وَأَسَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَمِنْ حَلَائِلِهِ وَحَلَائِلِ أَوْلَادِهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ امْرَأَةً مِنَ الْخَوَاتِينِ، وَقَدْ كَانَ أَصْلُ بَابَكَ ابْنَ جَارِيَةٍ زَرِيَّةِ الشَّكْلِ جِدًّا، فَآلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى مَا آلَ بِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَرَاحَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِ بَعْدَمَا افْتَتَنَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ الطَّغَامِ
وَلَمَّا قَتَلَهُ الْمُعْتَصِمُ تَوَّجَ الْأَفْشِينَ وَقَلَّدَهُ وِشَاحَيْنِ مِنْ جَوْهَرٍ، وَأَطْلَقَ لَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ لَهُ بِوِلَايَةِ السِّنْدِ وَأَمَرَ الشُّعَرَاءَ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ فَيَمْدَحُوهُ
عَلَى مَا فَعَلَ مِنَ الْخَيْرِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى تَخْرِيبِهِ بَلَدَ بَابَكَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْبَذُّ وَتَرْكِهِ إِيَّاهَا يَبَابًا خَرَابًا، فَقَالُوا فِي ذَلِكَ فَأَحْسَنُوا، وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ أَبُو تَمَامٍ الطَّائِيُّ، وَقَدْ أَوْرَدَ قَصِيدَتَهُ بِتَمَامِهَا الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ صلى الله عليه وسلم فِي «تَارِيخِهِ»، وَهِيَ قَوْلُهُ:
بَذَّ الْجِلَادُ فَهُوَ دَفِينُ … مَا إِنْ بِهِ إِلَّا الْوُحُوشَ قَطِينُ
لَمْ يُقْرَ هَذَا السَّيْفُ هَذَا الصَّبْرَ فِي … هَيْجَاءَ إِلَّا عَزَّ هَذَا الدِّينُ
قَدْ كَانَ عُذْرَةَ سُؤْدَدٍ فَافْتَضَّهَا … بِالسَّيْفِ فَحْلُ الْمَشرِقِ الْأَفْشِينُ
فَأَعَادَهَا تَعْوِي الثَّعَالِبُ وَسْطَهَا … وَلَقَدْ تُرَى بِالْأَمْسِ وَهِيَ عَرِينُ
هَطَلَتْ عَلَيْهَا مِنْ جَمَاجِمِ أَهْلِهَا … دِيَمٌ أَمَارَتْهَا طُلًى وَشُئُونُ
كَانَتْ مِنَ الْمُهْجَاتِ قَبْلَ ذَاكَ مَفَازَةً … عَسِرًا فَأَمْسَتْ وَهِيَ مِنْهُ مَعِينُ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ أَوْقَعَ مَلِكُ الرُّومِ تَوْفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ لَعَنَهُ اللَّهُ بِأَهْلِ مَلَطْيَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا وَالَاهَا مَلْحَمَةً عَظِيمَةً قَتَلَ فِيهَا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَسَرَ مَا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَكَانَ مِنْ
جُمْلَةِ مَنْ أَسَرَ أَلْفَ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ، وَمَثَّلَ بِمَنْ وَقَعَ فِي أَسْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَطَّعَ آذَانَهُمْ وَآنَافَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ بَابَكَ لَعَنَهُ اللَّهُ لَمَّا أُحِيطَ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي مَدِينَتِهِ الْبَذِّ وَاسْتَوْسَقَتِ الْجُنُودُ حَوْلَهُ، كَتَبَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ مِلْكَ الْعَرَبِ قَدْ جَهَّزَ إِلَيَّ جُمْهُورَ جَيْشِهِ وَلَمْ يُبْقِ فِي أَطْرَافِ بِلَادِهِ مَنْ يَحْفَظُهَا، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْغَنِيمَةَ فَانْهَضْ سَرِيعًا إِلَى مَا حَوْلَكَ مِنْ بِلَادِهِ فَخُذْهَا، فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ أَحَدًا يُمَانِعُكَ عَنْهَا، فَرَكِبَ تَوْفِيلُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فِي مِائَةِ أَلْفٍ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ الْمُحَمِّرَةُ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا فِي الْجِبَالِ وَقَاتَلَهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ، وَتَحَصَّنُوا بِتِلْكَ الْجِبَالِ فَلَمَّا قَدِمَ مَلِكُ الرُّومِ صَارُوا مَعَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَوَصَلُوا إِلَى زِبَطْرَةَ فَقَتَلُوا مِنْ رِجَالِهَا خَلْقًا كَثِيرًا وَأَسَرُوا مِنْ حَرِيمِهَا أُمَّةً كَثِيرَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُعْتَصِمَ فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ جِدًّا، وَصَرَخَ فِي قَصْرِهِ بِالنَّفِيرِ، وَنَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ، فَأَمَرَ بِتَعْبِئَةِ الْجُيُوشِ، وَاسْتَدْعَى بِالْقَاضِي، وَالْعُدُولِ، فَأَشْهَدَهُمْ أَنَّ مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الضِّيَاعِ ثُلُثُهُ صَدَقَةٌ، وَثُلُثُهُ لِوَلَدِهِ، وَثُلُثُهُ لِمَوَالِيهِ.
وَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ فَعَسْكَرَ غَرْبَيْ دِجْلَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَوَجَّهَ بَيْنَ يَدَيْهِ عُجَيْفًا، وَطَائِفَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ وَمَعَهُمْ خَلْقٌ مِنَ الْجَيْشِ إِعَانَةً لِأَهْلِ زِبَطْرَةَ فَأَسْرَعُوا السَّيْرَ، فَوَجَدُوا مَلِكَ الرُّومِ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ وَانْشَمَرَ إِلَى بِلَادِهِ رَاجِعًا، وَتَفَارَطَ الْحَالُ وَلَمْ يُمْكِنِ الِاسْتِدْرَاكُ فِيهِ، وَرَجَعُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ لِإِعْلَامِهِ بِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ، فَقَالَ لِلْأُمَرَاءِ: أَيُّ بِلَادِ الرُّومِ أَمْنَعُ؟ قَالُوا: عَمُّورِيَةُ لَمْ يَعْرِضْ لَهَا أَحَدٌ مُنْذُ كَانَ الْإِسْلَامُ، وَهِيَ أَشْرَفُ عِنْدَهُمْ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
ذِكْرُ فَتْحِ عَمُّورِيَةَ عَلَى يَدِ الْمُعْتَصِمِ
لَمَّا تَفَرَّغَ الْمُعْتَصِمُ مِنْ شَأْنِ بَابَكَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَتَلَهُ وَأَخَذَ بِلَادَهُ، اسْتَدْعَى بِالْجُيُوشِ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ، وَتُجَهَّزَ جِهَازًا لَمْ يَتَجَهَّزْهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَأَخَذَ مَعَهُ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْأَحْمَالِ وَالْجِمَالِ وَالْقِرَبِ وَالدَّوَابِّ وَالنِّفْطِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ شَيْئًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَسَارَ إِلَيْهَا، فِي جَحَافِلَ كَالْجِبَالِ، وَبَعَثَ الْأَفْشِينُ خَيْذَرَ بْنَ كَاوَسَ مِنْ نَاحِيَةِ سَرُوجَ وَعَبَّأَ الْخَلِيفَةُ جَيْشَهُ تَعْبِئَةً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأُمَرَاءَ الْمَعْرُوفِينَ بِالْحَرْبِ، فَانْتَهَى فِي سَيْرِهِ إِلَى نَهْرِ اللَّمِسِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ طَرَسُوسَ وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ
الْمُبَارَكَةِ.
وَقَدْ رَكِبَ مَلِكُ الرُّومِ فِي جَيْشِهِ، فَقَصَدَ نَحْوَ الْمُعْتَصِمِ، فَتَقَارَبَا حَتَّى كَانَ بَيْنَ الْجَيْشَيْنِ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ، وَدَخَلَ الْأَفْشِينُ بِلَادَ الرُّومِ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَجَاءَ مِنْ وَرَاءِ مَلِكِ الرُّومِ، فَحَارَ فِي أَمْرِهِ وَضَاقَ ذَرْعُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ إِنْ هُوَ نَاجَزَ الْخَلِيفَةَ جَاءَهُ الْأَفْشِينُ مِنْ خَلْفِهِ، فَالْتَقَيَا عَلَيْهِ فَيَهْلَكُ، وَإِنْ سَارَ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَتَرَكَ الْآخَرَ أَخَذَهُ مِنْ وَرَائِهِ، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنْهُ الْأَفْشِينُ فَسَارَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ فِي شِرْذِمَةٍ مِنَ الْجَيْشِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَقِيَّتِهِ قَرِيبًا لَهُ، فَالْتَقَى هُوَ وَالْأَفْشِينُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَثَبَتَ الْأَفْشِينُ فِي ثَانِي الْحَالِ، وَقَتَلَ مِنَ الرُّومِ خَلْقًا، وَجُرِحَ آخَرِينَ، وَتَفَلَّتَ فِئَةُ مَلِكِ الرُّومِ، وَبَلَغَهُ أَنَّ بَقِيَّةَ الْجَيْشِ قَدْ شَرَدُوا عَنْ قَرَابَتِهِ وَذَهَبُوا عَنْهُ وَتَفَرَّقُوا عَلَيْهِ، فَأَسْرَعَ الْأَوْبَةَ، فَإِذَا نِظَامُ الْجَيْشِ قَدِ انْحَلَّ، فَغَضِبَ عَلَى قَرَابَتِهِ وَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ جِدًّا، فَرَكِبَ مِنْ
فَوْرِهِ وَجَاءَ إِلَى أَنْقِرَةَ وَوَافَاهُ الْأَفْشِينُ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى هُنَالِكَ، فَوَجَدُوا أَهْلَهَا قَدْ هَرَبُوا مِنْهَا وَتَفَرَّقُوا عَنْهَا فَتَقْوَّوْا مِنْهَا بِطَعَامٍ وَعُلُوفَةٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ فَرَّقَ الْمُعْتَصِمُ جَيْشَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ؛ فَالْمَيْمَنَةُ عَلَيْهَا الْأَفْشِينُ وَالْمَيْسَرَةُ عَلَيْهَا أَشْنَاسُ وَالْمُعْتَصِمُ فِي الْقَلْبِ، وَبَيْنَ كُلِّ عَسْكَرَيْنِ فَرْسَخَانِ، وَأَمَرَ كُلَّ أَمِيرٍ مِنَ الْأَفْشِينِ وَأَشْنَاسَ أَنْ يَجْعَلَ لِجَيْشِهِ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَقَلْبًا وَمُقَدِّمَةً وَسَاقَةً، وَأَنَّهُمْ مَهْمَا مَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الْقُرَى حَرَّقُوا، وَخَرَّبُوا، وَأَسَرُوا، وَغَنِمُوا، وَسَارَ بِهِمْ كَذَلِكَ قَاصِدًا إِلَى عَمُّورِيَةَ وَكَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْقِرَةَ سَبْعُ مَرَاحِلَ، فَأَوَّلُ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهَا مِنَ الْجُيُوشِ أَشْنَاسُ أَمِيرُ الْمَيْسَرَةِ ضَحْوَةَ يَوْمِ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَدَارَ حَوْلَهَا دَوْرَةً، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْهَا، ثُمَّ قَدِمَ الْمُعْتَصِمُ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَهُ، فَدَارَ حَوْلَهَا دَوْرَةً، ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْهَا، ثُمَّ قَدِمَ الْأَفْشِينُ يَوْمَ السَّبْتِ فَدَارَ حَوْلَهَا دَوْرَةً ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْهَا وَقَدْ تَحَصَّنَ أَهْلُهَا، وَمَلَئُوا أَبْرَاجَهَا بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ، وَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا ذَاتُ سُورٍ مَنِيعٍ، وَأَبْرَاجٍ عَالِيَةٍ كَبِيرَةٍ، وَقَسَّمَ الْمُعْتَصِمُ الْأَبْرَاجَ عَلَى الْأُمَرَاءِ، فَنَزَلَ كُلُّ أَمِيرٍ تُجَاهَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَقْطَعُهُ، وَعَيَّنَهُ لَهُ، وَنَزَلَ الْمُعْتَصِمُ قُبَالَهُ بِمَكَانٍ هُنَاكَ قَدْ أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأُسَرَاءِ، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ عِنْدَهُمْ، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُسْلِمِينَ مَعَهُ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَخَرَجَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَأَسْلَمَ وَأَعْلَمَهُ بِمَكَانٍ فِي السُّورِ كَانَ قَدْ هَدَمَهُ السَّيْلُ وَبُنِيَ بِنَاءً فَاسِدًا بِلَا أَسَاسٍ، فَنَصبَ الْمُعْتَصِمُ الْمَجَانِيقَ حَوْلَ عَمُّورِيَةَ فَكَانَ أَوَّلُ مَوْضِعٍ انْهَدَمَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي نَصَحَ فِيهِ ذَلِكَ الْأَسِيرُ، فَبَادَرَ أَهْلُ الْبَلَدِ، فَسَدُّوهُ بِالْخَشَبِ الْكِبَارِ الْمُتَلَاصِقَةِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهَا الْمَنْجَنِيقُ فَكَسَرَهَا فَجَعَلُوا فَوْقَهَا الْبَرَادِعُ؛ لِيَرُدُّوا حِدَّةَ الْحَجَرِ، فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهَا الْمَنْجَنِيقُ لَمْ تُغْنِ شَيْئًا، وَانْهَدَمَ السُّورُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَتَفَسَّخَ، فَكَتَبَ نَائِبُ الْبَلَدِ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَبَعَثَ ذَلِكَ مَعَ غُلَامَيْنِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَلَمَّا اجْتَازُوا بِالْجَيْشِ فِي طَرِيقِهِمْ أَنْكَرُوا أَمْرَهُمَا، فَسَأَلُوهُمَا مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَا: مِنْ أَصْحَابِ فُلَانٍ، لِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَحُمِلَا إِلَى الْمُعْتَصِمِ فَقَرَّرَهُمَا، فَإِذَا مَعَهُمَا كِتَابُ يَاطَسَ نَائِبِ عَمُّورِيَةَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يُعْلِمُهُ بِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْحِصَارِ، وَأَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَبْوَابِ الْبَلَدِ بِمَنْ مَعَهُ بَغْتَةً فَيُنَاجِزُ الْمُسْلِمِينَ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا
كَانَ. فَلَمَّا وَقَفَ الْمُعْتَصِمُ عَلَى ذَلِكَ أَمَرَ بِالْغُلَامَيْنِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمَا، وَأَنْ يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدُرَّةٍ، فَأَسْلَمَا مِنْ فَوْرِهِمَا، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُطَافَ بِهِمَا حَوْلَ الْبَلَدِ، وَعَلَيْهِمَا الْخُلَعُ، وَأَنْ يُوقَفَا تَحْتَ الْحِصْنِ الَّذِي فِيهِ يَاطَسُ، فَيُنْثَرَ عَلَيْهِمَا الدَّرَاهِمُ وَالْخُلَعُ، وَمَعَهُمَا الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبَ بِهِ يَاطَسُ مَعَهُمَا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، فَجَعَلَتْ الرُّومُ تَلْعَنُهُمَا وَتَسُبُّهُمَا. ثُمَّ أَمَرَ الْمُعْتَصِمُ عِنْدَ ذَلِكَ بِتَجْدِيدِ الْحَرَسِ وَالِاحْتِفَاظِ فِيهِ مِنْ خُرُوجِ الرُّومِ بَغْتَةً، فَضَاقَتْ الرُّومُ ذَرْعًا بِذَلِكَ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْحِصَارِ، وَقَدْ أَعَدَّ الْمُعْتَصِمُ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ الْكَثِيرَةَ وَالدَّبَّابَاتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ. وَلَمَّا رَأَى الْمُعْتَصِمُ عُمْقَ خَنْدَقِهَا، وَارْتِفَاعَ سُورِهَا عَمِلَ الْمَجَانِيقَ فِي مُقَاوَمَةِ سُورِهَا، وَكَانَ قَدْ غَنِمَ فِي الطَّرِيقِ غَنَمًا كَثِيرًا جِدًّا فَفَرَّقَهَا فِي النَّاسِ، وَقَالَ: لِيَأْكُلِ الرَّجُلُ الرَّأْسَ، وَلْيَجِئْ بِمِلْءِ جِلْدِهِ تُرَابًا فَيَطْرَحُهُ فِي الْخَنْدَقِ. فَفَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَتَسَاوَى الْخَنْدَقُ بِوَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ كَثْرَةِ مَا طُرِحَ فِيهِ مِنَ الْأَغْنَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالتُّرَابِ، فَوُضِعَ فَوْقَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ طَرِيقًا مُمَهَّدًا، وَأَمَرَ بِالدَّبَّابَاتِ أَنْ تُوضَعَ فَوْقَهُ، فَلَمْ يُحْوِجِ اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ، وَبَيْنَمَا النَّاسُ فِي الْحَرَسِ إِذْ هَدَمَ الْمَنْجَنِيقُ ذَلِكَ
الْمَوْضِعَ الْمَعِيبَ مِنَ السُّورِ، فَلَمَّا سَقَطَ مَا بَيْنَ الْبُرْجَيْنِ سَمِعَ النَّاسُ هَدَّةً عَظِيمَةً، فَظَنَّهَا مَنْ لَمْ يَرَهَا أَنَّ الرُّومَ قَدْ خَرَجُوا عَلَى النَّاسِ بَغْتَةً، فَبَعَثَ الْمُعْتَصِمُ مَنْ يُنَادِي فِي النَّاسِ: إِنَّمَا ذَلِكَ سُقُوطُ السُّورِ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَّسِعُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْهُ الْجَيْشُ لِضِيقِهِ عَنْهُمْ، فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِالْمَجَانِيقِ الْمُتَفَرِّقَةِ فَجُمِعَتْ هُنَالِكَ وَنُصِبَتْ حَوْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي سَقَطَ، لِيُضْرَبَ بِهَا مَا حَوْلَهُ لِيَتَّسِعَ لِدُخُولِ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ. وَقَوِيَ الْحِصَارُ هُنَالِكَ جِدًّا، وَقَدْ وَكَّلَتِ الرُّومُ لِكُلِّ بُرْجٍ مِنْ أَبْرَاجِ السُّورِ أَمِيرًا يَحْفَظُهُ، وَاتَّفَقَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمِيرَ الَّذِي انْهَدَمَ مَا عِنْدَهُ مِنَ السُّورِ ضَعُفَ عَنْ مُقَاوَمَةِ مَا يَلْقَاهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَذَهَبَ إِلَى يَاطَسَ، فَسَأَلَهُ النَّجْدَةَ، فَامْتَنَعَ أَحَدٌ مِنَ الرُّومِ أَنْ يُنْجِدَهُ، وَقَالُوا: لَا نَتْرُكُ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ حِفْظِ أَمَاكِنِنَا الَّتِي عُيِّنَتْ لَنَا.
فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ خَرَجَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ لِيَجْتَمِعَ بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَمَرَ الْمُعْتَصِمُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْخُلُوا الْبَلَدَ مِنْ تِلْكَ الثَّغْرَةِ الَّتِي قَدِ انْهَدَمَتْ وَخَلَتْ مِنْ
الْمُقَاتِلَةِ، فَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ نَحْوَهَا، فَجَعَلَتِ الرُّومُ يُشِيرُونَ إِلَيْهِمْ لَا تَحْيَوْا، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى دِفَاعِهِمْ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ تَكَاثَرُوا عَلَيْهِمْ وَدَخَلُوا الْبَلَدَ قَهْرًا وَتَتَابَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا يُكَبِّرُونَ، وَتَفَرَّقَتِ الرُّومُ عَنْ أَمَاكِنِهَا، فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ حَيْثُ وَجَدُوهُمْ وَأَيْنَ ثَقِفُوهُمْ، وَقَدْ حَصَرُوهُمْ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ هَائِلَةٍ، فَفَتَحُوهَا قَسْرًا وَقَتَلُوا مَنْ فِيهَا قَهْرًا، وَأَحْرَقُوا عَلَيْهِمْ بَابَ الْكَنِيسَةِ فَأُحْرِقُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مَوْضِعٌ مُحَصَّنٌ سِوَى الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ النَّائِبُ وَهُوَ يَاطَسُ، فِي حِصْنٍ مَنِيعٍ، فَرَكِبَ الْمُعْتَصِمُ فَرَسَهُ وَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ بِحِذَاءِ الْحِصْنِ الَّذِي فِيهِ يَاطَسُ، فَنَادَاهُ الْمُنَادِي: وَيْحَكَ يَا يَاطَسُ، هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَاقِفٌ تُجَاهَكَ. فَقَالَ: لَيْسَ يَاطَسُ هَاهُنَا. مَرَّتَيْنِ. فَغَضِبَ الْمُعْتَصِمُ مِنْ ذَلِكَ وَوَلَّى، فَنَادَى يَاطَسُ: هَذَا يَاطَسُ، هَذَا يَاطَسُ. فَرَجَعَ الْخَلِيفَةُ وَنَصَبَ السَّلَالِمَ عَلَى الْحِصْنِ، وَطَلَعَتِ الرُّسُلُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ، انْزِلْ عَلَى حُكْمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَتَمَنَّعَ، ثُمَّ نَزَلَ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، فَوَضَعَ السَّيْفَ مِنْ
عُنُقِهِ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ حَتَّى أُوْقِفَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعْتَصِمِ، فَضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى مَضْرِبِ الْخَلِيفَةِ، فَمَشَى مُهَانًا إِلَى الْوِطَاقِ الَّذِي فِيهِ الْخَلِيفَةُ نَازِلٌ، فَأُوثِقَ هُنَاكَ، وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَمُّورِيَةَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً وَغَنَائِمَ لَا تُحَدُّ وَلَا تُوَصَفُ، فَحَمَلُوا مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ، وَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِإِحْرَاقِ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ، وَبِإِحْرَاقِ مَا هُنَالِكَ مِنَ الْمَجَانِيقِ وَالدَّبَّابَاتِ وَآلَاتِ الْحَرْبِ؛ لِئَلَّا يَتَقَوَّى بِهَا الرُّومُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، وَانْصَرَفَ رَاجِعًا عَنْهَا إِلَى نَاحِيَةِ طَرَسُوسَ فِي أَوَاخِرِ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتْ إِقَامَتُهُ عَلَى عَمُّورِيَةَ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا.
ذِكْرُ مَقْتَلِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ
كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمَأْمُونِ مَعَ عَمِّهِ الْمُعْتَصِمِ فِي غَزَاةِ عَمُّورِيَةَ وَكَانَ عُجَيْفُ بْنُ عَنْبَسَةَ قَدْ نَدَّمَهُ إِذْ لَمْ يَأْخُذِ الْخِلَافَةَ بَعْدَ أَبِيهِ الْمَأْمُونِ حِينَ مَاتَ بِطَرَسُوسَ، وَلَامَهُ عَلَى مُبَايَعَتِهِ عَمَّهُ الْمُعْتَصِمَ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَجَابَهُ إِلَى الْفَتْكِ بِعَمِّهِ الْمُعْتَصِمِ، وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ مِنَ الْأُمَرَاءِ لَهُ، وَجَهَّزَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَكَانَ نَدِيمًا لِلْعَبَّاسِ، فَأَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ فِي الْبَاطِنِ، وَاسْتَوْثَقَ مِنْهُمْ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ يَلِي مَتَى مَا فَتَكَ بِعَمِّهِ، فَلْيَقْتُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِ الْمُعْتَصِمِ؛ كَالْأَفْشِينِ وَأَشْنَاسَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكِبَارِ، فَلَمَّا كَانُوا بِدَرْبِ الرُّومِ وَهُمْ قَاصِدُونَ إِلَى أَنْقِرَةَ وَمِنْهَا إِلَى عَمُّورِيَةَ أَشَارَ عُجَيْفٌ
عَلَى الْعَبَّاسِ أَنْ يَقْتُلَ عَمَّهُ فِي هَذَا الْمَضِيقِ، وَيَأْخُذَ لَهُ الْبَيْعَةَ، وَيَرْجِعَ إِلَى بَغْدَادَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُعَطِّلَ عَلَى النَّاسِ هَذِهِ الْغَزْوَةَ. فَلَمَّا فَتَحُوا عَمُّورِيَةَ وَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِالْمَغَانِمِ أَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتِكَ، فَوَعَدَهُ مَضِيقَ الدَّرْبِ إِذَا رَجَعُوا، فَلَمَّا رَجَعُوا فَطِنَ الْمُعْتَصِمُ بِالْخَبَرِ، فَأَمَرَ بِالِاحْتِفَاظِ وَقُوَّةِ الْحَرَسِ، وَأَخَذَ بِالْحَزْمِ وَاجْتَهَدَ فِي الْعَزْمِ، وَاسْتَدْعَى بِالْحَارِثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، فَاسْتَقَرَّهُ فَأَقَرَّ لَهُ بِجَلِيَّةِ الْأَمْرِ، وَأَنَّهُ أَخَذَ الْبَيْعَةَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ أَسْمَاهُمْ لَهُ، فَاسْتَكْثَرَهُمُ الْمُعْتَصِمُ، وَاسْتَدْعَى بِابْنِ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ فَقَيَّدَهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَأَهَانَهُ، ثُمَّ أَظْهَرَ لَهُ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ وَعَفَا عَنْهُ، فَأَرْسَلَهُ مِنَ الْقَيْدِ وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ اسْتَدْعَاهُ إِلَى حَضْرَتِهِ فِي مَجْلِسِ شَرَابِهِ، وَاسْتَخْلَاهُ حَتَّى سَقَاهُ وَاسْتَحْكَاهُ عَنِ الَّذِي كَانَ قَدْ دَبَّرَهُ مِنَ الْأَمْرِ، فَشَرَحَ لَهُ الْقَضِيَّةَ وَأَنْهَى لَهُ الْقِصَّةَ، فَإِذَا الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَ الْحَارِثُ السَّمَرْقَنْدِيُّ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اسْتَدْعَى بِالْحَارِثِ، فَأَخْلَاهُ وَسَأَلَهُ عَنِ الْقَضِيَّةِ ثَانِيًا، فَذَكَرَهَا لَهُ كَمَا ذَكَرَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، إِنِّي كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ أَجِدْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا بِصِدْقِكَ إِيَّايَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ. ثُمَّ أَمَرَ الْمُعْتَصِمُ حِينَئِذٍ بِابْنِ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ، فَقُيِّدَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْأَفْشِينِ وَأَمَرَ بِعُجَيْفٍ وَبَقِيَّةِ مَنْ ذَكَرَ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَاحْتِيطَ عَلَيْهِمْ وَأُحِيطَ بِهِمْ، ثُمَّ أَخَذَ فِي أَنْوَاعِ النِّقْمَاتِ يَقْتَرِحُهَا لَهُمْ، فَقَتَلَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِنَوْعٍ مِنَ الْقِتْلَاتِ، وَمَاتَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمَأْمُونِ بِمَنْبِجَ فَدُفِنَ هُنَاكَ، وَكَانَ سَبَبَ
مَوْتِهِ أَنَّهُ جَاعَ جُوعًا شَدِيدًا، ثُمَّ جِيءَ بِأَكْلٍ كَثِيرٍ، فَأَكَلَ وَطَلَبَ الْمَاءَ، فَمُنِعَ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ، وَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِلَعْنِهِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَسَمَّاهُ اللَّعِينَ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ وَلَدِ الْمَأْمُونِ أَيْضًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، وَفُتِحَتْ فِيهَا عَمُّورِيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَتُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ قُتِلَ وَصُلِبَ كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا. وَخَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، كَاتِبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْعَوَقِيُّ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ.