معنى «ارقبوه»: راعوه واحترموه وأكرموه، والله أعلم. ٤٤ - باب توقير العلماء…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٣٤٧

الحديث رقم ٣٤٧ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب إكرام أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبيان فضلهم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: معنى «ارقبوه»: راعوه واحترموه وأكرموه، والله…

معنى «ارقبوه»: راعوه واحترموه وأكرموه، والله أعلم.

٤٤ - باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم عَلَى غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم

قَالَ الله تَعَالَى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} [الزمر: ٩].

سند حديث: ٣٤٧ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن أَبي…

٣٤٧ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن أَبي بكر الصديق - رضي الله عنه - مَوقُوفًا عَلَيهِ - أنَّهُ قَالَ: ارْقَبُوا مُحَمدًا - صلى الله عليه وسلم - في أهْلِ بَيْتِهِ. رواه البخاري. (١)

رواة الحديث

شرح حديث: معنى «ارقبوه»: راعوه واحترموه وأكرموه، والله…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٤٣ ـ باب إكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان فضلهم]

قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) [الأحزاب: ٣٣] .

وقال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: ٣٢] .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله: باب إكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان فضلهم: وأهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم: ينقسمون إلى قسمين:

قسم كفار فهؤلاء ليسوا من أهل بيته وإن كانوا أقارب له في النسب، لكنهم ليسوا من أهل بيته؛ لأن الله قال لنوح عليه الصلاة والسلام حين قال: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) ، وكان ابنه كافر قال: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) [هود: ٤٦] .

فالكفار من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسوا من أهل بيته، وإن كانوا أقارب له نسباً.

لكن أهل بيته هم المؤمنون من قرابته صلى الله عليه وسلم، ومنهم أيضاً زوجاته، فإن زوجاته رضى الله عنهن من آل بيته، كما قال الله تعالى في سياق نساء أمهات المؤمنين: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا

تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) [الأحزاب: ٣٢، ٣٣] .

وهذا نص صريح واضح جداً بأن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم من آل بيته، خلافاً للرافضة الذين قالوا: إن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ليسوا من أهل بيته، فزوجاته من أهل بيته بلا شك.

ولأهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين حقان: حق الإيمان، وحق القرابة من الرسول صلى الله عليه وسلم.

وزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، كما قال تعالى في كتابه (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب: ٦] .

فأزواج الرسول صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين، وهذا بالإجماع، فمن قال: إن عائشة رضي الله عنها ليست أماً لي فليس من المؤمنين لأن الله قال: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فمن قال: إن عائشة رضي الله عنها ليست أماً للمؤمنين؛ فهو ليس بمؤمن؛ لا مؤمن بالقرآن ولا بالرسول صلى الله عليه وسلم.

وعجباً لهؤلاء؛ يقدحون في عائشة ويسبونها ويبغضونها وهي أحب زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يحب أحداً من نسائه مثل ما يحبها، كما صح ذلك عنه في البخاري أنه قيل: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال ((عائشة)) . قالوا: فمن الرجال؟ قال

((أبوها)) أبو بكر رضي الله عنه.

وهؤلاء القوم يكرهون عائشة ويسبونها ويلعنونها، وهي أقرب نساء الرسول إليه، فكيف يقال: إن هؤلاء يحبون الرسول؟ وكيف يقال: إن هؤلاء يحبون آل الرسول؟ ولكنها دعاوى كاذبة لا أساس لها من الصحة.

فالواجب علينا احترام آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم من قرابته المؤمنين، ومن زوجاته أمهات المؤمنين، كلهم آل بيته ولهم حق.

ثم ذكر المؤلف الآية التي سقناها الآن (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) . نقاء وطهارة، أي النجس المعنوي، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) بعد إزالة النجاسة. والتطير: تخلية وتحلية، وقوله (تَطْهِيراً) هذا مصدر مؤكد لم سبق، يدل على أنها طهارة كاملة.

ولهذا من رمى واحدة من نساء الرسول صلى الله عليه وسلم بالزنى ـ والعياذ بالله ـ فإنه كافر حتى لو كانت غير عائشة.

عائشة الذي يرميها بما برأها الله منه كافر مكذب لله، يحل دمه وماله، وأما الذي يرمي سواها بالزنى فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه كافر أيضاً؛ لأن هذا أعظم قدح برسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يكون فراشه ممن يزنين والعياذ بالله، وقد قال الله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ

لِلْخَبِيثَاتِ) [النور: ٢٦] .

فمن رمى واحدة من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بالزنى فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ـ وحاشاه من ذلك ـ جعله خبيثاً ـ نعوذ بالله ـ لأن الله يقول (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) وبهذا يعرف أن المسألة خطيرة وعظيمة، وأن الواجب علينا أن نكن المحبة الصادقة لجميع آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم؛ نسائه كلهن والمؤمنين من قرابته.

* * *

١/٣٤٦ ـ وعن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمرو ابن مسلم إلى زيد بن أرقم رضي الله عنهم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدثتكم، فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباًَ بماء يدعى خمّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ، وذكر، ثم قال:

((أما بعد: ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به)) فحث على كتاب الله، ورغب فيه ثم قال: ((وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي)) .

فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟

قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال هم آل على، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس.

قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟

قال: نعم رواه مسلم.

وفي رواية: ((آلا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله وهو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة)) .

٢/٣٤٧ ـ وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه موقوفاً عليه أنه قال: ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته. رواه البخاري

معنى ((ارقبوا)) راعوه واحترموه وأكرموه، والله أعلم.

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث وهذا الأثر في بيان حق آل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق أن آل بيته هم زوجاته ومن كان مؤمناً من قرابته، من آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس، وهم الذين تحرم عليهم الصدقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس وقد سأله عن الصدقة، قال: ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس،

وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) .

وآل محمد لهم خصائص ليست لغيرهم، ففي باب الفيء لهم حق يختصون به، كما قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) [الأنفال: ٤١] يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولهم كرامة وشرف وسيادة، فلا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة الواجبة؛ لأنها أوساخ الناس، كما قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) [التوبة: ١٠٣] ، فلا يحل لهم الصدقة؛ فهم أشرف وأعلى من أن تحل لهم الصدقة، لكن يعطون بدلها من الخمس.

ثم بين في حديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم غدير خم؛ وهو غدير بين مكة والمدينة، نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ووعد وذكر، وحث على القرآن، وبين أن فيه الشفاء والنور، ثم حث على أهل بيته، فقال: ((أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)) .

ولم يقل إن أهل بيته معصومون، وإن أقوالهم كالقرآن يجب أن يعمل بها، كما تدعيه الرافضة، فإنهم ليسوا معصومين، بل هم يخطئون كما يخطئ غيرهم، ويصيبون كما يصيب غيرهم، ولكن لهم حق قرابة النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق.

وقوله: ((أذكركم الله في أهل بيتي)) : يعني اعرفوا لهم حقهم، ولا تظلموهم، ولا تعتدوا عليهم، هذا من باب التوكيد، وإلا فكل إنسان مؤمن له حق على أخيه، لا يحق له أن يعتدي عليه، ولا أن يظلمه؛ لكن

لآل النبي صلى الله عليه وسلم حق زائد على حقوق غيرهم من المسلمين.

وإذا كان الرسول هذا في حق آل النبي صلى الله عليه وسلم فما بالك بحق الرسول صلى الله عليه وسلم؟

حق الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الحقوق بعد الله؛ يجب أن يقدم على النفس والولد والأهل وعلى جميع الناس، في المحبة والتعظيم وقبول هديه وسنته صلى الله عليه وسلم، فهو مقدم على كل أحد صلى الله عليه وسلم. نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين من أتباعه ظاهراً وباطناً.

[٤٤ ـ باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبيهم]

قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: ٩] .

١/٣٤٨ ـ وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سناً، ولا يؤمَنَ الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه)) رواه مسلم.

وفي رواية له: ((فأقدمهم سِلماً)) : بدل ((سِنا)) أو إسلاماً.

وفي رواية: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء فيؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً)) .

والمراد ((بسلطانه)) محل ولايته، أو الموضع الذي يختص به.

((وتكرمته)) بفتح التاء وكسر الراء: وهي ما ينفرد به من فراش وسرير ونحوهما.

٢/٣٤٩ ـ وعنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول:

((استووا ولا تختلفوا، فتختلف، قلوبكم، لِيلِني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) رواه مسلم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لِيلِني)) هو بتخفيف النون وليس قبلها ياء، وروي بتشديد النون مع ياء قبلها ((والنهى)) : العقول، ((وأولو الأحلام)) هم البالغون، وقيل: أهل الحلم والفضل.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب توقير العلماء، وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم، يعني وما يتعلق بهذا من المعاني الجليلة.

يريد المؤلف ـ رحمه الله ـ بالعلماء علماء الشريعة الذين هم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن العلماء ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، فإن النبي صلى عليه وسلم توفي عن بنته فاطمة وعمه العباس ولم يرثوا شيئاً؛ لأن الأنبياء لا يورثون إنما ورثوا العلم.

فالعلم شريعة الله فمن أخذ بالعلم؛ أخذ بحظ وافر من ميراث العلماء.

وإذا كان الأنبياء لهم حق التبجيل والتعظيم والتكريم، فلمن ورثهم نصيب من ذلك، أن يبجل ويعظم ويكرم، فلهذا عقد المؤلف رحمه الله لهذه المسألة العظيمة باباً؛ لأنها مسألة عظيمة ومهمة.

وبتوقير العلماء توقر الشريعة؛ لأنهم حاملوها، وبإهانة العلماء تهان الشريعة؛ لأن العلماء إذا ذلوا وسقطوا أمام أعين الناس؛ ذلت الشريعة التي يحملونها، ولم يبق لها قيمة عند الناس، وصار كل إنسان يحتقرهم ويزدريهم فتضيع الشريعة.

كما أن ولاة الأمر من الأمراء والسلاطين يجب احترامهم وتوقيرهم تعظيمهم وطاعتهم، حسب ما جاءت به الشريعة؛ لأنهم إذا احتقروا أمام الناس، وأذلوا، وهون أمرهم؛ ضاع الأمن وصارت البلاد فوضى، ولم يكن للسلطان قوة ولا نفوذ.

فهذان الصنفان من الناس: العلماء والأمراء، إذا احتقروا أمام أعين الناس فسدت الشريعة، وفسدت الأمن، وضاعت الأمور، وصار كل إنسان يرى أنه هو العالم، وكل إنسان يرى لأنه هو الأمير، فضاعت الشريعة وضاعت البلاد، ولهذا أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمور من العلماء والأمراء فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩] .

ونضرب لكم مثلاً: إذا لم يعظم العلماء والأمراء، فإن الناس إذا سمعوا من العالم شيئاً قالوا: هذا هين، قال فلان خلاف ذلك.

أو قالوا: هذا هين هو يعرف ونحن نعرف، كما سمعنا عن بعض السفهاء الجهال، أنهم إذا جودلوا في مسألة من مسائل العلم، وقيل لهم: هذا قول الإمام أحمد بن حنبل، أو هذا قول الشافعي، أو قول مالك، أو قول أبي حنيفة، أو قول سفيان، أو ما أشبه ذلك قال: نعم، هم رجال ونحن رجال، لكن فرق بين رجولة هؤلاء ورجولة هؤلاء، من أنت حتى

تصادم بقولك وسوء فهمك وقصور علمك وتقصيرك في الاجتهاد وحتى تجعل نفسك نداً لهؤلاء الأئمة رحمهم الله؟

فإذا استهان الناس بالعلماء كل واحد يقول: أنا العالم، أنا النحرير، أنا الفهامة، أنا العلامة، أنا البحر الذي لا ساحل له وصار كل يتكلم بما شاء، ويفتي بما شاء، ولتمزقت الشريعة بسبب هذا الذي يحصل من بعض السفهاء.

وكذلك الأمراء، إذا قيل لواحد مثلاً: أمر الولي بكذا وكذا، قال: لا طاعة له؛ لأنه مخل بكذا ومخل بكذا، وأقول: إنه إذا أخل بكذا وكذا، فذنبه عليه، وأنت مأمور بالسمع والطاعة، حتى وإن شربوا الخمور وغير ذلك ما لم نر كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، وإلا فطاعتهم واجبة؛ ولو فسقوا، ولو عتو، ولو ظلموا.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)) .

وقال لأصحابه فيما إذا أخل الأمراء بواجبهم، قال: ((اسمعوا وأطيعوا فإنما عليكم ما حملتم وعليهم ما حملوا)) .

أما أن نريد أن تكون أمراؤنا كأبي بكر وعمر، وعثمان وعلى، فهذا لا يمكن، لنكن نحن صحابة أو مثل الصحابة حتى يكون ولاتنا مثل خلفاء الصحابة.

أما والشعب كما نعلم الآن؛ أكثرهم مفرط في الواجبات، وكثير منتهك للحرمات، ثم يريدون أن يولي الله عليهم خلفاء راشدين، فهذا بعيد، لكن نحن علينا أن نسمع ونطبع، وإن كانوا هم أنفسهم مقصرين فتقصيرهم هذا عليهم. عليهم ما حملوا، وعلينا ما حملنا.

فإذا لم يوقر العلماء ولم يوقر الأمراء؛ ضاع الدين والدنيا. نسأل الله العافية.

ثم استدل المؤلف بقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الزمر: ٩] (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي) يعني لا يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون؛ لأن الجاهل متصف بصفة ذم، والعالم متصف بصفة مدح، ولهذا لو تعير أدنى واحد من العامة وتقول له: أنت جاهل، غضب وأنكر ذلك، مما يدل على أن الجهل عيب مذموم، كلُ ينفر منه، والعلم خير، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون في أي حال من الأحوال.

العالم يعبد الله على بصيرة، يعرف كيف يتوضأ، وكيف يصلي، وكيف يزكي، وكيف يصوم، وكيف يحج، وكيف يبر والديه، وكيف يصل رحمه.

العالم يهدي الناس (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) [الأنعام: ١٢٢] ، لا يمكن أن يكون هذا مثل هذا، فالعالم نور يهتدي به ويرفع الله به، والجاهل عالة على غيره، لا ينفع نفسه ولا غيره، بل إن أفتى بجهل؛ ضر نفسه وضر غيره، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.

ثم استدل المؤلف بحديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يؤم القوم

أقرؤهم لكتاب الله)) يعني يكون إماماً فيهم أقرؤهم كاتب الله ((فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا بالسنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً)) أي إسلاماً، وفي لفظ سناً أي أكبرهم سناً.

وهذا يدل على أن صاحب العلم مقدم على غيره؛ يقدم العلم بكتاب الله، ثم العالم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقدم من القوم في الأمور الدينية إلا خيرهم أفضلهم.

وهذا يدل على تقديم الأفضل فالأفضل في الإمامة، وهذا في غير الإمام الراتب، أما الإمام الراتب فهو الإمام وإن كان في الناس من هو أقرأ منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه)) وإمام المسجد الراتب سلطان في مسجده، حتى إن بعض العلماء يقول: لو أن أحداً تقدم وصلى بجماعة المسجد بدون إذن الإمام فصلاتهم باطلة، وعليهم أن يعيدوا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الإمامة، والنهي يقتضي الفساد، والله الموفق.

* * *

٣/٣٥٠ ـ وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لِيلِني مِنكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم)) ثلاثا ًً ((وإياكم وهيشاتِ الأسواق)) رواه مسلم،

٤/٣٥١ ـ وعن أبي يحيى وقيل: أبي محمد سهل بن أبي حثمة ـ بفتح الحاء المهملة، وإسكان التاء المثلثة الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال انطلق عبد الله ابن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دَمِهِ قتِيلاً، فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: ((كبر كبر)) وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما فقال: ((أتحلفون وتستحقون قاتلكم؟)) وذكر تمام الحديث. متفق عليه.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كبر كبر)) معناه: يتكلم الأكبر.

٥/٣٥٢ وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد يعني في القبر، ثم يقول: ((أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟)) فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد. رواه البخاري.

٦/٣٥٣ ـ وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((أراني في المنام أتسوك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما)) رواه مسلم مسنداً، والبخاري تعليقاً.

٧/٣٥٤ ـ وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله وعليه: ((إن من

إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط)) حديث حسن رواه أبو داود.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث فيها الإشارة إلى ما سبق عن المؤلف ـ رحمه الله ـ من إكرام أهل العلم وأهل الفضل الكبير، فمن ذلك حديث عبد الله ين مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم)) قال ذلك ثلاثاً، ((وإياكم وهيشات الأسواق)) وفي قوله: ((ليلني منكم)) اللام لام الأمر، والمعنى أنه في الصلاة ينبغي أن يتقدم أولو الأحلام والنهي.

وأولو الأحلام: يعني الذين بلغوا الحلم وهم البالغون، والنهي جمع نهية وهي العقل، يعني العقلاء فالذي ينبغي أن يتقدم في الصلاة العاقلون البالغون؛ لأن ذلك أقرب إلى فهم ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم أو ما يفعله، من الصغار ونحوهم، فلهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم أن يتقدم هؤلاء حتى يلوا الإمام.

وليس معنى الحديث لا يلني إلا أولو الأحلام والنهي، بحيث نطرد الصبيان عن الصف الأول، فإن هذا لا يجوز. فلا يجوز طرد الصبيان عن الصف الأول إلا أن يحدث منهم أذية، فإن لم يحدث منهم أذية؛ فإن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد أحق به.

وهناك فرق بين أن تكون العبارة النبوية: لا يلني إلا أولو الأحلام،

وبين قوله: ليلني أولو الأحلام، فالثانية تحث الكبار العقلاء على التقدم، والأولى لو قدر أنها هي نص الحديث لكان بنهى أن يلي الإمام من ليس بالغاً، أو ليس عاقلاً.

وعلى هذا فنقول: إن أولئك الذين يطردون الصبيان عن الصف الأول أخطئوا من جهة أنهم منعوا ذوي الحقوق حقوقهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له)) .

ومن جهة أخرى أنهم يكرهون الصبيان المساجد، وهذا يؤدي إلى أن ينفر الصبي عن المسجد إذا كان يطرد عنه.

ومنها أن هذه لا تزال عقدة في نفسه من الذي طرده فتجده يكرهه، ويكره ذكره، فمن أجل هذه المفاسد نقول: لا تطردوا الصبيان من أوائل الصفوف.

ثم إننا إذا طردناهم من أوائل الصفوف؛ حصل منهم لعب، لو كانوا كلهم في صف واحد كما يقوله من يقوله من أهل العلم، لحصل منهم من اللعب ما يوجب اضطراب المسجد، واضطراب أهل المسجد، ولكن إذا كانوا مع الناس في الصف الأول ومتفرقين؛ فإن ذلك أسلم من الفوضى التي تحصل بكونهم يجتمعون في صف واحد.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهي)) يستفاد منه أن الدنو من الإمام له شأن مطلوب، ولهذا قال: ليلني أي يكون هو الذي يليني.

وعلى هذا نقول: إذا كان يمين الصف بعيداً، وأيسر الصف أقرب منه بشكل واضح، فإن الصف الأيسر أفضل من الأيمن، من أجل دنوه من الإمام؛ ولأنه لما كان الناس في أول الأمر إذا كان إمامهم واثنان معه، فإنهما يكونان عن يمينه واحد، وعن شماله واحد، ولا يكون كلاهما عن اليمين، فدل هذا على مراعاة الدنو من الإمام، وتوسط الإمام من المأمومين.

ولكن هذا الأمر أي كون الإمام واثنان معه يكونان في صف واحد، هذا نسخ، وصار الإمام إذا كان معه اثنان يصفان خلفه، ولكن كونه ـ حين كان مشروعاً ـ يجعل أحدهما عن اليمين والثاني عن اليسار؛ يدل على أنه ليس الأيمن أفضل مطلقاً، بل أفضل من الأيسر إذا كان مقارباً أو مثله، أما إذا تميز بميزة بيّنة؛ فاليسار مع الدنو من الإمام أفضل.

وفي حديث الرؤيا التي رآها الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه كان صلى الله عليه وسلم أنه كان صلى الله عليه وسلم يتسوك بسواك فجاءه رجلان فأراد أن يعطيه الأصغر، فقيل له: كبّر كبّر. فيه دليل أيضاً على اعتبار الكبر، وأنه يقدم الأكبر في إعطاء الشيء.

ومن ذلك إذا قدمت الطعام مثلاً أو القهوة أو الشاي فلا تبدأ باليمين، بل ابدأ بالأكبر الذي أمامك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يعطيه الأصغر قيل له كبّر، ومعلوم أنه لو كان الأصغر هو الأيسر لا يذهب الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيه إياه فالظاهر أنه أعطى الأيمن من أجل التيامن، لكن قيل له كبّر: يعني أعطه الأكبر، فهذا إذا كان الناس أمامك تبدأ بالكبير، لا تبدأ باليمين، أما إذا كانوا جالسين عن اليمين وعن الشمال فابدأ باليمين.

وبهذا يجمع بين الأدلة الدالة على اعتبار التكبير أي مراعاة الكبير، وعلى اعتبار الأيمن، أي مراعاة الأيمن، فنقول: إذا كانت القصة كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان معه إناء يشرب منه، وعلى يساره الأشياخ وعلى يمينه غلام وهو ابن عباس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للغلام ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء)) فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحداً. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هكذا فأعطه من على يمينك، أما الذين أمامك فابدأ بالكبير، كما تدل عليه السنة، وهذا هو وجه الجمع بينهما.

ثم إن الإنسان إذا أعطاه الكبير فمن يعطي بعده؟ هل يعطي الذي على يمين الكبير ويكون عن يسار الصاب، أم الذي عن يمين الصاب؟

نقول: يبدأ بالذي عن يمين الصاب وإن كان على يسار الكبير؛ لأننا إذا اعتبرنا التيامن بعد مراعاة الكبر، فالذي على يمينك هو الذي عن يسار مقابلك فتبدأ به، ما لم يسمح بعضهم لبعض، ويقول: أعطه فلاناً.. أعطه فلاناً؛ فالحق لهم، ولهم أن يسقطوه، والله أعلم.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

[٣٤٥] وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قَالَ: خرجت مَعَ جرير بن عبد الله البَجَليّ - رضي الله عنه - في سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُني، فَقُلْتُ لَهُ: لا تَفْعَل، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأيْتُ الأنْصَارَ تَصْنَعُ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً آلَيْتُ أنْ لا أصْحَبَ أحَداً مِنْهُمْ إلا خَدَمْتُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وكان جرير أسنَّ من أنس، وجرير سيد بجيلة، فكان يخدم أنسًا إكرامًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإحسانًا للمنتسب إلى خدمته، ففيه: دليل على إكرام المحسن، وإن كان أصغر منه.

وفيه: تواضع جرير وفضيلته رضي الله عنه.

٤٣- باب إكرام أهل بيت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -

وبيان فضلهم

قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب (٣٣) ] .

هذه الآية نزلت في نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يدل عليه السياق.

والرجس: الذنب المدنس للعرض وهو الإثم.

وأما ذريته فيدخلون من باب أولى، كما في حديث واثلة بن

الأسقع: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه علي، وحسن، وحسين رضي الله عنهم آخذ كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدنى عليًّا وفاطمة رضي الله عنهما وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنًا وحسينًا كل واحد منهما على فخذه، ثم لفَّ عليهم ثوبه، ثم تلا هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} ، وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق ... » . رواه أحمد.

وَقالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} ... [الحج (٣٢) ] .

سبب نزول هذه الآية في الهدايا وفرائض الحج، وهي عامة في جميع شعائر الدين.

[٣٤٦] وعن يزيد بن حَيَّانَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أنَا وحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَة، وَعَمْرُو بن مُسْلِم إِلَى زَيْد بْنِ أرقَمَ - رضي الله عنهم - فَلَمَّا جَلسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْن: لَقَدْ لقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْراً كَثِيراً، رَأيْتَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسمعتَ حديثَهُ، وغَزوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْراً كَثيراً، حَدِّثْنَا يَا

زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: يَا ابْنَ أخِي، وَاللهِ لقد كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهدِي، وَنَسيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أعِي مِنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فما حَدَّثْتُكُمْ، فَاقْبَلُوا، ومَا لا فَلا تُكَلِّفُونيهِ. ثُمَّ قَالَ: قام رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَوماً فينا خَطِيباً بمَاء يُدْعَى خُمَّاً بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَحَمِدَ الله، وَأثْنَى عَلَيهِ، وَوعظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أمَّا بَعدُ، ألا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوشِكَ أنْ يَأتِي رسولُ ربِّي فَأُجِيبَ، وَأنَا تارك فيكم ثَقَلَيْنِ: أوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ، فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكتابِ الله، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ الله، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأهْلُ بَيْتِي أُذكِّرُكُمُ الله في أهلِ بَيْتي، أذكرُكُمُ الله في أهل بيتي» فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أهْلُ بَيتهِ يَا زَيْدُ، أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أهْلِ بَيتهِ، وَلكِنْ أهْلُ بَيتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عقيل وَآلُ جَعفَرَ وآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هؤلاء حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. رواه مسلم.

وفي رواية: «ألا وَإنّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَليْنِ: أحَدُهُما كِتَابُ الله وَهُوَ حَبْلُ الله، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلالَة» .

في هذا الحديث: الحث على التمسك بالقرآن والتحريض على العمل به والاعتصام به.

وفيه: تأكيد الوصاية بأهل البيت، والعناية بشأنهم وإكرامهم.

[٣٤٧] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن أَبي بكر الصديق - رضي الله عنه - مَوقُوفاً عَلَيهِ - أنَّهُ قَالَ: ارْقَبُوا مُحَمداً - صلى الله عليه وسلم - في أهْلِ بَيْتِهِ. رواه البخاري.

معنى «ارقبوه» : راعوه واحترموه وأكرموه، والله أعلم.

في أثر أبي بكر رضي الله عنه دليل على معرفة الصحابة رضي الله عنهم بحق أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتوقيرهم واحترامهم، فمن كان من أهل البيت مستقيمًا على الدين متبعًا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان له حقّان: حق الإسلام وحق القرابة.

[٤٤- باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل]

وتقديمهم عَلَى غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مَزِيَّتِهِم

التوقير: التبجيل.

قَالَ الله تَعَالَى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} [الزمر (٩) ] .

أي: لا يستوي الموحد والمشرك، والعالم والجاهل، ولا القانت والعاصي، {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}(٢٨) ] .

[٣٤٨] وعن أَبي مسعودٍ عقبةَ بن عمرو البدري الأنصاري - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَؤُمُّ القَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإنْ كَانُوا في القِراءةِ سَوَاءً، فأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإنْ كَانُوا في السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً،

فَإنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأقْدَمُهُمْ سِنّاً، وَلا يُؤمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ، وَلا يَقْعُدْ في بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلا بِإذْنهِ» . رواه مسلم.

وفي رواية لَهُ: «فَأقْدَمُهُمْ سِلْماً» بَدَلَ «سِنّاً» : أيْ إسْلاماً. وفي رواية: «يَؤُمُّ القَومَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، وَأقْدَمُهُمْ قِراءةً، فَإنْ كَانَتْ قِرَاءتُهُمْ سَوَاءً فَيَؤُمُّهُمْ أقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَواء، فَليَؤُمُّهُمْ أكْبَرُهُمْ سِنّاً» .

والمراد «بِسلطانهِ» : محل ولايتهِ، أَو الموضعِ الَّذِي يختص بِهِ «وتَكرِمتُهُ» بفتح التاءِ وكسر الراءِ: وهي مَا ينفرد بِهِ من فِراشٍ وسَريرٍ ونحوهِما.

قال القرطبي: تأول أصحاب الحديث بأن الأقرأ في الصدر الأول هو الأفقه، لأنهم كانوا يتفقهون مع القراءة، فلا يوجد قارئ إلا وهو فقيه، وكان مِنْ عُرْفهم تسمية الفقهاء بالقراء. وقد قَدَّمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الصدِّيقَ على أُبَيّ مع قوله: «أقرؤكم أُبَيّ» .

وفي الحديث: فضل الهجرة.

[٣٤٩] وعنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في الصَّلاةِ، ويَقُولُ: «اسْتَوُوا وَلا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِني مِنْكُمْ أُولُوا الأحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . رواه مسلم.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لِيَلِني» هُوَ بتخفيف النون وليس قبلها ياءٌ، وَرُوِيَ بتشديد النُّون مَعَ يَاءٍ قَبْلَهَا. «وَالنُّهَى» : العُقُولُ. (وَأُولُوا الأحْلام) : هُم البَالِغُونَ، وقَيلَ: أهْلُ الحِلْمِ وَالفَضْلِ.

في الحديث: تقديم الأفضل فالأفضل إلى الأمام لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام عن السهو والغلط.

[٣٥٠] وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لِيَلِني مِنْكُمْ أُولُوا الأحْلام وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ثَلاثاً «وَإيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأسْوَاق» . رواه مسلم.

هيشات الأسواق: المنازعة، والخصومات واللغط، وارتفاع ... الأصوات.

[٣٥١] وعن أَبي يَحيَى، وقيل: أَبي محمد سهلِ بن أَبي حَثْمة - بفتح الحاءِ المهملة وإسكان الثاءِ المثلثةِ - الأنصاري - رضي الله عنه - قَالَ: انطَلَقَ عَبدُ اللهِ بنُ سهْلٍ وَمُحَيِّصَة بن مَسْعُود إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ يَومَئذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عبدِ اللهِ بنِ سهل وَهُوَ يَتشَحَّطُ في دَمِهِ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبدُ الرحمن بنُ سهل وَمُحَيِّصَةُ وحوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فَذَهَبَ عَبدُ الرحمن يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» وَهُوَ أحْدَثُ القَوم، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: «أتَحْلِفُونَ وتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟ ... » وذكر تمام الحديث. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كَبِّرْ كَبِّرْ» معناه: يتكلم الأكبر.

في الحديث: استحباب تقديم أهل الفضل والسنِّ، ولو كان الحق للصغير.

[٣٥٢] وعن جابر - رضي الله عنه - أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُد يَعْنِي في القَبْرِ، ثُمَّ يَقُولُ: «أيُّهُما أكْثَرُ أخذاً للقُرآنِ؟» فَإذَا أُشيرَ لَهُ إِلَى أحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ. رواه البخاري.

في الحديث: تقديم الأكثر حفظًا للقرآن على ما دونه في القبر للحاجة، وكذلك غيره، قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة (١١) ] .

[٣٥٣] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أرَانِي فِي المَنَامِ أتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءنِي رَجُلانِ، أحَدُهُما أكبر مِنَ الآخرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأصْغَرَ، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتهُ إِلَى الأكْبَرِ مِنْهُمَا» . رواه مسلم مسنداً، ورواه البخاري تعليقاً.

في الحديث: تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام، وهذا ما لم يترتب القوم، فإن ترتبوا فالسنة تقديم الأيمن.

وفيه: جواز استعمال سواك الغير بإذنه.

[٣٥٤] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ مِنْ إجْلالِ اللهِ تَعَالَى: إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ القُرآنِ غَيْرِ الغَالِي فِيهِ،

وَالجَافِي عَنْهُ، وَإكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِط» . حديث حسن رواه أَبُو داود.

فيه: إكرام هؤلاء الثلاثة مما يرضاه الله تعالى ويثيب عليه.

[٣٥٥] وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم - قَالَ: قَالَ ... رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبيرِنَا» . حديث صحيح رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

وفي رواية أبي داود: «حَقَّ كَبيرِنَا» .

فيه: الوعيد لمن لا يرحم الصغير، ولا يُجلّ الكبير، وذوي القدر.

[٣٥٦] وعن ميمون بن أَبي شَبيب رحمه الله: أنَّ عائشة رَضي الله عنها مَرَّ بِهَا سَائِلٌ، فَأعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ، فَأقْعَدَتهُ، فَأكَلَ، فقِيلَ لَهَا في ذلِكَ؟ فقَالتْ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» . رواه أبو داود. لكن قال: ميمون لم يدرك عائشة. وقد ... ذكره مسلم في أول صحيحه تعليقاً فقال: وذكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننزل الناس منازلهم، وَذَكَرَهُ الحَاكِمُ أَبُو عبد الله في كتابه «مَعرِفَة عُلُومِ الحَديث» . وَقالَ: «هُوَ حديث صحيح» .

فيه: الحضّ على مُرَاعَاة مقادير الناس، ومراتبهم، ومناصبهم وتفضيل بعضهم على بعض، فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ويعطي كل ذي حق حقه.

وهذا الحديث: مما أدَّب به النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من التعظيم والإكرام لذوي القدر.

[٣٥٧] وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بنُ حِصْن، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أخِيهِ الحُرِّ بنِ قَيسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمرُ - رضي الله عنه - وَكَانَ القُرَّاءُ أصْحَاب مَجْلِس عُمَرَ وَمُشاوَرَتِهِ، كُهُولاً كاَنُوا أَوْ شُبَّاناً، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أخيهِ: يَا ابْنَ أخِي، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ، فَاسْتَأذِنْ لِي عَلَيهِ، فاسْتَأذَن له، فَإذِنَ لَهُ عُمَرُ - رضي الله عنه - فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: هِي يَا ابنَ الخَطَّابِ، فَواللهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ - رضي الله عنه - حَتَّى هَمَّ أنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أميرَ المُؤْمِنينَ، إنَّ الله تَعَالَى قَالَ لِنَبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} . وَإنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ. واللهِ مَا جَاوَزَهاَ عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عليه، وكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. رواه البخاري.

في هذا الحديث: تقديم أولي الفضل على من عداهم، وإن كانوا دونهم في السن والنسب.

وفيه: أنه ينبغي لولي الأمر مجالسة القراء، والفقهاء، ليذكروه إذا ... نسي، ويعينوه إذا ذكر.

وفيه: الحلم عن الجهال والصبر على أذاهم.

قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.

[٣٥٨] وعن أَبي سعيد سَمُرة بنِ جُندب - رضي الله عنه - قَالَ: لقد كنت عَلَى عَهْدِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - غُلاماً، فَكُنْتُ أحْفَظُ عَنْهُ، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ القَوْلِ إلا أنَّ ها هُنَا رِجَالاً هُمْ أسَنُّ مِنِّي. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٤٣ ـ باب إكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان فضلهم]

قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) [الأحزاب: ٣٣] .

وقال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: ٣٢] .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله: باب إكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان فضلهم: وأهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم: ينقسمون إلى قسمين:

قسم كفار فهؤلاء ليسوا من أهل بيته وإن كانوا أقارب له في النسب، لكنهم ليسوا من أهل بيته؛ لأن الله قال لنوح عليه الصلاة والسلام حين قال: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) ، وكان ابنه كافر قال: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) [هود: ٤٦] .

فالكفار من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسوا من أهل بيته، وإن كانوا أقارب له نسباً.

لكن أهل بيته هم المؤمنون من قرابته صلى الله عليه وسلم، ومنهم أيضاً زوجاته، فإن زوجاته رضى الله عنهن من آل بيته، كما قال الله تعالى في سياق نساء أمهات المؤمنين: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا

تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) [الأحزاب: ٣٢، ٣٣] .

وهذا نص صريح واضح جداً بأن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم من آل بيته، خلافاً للرافضة الذين قالوا: إن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ليسوا من أهل بيته، فزوجاته من أهل بيته بلا شك.

ولأهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين حقان: حق الإيمان، وحق القرابة من الرسول صلى الله عليه وسلم.

وزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، كما قال تعالى في كتابه (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب: ٦] .

فأزواج الرسول صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين، وهذا بالإجماع، فمن قال: إن عائشة رضي الله عنها ليست أماً لي فليس من المؤمنين لأن الله قال: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فمن قال: إن عائشة رضي الله عنها ليست أماً للمؤمنين؛ فهو ليس بمؤمن؛ لا مؤمن بالقرآن ولا بالرسول صلى الله عليه وسلم.

وعجباً لهؤلاء؛ يقدحون في عائشة ويسبونها ويبغضونها وهي أحب زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يحب أحداً من نسائه مثل ما يحبها، كما صح ذلك عنه في البخاري أنه قيل: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال ((عائشة)) . قالوا: فمن الرجال؟ قال

((أبوها)) أبو بكر رضي الله عنه.

وهؤلاء القوم يكرهون عائشة ويسبونها ويلعنونها، وهي أقرب نساء الرسول إليه، فكيف يقال: إن هؤلاء يحبون الرسول؟ وكيف يقال: إن هؤلاء يحبون آل الرسول؟ ولكنها دعاوى كاذبة لا أساس لها من الصحة.

فالواجب علينا احترام آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم من قرابته المؤمنين، ومن زوجاته أمهات المؤمنين، كلهم آل بيته ولهم حق.

ثم ذكر المؤلف الآية التي سقناها الآن (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) . نقاء وطهارة، أي النجس المعنوي، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) بعد إزالة النجاسة. والتطير: تخلية وتحلية، وقوله (تَطْهِيراً) هذا مصدر مؤكد لم سبق، يدل على أنها طهارة كاملة.

ولهذا من رمى واحدة من نساء الرسول صلى الله عليه وسلم بالزنى ـ والعياذ بالله ـ فإنه كافر حتى لو كانت غير عائشة.

عائشة الذي يرميها بما برأها الله منه كافر مكذب لله، يحل دمه وماله، وأما الذي يرمي سواها بالزنى فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه كافر أيضاً؛ لأن هذا أعظم قدح برسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يكون فراشه ممن يزنين والعياذ بالله، وقد قال الله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ

لِلْخَبِيثَاتِ) [النور: ٢٦] .

فمن رمى واحدة من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بالزنى فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ـ وحاشاه من ذلك ـ جعله خبيثاً ـ نعوذ بالله ـ لأن الله يقول (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) وبهذا يعرف أن المسألة خطيرة وعظيمة، وأن الواجب علينا أن نكن المحبة الصادقة لجميع آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم؛ نسائه كلهن والمؤمنين من قرابته.

* * *

١/٣٤٦ ـ وعن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمرو ابن مسلم إلى زيد بن أرقم رضي الله عنهم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدثتكم، فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباًَ بماء يدعى خمّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ، وذكر، ثم قال:

((أما بعد: ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به)) فحث على كتاب الله، ورغب فيه ثم قال: ((وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي)) .

فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟

قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال هم آل على، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس.

قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟

قال: نعم رواه مسلم.

وفي رواية: ((آلا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله وهو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة)) .

٢/٣٤٧ ـ وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه موقوفاً عليه أنه قال: ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته. رواه البخاري

معنى ((ارقبوا)) راعوه واحترموه وأكرموه، والله أعلم.

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث وهذا الأثر في بيان حق آل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق أن آل بيته هم زوجاته ومن كان مؤمناً من قرابته، من آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس، وهم الذين تحرم عليهم الصدقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس وقد سأله عن الصدقة، قال: ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس،

وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) .

وآل محمد لهم خصائص ليست لغيرهم، ففي باب الفيء لهم حق يختصون به، كما قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) [الأنفال: ٤١] يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولهم كرامة وشرف وسيادة، فلا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة الواجبة؛ لأنها أوساخ الناس، كما قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) [التوبة: ١٠٣] ، فلا يحل لهم الصدقة؛ فهم أشرف وأعلى من أن تحل لهم الصدقة، لكن يعطون بدلها من الخمس.

ثم بين في حديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم غدير خم؛ وهو غدير بين مكة والمدينة، نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ووعد وذكر، وحث على القرآن، وبين أن فيه الشفاء والنور، ثم حث على أهل بيته، فقال: ((أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)) .

ولم يقل إن أهل بيته معصومون، وإن أقوالهم كالقرآن يجب أن يعمل بها، كما تدعيه الرافضة، فإنهم ليسوا معصومين، بل هم يخطئون كما يخطئ غيرهم، ويصيبون كما يصيب غيرهم، ولكن لهم حق قرابة النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق.

وقوله: ((أذكركم الله في أهل بيتي)) : يعني اعرفوا لهم حقهم، ولا تظلموهم، ولا تعتدوا عليهم، هذا من باب التوكيد، وإلا فكل إنسان مؤمن له حق على أخيه، لا يحق له أن يعتدي عليه، ولا أن يظلمه؛ لكن

لآل النبي صلى الله عليه وسلم حق زائد على حقوق غيرهم من المسلمين.

وإذا كان الرسول هذا في حق آل النبي صلى الله عليه وسلم فما بالك بحق الرسول صلى الله عليه وسلم؟

حق الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الحقوق بعد الله؛ يجب أن يقدم على النفس والولد والأهل وعلى جميع الناس، في المحبة والتعظيم وقبول هديه وسنته صلى الله عليه وسلم، فهو مقدم على كل أحد صلى الله عليه وسلم. نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين من أتباعه ظاهراً وباطناً.

[٤٤ ـ باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبيهم]

قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: ٩] .

١/٣٤٨ ـ وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سناً، ولا يؤمَنَ الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه)) رواه مسلم.

وفي رواية له: ((فأقدمهم سِلماً)) : بدل ((سِنا)) أو إسلاماً.

وفي رواية: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء فيؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً)) .

والمراد ((بسلطانه)) محل ولايته، أو الموضع الذي يختص به.

((وتكرمته)) بفتح التاء وكسر الراء: وهي ما ينفرد به من فراش وسرير ونحوهما.

٢/٣٤٩ ـ وعنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول:

((استووا ولا تختلفوا، فتختلف، قلوبكم، لِيلِني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) رواه مسلم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لِيلِني)) هو بتخفيف النون وليس قبلها ياء، وروي بتشديد النون مع ياء قبلها ((والنهى)) : العقول، ((وأولو الأحلام)) هم البالغون، وقيل: أهل الحلم والفضل.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب توقير العلماء، وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم، يعني وما يتعلق بهذا من المعاني الجليلة.

يريد المؤلف ـ رحمه الله ـ بالعلماء علماء الشريعة الذين هم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن العلماء ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، فإن النبي صلى عليه وسلم توفي عن بنته فاطمة وعمه العباس ولم يرثوا شيئاً؛ لأن الأنبياء لا يورثون إنما ورثوا العلم.

فالعلم شريعة الله فمن أخذ بالعلم؛ أخذ بحظ وافر من ميراث العلماء.

وإذا كان الأنبياء لهم حق التبجيل والتعظيم والتكريم، فلمن ورثهم نصيب من ذلك، أن يبجل ويعظم ويكرم، فلهذا عقد المؤلف رحمه الله لهذه المسألة العظيمة باباً؛ لأنها مسألة عظيمة ومهمة.

وبتوقير العلماء توقر الشريعة؛ لأنهم حاملوها، وبإهانة العلماء تهان الشريعة؛ لأن العلماء إذا ذلوا وسقطوا أمام أعين الناس؛ ذلت الشريعة التي يحملونها، ولم يبق لها قيمة عند الناس، وصار كل إنسان يحتقرهم ويزدريهم فتضيع الشريعة.

كما أن ولاة الأمر من الأمراء والسلاطين يجب احترامهم وتوقيرهم تعظيمهم وطاعتهم، حسب ما جاءت به الشريعة؛ لأنهم إذا احتقروا أمام الناس، وأذلوا، وهون أمرهم؛ ضاع الأمن وصارت البلاد فوضى، ولم يكن للسلطان قوة ولا نفوذ.

فهذان الصنفان من الناس: العلماء والأمراء، إذا احتقروا أمام أعين الناس فسدت الشريعة، وفسدت الأمن، وضاعت الأمور، وصار كل إنسان يرى أنه هو العالم، وكل إنسان يرى لأنه هو الأمير، فضاعت الشريعة وضاعت البلاد، ولهذا أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمور من العلماء والأمراء فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩] .

ونضرب لكم مثلاً: إذا لم يعظم العلماء والأمراء، فإن الناس إذا سمعوا من العالم شيئاً قالوا: هذا هين، قال فلان خلاف ذلك.

أو قالوا: هذا هين هو يعرف ونحن نعرف، كما سمعنا عن بعض السفهاء الجهال، أنهم إذا جودلوا في مسألة من مسائل العلم، وقيل لهم: هذا قول الإمام أحمد بن حنبل، أو هذا قول الشافعي، أو قول مالك، أو قول أبي حنيفة، أو قول سفيان، أو ما أشبه ذلك قال: نعم، هم رجال ونحن رجال، لكن فرق بين رجولة هؤلاء ورجولة هؤلاء، من أنت حتى

تصادم بقولك وسوء فهمك وقصور علمك وتقصيرك في الاجتهاد وحتى تجعل نفسك نداً لهؤلاء الأئمة رحمهم الله؟

فإذا استهان الناس بالعلماء كل واحد يقول: أنا العالم، أنا النحرير، أنا الفهامة، أنا العلامة، أنا البحر الذي لا ساحل له وصار كل يتكلم بما شاء، ويفتي بما شاء، ولتمزقت الشريعة بسبب هذا الذي يحصل من بعض السفهاء.

وكذلك الأمراء، إذا قيل لواحد مثلاً: أمر الولي بكذا وكذا، قال: لا طاعة له؛ لأنه مخل بكذا ومخل بكذا، وأقول: إنه إذا أخل بكذا وكذا، فذنبه عليه، وأنت مأمور بالسمع والطاعة، حتى وإن شربوا الخمور وغير ذلك ما لم نر كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، وإلا فطاعتهم واجبة؛ ولو فسقوا، ولو عتو، ولو ظلموا.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)) .

وقال لأصحابه فيما إذا أخل الأمراء بواجبهم، قال: ((اسمعوا وأطيعوا فإنما عليكم ما حملتم وعليهم ما حملوا)) .

أما أن نريد أن تكون أمراؤنا كأبي بكر وعمر، وعثمان وعلى، فهذا لا يمكن، لنكن نحن صحابة أو مثل الصحابة حتى يكون ولاتنا مثل خلفاء الصحابة.

أما والشعب كما نعلم الآن؛ أكثرهم مفرط في الواجبات، وكثير منتهك للحرمات، ثم يريدون أن يولي الله عليهم خلفاء راشدين، فهذا بعيد، لكن نحن علينا أن نسمع ونطبع، وإن كانوا هم أنفسهم مقصرين فتقصيرهم هذا عليهم. عليهم ما حملوا، وعلينا ما حملنا.

فإذا لم يوقر العلماء ولم يوقر الأمراء؛ ضاع الدين والدنيا. نسأل الله العافية.

ثم استدل المؤلف بقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الزمر: ٩] (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي) يعني لا يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون؛ لأن الجاهل متصف بصفة ذم، والعالم متصف بصفة مدح، ولهذا لو تعير أدنى واحد من العامة وتقول له: أنت جاهل، غضب وأنكر ذلك، مما يدل على أن الجهل عيب مذموم، كلُ ينفر منه، والعلم خير، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون في أي حال من الأحوال.

العالم يعبد الله على بصيرة، يعرف كيف يتوضأ، وكيف يصلي، وكيف يزكي، وكيف يصوم، وكيف يحج، وكيف يبر والديه، وكيف يصل رحمه.

العالم يهدي الناس (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) [الأنعام: ١٢٢] ، لا يمكن أن يكون هذا مثل هذا، فالعالم نور يهتدي به ويرفع الله به، والجاهل عالة على غيره، لا ينفع نفسه ولا غيره، بل إن أفتى بجهل؛ ضر نفسه وضر غيره، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.

ثم استدل المؤلف بحديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يؤم القوم

أقرؤهم لكتاب الله)) يعني يكون إماماً فيهم أقرؤهم كاتب الله ((فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا بالسنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً)) أي إسلاماً، وفي لفظ سناً أي أكبرهم سناً.

وهذا يدل على أن صاحب العلم مقدم على غيره؛ يقدم العلم بكتاب الله، ثم العالم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقدم من القوم في الأمور الدينية إلا خيرهم أفضلهم.

وهذا يدل على تقديم الأفضل فالأفضل في الإمامة، وهذا في غير الإمام الراتب، أما الإمام الراتب فهو الإمام وإن كان في الناس من هو أقرأ منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه)) وإمام المسجد الراتب سلطان في مسجده، حتى إن بعض العلماء يقول: لو أن أحداً تقدم وصلى بجماعة المسجد بدون إذن الإمام فصلاتهم باطلة، وعليهم أن يعيدوا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الإمامة، والنهي يقتضي الفساد، والله الموفق.

* * *

٣/٣٥٠ ـ وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لِيلِني مِنكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم)) ثلاثا ًً ((وإياكم وهيشاتِ الأسواق)) رواه مسلم،

٤/٣٥١ ـ وعن أبي يحيى وقيل: أبي محمد سهل بن أبي حثمة ـ بفتح الحاء المهملة، وإسكان التاء المثلثة الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال انطلق عبد الله ابن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دَمِهِ قتِيلاً، فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: ((كبر كبر)) وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما فقال: ((أتحلفون وتستحقون قاتلكم؟)) وذكر تمام الحديث. متفق عليه.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كبر كبر)) معناه: يتكلم الأكبر.

٥/٣٥٢ وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد يعني في القبر، ثم يقول: ((أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟)) فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد. رواه البخاري.

٦/٣٥٣ ـ وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((أراني في المنام أتسوك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما)) رواه مسلم مسنداً، والبخاري تعليقاً.

٧/٣٥٤ ـ وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله وعليه: ((إن من

إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط)) حديث حسن رواه أبو داود.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث فيها الإشارة إلى ما سبق عن المؤلف ـ رحمه الله ـ من إكرام أهل العلم وأهل الفضل الكبير، فمن ذلك حديث عبد الله ين مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم)) قال ذلك ثلاثاً، ((وإياكم وهيشات الأسواق)) وفي قوله: ((ليلني منكم)) اللام لام الأمر، والمعنى أنه في الصلاة ينبغي أن يتقدم أولو الأحلام والنهي.

وأولو الأحلام: يعني الذين بلغوا الحلم وهم البالغون، والنهي جمع نهية وهي العقل، يعني العقلاء فالذي ينبغي أن يتقدم في الصلاة العاقلون البالغون؛ لأن ذلك أقرب إلى فهم ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم أو ما يفعله، من الصغار ونحوهم، فلهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم أن يتقدم هؤلاء حتى يلوا الإمام.

وليس معنى الحديث لا يلني إلا أولو الأحلام والنهي، بحيث نطرد الصبيان عن الصف الأول، فإن هذا لا يجوز. فلا يجوز طرد الصبيان عن الصف الأول إلا أن يحدث منهم أذية، فإن لم يحدث منهم أذية؛ فإن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد أحق به.

وهناك فرق بين أن تكون العبارة النبوية: لا يلني إلا أولو الأحلام،

وبين قوله: ليلني أولو الأحلام، فالثانية تحث الكبار العقلاء على التقدم، والأولى لو قدر أنها هي نص الحديث لكان بنهى أن يلي الإمام من ليس بالغاً، أو ليس عاقلاً.

وعلى هذا فنقول: إن أولئك الذين يطردون الصبيان عن الصف الأول أخطئوا من جهة أنهم منعوا ذوي الحقوق حقوقهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له)) .

ومن جهة أخرى أنهم يكرهون الصبيان المساجد، وهذا يؤدي إلى أن ينفر الصبي عن المسجد إذا كان يطرد عنه.

ومنها أن هذه لا تزال عقدة في نفسه من الذي طرده فتجده يكرهه، ويكره ذكره، فمن أجل هذه المفاسد نقول: لا تطردوا الصبيان من أوائل الصفوف.

ثم إننا إذا طردناهم من أوائل الصفوف؛ حصل منهم لعب، لو كانوا كلهم في صف واحد كما يقوله من يقوله من أهل العلم، لحصل منهم من اللعب ما يوجب اضطراب المسجد، واضطراب أهل المسجد، ولكن إذا كانوا مع الناس في الصف الأول ومتفرقين؛ فإن ذلك أسلم من الفوضى التي تحصل بكونهم يجتمعون في صف واحد.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهي)) يستفاد منه أن الدنو من الإمام له شأن مطلوب، ولهذا قال: ليلني أي يكون هو الذي يليني.

وعلى هذا نقول: إذا كان يمين الصف بعيداً، وأيسر الصف أقرب منه بشكل واضح، فإن الصف الأيسر أفضل من الأيمن، من أجل دنوه من الإمام؛ ولأنه لما كان الناس في أول الأمر إذا كان إمامهم واثنان معه، فإنهما يكونان عن يمينه واحد، وعن شماله واحد، ولا يكون كلاهما عن اليمين، فدل هذا على مراعاة الدنو من الإمام، وتوسط الإمام من المأمومين.

ولكن هذا الأمر أي كون الإمام واثنان معه يكونان في صف واحد، هذا نسخ، وصار الإمام إذا كان معه اثنان يصفان خلفه، ولكن كونه ـ حين كان مشروعاً ـ يجعل أحدهما عن اليمين والثاني عن اليسار؛ يدل على أنه ليس الأيمن أفضل مطلقاً، بل أفضل من الأيسر إذا كان مقارباً أو مثله، أما إذا تميز بميزة بيّنة؛ فاليسار مع الدنو من الإمام أفضل.

وفي حديث الرؤيا التي رآها الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه كان صلى الله عليه وسلم أنه كان صلى الله عليه وسلم يتسوك بسواك فجاءه رجلان فأراد أن يعطيه الأصغر، فقيل له: كبّر كبّر. فيه دليل أيضاً على اعتبار الكبر، وأنه يقدم الأكبر في إعطاء الشيء.

ومن ذلك إذا قدمت الطعام مثلاً أو القهوة أو الشاي فلا تبدأ باليمين، بل ابدأ بالأكبر الذي أمامك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يعطيه الأصغر قيل له كبّر، ومعلوم أنه لو كان الأصغر هو الأيسر لا يذهب الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيه إياه فالظاهر أنه أعطى الأيمن من أجل التيامن، لكن قيل له كبّر: يعني أعطه الأكبر، فهذا إذا كان الناس أمامك تبدأ بالكبير، لا تبدأ باليمين، أما إذا كانوا جالسين عن اليمين وعن الشمال فابدأ باليمين.

وبهذا يجمع بين الأدلة الدالة على اعتبار التكبير أي مراعاة الكبير، وعلى اعتبار الأيمن، أي مراعاة الأيمن، فنقول: إذا كانت القصة كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان معه إناء يشرب منه، وعلى يساره الأشياخ وعلى يمينه غلام وهو ابن عباس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للغلام ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء)) فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحداً. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هكذا فأعطه من على يمينك، أما الذين أمامك فابدأ بالكبير، كما تدل عليه السنة، وهذا هو وجه الجمع بينهما.

ثم إن الإنسان إذا أعطاه الكبير فمن يعطي بعده؟ هل يعطي الذي على يمين الكبير ويكون عن يسار الصاب، أم الذي عن يمين الصاب؟

نقول: يبدأ بالذي عن يمين الصاب وإن كان على يسار الكبير؛ لأننا إذا اعتبرنا التيامن بعد مراعاة الكبر، فالذي على يمينك هو الذي عن يسار مقابلك فتبدأ به، ما لم يسمح بعضهم لبعض، ويقول: أعطه فلاناً.. أعطه فلاناً؛ فالحق لهم، ولهم أن يسقطوه، والله أعلم.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

[٣٤٥] وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قَالَ: خرجت مَعَ جرير بن عبد الله البَجَليّ - رضي الله عنه - في سَفَرٍ، فَكَانَ يَخْدُمُني، فَقُلْتُ لَهُ: لا تَفْعَل، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأيْتُ الأنْصَارَ تَصْنَعُ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً آلَيْتُ أنْ لا أصْحَبَ أحَداً مِنْهُمْ إلا خَدَمْتُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وكان جرير أسنَّ من أنس، وجرير سيد بجيلة، فكان يخدم أنسًا إكرامًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإحسانًا للمنتسب إلى خدمته، ففيه: دليل على إكرام المحسن، وإن كان أصغر منه.

وفيه: تواضع جرير وفضيلته رضي الله عنه.

٤٣- باب إكرام أهل بيت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -

وبيان فضلهم

قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب (٣٣) ] .

هذه الآية نزلت في نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يدل عليه السياق.

والرجس: الذنب المدنس للعرض وهو الإثم.

وأما ذريته فيدخلون من باب أولى، كما في حديث واثلة بن

الأسقع: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه علي، وحسن، وحسين رضي الله عنهم آخذ كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدنى عليًّا وفاطمة رضي الله عنهما وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنًا وحسينًا كل واحد منهما على فخذه، ثم لفَّ عليهم ثوبه، ثم تلا هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} ، وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق ... » . رواه أحمد.

وَقالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} ... [الحج (٣٢) ] .

سبب نزول هذه الآية في الهدايا وفرائض الحج، وهي عامة في جميع شعائر الدين.

[٣٤٦] وعن يزيد بن حَيَّانَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أنَا وحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَة، وَعَمْرُو بن مُسْلِم إِلَى زَيْد بْنِ أرقَمَ - رضي الله عنهم - فَلَمَّا جَلسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْن: لَقَدْ لقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْراً كَثِيراً، رَأيْتَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسمعتَ حديثَهُ، وغَزوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْراً كَثيراً، حَدِّثْنَا يَا

زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: يَا ابْنَ أخِي، وَاللهِ لقد كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهدِي، وَنَسيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أعِي مِنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فما حَدَّثْتُكُمْ، فَاقْبَلُوا، ومَا لا فَلا تُكَلِّفُونيهِ. ثُمَّ قَالَ: قام رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَوماً فينا خَطِيباً بمَاء يُدْعَى خُمَّاً بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَحَمِدَ الله، وَأثْنَى عَلَيهِ، وَوعظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أمَّا بَعدُ، ألا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوشِكَ أنْ يَأتِي رسولُ ربِّي فَأُجِيبَ، وَأنَا تارك فيكم ثَقَلَيْنِ: أوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ، فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكتابِ الله، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ الله، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأهْلُ بَيْتِي أُذكِّرُكُمُ الله في أهلِ بَيْتي، أذكرُكُمُ الله في أهل بيتي» فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أهْلُ بَيتهِ يَا زَيْدُ، أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أهْلِ بَيتهِ، وَلكِنْ أهْلُ بَيتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عقيل وَآلُ جَعفَرَ وآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هؤلاء حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. رواه مسلم.

وفي رواية: «ألا وَإنّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَليْنِ: أحَدُهُما كِتَابُ الله وَهُوَ حَبْلُ الله، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلالَة» .

في هذا الحديث: الحث على التمسك بالقرآن والتحريض على العمل به والاعتصام به.

وفيه: تأكيد الوصاية بأهل البيت، والعناية بشأنهم وإكرامهم.

[٣٤٧] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن أَبي بكر الصديق - رضي الله عنه - مَوقُوفاً عَلَيهِ - أنَّهُ قَالَ: ارْقَبُوا مُحَمداً - صلى الله عليه وسلم - في أهْلِ بَيْتِهِ. رواه البخاري.

معنى «ارقبوه» : راعوه واحترموه وأكرموه، والله أعلم.

في أثر أبي بكر رضي الله عنه دليل على معرفة الصحابة رضي الله عنهم بحق أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتوقيرهم واحترامهم، فمن كان من أهل البيت مستقيمًا على الدين متبعًا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان له حقّان: حق الإسلام وحق القرابة.

[٤٤- باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل]

وتقديمهم عَلَى غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مَزِيَّتِهِم

التوقير: التبجيل.

قَالَ الله تَعَالَى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} [الزمر (٩) ] .

أي: لا يستوي الموحد والمشرك، والعالم والجاهل، ولا القانت والعاصي، {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}(٢٨) ] .

[٣٤٨] وعن أَبي مسعودٍ عقبةَ بن عمرو البدري الأنصاري - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَؤُمُّ القَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإنْ كَانُوا في القِراءةِ سَوَاءً، فأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإنْ كَانُوا في السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً،

فَإنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأقْدَمُهُمْ سِنّاً، وَلا يُؤمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ، وَلا يَقْعُدْ في بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلا بِإذْنهِ» . رواه مسلم.

وفي رواية لَهُ: «فَأقْدَمُهُمْ سِلْماً» بَدَلَ «سِنّاً» : أيْ إسْلاماً. وفي رواية: «يَؤُمُّ القَومَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، وَأقْدَمُهُمْ قِراءةً، فَإنْ كَانَتْ قِرَاءتُهُمْ سَوَاءً فَيَؤُمُّهُمْ أقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَواء، فَليَؤُمُّهُمْ أكْبَرُهُمْ سِنّاً» .

والمراد «بِسلطانهِ» : محل ولايتهِ، أَو الموضعِ الَّذِي يختص بِهِ «وتَكرِمتُهُ» بفتح التاءِ وكسر الراءِ: وهي مَا ينفرد بِهِ من فِراشٍ وسَريرٍ ونحوهِما.

قال القرطبي: تأول أصحاب الحديث بأن الأقرأ في الصدر الأول هو الأفقه، لأنهم كانوا يتفقهون مع القراءة، فلا يوجد قارئ إلا وهو فقيه، وكان مِنْ عُرْفهم تسمية الفقهاء بالقراء. وقد قَدَّمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الصدِّيقَ على أُبَيّ مع قوله: «أقرؤكم أُبَيّ» .

وفي الحديث: فضل الهجرة.

[٣٤٩] وعنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في الصَّلاةِ، ويَقُولُ: «اسْتَوُوا وَلا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِني مِنْكُمْ أُولُوا الأحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . رواه مسلم.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لِيَلِني» هُوَ بتخفيف النون وليس قبلها ياءٌ، وَرُوِيَ بتشديد النُّون مَعَ يَاءٍ قَبْلَهَا. «وَالنُّهَى» : العُقُولُ. (وَأُولُوا الأحْلام) : هُم البَالِغُونَ، وقَيلَ: أهْلُ الحِلْمِ وَالفَضْلِ.

في الحديث: تقديم الأفضل فالأفضل إلى الأمام لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام عن السهو والغلط.

[٣٥٠] وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لِيَلِني مِنْكُمْ أُولُوا الأحْلام وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ثَلاثاً «وَإيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأسْوَاق» . رواه مسلم.

هيشات الأسواق: المنازعة، والخصومات واللغط، وارتفاع ... الأصوات.

[٣٥١] وعن أَبي يَحيَى، وقيل: أَبي محمد سهلِ بن أَبي حَثْمة - بفتح الحاءِ المهملة وإسكان الثاءِ المثلثةِ - الأنصاري - رضي الله عنه - قَالَ: انطَلَقَ عَبدُ اللهِ بنُ سهْلٍ وَمُحَيِّصَة بن مَسْعُود إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ يَومَئذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عبدِ اللهِ بنِ سهل وَهُوَ يَتشَحَّطُ في دَمِهِ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبدُ الرحمن بنُ سهل وَمُحَيِّصَةُ وحوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فَذَهَبَ عَبدُ الرحمن يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» وَهُوَ أحْدَثُ القَوم، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: «أتَحْلِفُونَ وتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟ ... » وذكر تمام الحديث. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كَبِّرْ كَبِّرْ» معناه: يتكلم الأكبر.

في الحديث: استحباب تقديم أهل الفضل والسنِّ، ولو كان الحق للصغير.

[٣٥٢] وعن جابر - رضي الله عنه - أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُد يَعْنِي في القَبْرِ، ثُمَّ يَقُولُ: «أيُّهُما أكْثَرُ أخذاً للقُرآنِ؟» فَإذَا أُشيرَ لَهُ إِلَى أحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ. رواه البخاري.

في الحديث: تقديم الأكثر حفظًا للقرآن على ما دونه في القبر للحاجة، وكذلك غيره، قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة (١١) ] .

[٣٥٣] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أرَانِي فِي المَنَامِ أتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءنِي رَجُلانِ، أحَدُهُما أكبر مِنَ الآخرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأصْغَرَ، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتهُ إِلَى الأكْبَرِ مِنْهُمَا» . رواه مسلم مسنداً، ورواه البخاري تعليقاً.

في الحديث: تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام، وهذا ما لم يترتب القوم، فإن ترتبوا فالسنة تقديم الأيمن.

وفيه: جواز استعمال سواك الغير بإذنه.

[٣٥٤] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ مِنْ إجْلالِ اللهِ تَعَالَى: إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ القُرآنِ غَيْرِ الغَالِي فِيهِ،

وَالجَافِي عَنْهُ، وَإكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِط» . حديث حسن رواه أَبُو داود.

فيه: إكرام هؤلاء الثلاثة مما يرضاه الله تعالى ويثيب عليه.

[٣٥٥] وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم - قَالَ: قَالَ ... رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبيرِنَا» . حديث صحيح رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ الترمذي: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

وفي رواية أبي داود: «حَقَّ كَبيرِنَا» .

فيه: الوعيد لمن لا يرحم الصغير، ولا يُجلّ الكبير، وذوي القدر.

[٣٥٦] وعن ميمون بن أَبي شَبيب رحمه الله: أنَّ عائشة رَضي الله عنها مَرَّ بِهَا سَائِلٌ، فَأعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ، فَأقْعَدَتهُ، فَأكَلَ، فقِيلَ لَهَا في ذلِكَ؟ فقَالتْ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» . رواه أبو داود. لكن قال: ميمون لم يدرك عائشة. وقد ... ذكره مسلم في أول صحيحه تعليقاً فقال: وذكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننزل الناس منازلهم، وَذَكَرَهُ الحَاكِمُ أَبُو عبد الله في كتابه «مَعرِفَة عُلُومِ الحَديث» . وَقالَ: «هُوَ حديث صحيح» .

فيه: الحضّ على مُرَاعَاة مقادير الناس، ومراتبهم، ومناصبهم وتفضيل بعضهم على بعض، فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ويعطي كل ذي حق حقه.

وهذا الحديث: مما أدَّب به النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من التعظيم والإكرام لذوي القدر.

[٣٥٧] وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بنُ حِصْن، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أخِيهِ الحُرِّ بنِ قَيسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمرُ - رضي الله عنه - وَكَانَ القُرَّاءُ أصْحَاب مَجْلِس عُمَرَ وَمُشاوَرَتِهِ، كُهُولاً كاَنُوا أَوْ شُبَّاناً، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أخيهِ: يَا ابْنَ أخِي، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ، فَاسْتَأذِنْ لِي عَلَيهِ، فاسْتَأذَن له، فَإذِنَ لَهُ عُمَرُ - رضي الله عنه - فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: هِي يَا ابنَ الخَطَّابِ، فَواللهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ - رضي الله عنه - حَتَّى هَمَّ أنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أميرَ المُؤْمِنينَ، إنَّ الله تَعَالَى قَالَ لِنَبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} . وَإنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ. واللهِ مَا جَاوَزَهاَ عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عليه، وكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. رواه البخاري.

في هذا الحديث: تقديم أولي الفضل على من عداهم، وإن كانوا دونهم في السن والنسب.

وفيه: أنه ينبغي لولي الأمر مجالسة القراء، والفقهاء، ليذكروه إذا ... نسي، ويعينوه إذا ذكر.

وفيه: الحلم عن الجهال والصبر على أذاهم.

قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.

[٣٥٨] وعن أَبي سعيد سَمُرة بنِ جُندب - رضي الله عنه - قَالَ: لقد كنت عَلَى عَهْدِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - غُلاماً، فَكُنْتُ أحْفَظُ عَنْهُ، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ القَوْلِ إلا أنَّ ها هُنَا رِجَالاً هُمْ أسَنُّ مِنِّي. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.2 / 29.5
الإضاءة 70%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل