سمعتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ابْغُوني الضُّعَفَاء…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٢٧٢

الحديث رقم ٢٧٢ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ابغوني…

سمعتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ابْغُوني الضُّعَفَاء، فَإنَّمَا تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ، بِضُعَفَائِكُمْ». رواه أَبُو داود بإسناد جيد (١).

[٣٤ - باب الوصية بالنساء]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف} [النساء:١٩]، وَقالَ تَعَالَى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: ١٢٩].

سند حديث: ٢٧٢ - وعن أَبي الدَّرداءِ عُويمر - رضي الله…

٢٧٢ - وعن أَبي الدَّرداءِ عُويمر - رضي الله عنه - قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ابغوني…

ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء بطلب رضاه بتفقد حال الضعفاء والفقراء وحفظ حقوقهم والإحسان إليهم فإن ذلك سبب في رزق الله والنصر على الأعداء.
فهم غالبا أشد إخلاصا في الدعاء، وأكثر خشوعا في العبادة لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحض على التواضع ومنع الترفع على الآخرين.
  • الحث على الإحسان إلى الفقراء وإعطائهم حقوقهم، فإن ذلك من أسباب رحمة الله لك ونصره.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ابغوني…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٣٣ ـ باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين، والإحسان إليهم، والشفقة عليهم، والتواضع معهم، وخفض الجناح لهم]

فال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] ، وقال تعالى: [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨] .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب ملاطفة اليتامى والضعفة والبنات، ونحوهم ممن هم محل الشفقة والرحمة؛ وذلك أن دين الإسلام دين الرحمة والعطف والإحسان، وقد حث الله عز وجل على الإحسان في عدة آيات من كتابه، وبين سبحانه وتعالى أنه يحب المحسنين، والذين هم في حاجة إلى الإحسان يكون الإحسان إليهم أفضل وأكمل؛ فمنهم اليتامى.

واليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه؛ سواء كان ذكر أو أنثى، ولا عبرة بوفاة الأم، يعني أن اليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه وإن كان له أم، وأما من ماتت أمه، وأبوه موجود فليس بيتيم، خلافاً لما يفهمه عوام الناس؛ حيث يظنون أن اليتيم هو الذي ماتت أمه وليس كذلك، بل اليتيم هو الذي مات أبوه.

ويسمى يتيماً هو الانفراد؛ لأن هذا الصغير انفرد عن

كاسب، وهو صغير لا يستطيع الكسب.

وقد أوصى الله سبحانه وتعالى في عدة آيات باليتامى، وجعل لهم حقاً خاصاً؛ لأن اليتيم قد انكسر قلبه بموت أبيه، فهو محل للعطف والرحمة قال الله عز وجل: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) [النساء: ٩] .

وكذلك البنات والنساء محل العطف والشفقة والرحمة؛ لأنهن ضعيفات. ضعيفات في العقل، وفي العزيمة، وفي كل شيء فالرجال أقوى من النساء في الأبدان والعقول والأفكار والعزيمة وغير ذلك، ولهذا قال الله عز وجل: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء: ٣٤] .

وكذلك أيضاً المنكسرون؛ يعني الذين أصابهم شيء فانكسروا من أجله، وليس هو كسر العظم بل كسر القلب، يعني مثلاً أصابته جائحة اجتاحت ماله، أو مات أهله أو مات صديق له فانكسر قلبه، والمهم أن المنكسر ينبغي ملاطفته، ولهذا شرعت تعزية من مات له ميت إذا أصيب بموته؛ يُعزّى ويلاطف ويبين له أن هذا أمر الله، وأن الله سبحانه وتعالى إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون وما أشبه ذلك.

وكذلك ينبغي خفض الجناح لهم ولين الجانب، قال الله تعالى (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] ، اخفض جناحك يعني تطامن لهم وتهاون لهم، وقال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ) يعني حتى لو شمخت نفسك وارتفعت في الهواء كما يرتفع الطير فاخفض جناحك، ولو كان عندك من

المال ولك من الجاه والرئاسة ما يجعلك تتعالى على الخلق، وتطير كما يطير الطير في الجو فاخفض الجناح، اخفض الجناح حتى يكونوا فوقك، (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهذا أمر للرسول عليه الصلاة والسلام وهو أمر للأمة كلها.

فيجب على الإنسان أن يكون لين الجانب لإخوانه المؤمنين، ويجب عليه أيضاً أنه كلما رأى إنساناً أتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فليخفض له جناحه أكثر؛ لأن المتبع للرسول عليه الصلاة والسلام أهل لأن يتواضع له، وأن يكرم، وأن يعزز، لا لأنه فلان بن فلان لكن لأنه اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام، كل من اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام فهو حبيبنا؛ وهو أخونا، وهو صديقنا، وهو صاحبنا، وكل من كان أبعد عن اتباع الرسول فإننا نبتعد عنه بقدر ابتعاده عن اتباع الرسول، هكذا المؤمن يجب أن يكون خافضاً جناحه لكل من اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام، اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين.

وقال الله تعالى لرسوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨] ، فاصبر نفسك: احبسها مع هؤلاء القوم السادة الكرماء الشرفاء، الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي: يعني صباحاً ومساءً، لا رياء ولا سمعة، ولكنهم يريدون وجهه. يريدون وجه الله عز وجل في دعائهم له وعبادتهم له وذكرهم له وتسبيحهم له.

(وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨] ، يعني لا

تبعد عنهم، لا تعد دائماً عنهم عيناك: أي لا تتجاوز عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا. مثلاً إذا كان هناك رجلان؛ أحدهما مقبل على طاعة الله يدعو ربه بالغداة والعشي، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم، ويحسن إلى الناس، وآخر غني كبير عنده أموال وقصور وسيارات وخدم، أيهم أحق أن نصبر أنفسنا معه؟ الأول أحق أن نصبر أنفسنا معه، وأن نجالسه، وأن نخالطه وأن لا نتعداه نريد زينة الحياة الدنيا.

الحياة كلها عرض زائل، وما فيها من النعيم أو من السرور فإنه محفوف بالأحزان والتنكيد، ما من فرح في الدنيا إلا ويتلوه ترح وحزن. قال- أظنه- ابن مسعود رضي الله عنه ما ملئ بيت فرحاً إلا ملئ حزناً وترحاً، وصدق رضي الله عنه: لو لم يكن من ذلك إلا أنهم سيموتون تباعاً واحداً بعد الثاني، كلما مات واحد حزنوا عليه، فتتحول هذه الأفراح والمسرات إلى أحزان وأتراح فالدنيا كلها ليست بشيء.

إذاً لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، بل كن معهم وكن ناصراً لهم، ولا يهمنك ما متعنا به أحداً من الدنيا، وهذا كقوله عز وجل: (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه: ١٣١، ١٣٢] ، أسأل الله أن يحسن لي ولكم العافية، وأن يجعل العاقبة لنا ولإخواننا المسلمين حميدة.

وقال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى: ٩، ١٠] .

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما ساقه من الآيات الكريمة في باب الحنو على الفقراء واليتامى والمساكين وما أشبههم، قال: وقول الله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: ٦، ١١] ، الخطاب في قوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ) للنبي صلى الله عليه وسلم. يقرر الله تعالى في هذه الآيات أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتيماً، فإنه عليه الصلاة والسلام عاش من غير أم ولا أب، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات هو في السنة الثامنة من عمره صلى الله عليه وسلم، ثم كفله عمه أبو طالب. فكان يتيماً وكان صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط، يعني على شيء يسير من الدراهم؛ لأنه ما من نبي بعثه الله إلا ورعى الغنم، فكل الأنبياء الذين أرسلوا أول أمرهم كانوا رعاة غنم، من أجل أن يعرقوا ويتمرنوا على الرعاية وحسن الولاية، واختار الله لهم أن تكون رعيتهم غنماً؛ لأن راعي الغنم يكون عليه السكينة والرأفة والرحمة؛ لأنه يرعى مواشي ضعيفة بخلاف رعاة الإبل،

رعاة الإبل أكثر ما يكون فيهم الجفاء والغلظة؛ لأن الإبل كذلك غليظة قوية جبارة.

فنشأ صلى الله عليه وسلم يتيماً، ثم إن الله سبحانه وتعالى أكرمه فيسر له زوجة صالحة، وهي أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها؛ تزوجها وله خمس وعشرون من العمر ولها أربعون سنة، وكانت حكيمة عاقلة صالحة، رزقه

الله أولاده كلهم من بنين وبنات إلا إبراهيم فإنه من كان سريته مارية القبطية، المهم أن الله يسرها له وقامت بشئونه، ولم يتزوج سواها صلى الله عليه وسلم حتى ماتت.

أكرمه الله عز وجل بالنبوة فكان أول ما بدىء بالوحي أن يرى الرؤيا في المنام، فإذا رأى الرؤيا في المنام جاءت مثل فلق الصبح في يومها بينة واضحة؛ لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، فدعا إلى الله وبشر وأنذر وتبعه الناس، وكان هذا اليتيم الذي يرعى الغنم كان إماماً لأمه هي أعظم الأمم، وكان راعياً لهم عليه الصلاة والسلام راعياً للبشر ولهذه الأمة العظيمة.

قال: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) [الضحى: ٦] ، آواك الله بعد يتمك، ويسر لك من يقوم بشئونك حتى ترعرعت، وكبرت، ومنّ الله عليك بالرسالة العظمى.

(وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) [الضحى: ٧] وجدك ضالاً: يعني غير عالم، كما قال الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) [العنكبوت: ٤٨] وقال تعالى: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) [النساء: ١١٣] ، وقال الله تعالى: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ) [الشورى: ٥٢] ، ولكن صار بهذا الكتاب العظيم عالماً كامل الإيمان عليه الصلاة والسلام، وجدك ضالاً أي غير عالم ولكنه هداك. بماذا هداه؟ هداه الله بالقرآن.

(وَوَجَدَكَ عَائِلاً) يعني فقيراً (فَأَغْنَى) أغناك، وفتح الله عليك الفتوح

حتى كان يقسم ويعطي الناس، وقد أعطى ذات يوم رجلاً غنماً بين جبلين، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة عليه الصلاة والسلام.

ثم تأملوا قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) ما قال فآواك بل قال: (فَآوَى) (وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) ولم يقل فهداك (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) ولم يقل فأغناك. لماذا؟ لمناسبتين؛ إحداهما لفظية، والثانية معنوية.

أما اللفظية: فلأجل تناسب رؤوس الآيات كقوله تعالى: (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: ١ ـ٥] كل آخر الآيات ألفات، فقوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) [الضحى: ٦] ، لو قال فآواك اختلف اللفظ، ووجدك ضالاً فهداك اختلف اللفظ، ووجدك عائلاً فأغناك اختلف اللفظ، لكن جعل الآيات كلها على فواصل حرف واحد.

المناسبة الثانية معنوية: وهي أعظم، (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) هل آواه الله وحده أو آواه وآوى أمته؟ والجواب: الثاني، آواه الله وآوى على يديه أمما لا يحصيهم إلا الله عز وجل، ووجدك ضالاً فهدى. هل هداه وحده؟ لا؛ هدى به أمما عظيمة إلى يوم القيامة، ووجدك عائلاً فأغنى. هل أغناه الله وحده؟ لا؛ أغناه الله وأغنى به. كم حصل للأمة الإسلامية من الفتوحات العظيمة. (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) [الفتح: ٢٠] ، فأغناهم الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إذاً ألم يجدك يتيماً فآواك وآوى بك، ووجدك ضالاً فهداك وهدى

بك ووجدك عائلاً فأغناك وأغنى بك، هكذا حال الرسول عليه الصلاة والسلام.

ثم قال: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) اذكر نفسك حين كنت يتيماً، فلا تقهر اليتيم، بل سهل أمره؛ إذا صاح فسكته، إذا غضب فأرضه، إذا تعب فخفف عليه، وهكذا.

(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) السائل: يظهر من سياق الآيات أنه سائل المال الذي يقول أعطني مالاً، فلا تنهره لأنه قال: (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) ، فلما أغناك لا تنهر السائل. تذكر حالك حينما كنت فقيراً، فلا تنهر السائل.

ويحتمل أن يُراد بالسائل سائل المال وسائل العلم، حتى الذي يسأل العلم لا تنهره. بل الذي يسأل العلم القه بانشراح صدر؛ لأنه لولا أنه محتاج ولولا أن عنده خوف الله عز وجل ما جاء يسأل، فلا تنهر اللهم إلا من تعنت فهذا لا حرج أن تنهره.

لو كنت تخبره ثم يقول لكل شيء: لماذا هذا حرام؟ ولماذا هذا حلال؟ لماذا حرم الله الربا وأحل البيع؟ لماذا حرم الله الأم من الرضاع؟ وأشياء كثيرة من قبيل هذا. فهذا الذي يتعنت انهره ولا حرج أن تغضب عليه.

كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام حين تشاجر رجل من الأنصار والزبير بن العوام، في الوادي حيث يأتي السيل، وكان الزبير رضي الله عنه حائطه قبل حائط الأنصاري فتنازعا؛ الأنصاري يقول للزبير: لا تحبس

الماء عني والزبير يقول: أنا أعلى فأنا أحق، فتشاجرا وتخاصما عند الرسول عليه الصلاة والسلام ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اسق يا زبير ثم أرسله إلى جارك)) ، وهذا حكم. فقال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله! كلمة لكن الغضب حمله عليها والعياذ بالله، والزبير بن العوام بن صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ((اسق يا زبير حتى يصل إلى الجدر ثم أرسله إلى جارك))

فالحاصل أن السائل للعلم لا تنهره، بل تلقه بصدر رحب وعلّمه حتى يفهم، خصوصاً في وقتنا الآن، فكثير من الناس الآن يسألك وقلبه ليس معك. تجيبه بالسؤال ثم يفهمه خطأ ثم يذهب يقول للناس: أفتاني العالم الفلاني بكذا وكذا، ولهذا ينبغي ألا تطلق الإنسان الذي يسألك حتى تعرف أنه عرف.

(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) نعمة الله عليك حدث بها، قل الحمد لله؛ رزقني الله علماً رزقني الله مالاً، ورزقني الله ولداً وما أشبه ذلك.

والتحدث بنعمة الله نوعان: تحديث باللسان، وتحديث بالأركان.

تحديث باللسان: كأن تقول: أنعم الله علي؛ كنت فقيراً فأغناي الله، كنت جاهلاً فعلمني الله، وما أشبه ذلك.

والتحديث بالأركان: أن ترى أثر نعمة الله عليك، فإن كنت غنياً فلا تلبس ثياب الفقراء بل البس ثياباً تليق بك، وكذلك في المنزل، وكذلك في المركوب، في كل شيء دع الناس يعرفون نعمة الله عليك، فإن هذا من التحديث بنعمة الله عز وجل، ومن التحديث بنعمة الله عز وجل إذا كنت قد أعطاك الله علماً أن تحدث الناس به تعلم الناس؛ لأن الناس محتاجون. وفقني الله والمسلمين لما يحب ويرضى.

* * *

وقال تعالى (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الماعون: ١ـ٣]

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في سياق الآيات التي فيها الحث على الرفق باليتامى ونحوهم من الضعفاء، قال: وقال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) .

(أَرَأَيْت) يقول العلماء: إن معناها أخبرني، يعني أخبرني عن حال هذا الرجل وماذا تكون. والدين: الجزاء؛ يعني يكذب بالجزاء وباليوم الآخر ولا يصدق به، وعلامة ذلك أنه يدع اليتيم يعني يدفعه بعنف وشدة ولا يرحمه.

(وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) أي: لا يحث الناس على طعام المسكين، وهو بنفسه لا يفعله أيضاً، ولا يطعم المساكين، فحال هذا

والعياذ بالله أسوأ حال؛ لأنه لو كان يؤمن بيوم الدين حقيقة لرحم من أوصى الله برحمتهم، وحض على طعام المسكين.

وفي سورة الفجر يقول الله تعالى: (كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الفجر: ١٧، ١٨] ، وهذه أبلغ مما في سورة الماعون لأنه قال: (لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) وإكرامه أكثر من الوقوف بدون إكرام ولا إهانة، فاليتيم يجب أن يكرم.

وتأمل قوله: (بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) فالمسكين حظه الإطعام ودفع حاجته، أما اليتيم فالإكرام. فإن كان غنياً فإنه يكرمه ليتمه ولا يطعم لغناه، وإن كان فقيراً ـ أي اليتيم ـ فإنه يكرم ليتمه ويطعم لفقره، ولكن أكثر الناس لا يبالون بهذا الشيء.

واعلم أن الرفق بالضعفاء واليتامى والصغار يجعل في القلب رحمة وليناً وعطفاً وإنابة إلى عز وجل، لا يدركها إلا من جرب ذلك، فالذي ينبغي لك أن ترحم الصغار وترحم الأيتام وترحم الفقراء، حتى يكون في قلبك العطف والحنان والرحمة و ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) .

نسأل الله أن يعمنا والمسلمين برحمته وفضله إنه كريم جواد.

* * *

١/٢٦٠ وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه، فانزل الله تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: ٥٢] رواه مسلم

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:

((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر)) وهذا في أول الإسلام في مكة؛ لأن سعيد بن أبي وقاص رضي الله عنه من السابقين إلى الإسلام؛ أسلم وأسلم معه جماعة.

ومن المعلوم أن من أول الناس إسلاماً أبا بكر رضي الله عنه، بعد خديجة وورقة بن نوفل، وكان هؤلاء النفر ستة منهم ابن مسعود رضي الله عنه، وكان راعي غنم فقيراً، وكذلك بلال بن أبي رباح وكان عبداً مملوكاً، وكانوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ يجلسون إليه ويستمعون له وينتفعون بما عنده، وكان المشركون العظماء في أنفسهم، يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: اطرد عنا هؤلاء، قالوا هذا احتقاراً لهؤلاء الذين يجلسون مع النبي صلى الله عليه وسلم.

فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع، وفكر في الأمر، فأنزل الله تعالى:

(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه) [الأنعام: ٥٢] ، نهاه الله عز وجل أن يطرد هؤلاء وإن كانوا فقراء، وإن لم يكن لهم قيمة في المجتمع، لكن لهم قيمة عند الله؛ لأنهم يدعون الله بالغداة والعشي، يعني صباحاً ومساءً، يدعونه دعاء مسألة فيسألونه رضوانه والجنة، ويستعيذون به من النار.

ويدعونه دعاء عبادة فيعبدون الله، وعبادة الله تشتمل على الدعاء، ففي الصلاة مثلاً يقول الإنسان: رب اغفر لي، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وما أشبه ذلك، ثم إن العابد أيضاً إنما يعبد لنيل رضا الله عز وجل.

وفي قوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) تنبيه على الإخلاص وأن الإخلاص له أثر كبير في قبول الأعمال ورفعة العمال عند الله عز وجل، فكلما كان الإنسان في عمله أخلص؛ كان أرضى لله وأكثر لثوابه، وكم من إنسان يصلي وإلى جانبه آخر يصلي معه الصلاة، ويكون بينهما من الرفعة عند الله والثواب والجزاء كما بين السماء والأرض، وذلك لإخلاص النية عند أحدهما دون الآخر.

فالواجب على الإنسان أن يحرص غاية الحرص على إخلاص نيته لله في عبادته، وألا يقصد بعبادته شيئاً من أمور الدنيا؛ لا يقصد إلا رضا الله وثوابه حتى ينال بذلك الرفعة في الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى في آخر الآية: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ) يعني ليس عليك شيء منهم ولا عليهم

شيء منك، حساب الجميع على الله، وكل يجازى بعمله.

(فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنعام ٥٢] ، الفاء هذه التي في (فتكون) تعود على قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ) لا على قوله: (مَا عَلَيْك) ، فعندنا هنا في الآية فاءان: الفاء الأولى (فَتَطْرُدَهُمْ) وهذه مرتبة على قوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، و (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) مرتبة على قوله: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ) يعني فإن طردتهم فإنك من الظالمين.

ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان ينبغي له أن يكون جليسه من أهل الخير الذين يدعون الله صباحاً ومساءً يريدون وجهه، وألا يهتم بالجلوس مع الأكابر، والأشراف، والأمراء، والوزراء، والحكام؛ بل لا ينبغي أن يجلس إلى هؤلاء إلا أن يكون في ذلك مصلحة، فإذا كان في ذلك مصلحة؛ مثل أن يريد أن يأمرهم بمعروف، أو ينهاهم عن منكر، أو يبين لهم ما خفي عليهم من حال الأمة، فهذا طيب وفيه خير.

أما مجرد الأنس بمجالستهم، ونيل الجاه بأنه جلس مع الأكابر، أو مع الوزراء، أو مع الأمراء، أو مع ولاة الأمور، فهذا غرض لا يحمد عليه العبد، إنما يحمد على الجلوس مع من كان أتقى لله؛ من غني وفقير، وحقير وشريف. فالمدار كله على رضا الله عز وجل، وعلى محبة من أحب الله.

وقد ذاق طعم الإيمان من والى من والاه الله، وعادى من عاداه الله، وأحب في الله، وأبغض في الله، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك، وأن

يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* * *

٢/٢٦١ ـ وعن أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني وهو من أهل بيعة الرضوان رضي الله عنه، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: ((يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)) فأتاهم فقال: يا إخوتاه آغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. رواه مسلم.

قوله ((مأخذها)) أي: لم تستوف حقها منه. وقوله: ((يا أخي)) روي بفتح الهمزة وكسر الخاء وتخفيف الياء، وروي بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد الياء.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله في قضية الضعفاء والمساكين، وأنه تجب ملاطفتهم والرفق بهم والإحسان إليهم، أن أبا سفيان مر بسلمان وصهيب وبلال، وهؤلاء الثلاثة كلهم من الموالي، صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، فمر بهم فقالوا: ما

فعلت أسيافنا بعدو الله ما فعلت يعني: يريدون أنهم لم يشفوا أنفسهم مما فعل بهم أسيادهم من قريش، الذين كانوا يعذبونهم ويؤذونهم في دين الله عز وجل، فكأن أبا بكر رضي الله عنه لامهم على ذلك، وقال: أتقولون لسيد قريش مثل هذا الكلام.

ثم إن أبا بكر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له: ((لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)) ، يعني أغضبت هؤلاء النفر ـ مع أنهم من الموالي وليسوا بشيء في عداد الناس وأشرافهم ـ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى هؤلاء النفر وسألهم: آغضبتكم؟ فقالوا: لا، قال: يا إخوتاه، آغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أبا بكر.

فدل هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يترفع على الفقراء والمساكين ومن ليس لهم قيمة في المجتمع؛ لأن القيمة الحقيقية هي قيمة الإنسان عند الله، كما قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣] ، والذي ينبغي للإنسان أن يخفض جناحه للمؤمنين ولو كانوا غير ذي جاه؛ لأن هذا هو الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] .

وفي هذا دليل على ورع أبي بكر رضي الله عنه، وعلى حرصه على إبراء ذمته، وأن الإنسان ينبغي له ـ بل يجب عليه ـ إذا اعتدى على أحد بقول أو فعل أو بأخذه مال أو سب أو شتم أن يستحله في الدنيا؛ قبل أن يأخذ ذلك منه في الآخرة؛ لأن الإنسان إذا لم يأخذ حقه في الدنيا فإنه يأخذه يوم القيامة، ويأخذ من أشرف شيء وأعز شيء على الإنسان يأخذه

من الحسنات؛ من الأعمال الصالحة التي هو في حاجة إليها في ذلك المكان.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ماذا تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: من ليس له درهم ولا دينار، أو قالوا: ولا متاع. فقال: ((المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار)) .

* * *

٥/٢٦٤ ـ وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف)) متفق عليه.

وفي رواية في ((الصحيحين)) ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)) .

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أنا وكافل اليتيم هكذا)) وأشار بالسبابة والوسطى، يعني بالأصبع السبابة والوسطى؛ والأصبع السبابة هي التي بين الوسطى والإبهام، وتسمى السبابة لأن الإنسان يشير بها عند السب، فإذا سب شخصاً قال هذا وأشار بها.

وتسمى السباحة لأن الإنسان يشير بها أيضاً عند التسبيح، ولهذا يشير الإنسان بها في صلاته إذا جلس بين السجدتين ودعا: رب اغفر لي وارحمني؛ كلما دعا رفعها، يشير إلى الله عز وجل؛ لأن الله في السماء

جل وعلا، وكذلك أيضاً يشير بها في التشهد إذا دعا: السلام عليك أيها النبي السلام علينا، اللهم صل على محمد، اللهم بارك على محمد، في كل جملة دعائية يشير بها إشارة إلى علو الله تعالى وتوحيده.

وفرج بينهما عليه الصلاة والسلام يعني: قارن بينهما وفرج، يعني أن كافل اليتيم مع النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة قريب منه، وفي هذا حث على كفالة اليتم، وكفالة اليتيم هي القيام بما يصلحه في دينه ودنياه؛ بما يصلحه في دينه من التربية والتوجيه والتعليم وما أشبه ذلك، وما يصلحه في دنياه من الطعام والشراب والمسكن.

واليتيم حده البلوغ، فإذا بلغ الصبي؛ زال عنه اليتم، وإذا كان قبل البلوغ فهو يتيم؛ هذا إن مات أبوه، وأما إذا ماتت أمه دون أبيه فإنه ليس بيتيم.

وكذلك الحديث الذي بعده فيه أيضاً ثواب من قام بشئون اليتيم وإصلاحه.

أما الحديث الثالث: فإن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: ((ليس المسكين الذي ترده التمرة التمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف)) . يعني المسكين؛ ليس (الشحاذ) الذي (يشحذ) الناس، ترده اللقمة واللقمتان: يعني إذا أعطيته لقمة أو لقمتين أو تمرة أو تمرتين ردته، بل المسكين حقيقة هو الذي يتعفف كما قال تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) [البقرة: ٢٧٣] ، هذا هو المسكين حقيقة؛ لا يسأل فيُعطى ولا يتفطن له فيعطى. كما يقول العامة: عاف كاف، ما

يدرى عنه، هذا هو المسكين الذي ينبغي للناس تفقده وإصلاح حاله، والحنو عليه، والعطف عليه.

وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للمسكين أن يصبر وأن ينتظر الفرج من الله، وأن لا يتكفف الناس أعطوه أو منعوه؛ لأن الإنسان إذا علق قلبه بالخلق وكل إليهم، كما جاء في الحديث: ((من تعلق شيئاً وكل إليه)) وإذا وكلت إلى الخلق نسيت الخالق، بل اجعل أمرك إلى الله عز وجل، وعلق رجاءك وخوفك وتوكلك واعتمادك على الله سبحانه وتعالى فإنه يكفيك، (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) [الطلاق: ٣] ، كل ما أمر الله عز وجل به فهو بالغك، لا يمنعه شيء ولا يرده شيء.

فالمسكين يجب عليه الصبر، ويجب عليه أن يمتنع عن سؤال الناس لا يسأل إلا عند الضرورة القصوى؛ إذا حلت له الميتة حل له السؤال، أما قبل ذلك مادام يمكنه أن يتعفف ولو أن يأكل كسرة من خبز أو شقاً من تمرة فلا يسأل، ولا يزال الإنسان يسأل الناس، ثم يسأل الناس، ثم يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم، والعياذ بالله؛ لأنه قد قشر وجهه للناس في الدنيا، ولهذا ذم أولئك القوم الذين يترددون على الناس يسألونهم وهم أغنياء؛ الذين إذا ماتوا وجد عندهم الآلاف، توجد عندهم الآلاف من الذهب والفضة والدراهم القديمة والأوراق.

وهم إذا رأيتهم قلت: هؤلاء أفقر الناس، ثم يؤذون الناس بالسؤال، أو يسألون الناس وليس عندهم شيء لكن يريدون أن يجعلوا بيوتهم كبيوت الأغنياء وسياراتهم كسيارات الأغنياء، ولباسهم كلباس الأغنياء فهذا سفه، ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) اقتنع بما أعطاك الله؛ إن كنت فقيراً فعلى حسب حالك، وإن كنت غنياً فعلى حسب حالك.

أما أن تقلد الأغنياء وتقول: أنا أريد سيارة فخمة، وأريد بيتاً فارهاً، وأريد فرشاً، ثم تذهب تسأل الناس سواء سألتهم مباشرة قبل أن تشتري هذه الأشياء التي أردت، أو تشتريها ثم تذهب تقول: أنا علي دين وما أشبه ذلك فكل هذا خطأ عظيم، اقتصر على ما عندك، وعلى ما أعطاك ربك عز وجل، واسأل الله أن يرزقك رزقاً لا يطغيك، رزقاً يغنيك عن الخلق وكفى. نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسلامة.

* * *

٦/٢٦٥ ـ وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)) وأحسبه قال: ((وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ في هذا الباب: باب الرفق باليتامى والمستضعفين والفقراء ونحوهم، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)) وأحسبه قال: ((وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر)) ، والساعي عليهم هو الذي يقوم بمصالحهم ومؤنتهم وما يلزمهم.

والأرامل هم الذين لا عائل لهم سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، والمساكين هم الفقراء؛ ومن هذا قيام الإنسان على عائلته وسعيه عليهم، على العائلة الذين لا يكتسبون، فإن الساعي عليهم والقائم بمئونتهم ساع على أرملة ومساكين، فيكون مستحقاً لهذا الوعد ويكون كالمجاهد في سبيل الله، أو كالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذين لا يفطر.

وفي هذا دليل على جهل أولئك القوم الذين يذهبون يميناً وشمالاً ويدعون عوائلهم في بيوتهم مع النساء، ولا يكون لهم عائل فيضيعون؛ لأنهم يحتاجون إلى الإنفاق ويحتاجون إلى الرعاية وإلى غير ذلك، وتجدهم يذهبون يتجولون في القرى وربما في المدن أيضاً، بدون أن يكون هناك ضرورة، ولكن شيء في نفوسهم، يظنون أن هذا أفضل من البقاء في أهليهم بتأديبهم وتربيتهم.

وهذا ظن خطأ، فإن بقاءهم في أهلهم، وتوجيه أولادهم من ذكور وإناث، وزوجاتهم ومن يتعلق بهم أفضل من كونهم يخرجون يزعمون أنهم يرشدون الناس وهم يتركون عوائلهم الذين هم أحق من غيرهم

بنصيحتهم وإرشادهم، ولهذا قال الله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤] ، فبدأ بعشيرته الأقربين قبل كل أحد.

أما الذي يذهب إلى الدعوة إلى الله يوماً أو يومين أو ما أشبه ذلك، وهو عائد إلى أهله عن قرب فهذا لا يضره، وهو على خير ـ لكن كلامنا في قوم يذهبون أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، أو سنة ـ عن عوائلهم؛ يتركونهم للأهواء والرياح تعصف بهم، فهؤلاء لا شك أن هذا من قصور فقهم في دين الله عز وجل.

وقد قال النبي عليه الصلاة: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) فالفقيه في الدين هو الذي يعرف الأمور، ويحسب لها، ويعرف كيف تؤتى البيوت من أبوابها، حتى يقوم بما يجب عليه.

* * *

٧/٢٦٦ ـ وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) رواه مسلم.

وفي رواية في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة من قوله: ((بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء)) .

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) .

قوله عليه الصلاة والسلام: ((شر الطعام طعام الوليمة)) يحتمل أن يكون المراد بالوليمة هنا وليمة العرس، ويحتمل أن يكون أعم، وأن المراد بالوليمة كل ما دعي إلى الاجتماع إليه من عرس أو غيره، وسيأتي بيان ذلك في الأحكام إن شاء الله.

ثم فسر هذه الوليمة التي طعامها شر الطعام وهي التي يدعى إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها، يعني يدعى إليها الأغنياء، والغني لا يحرص على الحضور إذا دعي؛ لأنه مستغن بماله، ويمنع منها الفقراء؛ والفقير؛ هو الذي إذا دعي أجاب، فهذه الوليمة ليست وليمة مقربة إلى الله؛ لأنه لا يدعى إليها من هم أحق بها وهم الفقراء؛ بل يدعى إليها الأغنياء.

أما الوليمة من حيث هي ـ ولا سيما وليمة العرس ـ فإنها سنة مؤكدة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: ((أولم ولو بشاة)) فأمره بالوليمة

قال: ((ولو بشاة)) يعني ولو بشيء قليل، والشاة قليلة بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؛ لأنه من الأغنياء.

وقوله عليه الصلاة والسلام: ((ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله)) يدل على أن إجابة دعوة الوليمة واجبة؛ لأنه لا شيء يكون معصية بتركه إلا وهو واجب، ولكن لا بد فيها من شروط:

الشرط الأول: أن يكون الداعي مسلماً؛ فإن لم يكن مسلما ً لم تجب الإجابة، ولكن تجوز الإجابة لا سيما إذا كان في هذا مصلحة، يعني لو دعاك كافر إلى وليمة عرس فلا بأس أن تجيب، لا سيما إن كان في ذلك مصلحة كتأليفه إلى الإسلام، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يهودياً دعاه في المدينة، فأجابه، وجعل له خبزاً من شعير وإهالة سنخة؛ يعني ودكاً قديماً متغيراً.

وأما اشتراط العدالة: يعني اشتراط أن يكون الداعي عدلاً فليس بشرط، فتجوز إجابة دعوة الفاسق إذا دعاك مثل أن يدعوك إنسان قليل الصلاة مع الجماعة، أو حليق اللحية، أو شارب دخان، فأجبه كما تجيب من كان سالماً من ذلك.

لكن إن كان عدم الإجابة يفضي إلى مصلحة بحيث يخجل هذا الداعي ويترك المعصية التي كان يعتادها حيث الناس لا يجيبون دعوته، فلا تجب دعوته من أجل مصلحته، أما إذا كان لا يستفيد سواء أجبته أو لم

تجبه، فأجب الدعوة لأنه مسلم.

الشرط الثاني: أن يكون ماله حلالاً؛ فإن كان ماله حراماً كالذي يكتسب المال بالربا؛ فإنه لا تجب إجابته لأن ماله حرام، والذي ماله حرام ينبغي للإنسان أن يتورع عن أكل ماله، ولكنه ليس بحرام، يعني لا يحرم عليك أن تأكل من مال من كسبه حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من طعام اليهود وهم يأكلون الربا؛ يأخذونه ويتعاملون به. لكن الورع أن لا تأكل ممن ماله حرام.

أما إذا كان في ماله حرام يعني ماله مختلط؛ يتجر تجارة حلالاً ويكتسب كسباً محرماً؛ فلا بأس من إجابته، ولا تتورع عن ماله؛ لأنه لا يسلم كثير من الناس اليوم من أن يكون في ماله حرام، فمن الناس من يغش فيكتسب من حرام، ومنهم من يرابي في بعض الأشياء، ومنهم الموظفون، وكثير من الموظفين لا يقومون بواجب الوظيفة، فتجده يتأخر عن الدوام، أو يتقدم فيخرج قبل وقت انتهاء الدوام، وهذا ليس راتبه حلالاً؛ بل إنه يأكل من الحرام بقدر ما نقص من عمل الوظيفة؛ لأنه ملتزم بالعقد مع الحكومة مثلاً أنه يقوم بوظيفته من كذا إلى كذا، فلو فتشت الناس اليوم لوجدت كثيراً منهم يكون في ماله دخن من الحرام.

الشرط الثالث: ألا يكون في الدعوة منكر؛ فإن كان في الدعوة منكر فإنه لا تجب الإجابة، مثل لو علمت أنهم سيأتون بمغنين، أو عندهم (شيش) يشربها الحاضرون، أو عندهم شراب دخان فلا تجب إلا إذا كنت قادراً على تغيير هذا المنكر، فإنه يجب عليك الحضور لسببين:

السبب الأول: إزالة المنكر.

السبب الثاني: إجابة الدعوة.

أما إذا كنت ستحضر ولكن لا تستطيع تغيير المنكر؛ فإن حضورك حرام.

الشرط الرابع: أن يعين المدعو، ومعنى يعينه أن يقول: يا فلان أدعوك إلى حضورك وليمة العرس. فإن لم يعينه بأن دعا دعوة عامة في مجلس فقال: يا جماعة عندنا حفل زواج ووليمة عرس فاحضروا، فإنه لا يجب عليك أن تحضر؛ لأنه دعا دعوة عامة ولم ينص عليك.

فلابد أن يعينه فإن لم يعينه فإنها لا تجب، ثم إنه ينبغي للإنسان أن يجيب كل دعوة؛ لأن من حق المسلم على أخيه أن يجيب دعوته، إلا إذا كان في امتناعه مصلحة راجحة فليتبع المصلحة.

* * *

٨/٢٦٧ ـ وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين)) وضم أصابعه)) رواه مسلم.

((جاريتين)) أي: بنتين.

[الشَّرْحُ]

أما هذا الحديث ففيه فضل عول الإنسان للبنات، وذلك أن البنت قاصرة ضعيفة مهينة، والغالب أن أهلها لا يأبهون بها، ولا يهتمون بها،

فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من عال جاريتين حتى تبلغا؛ جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين)) وضم إصبعيه: السبابة والوسطى، والمعنى أنه يكون رفيقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة إذا عال الجارتين؛ يعني الأنثيين من بنات أو أخوات أو غيرهما، أي أنه يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وقرن بين إصبعيه عليه الصلاة والسلام.

والعول في الغالب يكون بالقيام بمئونة البدن؛ من الكسوة والطعام والشراب والسكن والفراش ونحو ذلك، وكذلك يكون في غذاء الروح؛ بالتعليم والتهذيب والتوجيه والأمر بالخير والنهي عن الشر وما إلى ذلك.

ويؤخذ من هذا الحديث ومما قبله أيضاً أنه ينبغي للإنسان أن يهتم بالأمور التي تقربه إلى الله لا بالأمور الشكليات، أو مراعاة ما ينفع في الدنيا فقط، بل يلاحظ هذا ويلاحظ ما ينفع في الآخرة أكثر وأكثر.

وقوله: ((حتى تبلغا)) يعني حتى تصلا إلى سن البلوغ؛ وهو خمس عشرة سنة، أو غير ذلك من علامات البلوغ في المرأة كأن تحيض ولو قبل خمس عشرة سنة، أو نبتت لها العانة أو احتلمت،

* * *

٩/٢٦٨ ـ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت على امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا، فأخبرته فقال: ((من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ عن عائشة رضي الله عنها قصة عجيبة غريبة، قالت: دخلت عليّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل. وذلك لأنها فقيرة. قالت: فلم تجد عندي إلا تمرة واحدة ـ بيت من بيوت النبي عليه الصلاة والسلام لا يوجد فيه إلا تمرة واحدة! ـ قالت: فأعطينها إياها فقسمتها بين ابنتيها نصفين، وأعطت واحدة نصف التمرة، وأعطت الأخرى نصف التمرة الآخر، ولم تأكل منها شيئاً.

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة فأخبرته لأنها قصة غريبة عجيبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له ستراً من النار)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من ابتلي)) : ليس المراد به هنا بلوى الشر، لكن المراد: من قدر له، كما قال الله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: ٣٥] يعني من قدر له ابنتان فأحسن إليهما كن له ستراً من النار يوم القيامة، يعني أن الله تعالى يحجبه عن النار بإحسانه إلى البنات؛ لأن البنت ضعيفة لا تستطيع التكسب، والذي يكتسب هو الرجل، قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: ٣٤] .

فالذي ينفق على العائلة ويكتسب هو الرجل، أما المرأة فإنما شأنها

في البيت، تقيمه وتصلحه لزوجها وتؤدب أولادها، وليست المرأة للوظائف والتكسب إلا عند الغرب الكفرة ومن على شاكلتهم، ممن اغتر بهم فقلدهم وجعل المرأة مثل الرجل في الاكتساب وفي التجارة وفي المكاتب، حتى صار الناس يختلطون بعضهم ببعض، وكلما كانت المرأة أجمل؛ كانت أحظى بالوظيفة الراقية عند الغرب ومن شابههم ومن شاكلهم!

ونحن ولله الحمد في بلادنا هذه ـ نسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة ـ قد منعت الحكومة حسب ما قرأنا من كتاباتها أن يتوظف النساء لا في القطاع العام ولا في القطاع الخاص إلا فيما يتعلق بالنساء ونسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة؛ مثل مدارس البنات وشبهها. لكن نسأل الله الثبات، وأن يزيدها من فضله، وأن يمنعها مما عليه الأمم اليوم من هذا الاختلاط الضار.

ومما ورد في هذا الحديث من العبر:

أولاً: بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أشرف بيوته، فيه أحب نسائه إليه، لا يوجد به إلا تمرة واحدة، ونحن الآن في بلدنا هذا يقدم للإنسان عند الأكل أربعة أصناف شتى، فلماذا فتحن علينا الدنيا وأغلقت عليهم؟ ! ألكوننا أحب إلى الله منهم؟ ! لا والله، هم أحب إلى الله منا، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء، ونحن ابتلينا بهذه النعم، فصارت هذه النعم عند كثير من الناس اليوم سبباً للشر والفساد والأشر والبطر، حتى فسقوا والعياذ بالله، ويخشى علينا من عقوبة الله عز وجل بسبب أن كثيراً منا بطروا هذه

النعم وكفروها، وجعلوها عوناً على معاصي الله سبحانه وتعالى ـ نسأل الله السلامة ـ.

ثانياً: وفيه أيضاً ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الإيثار، فإن عائشة ليس عندها إلا تمرة ومع ذلك آثرت بها هذه المسكينة، ونحن الآن عندنا أموال كثيرة ويأتي السائل ونرده.

لكن بلاءنا في الحقيقة في رد السائل هو أن كثيراً من السائلين كاذبون؛ يسأل وهو أغنى من المسؤول، وكم من إنسان سأل ويسأل الناس ويلحف في المسألة فإذا مات وجدت عنده دراهم الفضة والذهب الأحمر والأوراق الكثيرة من النقود! وهذا هو الذي يجعل الإنسان لا يتشجع على إعطاء كل سائل، من أجل الكذب والخداع، حيث يظهرون بمظهر العجزة وبمظهر المعتوهين والفقراء وهم كاذبون.

ثالثاً: وفي هذا الحديث أيضاً من العبر أن الصحابة رضي الله عنهم يوجد فيهم الفقير كما يوجد فيهم الغني، قال الله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً) [الزخرف: ٣٢] ، ولولا هذا التفاوت ما اتخذ بعضنا بعضاً سخرياً، ولو كنا على حد سواء واحتاج الإنسان منا مثلاً لعمل ما كالبناء، فجاء إلى الآخر فقال: أريدك أن تبني لي بيتاً، فقال: لا أبني، أنا مثلك، أنا غني، فإذا أردنا أن نصنع باباً، قال الآخر: لا أصنع، أنا غني مثلك؛ فهذا التفاوت جعل الناس يخدم بعضهم بعضاً:

الناس للناس من بدو وحاضرة ... بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

حتى التاجر الغني صاحب المليارات يخدم الفقير. كيف؟ ! يورد الأطعمة والأشربة والأكسية ومواد البناء وغيرها، يجلبها للفقير فينتفع بها، فكل الناس بعضهم يحتاج لبعض، ويخدم بعضهم بعضاً؛ ذلك حكمة من الله عز وجل.

رابعاً: وفي هذا الحديث أيضاً دليل على فضل من أحسن إلى البنات بالمال، والكسوة، وطيب الخاطر، ومراعاة أنفسهن؛ لأنهن عاجزات قاصرات.

خامساً: وفيه ما أشرنا إليه أولاً من أن الذي يكلف بالنفقة وينفق هم الرجال، أما النساء فللبيوت ولمصالح البيوت، وكذلك للمصالح التي لا يقوم بها إلا النساء كمدارس البنات.

أما أن يجعلن موظفات مع الرجال في مكتب واحد، أو سكرتيرات كما يوجد في كثير من بلاد المسلمين، فإن هذا لا شك خطأ عظيم، وشر عظيم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)) ؛ لأن أولها قريب من الرجال فصار شراً، وآخرها بعيد عن الرجال فصار خيراً. فانظر

كيف نُدب للمرأة أن تتأخر وتبتعد عن الإمام، كل ذلك من أجل البعد عن الرجال، نسأل الله أن يحمينا وإخواننا المسلمين من أسباب سخطه وعقابه.

* * *

١٠/٢٦٩ ـ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)) رواه مسلم.

١١/٢٧٠ ـ وعن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة)) حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيد.

ومعنى: ((أحرج)) : ألحق الحرج، وهو الإثم بمن ضيع حقهما، وأحذر من ذلك تحذيراً بليغاً، وأزجر عنه زجرا أكيداً.

١٢/٢٧١ ـ وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما قال: رأى سعد أن له فضلاً على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هل تنصرون وترزقون إلا

بضعفائكم)) رواه البخاري هكذا مرسلاً، فإن مصعب بن سعد تابعي، ورواه الحافظ أبو بكر البرقاني في صحيحه متصلاً عن مصعب عن أبيه رضي الله عنه.

١٣/٢٧٢ ـ وعن أبي الدرداء عويمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ابغوني الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم)) رواه أبو داود بإسناد جيد.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث كلها تدل على مضمون ما سبق من الرفق بالضعفاء واليتامى والبنات وما أشبه ذلك، وفي حديث عائشة الأول قصة كحديثها السابق، لكن الحديث السابق أن عائشة رضي الله عنها أعطتها تمرة واحد فشقتها بين ابنتيها.

أما هذا الحديث فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت إحدى البنتين واحدة، والثانية التمرة الأخرى، ثم رفعت الثالثة إلى فيها لتأكلها، فاستطعمتاها ـ يعني أن البنتين نظرتا إلى التمرة التي رفعتها الأم ـ فلم تطعمها الأم بل شقتها بينهما نصفين، فأكلت كل بنت تمرة ونصفاً والأم لم تأكل شيئاً. فذكرت ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم وأخبرته بما صنعت المرأة، فقال: ((أن الله أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)) يعني: لأنها لما

رحمتهما هذه الرحمة العظيمة أوجب الله لها بذلك الجنة.

فدل ذلك على أن ملاطفة الصبيان والرحمة بهم من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار. نسأل الله أن يكتب لنا ولكم ذلك.

وفي الأحاديث الثلاثة التالية لهذا الحديث ما يدل على أن الضعفاء سبب للنصر وسبب للرزق، فإذا حنَّ عليهم الإنسان وعطف عليهم وآتاهم مما آتاه الله عز وجل؛ كان ذلك سبباً للنصر على الأعداء، وكان سبباً للرزق؛ لأن الله تعالى أخبر أنه إذا أنفق الإنسان لربه نفقة فإن الله تعالى يخلفها عليه. قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] ، يخلفه: أي يأتي بخلفه وبدله.

[٣٤ ـ باب الوصية بالنساء]

قال الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: ١٩] ، وقال تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) [النساء: ١٢٩] .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الوصية بالنساء، يعني الوصية على أن يرفق بهن الإنسان وأن يتقي الله فيهن؛ لأنهن قاصرات يحتجن إلى من يجبرهن ويكلمهن، كما قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء: ٣٤] .

ثم استدل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بقول الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) يعني: عاشروا النساء بالمعروف.

والمعاشرة: معناها المصاحبة والمعاملة؛ فيعاملها الإنسان بالمعروف ويصاحبها كذلك.

والمعروف: ما عرفه الشرع وأقره واطرد به العرف، والعبرة بما أقره الشرع، فإذا أقر الشرع شيئاً فهو المعروف، وإذا أنكر شيئاً فهو المنكر ولو عرفه الناس.

وقال تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُم) [النساء: ١٢٩] ، وهذا الخطاب لمن كان عنده زوجتان فاكثر، يبين الله

عز وجل أن الإنسان لا يستطيع أن يعدل بين النساء ولو حرص؛ لأن هناك أشياء تكون بغير اختيار الإنسان؛ كالمودة والميل وما أشبه ذلك، مما يكون في القلب.

أما ما يكون بالبدن فإنه يمكن العدل فيه؛ كالعدل في النفقة، والعدل في المعاملة بأن يقسم لهذه ليلتها وهذه ليلتها، والكسوة، وغير ذلك فهذا ممكن، لكن ما في القلب لا يمكن أن يعدل الإنسان فيه؛ لأنه بغير اختياره.

ولهذا قال الله تعالى: (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا) أي تذروا المرأة إذا التي ملتم عنها (كَالْمُعَلَّقَةِ) بين السماء والأرض، ليس لها قرار؛ لأن المرأة إذا رأت أن زوجها مال مع ضرتها تعبت تعباً عظيماً، واشتغل قلبها، فصارت كالمعلقة بين السماء والأرض ليس لها قرار.

ثم قال: (فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) يعني إن تسلكوا سبيل الإصلاح وتقوى الله عز وجل؛ فإن الله كان غفوراً رحيماً: يعني يغفر لكم ما لا تستطيعونه، ولكنه يؤاخذكم بما تستطيعون.

وهاتان الآيتان وغيرهما من نصوص الكتاب والسنة كلها تدل على الرفق بالمرأة وملاحظتها ومعاشرتها بالتي هي أحسن، وأن الإنسان لا يطلب منها حقه كاملاً؛ لأنها لا يمكن أن تأتي به على وجه الكمال فليعف وليصفح.

* * *

١/٢٧٣ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((استوصوا بالنساء خيراً؛ فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء)) متفق عليه.

وفي رواية في ((الصحيحين)) (المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها، استمتعت وفيها عوج)) .

وفي رواية لمسلم: ((إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)) .

قوله: ((عوج)) هو بفتح العين والواو.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه في معاشرة النساء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((استوصوا بالنساء خيراً)) يعني: اقبلوا هذه الوصية التي أوصيكم بها، وذلك أن تفعلوا خيراً مع النساء؛ لأن النساء قاصرات في العقول، وقاصرات في الدين، وقاصرات في التفكير،

وقاصرات في جميع شئونهن، فإنهن خلقن من ضلع.

وذلك أن آدم عليه الصلاة والسلام خلقه الله من غير أب ولا أم، بل خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، ولما أراد الله تعالى أن يبث من هذه الخليقة، خلق منه زوجه، فخلقها من ضلعه الأعوج، فخلقت من الضلع الأعوج، والضلع الأعوج إن استمتعت به استمتعت به وفيه العوج، وإن ذهبت تقيمه انكسر.

فهذه المرأة أيضاً إن استمتع بها الإنسان استمتع بها على عوج، فيرضى بما تيسر، وإن أراد أن تستقيم فإنها لن تستقيم، ولن يتمكن من ذلك، فهي وإن استقامت في دينها فلن تستقيم فيما تقتضيه طبيعتها، ولا تكون لزوجها على ما يريد في كل شيء، بل لابد من مخالفة، ولابد من تقصير، مع القصور الذي فيها.

فهي قاصرة بمقتضى جبلتها وطبيعتها، ومقصرة أيضاً، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها، يعني معناه أنك إن حاولت أن تستقيم لك على ما تريد فلا يمكن ذلك، وحينئذ تسأم منها وتطلقها، فكسرها طلاقها.

وفي هذا توجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاشرة الإنسان لأهله، وأنه ينبغي أن يأخذ منهم العفو ما تيسر، كما قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) يعني ما عفى وسهل من أخلاق الناس (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: ١٩٩] .

ولا يمكن أن تجد امرأة مهما كان الأمر سالمة من العيب مائة بالمائة،

أو مواتية للزوج مائة بالمائة، ولكن كما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام استمتع بها على ما فيها من العوج.

وأيضاً إن كرهت منها خلقاً رضيت منها خلقاً آخر، فقابل هذا بهذا مع الصبر، وقد قال الله تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) [النساء: ١٩] .

٢/٢٧٤ ـ وعن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) انبعث لها رجل عزير، عارم منيع في رهطه)) ثم ذكر النساء، فوعظ فيهن، فقال: ((يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من أخر يومه)) ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة وقال: ((لم يضحك أحدكم مما يفعل؟)) متفق عليه.

((والعارم)) بالعين المهملة والراء: هو الشرير المفسد.

وقوله: ((انبعث)) أي: قام بسرعة.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على ناقته، وكان عليه الصلاة والسلام خطبه على نوعين: نوع راتب، ونوع عارض؛ فالخطب الراتبة كخطب

يوم الجمعة، وخطب العيدين، والاستسقاء، والكسوف وما أشبه ذلك، والخطب العارضة هي التي يكون لها سبب، فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم فيخطب الناس ويعظمهم ويبين لهم؛ وأحياناً يخطب على المنبر، وأحياناً يخطب قائماً على الأرض، وأحياناً يخطب على ناقته، وأحياناً يخطب معتمداً على بعض أصحابه، حسب ما تقتضيه الحال في وقتها؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام من هديه أنه لا يتكلف؛ فلا يطلب المعدوم، ولا يرد الموجود إذا لم يكن في ذلك تقصير في الشرع، أو تجاوز فيه.

فكان صلى الله عليه وسلم يخطب، وسمعه عبد الله بن زمعة، ومن جملة ما خطب أنه قال: ((يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد)) يعني يجلدها جلد شخص كأنه لا علاقة بينه وبينها، وكأنها عنده عبد أسير عانٍ، وهذا لا يليق؛ لأن علاقة الرجل مع أهله علاقة خاصة ينبغي أن تكون مبنية على المحبة والألفة والبعد عن الفحشاء: القولية أو الفعلية.

أما أن يجلدها كما يجلد العبد ثم في آخر اليوم يضاجعها. كيف تضاجعها في آخر اليوم وتستمتع بها محبة وتلذذاً وشهوة وأنت قد جلدتها جلد العبد؟ ! فهذا تناقض، ولهذا عتب النبي عليه الصلاة السلام على هذا العمل، فإنه لا ينبغي أن يقع هذا الشيء من الإنسان، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام، فإن هذا لا يليق بالعاقل فضلاً عن المؤمن.

ثم تحدث أيضاً عن شيء آخر وهو الضحك من الضرطة، يعني إذا ضرط الإنسان وخرجت الريح من دبره ولها صوت ضحكوا، فقال صلى الله عليه وسلم واعظاً لهم في ذلك: ((لم يضحك أحدكم مما يفعل؟)) .

ألست أنت تضرط كما يضرط هذا الرجل؟ بلى، إذا كان كذلك فلماذا تضحك؟ فالإنسان إنما يضحك ويتعجب من شيء لا يقع منه، أما ما يقع منه؛ فإنه لا ينبغي أن يضحك منه، ولهذا عاتب النبي صلى الله عليه وسلم من يضحكون من الضرطة؛ لأن هذا شيء يخرج منهم، وهو عادة عند كثير من الناس.

كثير من الناس في بعض االأعراف لا يبالون إذا ضرط أحدهم وإلى جنبه إخوانه ولا يحتشمون من ذلك أبداً، ويرون أنها من جنس العطاس أو السعال أو ما أشبه ذلك. لكن في بعض االأعراف ينتقدون هذا.

لكن كونك تضحك وتخجل صاحبك، فهذا مما لا ينبغي.

وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يعيب غيره فيما يفعله هو بنفسه، إذا كنت لا تعيبه بنفسك فكيف تعيبه بإخوانك؟ !

وبهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة شائعة عند العامة، فإنه من المعلوم أن لحم الإبل إذا أكل منه الإنسان وهو متوضئ انتقض وضوءه، ووجب عليه أن يتوضأ إذا أراد الصلاة، سواء أكله نيئاً أو مطبوخاً، وسواء كان هبراً، أو كبداً أو مصراناً، أو كرشاً، أو قلباً، أو رئة، كل ما حملت البعير فإن أكله ناقض للوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن شيئاً وإنما قال: ((توضئوا من لحوم الإبل)) ، وسئل أنتوضأ من لحوم الإبل فقال: ((نعم)) ، قال: من لحوم الغم فقال: ((إن شئت)) ؛ لحم الغنم لا ينقض

الوضوء لحم البقر لا ينقض الوضوء، لحم الخيل لا ينقض الوضوء، لكن لحم الإبل ينقض الوضوء؛ إذا أكلته نيئاً أو مطبوخاً هبراً أو غير هبر؛ وجب عليك أن تتوضأ.

فأما شرب لبنها، فإن الصحيح أنه ليس بناقض للوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر العرنيين أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها لم يأمرهم بالوضوء، ولو كان واجباً لأمرهم به، فإن توضأ فهو أحسن، أما الوجوب فلا.

وكذلك المرق لا يجب الوضوء منه وإن توضأت فهو أحسن، أما اللحم فلابد، وكذلك الشحم فلابد من الوضوء منه.

يقول بعض الناس: إن السبب أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في وليمة وكان لحمها لحم إبل، وأنه خرجت ريح من بعض الحاضرين ولا يدري من، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من أكل لحم إبل فليتوضأ)) فقام جميعهم يتوضئون.

وجعلوا هذا السبب في أن الإنسان يتوضأ من لحم الإبل، وهذا حديث باطل لا أصل له، وإنما الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء من لحم الإبل لحكمة الله يعلمها، قد نعلمها نحن وقد لا نعلمها، المهم نحن علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نتوضأ من لحوم الإبل إذا أكلنا منها فسمعاً وطاعة.

* * *

٣/٢٧٥ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)) أو قال: ((غيره)) رواه مسلم.

وقوله ((يفرك)) هو بفتح الياء وإسكان الفاء وفتح الراء معناه: يبغض، يقال: فركت المرأة زوجها، وفركها زوجها، بكسر الراء، يفركها بفتحها: أي أبغضها، والله أعلم.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر)) .

الفرك: يعني البغضاء والعداوة، يعني لا يعادي المؤمن المؤمنة كزوجته مثلاً، لا يعاديها ويبغضها إذا رأى منها ما يكرهه من الأخلاق، وذلك لأن الإنسان يجب عليه القيام بالعدل، وأن يراعي المعامل له بما تقتضيه حاله، والعدل أن يوازن بين السيئات والحسنات، وينظر أيهما أكثر وأيهما أعظم وقعاً، فيغلب ما كان أكثر وما كان أشد تأثيراً؛ هذا هو العدل.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) [المائدة: ٨] ، يعني لا يحملكم بغضهم على عدم العدل اعدلوا ولو كنتم تبغضونه، ولهذا لما بعث النبي

صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر ليخرص عليهم ثمر النخل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عامل أهل خيبر حين فتحها على أن يكفوه المئونة، ويقوموا بإصلاح النخيل والزرع ولهم النصف.

فكان يبعث عليهم من يخرص عليهم الثمرة، فبعث إليهم عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال لهم: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلى، قتلتم أنبياء الله عز وجل، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، فقالوا: بهذا قامت السَّمَوَاتِ والأرض)) .

فالشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يكون الإنسان حاكماً بالعدل والقسط، فقال: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة)) يعني لا يبغضها لأخلاقها، إن كره منها خلقاً رضي منه خلقاً آخر.

إذا أساءت مثلاً في ردها عليك مرة، لكنها أحسنت إليك مرات، أساءت ليلة لكنها أحسنت ليالي، أساءت في معاملة الأولاد مرة، لكن أحسنت كثيراً. . وهكذا. فأنت إذا أساءت إليك زوجتك لا تنظر إلى الإساءة في الوقت الحاضر، ولكن انظر إلى الماضي وانظر للمستقبل واحكم بالعدل. وهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة يكون في غيرها أيضاً ممن يكون بينك وبينه معاملة أو صداقة أو ما أشبه ذلك، إذا أساء إليك يوماً من الدهر

فلا تنس إحسانه إليك مرة أخرى وقارن بين هذا وهذا، وإذا غلب الإحسان على الإساءة؛ فالحكم للإحسان، وإن غلبت الإساءة على الإحسان فأنظر إن كان أهلاً للعفو فاعف عنه، وإن عفا وأصلح فأجره على الله، وإن لم يكن أهلاً للعفو؛ فخذ بحقك وأنت غير ملوم إذا أخذت بحقك، لكن انظر للمصلحة.

فالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يعامل من بينه وبينهم صلة من زوجته أو صداقة أو معاملة، في بيع أو شراء أو غيره، أن يعامله بالعدل إذا كره منه خلقاً أو أساء إليه في معاملة، أن ينظر للجوانب الأخرى الحسنة حتى يقارن بين هذا وهذا، فإن هذا هو العدل الذي أمر الله به ورسوله كما قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: ٩٠] .

* * *

٤/٢٧٦ ـ وعن عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله تعالى، وأثني عليه وذكر ووعظ، ثم قال: ((ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً؛ فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن

في كسوتهن وطعامهن)) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. .

قوله صلى الله عليه وسلم: ((عوان)) أي: أسيرات جمع عانية، بالعين المهملة، وهي الأسيرة، والعاني: الأسير شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير.

((والضرب المبرح)) : هو الشاق الشديد. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فلا تبغوا عليهن سبيلا)) أي: لا تطلبوا طريقاً تحتجون به عليهن وتؤذونهن به. والله أعلم.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ فيما نقله عن عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع يخطب وكان ذلك في عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قدم مكة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وبقي فيها إلى يوم الخميس الثامن من ذي الحجة.

وخرج ضحى يوم الخميس إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، فلما طلعت الشمس، صار إلى عرفة، فنزل بنمرة وهي مكان معروف قبل عرفة وليست من عرفة، ثم زالت الشمس وحلت صلاة الظهر، فأمر أن تُرَحّل له ناقته فرحلت له وركب، حتى أتى بطن الوادي ـ بطن عرنة ـ وهو شعيب عظيم يحد عرفة من الناحية الغربية

إلى الناحية الشمالية، فنزل ثم خطب الناس صلى الله عليه وسلم خطبة عظيمة بليغة.

ثم قال فيها من جملة ما قال ما أوصي به أمته بالنسبة للنساء: ((استوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم)) العواني جمع عانية وهي الأسيرة، يعني أن الزوجة عند زوجها بمنزلة الأسير عند من أسره؛ لأنه يملكها، وإذا كان يملكها فهي كالأسير عنده، ثم بين صلى الله عليه وسلم أنه لا حق لنا أن نضربهم إلا إذا أتين بفاحشة مبينة، والفاحشة هنا عصيان الزوج، بدليل قوله: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) [النساء: ٣٤] ، يعني إن قصرت الزوجة في حق زوجها عليها؛ فإنه يعظها أولاً ثم يهجرها في المضجع فلا ينام معها، ثم يضربها ضرباً غير مبرح إن هي استمرت على العصيان.

هذه مراتب تأديب المرأة إذا أتت بفاحشة مبينة، وهي عصيان الزوج فيما يجب له: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) يعني لا تضربوهن ولا تقصروا في حقهن؛ لأنهن قمن بالواجب.

ثم بين صلى الله عليه وسلم الحق الذي لهن والذي عليهن، فقال ((لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه)) يعني لا يجعلن يدخل عليهن على فراش النوم أو غيره وأنت تكره أن يجلس على فراش بيتك، وكأن هذا ـ والعلم عند الله ـ ضرب مثل، والمعنى: أن لا يكرمن أحداً تكرهونه؛ هذا من المضادة لكم أن يكرمن من تكرهونه بإجلاسه على الفرش أو تقديم الطعام له، أو ما أشبه ذلك.

وأن لا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، يعني لا يدخلن أحداً البيت وأنت تكره أن يدخل، حتى لو كانت أمها أو أباها، فلا يحل لها أن تدخل

أمها أو أباها، أو أختها أو أخاها، أو عمها أو خالها أو عمتها أو خالتها إلى بيت زوجها إذا كان يكره ذلك.

وإنما نبهت على هذا؛ لأن بعض النساء والعياذ بالله شر، شر حتى على بنتها، إذا رأت أن زوجها يحبها أصابتها الغيرة والعياذ بالله ـ وهي الأم ـ ثم حاولت أن تفسد بين البنت وزجها، فهذه الأم للزوج أن يقول لزوجته لا تدخل بيتي، له أن يمنعها شرعاً، وله أن يمنع زوجته من الذهاب إليها؛ لأنها نمامة تفسد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة قتات)) أي نمام.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)) . فالزوج هو الذي ينفق على زوجته حتى لو كانت غنية، ولو كانت موظفة، فليس له حق في وظيفتها ولا في راتبها، ليس له قرش واحد. كله لها، وتلزمه بأن ينفق عليها؛ فإذا قال: كيف أنفق عليك وأنت غنية، وأنت لك راتب كراتبي؟ نقول: يلزمك نقول: يلزمك الإنفاق عليها وإن كانت كذلك، فإن أبيت فللحاكم القاضي أن يفسخ النكاح غصباً من الزوج، وذلك لأنه ملتزم بنفقتها.

والحاصل أن خطبة حجة الوداع خطبة عظيمة قرر فيها النبي صلى اله عليه وسلم شيئاً كثيراً من أصول الدين ومن الحقوق، حتى قال صلى الله عليه وسلم من جملة ما قال: ((ألا وإن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي))

كانوا في الجاهلية ـ نسأل الله

العافية ـ إذا حل الدين على الفقير قالوا له: إما أن تربي وإما أن تقضي: ((تقضي)) يعني توفينا، ((تربي)) يعني نزيد عليك الدين حتى يصبح أضعافاً مضاعفة.

فقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حاكماً ومشرعاً: ((إن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين))

يعني تحت رجلي ليس له قائمة، ثم قال: ((وأول ربا ً أضع ربا العباس بن عبد المطلب)) .

الله أكبر، صراحة عظيمة وعدل قائم في تنفيذ أحكام الله، ((أول رباً أضع ربا العباس)) ، العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم.

لو كان النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أهل الدنيا لجحد، ولا أخبر الناس أن عمه يرابي، وأبقى رباه على ما هو عليه، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو غاية الخلق في العدل يقول ((أول رباً أضع ربا العباس بن عبد المطلب)) ، فإنه موضوع كله، فليس لأحد ممن عليه الربا أن يوفيه، فهو ساقط كأن لم يكن؛ ليس للعباس إلا رأس ماله فقط.

وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم حينما جاء الناس يشفعون في امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع وتجحده، تستعير المتاع؛ كالقدر والفرش وغيره، ثم إنها بعد أن تأخذ هذا المتاع كانت تنكر أنها أخذت شيئاً، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يدها لأنها سارقة.

فأهم قريش شأنها؛ امرأة من بني مخزوم ـ إحدى قبائل قريش الكبرى ـ

فقاموا ليشفعوا لها وقدموا أسامة بن زيد يشفع عند النبي صلى الله عليه وسلم.

وأسامة هو ابن عتيق الرسول صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة؛ عبد أهدته خديجة للرسول صلى الله عليه وسلم فأعتقه ثم رزق بأسامة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبهما: أسامة وأباه زيداً، فقالوا لأسامة: اشفع عند الرسول صلى الله عليه وسلم.

فلما جاء يشفع أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ((أتشفع في حد من حدود الله)) . إنكار توبيخ.

ثم قام فخطب الناس وقال لهم كلاماً خالداً عظيماً: ((أيها الناس؛ إنما أهلك من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف؛ أقاموا عليه الحد)) وهذا جور وظلم فأيهم أحق بالعفو: الضعيف الذي لا يجد، أو الشريف الكبير؟ لا شك أن الضعيف أحق بالعفو إن كان هناك تفريق ومحاباة، ولكن ولله الحمد ليس هنالك تفريق ولا محاباة في إقامة حدود الله.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) وهي أشرف من المخزومية نسباً وقدراً وديناً، وهي بلا شك أفضل من المخزومية لأنها سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وايم الله)) حلف وإن لم يستحلف؛ لتأكيد هذا الحكم وبيان أهمية ((لو أن فاطمة)) وهي أشرف من هذه المخزومية ((بنت محمد))

أشرف البشر ((سرقت لقطعت يدها)) وهذا العدل غاية في عدل البشر لا يوجد عدل يصدر من أي بشر كان مثل هذا العدل من النبي صلى الله عليه وسلم ليقطع كل الحجج والوساطات والشفاعات، وهذا يدل على كمال عدله صلى الله عليه وسلم.

المهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع خطبة عظيمة بين فيها كثيراً من أحكام الإسلام وآدابه، وقد قام بشرح هذه الخطبة الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن حميد رحمة الله عليه، رئيس القضاة في هذه المملكة في زمنه شرحها شرحاً موجزاً لكنه مفيد، فمن أحب فليرجع إليه.

* * *

٥/٢٧٧ ـ وعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: ((أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، لا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت)) حديث حسن رواه أبو داود.

وقال: معني ((لا تقبح)) أي: لا تقل قبحك الله.

٦/٢٧٨ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمة الله تعالى ـ فيما نقل عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه ما حق امرأة أحدنا عليه، والصحابة رضي الله

عنهم كانوا إذا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فإنما يسألون ليعملوا لا ليعلموا فقط؛ خلافاً لما عليه كثير من الناس اليوم يسألون ليعلموا ثم لا يعمل إلا قليل منهم؛ وذلك أن الإنسان إذا علم من شريعة الله ما علم كان حجة له أو عليه. إن عمل به فهو حجة له يوم القيامة، وإن لم يعمل به؛ كان حجة عليه يؤاخذ به.

وما أكثر ما كان الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور دينهم، ففي القرآن مسائل كثير: (يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) [البقرة: ٢١٥] ، (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) [البقرة: ٢٢٠] ، (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيض) [البقرة: ٢٢٢] ، (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) [البقرة: ١٨٩] ؛ كلها أسئلة يريد بها الصحابة رضي الله عنهم أن يعلموا فيها حكم الله ثم يطبقوه في أنفسهم وفي أهليهم.

وهنا سأله معاوية ((ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: ((أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت)) يعني لا تخص نفسك بالكسوة دونها، ولا بالطعام دونها؛ بل هي شريكة لك يجب عليك أن تنفق عليها كما تنفق على نفسك، حتى إن كثيراً من العلماء يقول: إذا لم ينفق الرجل على زوجته وطالبت بالفسخ عند القاضي؛ فللقاضي أن يفسخ النكاح؛ لأنه قصر بحقها الواجب لها.

قال ((ولا تضرب الوجه ولا تقبح)) فلا تضربها إلا لسبب وإذا ضربتها فاجتنب الوجه وليكن ضرباً غير مبرح.

وقد سبق لنا أن الإنسان إذا رأى من امرأته نشوزاً وترفعاً عليه، وأنها لا تقوم بحقه؛ وعظها أولاً، ثم هجرها في المضجع، ثم ضربها ضرباً غير مبرح فإذا حق له أن يضربها لوجود السبب، فإنه لا يضرب الوجه.

وكذلك غير الزوجة لا يضرب على الوجه، فالابن إذا أخطأ لا يضرب على الوجه؛ لأن الوجه أشرف ما في الإنسان، وهو واجهه البدن كله، فإذا ضرب كان أذل للإنسان مما لو ضرب غير وجهه، يعني يضرب الرجل على كتفه، على عضده، على ظهره؛ فلا يرى بذلك أنه استدل كما لو ضربته على وجهه، ولهذا نهي عن ضرب الوجه وعن تقبيح الوجه.

قوله: ((لا تقبح)) يعني لا تقل: أنت قبيحة، أو قبح الله وجهك، ويشمل النهي عن التقبيح: النهي عن التقبيح الحسي والمعنوي، فلا يقبحها مثل أن يقول: أنت من قبيلة رديئة، أو من عائلة سيئة، أو ما أشبه ذلك. كل هذا من التقبيح الذي نهى الله عنه.

قال: ((ولا تهجرها إلا في البيت)) يعني إذا وجد سبب الهجر فلا تهجرها علناً وتظهر للناس أنك هجرتها.

اهجرها في البيت؛ لأنه ربما تهجرها اليوم وتتصالح معها في الغد فتكون حالكما مستورة، لكن إذا ظهرت حالكما للناس بأن قمت بنشر ذلك والتحدث به كان هذا خطأ، اهجرها في البيت، ولا يطلع على هجرك أحد، حتى إذا اصطلحت معها رجع كل شيء على ما يرام، دون أن يطلع عليه أحد من الناس.

أما الحديث الثاني حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ فإنه حديث

عظيم، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((أكمل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً)) .

الإيمان يتفاوت ويتفاضل كما قال الله تعالى: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانا) [المدثر: ٣١] ، وليس الناس في الإيمان سواء؛ من الناس من يؤمن بالغيب وكأنه يشاهد شهود عيان، يؤمن بيوم القيامة وكأنه الآن في تلك الساعات، يؤمن بالجنة وكأنها في تلك الرياض، يؤمن بالنار وكأنه يراها بعينه، يؤمن إيماناً حقيقياً مطمئناً لا يخالطه شك.

ومن الناس من يعبد الله على حرف ـ نسأل الله العافية ـ كما قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) [الحج: ١١] يعني على طرف (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ) يعني إن لم يواجه أحداً يشككه في الدين، ولم يواجه إلا صلحاء يعينونه (اطْمَأَنَّ بِه) أي ركن إليه.

(وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) [الحج: ١١] ، إن أصابته فتنة في بدنه، أو ماله، أو أهله؛ انقلب على وجهه واعترض على القضاء والقدر، وتسخط وهلك والعياذ بالله (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) .

فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وفي هذا حث عظيم على حسن الخلق مع الله، وحسن الخلق مع الناس.

أما حسن الخلق مع الله، فأن يرضى الإنسان بشريعته، وينقاد إليها راضياً، مطمئناً بها، مسروراً بها سواء كانت أمر يؤمر به، أو نهياً ينهى عنه.

وأن يرضى الإنسان بقدر الله عز وجل، ويكون ما قدر الله عليه مما يسوءه كالذي قدر الله عليه مما يسره، فيقول: يا رب كل شيء من عندك، فأنا راض بك رباً إن أعطيتني ما يسرني شكرت، وإن أصابني ما يسوءني صبرت، فيرضى

بالله قضاءً وقدراً، وأمراً وشرعاً؛ هذا حسن الخلق مع الله.

أما حسن الخلق مع الناس فظاهر، فكف الأذى وبذل الندى، والصبر عليهم وعلى أذاهم، هذا من حسن الخلق مع الناس؛ أن تعاملهم بهذه المعاملة تكف أذاك عنهم، وتبذل نداك. الندى يعني العطاء سواء كان مالاً أو جاهاً أو غير ذلك، وكذلك تصبر على البلاء منهم، فإذا كنت كذلك؛ كنت أكمل الناس إيماناً.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)) هذا خير الناس. هو خيرهم لأهله؛ فإذا كان فيك خير؛ فاجعله عند أقرب الناس لك وليكن أول المستفيدين من هذا الخير.

وهذا عكس ما يفعله بعض الناس اليوم، تجده سيئ الخلق مع أهله، حسن الخلق مع غيرهم، وهذا خطأ عظيم؛ أهلك أحق بإحسان الخلق؛ أحسن الخلق معهم؛ لأنهم هم الذين معك ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، إن أصابك شيء أصيبوا معك، وإن سررت سروا معك، وإن حزنت حزنوا معك، فلتكن معاملتك معهم خيراً من معاملتك مع الأجانب، فخير الناس خيرهم لأهله.

اسأل الله أن يكمل لي وللمسلمين الإيمان، وأن يجعلنا خير عباد الله في أهلنا ومن لهم حق علينا.

* * *

٧/٢٧٩ ـ وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تضربوا إماء الله)) فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ذئرن النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون ازواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد أطاف بآل بيت محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم)) رواه أبو داود بإسناد صحيح.

قوله: ((ذئرن)) هو بذال معجمة مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم راء ساكنة ثم نون، أي: اجترأن، قوله: ((أطاف)) أي: أحاط.

٨/٢٨٠ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

ذكر رحمه الله تعالى فيما نقله فيما يتعلق بأمر النساء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تضربوا إماء الله)) يريد بذلك النساء، فيقال: أمة الله كما يقال عبد الله، ويقال: إماء الله كما يقال عباد الله، ومن ذلك الحديث الصحيح: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) .

نهاهم عن ضرب النساء، فكفوا عن ذلك؛ لأن الصحابة رضي الله

عنهم كانوا من الطراز الأول والجيل الأول المفضل، الذين إذا دعوا إلى الله ورسوله قالوا: سمعنا وأطعنا، فكفوا عن ضرب النساء. والنساء قاصرات عقل وناقصات دين.

فلما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ضربهن، اجترأن على أزواجهن، كما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله إن النساء ذئرن على أزواجهن، يعني اجترأن وتعالين على الرجال، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال عمر؛ أجاز ضربهن، فأفرط الرجال في ذلك وجعلوا يضربونهن حتى وإن لم يكن ذلك من حقهم فطافت النساء بآل النبي صلى الله عليه وسلم، أي ببيوته، وجعلن يتجمعن حول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يشكون أزواجهن.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس يخبرهم بأن هؤلاء الذين يضربون أزواجهن ليسوا بخيارهم، أي ليسوا بخيار الرجال، وهذا كقوله: ((خيركم خيركم لأهله)) فدل هذا على أن الإنسان لا يفرط ولا يفرط في ضرب أهله؛ إن وجد سبباً يقتضي الضرب فلا بأس.

وقد بين الله عز وجل مراتب ذلك في كتابه فقال: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) [النساء: ٣٤] .

المرتبة الثالثة: الضرب، وإذا ضربوهن فليضربوهن ضرباً غير مبرح.

ثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) فقوله صلى الله عليه وسلم: ((الدنيا متاع)) يعني شيء يتمتع به، كما يتمتع المسافر بزاده ثم ينتهي، وخير متاعها المرأة الصالحة؛ إذا وفق الإنسان لامرأة صالحة في دينها وعقلها فهذا خير متاع

الدنيا؛ لأنها تحفظه في سره وماله وولده.

وإذا كانت صالحة في العقل أيضاً، فإنها تدبر له التدبير الحسن في بيته وفي تربية أولادها، إن نظر إليها سرته، وإن غاب عنها حفظته، وإن وكل إليها لم تخنه، فهذه المرأة هي خير متاع الدنيا.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)) ، يعني عليك بها، فإنها خير من يتزوجه الإنسان؛ فذات الدين وإن كانت غير جميلة الصورة، لكن يجملها خلقها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

توفي في خلافة عثمان سنة نيف وثلاثين، وقبره في مقبرة الشهداء يزار. قال المصنف روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة حديث وتسعة وسبعون حديثاً اتفقا على حديثين منها وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بثمانية اهـ. وقال المصنف في «التهذيب» روى عنه جماعة الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وخلائق من التابعين اهـ.

(قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ابغوني) بكسر همزة الوصل لأنه من فعل ثلاثي مكسور العين: أي اطلبوا لي (الضعفاء) يعني صعاليك المسلمين أستعين بهم فإذا قلت: أبغني بهمزة القطع فمعناه أعني على الطلب. وقال الحافظ: ابغني بالوصل من الثلاثي أي اطلب لي، يقال بغيتك الشيء: طلبته لك، وبالقطع: أي أعني والأول المراد بالحديث اهـ. والحاصل أنه إن كان من الثلاثي فهمزته للوصل مكسورة والمراد به مطلق الطلب، وإن كان من الرباعي فهمزته للقطع والمراد به طلب الإعانة: أي أعينوني على طلب الضعفاء. قال السيوطي: هو بإسقاط حرف الجرّ عند أبي داود والنسائي، وعند أحمد والطبراني «ابغوني ضعفاءكم» وعن الترمذي «ابغوني في ضعفائكم» قال صاحب «الفتح الكبير» لمعلق «الجامع الصغير» : وطلبهم ليكتبهم في ديوان المجاهدين ويستعين بهم. ولحضورهم فوائد أشار إليها بقوله: (فإنما ترزقون) بالبناء للمفعول وحذف المفعول الثاني المتعدى إليه لتضمنه معنى إعطاء للتعميم: أي ترزقون المطر والفيء وغيرهما مما تنتفعون به (وتنصرون) على أعدائكم (بضعفائكم) أي ببركة وجود صعاليك المسلمين فيكم ودعائهم لكم (رواه أبو داود) في كتاب الجهاد (بإسناد جيد) أي مقبول كما تقدم قريباً/ رواه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم في «المستدرك» وفي أحاديث الباب والانقطاع إلى الله سبحانه وإعانة الفقراء وإغاثة المنقطعين وعدم رؤية النفس وفضلها على أحد من العاملين والحذر من التعرض لإيذاء أحد من الضعفاء والمساكين الذين لا جار لهم ولا كهف سوى ربّ العالمين.d

٣٤ - باب الوصية بالنساء

بكسر النون وبالمد، جمع لامرأة من غير لفظها، وتجمع على نسوة بكسر النون

كما تقدم عن «المصباح» ، والمراد الوصية بالرفق بهن والإحسان إليهن لضعفهن واحتياجهن لمن يقوم بأمرهن.

(قال الله تعالى) شأنه عما لا يليق به ( {وعاشروهن بالمعروف} ) أمر يعم الأزواج والأولياء ولكن المتلبس في الأغلب بهذا الأمر الأزواج والمعاشرة المخالطة والممازجة. قال السلمي: «وعاشروهن بالمعروف» قيل علموهن الفرائض والسنن. وقال أبو جعفر: المعاشرة بالمعروف حسن الخلق مع العيال.

(وقال تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا} ) العدل التام على الإطلاق: المستوى في الأقوال والأفعال والمحبة والجماع وغير ذلك ( {بين النساء ولو حرصتم} ) «كان يقسم بين نسائه ثم يقول: اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» فأخبر عزّ وجلّ عن حال البشر أنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض الأزواج دون بعض ( {فلا تميلوا كل الميل} ) بأن يفعل فعلاً يقصد به التفضيل، وهو يقدر أن لا يفعله فهذا هو كل الميل وإن كان في أمر حقير (فتذورها) أي الزوجة التي ميل عليها كل الميل ( {كالمعلقة} ) لا هي أيم ولا هي ذات زوج (وإن تصلحوا) ما أفسدتم بالميل التام (وتتقوا) بالعدل في القسم وترك خلافه ( {فإن الله كان} ) فيما مضى وبالاستمرار ( {غفوراً} ) لما عدا الشرك من المعاصي إن شاء ذلك ( {رحيماً} ) مفيضاً للنعم على عباده، ومناسبة هذين الاسمين لما قبلهما أن الميل السابق إثم ودواءه الغفران، وأن الداعي إلى عدم التقوى من المساواة بالمواساة بين الأزواج ما يعد لهم الشيطان من الفقر فدواؤه استحضار ما للمولى سبحانه وتعالى من النعم الحسان.

٢٧٣١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: استوصوا بالنساء خيراً) أي تواصوا بهن والباء للتعدية، والاستفعال بمعنى الإفعال كالاستجابة بمعنى الإجابة. وقال الطيبي: السين للطلب وهو للمبالغة: أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن، أو اطلبوا الوصية من غيركم بهن، وقيل معناه: اقبلوا وصيتي فيهن واعملوا بها وارفقوا بهن وأحسنوا عشرتهن. قال العلقمي: وهذا الوجه أوجه في نظري وليس مخالفاً لما قال الطيبي.

قلت: لأن المعنى اطلبوا وصيتي واقبلوها واعملوا بها (فإن المرأة خلقت) بالبناء للمفعول: أي أخرجت (من ضلع) بكسر المعجمة وفتح اللام، ويجوز تسكينها وهي مؤنثة كما في «القاموس» و «المصباح» ، قال في «الفتح» : فيه إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر، وقيل من ضلعه القصير، أخرجه ابن إسحاق في المبتدأ عن ابن عباس وكذا أخرجه ابن أبي حاتم وغيره من حديث مجاهد، وأغرب النووي فعزاه للفقهاء أو لبعضهم اهـ.

وهذا لا يختلف الحديث الذي فيه تشبيه المرأة بالضلع، بل يستفاد من هذا نكتة التشبيه وأنها عوجاء مثله لكون أصلها منه. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون معناه: أن المرأة خلقت من مبلغ ضلع فهي كالضلع (وإن أعوج ما) أي شيء كما في رواية أخرى (في الضلع أعلاه) قيل فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة لسانها، وفائدة هذه المقدمة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فلا ينكر اعوجاجها، أو أنها لا تقبل التقويم كما أن الضلع لا يقبله، ولذا قال (فإن ذهبت تقيمه) أي أعلاه عن الاعوجاج الذي هو شأنه (كسرته) لعدم قابليته له (وإن تركته) غير آخذ في إقامته (لم يزل أعوج) لأنه وضعه وشأنه، وكذا المرأة إن أردت إقامتها على الجادة، وعدم اعوجاجها أدى إلى الشقاق والفراق، وهو كسرها وإن صبرت على سوء حالها وضعف معقولها ونحو ذلك من عوجها دام الأمر واستمرت العشرة، والفاء في قوله: (فاستوصوا بالنساء) الفاء الفصيحة: أي فاعرفوا ذلك فاستوصوا بهن (خيراً) بالصبر على ما يقع منهن، فيه رمز إلى التقويم برفق بحيث لا يبالغ فيه فيكسر ولا يتركه فيستمر على عوجه وما قررت من أن الفاء الفصيحة هي العاطفة على مقدر هو ما في النهر لأبي حيان وردّ ما في «الكشاف» ، وتبعه البيضاوي من أنها الواقعة جواباً لشرط مقدر حذف هو وفعله بأن النحاة أجمعوا على عدم جواز حذف الأداة والفعل في مثل ذلك (متفق عليه) رواه البخاري في بدء الخلق وفي النكاح، ورواه مسلم في النكاح، ورواه النسائي في عشرة النساء وابن أبي شيبة، وزاد «من كان يؤمن با واليوم الآخر فإذا شهد أمراً فليتكلم بخير أو ليسكت» .

(وفي رواية في الصحيحين) في هذا الحديث عن أبي هريرة لكن اقتصر المزيّ على عزوه بهذا اللفظ إلى مسلم في النكاح. قال: ورواه الترمذي فيه وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه (المرأة) اللام فيها للحقيقة (كالضلع) في الاعوجاج وعدم قابلية الإقامة (إن أقمتها) أي الضلع وهي مؤنثة، ويحتمل

أن يكون ضمير المؤنث هنا للمرأة، ويؤيده قوله بعد (وإن استمتعت بها كسرتها) لعدم قابليتها للإقامة ويحتمل أن المراد بكسرها طلاقها، وقد وقع ذلك صريحاً كما سيأتي، وكسرها طلاقها (وإن استمتعت بها) لقضاء الوطر وطلب الولد الصالح والإعفاف (استمتعت بها) وجملة (وفيها عوج) جملة إسمية حالية.

(وفي رواية لمسلم) في النكاح (إن المرأة) الإتيان بالمؤكد لاقتضاء المقام له، وكأنه لكثرة الشكاية من الأزواج من عدم استقامتهن، وذلك يقتضي منهم أنهم توهموا إمكان استقامتهن أو ترددوا فيه، فأتى دفعاً لذلك بذلك (خلقت من ضلع لن تستقيم لك) أي تدوم (على طريقة) ترضاها، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً يقول: ماذا ينشأ من كونها خلقت من ذلك؟ فقال: لن تستقيم (فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها) إقامة تامة مرضية لك (كسرتها) لأنه خلاف شأنها، وليس في وسعها واستعدادها (وكسرها) المدلول عليه بقوله كسرتها (طلاقها. قوله) في الحديث (هو عوج بفتح العين) المهملة (والواو) قال الفيومي في «المصباح» : العوج بفتحتين في الأجساد: خلاف الاعتدال، وهو مصدر من باب تعب، يقال عوج العود ونحوه فهو أعوج والأنثى عوجاء من باب أحمر، والعوج بكسر العين في المعاني، يقال: في الأمر عوج وفي الدين عوج. قال أبو زيد في الفرق بكل ما رأيته بعينك فهو مفتوح، وما لم تره فهو مكسور. وقال بعض العرب: يقول في الطريق عوج بالكسر اهـ. وفي «التهذيب» للمصنف اختلف في ضبط عوج في هذا الحيث، فضبطه كثيرون بفتح العين، وضبطه الحافظ أبو القاسم وآخرون من المحققين بالكسر وهو الصواب الجاري على ما ذكره أهل اللغة اهـ. ومنه يعلم أنه تبع في ضبطه هنا الكثيرين والصواب خلافه، إلا أن يدعي أن تلك الأخلاق منهن لما تكررت صارت كالمحسوس فاستعمل فيها ما يستعمل فيه، فيكون صحيحاً أيضاً إلا أنه تكلف.

٢٧٤٢ - (وعن عبد الله بن زمعة) بفتح الزاي وإسكان الميم، ابن الأسود بن

المطلب بن أسد بن عبد العزي بن قصيّ القرشي الأسدي (رضي الله عنه) أمه قرينة بنت أمية بن المغيرة أخته أم سلمة أم المؤمنين، كان من أشراف قريش، وكان يأذن على النبي روى عنه أبو بكر بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير، وقتل زمعة يوم بدر كافراً، وكان الأسود من المستهزئين الذين قال تعالى في حقهم: {إنا كفيناك المستهزئين} (الحجر: ٩٥) وقتل عبد الله مع عثمان يوم الدار، قاله أبو أحمد العسكري عن أبي حسان الزيادي، وكان لعبد الله ابن اسمه يزيد قُتل يوم الحرة صبراً، قتله مسلم بن عقبة المري اهـ. ملخصاً من «أسد الغابة» . قال ابن حزم في آخر كتابه «مختصر التاريخ» : روي له عن النبي حديث واحد. قلت: وذكر المزي في الأطراف له حديثين أحدهما حديث الباب والثاني عند أبي داود (أنه سمع النبي يخطب وذكر الناقة) التي كانت معجزة لسيدنا صالح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، والواو عاطفة على محذوف تقديره خطب فذكر كذا وذكر الناقة (والذي عقرها) وهو قذار بضم القاف وبالذال المعجمة آخره راء، ابن سالف أحيمر ثمود (فقال) مبيناً لوصفه (إذا انبعث أشقاها) أشقى قبيلة ثمود، وهو أشقى الأولين (انبعث لها) أي للناقة (رجل عزيز) بالمهملة وزاءين معجمتين بوزن رحيم: أي قليل المثل (عارم) بالمهملتين كما سيأتي في تفسيره (منيع) أي قوي ذو متعة (في رهطه) يمنعونه من الضيم، زاد البخاري في رواية «مثل أبي زمعة» وفي أخرى «مثل أبي زمعة عم الزبير بن العوام» وهو عمه مجازاً لأنه ابن عم أبيه فكأنه أخر أبيه فأطلق عليه عم بهذا الاعتبار قال القرطبي في «المفهم» : يحتمل أن المراد بأبي زمعة الصحابي الذي بايع تحت الشجرة، يعني وهو عبيد البلوى، قال: ووجه تشبيهه به أنه كان في عز ومنعة في قومه كما كان ذلك الكافر، قال: ويحتمل أن يريد غيره من الكفار ممن يكنى بأبي زمعة. قال الحافظ في «الفتح» : وهذا

الثاني هو المعتمد والغير المذكور هو الأسود، وهو جد عبد الله بن زمعة راوي الخبر لقوله في نفس الخبر عم الزبير، وليس بين البلوى والزبير نسب اهـ. (ثم ذكر) يعني النبي في خطبته تلك (النساء) استطراداً (فوعظ فيهن) فاستطرد إلى ما يقع من

أزواجهن (فقال يعمد) بكسر الميم (أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد) بالنصب أي مثل ضربه في كونه مبرّحاً مؤذياً.

وعند مسلم في رواية «ضرب الأمة» وللنسائي «كما يضرب العبد أو الأمة» . وفي البخاري في الأدب من رواية ابن عيينة «ضرب الفحل» والمراد منه البعير. وفي حديث لقيط بن صبرة عند أبي داود «ولا تضرب ظعينتك ضربك» ، أمتك «فلعله يضاجعها» .

وفي رواية البخاري في النكاح «يجامعها» (من آخر يومه) وعند النسائي «من آخر النهار» ورواية ابن نمير والأكثر «آخر يومه» ورواية وكيع «آخر الليل أو من آخر الليل» وكلها متقاربة وفي الحديث جواز تأديب الرقيق بالضرب الشديد، والإيماء إلى جواز ضرب النساء دون ذلك، وفي سياق الحديث استبعاد وقوع الأمرين من العاقل أن يبالغ في ضرب امرأته ثم يجامعها من بقية يومه أو ليلته، والمجامعة أو المضاجعة إنما تستحسن مع الميل والرغبة في العشرة والمجلود غالباً ينفر ممن جلده، فوقعت الإشارة إلى ذم ذلك، وأنه إذا كان ولا بد فليكن التأديب بالضرب اليسير بحيث لا يحصل معه النفور التام فلا يفرط في الضرب ولا يفرط في التأديب (ثم وعظهم) استطراداً: أي حذرهم (في ضحكهم من الضرطة) وذلك لأنه خلاف المروءة، ولما فيه من هتك الحرمة (وقال) في تقبيح ذلك (لم) بكسر اللام (يضحك أحدكم مما يفعل) وذلك لأن الضحك إنما يكون من الأمر العجيب والشأن الغريب يبدو أثره على البشرة فيكون التبسم، فإن قوي وحصل معه الصوت كان الضحك، فإن ارتقى على ذلك كانت القهقهة، وإذا كان هذا الأمر معتاداً من كل إنسان فما وجه الضحك من وقوع ذلك ممن وقع منه (متفق عليه) رواه البخاري في التفسير بجملته، وروى قصة النساء فقط في النكاح أيضاً، وقصة النكاح والضرطة في الأدب أيضاً، ورواه بجملته مسلم في باب صفة النار، ورواه الترمذي في «التفسير» وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في «التفسير» وفي عشرة النساء بالقصة الثالثة، كذا قاله المزي في «الأطراف» . قال الحافظ التقي ابن فهد: بل الثانية وابن ماجه في النكاح (والعارم بالعين المهملة والراء) لم يحتج لتقييد الراء بالمهملة لأن تلك زاي بالياء في اللغة المشهورة فلا تلتبس بالراء (هو الشرير) بكسر المعجمة وتشديد الراء الأولى (المفسد) . وفي «النهاية» ، أي خبيث شرير وقد عرم بالضم والفتح والكسر، والعرام: القوة والشدة والشراسة. وفي «الصحاح» :

وصبيّ عارم بين العرام: أي شرس. وقد عرم يعرم ويعرم أي بضم عين المضارع

وكسرها عرامة بالفتح، (وقوله) في الحديث (انبعث) انفعل من البعث (أي قام بسرعة) وجعله في «الصحاح» مطاوع بعثه وابتعته وذلك يؤذن بالسرعة.

٢٧٥٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: لا يفرك) أتى ضبطه ومعناه (مؤمن مؤمنة) نكرهما للتعميم: أي لا تبغض المؤمنة على كل حالها به شأن المؤمن معها (إن كره فيها خلقاً) بضم الخاء المعجمة كسوء الخلق مثلاً (رضي منها) خلقاً (آخر) كالعفاف (أو) شك من الراوي (قال) يعني النبي (غيره) بدل قوله آخر. قال المصنف: قال القاضي عياض: ليس هذا على النهي بل هو خبر: أي لا يقع منه بغض تام لها، قال: وبغض الرجال للنساء بخلاف بغضهن لهم، قال: ولهذا قال: إن كره منها خلقاً رضي منها آخر اهـ. وهو ضعيف أو غلط، بل الصواب أنه نهي: أي ينبغي أن لا يبغضها لأنه إن وجد فيها خلقاً يكره وجد فيها خلقاً مرضياً، وهذا الذي ذكرته من أنه نهي يتعين بوجهين:

أحدهما أن المعروف في الروايات لا يفرك بإسكان الكاف لا برفعها وهذا يتعين فيه النهي، ولو روي مرفوعاً لكان نهياً لفظ الخبر.

الثاني: أنه قد وقع خلافه فبغض الناس يبغض زوجته بغضاً شديداً ولو كان خبراً لم يقع خلافه وهذا وقع خلافه، وما أدري ما حمل القاضي على هذا التعبير اهـ. (رواه مسلم) في كتاب النكاح (قوله: يفرك هو بفتح الياء) التحتية (وإسكان الفاء) هذا مستغنى عنه أتى به زيادة في الإيضاح (وفتح الراء) فهو من باب فرح يفرح (ومعناه يبغض) بضم

التحتية وكسر المعجمة مضارع من الإبغاض (يقال: فركت المرأة زوجها وفركها زوجها بكسر الراء) في الماضي (يفركها بفتحها) في المضارع (أي أبغضها) قال في «المصباح» : أبغضت الشيء إبغاضاً فهو مبغض والاسم البغض، ولا يقال بغضه بغير ألف، والمراد من الحديث أن شأن المؤمن أن لا يبغض المؤمنة بغضاً كلياً يحمله على فراقها: أي ينبغي له أن يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره بما يحبّ. قال القرطبي: وأصل الفرك إنما يقال في النساء يقال فركت المرأة زوجها وأبغض الرجل امرأته، وقد استعمل الفرك في الرجل قليلاً وتجوّزاً، منه ما في هذا الحديث اهـ. (والله أعلم) .

٢٧٦٤ - (وعن عمرو بن الأحوص) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وبعد الواو مهملة ثانية ابن جعفر بن كلاب (الجشمي) الكلابي قاله أبو عمرو، وأما ابن منده وأبو نعيم فلم ينسباه إنما قالا: عمرو بن الأحوص الجشمي. قال ابن الأثير: قول أبي عمرو إنه جشمي كلابي لا أعرفه فإنه ليس في نسبته إلى كلاب جشم ولا فيما بعد كلاب وإنما الأحوص بن جعفر بن كلاب نسب معروف ولعله له حلف في جشم فنسب إليه اهـ. (رضي الله عنه) .

قال ابن حزم: روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثان (أنه سمع النبي في حجة الوداع) بفتح الواو لأن النبي ودّع الناس ولم يحج بعدها، ويقال بكسرها وتقدم فيها مزيد في باب النية في حديث سعد بن أبي وقاص (يقول بعد أن حمد الله تعالى) بالأوصاف الجميلة (وأثنى عليه) بتنزيهه عما لا يليق به (وذكر) بتخفيف الكاف: أي أتى بذكر الله تعالى من التكبير والتهليل، أو بتشديدها من التذكير با والتخويف من عقابه، ويؤيد هذا قوله (ووعظ ثم) أي بعد أن أطال في ذلك لاستدعاء المقام له (قال) مستطرداً للوصية بالنساء (ألا) بتخفيف اللام: أداة استفتاح يؤتى بها أول الكلام إذا كان المقام يهتم به (واستوصوا بالنساء خيراً) المعطوف عليه محذوف اختصاراً مدلول عليه بما قبله (فإنما هن عوان) جمع واحدة عانية وإعرابه مقدر لثقل الضمة على الياء المحذوفة

لالتقاء الساكنين. قال في «النهاية» : أي أسراء أو كالأسراء، وأشار به إلى أنه محتمل لكونه من باب التشبيه البليغ أو أنه على ظاهره من غير تقدير لشيء (عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك) المشار إليه محذوف مدلول عليه بباقي الكلام وهو الاستمتاع وحفظ الزوج في نفسها وماله (إلا أن يأتين بفاحشة) كبيرة كنشوز وسوء عشرة (مبينة) بكسر الياء اسم فاعل، لأنها تبين عدم انقيادها المفروض عليها، أو بفتحها اسم مفعول: أي إن سوء حالها يدل على تلك الفاحشة ويبينها (فإن فعلن) ذلك أي النشوز بأن ظهرت مقدماته منها فعظوهن، فإن لم ينزجرن به (فاهجروهنّ في المضاجع) في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف (واضربوهنّ ضرباً غير مبرح) بكسر الراء المشددة، ولا شائن بأن لا يجرحها ولا يكسر لها عظماً ويجتنب الوجه والمهالك فيضربن مع الهجران عند تحقق النشوز والعصيان وهو ضرب تأديب وتعزير. قال الروياني في «البحر» : ويضربها بمنديل ملفوف أو بيده لا بسوط ولا عصى، وإباحة الضرب في هذه الحالة ولاية من الشرع للزوج لأخذ حقه. قال العز بن

عبد السلام: ليس لنا موضع يضرب المستحق من منع حقه غير هذا، والعبد إذا منع حق سيده، لأن الحاجة ماسة إلى ذلك فيهما لتعذر إثبات ذلك بسبب عدم الاطلاع وإنما يجوز ضربها إن علم أو ظن أنه يصلحها فإن علم عدم إفادته لم يجز (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً) بالتوبيخ والإيذاء؛ فالمعنى: فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان فيهن كأن لم يكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وهذه الجملة مقتبسة من معنى قوله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن} (النساء: ٣٤) إلى قوله: {سبيلاً} (ألا) أداة استفتاح أتى بها للتنبيه على ما بعدها لأنه حكم آخر (إن لكم على نسائكم حقاً) أمراً واجباً (ولنسائكم عليكم حقاً) هذا من عطف معمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز اتفاقاً (فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون) قال المازري: قيل المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال. قال القاضي عياض: كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء، ولم يكن ذلك

عيباً ولا ريبة عندهم، فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك اهـ.

قال المصنف: والمختار أن معناه لا يأذنّ لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم سواء كان المأذون له رجلاً أجنبياً أو امرأة أو أحد محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك. قلت: ولذا عقب بقوله: (ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون) أي تكرهون دخوله لمنزلكم من أنثى وذكر وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنه لا يحلّ لها أن تأذن لرجل ولا امرأة لا محرم ولا غيره في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه، لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن منه في ذلك أو ممن أذن له في الإذن في ذلك أو عرف رضاه به باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا ولم يترجح شيء ولا وجدت قرينة لا يحلّ الدخول ولا الإذن، والله أعلم اهـ. (ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) بإعطائهن ذلك بحسب اللائق بأحوالكم يساراً وإعساراً. وفي الحديث وجوب نفقة الزوجة وكسوتها عند عدم نحو النشوز وهو واجب إجماعاً (رواه الترمذي) في النكاح من جامعه (وقال: حديث حسن صحيح) وتقدم أن الجمع بين الوصفين المذكورين إن كان في متعدد السند فهو على تقدير واو العطف والتقدير حسن وصحيح: أي حسن باعتبار أحد الإسنادين، وصحيح باعتبار الآخر، وإلا فهو عى تقدير أو التي للترديد: أي أنه حسن أو صحيح: أي إن المحدثين اختلفوا في رجال سنده هل بلغوا درجة الصحة أو هم قاصرون على درجة الحسن، ورواه النسائي وابن ماجه (قوله: عوان) التنوين فيه للعوض عن الياء إن اعتبر الإعلال سابقاً على منع الصرف، أو عن الحركة إن اعتبر منع الصرف قبل اعتبار الإعلال، وقيل: إنه للصرف وهذا ضعيف جداً (أي أسيرات جمع عانية. بالعين المهملة) إن قلت: هذا القسم من جمع التكسير هو الذي ادعى النحاة فقده خارجاً ووجوده عقلاً وهو التغيير بالزيادة والنقص من غير تغيير الشكل. قلنا: يمكن أن يقال: إنه ليس كذلك، فإن حركات الجمع غير حركات المفرد فضمة الفاء في فلك جمعاً كضمة

همزة أسد وضمته مفرداً كضمة قاف قفل، وقد صرح بذلك شراح الكافية فكان ما ذكر كغلام وغلمان مما اجتع فيه التغيير بالنقص والزيادة

وتغيير الشكل (وهي الأسيرة والعاني: الأسير) ومنه حديث «أطعموا الجائع وفكوا العاني» قال في «النهاية» : العاني: الأسير وكل من ذلّ واستكان وخضع، يقال عنا يعنو فهو عان (شبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المرأة في دخولها تحت حكم الزوج) ووجوب طاعتها له (بالأسير) فيكون قوله: «فإنما هن عوان» من التشبيه البليغ على حد زيد أسد (والضرب المبرح) المنهيّ عنه (هو الشاق الشديد) قال في «المصباح» : برح به الضرب تبريحاً: اشتد وعظم (وقوله: فلا تبغوا عليهن سبيلاً: أي لا تطلبوا طريقاً تحتجون به عليهن) بعد توبتهن ورجوعهن إلى الطاعة (وتؤذوهن به) أي ولا تؤذوهن به، ويجوز أن تكون الواو للمعية والنصب بأن مضمرة لكونه في جواب النهي، لكن يوهم أن الممنوع منه إنما هو طلب الطريق المذكور مع الإيذاء، أما طلبها من غير إيذاء فلا نهي عنه وليس كذلك، بل منهي عن التعرض لها بعد التوبة مطلقاً (والله أعلم) .

٢٧٧٥ - (وعن معاوية) بالعين المهملة وبالتحتية بعد الواو المكسورة (ابن حيدة) بمهملة مفتوحة وسكون تحتية وفتح دال مهملة فهاء تأنيث كذا في «المغني» ، ابن معاوية بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري من أهل البصرة، غزا (رضي الله عنه) خراسان ومات بها، وهو جدّ بهز بن حكيم بن معاوية، وروى عنه ابنه حكيم بن معاوية، وسئل يحيى بن معين عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده فقال: إسناد صحيح إذا كان من دون بهز: ثقة (قال: قلت يا رسول الله) ورواه ابن الأثير في «أسد الغابة» عنه «أن رجلاً سأل رسول الله: ما حقّ المرأة على الزوج؟» إلى آخر الحديث، ولا تنافي لاحتمال التعدد أو أنه أبهم نفسه في تلك الرواية إما نسياناً لعين السائل أو لغرض آخر (ما حقّ زوجة أحدنا عليه) أي ما واجبها عليه (قال: أن تطعمها) بضم الفوقية (إذا طمعت) بكسر العين أي

أكلت (وتكسوها) بفتح التاء الفوقية والواو (إذا اكتسيت) ومعنى كونه فرضاً عليه إذا كان لا يأكل زائداً على فرض القوت، أما لو كان مترفها في المطعم والملبس فما زاد على الواجب لها فنفل منه وإحسان عليها (ولا تضرب الوجه) لأنه عضو لطيف والشين فيه شنيع (ولا تقبح) بتشديد الباء الموحدة المكسورة: أي لا تقل قبح الله وجهك أو لا تقل ما أقبح هذا الخلق، فإن ذمّ الصنعة ذم لصانعها (ولا تهجر) عند النشوز (إلا في البيت) فاترك مضاجعتها ولا تترك كلامها عند حاجتها (حديث حسن رواه أبو داود) في كتاب النكاح من سننه والنسائي وابن ماجه (وقال) أي أبو داود (معنى لا تقبح أي) تفسير لمعنى الجملة (لا تقل قبحك ا) وهذا أحد احتمالين فيه.

٢٧٨٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: أكمل المؤمنين) أي من أكملهم (إيماناً) منصوب على التمييز عن أفعل التفضيل وهو فاعله من حديث المعنى (أحسنهم خلقاً) بضم الخاء المعجمة واللام وسكونها، وتقدم أنه ملكة تبعث النفس على أفعال حميدة واكتساب شيم شريفة. وقال الحسن البصري: حقيقة حسن الخلق بذل المعروف وكفّ الأذى وطلاقة الوجه. قال الباجي: وتحسين الخلق أن يظهر منه لمن يجالسه أو يردّ عليه البشر والحلم والإشفاق والصبر على التعليم والتودد إلى الصغير والكبير. وقد اختلف فيه هل هو مكتسب أو غريزي، وجمع بين القولين بأنه غريزي باعتبار أصله ويقوى وينمو بالكسب. قال الحافظ في «الفتح» : ومحصل ما أجاب العلماء عن الأحاديث المختلف فيها الأجوبة بأن أفضل الأعمال كذا أن اختلاف الجواب لاختلاف حال السائلين بأن أعلم كلا بما يحتاج إليه أو بما لهم فيه رغبة أو بما هو اللائق، أو أن اختلافه باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره - فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن منها، وقد

تظافرت الأدلة على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليس على بابه بل المراد الفضل المطلق، أو أن المراد من أفضل فحذفت من وهي مرادة كما ورد «خيركم خيركم لأهله» ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقاً، فعلى هذا فأفضل الأعمال على الإطلاق الإيمان والباقيات متساوية في كونها من أفضلها وإن تفاوتت درجاتها بما ورد فيها اهـ. ملخصاً (وخياركم خياركم لنسائهم) .

وفي رواية «خيركم خيركم لأهله» قال في «النهاية» : هو إشارة إلى صلة الرحم والحثّ عليها. قيل: ولعل المراد من حديث الباب أن يعامل زوجته بطلاقة الوجه وكفّ الأذى والإحسان إليها والصبر على أذاها. قلت: ويحتمل أن الإضافة فيه للعهد والمعهود هو النبيّ، والمراد أنا خيركم لأهلي، وقد كان أحسن الناس لأهله وأصبرهم على اختلاف أحوالهم (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح) وكذا رواه ابن حبان.

٢٧٩٧ - (وعن إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية وبعد الألف سين مهملة (ابن عبد الله بن أبي ذباب) بضم المعجمة وخفة الموحدة الأولى كما في «المغني» . الدوسي وقيل المزني والأوّل أكثر (رضي الله عنه) سكن مكة، قال أبو عمرو: له صحبة، وقال ابن منده وأبو نعيم: اختلف في صحبته، كذا في «أسد الغابة» ، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث.

(قال: قال رسول الله: لا تضربوا إماء ا) الإماء بكسر الهمزة وبالمد بوزن كتاب جمع أمة وهي محذوفة اللام والهاء عوض عنها والأصل أموة بفتحات، ولذا يرد في التصغير فيقال أمية والأصل أميوة، ويجمع أيضاً على آإم بوزن قاض وعلى إموان بوزن إسلام، وقد يجمع على أموات بوزن سنوات، والمراد بإماء الله النساء: أي لا تضربوهن ظاهره على كل حال (فـ) ـلذا (جاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ذئرن النساء) سيأتي ضبطه ومعناه وهو على لغة أكلوني البراغيث، والفصيح تجريد الفعل من علامة الجمع بأن يقال ذئر أو ذئرت بالتاء، والثاني أفصح لأن المسند لجمع التكسير الأفصح إلحاق التاء آخره، ورأيته في أصل آخر من «سنن أبي داود» ذئر النساء بحذف

النون (على أزواجهن) لما سمعن المنع عن ضربهن مطلقاً (فرخص في ضربهن) من الرخصة، وهي تغيير الحكم من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام سبب حكم الأصل، وسبب المنع الرفق بهن وهو قائم حال إباحته للعذر وهو دوام الزوجية والقيام بحقوقها عند حقوقهن من ترك ذلك (فأطاف بآل رسول الله) أي بأزواجه وسراريه، وليس المراد بالآل من تحرم عليهم الزكاة (نساء كثير) من صيغ جمع الكثرة (يشكون أزواجهن) أي ضربهم. (فقال رسول الله: لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك) أي الضاربون لأزواجهم (بخياركم) وذلك لأنه يؤذن بحرج الصدر وضيق النفس، ذلك خلاف حسن الخلق الذي هو من أوصاف الخيار.

(رواه أبو داود) في كتاب النكاح (بإسناد صحيح) ورواه النسائي وابن ماجه.

(قوله) في الحديث (ذئرن هو بذال معجمة مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم راء ساكنة ثم نون: أي اجترأن) عليهم ونشزن (قوله أطاف: أي أحاط) وهو متعد بالباء أيضاً، يقال أطاف بالشيء: أي أحاط به.

٢٨٠٨ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) بإثبات الياء كما هو الفصيح، وتقدم تحقيق ذلك في باب الاقتصاد وتقدمت ترجمته في باب بيان كثرة طرق الخير (رضي الله عنهما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: الدنيا متاع) أي شيء يتمتع به حيناً كما قال تعالى: {قل متاع الدنيا قليل} (النساء: ٣٣) (وخير متاع الدنيا) أتى بالاسم الظاهر موضع الضمير لزيادة الإيضاح (المرأة الصالحة) قال القرطبي: فسرت في الحديث بقوله: «التي إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله» (رواه مسلم) في كتاب النكاح وأحمد والنسائي.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

وفي حديث مرفوع: «لو كان جريج عالمًا لعلم أنَّ إجابته أمه أولى من صلاته» .

وفي الحديث: إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع.

وفيه: أنّ صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن.

وفيه: إثبات كرامات الأولياء.

وفي الحديث أيضًا: أنّ نفوس أهل الدنيا تقف مع الخيال الظاهر، بخلاف أهل الحقيقة. كما قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ} [القصص (٧٩، ٨٠) ] .

[٣٣- باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين]

والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم

والتواضع معهم وخفض الجناح لهم

قَالَ الله تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر (٨٨) ] .

أي: ليَّن جانبك. وهذا خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - محرضًا له على مكارم الأخلاق، ومحاسنها، وهو عام لجميع أمته. قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} [الأحزاب (٢١) ] .

وَقالَ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف (٢٨) ] .

أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحبس نفسه مع الذين يعبدون الله في سائر الأوقات، وأنْ لا يجاوزهم ناظرًا إلى غيرهم من ذوي الهيئات.

وَقالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ} [الضحى (٩) ] .

أي: لا تغلبه بالظلم، وكُن له كالأب الرحيم.

وَقالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} [الضحى (١٠) ] .

أي: لا تزجره، ولكن أعطه، أو رده ردًا جميلاً.

وَقالَ تَعَالَى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون (١: ٣) ] .

الاستفهام للتعجب من المكذب بالجزاء والبعث.

قوله: {يَدُعُّ الْيَتِيمَ} ، أي: يدفعه دفعًا عنيفًا، ولا يحض أهله وغيرهم. على طعام المسكين.

[٢٦٠] وعن سعد بن أَبي وَقَّاص - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: اطْرُدْ هؤلاء لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، وَكُنْتُ أنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ. وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ في نفس رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفسَهُ، فَأنْزَلَ اللهُ تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ... [الأنعام (٥٢) ] . رواه مسلم.

في بعض كتب التفسير أنهم لما عرضوا ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له: اجعل لنا يومًا ولهم يومًا، فَهَمَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك فأنزل الله: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام (٥٢) ] ، فنهاه عن طردهم ووصفهم

بأحسن أوصافهم، وأمر بأن يصبر نفسه معهم فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رآهم يقول: «مرحبًا بالذين عاتبني الله فيهم» . وإذا جالسهم لم يقم عنهم، حتى يكونوا هم الذين يبدأون بالقيام.

[٢٦١] وعن أَبي هُبَيرَة عائِذ بن عمرو المزنِي وَهُوَ مِنْ أهْل بيعة الرضوان ... - رضي الله عنه - أنَّ أبا سُفْيَانَ أتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبلَالٍ في نَفَرٍ، فقالوا: مَا

أخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِنْ عَدُوِّ الله مَأْخَذَهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - أتَقُولُون هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيدِهِمْ؟ فَأتَى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَأخْبَرهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَعلَّكَ أغْضَبتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أغْضَبتَ رَبَّكَ» فَأَتَاهُمْ فَقَالَ: يَا إخْوَتَاهُ، أغْضَبْتُكُمْ؟ قالوا: لا، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أُخَيَّ. رواه مسلم.

قولُهُ: «مَأْخَذَهَا» أيْ: لَمْ تَسْتَوفِ حقها مِنْهُ. وقوله: «يَا أُخَيَّ» : رُوِي بفتحِ الهمزةِ وكسرِ الخاءِ وتخفيف الياءِ، وَرُوِيَ بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد الياءِ.

كان إتيان أبي سفيان المدينة، وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، وقول أبي بكر تألفًا لأبي سفيان.

وفي هذا الحديث: احترام الصالحين واتقاء ما يؤذيهم أو يغضبهم.

[٢٦٢] وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أَنَا وَكَافلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ هَكَذا» . وَأَشارَ بالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا. رواه البخاري.

و «كَافلُ اليَتيم» : القَ‍ائِمُ بِأمُوره.

قال ابن بطال: حقٌ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به، فيكون رفيق النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنة.

[٢٦٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كَافلُ اليَتيِم لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ في الجَنَّةِ» . وَأَشَارَ الرَّ اوِي وَهُوَ مَالِكُ بْنُ أنَس بالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى. رواه مسلم.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اليَتِيمُ لَهُ أَوْ لِغَيرِهِ» مَعْنَاهُ: قَريبُهُ، أَو الأجْنَبيُّ مِنْهُ، فالقَريبُ مِثلُ أنْ تَكْفَلهُ أمُّهُ أَوْ جَدُّهُ أَوْ أخُوهُ أَوْ غَيرُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ، والله أعْلَمُ.

قال النووي: هذه الفضيلة تحصل لمن كفل اليتيم من مال نفسه، أو مال اليتيم، بولاية شرعية.

[٢٦٤] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ المِسْكينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا المِسكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية في الصحيحين: «لَيْسَ المِسكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، وَالتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ غنىً يُغْنِيه، وَلا يُفْطَنُ لهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيهِ، وَلا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ» .

أي: ليس المسكين الممدوح من المساكين، الأحق بالصدقة والأحوج بها سوى المتعفف.

قال الخطابي: إنما نفى - صلى الله عليه وسلم - المسكنة عن السائل الطواف، لأنه تأتيه الكفاية، وقد تأتيه الزكاة فتزول خصاصته، وإنما تدوم الحاجة فيمن لا يسأل ولا يعطى.

[٢٦٥] وعنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالمُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ» وَأحسَبُهُ قَالَ: «وَكالقَائِمِ الَّذِي لا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ الَّذِي لا يُفْطِرُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الأرملة: المرأة التي لا وزج لها. والأرامل: المساكين من رجال ونساء، والساعي عليهما، وهو المكتسب لهما بما يمونهما به.

[٢٦٦] وعنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ» . رواه مسلم.

وفي رواية في الصحيحين، عن أَبي هريرة من قوله: «بئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدْعَى إِلَيْهَا الأغْنِيَاءُ ويُتْرَكُ الفُقَراءُ» .

الوليمة: الطعام المتخذ للعرس، وتقع على كل دعوة تتخذ لسرور حادث، كختان ونحوه.

وفي الحديث: مراعاة الفقراء، والتلطف بهم، وإجابة الداعي.

[٢٦٧] وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْن حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ» وضَمَّ أصَابِعَهُ. رواه مسلم.

«جَارِيَتَيْنِ» أيْ: بنتين.

في هذا الحديث: الثواب العظيم لمن قام على البنات بالمؤونة والتربية حتى يتزوجن.. وكذلك الأخوات.

[٢٦٨] وعن عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأةٌ وَمَعَهَا ابنتان لَهَا، تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيئاً غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحدَةٍ، فَأعْطَيْتُهَا إيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْها ولَمْ تَأكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرجَتْ، فَدَخَلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -

عَلَينَا، فَأخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «مَنِ ابْتُليَ مِنْ هذِهِ البَنَاتِ بِشَيءٍ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتراً مِنَ النَّارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

قال القرطبي: يفيد هذا الحديث بعمومه أن الستر من النار يحصل بالإحسان إلى واحدة من البنات، فإذا عال زيادة على الواحدة فيحصل له زيادة على السترِ السبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الجنة كما في الحديث السابق.

[٢٦٩] وعن عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءتني مِسْكينةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأطْعَمْتُها ثَلاثَ تَمرَات، فَأعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهُمَا تَمْرَةً وَرَفَعتْ إِلَى فِيها تَمْرَةً لِتَأكُلها، فَاسْتَطعَمَتهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتي كَانَتْ تُريدُ أنْ تَأكُلَهَا بَيْنَهُما، فَأعجَبَنِي شَأنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «إنَّ الله قَدْ أوْجَبَ لَهَا بها الجَنَّةَ، أَوْ أعتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: فضل الإثيار على النفس، ورحمة الصغار، ومزيد الإحسان والرفق بالبنات وأن ذلك سبب لدخول الجنة والعتق من النار.

[٢٧٠] وعن أَبي شُرَيحٍ خُوَيْلِدِ بن عمرو الخزاعِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَينِ: اليَتِيم وَالمَرْأةِ» . حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيد.

ومعنى «أُحَرِّجُ» : أُلْحِقُ الحَرَجَ وَهُوَ الإثْمُ بِمَنْ ضَيَّعَ حَقَّهُمَا، وَأُحَذِّرُ مِنْ ذلِكَ تَحْذِيراً بَليغاً، وَأزْجُرُ عَنْهُ زجراً أكيداً.

أنما حرج النبي - صلى الله عليه وسلم - حق اليتيم والمرأة، لأنهما لا قوة لهما ولا ملجأ إلا إلى الله تعالى.

[٢٧١] وعن مصعب بن سعد بن أَبي وقَّاص رضي الله عنهما، قَالَ: رَأى سعد أنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ تُنْصرُونَ وتُرْزَقُونَ إلا بِضُعَفَائِكُمْ» . رواه البخاري هكذا مُرسلاً، فإن مصعب بن سعد تابعيٌّ، ورواه الحافظ أَبُو بكر البرقاني في صحيحه متصلاً عن مصعب عن أبيه - رضي الله عنه -.

قال ابن بطال: تأويل الحديث أنَّ الضعفاء أشد إخلاصًا في الدعاء وأكثر خشوعًا في العبادة، لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا.

[٢٧٢] وعن أَبي الدَّرداءِ عُويمر - رضي الله عنه - قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «ابْغُوني الضُّعَفَاء، فَإنَّمَا تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ، بِضُعَفَائِكُمْ» . رواه أَبُو داود بإسناد جيد.

الضعفاء: صعاليك المسلمين، أي ائتوا بهم لأستعين بهم.

وفي رواية:: «ابغوني في الضعفاء» .

وفي أحاديث الباب: الانقطاع إلى الله سبحانه وإعانة الفقراء، وإغاثة المنقطعين وعدم رؤية النفس، والحذر من التعرُّض لإيذاء أحد من الضعفاء.

[٣٤- باب الوصية بالنساء]

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف} [النساء (١٩) ] .

المعاشرة بالمعروف: حُسْن الخلق. أي: أجملوا بالقول والفعل معهن.

وَقالَ تَعَالَى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} [النساء (١٢٩) ] .

معنى الآية: أنَّ الرجال لا يستطيعون العدل بين النساء من جميع الوجوه؛ لأنه لا بُدَّ من التفاوت في المحبة والشهوة، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه، فلا تميلوا كل الميل إلى واحدة فتتركوا الأخرى كالمعلقة، لا ذات بعل ولا مطلقة.

[٢٧٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْراً؛ فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وَإنَّ أعْوَجَ مَا في الضِّلَعِ أعْلاهُ، فَإنْ ذَهَبتَ تُقيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإنْ تَرَكْتَهُ، لَمْ يَزَلْ أعْوجَ، فَاسْتَوصُوا بالنِّساءِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية في الصحيحين: «المَرأةُ كالضِّلَعِ إنْ أقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإن اسْتَمتَعْتَ بِهَا، اسْتَمتَعْتَ وفِيهَا عوَجٌ» .

وفي رواية لمسلم: «إنَّ المَرأةَ خُلِقَت مِنْ ضِلَع، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَريقة، فإن اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفيهَا عوَجٌ، وإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَها، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا» .

قوله: «عَوَجٌ» هُوَ بفتح العينِ والواوِ.

العوج: بفتحتين في الأجساد، وبكسر العين في المعاني فالصواب الكسر، قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف (١) ]

وفي الحديث: إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم عليهما السلام، وأن طبيعة المرأة الاعوجاج فلا بد من الصبر عليهن والرفق بهن.

[٢٧٤] وعن عبد الله بن زَمْعَةَ - رضي الله عنه - أنَّهُ سَمِعَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ، وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَهَا، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: « {إِذ انْبَعَثَ أشْقَاهَا} انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزيزٌ، عَارِمٌ مَنيعٌ في رَهْطِهِ» ، ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ، فَوعَظَ فِيهنَّ، فَقَالَ: «يَعْمِدُ أحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرَأتَهُ جَلْدَ العَبْدِ فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَومِهِ» ثُمَّ وَعَظَهُمْ في ضَحِكِهمْ مِنَ الضَّرْطَةِ، وَقالَ: «لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟!» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

«وَالعَارِمُ» بالعين المهملة والراء: هُوَ الشِّرِّيرُ المفسِدُ، وقوله: «انْبَعَثَ» ، أيْ: قَامَ بسرعة.

في هذا الحديث: إيماء إلى جواز الضرب اليسير للنساء، بحيث لا يحصل معه النفور، لأن المجامعة إنما تستحسن مع الرغبة في العشرة فيستبعد وقوع الضرب الشديد، والمضاجعة في يوم واحد من عاقل.

[٢٧٥] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقاً رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» ، أَوْ قَالَ: «غَيْرَهُ» . رواه مسلم.

وقولُهُ: «يَفْرَكْ» هُوَ بفتح الياءِ وإسكان الفاء وفتح الراءِ معناه: يُبْغِضُ، يقالُ: فَرِكَتِ المَرأةُ زَوْجَهَا، وَفَرِكَهَا زَوْجُهَا، بكسر الراء يفْرَكُهَا بفتحها: أيْ أبْغَضَهَا، والله أعلم.

أي ليس لمؤمن أن يبغض زوجته المؤمنة، لأنه إن وجد منها خلقًا يكرهه، كسوء خلق، رضي منها خلقًا يحبه، كالعفاف والمعاونة، ونحو ذلك.

[٢٧٦] وعن عمرو بن الأحوصِ الجُشَمي - رضي الله عنه - أنَّهُ سَمِعَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَدَاعِ يَقُولُ بَعْدَ أنْ حَمِدَ الله تَعَالَى، وَأثْنَى عَلَيهِ وَذَكَّرَ وَوَعظَ، ثُمَّ قَالَ: «ألا وَاسْتَوصُوا بالنِّساءِ خَيْراً، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئاً غَيْرَ ذلِكَ إلا أنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِع، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فإنْ أطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيهنَّ سَبيلاً؛ ألا إنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّاً، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً؛ فَحَقُّكُمْ عَلَيهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ؛ ألا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ في كِسْوَتِهنَّ وَطَعَامِهنَّ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» .

قوله - صلى الله عليه وسلم -: «عَوان» أيْ: أسِيرَاتٌ جَمْع عَانِيَة، بالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وَهِيَ الأسِيرَةُ، والعاني: الأسير. شَبَّهَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المرأةَ في دخولِها تَحْتَ حُكْمِ الزَّوْجِ بالأَسيرِ «وَالضَّرْبُ المبَرِّحُ» : هُوَ الشَّاقُ الشَّدِيد

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فَلا تَبْغُوا عَلَيهنَّ سَبِيلاً» أيْ: لا تَطْلُبُوا طَريقاً تَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَيهِنَّ وَتُؤْذُونَهُنَّ بِهِ، والله أعلم.

حق الزوج على المرأة الاسمتاع، وأن تحفظه في نفسها وماله، فإنْ نشزت أو أساءت العشرة هجرها في المضجع، فإن أصرَّت ضَرَبَها ضربًا غير مبرح، بأنْ لا يجرحها ولا يكسر لها عظمًا، ويجتنب الوجه والمقاتل، وحق المرأة على الزوج نفقتُها وكسوتها عند عدم النشوز.

[٢٧٧] وعن معاوية بن حيدة - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله، مَا حق زَوجَةِ أَحَدِنَا عَلَيهِ؟ قَالَ: «أنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلا تَضْرِبِ الوَجْهَ، وَلا تُقَبِّحْ، وَلا تَهْجُرْ إلا في البَيْتِ» . حديثٌ حسنٌ رواه أَبُو داود، وَقالَ: معنى «لا تُقَبِّحْ» : لا تقل: قبحكِ الله.

في هذا الحديث: وجوب إطعام المرأة وكسوتها، والنهي عن تقبيحها وضرب وجهها، وجواز هجرها في البيت تأديبًا لها.

[٢٧٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أكْمَلُ المُؤمِنِينَ إيمَاناً أحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وخِيَارُكُمْ خياركم لِنِسَائِهِمْ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: دليل على أنّ حسن الخلق من أفضل الأعمال.

وفيه: الحث على معاملة الزوجة بالإحسان إليها، وطلاقة الوجه، وكف الأذى عنها، والصبر على أذاها.

[٢٧٩] وعن إياس بن عبد الله بن أَبي ذباب - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَضْرِبُوا إمَاء الله» . فجاء عُمَرُ - رضي الله عنه - إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أزْوَاجِهِنَّ، فَرَخَّصَ في ضَرْبِهِنَّ، فَأطَافَ بآلِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نِسَاءٌ كَثيرٌ يَشْكُونَ أزْواجَهُنَّ، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَقَدْ أطَافَ بِآلِ بَيتِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كثيرٌ يَشْكُونَ أزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أولَئكَ بخيَارِكُمْ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

قوله: «ذَئِرنَ» هُوَ بذَال مُعْجَمَة مفْتوحَة، ثُمَّ هَمْزة مَكْسُورَة، ثُمَّ راءٍ سَاكِنَة، ثُمَّ نُون، أي: اجْتَرَأْنَ، قوله: «أطَافَ» أيْ: أحَاطَ.

ضرب المرأة يكون من حرج الصدر، وضيق النفس، وذلك خلاف حسن الخلق الذي هو من أوصاف الخيار، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس أولئك بخياركم» .

[٢٨٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» . رواه مسلم.

قال القرطبي: فُسِّرت: المرأة الصالحة في الحديث بقوله: «التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسِهَا وماله» .

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٣٣ ـ باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين، والإحسان إليهم، والشفقة عليهم، والتواضع معهم، وخفض الجناح لهم]

فال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] ، وقال تعالى: [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨] .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب ملاطفة اليتامى والضعفة والبنات، ونحوهم ممن هم محل الشفقة والرحمة؛ وذلك أن دين الإسلام دين الرحمة والعطف والإحسان، وقد حث الله عز وجل على الإحسان في عدة آيات من كتابه، وبين سبحانه وتعالى أنه يحب المحسنين، والذين هم في حاجة إلى الإحسان يكون الإحسان إليهم أفضل وأكمل؛ فمنهم اليتامى.

واليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه؛ سواء كان ذكر أو أنثى، ولا عبرة بوفاة الأم، يعني أن اليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه وإن كان له أم، وأما من ماتت أمه، وأبوه موجود فليس بيتيم، خلافاً لما يفهمه عوام الناس؛ حيث يظنون أن اليتيم هو الذي ماتت أمه وليس كذلك، بل اليتيم هو الذي مات أبوه.

ويسمى يتيماً هو الانفراد؛ لأن هذا الصغير انفرد عن

كاسب، وهو صغير لا يستطيع الكسب.

وقد أوصى الله سبحانه وتعالى في عدة آيات باليتامى، وجعل لهم حقاً خاصاً؛ لأن اليتيم قد انكسر قلبه بموت أبيه، فهو محل للعطف والرحمة قال الله عز وجل: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) [النساء: ٩] .

وكذلك البنات والنساء محل العطف والشفقة والرحمة؛ لأنهن ضعيفات. ضعيفات في العقل، وفي العزيمة، وفي كل شيء فالرجال أقوى من النساء في الأبدان والعقول والأفكار والعزيمة وغير ذلك، ولهذا قال الله عز وجل: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء: ٣٤] .

وكذلك أيضاً المنكسرون؛ يعني الذين أصابهم شيء فانكسروا من أجله، وليس هو كسر العظم بل كسر القلب، يعني مثلاً أصابته جائحة اجتاحت ماله، أو مات أهله أو مات صديق له فانكسر قلبه، والمهم أن المنكسر ينبغي ملاطفته، ولهذا شرعت تعزية من مات له ميت إذا أصيب بموته؛ يُعزّى ويلاطف ويبين له أن هذا أمر الله، وأن الله سبحانه وتعالى إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون وما أشبه ذلك.

وكذلك ينبغي خفض الجناح لهم ولين الجانب، قال الله تعالى (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] ، اخفض جناحك يعني تطامن لهم وتهاون لهم، وقال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ) يعني حتى لو شمخت نفسك وارتفعت في الهواء كما يرتفع الطير فاخفض جناحك، ولو كان عندك من

المال ولك من الجاه والرئاسة ما يجعلك تتعالى على الخلق، وتطير كما يطير الطير في الجو فاخفض الجناح، اخفض الجناح حتى يكونوا فوقك، (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهذا أمر للرسول عليه الصلاة والسلام وهو أمر للأمة كلها.

فيجب على الإنسان أن يكون لين الجانب لإخوانه المؤمنين، ويجب عليه أيضاً أنه كلما رأى إنساناً أتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فليخفض له جناحه أكثر؛ لأن المتبع للرسول عليه الصلاة والسلام أهل لأن يتواضع له، وأن يكرم، وأن يعزز، لا لأنه فلان بن فلان لكن لأنه اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام، كل من اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام فهو حبيبنا؛ وهو أخونا، وهو صديقنا، وهو صاحبنا، وكل من كان أبعد عن اتباع الرسول فإننا نبتعد عنه بقدر ابتعاده عن اتباع الرسول، هكذا المؤمن يجب أن يكون خافضاً جناحه لكل من اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام، اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين.

وقال الله تعالى لرسوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨] ، فاصبر نفسك: احبسها مع هؤلاء القوم السادة الكرماء الشرفاء، الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي: يعني صباحاً ومساءً، لا رياء ولا سمعة، ولكنهم يريدون وجهه. يريدون وجه الله عز وجل في دعائهم له وعبادتهم له وذكرهم له وتسبيحهم له.

(وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨] ، يعني لا

تبعد عنهم، لا تعد دائماً عنهم عيناك: أي لا تتجاوز عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا. مثلاً إذا كان هناك رجلان؛ أحدهما مقبل على طاعة الله يدعو ربه بالغداة والعشي، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم، ويحسن إلى الناس، وآخر غني كبير عنده أموال وقصور وسيارات وخدم، أيهم أحق أن نصبر أنفسنا معه؟ الأول أحق أن نصبر أنفسنا معه، وأن نجالسه، وأن نخالطه وأن لا نتعداه نريد زينة الحياة الدنيا.

الحياة كلها عرض زائل، وما فيها من النعيم أو من السرور فإنه محفوف بالأحزان والتنكيد، ما من فرح في الدنيا إلا ويتلوه ترح وحزن. قال- أظنه- ابن مسعود رضي الله عنه ما ملئ بيت فرحاً إلا ملئ حزناً وترحاً، وصدق رضي الله عنه: لو لم يكن من ذلك إلا أنهم سيموتون تباعاً واحداً بعد الثاني، كلما مات واحد حزنوا عليه، فتتحول هذه الأفراح والمسرات إلى أحزان وأتراح فالدنيا كلها ليست بشيء.

إذاً لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، بل كن معهم وكن ناصراً لهم، ولا يهمنك ما متعنا به أحداً من الدنيا، وهذا كقوله عز وجل: (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه: ١٣١، ١٣٢] ، أسأل الله أن يحسن لي ولكم العافية، وأن يجعل العاقبة لنا ولإخواننا المسلمين حميدة.

وقال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى: ٩، ١٠] .

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما ساقه من الآيات الكريمة في باب الحنو على الفقراء واليتامى والمساكين وما أشبههم، قال: وقول الله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: ٦، ١١] ، الخطاب في قوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ) للنبي صلى الله عليه وسلم. يقرر الله تعالى في هذه الآيات أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتيماً، فإنه عليه الصلاة والسلام عاش من غير أم ولا أب، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات هو في السنة الثامنة من عمره صلى الله عليه وسلم، ثم كفله عمه أبو طالب. فكان يتيماً وكان صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط، يعني على شيء يسير من الدراهم؛ لأنه ما من نبي بعثه الله إلا ورعى الغنم، فكل الأنبياء الذين أرسلوا أول أمرهم كانوا رعاة غنم، من أجل أن يعرقوا ويتمرنوا على الرعاية وحسن الولاية، واختار الله لهم أن تكون رعيتهم غنماً؛ لأن راعي الغنم يكون عليه السكينة والرأفة والرحمة؛ لأنه يرعى مواشي ضعيفة بخلاف رعاة الإبل،

رعاة الإبل أكثر ما يكون فيهم الجفاء والغلظة؛ لأن الإبل كذلك غليظة قوية جبارة.

فنشأ صلى الله عليه وسلم يتيماً، ثم إن الله سبحانه وتعالى أكرمه فيسر له زوجة صالحة، وهي أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها؛ تزوجها وله خمس وعشرون من العمر ولها أربعون سنة، وكانت حكيمة عاقلة صالحة، رزقه

الله أولاده كلهم من بنين وبنات إلا إبراهيم فإنه من كان سريته مارية القبطية، المهم أن الله يسرها له وقامت بشئونه، ولم يتزوج سواها صلى الله عليه وسلم حتى ماتت.

أكرمه الله عز وجل بالنبوة فكان أول ما بدىء بالوحي أن يرى الرؤيا في المنام، فإذا رأى الرؤيا في المنام جاءت مثل فلق الصبح في يومها بينة واضحة؛ لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، فدعا إلى الله وبشر وأنذر وتبعه الناس، وكان هذا اليتيم الذي يرعى الغنم كان إماماً لأمه هي أعظم الأمم، وكان راعياً لهم عليه الصلاة والسلام راعياً للبشر ولهذه الأمة العظيمة.

قال: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) [الضحى: ٦] ، آواك الله بعد يتمك، ويسر لك من يقوم بشئونك حتى ترعرعت، وكبرت، ومنّ الله عليك بالرسالة العظمى.

(وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) [الضحى: ٧] وجدك ضالاً: يعني غير عالم، كما قال الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) [العنكبوت: ٤٨] وقال تعالى: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) [النساء: ١١٣] ، وقال الله تعالى: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ) [الشورى: ٥٢] ، ولكن صار بهذا الكتاب العظيم عالماً كامل الإيمان عليه الصلاة والسلام، وجدك ضالاً أي غير عالم ولكنه هداك. بماذا هداه؟ هداه الله بالقرآن.

(وَوَجَدَكَ عَائِلاً) يعني فقيراً (فَأَغْنَى) أغناك، وفتح الله عليك الفتوح

حتى كان يقسم ويعطي الناس، وقد أعطى ذات يوم رجلاً غنماً بين جبلين، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة عليه الصلاة والسلام.

ثم تأملوا قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) ما قال فآواك بل قال: (فَآوَى) (وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) ولم يقل فهداك (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) ولم يقل فأغناك. لماذا؟ لمناسبتين؛ إحداهما لفظية، والثانية معنوية.

أما اللفظية: فلأجل تناسب رؤوس الآيات كقوله تعالى: (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: ١ ـ٥] كل آخر الآيات ألفات، فقوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) [الضحى: ٦] ، لو قال فآواك اختلف اللفظ، ووجدك ضالاً فهداك اختلف اللفظ، ووجدك عائلاً فأغناك اختلف اللفظ، لكن جعل الآيات كلها على فواصل حرف واحد.

المناسبة الثانية معنوية: وهي أعظم، (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) هل آواه الله وحده أو آواه وآوى أمته؟ والجواب: الثاني، آواه الله وآوى على يديه أمما لا يحصيهم إلا الله عز وجل، ووجدك ضالاً فهدى. هل هداه وحده؟ لا؛ هدى به أمما عظيمة إلى يوم القيامة، ووجدك عائلاً فأغنى. هل أغناه الله وحده؟ لا؛ أغناه الله وأغنى به. كم حصل للأمة الإسلامية من الفتوحات العظيمة. (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) [الفتح: ٢٠] ، فأغناهم الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إذاً ألم يجدك يتيماً فآواك وآوى بك، ووجدك ضالاً فهداك وهدى

بك ووجدك عائلاً فأغناك وأغنى بك، هكذا حال الرسول عليه الصلاة والسلام.

ثم قال: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) اذكر نفسك حين كنت يتيماً، فلا تقهر اليتيم، بل سهل أمره؛ إذا صاح فسكته، إذا غضب فأرضه، إذا تعب فخفف عليه، وهكذا.

(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) السائل: يظهر من سياق الآيات أنه سائل المال الذي يقول أعطني مالاً، فلا تنهره لأنه قال: (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) ، فلما أغناك لا تنهر السائل. تذكر حالك حينما كنت فقيراً، فلا تنهر السائل.

ويحتمل أن يُراد بالسائل سائل المال وسائل العلم، حتى الذي يسأل العلم لا تنهره. بل الذي يسأل العلم القه بانشراح صدر؛ لأنه لولا أنه محتاج ولولا أن عنده خوف الله عز وجل ما جاء يسأل، فلا تنهر اللهم إلا من تعنت فهذا لا حرج أن تنهره.

لو كنت تخبره ثم يقول لكل شيء: لماذا هذا حرام؟ ولماذا هذا حلال؟ لماذا حرم الله الربا وأحل البيع؟ لماذا حرم الله الأم من الرضاع؟ وأشياء كثيرة من قبيل هذا. فهذا الذي يتعنت انهره ولا حرج أن تغضب عليه.

كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام حين تشاجر رجل من الأنصار والزبير بن العوام، في الوادي حيث يأتي السيل، وكان الزبير رضي الله عنه حائطه قبل حائط الأنصاري فتنازعا؛ الأنصاري يقول للزبير: لا تحبس

الماء عني والزبير يقول: أنا أعلى فأنا أحق، فتشاجرا وتخاصما عند الرسول عليه الصلاة والسلام ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اسق يا زبير ثم أرسله إلى جارك)) ، وهذا حكم. فقال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله! كلمة لكن الغضب حمله عليها والعياذ بالله، والزبير بن العوام بن صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ((اسق يا زبير حتى يصل إلى الجدر ثم أرسله إلى جارك))

فالحاصل أن السائل للعلم لا تنهره، بل تلقه بصدر رحب وعلّمه حتى يفهم، خصوصاً في وقتنا الآن، فكثير من الناس الآن يسألك وقلبه ليس معك. تجيبه بالسؤال ثم يفهمه خطأ ثم يذهب يقول للناس: أفتاني العالم الفلاني بكذا وكذا، ولهذا ينبغي ألا تطلق الإنسان الذي يسألك حتى تعرف أنه عرف.

(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) نعمة الله عليك حدث بها، قل الحمد لله؛ رزقني الله علماً رزقني الله مالاً، ورزقني الله ولداً وما أشبه ذلك.

والتحدث بنعمة الله نوعان: تحديث باللسان، وتحديث بالأركان.

تحديث باللسان: كأن تقول: أنعم الله علي؛ كنت فقيراً فأغناي الله، كنت جاهلاً فعلمني الله، وما أشبه ذلك.

والتحديث بالأركان: أن ترى أثر نعمة الله عليك، فإن كنت غنياً فلا تلبس ثياب الفقراء بل البس ثياباً تليق بك، وكذلك في المنزل، وكذلك في المركوب، في كل شيء دع الناس يعرفون نعمة الله عليك، فإن هذا من التحديث بنعمة الله عز وجل، ومن التحديث بنعمة الله عز وجل إذا كنت قد أعطاك الله علماً أن تحدث الناس به تعلم الناس؛ لأن الناس محتاجون. وفقني الله والمسلمين لما يحب ويرضى.

* * *

وقال تعالى (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الماعون: ١ـ٣]

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في سياق الآيات التي فيها الحث على الرفق باليتامى ونحوهم من الضعفاء، قال: وقال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) .

(أَرَأَيْت) يقول العلماء: إن معناها أخبرني، يعني أخبرني عن حال هذا الرجل وماذا تكون. والدين: الجزاء؛ يعني يكذب بالجزاء وباليوم الآخر ولا يصدق به، وعلامة ذلك أنه يدع اليتيم يعني يدفعه بعنف وشدة ولا يرحمه.

(وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) أي: لا يحث الناس على طعام المسكين، وهو بنفسه لا يفعله أيضاً، ولا يطعم المساكين، فحال هذا

والعياذ بالله أسوأ حال؛ لأنه لو كان يؤمن بيوم الدين حقيقة لرحم من أوصى الله برحمتهم، وحض على طعام المسكين.

وفي سورة الفجر يقول الله تعالى: (كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الفجر: ١٧، ١٨] ، وهذه أبلغ مما في سورة الماعون لأنه قال: (لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) وإكرامه أكثر من الوقوف بدون إكرام ولا إهانة، فاليتيم يجب أن يكرم.

وتأمل قوله: (بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) فالمسكين حظه الإطعام ودفع حاجته، أما اليتيم فالإكرام. فإن كان غنياً فإنه يكرمه ليتمه ولا يطعم لغناه، وإن كان فقيراً ـ أي اليتيم ـ فإنه يكرم ليتمه ويطعم لفقره، ولكن أكثر الناس لا يبالون بهذا الشيء.

واعلم أن الرفق بالضعفاء واليتامى والصغار يجعل في القلب رحمة وليناً وعطفاً وإنابة إلى عز وجل، لا يدركها إلا من جرب ذلك، فالذي ينبغي لك أن ترحم الصغار وترحم الأيتام وترحم الفقراء، حتى يكون في قلبك العطف والحنان والرحمة و ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) .

نسأل الله أن يعمنا والمسلمين برحمته وفضله إنه كريم جواد.

* * *

١/٢٦٠ وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه، فانزل الله تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: ٥٢] رواه مسلم

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:

((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر)) وهذا في أول الإسلام في مكة؛ لأن سعيد بن أبي وقاص رضي الله عنه من السابقين إلى الإسلام؛ أسلم وأسلم معه جماعة.

ومن المعلوم أن من أول الناس إسلاماً أبا بكر رضي الله عنه، بعد خديجة وورقة بن نوفل، وكان هؤلاء النفر ستة منهم ابن مسعود رضي الله عنه، وكان راعي غنم فقيراً، وكذلك بلال بن أبي رباح وكان عبداً مملوكاً، وكانوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ يجلسون إليه ويستمعون له وينتفعون بما عنده، وكان المشركون العظماء في أنفسهم، يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: اطرد عنا هؤلاء، قالوا هذا احتقاراً لهؤلاء الذين يجلسون مع النبي صلى الله عليه وسلم.

فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع، وفكر في الأمر، فأنزل الله تعالى:

(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه) [الأنعام: ٥٢] ، نهاه الله عز وجل أن يطرد هؤلاء وإن كانوا فقراء، وإن لم يكن لهم قيمة في المجتمع، لكن لهم قيمة عند الله؛ لأنهم يدعون الله بالغداة والعشي، يعني صباحاً ومساءً، يدعونه دعاء مسألة فيسألونه رضوانه والجنة، ويستعيذون به من النار.

ويدعونه دعاء عبادة فيعبدون الله، وعبادة الله تشتمل على الدعاء، ففي الصلاة مثلاً يقول الإنسان: رب اغفر لي، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وما أشبه ذلك، ثم إن العابد أيضاً إنما يعبد لنيل رضا الله عز وجل.

وفي قوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) تنبيه على الإخلاص وأن الإخلاص له أثر كبير في قبول الأعمال ورفعة العمال عند الله عز وجل، فكلما كان الإنسان في عمله أخلص؛ كان أرضى لله وأكثر لثوابه، وكم من إنسان يصلي وإلى جانبه آخر يصلي معه الصلاة، ويكون بينهما من الرفعة عند الله والثواب والجزاء كما بين السماء والأرض، وذلك لإخلاص النية عند أحدهما دون الآخر.

فالواجب على الإنسان أن يحرص غاية الحرص على إخلاص نيته لله في عبادته، وألا يقصد بعبادته شيئاً من أمور الدنيا؛ لا يقصد إلا رضا الله وثوابه حتى ينال بذلك الرفعة في الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى في آخر الآية: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ) يعني ليس عليك شيء منهم ولا عليهم

شيء منك، حساب الجميع على الله، وكل يجازى بعمله.

(فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنعام ٥٢] ، الفاء هذه التي في (فتكون) تعود على قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ) لا على قوله: (مَا عَلَيْك) ، فعندنا هنا في الآية فاءان: الفاء الأولى (فَتَطْرُدَهُمْ) وهذه مرتبة على قوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، و (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) مرتبة على قوله: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ) يعني فإن طردتهم فإنك من الظالمين.

ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان ينبغي له أن يكون جليسه من أهل الخير الذين يدعون الله صباحاً ومساءً يريدون وجهه، وألا يهتم بالجلوس مع الأكابر، والأشراف، والأمراء، والوزراء، والحكام؛ بل لا ينبغي أن يجلس إلى هؤلاء إلا أن يكون في ذلك مصلحة، فإذا كان في ذلك مصلحة؛ مثل أن يريد أن يأمرهم بمعروف، أو ينهاهم عن منكر، أو يبين لهم ما خفي عليهم من حال الأمة، فهذا طيب وفيه خير.

أما مجرد الأنس بمجالستهم، ونيل الجاه بأنه جلس مع الأكابر، أو مع الوزراء، أو مع الأمراء، أو مع ولاة الأمور، فهذا غرض لا يحمد عليه العبد، إنما يحمد على الجلوس مع من كان أتقى لله؛ من غني وفقير، وحقير وشريف. فالمدار كله على رضا الله عز وجل، وعلى محبة من أحب الله.

وقد ذاق طعم الإيمان من والى من والاه الله، وعادى من عاداه الله، وأحب في الله، وأبغض في الله، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك، وأن

يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* * *

٢/٢٦١ ـ وعن أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني وهو من أهل بيعة الرضوان رضي الله عنه، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: ((يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)) فأتاهم فقال: يا إخوتاه آغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. رواه مسلم.

قوله ((مأخذها)) أي: لم تستوف حقها منه. وقوله: ((يا أخي)) روي بفتح الهمزة وكسر الخاء وتخفيف الياء، وروي بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد الياء.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله في قضية الضعفاء والمساكين، وأنه تجب ملاطفتهم والرفق بهم والإحسان إليهم، أن أبا سفيان مر بسلمان وصهيب وبلال، وهؤلاء الثلاثة كلهم من الموالي، صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، فمر بهم فقالوا: ما

فعلت أسيافنا بعدو الله ما فعلت يعني: يريدون أنهم لم يشفوا أنفسهم مما فعل بهم أسيادهم من قريش، الذين كانوا يعذبونهم ويؤذونهم في دين الله عز وجل، فكأن أبا بكر رضي الله عنه لامهم على ذلك، وقال: أتقولون لسيد قريش مثل هذا الكلام.

ثم إن أبا بكر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له: ((لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)) ، يعني أغضبت هؤلاء النفر ـ مع أنهم من الموالي وليسوا بشيء في عداد الناس وأشرافهم ـ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى هؤلاء النفر وسألهم: آغضبتكم؟ فقالوا: لا، قال: يا إخوتاه، آغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أبا بكر.

فدل هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يترفع على الفقراء والمساكين ومن ليس لهم قيمة في المجتمع؛ لأن القيمة الحقيقية هي قيمة الإنسان عند الله، كما قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣] ، والذي ينبغي للإنسان أن يخفض جناحه للمؤمنين ولو كانوا غير ذي جاه؛ لأن هذا هو الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] .

وفي هذا دليل على ورع أبي بكر رضي الله عنه، وعلى حرصه على إبراء ذمته، وأن الإنسان ينبغي له ـ بل يجب عليه ـ إذا اعتدى على أحد بقول أو فعل أو بأخذه مال أو سب أو شتم أن يستحله في الدنيا؛ قبل أن يأخذ ذلك منه في الآخرة؛ لأن الإنسان إذا لم يأخذ حقه في الدنيا فإنه يأخذه يوم القيامة، ويأخذ من أشرف شيء وأعز شيء على الإنسان يأخذه

من الحسنات؛ من الأعمال الصالحة التي هو في حاجة إليها في ذلك المكان.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ماذا تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: من ليس له درهم ولا دينار، أو قالوا: ولا متاع. فقال: ((المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار)) .

* * *

٥/٢٦٤ ـ وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف)) متفق عليه.

وفي رواية في ((الصحيحين)) ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)) .

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أنا وكافل اليتيم هكذا)) وأشار بالسبابة والوسطى، يعني بالأصبع السبابة والوسطى؛ والأصبع السبابة هي التي بين الوسطى والإبهام، وتسمى السبابة لأن الإنسان يشير بها عند السب، فإذا سب شخصاً قال هذا وأشار بها.

وتسمى السباحة لأن الإنسان يشير بها أيضاً عند التسبيح، ولهذا يشير الإنسان بها في صلاته إذا جلس بين السجدتين ودعا: رب اغفر لي وارحمني؛ كلما دعا رفعها، يشير إلى الله عز وجل؛ لأن الله في السماء

جل وعلا، وكذلك أيضاً يشير بها في التشهد إذا دعا: السلام عليك أيها النبي السلام علينا، اللهم صل على محمد، اللهم بارك على محمد، في كل جملة دعائية يشير بها إشارة إلى علو الله تعالى وتوحيده.

وفرج بينهما عليه الصلاة والسلام يعني: قارن بينهما وفرج، يعني أن كافل اليتيم مع النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة قريب منه، وفي هذا حث على كفالة اليتم، وكفالة اليتيم هي القيام بما يصلحه في دينه ودنياه؛ بما يصلحه في دينه من التربية والتوجيه والتعليم وما أشبه ذلك، وما يصلحه في دنياه من الطعام والشراب والمسكن.

واليتيم حده البلوغ، فإذا بلغ الصبي؛ زال عنه اليتم، وإذا كان قبل البلوغ فهو يتيم؛ هذا إن مات أبوه، وأما إذا ماتت أمه دون أبيه فإنه ليس بيتيم.

وكذلك الحديث الذي بعده فيه أيضاً ثواب من قام بشئون اليتيم وإصلاحه.

أما الحديث الثالث: فإن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: ((ليس المسكين الذي ترده التمرة التمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف)) . يعني المسكين؛ ليس (الشحاذ) الذي (يشحذ) الناس، ترده اللقمة واللقمتان: يعني إذا أعطيته لقمة أو لقمتين أو تمرة أو تمرتين ردته، بل المسكين حقيقة هو الذي يتعفف كما قال تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) [البقرة: ٢٧٣] ، هذا هو المسكين حقيقة؛ لا يسأل فيُعطى ولا يتفطن له فيعطى. كما يقول العامة: عاف كاف، ما

يدرى عنه، هذا هو المسكين الذي ينبغي للناس تفقده وإصلاح حاله، والحنو عليه، والعطف عليه.

وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للمسكين أن يصبر وأن ينتظر الفرج من الله، وأن لا يتكفف الناس أعطوه أو منعوه؛ لأن الإنسان إذا علق قلبه بالخلق وكل إليهم، كما جاء في الحديث: ((من تعلق شيئاً وكل إليه)) وإذا وكلت إلى الخلق نسيت الخالق، بل اجعل أمرك إلى الله عز وجل، وعلق رجاءك وخوفك وتوكلك واعتمادك على الله سبحانه وتعالى فإنه يكفيك، (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) [الطلاق: ٣] ، كل ما أمر الله عز وجل به فهو بالغك، لا يمنعه شيء ولا يرده شيء.

فالمسكين يجب عليه الصبر، ويجب عليه أن يمتنع عن سؤال الناس لا يسأل إلا عند الضرورة القصوى؛ إذا حلت له الميتة حل له السؤال، أما قبل ذلك مادام يمكنه أن يتعفف ولو أن يأكل كسرة من خبز أو شقاً من تمرة فلا يسأل، ولا يزال الإنسان يسأل الناس، ثم يسأل الناس، ثم يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم، والعياذ بالله؛ لأنه قد قشر وجهه للناس في الدنيا، ولهذا ذم أولئك القوم الذين يترددون على الناس يسألونهم وهم أغنياء؛ الذين إذا ماتوا وجد عندهم الآلاف، توجد عندهم الآلاف من الذهب والفضة والدراهم القديمة والأوراق.

وهم إذا رأيتهم قلت: هؤلاء أفقر الناس، ثم يؤذون الناس بالسؤال، أو يسألون الناس وليس عندهم شيء لكن يريدون أن يجعلوا بيوتهم كبيوت الأغنياء وسياراتهم كسيارات الأغنياء، ولباسهم كلباس الأغنياء فهذا سفه، ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) اقتنع بما أعطاك الله؛ إن كنت فقيراً فعلى حسب حالك، وإن كنت غنياً فعلى حسب حالك.

أما أن تقلد الأغنياء وتقول: أنا أريد سيارة فخمة، وأريد بيتاً فارهاً، وأريد فرشاً، ثم تذهب تسأل الناس سواء سألتهم مباشرة قبل أن تشتري هذه الأشياء التي أردت، أو تشتريها ثم تذهب تقول: أنا علي دين وما أشبه ذلك فكل هذا خطأ عظيم، اقتصر على ما عندك، وعلى ما أعطاك ربك عز وجل، واسأل الله أن يرزقك رزقاً لا يطغيك، رزقاً يغنيك عن الخلق وكفى. نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسلامة.

* * *

٦/٢٦٥ ـ وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)) وأحسبه قال: ((وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ في هذا الباب: باب الرفق باليتامى والمستضعفين والفقراء ونحوهم، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)) وأحسبه قال: ((وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر)) ، والساعي عليهم هو الذي يقوم بمصالحهم ومؤنتهم وما يلزمهم.

والأرامل هم الذين لا عائل لهم سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، والمساكين هم الفقراء؛ ومن هذا قيام الإنسان على عائلته وسعيه عليهم، على العائلة الذين لا يكتسبون، فإن الساعي عليهم والقائم بمئونتهم ساع على أرملة ومساكين، فيكون مستحقاً لهذا الوعد ويكون كالمجاهد في سبيل الله، أو كالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذين لا يفطر.

وفي هذا دليل على جهل أولئك القوم الذين يذهبون يميناً وشمالاً ويدعون عوائلهم في بيوتهم مع النساء، ولا يكون لهم عائل فيضيعون؛ لأنهم يحتاجون إلى الإنفاق ويحتاجون إلى الرعاية وإلى غير ذلك، وتجدهم يذهبون يتجولون في القرى وربما في المدن أيضاً، بدون أن يكون هناك ضرورة، ولكن شيء في نفوسهم، يظنون أن هذا أفضل من البقاء في أهليهم بتأديبهم وتربيتهم.

وهذا ظن خطأ، فإن بقاءهم في أهلهم، وتوجيه أولادهم من ذكور وإناث، وزوجاتهم ومن يتعلق بهم أفضل من كونهم يخرجون يزعمون أنهم يرشدون الناس وهم يتركون عوائلهم الذين هم أحق من غيرهم

بنصيحتهم وإرشادهم، ولهذا قال الله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤] ، فبدأ بعشيرته الأقربين قبل كل أحد.

أما الذي يذهب إلى الدعوة إلى الله يوماً أو يومين أو ما أشبه ذلك، وهو عائد إلى أهله عن قرب فهذا لا يضره، وهو على خير ـ لكن كلامنا في قوم يذهبون أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، أو سنة ـ عن عوائلهم؛ يتركونهم للأهواء والرياح تعصف بهم، فهؤلاء لا شك أن هذا من قصور فقهم في دين الله عز وجل.

وقد قال النبي عليه الصلاة: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) فالفقيه في الدين هو الذي يعرف الأمور، ويحسب لها، ويعرف كيف تؤتى البيوت من أبوابها، حتى يقوم بما يجب عليه.

* * *

٧/٢٦٦ ـ وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) رواه مسلم.

وفي رواية في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة من قوله: ((بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء)) .

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) .

قوله عليه الصلاة والسلام: ((شر الطعام طعام الوليمة)) يحتمل أن يكون المراد بالوليمة هنا وليمة العرس، ويحتمل أن يكون أعم، وأن المراد بالوليمة كل ما دعي إلى الاجتماع إليه من عرس أو غيره، وسيأتي بيان ذلك في الأحكام إن شاء الله.

ثم فسر هذه الوليمة التي طعامها شر الطعام وهي التي يدعى إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها، يعني يدعى إليها الأغنياء، والغني لا يحرص على الحضور إذا دعي؛ لأنه مستغن بماله، ويمنع منها الفقراء؛ والفقير؛ هو الذي إذا دعي أجاب، فهذه الوليمة ليست وليمة مقربة إلى الله؛ لأنه لا يدعى إليها من هم أحق بها وهم الفقراء؛ بل يدعى إليها الأغنياء.

أما الوليمة من حيث هي ـ ولا سيما وليمة العرس ـ فإنها سنة مؤكدة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: ((أولم ولو بشاة)) فأمره بالوليمة

قال: ((ولو بشاة)) يعني ولو بشيء قليل، والشاة قليلة بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؛ لأنه من الأغنياء.

وقوله عليه الصلاة والسلام: ((ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله)) يدل على أن إجابة دعوة الوليمة واجبة؛ لأنه لا شيء يكون معصية بتركه إلا وهو واجب، ولكن لا بد فيها من شروط:

الشرط الأول: أن يكون الداعي مسلماً؛ فإن لم يكن مسلما ً لم تجب الإجابة، ولكن تجوز الإجابة لا سيما إذا كان في هذا مصلحة، يعني لو دعاك كافر إلى وليمة عرس فلا بأس أن تجيب، لا سيما إن كان في ذلك مصلحة كتأليفه إلى الإسلام، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يهودياً دعاه في المدينة، فأجابه، وجعل له خبزاً من شعير وإهالة سنخة؛ يعني ودكاً قديماً متغيراً.

وأما اشتراط العدالة: يعني اشتراط أن يكون الداعي عدلاً فليس بشرط، فتجوز إجابة دعوة الفاسق إذا دعاك مثل أن يدعوك إنسان قليل الصلاة مع الجماعة، أو حليق اللحية، أو شارب دخان، فأجبه كما تجيب من كان سالماً من ذلك.

لكن إن كان عدم الإجابة يفضي إلى مصلحة بحيث يخجل هذا الداعي ويترك المعصية التي كان يعتادها حيث الناس لا يجيبون دعوته، فلا تجب دعوته من أجل مصلحته، أما إذا كان لا يستفيد سواء أجبته أو لم

تجبه، فأجب الدعوة لأنه مسلم.

الشرط الثاني: أن يكون ماله حلالاً؛ فإن كان ماله حراماً كالذي يكتسب المال بالربا؛ فإنه لا تجب إجابته لأن ماله حرام، والذي ماله حرام ينبغي للإنسان أن يتورع عن أكل ماله، ولكنه ليس بحرام، يعني لا يحرم عليك أن تأكل من مال من كسبه حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من طعام اليهود وهم يأكلون الربا؛ يأخذونه ويتعاملون به. لكن الورع أن لا تأكل ممن ماله حرام.

أما إذا كان في ماله حرام يعني ماله مختلط؛ يتجر تجارة حلالاً ويكتسب كسباً محرماً؛ فلا بأس من إجابته، ولا تتورع عن ماله؛ لأنه لا يسلم كثير من الناس اليوم من أن يكون في ماله حرام، فمن الناس من يغش فيكتسب من حرام، ومنهم من يرابي في بعض الأشياء، ومنهم الموظفون، وكثير من الموظفين لا يقومون بواجب الوظيفة، فتجده يتأخر عن الدوام، أو يتقدم فيخرج قبل وقت انتهاء الدوام، وهذا ليس راتبه حلالاً؛ بل إنه يأكل من الحرام بقدر ما نقص من عمل الوظيفة؛ لأنه ملتزم بالعقد مع الحكومة مثلاً أنه يقوم بوظيفته من كذا إلى كذا، فلو فتشت الناس اليوم لوجدت كثيراً منهم يكون في ماله دخن من الحرام.

الشرط الثالث: ألا يكون في الدعوة منكر؛ فإن كان في الدعوة منكر فإنه لا تجب الإجابة، مثل لو علمت أنهم سيأتون بمغنين، أو عندهم (شيش) يشربها الحاضرون، أو عندهم شراب دخان فلا تجب إلا إذا كنت قادراً على تغيير هذا المنكر، فإنه يجب عليك الحضور لسببين:

السبب الأول: إزالة المنكر.

السبب الثاني: إجابة الدعوة.

أما إذا كنت ستحضر ولكن لا تستطيع تغيير المنكر؛ فإن حضورك حرام.

الشرط الرابع: أن يعين المدعو، ومعنى يعينه أن يقول: يا فلان أدعوك إلى حضورك وليمة العرس. فإن لم يعينه بأن دعا دعوة عامة في مجلس فقال: يا جماعة عندنا حفل زواج ووليمة عرس فاحضروا، فإنه لا يجب عليك أن تحضر؛ لأنه دعا دعوة عامة ولم ينص عليك.

فلابد أن يعينه فإن لم يعينه فإنها لا تجب، ثم إنه ينبغي للإنسان أن يجيب كل دعوة؛ لأن من حق المسلم على أخيه أن يجيب دعوته، إلا إذا كان في امتناعه مصلحة راجحة فليتبع المصلحة.

* * *

٨/٢٦٧ ـ وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين)) وضم أصابعه)) رواه مسلم.

((جاريتين)) أي: بنتين.

[الشَّرْحُ]

أما هذا الحديث ففيه فضل عول الإنسان للبنات، وذلك أن البنت قاصرة ضعيفة مهينة، والغالب أن أهلها لا يأبهون بها، ولا يهتمون بها،

فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من عال جاريتين حتى تبلغا؛ جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين)) وضم إصبعيه: السبابة والوسطى، والمعنى أنه يكون رفيقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة إذا عال الجارتين؛ يعني الأنثيين من بنات أو أخوات أو غيرهما، أي أنه يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وقرن بين إصبعيه عليه الصلاة والسلام.

والعول في الغالب يكون بالقيام بمئونة البدن؛ من الكسوة والطعام والشراب والسكن والفراش ونحو ذلك، وكذلك يكون في غذاء الروح؛ بالتعليم والتهذيب والتوجيه والأمر بالخير والنهي عن الشر وما إلى ذلك.

ويؤخذ من هذا الحديث ومما قبله أيضاً أنه ينبغي للإنسان أن يهتم بالأمور التي تقربه إلى الله لا بالأمور الشكليات، أو مراعاة ما ينفع في الدنيا فقط، بل يلاحظ هذا ويلاحظ ما ينفع في الآخرة أكثر وأكثر.

وقوله: ((حتى تبلغا)) يعني حتى تصلا إلى سن البلوغ؛ وهو خمس عشرة سنة، أو غير ذلك من علامات البلوغ في المرأة كأن تحيض ولو قبل خمس عشرة سنة، أو نبتت لها العانة أو احتلمت،

* * *

٩/٢٦٨ ـ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت على امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا، فأخبرته فقال: ((من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ عن عائشة رضي الله عنها قصة عجيبة غريبة، قالت: دخلت عليّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل. وذلك لأنها فقيرة. قالت: فلم تجد عندي إلا تمرة واحدة ـ بيت من بيوت النبي عليه الصلاة والسلام لا يوجد فيه إلا تمرة واحدة! ـ قالت: فأعطينها إياها فقسمتها بين ابنتيها نصفين، وأعطت واحدة نصف التمرة، وأعطت الأخرى نصف التمرة الآخر، ولم تأكل منها شيئاً.

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة فأخبرته لأنها قصة غريبة عجيبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له ستراً من النار)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من ابتلي)) : ليس المراد به هنا بلوى الشر، لكن المراد: من قدر له، كما قال الله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: ٣٥] يعني من قدر له ابنتان فأحسن إليهما كن له ستراً من النار يوم القيامة، يعني أن الله تعالى يحجبه عن النار بإحسانه إلى البنات؛ لأن البنت ضعيفة لا تستطيع التكسب، والذي يكتسب هو الرجل، قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: ٣٤] .

فالذي ينفق على العائلة ويكتسب هو الرجل، أما المرأة فإنما شأنها

في البيت، تقيمه وتصلحه لزوجها وتؤدب أولادها، وليست المرأة للوظائف والتكسب إلا عند الغرب الكفرة ومن على شاكلتهم، ممن اغتر بهم فقلدهم وجعل المرأة مثل الرجل في الاكتساب وفي التجارة وفي المكاتب، حتى صار الناس يختلطون بعضهم ببعض، وكلما كانت المرأة أجمل؛ كانت أحظى بالوظيفة الراقية عند الغرب ومن شابههم ومن شاكلهم!

ونحن ولله الحمد في بلادنا هذه ـ نسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة ـ قد منعت الحكومة حسب ما قرأنا من كتاباتها أن يتوظف النساء لا في القطاع العام ولا في القطاع الخاص إلا فيما يتعلق بالنساء ونسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة؛ مثل مدارس البنات وشبهها. لكن نسأل الله الثبات، وأن يزيدها من فضله، وأن يمنعها مما عليه الأمم اليوم من هذا الاختلاط الضار.

ومما ورد في هذا الحديث من العبر:

أولاً: بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أشرف بيوته، فيه أحب نسائه إليه، لا يوجد به إلا تمرة واحدة، ونحن الآن في بلدنا هذا يقدم للإنسان عند الأكل أربعة أصناف شتى، فلماذا فتحن علينا الدنيا وأغلقت عليهم؟ ! ألكوننا أحب إلى الله منهم؟ ! لا والله، هم أحب إلى الله منا، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء، ونحن ابتلينا بهذه النعم، فصارت هذه النعم عند كثير من الناس اليوم سبباً للشر والفساد والأشر والبطر، حتى فسقوا والعياذ بالله، ويخشى علينا من عقوبة الله عز وجل بسبب أن كثيراً منا بطروا هذه

النعم وكفروها، وجعلوها عوناً على معاصي الله سبحانه وتعالى ـ نسأل الله السلامة ـ.

ثانياً: وفيه أيضاً ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الإيثار، فإن عائشة ليس عندها إلا تمرة ومع ذلك آثرت بها هذه المسكينة، ونحن الآن عندنا أموال كثيرة ويأتي السائل ونرده.

لكن بلاءنا في الحقيقة في رد السائل هو أن كثيراً من السائلين كاذبون؛ يسأل وهو أغنى من المسؤول، وكم من إنسان سأل ويسأل الناس ويلحف في المسألة فإذا مات وجدت عنده دراهم الفضة والذهب الأحمر والأوراق الكثيرة من النقود! وهذا هو الذي يجعل الإنسان لا يتشجع على إعطاء كل سائل، من أجل الكذب والخداع، حيث يظهرون بمظهر العجزة وبمظهر المعتوهين والفقراء وهم كاذبون.

ثالثاً: وفي هذا الحديث أيضاً من العبر أن الصحابة رضي الله عنهم يوجد فيهم الفقير كما يوجد فيهم الغني، قال الله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً) [الزخرف: ٣٢] ، ولولا هذا التفاوت ما اتخذ بعضنا بعضاً سخرياً، ولو كنا على حد سواء واحتاج الإنسان منا مثلاً لعمل ما كالبناء، فجاء إلى الآخر فقال: أريدك أن تبني لي بيتاً، فقال: لا أبني، أنا مثلك، أنا غني، فإذا أردنا أن نصنع باباً، قال الآخر: لا أصنع، أنا غني مثلك؛ فهذا التفاوت جعل الناس يخدم بعضهم بعضاً:

الناس للناس من بدو وحاضرة ... بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

حتى التاجر الغني صاحب المليارات يخدم الفقير. كيف؟ ! يورد الأطعمة والأشربة والأكسية ومواد البناء وغيرها، يجلبها للفقير فينتفع بها، فكل الناس بعضهم يحتاج لبعض، ويخدم بعضهم بعضاً؛ ذلك حكمة من الله عز وجل.

رابعاً: وفي هذا الحديث أيضاً دليل على فضل من أحسن إلى البنات بالمال، والكسوة، وطيب الخاطر، ومراعاة أنفسهن؛ لأنهن عاجزات قاصرات.

خامساً: وفيه ما أشرنا إليه أولاً من أن الذي يكلف بالنفقة وينفق هم الرجال، أما النساء فللبيوت ولمصالح البيوت، وكذلك للمصالح التي لا يقوم بها إلا النساء كمدارس البنات.

أما أن يجعلن موظفات مع الرجال في مكتب واحد، أو سكرتيرات كما يوجد في كثير من بلاد المسلمين، فإن هذا لا شك خطأ عظيم، وشر عظيم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)) ؛ لأن أولها قريب من الرجال فصار شراً، وآخرها بعيد عن الرجال فصار خيراً. فانظر

كيف نُدب للمرأة أن تتأخر وتبتعد عن الإمام، كل ذلك من أجل البعد عن الرجال، نسأل الله أن يحمينا وإخواننا المسلمين من أسباب سخطه وعقابه.

* * *

١٠/٢٦٩ ـ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)) رواه مسلم.

١١/٢٧٠ ـ وعن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة)) حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيد.

ومعنى: ((أحرج)) : ألحق الحرج، وهو الإثم بمن ضيع حقهما، وأحذر من ذلك تحذيراً بليغاً، وأزجر عنه زجرا أكيداً.

١٢/٢٧١ ـ وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما قال: رأى سعد أن له فضلاً على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هل تنصرون وترزقون إلا

بضعفائكم)) رواه البخاري هكذا مرسلاً، فإن مصعب بن سعد تابعي، ورواه الحافظ أبو بكر البرقاني في صحيحه متصلاً عن مصعب عن أبيه رضي الله عنه.

١٣/٢٧٢ ـ وعن أبي الدرداء عويمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ابغوني الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم)) رواه أبو داود بإسناد جيد.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث كلها تدل على مضمون ما سبق من الرفق بالضعفاء واليتامى والبنات وما أشبه ذلك، وفي حديث عائشة الأول قصة كحديثها السابق، لكن الحديث السابق أن عائشة رضي الله عنها أعطتها تمرة واحد فشقتها بين ابنتيها.

أما هذا الحديث فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت إحدى البنتين واحدة، والثانية التمرة الأخرى، ثم رفعت الثالثة إلى فيها لتأكلها، فاستطعمتاها ـ يعني أن البنتين نظرتا إلى التمرة التي رفعتها الأم ـ فلم تطعمها الأم بل شقتها بينهما نصفين، فأكلت كل بنت تمرة ونصفاً والأم لم تأكل شيئاً. فذكرت ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم وأخبرته بما صنعت المرأة، فقال: ((أن الله أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)) يعني: لأنها لما

رحمتهما هذه الرحمة العظيمة أوجب الله لها بذلك الجنة.

فدل ذلك على أن ملاطفة الصبيان والرحمة بهم من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار. نسأل الله أن يكتب لنا ولكم ذلك.

وفي الأحاديث الثلاثة التالية لهذا الحديث ما يدل على أن الضعفاء سبب للنصر وسبب للرزق، فإذا حنَّ عليهم الإنسان وعطف عليهم وآتاهم مما آتاه الله عز وجل؛ كان ذلك سبباً للنصر على الأعداء، وكان سبباً للرزق؛ لأن الله تعالى أخبر أنه إذا أنفق الإنسان لربه نفقة فإن الله تعالى يخلفها عليه. قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] ، يخلفه: أي يأتي بخلفه وبدله.

[٣٤ ـ باب الوصية بالنساء]

قال الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: ١٩] ، وقال تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) [النساء: ١٢٩] .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الوصية بالنساء، يعني الوصية على أن يرفق بهن الإنسان وأن يتقي الله فيهن؛ لأنهن قاصرات يحتجن إلى من يجبرهن ويكلمهن، كما قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء: ٣٤] .

ثم استدل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بقول الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) يعني: عاشروا النساء بالمعروف.

والمعاشرة: معناها المصاحبة والمعاملة؛ فيعاملها الإنسان بالمعروف ويصاحبها كذلك.

والمعروف: ما عرفه الشرع وأقره واطرد به العرف، والعبرة بما أقره الشرع، فإذا أقر الشرع شيئاً فهو المعروف، وإذا أنكر شيئاً فهو المنكر ولو عرفه الناس.

وقال تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُم) [النساء: ١٢٩] ، وهذا الخطاب لمن كان عنده زوجتان فاكثر، يبين الله

عز وجل أن الإنسان لا يستطيع أن يعدل بين النساء ولو حرص؛ لأن هناك أشياء تكون بغير اختيار الإنسان؛ كالمودة والميل وما أشبه ذلك، مما يكون في القلب.

أما ما يكون بالبدن فإنه يمكن العدل فيه؛ كالعدل في النفقة، والعدل في المعاملة بأن يقسم لهذه ليلتها وهذه ليلتها، والكسوة، وغير ذلك فهذا ممكن، لكن ما في القلب لا يمكن أن يعدل الإنسان فيه؛ لأنه بغير اختياره.

ولهذا قال الله تعالى: (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا) أي تذروا المرأة إذا التي ملتم عنها (كَالْمُعَلَّقَةِ) بين السماء والأرض، ليس لها قرار؛ لأن المرأة إذا رأت أن زوجها مال مع ضرتها تعبت تعباً عظيماً، واشتغل قلبها، فصارت كالمعلقة بين السماء والأرض ليس لها قرار.

ثم قال: (فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) يعني إن تسلكوا سبيل الإصلاح وتقوى الله عز وجل؛ فإن الله كان غفوراً رحيماً: يعني يغفر لكم ما لا تستطيعونه، ولكنه يؤاخذكم بما تستطيعون.

وهاتان الآيتان وغيرهما من نصوص الكتاب والسنة كلها تدل على الرفق بالمرأة وملاحظتها ومعاشرتها بالتي هي أحسن، وأن الإنسان لا يطلب منها حقه كاملاً؛ لأنها لا يمكن أن تأتي به على وجه الكمال فليعف وليصفح.

* * *

١/٢٧٣ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((استوصوا بالنساء خيراً؛ فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء)) متفق عليه.

وفي رواية في ((الصحيحين)) (المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها، استمتعت وفيها عوج)) .

وفي رواية لمسلم: ((إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)) .

قوله: ((عوج)) هو بفتح العين والواو.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه في معاشرة النساء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((استوصوا بالنساء خيراً)) يعني: اقبلوا هذه الوصية التي أوصيكم بها، وذلك أن تفعلوا خيراً مع النساء؛ لأن النساء قاصرات في العقول، وقاصرات في الدين، وقاصرات في التفكير،

وقاصرات في جميع شئونهن، فإنهن خلقن من ضلع.

وذلك أن آدم عليه الصلاة والسلام خلقه الله من غير أب ولا أم، بل خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، ولما أراد الله تعالى أن يبث من هذه الخليقة، خلق منه زوجه، فخلقها من ضلعه الأعوج، فخلقت من الضلع الأعوج، والضلع الأعوج إن استمتعت به استمتعت به وفيه العوج، وإن ذهبت تقيمه انكسر.

فهذه المرأة أيضاً إن استمتع بها الإنسان استمتع بها على عوج، فيرضى بما تيسر، وإن أراد أن تستقيم فإنها لن تستقيم، ولن يتمكن من ذلك، فهي وإن استقامت في دينها فلن تستقيم فيما تقتضيه طبيعتها، ولا تكون لزوجها على ما يريد في كل شيء، بل لابد من مخالفة، ولابد من تقصير، مع القصور الذي فيها.

فهي قاصرة بمقتضى جبلتها وطبيعتها، ومقصرة أيضاً، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها، يعني معناه أنك إن حاولت أن تستقيم لك على ما تريد فلا يمكن ذلك، وحينئذ تسأم منها وتطلقها، فكسرها طلاقها.

وفي هذا توجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاشرة الإنسان لأهله، وأنه ينبغي أن يأخذ منهم العفو ما تيسر، كما قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) يعني ما عفى وسهل من أخلاق الناس (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: ١٩٩] .

ولا يمكن أن تجد امرأة مهما كان الأمر سالمة من العيب مائة بالمائة،

أو مواتية للزوج مائة بالمائة، ولكن كما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام استمتع بها على ما فيها من العوج.

وأيضاً إن كرهت منها خلقاً رضيت منها خلقاً آخر، فقابل هذا بهذا مع الصبر، وقد قال الله تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) [النساء: ١٩] .

٢/٢٧٤ ـ وعن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) انبعث لها رجل عزير، عارم منيع في رهطه)) ثم ذكر النساء، فوعظ فيهن، فقال: ((يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من أخر يومه)) ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة وقال: ((لم يضحك أحدكم مما يفعل؟)) متفق عليه.

((والعارم)) بالعين المهملة والراء: هو الشرير المفسد.

وقوله: ((انبعث)) أي: قام بسرعة.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على ناقته، وكان عليه الصلاة والسلام خطبه على نوعين: نوع راتب، ونوع عارض؛ فالخطب الراتبة كخطب

يوم الجمعة، وخطب العيدين، والاستسقاء، والكسوف وما أشبه ذلك، والخطب العارضة هي التي يكون لها سبب، فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم فيخطب الناس ويعظمهم ويبين لهم؛ وأحياناً يخطب على المنبر، وأحياناً يخطب قائماً على الأرض، وأحياناً يخطب على ناقته، وأحياناً يخطب معتمداً على بعض أصحابه، حسب ما تقتضيه الحال في وقتها؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام من هديه أنه لا يتكلف؛ فلا يطلب المعدوم، ولا يرد الموجود إذا لم يكن في ذلك تقصير في الشرع، أو تجاوز فيه.

فكان صلى الله عليه وسلم يخطب، وسمعه عبد الله بن زمعة، ومن جملة ما خطب أنه قال: ((يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد)) يعني يجلدها جلد شخص كأنه لا علاقة بينه وبينها، وكأنها عنده عبد أسير عانٍ، وهذا لا يليق؛ لأن علاقة الرجل مع أهله علاقة خاصة ينبغي أن تكون مبنية على المحبة والألفة والبعد عن الفحشاء: القولية أو الفعلية.

أما أن يجلدها كما يجلد العبد ثم في آخر اليوم يضاجعها. كيف تضاجعها في آخر اليوم وتستمتع بها محبة وتلذذاً وشهوة وأنت قد جلدتها جلد العبد؟ ! فهذا تناقض، ولهذا عتب النبي عليه الصلاة السلام على هذا العمل، فإنه لا ينبغي أن يقع هذا الشيء من الإنسان، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام، فإن هذا لا يليق بالعاقل فضلاً عن المؤمن.

ثم تحدث أيضاً عن شيء آخر وهو الضحك من الضرطة، يعني إذا ضرط الإنسان وخرجت الريح من دبره ولها صوت ضحكوا، فقال صلى الله عليه وسلم واعظاً لهم في ذلك: ((لم يضحك أحدكم مما يفعل؟)) .

ألست أنت تضرط كما يضرط هذا الرجل؟ بلى، إذا كان كذلك فلماذا تضحك؟ فالإنسان إنما يضحك ويتعجب من شيء لا يقع منه، أما ما يقع منه؛ فإنه لا ينبغي أن يضحك منه، ولهذا عاتب النبي صلى الله عليه وسلم من يضحكون من الضرطة؛ لأن هذا شيء يخرج منهم، وهو عادة عند كثير من الناس.

كثير من الناس في بعض االأعراف لا يبالون إذا ضرط أحدهم وإلى جنبه إخوانه ولا يحتشمون من ذلك أبداً، ويرون أنها من جنس العطاس أو السعال أو ما أشبه ذلك. لكن في بعض االأعراف ينتقدون هذا.

لكن كونك تضحك وتخجل صاحبك، فهذا مما لا ينبغي.

وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يعيب غيره فيما يفعله هو بنفسه، إذا كنت لا تعيبه بنفسك فكيف تعيبه بإخوانك؟ !

وبهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة شائعة عند العامة، فإنه من المعلوم أن لحم الإبل إذا أكل منه الإنسان وهو متوضئ انتقض وضوءه، ووجب عليه أن يتوضأ إذا أراد الصلاة، سواء أكله نيئاً أو مطبوخاً، وسواء كان هبراً، أو كبداً أو مصراناً، أو كرشاً، أو قلباً، أو رئة، كل ما حملت البعير فإن أكله ناقض للوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن شيئاً وإنما قال: ((توضئوا من لحوم الإبل)) ، وسئل أنتوضأ من لحوم الإبل فقال: ((نعم)) ، قال: من لحوم الغم فقال: ((إن شئت)) ؛ لحم الغنم لا ينقض

الوضوء لحم البقر لا ينقض الوضوء، لحم الخيل لا ينقض الوضوء، لكن لحم الإبل ينقض الوضوء؛ إذا أكلته نيئاً أو مطبوخاً هبراً أو غير هبر؛ وجب عليك أن تتوضأ.

فأما شرب لبنها، فإن الصحيح أنه ليس بناقض للوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر العرنيين أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها لم يأمرهم بالوضوء، ولو كان واجباً لأمرهم به، فإن توضأ فهو أحسن، أما الوجوب فلا.

وكذلك المرق لا يجب الوضوء منه وإن توضأت فهو أحسن، أما اللحم فلابد، وكذلك الشحم فلابد من الوضوء منه.

يقول بعض الناس: إن السبب أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في وليمة وكان لحمها لحم إبل، وأنه خرجت ريح من بعض الحاضرين ولا يدري من، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من أكل لحم إبل فليتوضأ)) فقام جميعهم يتوضئون.

وجعلوا هذا السبب في أن الإنسان يتوضأ من لحم الإبل، وهذا حديث باطل لا أصل له، وإنما الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء من لحم الإبل لحكمة الله يعلمها، قد نعلمها نحن وقد لا نعلمها، المهم نحن علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نتوضأ من لحوم الإبل إذا أكلنا منها فسمعاً وطاعة.

* * *

٣/٢٧٥ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)) أو قال: ((غيره)) رواه مسلم.

وقوله ((يفرك)) هو بفتح الياء وإسكان الفاء وفتح الراء معناه: يبغض، يقال: فركت المرأة زوجها، وفركها زوجها، بكسر الراء، يفركها بفتحها: أي أبغضها، والله أعلم.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر)) .

الفرك: يعني البغضاء والعداوة، يعني لا يعادي المؤمن المؤمنة كزوجته مثلاً، لا يعاديها ويبغضها إذا رأى منها ما يكرهه من الأخلاق، وذلك لأن الإنسان يجب عليه القيام بالعدل، وأن يراعي المعامل له بما تقتضيه حاله، والعدل أن يوازن بين السيئات والحسنات، وينظر أيهما أكثر وأيهما أعظم وقعاً، فيغلب ما كان أكثر وما كان أشد تأثيراً؛ هذا هو العدل.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) [المائدة: ٨] ، يعني لا يحملكم بغضهم على عدم العدل اعدلوا ولو كنتم تبغضونه، ولهذا لما بعث النبي

صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر ليخرص عليهم ثمر النخل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عامل أهل خيبر حين فتحها على أن يكفوه المئونة، ويقوموا بإصلاح النخيل والزرع ولهم النصف.

فكان يبعث عليهم من يخرص عليهم الثمرة، فبعث إليهم عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال لهم: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلى، قتلتم أنبياء الله عز وجل، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، فقالوا: بهذا قامت السَّمَوَاتِ والأرض)) .

فالشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يكون الإنسان حاكماً بالعدل والقسط، فقال: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة)) يعني لا يبغضها لأخلاقها، إن كره منها خلقاً رضي منه خلقاً آخر.

إذا أساءت مثلاً في ردها عليك مرة، لكنها أحسنت إليك مرات، أساءت ليلة لكنها أحسنت ليالي، أساءت في معاملة الأولاد مرة، لكن أحسنت كثيراً. . وهكذا. فأنت إذا أساءت إليك زوجتك لا تنظر إلى الإساءة في الوقت الحاضر، ولكن انظر إلى الماضي وانظر للمستقبل واحكم بالعدل. وهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة يكون في غيرها أيضاً ممن يكون بينك وبينه معاملة أو صداقة أو ما أشبه ذلك، إذا أساء إليك يوماً من الدهر

فلا تنس إحسانه إليك مرة أخرى وقارن بين هذا وهذا، وإذا غلب الإحسان على الإساءة؛ فالحكم للإحسان، وإن غلبت الإساءة على الإحسان فأنظر إن كان أهلاً للعفو فاعف عنه، وإن عفا وأصلح فأجره على الله، وإن لم يكن أهلاً للعفو؛ فخذ بحقك وأنت غير ملوم إذا أخذت بحقك، لكن انظر للمصلحة.

فالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يعامل من بينه وبينهم صلة من زوجته أو صداقة أو معاملة، في بيع أو شراء أو غيره، أن يعامله بالعدل إذا كره منه خلقاً أو أساء إليه في معاملة، أن ينظر للجوانب الأخرى الحسنة حتى يقارن بين هذا وهذا، فإن هذا هو العدل الذي أمر الله به ورسوله كما قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: ٩٠] .

* * *

٤/٢٧٦ ـ وعن عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله تعالى، وأثني عليه وذكر ووعظ، ثم قال: ((ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً؛ فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن

في كسوتهن وطعامهن)) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. .

قوله صلى الله عليه وسلم: ((عوان)) أي: أسيرات جمع عانية، بالعين المهملة، وهي الأسيرة، والعاني: الأسير شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير.

((والضرب المبرح)) : هو الشاق الشديد. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فلا تبغوا عليهن سبيلا)) أي: لا تطلبوا طريقاً تحتجون به عليهن وتؤذونهن به. والله أعلم.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ فيما نقله عن عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع يخطب وكان ذلك في عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قدم مكة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وبقي فيها إلى يوم الخميس الثامن من ذي الحجة.

وخرج ضحى يوم الخميس إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، فلما طلعت الشمس، صار إلى عرفة، فنزل بنمرة وهي مكان معروف قبل عرفة وليست من عرفة، ثم زالت الشمس وحلت صلاة الظهر، فأمر أن تُرَحّل له ناقته فرحلت له وركب، حتى أتى بطن الوادي ـ بطن عرنة ـ وهو شعيب عظيم يحد عرفة من الناحية الغربية

إلى الناحية الشمالية، فنزل ثم خطب الناس صلى الله عليه وسلم خطبة عظيمة بليغة.

ثم قال فيها من جملة ما قال ما أوصي به أمته بالنسبة للنساء: ((استوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم)) العواني جمع عانية وهي الأسيرة، يعني أن الزوجة عند زوجها بمنزلة الأسير عند من أسره؛ لأنه يملكها، وإذا كان يملكها فهي كالأسير عنده، ثم بين صلى الله عليه وسلم أنه لا حق لنا أن نضربهم إلا إذا أتين بفاحشة مبينة، والفاحشة هنا عصيان الزوج، بدليل قوله: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) [النساء: ٣٤] ، يعني إن قصرت الزوجة في حق زوجها عليها؛ فإنه يعظها أولاً ثم يهجرها في المضجع فلا ينام معها، ثم يضربها ضرباً غير مبرح إن هي استمرت على العصيان.

هذه مراتب تأديب المرأة إذا أتت بفاحشة مبينة، وهي عصيان الزوج فيما يجب له: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) يعني لا تضربوهن ولا تقصروا في حقهن؛ لأنهن قمن بالواجب.

ثم بين صلى الله عليه وسلم الحق الذي لهن والذي عليهن، فقال ((لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه)) يعني لا يجعلن يدخل عليهن على فراش النوم أو غيره وأنت تكره أن يجلس على فراش بيتك، وكأن هذا ـ والعلم عند الله ـ ضرب مثل، والمعنى: أن لا يكرمن أحداً تكرهونه؛ هذا من المضادة لكم أن يكرمن من تكرهونه بإجلاسه على الفرش أو تقديم الطعام له، أو ما أشبه ذلك.

وأن لا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، يعني لا يدخلن أحداً البيت وأنت تكره أن يدخل، حتى لو كانت أمها أو أباها، فلا يحل لها أن تدخل

أمها أو أباها، أو أختها أو أخاها، أو عمها أو خالها أو عمتها أو خالتها إلى بيت زوجها إذا كان يكره ذلك.

وإنما نبهت على هذا؛ لأن بعض النساء والعياذ بالله شر، شر حتى على بنتها، إذا رأت أن زوجها يحبها أصابتها الغيرة والعياذ بالله ـ وهي الأم ـ ثم حاولت أن تفسد بين البنت وزجها، فهذه الأم للزوج أن يقول لزوجته لا تدخل بيتي، له أن يمنعها شرعاً، وله أن يمنع زوجته من الذهاب إليها؛ لأنها نمامة تفسد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة قتات)) أي نمام.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)) . فالزوج هو الذي ينفق على زوجته حتى لو كانت غنية، ولو كانت موظفة، فليس له حق في وظيفتها ولا في راتبها، ليس له قرش واحد. كله لها، وتلزمه بأن ينفق عليها؛ فإذا قال: كيف أنفق عليك وأنت غنية، وأنت لك راتب كراتبي؟ نقول: يلزمك نقول: يلزمك الإنفاق عليها وإن كانت كذلك، فإن أبيت فللحاكم القاضي أن يفسخ النكاح غصباً من الزوج، وذلك لأنه ملتزم بنفقتها.

والحاصل أن خطبة حجة الوداع خطبة عظيمة قرر فيها النبي صلى اله عليه وسلم شيئاً كثيراً من أصول الدين ومن الحقوق، حتى قال صلى الله عليه وسلم من جملة ما قال: ((ألا وإن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي))

كانوا في الجاهلية ـ نسأل الله

العافية ـ إذا حل الدين على الفقير قالوا له: إما أن تربي وإما أن تقضي: ((تقضي)) يعني توفينا، ((تربي)) يعني نزيد عليك الدين حتى يصبح أضعافاً مضاعفة.

فقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حاكماً ومشرعاً: ((إن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين))

يعني تحت رجلي ليس له قائمة، ثم قال: ((وأول ربا ً أضع ربا العباس بن عبد المطلب)) .

الله أكبر، صراحة عظيمة وعدل قائم في تنفيذ أحكام الله، ((أول رباً أضع ربا العباس)) ، العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم.

لو كان النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أهل الدنيا لجحد، ولا أخبر الناس أن عمه يرابي، وأبقى رباه على ما هو عليه، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو غاية الخلق في العدل يقول ((أول رباً أضع ربا العباس بن عبد المطلب)) ، فإنه موضوع كله، فليس لأحد ممن عليه الربا أن يوفيه، فهو ساقط كأن لم يكن؛ ليس للعباس إلا رأس ماله فقط.

وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم حينما جاء الناس يشفعون في امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع وتجحده، تستعير المتاع؛ كالقدر والفرش وغيره، ثم إنها بعد أن تأخذ هذا المتاع كانت تنكر أنها أخذت شيئاً، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يدها لأنها سارقة.

فأهم قريش شأنها؛ امرأة من بني مخزوم ـ إحدى قبائل قريش الكبرى ـ

فقاموا ليشفعوا لها وقدموا أسامة بن زيد يشفع عند النبي صلى الله عليه وسلم.

وأسامة هو ابن عتيق الرسول صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة؛ عبد أهدته خديجة للرسول صلى الله عليه وسلم فأعتقه ثم رزق بأسامة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبهما: أسامة وأباه زيداً، فقالوا لأسامة: اشفع عند الرسول صلى الله عليه وسلم.

فلما جاء يشفع أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ((أتشفع في حد من حدود الله)) . إنكار توبيخ.

ثم قام فخطب الناس وقال لهم كلاماً خالداً عظيماً: ((أيها الناس؛ إنما أهلك من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف؛ أقاموا عليه الحد)) وهذا جور وظلم فأيهم أحق بالعفو: الضعيف الذي لا يجد، أو الشريف الكبير؟ لا شك أن الضعيف أحق بالعفو إن كان هناك تفريق ومحاباة، ولكن ولله الحمد ليس هنالك تفريق ولا محاباة في إقامة حدود الله.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) وهي أشرف من المخزومية نسباً وقدراً وديناً، وهي بلا شك أفضل من المخزومية لأنها سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وايم الله)) حلف وإن لم يستحلف؛ لتأكيد هذا الحكم وبيان أهمية ((لو أن فاطمة)) وهي أشرف من هذه المخزومية ((بنت محمد))

أشرف البشر ((سرقت لقطعت يدها)) وهذا العدل غاية في عدل البشر لا يوجد عدل يصدر من أي بشر كان مثل هذا العدل من النبي صلى الله عليه وسلم ليقطع كل الحجج والوساطات والشفاعات، وهذا يدل على كمال عدله صلى الله عليه وسلم.

المهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع خطبة عظيمة بين فيها كثيراً من أحكام الإسلام وآدابه، وقد قام بشرح هذه الخطبة الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن حميد رحمة الله عليه، رئيس القضاة في هذه المملكة في زمنه شرحها شرحاً موجزاً لكنه مفيد، فمن أحب فليرجع إليه.

* * *

٥/٢٧٧ ـ وعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: ((أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، لا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت)) حديث حسن رواه أبو داود.

وقال: معني ((لا تقبح)) أي: لا تقل قبحك الله.

٦/٢٧٨ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف ـ رحمة الله تعالى ـ فيما نقل عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه ما حق امرأة أحدنا عليه، والصحابة رضي الله

عنهم كانوا إذا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فإنما يسألون ليعملوا لا ليعلموا فقط؛ خلافاً لما عليه كثير من الناس اليوم يسألون ليعلموا ثم لا يعمل إلا قليل منهم؛ وذلك أن الإنسان إذا علم من شريعة الله ما علم كان حجة له أو عليه. إن عمل به فهو حجة له يوم القيامة، وإن لم يعمل به؛ كان حجة عليه يؤاخذ به.

وما أكثر ما كان الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور دينهم، ففي القرآن مسائل كثير: (يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) [البقرة: ٢١٥] ، (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) [البقرة: ٢٢٠] ، (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيض) [البقرة: ٢٢٢] ، (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) [البقرة: ١٨٩] ؛ كلها أسئلة يريد بها الصحابة رضي الله عنهم أن يعلموا فيها حكم الله ثم يطبقوه في أنفسهم وفي أهليهم.

وهنا سأله معاوية ((ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: ((أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت)) يعني لا تخص نفسك بالكسوة دونها، ولا بالطعام دونها؛ بل هي شريكة لك يجب عليك أن تنفق عليها كما تنفق على نفسك، حتى إن كثيراً من العلماء يقول: إذا لم ينفق الرجل على زوجته وطالبت بالفسخ عند القاضي؛ فللقاضي أن يفسخ النكاح؛ لأنه قصر بحقها الواجب لها.

قال ((ولا تضرب الوجه ولا تقبح)) فلا تضربها إلا لسبب وإذا ضربتها فاجتنب الوجه وليكن ضرباً غير مبرح.

وقد سبق لنا أن الإنسان إذا رأى من امرأته نشوزاً وترفعاً عليه، وأنها لا تقوم بحقه؛ وعظها أولاً، ثم هجرها في المضجع، ثم ضربها ضرباً غير مبرح فإذا حق له أن يضربها لوجود السبب، فإنه لا يضرب الوجه.

وكذلك غير الزوجة لا يضرب على الوجه، فالابن إذا أخطأ لا يضرب على الوجه؛ لأن الوجه أشرف ما في الإنسان، وهو واجهه البدن كله، فإذا ضرب كان أذل للإنسان مما لو ضرب غير وجهه، يعني يضرب الرجل على كتفه، على عضده، على ظهره؛ فلا يرى بذلك أنه استدل كما لو ضربته على وجهه، ولهذا نهي عن ضرب الوجه وعن تقبيح الوجه.

قوله: ((لا تقبح)) يعني لا تقل: أنت قبيحة، أو قبح الله وجهك، ويشمل النهي عن التقبيح: النهي عن التقبيح الحسي والمعنوي، فلا يقبحها مثل أن يقول: أنت من قبيلة رديئة، أو من عائلة سيئة، أو ما أشبه ذلك. كل هذا من التقبيح الذي نهى الله عنه.

قال: ((ولا تهجرها إلا في البيت)) يعني إذا وجد سبب الهجر فلا تهجرها علناً وتظهر للناس أنك هجرتها.

اهجرها في البيت؛ لأنه ربما تهجرها اليوم وتتصالح معها في الغد فتكون حالكما مستورة، لكن إذا ظهرت حالكما للناس بأن قمت بنشر ذلك والتحدث به كان هذا خطأ، اهجرها في البيت، ولا يطلع على هجرك أحد، حتى إذا اصطلحت معها رجع كل شيء على ما يرام، دون أن يطلع عليه أحد من الناس.

أما الحديث الثاني حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ فإنه حديث

عظيم، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((أكمل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً)) .

الإيمان يتفاوت ويتفاضل كما قال الله تعالى: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانا) [المدثر: ٣١] ، وليس الناس في الإيمان سواء؛ من الناس من يؤمن بالغيب وكأنه يشاهد شهود عيان، يؤمن بيوم القيامة وكأنه الآن في تلك الساعات، يؤمن بالجنة وكأنها في تلك الرياض، يؤمن بالنار وكأنه يراها بعينه، يؤمن إيماناً حقيقياً مطمئناً لا يخالطه شك.

ومن الناس من يعبد الله على حرف ـ نسأل الله العافية ـ كما قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) [الحج: ١١] يعني على طرف (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ) يعني إن لم يواجه أحداً يشككه في الدين، ولم يواجه إلا صلحاء يعينونه (اطْمَأَنَّ بِه) أي ركن إليه.

(وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) [الحج: ١١] ، إن أصابته فتنة في بدنه، أو ماله، أو أهله؛ انقلب على وجهه واعترض على القضاء والقدر، وتسخط وهلك والعياذ بالله (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) .

فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وفي هذا حث عظيم على حسن الخلق مع الله، وحسن الخلق مع الناس.

أما حسن الخلق مع الله، فأن يرضى الإنسان بشريعته، وينقاد إليها راضياً، مطمئناً بها، مسروراً بها سواء كانت أمر يؤمر به، أو نهياً ينهى عنه.

وأن يرضى الإنسان بقدر الله عز وجل، ويكون ما قدر الله عليه مما يسوءه كالذي قدر الله عليه مما يسره، فيقول: يا رب كل شيء من عندك، فأنا راض بك رباً إن أعطيتني ما يسرني شكرت، وإن أصابني ما يسوءني صبرت، فيرضى

بالله قضاءً وقدراً، وأمراً وشرعاً؛ هذا حسن الخلق مع الله.

أما حسن الخلق مع الناس فظاهر، فكف الأذى وبذل الندى، والصبر عليهم وعلى أذاهم، هذا من حسن الخلق مع الناس؛ أن تعاملهم بهذه المعاملة تكف أذاك عنهم، وتبذل نداك. الندى يعني العطاء سواء كان مالاً أو جاهاً أو غير ذلك، وكذلك تصبر على البلاء منهم، فإذا كنت كذلك؛ كنت أكمل الناس إيماناً.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)) هذا خير الناس. هو خيرهم لأهله؛ فإذا كان فيك خير؛ فاجعله عند أقرب الناس لك وليكن أول المستفيدين من هذا الخير.

وهذا عكس ما يفعله بعض الناس اليوم، تجده سيئ الخلق مع أهله، حسن الخلق مع غيرهم، وهذا خطأ عظيم؛ أهلك أحق بإحسان الخلق؛ أحسن الخلق معهم؛ لأنهم هم الذين معك ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، إن أصابك شيء أصيبوا معك، وإن سررت سروا معك، وإن حزنت حزنوا معك، فلتكن معاملتك معهم خيراً من معاملتك مع الأجانب، فخير الناس خيرهم لأهله.

اسأل الله أن يكمل لي وللمسلمين الإيمان، وأن يجعلنا خير عباد الله في أهلنا ومن لهم حق علينا.

* * *

٧/٢٧٩ ـ وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تضربوا إماء الله)) فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ذئرن النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون ازواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد أطاف بآل بيت محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم)) رواه أبو داود بإسناد صحيح.

قوله: ((ذئرن)) هو بذال معجمة مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم راء ساكنة ثم نون، أي: اجترأن، قوله: ((أطاف)) أي: أحاط.

٨/٢٨٠ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

ذكر رحمه الله تعالى فيما نقله فيما يتعلق بأمر النساء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تضربوا إماء الله)) يريد بذلك النساء، فيقال: أمة الله كما يقال عبد الله، ويقال: إماء الله كما يقال عباد الله، ومن ذلك الحديث الصحيح: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) .

نهاهم عن ضرب النساء، فكفوا عن ذلك؛ لأن الصحابة رضي الله

عنهم كانوا من الطراز الأول والجيل الأول المفضل، الذين إذا دعوا إلى الله ورسوله قالوا: سمعنا وأطعنا، فكفوا عن ضرب النساء. والنساء قاصرات عقل وناقصات دين.

فلما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ضربهن، اجترأن على أزواجهن، كما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله إن النساء ذئرن على أزواجهن، يعني اجترأن وتعالين على الرجال، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال عمر؛ أجاز ضربهن، فأفرط الرجال في ذلك وجعلوا يضربونهن حتى وإن لم يكن ذلك من حقهم فطافت النساء بآل النبي صلى الله عليه وسلم، أي ببيوته، وجعلن يتجمعن حول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يشكون أزواجهن.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس يخبرهم بأن هؤلاء الذين يضربون أزواجهن ليسوا بخيارهم، أي ليسوا بخيار الرجال، وهذا كقوله: ((خيركم خيركم لأهله)) فدل هذا على أن الإنسان لا يفرط ولا يفرط في ضرب أهله؛ إن وجد سبباً يقتضي الضرب فلا بأس.

وقد بين الله عز وجل مراتب ذلك في كتابه فقال: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) [النساء: ٣٤] .

المرتبة الثالثة: الضرب، وإذا ضربوهن فليضربوهن ضرباً غير مبرح.

ثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) فقوله صلى الله عليه وسلم: ((الدنيا متاع)) يعني شيء يتمتع به، كما يتمتع المسافر بزاده ثم ينتهي، وخير متاعها المرأة الصالحة؛ إذا وفق الإنسان لامرأة صالحة في دينها وعقلها فهذا خير متاع

الدنيا؛ لأنها تحفظه في سره وماله وولده.

وإذا كانت صالحة في العقل أيضاً، فإنها تدبر له التدبير الحسن في بيته وفي تربية أولادها، إن نظر إليها سرته، وإن غاب عنها حفظته، وإن وكل إليها لم تخنه، فهذه المرأة هي خير متاع الدنيا.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)) ، يعني عليك بها، فإنها خير من يتزوجه الإنسان؛ فذات الدين وإن كانت غير جميلة الصورة، لكن يجملها خلقها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

توفي في خلافة عثمان سنة نيف وثلاثين، وقبره في مقبرة الشهداء يزار. قال المصنف روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة حديث وتسعة وسبعون حديثاً اتفقا على حديثين منها وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بثمانية اهـ. وقال المصنف في «التهذيب» روى عنه جماعة الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وخلائق من التابعين اهـ.

(قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ابغوني) بكسر همزة الوصل لأنه من فعل ثلاثي مكسور العين: أي اطلبوا لي (الضعفاء) يعني صعاليك المسلمين أستعين بهم فإذا قلت: أبغني بهمزة القطع فمعناه أعني على الطلب. وقال الحافظ: ابغني بالوصل من الثلاثي أي اطلب لي، يقال بغيتك الشيء: طلبته لك، وبالقطع: أي أعني والأول المراد بالحديث اهـ. والحاصل أنه إن كان من الثلاثي فهمزته للوصل مكسورة والمراد به مطلق الطلب، وإن كان من الرباعي فهمزته للقطع والمراد به طلب الإعانة: أي أعينوني على طلب الضعفاء. قال السيوطي: هو بإسقاط حرف الجرّ عند أبي داود والنسائي، وعند أحمد والطبراني «ابغوني ضعفاءكم» وعن الترمذي «ابغوني في ضعفائكم» قال صاحب «الفتح الكبير» لمعلق «الجامع الصغير» : وطلبهم ليكتبهم في ديوان المجاهدين ويستعين بهم. ولحضورهم فوائد أشار إليها بقوله: (فإنما ترزقون) بالبناء للمفعول وحذف المفعول الثاني المتعدى إليه لتضمنه معنى إعطاء للتعميم: أي ترزقون المطر والفيء وغيرهما مما تنتفعون به (وتنصرون) على أعدائكم (بضعفائكم) أي ببركة وجود صعاليك المسلمين فيكم ودعائهم لكم (رواه أبو داود) في كتاب الجهاد (بإسناد جيد) أي مقبول كما تقدم قريباً/ رواه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم في «المستدرك» وفي أحاديث الباب والانقطاع إلى الله سبحانه وإعانة الفقراء وإغاثة المنقطعين وعدم رؤية النفس وفضلها على أحد من العاملين والحذر من التعرض لإيذاء أحد من الضعفاء والمساكين الذين لا جار لهم ولا كهف سوى ربّ العالمين.d

٣٤ - باب الوصية بالنساء

بكسر النون وبالمد، جمع لامرأة من غير لفظها، وتجمع على نسوة بكسر النون

كما تقدم عن «المصباح» ، والمراد الوصية بالرفق بهن والإحسان إليهن لضعفهن واحتياجهن لمن يقوم بأمرهن.

(قال الله تعالى) شأنه عما لا يليق به ( {وعاشروهن بالمعروف} ) أمر يعم الأزواج والأولياء ولكن المتلبس في الأغلب بهذا الأمر الأزواج والمعاشرة المخالطة والممازجة. قال السلمي: «وعاشروهن بالمعروف» قيل علموهن الفرائض والسنن. وقال أبو جعفر: المعاشرة بالمعروف حسن الخلق مع العيال.

(وقال تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا} ) العدل التام على الإطلاق: المستوى في الأقوال والأفعال والمحبة والجماع وغير ذلك ( {بين النساء ولو حرصتم} ) «كان يقسم بين نسائه ثم يقول: اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» فأخبر عزّ وجلّ عن حال البشر أنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض الأزواج دون بعض ( {فلا تميلوا كل الميل} ) بأن يفعل فعلاً يقصد به التفضيل، وهو يقدر أن لا يفعله فهذا هو كل الميل وإن كان في أمر حقير (فتذورها) أي الزوجة التي ميل عليها كل الميل ( {كالمعلقة} ) لا هي أيم ولا هي ذات زوج (وإن تصلحوا) ما أفسدتم بالميل التام (وتتقوا) بالعدل في القسم وترك خلافه ( {فإن الله كان} ) فيما مضى وبالاستمرار ( {غفوراً} ) لما عدا الشرك من المعاصي إن شاء ذلك ( {رحيماً} ) مفيضاً للنعم على عباده، ومناسبة هذين الاسمين لما قبلهما أن الميل السابق إثم ودواءه الغفران، وأن الداعي إلى عدم التقوى من المساواة بالمواساة بين الأزواج ما يعد لهم الشيطان من الفقر فدواؤه استحضار ما للمولى سبحانه وتعالى من النعم الحسان.

٢٧٣١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: استوصوا بالنساء خيراً) أي تواصوا بهن والباء للتعدية، والاستفعال بمعنى الإفعال كالاستجابة بمعنى الإجابة. وقال الطيبي: السين للطلب وهو للمبالغة: أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن، أو اطلبوا الوصية من غيركم بهن، وقيل معناه: اقبلوا وصيتي فيهن واعملوا بها وارفقوا بهن وأحسنوا عشرتهن. قال العلقمي: وهذا الوجه أوجه في نظري وليس مخالفاً لما قال الطيبي.

قلت: لأن المعنى اطلبوا وصيتي واقبلوها واعملوا بها (فإن المرأة خلقت) بالبناء للمفعول: أي أخرجت (من ضلع) بكسر المعجمة وفتح اللام، ويجوز تسكينها وهي مؤنثة كما في «القاموس» و «المصباح» ، قال في «الفتح» : فيه إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر، وقيل من ضلعه القصير، أخرجه ابن إسحاق في المبتدأ عن ابن عباس وكذا أخرجه ابن أبي حاتم وغيره من حديث مجاهد، وأغرب النووي فعزاه للفقهاء أو لبعضهم اهـ.

وهذا لا يختلف الحديث الذي فيه تشبيه المرأة بالضلع، بل يستفاد من هذا نكتة التشبيه وأنها عوجاء مثله لكون أصلها منه. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون معناه: أن المرأة خلقت من مبلغ ضلع فهي كالضلع (وإن أعوج ما) أي شيء كما في رواية أخرى (في الضلع أعلاه) قيل فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة لسانها، وفائدة هذه المقدمة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فلا ينكر اعوجاجها، أو أنها لا تقبل التقويم كما أن الضلع لا يقبله، ولذا قال (فإن ذهبت تقيمه) أي أعلاه عن الاعوجاج الذي هو شأنه (كسرته) لعدم قابليته له (وإن تركته) غير آخذ في إقامته (لم يزل أعوج) لأنه وضعه وشأنه، وكذا المرأة إن أردت إقامتها على الجادة، وعدم اعوجاجها أدى إلى الشقاق والفراق، وهو كسرها وإن صبرت على سوء حالها وضعف معقولها ونحو ذلك من عوجها دام الأمر واستمرت العشرة، والفاء في قوله: (فاستوصوا بالنساء) الفاء الفصيحة: أي فاعرفوا ذلك فاستوصوا بهن (خيراً) بالصبر على ما يقع منهن، فيه رمز إلى التقويم برفق بحيث لا يبالغ فيه فيكسر ولا يتركه فيستمر على عوجه وما قررت من أن الفاء الفصيحة هي العاطفة على مقدر هو ما في النهر لأبي حيان وردّ ما في «الكشاف» ، وتبعه البيضاوي من أنها الواقعة جواباً لشرط مقدر حذف هو وفعله بأن النحاة أجمعوا على عدم جواز حذف الأداة والفعل في مثل ذلك (متفق عليه) رواه البخاري في بدء الخلق وفي النكاح، ورواه مسلم في النكاح، ورواه النسائي في عشرة النساء وابن أبي شيبة، وزاد «من كان يؤمن با واليوم الآخر فإذا شهد أمراً فليتكلم بخير أو ليسكت» .

(وفي رواية في الصحيحين) في هذا الحديث عن أبي هريرة لكن اقتصر المزيّ على عزوه بهذا اللفظ إلى مسلم في النكاح. قال: ورواه الترمذي فيه وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه (المرأة) اللام فيها للحقيقة (كالضلع) في الاعوجاج وعدم قابلية الإقامة (إن أقمتها) أي الضلع وهي مؤنثة، ويحتمل

أن يكون ضمير المؤنث هنا للمرأة، ويؤيده قوله بعد (وإن استمتعت بها كسرتها) لعدم قابليتها للإقامة ويحتمل أن المراد بكسرها طلاقها، وقد وقع ذلك صريحاً كما سيأتي، وكسرها طلاقها (وإن استمتعت بها) لقضاء الوطر وطلب الولد الصالح والإعفاف (استمتعت بها) وجملة (وفيها عوج) جملة إسمية حالية.

(وفي رواية لمسلم) في النكاح (إن المرأة) الإتيان بالمؤكد لاقتضاء المقام له، وكأنه لكثرة الشكاية من الأزواج من عدم استقامتهن، وذلك يقتضي منهم أنهم توهموا إمكان استقامتهن أو ترددوا فيه، فأتى دفعاً لذلك بذلك (خلقت من ضلع لن تستقيم لك) أي تدوم (على طريقة) ترضاها، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً يقول: ماذا ينشأ من كونها خلقت من ذلك؟ فقال: لن تستقيم (فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها) إقامة تامة مرضية لك (كسرتها) لأنه خلاف شأنها، وليس في وسعها واستعدادها (وكسرها) المدلول عليه بقوله كسرتها (طلاقها. قوله) في الحديث (هو عوج بفتح العين) المهملة (والواو) قال الفيومي في «المصباح» : العوج بفتحتين في الأجساد: خلاف الاعتدال، وهو مصدر من باب تعب، يقال عوج العود ونحوه فهو أعوج والأنثى عوجاء من باب أحمر، والعوج بكسر العين في المعاني، يقال: في الأمر عوج وفي الدين عوج. قال أبو زيد في الفرق بكل ما رأيته بعينك فهو مفتوح، وما لم تره فهو مكسور. وقال بعض العرب: يقول في الطريق عوج بالكسر اهـ. وفي «التهذيب» للمصنف اختلف في ضبط عوج في هذا الحيث، فضبطه كثيرون بفتح العين، وضبطه الحافظ أبو القاسم وآخرون من المحققين بالكسر وهو الصواب الجاري على ما ذكره أهل اللغة اهـ. ومنه يعلم أنه تبع في ضبطه هنا الكثيرين والصواب خلافه، إلا أن يدعي أن تلك الأخلاق منهن لما تكررت صارت كالمحسوس فاستعمل فيها ما يستعمل فيه، فيكون صحيحاً أيضاً إلا أنه تكلف.

٢٧٤٢ - (وعن عبد الله بن زمعة) بفتح الزاي وإسكان الميم، ابن الأسود بن

المطلب بن أسد بن عبد العزي بن قصيّ القرشي الأسدي (رضي الله عنه) أمه قرينة بنت أمية بن المغيرة أخته أم سلمة أم المؤمنين، كان من أشراف قريش، وكان يأذن على النبي روى عنه أبو بكر بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير، وقتل زمعة يوم بدر كافراً، وكان الأسود من المستهزئين الذين قال تعالى في حقهم: {إنا كفيناك المستهزئين} (الحجر: ٩٥) وقتل عبد الله مع عثمان يوم الدار، قاله أبو أحمد العسكري عن أبي حسان الزيادي، وكان لعبد الله ابن اسمه يزيد قُتل يوم الحرة صبراً، قتله مسلم بن عقبة المري اهـ. ملخصاً من «أسد الغابة» . قال ابن حزم في آخر كتابه «مختصر التاريخ» : روي له عن النبي حديث واحد. قلت: وذكر المزي في الأطراف له حديثين أحدهما حديث الباب والثاني عند أبي داود (أنه سمع النبي يخطب وذكر الناقة) التي كانت معجزة لسيدنا صالح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، والواو عاطفة على محذوف تقديره خطب فذكر كذا وذكر الناقة (والذي عقرها) وهو قذار بضم القاف وبالذال المعجمة آخره راء، ابن سالف أحيمر ثمود (فقال) مبيناً لوصفه (إذا انبعث أشقاها) أشقى قبيلة ثمود، وهو أشقى الأولين (انبعث لها) أي للناقة (رجل عزيز) بالمهملة وزاءين معجمتين بوزن رحيم: أي قليل المثل (عارم) بالمهملتين كما سيأتي في تفسيره (منيع) أي قوي ذو متعة (في رهطه) يمنعونه من الضيم، زاد البخاري في رواية «مثل أبي زمعة» وفي أخرى «مثل أبي زمعة عم الزبير بن العوام» وهو عمه مجازاً لأنه ابن عم أبيه فكأنه أخر أبيه فأطلق عليه عم بهذا الاعتبار قال القرطبي في «المفهم» : يحتمل أن المراد بأبي زمعة الصحابي الذي بايع تحت الشجرة، يعني وهو عبيد البلوى، قال: ووجه تشبيهه به أنه كان في عز ومنعة في قومه كما كان ذلك الكافر، قال: ويحتمل أن يريد غيره من الكفار ممن يكنى بأبي زمعة. قال الحافظ في «الفتح» : وهذا

الثاني هو المعتمد والغير المذكور هو الأسود، وهو جد عبد الله بن زمعة راوي الخبر لقوله في نفس الخبر عم الزبير، وليس بين البلوى والزبير نسب اهـ. (ثم ذكر) يعني النبي في خطبته تلك (النساء) استطراداً (فوعظ فيهن) فاستطرد إلى ما يقع من

أزواجهن (فقال يعمد) بكسر الميم (أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد) بالنصب أي مثل ضربه في كونه مبرّحاً مؤذياً.

وعند مسلم في رواية «ضرب الأمة» وللنسائي «كما يضرب العبد أو الأمة» . وفي البخاري في الأدب من رواية ابن عيينة «ضرب الفحل» والمراد منه البعير. وفي حديث لقيط بن صبرة عند أبي داود «ولا تضرب ظعينتك ضربك» ، أمتك «فلعله يضاجعها» .

وفي رواية البخاري في النكاح «يجامعها» (من آخر يومه) وعند النسائي «من آخر النهار» ورواية ابن نمير والأكثر «آخر يومه» ورواية وكيع «آخر الليل أو من آخر الليل» وكلها متقاربة وفي الحديث جواز تأديب الرقيق بالضرب الشديد، والإيماء إلى جواز ضرب النساء دون ذلك، وفي سياق الحديث استبعاد وقوع الأمرين من العاقل أن يبالغ في ضرب امرأته ثم يجامعها من بقية يومه أو ليلته، والمجامعة أو المضاجعة إنما تستحسن مع الميل والرغبة في العشرة والمجلود غالباً ينفر ممن جلده، فوقعت الإشارة إلى ذم ذلك، وأنه إذا كان ولا بد فليكن التأديب بالضرب اليسير بحيث لا يحصل معه النفور التام فلا يفرط في الضرب ولا يفرط في التأديب (ثم وعظهم) استطراداً: أي حذرهم (في ضحكهم من الضرطة) وذلك لأنه خلاف المروءة، ولما فيه من هتك الحرمة (وقال) في تقبيح ذلك (لم) بكسر اللام (يضحك أحدكم مما يفعل) وذلك لأن الضحك إنما يكون من الأمر العجيب والشأن الغريب يبدو أثره على البشرة فيكون التبسم، فإن قوي وحصل معه الصوت كان الضحك، فإن ارتقى على ذلك كانت القهقهة، وإذا كان هذا الأمر معتاداً من كل إنسان فما وجه الضحك من وقوع ذلك ممن وقع منه (متفق عليه) رواه البخاري في التفسير بجملته، وروى قصة النساء فقط في النكاح أيضاً، وقصة النكاح والضرطة في الأدب أيضاً، ورواه بجملته مسلم في باب صفة النار، ورواه الترمذي في «التفسير» وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في «التفسير» وفي عشرة النساء بالقصة الثالثة، كذا قاله المزي في «الأطراف» . قال الحافظ التقي ابن فهد: بل الثانية وابن ماجه في النكاح (والعارم بالعين المهملة والراء) لم يحتج لتقييد الراء بالمهملة لأن تلك زاي بالياء في اللغة المشهورة فلا تلتبس بالراء (هو الشرير) بكسر المعجمة وتشديد الراء الأولى (المفسد) . وفي «النهاية» ، أي خبيث شرير وقد عرم بالضم والفتح والكسر، والعرام: القوة والشدة والشراسة. وفي «الصحاح» :

وصبيّ عارم بين العرام: أي شرس. وقد عرم يعرم ويعرم أي بضم عين المضارع

وكسرها عرامة بالفتح، (وقوله) في الحديث (انبعث) انفعل من البعث (أي قام بسرعة) وجعله في «الصحاح» مطاوع بعثه وابتعته وذلك يؤذن بالسرعة.

٢٧٥٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: لا يفرك) أتى ضبطه ومعناه (مؤمن مؤمنة) نكرهما للتعميم: أي لا تبغض المؤمنة على كل حالها به شأن المؤمن معها (إن كره فيها خلقاً) بضم الخاء المعجمة كسوء الخلق مثلاً (رضي منها) خلقاً (آخر) كالعفاف (أو) شك من الراوي (قال) يعني النبي (غيره) بدل قوله آخر. قال المصنف: قال القاضي عياض: ليس هذا على النهي بل هو خبر: أي لا يقع منه بغض تام لها، قال: وبغض الرجال للنساء بخلاف بغضهن لهم، قال: ولهذا قال: إن كره منها خلقاً رضي منها آخر اهـ. وهو ضعيف أو غلط، بل الصواب أنه نهي: أي ينبغي أن لا يبغضها لأنه إن وجد فيها خلقاً يكره وجد فيها خلقاً مرضياً، وهذا الذي ذكرته من أنه نهي يتعين بوجهين:

أحدهما أن المعروف في الروايات لا يفرك بإسكان الكاف لا برفعها وهذا يتعين فيه النهي، ولو روي مرفوعاً لكان نهياً لفظ الخبر.

الثاني: أنه قد وقع خلافه فبغض الناس يبغض زوجته بغضاً شديداً ولو كان خبراً لم يقع خلافه وهذا وقع خلافه، وما أدري ما حمل القاضي على هذا التعبير اهـ. (رواه مسلم) في كتاب النكاح (قوله: يفرك هو بفتح الياء) التحتية (وإسكان الفاء) هذا مستغنى عنه أتى به زيادة في الإيضاح (وفتح الراء) فهو من باب فرح يفرح (ومعناه يبغض) بضم

التحتية وكسر المعجمة مضارع من الإبغاض (يقال: فركت المرأة زوجها وفركها زوجها بكسر الراء) في الماضي (يفركها بفتحها) في المضارع (أي أبغضها) قال في «المصباح» : أبغضت الشيء إبغاضاً فهو مبغض والاسم البغض، ولا يقال بغضه بغير ألف، والمراد من الحديث أن شأن المؤمن أن لا يبغض المؤمنة بغضاً كلياً يحمله على فراقها: أي ينبغي له أن يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره بما يحبّ. قال القرطبي: وأصل الفرك إنما يقال في النساء يقال فركت المرأة زوجها وأبغض الرجل امرأته، وقد استعمل الفرك في الرجل قليلاً وتجوّزاً، منه ما في هذا الحديث اهـ. (والله أعلم) .

٢٧٦٤ - (وعن عمرو بن الأحوص) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وبعد الواو مهملة ثانية ابن جعفر بن كلاب (الجشمي) الكلابي قاله أبو عمرو، وأما ابن منده وأبو نعيم فلم ينسباه إنما قالا: عمرو بن الأحوص الجشمي. قال ابن الأثير: قول أبي عمرو إنه جشمي كلابي لا أعرفه فإنه ليس في نسبته إلى كلاب جشم ولا فيما بعد كلاب وإنما الأحوص بن جعفر بن كلاب نسب معروف ولعله له حلف في جشم فنسب إليه اهـ. (رضي الله عنه) .

قال ابن حزم: روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثان (أنه سمع النبي في حجة الوداع) بفتح الواو لأن النبي ودّع الناس ولم يحج بعدها، ويقال بكسرها وتقدم فيها مزيد في باب النية في حديث سعد بن أبي وقاص (يقول بعد أن حمد الله تعالى) بالأوصاف الجميلة (وأثنى عليه) بتنزيهه عما لا يليق به (وذكر) بتخفيف الكاف: أي أتى بذكر الله تعالى من التكبير والتهليل، أو بتشديدها من التذكير با والتخويف من عقابه، ويؤيد هذا قوله (ووعظ ثم) أي بعد أن أطال في ذلك لاستدعاء المقام له (قال) مستطرداً للوصية بالنساء (ألا) بتخفيف اللام: أداة استفتاح يؤتى بها أول الكلام إذا كان المقام يهتم به (واستوصوا بالنساء خيراً) المعطوف عليه محذوف اختصاراً مدلول عليه بما قبله (فإنما هن عوان) جمع واحدة عانية وإعرابه مقدر لثقل الضمة على الياء المحذوفة

لالتقاء الساكنين. قال في «النهاية» : أي أسراء أو كالأسراء، وأشار به إلى أنه محتمل لكونه من باب التشبيه البليغ أو أنه على ظاهره من غير تقدير لشيء (عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك) المشار إليه محذوف مدلول عليه بباقي الكلام وهو الاستمتاع وحفظ الزوج في نفسها وماله (إلا أن يأتين بفاحشة) كبيرة كنشوز وسوء عشرة (مبينة) بكسر الياء اسم فاعل، لأنها تبين عدم انقيادها المفروض عليها، أو بفتحها اسم مفعول: أي إن سوء حالها يدل على تلك الفاحشة ويبينها (فإن فعلن) ذلك أي النشوز بأن ظهرت مقدماته منها فعظوهن، فإن لم ينزجرن به (فاهجروهنّ في المضاجع) في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف (واضربوهنّ ضرباً غير مبرح) بكسر الراء المشددة، ولا شائن بأن لا يجرحها ولا يكسر لها عظماً ويجتنب الوجه والمهالك فيضربن مع الهجران عند تحقق النشوز والعصيان وهو ضرب تأديب وتعزير. قال الروياني في «البحر» : ويضربها بمنديل ملفوف أو بيده لا بسوط ولا عصى، وإباحة الضرب في هذه الحالة ولاية من الشرع للزوج لأخذ حقه. قال العز بن

عبد السلام: ليس لنا موضع يضرب المستحق من منع حقه غير هذا، والعبد إذا منع حق سيده، لأن الحاجة ماسة إلى ذلك فيهما لتعذر إثبات ذلك بسبب عدم الاطلاع وإنما يجوز ضربها إن علم أو ظن أنه يصلحها فإن علم عدم إفادته لم يجز (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً) بالتوبيخ والإيذاء؛ فالمعنى: فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان فيهن كأن لم يكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وهذه الجملة مقتبسة من معنى قوله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن} (النساء: ٣٤) إلى قوله: {سبيلاً} (ألا) أداة استفتاح أتى بها للتنبيه على ما بعدها لأنه حكم آخر (إن لكم على نسائكم حقاً) أمراً واجباً (ولنسائكم عليكم حقاً) هذا من عطف معمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز اتفاقاً (فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون) قال المازري: قيل المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال. قال القاضي عياض: كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء، ولم يكن ذلك

عيباً ولا ريبة عندهم، فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك اهـ.

قال المصنف: والمختار أن معناه لا يأذنّ لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم سواء كان المأذون له رجلاً أجنبياً أو امرأة أو أحد محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك. قلت: ولذا عقب بقوله: (ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون) أي تكرهون دخوله لمنزلكم من أنثى وذكر وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنه لا يحلّ لها أن تأذن لرجل ولا امرأة لا محرم ولا غيره في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه، لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن منه في ذلك أو ممن أذن له في الإذن في ذلك أو عرف رضاه به باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا ولم يترجح شيء ولا وجدت قرينة لا يحلّ الدخول ولا الإذن، والله أعلم اهـ. (ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) بإعطائهن ذلك بحسب اللائق بأحوالكم يساراً وإعساراً. وفي الحديث وجوب نفقة الزوجة وكسوتها عند عدم نحو النشوز وهو واجب إجماعاً (رواه الترمذي) في النكاح من جامعه (وقال: حديث حسن صحيح) وتقدم أن الجمع بين الوصفين المذكورين إن كان في متعدد السند فهو على تقدير واو العطف والتقدير حسن وصحيح: أي حسن باعتبار أحد الإسنادين، وصحيح باعتبار الآخر، وإلا فهو عى تقدير أو التي للترديد: أي أنه حسن أو صحيح: أي إن المحدثين اختلفوا في رجال سنده هل بلغوا درجة الصحة أو هم قاصرون على درجة الحسن، ورواه النسائي وابن ماجه (قوله: عوان) التنوين فيه للعوض عن الياء إن اعتبر الإعلال سابقاً على منع الصرف، أو عن الحركة إن اعتبر منع الصرف قبل اعتبار الإعلال، وقيل: إنه للصرف وهذا ضعيف جداً (أي أسيرات جمع عانية. بالعين المهملة) إن قلت: هذا القسم من جمع التكسير هو الذي ادعى النحاة فقده خارجاً ووجوده عقلاً وهو التغيير بالزيادة والنقص من غير تغيير الشكل. قلنا: يمكن أن يقال: إنه ليس كذلك، فإن حركات الجمع غير حركات المفرد فضمة الفاء في فلك جمعاً كضمة

همزة أسد وضمته مفرداً كضمة قاف قفل، وقد صرح بذلك شراح الكافية فكان ما ذكر كغلام وغلمان مما اجتع فيه التغيير بالنقص والزيادة

وتغيير الشكل (وهي الأسيرة والعاني: الأسير) ومنه حديث «أطعموا الجائع وفكوا العاني» قال في «النهاية» : العاني: الأسير وكل من ذلّ واستكان وخضع، يقال عنا يعنو فهو عان (شبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المرأة في دخولها تحت حكم الزوج) ووجوب طاعتها له (بالأسير) فيكون قوله: «فإنما هن عوان» من التشبيه البليغ على حد زيد أسد (والضرب المبرح) المنهيّ عنه (هو الشاق الشديد) قال في «المصباح» : برح به الضرب تبريحاً: اشتد وعظم (وقوله: فلا تبغوا عليهن سبيلاً: أي لا تطلبوا طريقاً تحتجون به عليهن) بعد توبتهن ورجوعهن إلى الطاعة (وتؤذوهن به) أي ولا تؤذوهن به، ويجوز أن تكون الواو للمعية والنصب بأن مضمرة لكونه في جواب النهي، لكن يوهم أن الممنوع منه إنما هو طلب الطريق المذكور مع الإيذاء، أما طلبها من غير إيذاء فلا نهي عنه وليس كذلك، بل منهي عن التعرض لها بعد التوبة مطلقاً (والله أعلم) .

٢٧٧٥ - (وعن معاوية) بالعين المهملة وبالتحتية بعد الواو المكسورة (ابن حيدة) بمهملة مفتوحة وسكون تحتية وفتح دال مهملة فهاء تأنيث كذا في «المغني» ، ابن معاوية بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري من أهل البصرة، غزا (رضي الله عنه) خراسان ومات بها، وهو جدّ بهز بن حكيم بن معاوية، وروى عنه ابنه حكيم بن معاوية، وسئل يحيى بن معين عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده فقال: إسناد صحيح إذا كان من دون بهز: ثقة (قال: قلت يا رسول الله) ورواه ابن الأثير في «أسد الغابة» عنه «أن رجلاً سأل رسول الله: ما حقّ المرأة على الزوج؟» إلى آخر الحديث، ولا تنافي لاحتمال التعدد أو أنه أبهم نفسه في تلك الرواية إما نسياناً لعين السائل أو لغرض آخر (ما حقّ زوجة أحدنا عليه) أي ما واجبها عليه (قال: أن تطعمها) بضم الفوقية (إذا طمعت) بكسر العين أي

أكلت (وتكسوها) بفتح التاء الفوقية والواو (إذا اكتسيت) ومعنى كونه فرضاً عليه إذا كان لا يأكل زائداً على فرض القوت، أما لو كان مترفها في المطعم والملبس فما زاد على الواجب لها فنفل منه وإحسان عليها (ولا تضرب الوجه) لأنه عضو لطيف والشين فيه شنيع (ولا تقبح) بتشديد الباء الموحدة المكسورة: أي لا تقل قبح الله وجهك أو لا تقل ما أقبح هذا الخلق، فإن ذمّ الصنعة ذم لصانعها (ولا تهجر) عند النشوز (إلا في البيت) فاترك مضاجعتها ولا تترك كلامها عند حاجتها (حديث حسن رواه أبو داود) في كتاب النكاح من سننه والنسائي وابن ماجه (وقال) أي أبو داود (معنى لا تقبح أي) تفسير لمعنى الجملة (لا تقل قبحك ا) وهذا أحد احتمالين فيه.

٢٧٨٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: أكمل المؤمنين) أي من أكملهم (إيماناً) منصوب على التمييز عن أفعل التفضيل وهو فاعله من حديث المعنى (أحسنهم خلقاً) بضم الخاء المعجمة واللام وسكونها، وتقدم أنه ملكة تبعث النفس على أفعال حميدة واكتساب شيم شريفة. وقال الحسن البصري: حقيقة حسن الخلق بذل المعروف وكفّ الأذى وطلاقة الوجه. قال الباجي: وتحسين الخلق أن يظهر منه لمن يجالسه أو يردّ عليه البشر والحلم والإشفاق والصبر على التعليم والتودد إلى الصغير والكبير. وقد اختلف فيه هل هو مكتسب أو غريزي، وجمع بين القولين بأنه غريزي باعتبار أصله ويقوى وينمو بالكسب. قال الحافظ في «الفتح» : ومحصل ما أجاب العلماء عن الأحاديث المختلف فيها الأجوبة بأن أفضل الأعمال كذا أن اختلاف الجواب لاختلاف حال السائلين بأن أعلم كلا بما يحتاج إليه أو بما لهم فيه رغبة أو بما هو اللائق، أو أن اختلافه باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره - فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن منها، وقد

تظافرت الأدلة على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليس على بابه بل المراد الفضل المطلق، أو أن المراد من أفضل فحذفت من وهي مرادة كما ورد «خيركم خيركم لأهله» ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقاً، فعلى هذا فأفضل الأعمال على الإطلاق الإيمان والباقيات متساوية في كونها من أفضلها وإن تفاوتت درجاتها بما ورد فيها اهـ. ملخصاً (وخياركم خياركم لنسائهم) .

وفي رواية «خيركم خيركم لأهله» قال في «النهاية» : هو إشارة إلى صلة الرحم والحثّ عليها. قيل: ولعل المراد من حديث الباب أن يعامل زوجته بطلاقة الوجه وكفّ الأذى والإحسان إليها والصبر على أذاها. قلت: ويحتمل أن الإضافة فيه للعهد والمعهود هو النبيّ، والمراد أنا خيركم لأهلي، وقد كان أحسن الناس لأهله وأصبرهم على اختلاف أحوالهم (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح) وكذا رواه ابن حبان.

٢٧٩٧ - (وعن إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية وبعد الألف سين مهملة (ابن عبد الله بن أبي ذباب) بضم المعجمة وخفة الموحدة الأولى كما في «المغني» . الدوسي وقيل المزني والأوّل أكثر (رضي الله عنه) سكن مكة، قال أبو عمرو: له صحبة، وقال ابن منده وأبو نعيم: اختلف في صحبته، كذا في «أسد الغابة» ، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث.

(قال: قال رسول الله: لا تضربوا إماء ا) الإماء بكسر الهمزة وبالمد بوزن كتاب جمع أمة وهي محذوفة اللام والهاء عوض عنها والأصل أموة بفتحات، ولذا يرد في التصغير فيقال أمية والأصل أميوة، ويجمع أيضاً على آإم بوزن قاض وعلى إموان بوزن إسلام، وقد يجمع على أموات بوزن سنوات، والمراد بإماء الله النساء: أي لا تضربوهن ظاهره على كل حال (فـ) ـلذا (جاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ذئرن النساء) سيأتي ضبطه ومعناه وهو على لغة أكلوني البراغيث، والفصيح تجريد الفعل من علامة الجمع بأن يقال ذئر أو ذئرت بالتاء، والثاني أفصح لأن المسند لجمع التكسير الأفصح إلحاق التاء آخره، ورأيته في أصل آخر من «سنن أبي داود» ذئر النساء بحذف

النون (على أزواجهن) لما سمعن المنع عن ضربهن مطلقاً (فرخص في ضربهن) من الرخصة، وهي تغيير الحكم من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام سبب حكم الأصل، وسبب المنع الرفق بهن وهو قائم حال إباحته للعذر وهو دوام الزوجية والقيام بحقوقها عند حقوقهن من ترك ذلك (فأطاف بآل رسول الله) أي بأزواجه وسراريه، وليس المراد بالآل من تحرم عليهم الزكاة (نساء كثير) من صيغ جمع الكثرة (يشكون أزواجهن) أي ضربهم. (فقال رسول الله: لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك) أي الضاربون لأزواجهم (بخياركم) وذلك لأنه يؤذن بحرج الصدر وضيق النفس، ذلك خلاف حسن الخلق الذي هو من أوصاف الخيار.

(رواه أبو داود) في كتاب النكاح (بإسناد صحيح) ورواه النسائي وابن ماجه.

(قوله) في الحديث (ذئرن هو بذال معجمة مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم راء ساكنة ثم نون: أي اجترأن) عليهم ونشزن (قوله أطاف: أي أحاط) وهو متعد بالباء أيضاً، يقال أطاف بالشيء: أي أحاط به.

٢٨٠٨ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) بإثبات الياء كما هو الفصيح، وتقدم تحقيق ذلك في باب الاقتصاد وتقدمت ترجمته في باب بيان كثرة طرق الخير (رضي الله عنهما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: الدنيا متاع) أي شيء يتمتع به حيناً كما قال تعالى: {قل متاع الدنيا قليل} (النساء: ٣٣) (وخير متاع الدنيا) أتى بالاسم الظاهر موضع الضمير لزيادة الإيضاح (المرأة الصالحة) قال القرطبي: فسرت في الحديث بقوله: «التي إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله» (رواه مسلم) في كتاب النكاح وأحمد والنسائي.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

وفي حديث مرفوع: «لو كان جريج عالمًا لعلم أنَّ إجابته أمه أولى من صلاته» .

وفي الحديث: إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع.

وفيه: أنّ صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن.

وفيه: إثبات كرامات الأولياء.

وفي الحديث أيضًا: أنّ نفوس أهل الدنيا تقف مع الخيال الظاهر، بخلاف أهل الحقيقة. كما قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ} [القصص (٧٩، ٨٠) ] .

[٣٣- باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين]

والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم

والتواضع معهم وخفض الجناح لهم

قَالَ الله تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر (٨٨) ] .

أي: ليَّن جانبك. وهذا خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - محرضًا له على مكارم الأخلاق، ومحاسنها، وهو عام لجميع أمته. قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} [الأحزاب (٢١) ] .

وَقالَ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف (٢٨) ] .

أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحبس نفسه مع الذين يعبدون الله في سائر الأوقات، وأنْ لا يجاوزهم ناظرًا إلى غيرهم من ذوي الهيئات.

وَقالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ} [الضحى (٩) ] .

أي: لا تغلبه بالظلم، وكُن له كالأب الرحيم.

وَقالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} [الضحى (١٠) ] .

أي: لا تزجره، ولكن أعطه، أو رده ردًا جميلاً.

وَقالَ تَعَالَى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون (١: ٣) ] .

الاستفهام للتعجب من المكذب بالجزاء والبعث.

قوله: {يَدُعُّ الْيَتِيمَ} ، أي: يدفعه دفعًا عنيفًا، ولا يحض أهله وغيرهم. على طعام المسكين.

[٢٦٠] وعن سعد بن أَبي وَقَّاص - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: اطْرُدْ هؤلاء لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، وَكُنْتُ أنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ. وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ في نفس رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفسَهُ، فَأنْزَلَ اللهُ تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ... [الأنعام (٥٢) ] . رواه مسلم.

في بعض كتب التفسير أنهم لما عرضوا ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له: اجعل لنا يومًا ولهم يومًا، فَهَمَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك فأنزل الله: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام (٥٢) ] ، فنهاه عن طردهم ووصفهم

بأحسن أوصافهم، وأمر بأن يصبر نفسه معهم فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رآهم يقول: «مرحبًا بالذين عاتبني الله فيهم» . وإذا جالسهم لم يقم عنهم، حتى يكونوا هم الذين يبدأون بالقيام.

[٢٦١] وعن أَبي هُبَيرَة عائِذ بن عمرو المزنِي وَهُوَ مِنْ أهْل بيعة الرضوان ... - رضي الله عنه - أنَّ أبا سُفْيَانَ أتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبلَالٍ في نَفَرٍ، فقالوا: مَا

أخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِنْ عَدُوِّ الله مَأْخَذَهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - أتَقُولُون هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيدِهِمْ؟ فَأتَى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَأخْبَرهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَعلَّكَ أغْضَبتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أغْضَبتَ رَبَّكَ» فَأَتَاهُمْ فَقَالَ: يَا إخْوَتَاهُ، أغْضَبْتُكُمْ؟ قالوا: لا، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أُخَيَّ. رواه مسلم.

قولُهُ: «مَأْخَذَهَا» أيْ: لَمْ تَسْتَوفِ حقها مِنْهُ. وقوله: «يَا أُخَيَّ» : رُوِي بفتحِ الهمزةِ وكسرِ الخاءِ وتخفيف الياءِ، وَرُوِيَ بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد الياءِ.

كان إتيان أبي سفيان المدينة، وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، وقول أبي بكر تألفًا لأبي سفيان.

وفي هذا الحديث: احترام الصالحين واتقاء ما يؤذيهم أو يغضبهم.

[٢٦٢] وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أَنَا وَكَافلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ هَكَذا» . وَأَشارَ بالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا. رواه البخاري.

و «كَافلُ اليَتيم» : القَ‍ائِمُ بِأمُوره.

قال ابن بطال: حقٌ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به، فيكون رفيق النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنة.

[٢٦٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كَافلُ اليَتيِم لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ في الجَنَّةِ» . وَأَشَارَ الرَّ اوِي وَهُوَ مَالِكُ بْنُ أنَس بالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى. رواه مسلم.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اليَتِيمُ لَهُ أَوْ لِغَيرِهِ» مَعْنَاهُ: قَريبُهُ، أَو الأجْنَبيُّ مِنْهُ، فالقَريبُ مِثلُ أنْ تَكْفَلهُ أمُّهُ أَوْ جَدُّهُ أَوْ أخُوهُ أَوْ غَيرُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ، والله أعْلَمُ.

قال النووي: هذه الفضيلة تحصل لمن كفل اليتيم من مال نفسه، أو مال اليتيم، بولاية شرعية.

[٢٦٤] وعنه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ المِسْكينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّمَا المِسكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية في الصحيحين: «لَيْسَ المِسكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، وَالتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ غنىً يُغْنِيه، وَلا يُفْطَنُ لهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيهِ، وَلا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ» .

أي: ليس المسكين الممدوح من المساكين، الأحق بالصدقة والأحوج بها سوى المتعفف.

قال الخطابي: إنما نفى - صلى الله عليه وسلم - المسكنة عن السائل الطواف، لأنه تأتيه الكفاية، وقد تأتيه الزكاة فتزول خصاصته، وإنما تدوم الحاجة فيمن لا يسأل ولا يعطى.

[٢٦٥] وعنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالمُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ» وَأحسَبُهُ قَالَ: «وَكالقَائِمِ الَّذِي لا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ الَّذِي لا يُفْطِرُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الأرملة: المرأة التي لا وزج لها. والأرامل: المساكين من رجال ونساء، والساعي عليهما، وهو المكتسب لهما بما يمونهما به.

[٢٦٦] وعنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ» . رواه مسلم.

وفي رواية في الصحيحين، عن أَبي هريرة من قوله: «بئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدْعَى إِلَيْهَا الأغْنِيَاءُ ويُتْرَكُ الفُقَراءُ» .

الوليمة: الطعام المتخذ للعرس، وتقع على كل دعوة تتخذ لسرور حادث، كختان ونحوه.

وفي الحديث: مراعاة الفقراء، والتلطف بهم، وإجابة الداعي.

[٢٦٧] وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْن حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ» وضَمَّ أصَابِعَهُ. رواه مسلم.

«جَارِيَتَيْنِ» أيْ: بنتين.

في هذا الحديث: الثواب العظيم لمن قام على البنات بالمؤونة والتربية حتى يتزوجن.. وكذلك الأخوات.

[٢٦٨] وعن عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأةٌ وَمَعَهَا ابنتان لَهَا، تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيئاً غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحدَةٍ، فَأعْطَيْتُهَا إيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْها ولَمْ تَأكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرجَتْ، فَدَخَلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -

عَلَينَا، فَأخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «مَنِ ابْتُليَ مِنْ هذِهِ البَنَاتِ بِشَيءٍ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتراً مِنَ النَّارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

قال القرطبي: يفيد هذا الحديث بعمومه أن الستر من النار يحصل بالإحسان إلى واحدة من البنات، فإذا عال زيادة على الواحدة فيحصل له زيادة على السترِ السبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الجنة كما في الحديث السابق.

[٢٦٩] وعن عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءتني مِسْكينةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأطْعَمْتُها ثَلاثَ تَمرَات، فَأعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهُمَا تَمْرَةً وَرَفَعتْ إِلَى فِيها تَمْرَةً لِتَأكُلها، فَاسْتَطعَمَتهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتي كَانَتْ تُريدُ أنْ تَأكُلَهَا بَيْنَهُما، فَأعجَبَنِي شَأنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «إنَّ الله قَدْ أوْجَبَ لَهَا بها الجَنَّةَ، أَوْ أعتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: فضل الإثيار على النفس، ورحمة الصغار، ومزيد الإحسان والرفق بالبنات وأن ذلك سبب لدخول الجنة والعتق من النار.

[٢٧٠] وعن أَبي شُرَيحٍ خُوَيْلِدِ بن عمرو الخزاعِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَينِ: اليَتِيم وَالمَرْأةِ» . حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيد.

ومعنى «أُحَرِّجُ» : أُلْحِقُ الحَرَجَ وَهُوَ الإثْمُ بِمَنْ ضَيَّعَ حَقَّهُمَا، وَأُحَذِّرُ مِنْ ذلِكَ تَحْذِيراً بَليغاً، وَأزْجُرُ عَنْهُ زجراً أكيداً.

أنما حرج النبي - صلى الله عليه وسلم - حق اليتيم والمرأة، لأنهما لا قوة لهما ولا ملجأ إلا إلى الله تعالى.

[٢٧١] وعن مصعب بن سعد بن أَبي وقَّاص رضي الله عنهما، قَالَ: رَأى سعد أنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ تُنْصرُونَ وتُرْزَقُونَ إلا بِضُعَفَائِكُمْ» . رواه البخاري هكذا مُرسلاً، فإن مصعب بن سعد تابعيٌّ، ورواه الحافظ أَبُو بكر البرقاني في صحيحه متصلاً عن مصعب عن أبيه - رضي الله عنه -.

قال ابن بطال: تأويل الحديث أنَّ الضعفاء أشد إخلاصًا في الدعاء وأكثر خشوعًا في العبادة، لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا.

[٢٧٢] وعن أَبي الدَّرداءِ عُويمر - رضي الله عنه - قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «ابْغُوني الضُّعَفَاء، فَإنَّمَا تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ، بِضُعَفَائِكُمْ» . رواه أَبُو داود بإسناد جيد.

الضعفاء: صعاليك المسلمين، أي ائتوا بهم لأستعين بهم.

وفي رواية:: «ابغوني في الضعفاء» .

وفي أحاديث الباب: الانقطاع إلى الله سبحانه وإعانة الفقراء، وإغاثة المنقطعين وعدم رؤية النفس، والحذر من التعرُّض لإيذاء أحد من الضعفاء.

[٣٤- باب الوصية بالنساء]

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف} [النساء (١٩) ] .

المعاشرة بالمعروف: حُسْن الخلق. أي: أجملوا بالقول والفعل معهن.

وَقالَ تَعَالَى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} [النساء (١٢٩) ] .

معنى الآية: أنَّ الرجال لا يستطيعون العدل بين النساء من جميع الوجوه؛ لأنه لا بُدَّ من التفاوت في المحبة والشهوة، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه، فلا تميلوا كل الميل إلى واحدة فتتركوا الأخرى كالمعلقة، لا ذات بعل ولا مطلقة.

[٢٧٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْراً؛ فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وَإنَّ أعْوَجَ مَا في الضِّلَعِ أعْلاهُ، فَإنْ ذَهَبتَ تُقيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإنْ تَرَكْتَهُ، لَمْ يَزَلْ أعْوجَ، فَاسْتَوصُوا بالنِّساءِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية في الصحيحين: «المَرأةُ كالضِّلَعِ إنْ أقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإن اسْتَمتَعْتَ بِهَا، اسْتَمتَعْتَ وفِيهَا عوَجٌ» .

وفي رواية لمسلم: «إنَّ المَرأةَ خُلِقَت مِنْ ضِلَع، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَريقة، فإن اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفيهَا عوَجٌ، وإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَها، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا» .

قوله: «عَوَجٌ» هُوَ بفتح العينِ والواوِ.

العوج: بفتحتين في الأجساد، وبكسر العين في المعاني فالصواب الكسر، قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف (١) ]

وفي الحديث: إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم عليهما السلام، وأن طبيعة المرأة الاعوجاج فلا بد من الصبر عليهن والرفق بهن.

[٢٧٤] وعن عبد الله بن زَمْعَةَ - رضي الله عنه - أنَّهُ سَمِعَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ، وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَهَا، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: « {إِذ انْبَعَثَ أشْقَاهَا} انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزيزٌ، عَارِمٌ مَنيعٌ في رَهْطِهِ» ، ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ، فَوعَظَ فِيهنَّ، فَقَالَ: «يَعْمِدُ أحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرَأتَهُ جَلْدَ العَبْدِ فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَومِهِ» ثُمَّ وَعَظَهُمْ في ضَحِكِهمْ مِنَ الضَّرْطَةِ، وَقالَ: «لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟!» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

«وَالعَارِمُ» بالعين المهملة والراء: هُوَ الشِّرِّيرُ المفسِدُ، وقوله: «انْبَعَثَ» ، أيْ: قَامَ بسرعة.

في هذا الحديث: إيماء إلى جواز الضرب اليسير للنساء، بحيث لا يحصل معه النفور، لأن المجامعة إنما تستحسن مع الرغبة في العشرة فيستبعد وقوع الضرب الشديد، والمضاجعة في يوم واحد من عاقل.

[٢٧٥] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقاً رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» ، أَوْ قَالَ: «غَيْرَهُ» . رواه مسلم.

وقولُهُ: «يَفْرَكْ» هُوَ بفتح الياءِ وإسكان الفاء وفتح الراءِ معناه: يُبْغِضُ، يقالُ: فَرِكَتِ المَرأةُ زَوْجَهَا، وَفَرِكَهَا زَوْجُهَا، بكسر الراء يفْرَكُهَا بفتحها: أيْ أبْغَضَهَا، والله أعلم.

أي ليس لمؤمن أن يبغض زوجته المؤمنة، لأنه إن وجد منها خلقًا يكرهه، كسوء خلق، رضي منها خلقًا يحبه، كالعفاف والمعاونة، ونحو ذلك.

[٢٧٦] وعن عمرو بن الأحوصِ الجُشَمي - رضي الله عنه - أنَّهُ سَمِعَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَدَاعِ يَقُولُ بَعْدَ أنْ حَمِدَ الله تَعَالَى، وَأثْنَى عَلَيهِ وَذَكَّرَ وَوَعظَ، ثُمَّ قَالَ: «ألا وَاسْتَوصُوا بالنِّساءِ خَيْراً، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئاً غَيْرَ ذلِكَ إلا أنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِع، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فإنْ أطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيهنَّ سَبيلاً؛ ألا إنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّاً، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً؛ فَحَقُّكُمْ عَلَيهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ؛ ألا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ في كِسْوَتِهنَّ وَطَعَامِهنَّ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» .

قوله - صلى الله عليه وسلم -: «عَوان» أيْ: أسِيرَاتٌ جَمْع عَانِيَة، بالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وَهِيَ الأسِيرَةُ، والعاني: الأسير. شَبَّهَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المرأةَ في دخولِها تَحْتَ حُكْمِ الزَّوْجِ بالأَسيرِ «وَالضَّرْبُ المبَرِّحُ» : هُوَ الشَّاقُ الشَّدِيد

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فَلا تَبْغُوا عَلَيهنَّ سَبِيلاً» أيْ: لا تَطْلُبُوا طَريقاً تَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَيهِنَّ وَتُؤْذُونَهُنَّ بِهِ، والله أعلم.

حق الزوج على المرأة الاسمتاع، وأن تحفظه في نفسها وماله، فإنْ نشزت أو أساءت العشرة هجرها في المضجع، فإن أصرَّت ضَرَبَها ضربًا غير مبرح، بأنْ لا يجرحها ولا يكسر لها عظمًا، ويجتنب الوجه والمقاتل، وحق المرأة على الزوج نفقتُها وكسوتها عند عدم النشوز.

[٢٧٧] وعن معاوية بن حيدة - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله، مَا حق زَوجَةِ أَحَدِنَا عَلَيهِ؟ قَالَ: «أنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلا تَضْرِبِ الوَجْهَ، وَلا تُقَبِّحْ، وَلا تَهْجُرْ إلا في البَيْتِ» . حديثٌ حسنٌ رواه أَبُو داود، وَقالَ: معنى «لا تُقَبِّحْ» : لا تقل: قبحكِ الله.

في هذا الحديث: وجوب إطعام المرأة وكسوتها، والنهي عن تقبيحها وضرب وجهها، وجواز هجرها في البيت تأديبًا لها.

[٢٧٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أكْمَلُ المُؤمِنِينَ إيمَاناً أحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وخِيَارُكُمْ خياركم لِنِسَائِهِمْ» . رواه الترمذي، وَقالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: دليل على أنّ حسن الخلق من أفضل الأعمال.

وفيه: الحث على معاملة الزوجة بالإحسان إليها، وطلاقة الوجه، وكف الأذى عنها، والصبر على أذاها.

[٢٧٩] وعن إياس بن عبد الله بن أَبي ذباب - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَضْرِبُوا إمَاء الله» . فجاء عُمَرُ - رضي الله عنه - إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أزْوَاجِهِنَّ، فَرَخَّصَ في ضَرْبِهِنَّ، فَأطَافَ بآلِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نِسَاءٌ كَثيرٌ يَشْكُونَ أزْواجَهُنَّ، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَقَدْ أطَافَ بِآلِ بَيتِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كثيرٌ يَشْكُونَ أزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أولَئكَ بخيَارِكُمْ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

قوله: «ذَئِرنَ» هُوَ بذَال مُعْجَمَة مفْتوحَة، ثُمَّ هَمْزة مَكْسُورَة، ثُمَّ راءٍ سَاكِنَة، ثُمَّ نُون، أي: اجْتَرَأْنَ، قوله: «أطَافَ» أيْ: أحَاطَ.

ضرب المرأة يكون من حرج الصدر، وضيق النفس، وذلك خلاف حسن الخلق الذي هو من أوصاف الخيار، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس أولئك بخياركم» .

[٢٨٠] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» . رواه مسلم.

قال القرطبي: فُسِّرت: المرأة الصالحة في الحديث بقوله: «التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسِهَا وماله» .

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.6 / 29.5
الإضاءة 66%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله