سنة عشر ومائتين

الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة عشر ومائتين

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

أحداث سنة عشر ومائتين

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ

فِي صَفَرٍ مِنْهَا دَخَلَ نَصْرُ بْنُ شَبَثٍ إِلَى بَغْدَادَ حِينَ بَعَثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ مِنَ الرَّقَّةِ فَدَخَلَهَا وَلَمْ يَتَلَقَّهُ أَحَدٌ مِنَ الْجُنْدِ بَلْ دَخَلَهَا وَحْدَهُ فَأُنْزِلَ فِي مَدِينَةِ أَبِي جَعْفَرٍ، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، وَفِي هَذَا الشَّهْرِ ظَفِرَ الْمَأْمُونُ بِجَمَاعَةٍ مِنْ كُبَرَاءِ مَنْ كَانَ بَايَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ فَعَاقَبَهُمْ وَحَبَسَهُمْ فِي الْمُطْبِقِ.

ظُهُورُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ بَعْدَ اخْتِفَائِهِ

وَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْأَحَدِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا اجْتَازَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ وَكَانَ مُخْتَفِيًا مُدَّةَ سِتِّ سِنِينَ وَشُهُورٍ مُنْتَقِبًا فِي زِيِّ امْرَأَةٍ وَمَعَهُ امْرَأَتَانِ فِي بَعْضِ دُرُوبِ بَغْدَادَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ، فَقَامَ الْحَارِسُ فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ وَمِنْ أَيْنَ؟ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُمْسِكَهُنَّ، فَأَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ خَاتَمًا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ يَاقُوتٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَارِسُ اسْتَرَابَ وَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا خَاتَمُ رَجُلٍ كَبِيرِ الشَّأْنِ. فَذَهَبَ بِهِنَّ إِلَى مُتَوَلِّي اللَّيْلِ، فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يُسْفِرْنَ عَنْ وُجُوهِهِنَّ، فَتَمَنَّعَ

إِبْرَاهِيمُ فَكَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ فَإِذَا هُوَ هُوَ، فَعَرَفَهُ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى صَاحِبِ الْحَرَسِ فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، فَرَفَعَهُ الْآخَرُ إِلَى بَابِ الْمَأْمُونِ فَأَصْبَحَ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ وَنِقَابُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَالْمِلْحَفَةُ فِي صَدْرِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيَعْلَمُوا كَيْفَ أُخِذَ. فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِالِاحْتِفَاظِ بِهِ وَالِاحْتِرَاسِ عَلَيْهِ مُدَّةً، ثُمَّ أَطْلَقَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. هَذَا وَقَدْ صَلَبَ جَمَاعَةً مِمَّنْ كَانَ سَجَنَهُمْ بِسَبَبِهِ لِكَوْنِهِمْ أَرَادُوا الْفَتْكَ بِالْمُوَكَّلِينَ بِالسِّجْنِ، فَصَلَبَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةً.

وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ لَمَّا أُوقِفَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ شَرَعَ فِي تَأْنِيبِهِ، فَتَرَقَّقَ لَهُ عَمُّهُ إِبْرَاهِيمُ كَثِيرًا، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ تُعَاقِبْ فَبِحَقِّكَ، وَإِنْ تَعْفُ فَبِفَضْلِكَ. فَقَالَ: بَلْ أَعْفُو يَا إِبْرَاهِيمُ، إِنَّ الْقُدْرَةَ تُذْهِبُ الْحَفِيظَةَ، وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَبَيْنَهُمَا عَفْوُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ أَكْبَرُ مِمَّا تَسْأَلُهُ. فَكَبَّرَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وَقَدِ امْتَدَحَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ ابْنَ أَخِيهِ الْمَأْمُونَ بِقَصِيدَةٍ بَالَغَ فِيهَا، فَلَمَّا سَمِعَهَا الْمَأْمُونُ قَالَ: أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يُوسُفَ: ٩٢] وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا عَفَا عَنْ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ أَمَرَهُ أَنْ يُغَنِّيَهُ شَيْئًا، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُهُ. فَأَمَرَهُ فَأَخَذَ الْعُودَ فِي حِجْرِهِ، وَقَالَ:

هَذَا مَقَامُ مُسَوَّدٍ … خَرِبَتْ مَنَازِلُهُ وَدُورُهْ

نَمَّتْ عَلَيْهِ عِدَاتُهُ … كَذِبًا فَعَاقَبَهُ أَمِيرُهْ

ثُمَّ عَادَ فَقَالَ:

ذَهَبْتُ مِنَ الدُّنْيَا وَقَدْ ذَهَبَتْ مِنِّى … لَوَى الدَّهْرُ بِي عَنْهَا وَوَلَّى بِهَا عَنِّي

فِإِنْ أَبْكِ نَفْسِي أَبْكِ نَفْسًا عَزِيزَةً … وَإِنْ أَحْتَقِرْهَا أَحْتَقِرْهَا عَلَى ضَنِّ

وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ الْمُسِيءَ بِعَيْنِهِ … بِرَبِّي تَعَالَى جَدُّهُ حَسَنُ الظَّنِّ

عَدَوْتُ عَلَى نَفْسِي فَعَادَ بِعَفْوِهِ … عَلَيَّ فَعَادَ الْعَفْوُ مَنًّا عَلَى مَنِّ

فَقَالَ الْمَأْمُونُ: أَحْسَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا. فَرَمَى بِالْعُودِ مِنْ حِجْرِهِ، وَوَثَبَ قَائِمًا فَزِعًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: اقْعُدْ وَاسْكُنْ، مَرْحَبًا بِكَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِشَيْءٍ تَتَوَهَّمُهُ، وَوَاللَّهِ لَا رَأَيْتَ طُولَ أَيَّامِي شَيْئًا تَكْرَهُهُ، وَتَغْتَمُّ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِرَدِّ جَمِيعِ مَا كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالضِّيَاعِ وَالدُّورِ، فَرُدَّتْ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مُكْرَمًا مُعَظَّمًا.

عُرْسُ بُورَانَ

وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا بَنَى الْمَأْمُونُ بِبُورَانَ بِنْتِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ فِي رَمَضَانَ إِلَى مُعَسْكَرِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ بِفَمِ الصِّلْحِ، وَكَانَ الْحَسَنُ قَدْ عُوفِيَ مِنْ مَرَضِهِ فَنَزَلَ الْمَأْمُونُ عِنْدَهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ وُجُوهِ الْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَأَكَابِرِ بَنِي هَاشِمٍ، فَدَخَلَ بِبُورَانَ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فِي لَيْلَةٍ عَظِيمَةٍ، وَقَدْ أُشْعِلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ شُمُوعُ الْعَنْبَرِ، وَنُثِرَ عَلَى رَأْسِهِ الدُّرُّ وَالْجَوْهَرُ، فَوْقَ حُصْرٍ مَنْسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ. وَكَانَ عَدَدُ الْجَوْهَرِ مِنْهُ أَلْفَ دُرَّةٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُمِعَ فِي صِينِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ كَانَ الْجَوْهَرُ فِيهَا، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا نَثَرْنَاهُ لِتَتَلَقَّطَهُ الْجَوَارِي. فَقَالَ: لَا، أَنَا أُعَوِّضُهُنَّ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ. فَجَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْعَرُوسُ وَمَعَهَا جَدَّتُهَا وَزُبَيْدَةُ أُمُّ أَخِيهِ الْأَمِينِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ جَاءَ مَعَهَا فَأُجْلِسَتْ إِلَى جَانِبِهِ فَصَبَّ فِي حِجْرِهَا ذَلِكَ

الْجَوْهَرَ، وَقَالَ لَهَا: هَذَا نِحْلَةٌ مِنِّي لَكِ، وَسَلِي حَاجَتِكَ. فَأَطْرَقَتْ حَيَاءً، فَقَالَتْ جَدَّتُهَا: كَلِّمِي سَيِّدَكِ وَسَلِيهِ حَاجَتَكِ فَقَدْ أَمَرَكِ. فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَرْضَى عَنْ عَمِّكَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَأَنْ تَرُدَّهُ إِلَى مَنْزِلَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: وَأُمُّ جَعْفَرٍ تَعْنِي زُبَيْدَةَ تَأْذَنُ لَهَا فِي الْحَجِّ. قَالَ: نَعَمْ. فَخَلَعَتْ عَلَيْهَا زُبَيْدَةُ بِذْلَتَهَا الْأُمَوِيَّةَ، وَأَطْلَقَتْ لَهَا قَرْيَةً مُقَوَّرَةً. وَأَمَّا وَالِدُ الْعَرُوسِ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ فَإِنَّهُ كَتَبَ أَسْمَاءَ قُرَاهُ وَضِيَاعَهُ وَأَمْلَاكَهُ فِي رِقَاعٍ وَنَثَرَهَا عَلَى الْأُمَرَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ، فَمَنْ وَقَعَتْ فِي يَدِهِ مِنْهَا رُقْعَةٌ، بَعَثَ إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي فِيهَا نُوَّابُهُ فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ مِلْكًا خَالِصًا. وَأَنْفَقَ عَلَى الْمَأْمُونِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ عِنْدَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا يُعَادِلُ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَلَمَّا أَرَادَ الْمَأْمُونُ الِانْصِرَافَ مِنْ عِنْدِهِ، أَطْلَقَ لَهُ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَقْطَعَهُ الْبَلْدَةَ الَّتِي هُوَ نَازِلٌ بِهَا، وَهُوَ إِقْلِيمُ فَمِ الصِّلْحِ مُضَافًا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْإِقْطَاعَاتِ. وَرَجَعَ الْمَأْمُونُ إِلَى بَغْدَادَ فِي أَوَاخِرِ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ رَكِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ إِلَى مِصْرَ فَاسْتَنْقَذَهَا بِأَمْرِ الْمَأْمُونِ مِنْ يَدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ السَّرِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، الْمُتَغَلِّبِ عَلَيْهَا، وَاسْتَعَادَهَا مِنْهُ بَعْدَ

حُرُوبٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا.

وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ اللُّغَوِيُّ. وَاسْمُهُ إِسْحَاقُ بْنُ مِرَارٍ. وَمَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّاطَرِيُّ. وَيَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 69%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل