الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٤٥٥
الحديث رقم ٤٥٥ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقا إليه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
وفي الباب أحاديث كثيرة منها:
حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قَالَ: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَوعظةً وَجلَتْ منها القُلُوبُ، وذرِفت منها الْعُيُونُ. وقد سبق في باب النهي عن البدع (٢).
٥٥ - باب فضل الزهد في الدنيا والحث عَلَى التقلل منها وفضل الفقر
قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيهَا أتَاهَا أمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: ٢٤]، وقال تَعَالَى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: ٤٥ - ٤٦]، وقال تَعَالَى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله ورِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الغُرُورِ} [الحديد: ٢٠]، وقال تَعَالَى: {زُيِّنَ لِلْنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المآبِ} [آل عمران: ١٤]، وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الْدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ} [فاطر: ٥]، وقال تَعَالَى: {ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} [التكاثر: ١ - ٥]، وقال تَعَالَى: {وَمَا هذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَا إِلَاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا
يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: ٦٤] والآيات في الباب كثيرة مشهورة.
وأما الأحاديث فأكثر مِنْ أن تحصر فننبِّهُ بطرف منها عَلَى مَا سواه.
٤٥٥ - وعن أَبي أُمَامَة صُدَيِّ بن عجلان الباهلي - رضي الله عنه -
وَعَظَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه مَوعظةً بَلِيْغَةً خافتْ منها القلوبُ ودَمَعتْ منها العيونُ، فقالوا: يا رسول الله كأنها مَوعظةُ مُودِّعٍ لِمَا رأوا مِن مبالغتِه صلى الله عليه وسلم في الموعظة، فطلبوا وصيةً ليتمسكوا بها مِن بعده، قال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل، وذلك بفعل الواجبات وترك المحرمات، والسمع والطاعة، أي: للأمراء، وإنْ تَأَمَّر عليكم عَبْدٌ أو استولى عليكم، أي صار أدنى الخَلْقِ أميرًا عليكم فلا تَسْتَنْكِفُوا عن ذلك وأطيعوه، مخافةَ إثارةِ الفتن، فإنه مَن يعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، ثم بَيَّنَ لهم المَخْرَجَ مِن هذا الاختلاف، وذلك بالتمسُّك بِسُنَّتِهِ وسُنّةِ الخلفاء الراشدين المهديين مِن بعده، أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، والعَضُّ عليها بالنواجذ أي –الأضراس الأخيرة-: يعني بذلك الجِدُّ في لزوم السنة والتمسك بها، وحَذَّرَهم من الأمور المُحدَثة المُبْتَدَعة في الدِّين، فإنِّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[٥٤ ـ باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقا إليه]
قال الله تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) [الإسراء: ١٠٩] . وقال تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ) [لنجم: ٥٩، ٦٠] .
١/٤٤٦ ـ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي القرآن)) قلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ ! قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري)) فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء: ٤١] قال: ((حسبك الآن)) فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه.
٢/٤٤٧ ـ وعن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين. متفق عليه، وسبق بيانه في باب الخوف.
٣/٤٤٨ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يلج
النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم)) رواه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح.
٤/٤٤٩ ـ وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله تعالى، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب فضل البكاء من خشية الله عز وجل، يعني خوفاً منه وشوقاً إليه تبارك وتعالى، وذلك أن البكاء له أسباب: تارة يكون الخوف، وتارة يكون الألم، وتارة يكون الشوق، وغير ذلك من الأسباب التي يعرفها الناس.
ولكن البكاء من خشية الله إما خوفاً منه وإما شوقاً إليه تبارك وتعالى، فإذا كان البكاء من معصية فعلها
الإنسان؛ فهذا البكاء سببه الخوف من الله عز وجل، وإذا كان عن طاعة فعلها، كان هذا البكاء شوقاً إلى الله سبحانه وتعالى.
وذكر المؤلف رحمه الله آيتين: آية فيها الثناء على الذين يبكون من خشية الله وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) [الإسراء: ١٠٧] أي أوتوا العلم من قبل القرآن، وهم أهل الكتاب (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً) [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨] ، يعني إن وعد ربنا واقع لا محالة، فإن هنا للتوكيد.
(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) يعني عليها، والمراد المبالغة في السجود، حتى تكاد أذقانهم تضرب بالأرض من شدة المبالغة في سجودهم (وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) خشوعاً في القلب يظهر أثره وعلامته على الجوارح.
والآية الثانية قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ) [لنجم: ٥٩، ٦٠] ، وهذا ذم لهم أن يضحك الإنسان من القرآن ويعجب منه عجب استنكار وسخرية ولا يبكي منه، والقرآن أعظم واعظ، يعظ الله به القلوب، لكنه إذا ورد على قلوب كالحجارة والعياذ بالله؛ فإنها لا تلين ولكنها تزداد صلابة. نسأل الله العافية.
ثم ذكر المؤلف حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يقرأ عليه القرآن، فقال: يا رسول الله، كيف أقرؤه عليك وعليك أنزل؟ يعني: أنت أعلم به مني، فكيف أقرؤه عليك؟ . قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري)) .
هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه إشارة إلى أن الإنسان قد يكون إنصاته لقراءة غيره أخشع لقلبه مما لو قرأ هو، وهو كذلك أحياناً،
فأحياناً إذا سمعت القرآن من غيرك خشعت وبكيت، لكن لو قرأته أنت خشعت على هذه الهيئة.
فقرا عليه سورة النساء، فلما بلغ هذه الآية العظيمة: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء: ٤١] ، يعني ماذا تكون حالك؟ ! وماذا تكون حالهم؟ !
كيف هنا للاستفهام، والاستفهام يشد النفس وينبه القلب (إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيد) يوم القيامة.
والشهداء طائفتان من الناس:
الطائفة الأولى: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: ١٤٣] .
والثانية: أهل العلم الذين ورثوا الأنبياء، فإنهم شهداء بعد ميراث الأنبياء بعد أن يموت الأنبياء، فالشهداء على الخلق هم العلماء بعد الرسل يشهدون بأن الرسل بلغوا، ويشهدون على الأمة بأن الرسالة قد بلغتهم، ويالها من ميزة عظيمة لأهل العلم، أن يكونوا هم شهداء الله في أرضه.
يقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) ، وقد ذكر الله في سورة الجاثية (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) على ركبها (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) كتاب الأعمال، أو إلى كتابها الذي نزل
عليها بالوحي (تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .
يقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ) يعني يا محمد (عَلَى هَؤُلاء) الأمم (شَهِيداً) ماذا تكون الحال. فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: ((حسبك الآن)) . قال ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.
يبكي عليه الصلاة والسلام خوفاً من هذه الحالة الرهيبة العظيمة. ففي هذا دليل على البكاء من قراءة القرآن وأن الإنسان يبكي من قراءة القرآن.
وذكر المؤلف حديثاً آخر سبق لنا شرحه وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) يعني لو تعلمون ما أعلم من حقائق الأمور التي أخفاها الله عنكم وعلمها الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه أخفاها عن الخلق رحمة بهم وعلمها النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يؤمر بإبلاغها للناس، وقد يكون المراد بذلك حقائق ما أخبره أنه يعلم شيئاً من الحقائق لا يعلمها الناس، فالله أعلم.
ولما قال صلى الله عليه وسلم: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قيلا ً ولبكيتم كثيراً)) غطى الصحابة وجوههم ولهم خنين. يعني أصوات بكاء. يبكون لأن المراد بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((لو تعلمون ما أعلم)) التحذير مما علمه عليه الصلاة والسلام، فجعلوا يبكون رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا يدل على كمال إيمانهم، وكمال تصديقهم بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة المشهور، وقد سبق أيضاً ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وذكر منهم: ((رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) ذكر الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأحكامه وآياته، ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، إما شوقاً إليه، وإما خوفاً منه، فهذا من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
والمراد بالظل هنا: ظل يخلقه الله عز وجل يوم القيامة يظلل فيه من
شاء من عباده، وليس المراد ظل نفسه جل وعلا؛ لأن الله نور السموات والأرض، ولا يمكن أن يكون الله ظلاً من الشمس، فتكون الشمس فوقه وهو بينها وبين الخلق، ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار؛ لأنه لا يمكن أن يكون الله عز وجل تحت شيء من مخلوقاته، فهو العلي الأعلى، ثم هو نور السموات والأرض.
قال النبي عليه الصلاة والسلام ((حجابه)) يعني حجاب الله ((النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) ، يعني لو كشف هذا الحجاب ـ والحجب أيضاً من نور، لكنها نور دون نور البارئ عز وجل. لو كشف الله هذا النور لأحرقت سبحات وجهه أي بهاؤه وعظمته ونوره، ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبصره ينتهي إلى كل شيء.
والمعنى لو كشفه لأحرق هذا النور كل شيء، كيف يكون المراد بالظل ظل الرب عز وجل؟! لكن كما قلت: بعض الناس أجهل من الحمار، لا يدري ما يترتب على قوله الذي يقوله في تفسير كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يريد الرسول عليه الصلاة والسلام هذا.
حتى الرواية التي وردت في ظل عرشه فيها نظر؛ لأن المعروف أن العرش أكبر من السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم، السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة،
فكيف يكون العرش تحت الشمس يظل الناس؟!
لو صح الحديث لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلاً، والله عز وجل على كل شيء قدير، لكن هذه اللفظة في صحتها نظر، والصواب أنه ظل يخلقه الله عز وجل في ذلك اليوم؛ إما من الغمام أو من غير ذلك، الله أعلم، لكنه ظل يستر الله به من شاء من عباده حر الشمس.
وإنما قال: ((يوم لا ظل إلا ظله)) ؛ لأننا في الدنيا نستظل بالبناء الذي نبنيه، ونستظل بالأشجار التي تغرس، ونستظل بسفوح الجبال، وبالجدران، وبغير ذلك، نستظل بأشياء نحن نصنعها بأيدينا وبأشياء خلقها الله عز وجل.
لكن في الآخرة ليس هناك ظل، قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً) [طه: ١٠٥] ، كل الجبال تنسف مهما عظمت، أكبر الجبال وأعظمها تنسف؛ تكون رملاً، هباءً منثوراً، تطير في الجو (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: ٨٨] ، تطير في الهواء وإن كنت تظنها جامدة لا تتحرك.
وقد سمعت عن بعض الناس المتأخرين يقول: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) يعني في الدنيا، وأن هذا دليل على أن الأرض تدور، وعلل ذلك بان يوم القيامة يقين ليس فيه شيء من الحسبان.
وهذا من جهله وعدم معرفته؛ لأن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (ا١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا
هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ١، ٢] ، هذا من يراهم على خلاف الواقع، فالأمر إذا ذهل الإنسان ولو كان أمامه شيء متيقن، فإنه تضيع حواسه وإدراكا ته.
المهم أن قوله ((يوم لا ظل إلا ظله)) أي: إلا الظل الذي يخلقه الله عز وجل، يظل به من شاء من عباده. وهذا هو الشاهد.
قوله: ((ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) فأنت يا أخي إذا ذكرت الله فاذكر ربك خالي القلب، لا تفكر في شيء، إن فكرت في شيء لم يحصل لك أن تبكي من خشية الله أو الشوق إليه؛ لأنه لا يمكن أن يبكي الإنسان وقلبه مشغول بشيء آخر، كيف تبكي شوقاً إلى الله وخوفاً منه وقلبك مشغول بغيره؟! ولهذا قال: ((ذكر الله خالياً)) يعني: خالي القلب مما سوى الله عز وجل، خالي الجسم أيضاً، ليس عنده أحد حتى يكون بكاؤه رياء وسمعه، فهو مخلص القلب، فهذا أيضاً ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. أسأل الله أن يظلني وإياكم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
* * *
٥/٤٥٠ ـ وعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.))
حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح.
٦/٤٥١ ـ وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب رضي الله عنه: ((إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال: وسماني؟ قال: ((نعم)) فبكى أبي. متفق عليه. وفي رواية: فجعل أبي يبكي.
٧/٤٥٢ ـ وعنه قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، انطلق بنا إلى أم أيمن رضي الله عنهما نزورها كما كان رسول الله يزورها، فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني أبكي أن الوحي قد أنقطع من السماء؛ فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم. وقد سبق في باب زيارة أهل الخير.
٨/٤٥٣ ـ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، قيل له في الصلاة، فقال ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء، فقال: ((مروه فليصل)) .
وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء. متفق عليه.
٩/٤٥٤- وعن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عّوف أنَّ عبدَ الرحمنِ بن عَوف رضي الله عنهُ أتي بطَعام وكان صائماً، فقال قُتل مًُصعب بن عُمير رضي الله عنه وهو خير مني. فلم يوجد له ما يكفنُ فيه إلا بُردة إن غطي بها رأسهُ بدت رجلاه وإن غُطي بها رجلاهُ بدا رأسُه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بُسِط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أُعطينا- وقد خشينا أن تكُون حسناتنا عُجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعامَ. رواه البخاري
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف في باب البكاء من خشية الله أو من الشوق إليه سبحانه وتعالى، ذكر فيها عدة أحاديث، منها: حديث عبد الله ابن الشخير رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي وكان لصدره أزيز كأزيز المرجل.
المرجل: القِدر يغلي على النار وله صوت معروف، وأزيز صدر النبي صلى الله عليه وسلم كان من خَشية الله بلا شك، فهذا بكاء من خشية الله.
وذكر حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأُبي بن كعب" إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ) (البينة: ١) ، فقال: وسماني لك؟ قال: "نعم". فبكى أُبي.
لكن هذا البكاء يحتمل أن يكون شوقاً إلى الله عزَّ وجلَّ؛ لأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ هذه السورة على أُبي تدل على رفعة أُبي بن كعب رضي الله عنه،
ويحتمل أن يكون ذلك من الفرح؛ فإن الإنسان ربما يبكي إذا فرح، كما أنه يبكي إذا حزن.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله أحاديث كلها تدل على البكاء على الحزن على ما مضى، منها حديث أم أيمن رضي الله عنها حين زارها الصحابيان: أبو بكر وعمر، أتيا إليها كما كان النبي صلى الله عليه وسل يزورها، فلما أتيا إليها بكت فقالا لها: "ما يبكيك"؟ أما عملت أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم؟ قالت بلى إني لا أبكي أني لا أعلم". يعني: بل أنا أعلم" ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء" انقطع الوحي " فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها".
وكذلك حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حين جيء إليه بالطعام وهو صائم، والصائم يشتهي الطعام عادة، ولكنه رضي الله عنه تذكر ما كان عليه الصحابة الأولون، وهو رضي الله عنه من الصحابة الأولين من المهاجرين رضي الله عنهم، لكنه قال احتقاراً لنفسه قال: إن مصعب بن عمير رضي الله عنه كان خيراً مني.
وكان مصعبٌ رجلاً شاباً، كان عند والديه بمكة وكان والداه أغنياء، وأمه وأبوه يلبسانه من خير اللباس: لباس الشباب والفتيان، وقد دلّلاه دلالاً عظيماً، فلما أسلم هجراه وأبعداه، وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مع المهاجرين، وكان عليه ثوب مرقع بعدما كان في مكة عند أبويه يلبس أحسن الثياب، لكنه ترك ذلك كله مهاجراً إلى الله ورسوله.
وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم أحد، فاستشهد رضي الله عنه، وكان معه
بردة- أي ثوب- إذا غطوا به رأسه بدت رجلاه- وذلك لقصر الثوب- وإن غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستر به رأسه وأن تستر رجلاه بالإذخر؛ نبات معروف.
فكان عبد الرحمن بن عوف يذكر حال هذا الرجل، ثم يقول: إنهم قد مضوا وسلموا مما فتح الله به من الدنيا على من بعدهم من المغانم الكثيرة، كما قال تعالى: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا) (الفتح: ١٩) .
ثم قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: " قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا"؛ لأن الكافر يجزى على حسناته في الدنيا، وله في الآخرة عذاب النار، والمؤمن قد يجزى في الدنيا وفي الآخرة، لكن جزاء الآخرة هو الأهم.
فخشي رضي الله عنه أن تكون حسناتهم قد عجلت لهم في هذه الدنيا، فبكى خوفاً وفرقاً، ثم ترك الطعام رضي الله عنه.
ففي هذا دليلٌ على البكاء من خشية الله ومخافة عقابه، والله الموفق.
[٥٥- باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها، وفضل الفقر]
قال الله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس: ٢٤) وقال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) (الكهف: ٤٥، ٤٦) وقال تعالي: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ
ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: ٢٠) وقال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: ١٤) وقال تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (فاطر: ٥)
وقال تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) التكاثر: ١-٥) .
وقال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: ٦٤)
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقراء.
الدنيا: هي حياتنا هذه التي نعيش فيها، وسميت دنيا لسببين:
السبب الأول: أنها أدنى من الآخرة؛ لأنها قبلها كما قال تعالى: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (الضحى: ٤) .
والثاني: أنها دنيئة ليست بشيء بالنسبة للآخرة، كما روى الإمام أحمد رحمه الله من حديث المستورد بن شداد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" موضع السوط: موضع العصى القصيرة الصغيرة في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها من أولها على آخرها، فهذه هي الدنيا.
وذكر المؤلف رحمه الله آيات عديدة كلها تفيد أنه لا ينبغي للعاقل أن
يركن إلى الدنيا، أو يغتر بها، أو يلهو بها عن الآخرة، أو تكون مانعاً له من ذكر الله عزَّ وجل، منها قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ) يعني: المطر (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) يعني أنبتت الأرض منه نباتاً متنوعاً مختلطاً متقارباً، ليس بينه فجوات ليس فيها نبات، كل الأرض نباتات بأنواع الأعشاب من كل زوج بهيج (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) أي: كملت (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) كأن لم تكن.
وهذه هي الحياة الدنيا، واعتبر ذلك أنت في واقعك، كم من أناس عشت معهم عاشوا في هذه الدنيا عيشة راضية، وفي رفاهية وأنس وأولاد وزوجات وقصور وسيارات، ثم انتقلوا عنها، كأن لم يكونوا بالأمس، انتقلوا هم عنها، أو يأتي دنياهم شيء يتلفها، فكم من إنسان غني عنده أموال عظيمة أصبح فقيراً يسأل الناس.
فهذه هي الدنيا، وإنما ضرب الله هذا المثل لئلا نغتر بها، فقال (كَذَلِكَ) يعني: مثل هذا التفصيل والتبيين (نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) لمن عندهم تفكير في الأمور ونظر في العواقب.
ثم قال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) (يونس: ٢٥) ، أي فرق بين هذه وهذه، دار السلام هي الجنة: أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها دار السلام وسميت كذلك؟ لأنها سالمة من كل كدر، ومن كل تنغيص، ون كل أذى. لما ذكر الدنيا قال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) فإلى أيهما تركن أيها العاقل؟ لا شك أن العاقل يركن إلى دار السلام، ولا تهمه دار الفناء
والنكد والتنغيص، فهو سبحانه وتعالى يدعو كل الخلق إلى دار السلام (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (يونس: ٢٥) .
والهداية مقيدة، لم يقل: ويهدي كل أحد، ولكن قال: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فمن هو الحقيق والجدير بهداية الله؟ هو من أناب إلى الله عز وجل، كما قال تعالى: (ُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) (الرعد: ٢٧)
وقال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: الآية٥) ، فمن كان عنده نية طيبة وخالصة لابتغاء وجه الله والدار الآخرة، فهذا هو الذي يهديه الله عزَِّ وجلَّ، وهو داخل في قوله: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
ثم ذكر المؤلف آيات أخرى مثل قوله (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) (الكهف: الآية٤٥) ، معناه: أن الحياة الدنيا كماء نزل على أرض فأنبتت، فأصبح هشيماً تذوره الرياح، يبس وصارت الرياح تطير به، هكذا أيضاً الدنيا.
وقال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ) (الحديد: الآية٢٠) .
هذه خمسة أشياء كلها ليس بشيء: لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد، مثالها: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) (الحديد: ٢٠) ، أعجب الكفار؛ لأن الكفار هم الذين يتعلقون بالدنيا وتسبي عقولهم الدنيا، فهذا نبات نبت من الغيث فصار الكفار يتعجبون منه من حسنه ونضارته: (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) (الحديد: ٢٠) ، ويزول وينتهي الآخرة (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ) (الحديد: ٢٠) .
فأيهما تريد؟ تريد الآخرة؛ فيها عذابٌ شديد لمن آثر الدنيا على الآخرة، وفيها مغفرة ورضوان لمن آثر الآخرة على الدنيا.
والعاقل إذا قرأ القرآن وتبصر؛ عرف قيمة الدنيا، وأنها ليست بشيء، وأنها مزرعة للآخرة، فانظر ماذا زرعت فيها لآخرتك؟ إن كنت زرعت خيراً؛ فأبشر بالحصاد الذي يرضيك، وإن كان الأمر بالعكس؛ فقد خسرت الدنيا والآخرة، نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية.
* * *
وأما الأحاديث فأكثرُ من أن تحصر فننبهُ بطرف منها على ما سواه.
١/٤٥٧- عن عمرو بن عوفِ الأنصاري رضي الله عنهُ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصارُ بقُدوم أبي عُبيدةَ، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف، فتعرضوا لهُ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، ثم قال: " أظنكم سمعتُم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ " فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: "أبشرُوا وأملُوا ما يسركم، فو الله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنى أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم" متفق عليه.
٢/٤٥٨- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المِنبر، وجلسنا حولهُ، فقال: " إن مما أخافُ عليكم من بعدي ما يفتحُ عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" متفق عليه
٣/٤٥٩- وعنه رضي اللهُ عنهُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الدنيا حُلوة خضرةٌ، وإن الله تعالى مُستخلفكم فيها فينظرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء" رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكرها المؤلف رحمه الله في باب الزهد في الدنيا والترغيب فيه، وقد ذكر قبل ذلك آيات متعددة كلها تدل على أن هذه الدنيا ليست بشيء بالنسبة للآخرة، وأنها ممر ومزرعة للآخرة، فإن قال قائل: يقال ورع، ويُقال زهد، فأيهما أعلى؟ وما الفرق بينهما؟
فالجواب أن الزهد أعلى من الورع، والفرق بينهما أن الورع ترك ما يضر، والزهد ترك ما لا ينفع، فالأشياء ثلاثة أقسام: منها ما يضر في الآخرة، ومنها ما ينفع، ومنها ما لا يضر ولا ينفع.
فالورع: أن يدع الإنسان ما يضره في الآخرة، يعني أن يترك الحرام.
والزهد: أن يدع ما لا ينفعه في الآخرة، فالذي لا ينفعه لا يأخذ به،
والذي ينفعه يأخذ به، والذي يضره لا يأخذ به من باب أولى، فكان الزهد أعلى حالاً من الورع، فكل زاهد ورع، وليس كل ورع زاهداً.
ولكن حذر النبي عليه الصلاة والسلام من أن تفتح الدنيا علينا كما فتحت على من كان قبلنا فنهلك كما هلكوا.
لما قدم أبو عبيدة بمال من البحرين، وسمع الأنصار بذلك، جاءووا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوافوه في صلاة الفجر، فلما انصرف من الصلاة تعرضوا له فتبسم عليه الصلاة والسلام، يعني ضحك، لكن بدون صوت، تبسم لأنهم جاءوا متشوفين للمال.
فقال لهم: " لعلكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة من البحرين؟ " قالوا: أجل يا رسول الله. سمعنا بذلك يعني وجئنا لننال نصيبنا.
فقال عليه الصلاة والسلام: "ما الفقر أخشى عليكم" الفقر لا أخشاه.
والفقر قد يكون خيراً للإنسان، كما جاء في الحديث القدسي الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: " إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى"، يعني: أطغاه وأضله وصده عن الآخرة والعياذ بالله ففسد، " وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده الفقر".
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ما الفقر أخشى عليكم" يعني: لا أخشى عليكم من الفقر؛ لأن الفقير في الغالب أقرب إلى الحق من الغني.
وانظروا إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ من الذي يكذبهم؟ يكذبهم الملأ الأشرار الأغنياء، وأكثر من يتبعهم الفقراء، حتى النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من يتبعه الفقراء.
فالفقر لا يخشى منه، بل الذي يخشى منه أن تبسط الدنيا عليهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: " أخشى أن تبسط عليكم - يعني كما بسطت على من كانوا قبلنا، فتهلككم كما أهلكتهم".
وهذا هو الواقع، وأنظر إلى حالنا نحن هنا- يعني في المملكة- لما كان الناس إلى الفقر أقرب، كانوا لله أتقى وأخشع وأخشى، ولما كَثُر المال؛ كثُر الإعراض عن سبيل الله، وحصل الطغيان، وصار الإنسان الآن يتشوف لزهرة الدنيا وزينتها ... سيارة، بيت، فرش، لباس، يباهي الناس بهذا كله، ويعرض عما ينفعه في الآخرة.
وصارت الجرائد والصحف وما أشبهها لا تتكلم إلا بالرفاهية وما يتعلق بالدنيا، وأعرضوا عن الآخرة، وفسد الناس إلا من شاء الله.
فالحاصل أن الدنيا إذا فتحت- نسأل الله أن يقنا وإياكم شرها - أنها تجلب شرًّاً وتطغي الإنسان (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى) (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: ٧، ٦) .
وقد قال فرعون لقومه: (يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) (الزخرف: ٥١) ، افتخر بالدنيا، فالدنيا خطيرة جداً.
وفي هذه الأحاديث أيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام: " إن الدنيا حلوة خضرة" حلوة المذاق، خضرة المنظر، تجذب وتفتن، فالشيء إذا كان حلواً ومنظره طيباً فإنه يفتن الإنسان، فالدنيا هكذا حلوة خضرة حلوة في المذاق، خضرة في المنظر.
ولكن: " وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون" يعني جعلكم
خلائف فيها؛ يخلف بعضكم بعضاً، ويرث بعضكم بعضاً. " فينظر كيف تعملون" هل تقدمون الدنيا أو الآخرة؟، ولهذا قال: " فاتقوا الدنيا واتقوا النساء".
ولكن إذ١ أغنى الله الإنسان، وصار غناه عوناً له على طاعة الله، ينفق ماله في الحق؟، وفي سبيل الله؛ صارت الدنيا خيراً.
ولهذا كان رجل الدنيا الذي ينفق ماله في سبيل الله، وفي مرضاة الله عز وجلّ، صار ثاني اثنين بالنسبة للعالم الذي آتاه الله الحكمة والعلم وصار يعلم الناس.
فهناك فرق بي الذين ينهمك في الدنيا ويعرض عن الآخرة، وبين الذي يغنيه الله، ويكون غناه سبباً للسعادة والإنفاق في سبيل الله (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة: ٢٠١)
* * *
٤/٤٦٠- وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخرة". متفق عليه.
٥/٤٦١- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يتبع الميت ثلاثةٌ: أهلهُ ومالهُ وعملهُ: فيرجع اثنان، ويبقي واحد؛ يرجعُ أهلهُ ومالهُ ويبقى عملهُ" متفق عليه.
٦/٤٦٢- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يؤتى بأنعمِ أهلِِ الدنيا من أهل النارِ يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقالُ: يا ابن آدم؛ هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب.
ويؤتى بأشد الناس بُوساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنةِ فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شِدة قط؟ فيقول لا والله، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيتُ شِدةً قط" رواه مسلم.
٧/٤٦٣- وعن المستورد بن شداد رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعلُ أحدكم أصبعه في اليم، فينظر بما يرجع؟ " رواه مسلم.
٨/٤٦٤- وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفتية، فمر بجدي أسك ميتٍ، فتناولهُ، فأخذ بأذُنهِ، ثم قال: " أيكم يجبٌ أن يكون هذا لهُ بدرهمٍ؟ " فقالوا ما نُحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟
ثم قال": أتحبون أنهُ لكم؟ " قالوا: والله لو كان حيا كان عيباً؛ أنه أسكٌ فكيف وهو ميت؟ فقال: فو الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله أحاديث في بيان الزهد في الدنيا، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، منها: عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن الني صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" يعنى العيشة الهنية الراضية الباقية هو عيش الآخرة، أما الدنيا فإنه مهما طاب عيشها فمآلها للفناء، وإذا لم يصحبها عمل صالح فإنها خسارة.
ولهذا ذكر في ضمن الأحاديث هذه" أنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا في الدنيا" يعني أشدهم نعيماً في بدنه وثيابه وأهله ومسكنه ومركوبه وغير ذلك، " فيصبغ في النار صبغة" يعني يغمس فيها غمسة واحدة، ويقال له " يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت" لأنه ينسى كل هذا النعيم، هذا وهو شيء يسير، فكيف بمن يكون مخلداً فيها والعياذ بالله أبد الآبدين.
وذكر أيضاً حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ في السوق بجدي أسك. والجدي من صغار الماعز، وهو أسك: أي مقطوع الأذنين، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام ورفعه وقال: " هل أحد منكم يريده بدرهم؟ قالوا يا رسول الله، ما نريده بشي. قال: "هل أحد منكم يود أن يكون له؟ قالوا: لا. قال: إن الدنيا أهون عند الله تعالى من هذا الجدي".
فهذا جدي ميت لا يساوي شيئاً، ومع ذلك فالدنيا أهون وأحقر عند الله تعالى من هذا الجدي الأسك الميت، فهي ليست بشيء عند الله، ولكن من عمل فيها عملاً صالحاً؛ صارت مزرعة له في الأخرة، ونال فيها
السعادتين: سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
أما من غفل وتغافل وتهاون ومضت الأيام عليه وهو لم يعمل؛ فإنه يخسر الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: (ِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر: ١٥) ، وقال تعالى: (وَالْعَصْرِ) (إِنَّ الْإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ٣: ١) .
وكل بني آدم خاسر إلا هؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاف الأربعة: آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر. جعلنا الله وإياكم منهم.
* * *
٩/٤٦٥- وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: كنت امشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة بالمدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: " يا أبا ذر". قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: " ما يسرني أن عندي مثل أحدِ هذا ذهبا تمضي على ثلاثة أيام وعندي منه دينار إلا شيء أرصدة لدين، إلا أن أٌول به في عباد الله هكذا، وهكذا وهكذا" عن يمينه وعنه شماله ومن خلفه.
ثم سار فقال: " إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا" عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه" وقليل ما هم". ثم قال لي" مكانك لا تبرح حتى آتيك".
ثم أنطلق في سواد الليل حتى توارى فسمعتُ صوتاً قد ارتفع، فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي صلى الله عليه وسلم فأردت أن آتيه، فذكرتُ قوله ((لا تبرح حتى آتيك))
فلم أبرح حتى أتاني.
فقلت: لقد سمعتُ صوتاً تخوفت منه، فذكرت له، فقال: " وهل سمعته؟ " قلت: نعم، قال: " ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشركُ بالله شيئاً دخل الجنة".
قلت: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: " وإن زنى، وإن سرق". متفق عليه. وهذا لفظ البخاري.
١٠/٤٦٦- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو كان لي مثل أحدٍ ذهباً؛ لسرني أن لا تمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء ارصده لدين" متفق عليه.
١١/٤٦٧- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم " متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
١٢/٤٦٨- وعنه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعِس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطى رضي؛ وإن لم يعط لم يرض" رواه
البخاري.
١٣/٤٦٩- وعنه رضي الله عنه قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة، وما منهم رجل عليه رداء؛ إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته" رواه البخاري.
١٤/٤٧٠- وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الدنيا سِجن المؤمن، وجنة الكافرِ)) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله، كلها تدل على الزهد في الدنيا.
فمنها حديث أبي ذر وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيء أرصدة لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا" وعنه يمينه وعن شماله ومن خلفه.
وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أزهد الناس في الدنيا؛ لأنه لا يريد أن يجمع المال إلا شيئاً يرصده لدين، وقد توفي صلى الله عليه وسلم
ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لأهله.
ولو كانت الدنيا محبوبة إلى الله عز وجل ما حرم منها نبيه صلى الله عليه وسلم " فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه وعالماً ومتعلماً" وما يكون في طاعة الله عز وجل.
ثم ذكر في حديث أبي ذر " أن المكثرين هم المقلون يوم القيامة" يعني المكثرون من الدنيا هم المقلون من الأعمال الصالحة يوم القيامة، وذلك لأن الغالب على من كثر ماله في الدنيا الغالب عليه الاستغناء والتكبر والإعراض عن طاعة الله؛ لأن الدنيا تلهيه، فيكون مكثراً في الدنيا مقلاً في الآخرة. وقوله: إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا" يعني في المال وصرفه في سبيل الله عز وجل.
وفي حديث أبي ذر: ((أن من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)) وهذا لا يعني أن الزنى والسرقة سهلة، بل هي صعبة، ولهذا استعظمها أبو ذر وقال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن سرق)) .
وذلك لأن من مات على الإيمان وعليه معاص من كبائر الذنوب؛ فإن الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء) (النساء:
٤٨، ١١٦) .
قد يعفو الله عنه ولا يعاقبه، وقد يعاقبه، ولكن إن عاقبه فمآله إلى الجنة؛ لأن كل من كان لا يشرك بالله ولم يأت شيئاً مكفراً؛ فإن مآله إلى الجنة.
أما من أتى مكفراً كالذي لا يصلي والعياذ بالله، فهذا مخلد في النار؛ الذي لا يصلي كافر مرتد مخلد في نار جهنم حتى لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وآمنت بالله وآمنت باليوم الآخر وهو لا يصلى، فإنه مرتد؛ لأن المنافقين كانوا يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) (المنافقون: ١) ، وكانوا يذكرون الله ولكن لا يذكرون الله إلا قليلاً ويصلون ولكن (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) (النساء: ١٤٠) ومع ذلك فهم في الدرك الأسفل من النار.
وكذلك الآحاديث التي تلت ما رواه أبو ذر رضي الله عنه، كلها تدل على الزهد في الدنيا، وأن الإنسان لا ينبغي أن يعلق نفسه بها، وأن تكون الدنيا بيده لا بقلبه، حتى يقبل بقلبه على الله عز وجل؛ فإن هذا هو كمال الزهد، وليس المعنى أنك لا تأخذ شيئاً من الدنيا؛ بل خذ من الدنيا ما يحل لك، ولا تنس نصيبك منها، ولكن اجعلها في يدك ولا تجعلها في قلبك، وهذا هو المهم. نسأل الله لنا وللمسلمين العافية والسلامة.
١٥/٤٧١- وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل)) .
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك" رواه البخاري.
قالوا في شرح هذا الحديث معناه: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريبُ الذي يريد الذهاب إلى أهله. وبالله التوفيق.
١٦/٤٧٢- وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلنى على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يُحبك الناس)) حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة رواه ابن ماجة.
١٧/٤٧٣- عنِ النعمانِ بن بشير رضي الله عنهما قال: ذكر عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي، ما يحدث من الدقلِ ما يملاٌ به بطنه. رواه مسلم.
"الدقل" بفتحِ الدالِ المهملةِ والقافِ: رديءُ التمرِ.
١٨/٤٧٤- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكلهُ ذُو كبد إلا شطرُ شعير في رف لي، فأكلتُ منهُ حتى طالَ علي، فِكلتُه ففني. متفق عليه.
قولها: " شطر شعير". أي شيء من شعير.
١٩/٤٧٥- وعن عمرو بن الحارث- أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين- رضي الله عنهما- قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحهُ، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة. رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله تعالى في باب الزهد في الدنيا وترك المكاثرة فيها والرغبة في الآخرة، والمتاجرة فيها، فذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي، وأخذ بمنكبه من أجل أن يستعد لما يلقيه عليه فينتبه فقال: ((كن في الدّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) يحتمل أن هذا من باب الشك، أي: أن الراوي شك، هل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأول أو الثاني.
ويحتمل أنه من باب التنويع يعني: كن كالغريب الذي يداخل الناس ولا يهتم بالناس، ولا يعرف بين الناس، أو كأنك عابر سبيل تريد أن تأخذ
ما تحتاجه في سفرك وأنت ماش.
وهذا التمثيل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هو الواقع؛ لأن الإنسان في هذه الدنيا مسافر، فالدنيا ليست دار مقر؛ بل هي دار ممر، سريعٌ راكبه لا يفتر ليلاً ولا نهاراً، فالمسافر ربما ينزل منزلاً فيستريح، ولكن مسافر الدنيا لا ينزل، هو دائماً في سفر، كل لحظة فإنك تقطع بها شوطاً من هذه الدنيا لتقرب من الآخرة.
فما ظنكم بسفر لا يفتأ صاحبه يمشي ويسير. أليس ينتهي بسرعة؟
الجواب: بلى، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) (النازعات: ٤٦) .
وينبغي للإنسان أن يقيس ما يستقبل من عمره بما مضي، فالذي مضى كأنه لا شيء، حتى أمسك الأدنى، كأنك لم تمر به، أو كأنه حلم، وكذلك فما يستقبل من دنياك، فهو كالذي تقدم، ولهذا لا ينبغي الركون إلى الدنيا ولا الرضا بها؛ وكأن الإنسان مخلد فيها.
ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنه يقول: ((إذا أصبحت فلا تنتظر المساء)) فإنك قد تموت قبل أن تمسي. ((وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)) فإنك قد تموت قبل أن تصبح، ولكن انتهز الفرصة، لا تؤخر العمل، لا تركن إلى الدنيا فتؤمل البقاء مع أنك لا تدري.
" وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" انتهز الصحة، انتهز الحياة، فإنك قد تمرض فتعجز، وقد تفتقر فتعجز، وقد تموت فينقطع عملك.
ثم ذكر أحاديث في هذا المعنى، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يترك شيئاً مما يأكله ذو كبد رطبة إلا شيئاً من الشعير" كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ((لم يترك إلا شيئاً من الشعير)) ومع ذلك فإنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بشعير أخذه لأهله. اضطر عليه الصلاة والسلام فأخذ من هذا اليهودي شعيراً، ابتاعه منه ورهنه درعه، فمات وهي مرهونة عنده عليه الصلاة والسلام.
وهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام أزهد الناس في الدنيا إذ لو شاء أن تصير معه الجبال ذهباً لصارت، ولكنه لا يريد هذا، يريد أن يتقلل من الدنيا حتى يخرج منها لا عليه ولا له منها؛ بل كان عليه الصلاة والسلام يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، ويعيش عيشة الفقراء. والله الموفق.
* * *
٢٠/٤٧٦-وعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله تعالى؛ فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعبُ بن عُميرٍ رضي الله عنه قُتل يوم أُحد وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسهُ بدت رجلاهُ، وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسهُ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُغطي رأسهُ، ونجعل على رجليه شيئاً من الإذخر، ومنا من أينعت لهُ ثمرتهُ، فهو يهدبها". متفق عليه.
٢١/٤٧٧- وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء)) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
٢٢/٤٧٨- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالماً ومتعلماً". رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن.
٢٣/٤٧٩- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا)) . رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن.
٢٥/٤٨١- وعن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي: المال)) . رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
٢٦/٤٨٢- وعن أبي عمرو - ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو ليلى -عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنهُ، وثوب يُواري عورتهُ، وجلف الخُبز، والماء)) . رواهُ الترمذي وقال
حديثٌ صحيحٌ.
قال الترمذي: سمعت أبا داود سليمان بن سالم البلخي يقول: سمعت النصر بن شميل يقول: الجلف: الخبز ليس معه إدام. وقال غيرهُ: هو غليظ الخبز. وقال الهروي: المراد به هنا وعاء الخبز: كالجوالق والخرج. والله أعلم.
٢٧/٤٨٣- وعن عبد الله بن الشخير - بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين- رضي الله عنه أنهُ قال: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قال: ((يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يابن آدم مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت!؟)) رواهُ مسلم.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث كلها تدور على ما سبق من الحث على الزهد في الدنيا، والإقبال على الآخرة.
فذكر المؤلف رحمه الله حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه في قصة مصعب بن عمير، وهو من المهاجرين الذي هاجروا لله عز وجل ابتغاء وجه الله، وكان شاباً مدللاً من قبل والديه في مكة، ولما أسلم طرده أبواه لأنهما كانا كافرين، فهاجر رضي الله عنه وقتل في أحد في السنة الثالثة من الهجرة، يعني لم يمض على هجرته إلا ثلاثة أعوام أو أقل، فقتل شهيداً رضي الله عنه، وكان صاحب الراية، ولم يكن معه شيء إلا بردة،
ثوب واحد، إن غطوا به رأسه؛ بدت رجلاه، وإن غطوا به رجليه بدأ رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطى رأسه، ويجعل على رجليه شيء من الإذخر، والإذخر نبات معروف تأكله البهائم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل على رجليه لأجل أن يغطيهما.
قال: ((ومنا)) : يعني المهاجرين ((من أينعت له الدنيا)) أينعت: يعني استوت وأثمرت ((فهو يهدبها)) أي يجنيها ويقطفها ويتمتع بها، ولا يعلم الأول خير أم الآخر، لكن الدنيا خطيرة جداً على الإنسان كما في هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ((إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي في المال)) ، يكثر المال عند الناس فينسوا به الآخرة، ولهذا نهي عن اتخاذ الضياع، الضياع يعني الحدائق والبساتين، فإن الإنسان يلهو بها عما هو أهم منها من أمور الآخرة، والحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يكون زهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، وأن الله إذا رزقه مالاً فليجعله عوناً على طاعة الله، وليجعل الدنيا في يده لا في قلبه، حتى يربح بالدنيا والآخرة (وَالْعَصْرِ (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ١-٣) .
وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر: ١، ٢) ، الهاكم يعني شغلكم عن المقابر وعن الموت وما بعده (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) لم ينطق الإنسان من الدنيا حتى مات، فقال عليه
الصلاة والسلام: ((مالي مالي، مالي مالي)) .
يفتخر به " وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأمضيت"، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو كذلك، فالإنسان ما لَه إلا هذه الأشياء، إما أن يأكل طعاماً وشراباً، وإما أن يلبس من أنواع اللباس، وإما أن يتصدق، والباقي له هو ما يتصدق به، أما ما يأكله ويلبسه؛ فإن كان يستعين به على طاعة الله؛ كان خيراً له، وإن كان يستعين به على معصية الله وعلى الأشر والبطر؛ كان محنة عليه والعياذ بالله والله الموفق. * * *
٢٨/٤٨٤- وعن عبد الله بن مُغفل رضي الله عنه قال: قال رجلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، والله إني لأحبك، فقال: ((انظر ماذا تقولُ؟)) قال: والله إني لأحبك، ثلاث مرات، فقال ((إن كنت تُحبني فاعد للفقر تجفافا، فإن الفقر أسرعُ إلى من يحبني من السيل إلى مُنتهاه)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
٣٠/٤٨٦- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسل على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاءً! فقال: ((مالي وللدنيا)) ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثُم راح وتركه)) رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.
٣١/٤٨٧- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام)) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.
٣٢/٤٨٨- وعن ابن عباس وعمران بن الحُصين رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((اطلعتُ في الجنة فرأيتُ اكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) متفق عليه من رواية ابن عباس، ورواه البخاري أيضاً من رواية عمران بن الحُصين.
٣٣/٤٨٩- وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قُمتُ على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكينُ، وأصحابُ الجد محبُوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)) متفق عليه.
٣٤/٤٩٠- وعن أبي هريرة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أصدقُ كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيءٍ ما خَلا الله بَاطِلُ)) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في باب الزهد في الدنيا، منها حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لأحبك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((انظر ماذا تقول؟)) قال: والله إني لأحبك، فرددها ثلاثاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه)) ؛ لأن السيل إذا كان له منتهى وقد جاء من مرتفع يكون سريعاً.
ولكن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا ارتباط بين الغنى ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فكم من إنسان غني يحب الرسول عليه الصلاة والسلام، وكم من إنسان فقير أبغض ما يكون إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن علامة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون الإنسان أشد اتباعاً له، وأشد تمسكاً بسنته، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: ٣١) .
فالميزان هو اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، من كان للرسول أتبع فهو له أحب، وأما الفقر والغنى فإنه بيد الله عز وجلَّ.
وكذلك أيضاً من الزهد في الدنيا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم من شظف العيش وقلة ذات اليد، حيث كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه.
فيقال له: ألا نجعل لك وطاءً، يعني فراشاً تطؤه وتنام عليه؟ فقال: ((مالي وللدنيا؟، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)) .
فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس له هم في الدنيا، ولا يبقى عنده مال بل كله ينفقه في سبيل الله، ويعيش عيشة الفقراء.
ثم ذكر المؤلف أحاديث في أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، وأن الفقراء أكثر أهل الجنة، وذلك لأن الفقراء ليس عندهم ما يطغيهم، فهم متمسكنون خاضعون.
ولهذا إذا تأملت الآيات؛ وجدت أن الذين يكذبون الرسل هم الملأ الأشراف والأغنياء، وأن المستضعفين هم الذين يتعبون الرسول، فلهذا كانوا أكثر أهل الجنة، وكانوا يدخلون الجنة قبل الأغنياء بتقادير اختلفت فيها الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويجمعها أن السير يختلف، فقد يكون السير في عشرة أيام لشخص مسرع يسيره الآخر في عشرين يوماً مثلاً.
ثم ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام في كلمة لبيد الشاعر المشهور قال:
" أصدق كلمة قالها شاعر؛ كلمة لبيد:
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل
كل شيء سوى الله فهو باطل ضائع لا ينفع، وأما ما كان لله؛ فإنه هو الذي ينفع صاحبه ويبقى له، ومن ذلك الدنيا فإنها باطل، كما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ) (الحديد: ٢٠) ، إلا ما كان فيها من ذكر الله وطاعته، فإنه حق وخير.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الحق يقبل حتى لو كان من الشعراء، فالحق مقبول من كل أحد جاء به، حتى لو كان كافراً وقال بالحق فإنه يقبل منه، ولو كان شاعراً أو فاسقاً وقال بالحق فإنه يقبل منه.
وأما من قال بالباطل فقوله مردود ولو كان مسلماً؛ يعني العبرة بالمقالات لا بالقائلين، ولهذا ينبغي على الإنسان أن ينظر إلى الإنسان من خلال فعله لا من شخصه.
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
٣٤٤٥ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله) بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء وآخره كاف: أحد سيور النعل التي تكون في وجهها، ويطلق على كل سير وقى به القدم (والنار مثل ذلك) أي في الأقربية. قال ابن بطال: فيه أن الطاعة موصلة إلى الجنة وأن المعصية مقربة إلى النار وأن الطاعة والمعصية قد يكونان في أيسر الأشياء، وفي هذا المعنى حديث «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» الحديث فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه ولا في قليل من الشر أن يجتنبه فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ولا السيئة التي يسخط الله عليه بها وقال ابن الجوزي: معنى الحديث أن تحصيل الجنة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنار كذلك بموافقة الهوى وفعل المعصية اهـ. من «فتح الباري» (رواه البخاري) ورواه أحمد أيضاً كما في «الجامع الصغير» .
٥٤ - باب فضل البكاء من خشية الله تعالى
الخشية: الخوف المقرون بإجلال، وذلك للعلماء با كما قال تعالى: {إنما يخشى الله من عبادة العلماء} (فاطر: ٢٨) أماتنا الله على محبتهم (وشوقاً إليه) معطوف على محل المجرور بمن، إذ هو مفعول له، وقد صرح النحاة بأن المفعول له عند اجتماع شروط نصبه لا يجب النصب بل يجوز جره حينئذٍ وما هنا كذلك، ويجوز العطف بالنصب على محل ذلك، قال الله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} (النحل: ٨) قزينة معطوف على محل لتركبوها على أحد الأقوال في إعراب الآية، وأشار المصنف بالترجمة إلى أن الداعي للبكاء إما أن يكون خشية لما علم العارف من عظم جلال مولاه، وإما شوقاً لما كشف له مما تقصر العبارة عن بيان أدناه، فضلاً عن أقصاه.......
(قال الله تعالى) مبيناً حال من اطلع على الكتب
الساقة وعرف حقيقة المصطفى وما أنزل عليه في تلك الكتب ( {ويخرّون للأذقان يبكون} ) أي لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية الله تعالى، وذكر الذقن لأنه أول ما يلقى الأرض من وجه الساجد واللام فيه لاختصاص الخرورية (ويزيدهم) أي سماع القرآن (خشوعاً) كما يزيدهم علماً ويقيناً با تعالى.
(وقال تعالى) : ( {أفمن هذا الحديث} ) يعني القرآن ( {تعجبون} ) إنكاراً ( {وتضحكون} ) استهزاء ( {ولا تبكون} ) تحزناً على كشف ما فرطتم.......
١٤٤٦ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: اقرأ على القرآن فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك؟) بتقدير همزة الاستفهام قبله: أي أأقرأ عليك (وعليك) أي لا على غيرك (أنزل) الجملة حالية من ضمير المخاطب، والرابط الواو، فهم ابن مسعود أنه أمر بالقراءة ليتلذذ بقراءته، لا ليختبر ضبطه فلذا سأل متعجباً وإلا فلا مقام للتعجب (قال: إني أحبّ أن أسمعه من غيري) لكونه أبلغ من التفهيم والتدبير لأن القلب حينئذٍ يخلص لتعلق المعاني والقارىء مشغول بضبط الألفاظ وأدائها حقها ولأنه اعتاد سماعه من جبريل والعادة محبوبة بالطبع، ولهذا كان عرض القرآن على الغير سنة. قالوا: ومن فوائد هذا الحديث التنبيه على أن الفاضل لا يأنف من الأخذ عن المفضول. قال ابن النحوي: وقراءته عليه يحتمل أن يراد بها علم الناس بحاله أو يخشى أن يغلبه البكاء عنها (فقرأت عليه سورة النساء) فيه رد على من قال ينبغي أن يقال السورة التي يذكرفيها كذا (حتى جئت) أي وصلت (إلى هذه الآية) وعطف عليها عطف بيان قوله ( {فكيف} ) أي فكيف حال الكفار ( {إذا جئنا من كل أمة بشهيد} ) يشهد عليها بعملها وهو نبيها (وجئنا بك على هؤلاء) أي الأشخاص المعينين من الكفرة ( {شهيداً} ) وزعم المغني أن كل نبيّ شهيد على أمته، وكذا تفعل بك وبأمتك يا محمد، رده الطيبي بقوله تعالى: {ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا
شهداء على الناس} (الحج: ٧٨) فالشهادة لهم لا عليهم وقال ابن النحوي: وهؤلاء هم سائر أمته يشهد عليهم أو لهم، فعلى بمعنى اللام، وقيل أراد به أمته الكفار، وقيل اليهود والنصارى، وقيل كفار قريش، وفيما يشهد به البلاغ أو بالإيمان أو بالأعمال أقوال اهـ. (قال حسبك) أي يكفيك ذلك (الآن فالتفت إليه) أي لأنظر الداعي إلى الأمر بالكف، عن القراءة بعد الأمر بها (فإذا عيناه تذرفان) بذال معجمة ساكنة وكسر الراء: أي تسيل دموعهما. قال ابن النحوي في شرح البخاري: يقال ذرف الدمع وذرفت......
العين دمعها. قال في «تفسير السمرقندي» من حديث محمد بن فضالة عن أبيه: إنه عليه الصلاة والسلام أتاهم في بني ظفر فجلس على الصخرة التي في بني ظفر ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر قارئاً يقرأ حتى أتى على هذه الآية {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} (انساء: ٤١) بكى حتى اخضلت لحيته وقال: يا ربّ هذا على من أنا بين أظهرهم فكيف بمن لم أرهم؟ وللثعلبي: فدمعت عيناً رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: حسبناالله. وفي «تفسير ابن الجوزي» {شهيداً عليهم ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} (المائدة: ١١٧) قال ابن النحوي: وبكاؤه عند هذه الآية لأنه لا بد من أداء الشهادة، والحكم على المشهود عليه إنا يكون بقول الشاهد، فلما كان هو الشاهد وهو السامع بكى على المفرطين منهم. وقيل بكى لعظم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الأمر، إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب. وقيل بكى فرحاً بقبول شهادة أمته وتزكيته لهم ذلك اليوم اهـ.......
وقال بعض شراح «الشمائل» : بكاؤه عليهم لفرط رأفته ومزيد شفقته حيث عزّ عليه عنتهم، ويؤخذ من قوله «حسبك الآن» جواز أمر الغير بقطع القراءة للمصلحة. قال الحراني: إنما قال للقارىء «حسبك الآن» حفيظة عل حسن ترديه بالصبر في هيئته، فإن كان ينكف عن السماع الذي يغلب تأثيره في ظاهر الهيئة فكانت سنته العلمية أن يتردى رداء السكون ويصون ظاهر أعضائه عن الخروج عن الإحساس في الهيئة كما كان لا تبدو عليه في أقواله وأعماله عند ما ترهقه الإرهاقات حركة، فكان لا يزول عن ظاهر رداء الصبر ولا يخرج عن حسن السمت وهيئة السكون. وقد كان عيسى عليه السلام إذا ذكر الساعة يخور كما تخور البقرة فكان أثر السماع يظهر في كثير من الأنبياء والأولياء، وكان المصطفى ساكناً فيه حتى
يفيض سكونه على جلسائه، وكان قليلاً ما يخرج حاضروه عن هيئة السكون كما قال العرباض «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب الحديث، فقلما كان يغلب عليهم السماع لما يصل إليهم من بركة ترديه برداء الصبر ولزوم حسن السمت، فأنبأنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن انفعال النفس لما تسمع الأذن لا بد منه، لكن ينبغي الستر والتثبت وعدم إظهار الحركة الصرخة فكان على من على سنته في الوجد التثبت وحسن السمت والصبر على جميع مواجيده التي لا يجدها سواه، وكان يدعو حاضريه لذلك فعلمنا التأسي به (متفق عليه) أخرجه البخاري في التفسير، ومسلم في كتاب فضائل القرآن وأخرجه الترمذي والنسائي في التفسير.
(فائدة) : قال ابن النحوي في شرح البخاري: روى عبد بن حميد في تفسيره أن عبد الله بن مسعود لما قرأ هذه الآية قال: «من سرّ أن يقرأ القرآن غضاً طرياً فليقرأ على قراءة ابن أم عبد» اهـ.......
٢٤٤٧ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة) بضم الخاء المعجمة في الوعظ وهي فعلة بمعنى مفعول نحو نسخة بمعنى منسوح، وجمعها خطب (ما سمعت مثلها قط) من كمال البلاغة ومزيد التذكير والتنبيه على ما يحتاج إليه (فقال: لو تعلمون ما أعلم) أي من إجلال الله سبحانه وعظمته (لضحكتم قليلاً) لما تشهدون من مظهر الرحمة المنبثة من فضله في الأكون، ففيه إيماء إلى أن الكمال عدم غلبة الخوف بحيث يؤدي إلى الانقطاع عن الرجاء (ولبكيتم كثيراً) والاسمان منصوبان على المفعولية المطلقة، ويحتمل نصبهما على الظرفية الزمانية أي في قليل وكثير من الزمان (قال: فغطى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجوههم لهم خنين) جملة حالية من فاعل غطى والرابط الضمير (متفق عليه وسبق بيانه) مع
شرحه (في باب الخوف) .......
٣٤٤٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: لا يلج النار رجل بكى من خشية ا) من فيه تعليلية: أي لخشية الله الداعية إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ومن كان كذلك لا يلجها بالوعد الكريم إلا تحلة القسم. وقال العاقولي: لعل المراد به العارف به تعالى وهو العالم العامل لقوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر: ٢٨) وبالجملة فلا بد من نوع معرفة ليتصور الخشوع والبكاء لأن البكاء ممن لا يعرفه بوجه ممتنع انتهى. وأشار إلى سبب البكاء، وما ذكرته أولى لأن الموصوف بما ذكرته القائم به من أهل الجنة ابتداء بالوعد الكريم، وظاهر الخبر إن لم يحمل على ذلك معارض لما جاء في الأخبار من دخول قوم من عصاة المؤمنين النار. وقوله (حتى يعود اللبن في الضرع) أي يدخل من مسامه إليه أي وذلك محال عادة فتعلق ولوج الخائف الوجل من الله تعالى العارف بجلاله القائم بما تقتضيه الخشية من امتثال الأوامر واجتناب النواهي بعود اللبن إلى الضرع، والمراد بالولوج الدخول فيها فلا ينافى وجوب المرور عليها المفسر به الورود، أما من لم يقم بقضية الخشية مما ذكر ومات على غير الشرك من المعاصي فأمره إلى مولاه إن شاء أدخله الجنة مع الفائزين وعفا عنه ما جناه، وإن شاء حبسه بالنار قدر ما سبق في علمه ثم أدخله الجنة لإيمانه بمحض فضله وما ذكرت من أن المراد عود اللبن إلى الضرع من مسامها ليكون محالاً عادياً وإلا فقد صرح الفقهاء بأن اللبن إذا تنجس أمن تطهيره بأن تسقاه نحو الشاة ثم يخرج من ضرعها طاهراً، وكذا إذا تنجس العسل يسقاه النحل ثم يمجه طاهراً (ولا يجتمع غبار في سبيل ا) المراد جهاد أعداء الدين لوجه الله تعالى (ودخان جهنم) ظاهره أن الجهاد في سبيل الله مقتض لسلامة المجاهد من العذاب بالوعد الذي لا يخلف فيحمل على ما إذا مات
فيه أو بعده ولم يقترف موبقاً يصده عن ذلك (رواه الترمذي) في كتاب الجهاد (وقال: حديث حسن صحيح) .......
٤٤٤٩ - (وعنه قال: قال رسول الله: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة ا) هي ما تعبد به بشرط معرفة المتقرب إليه فالطاعة توجد بدونهما في النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى إذ معرفته ربما تحصل بتمام النظر، والقربة توجد بدون العبادة في القرب التي لا تحتاج إلى نية كالعتق والوقف (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب) بكسر الصاد (فقال) أي بقلبه لنفسه لينزجر عن العصيان، ويحتمل أن يكون بلسانه لينزجر طالبه منه ولا مانع أن يأتي بهما نظير ما قاله الفقهاء فيما يسن للصائم إذا خوصم من قوله: إني صائم (إني أخافالله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) خشية من الله تعالى (متفق عليه) وقد تقدم مع شرحه في باب فضل الحب فيالله.............
٥٤٥٠ - (وعن عبد الله بن الشخير) بشين وخاء معجمتين مكسورتين، والخاء مشددة وآخره
راء، الصحابي هو عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وفدان بن الجرش وهو معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكعبي الجرشي البصري والد مطرف بن يزيد روي له عن النبيّ نحو ستة أحاديث، قال ابن الجوزي في «مختصر التلقيح» ذكره البرقاني وقال له نحو ستة أحاديث اهـ. انفرد مسلم بالرواية عنه عن البخاري، فروى له حديثين، وأورد له المزي في «الأطراف» تسعة أحاديث، وقد ذكرته في رجال «الشمائل» بأبسط من هذا (رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ولجوفه) أي صدره وداخله وجوف كل شيء داخله، والجوف: البطن وما انطبقت عليه الكتفان والأضلاع (أزيز) بفتح الألف وكسر الزاي الأولى: صوت البكاء أو غليانه في الجوف، وفيه أن الصوت الغير المشتمل على الحروف لا يضر في الصلاة (كأزيز المرجل) بكسر فسكون ففتح: مذكر، والدور كلها مؤنثة إلا المرجل، وهو قدر من نحاس أو حجر أو يختص بالنحاس، أو كل قدر، ورجحه الحافظ ابن حجر. قال الزمخشري: سمى بذلك لأنه إذا نصب أقيم على رجل (من البكاء) أي من أجله، وذلك ناشىء عن عظيم الرهبة والخوف والإجلال سبحانه، وذلك مما ورثه من أبيه إبراهيم عليه السلام، فقد ورد أنه كان يسمع من صدره صوت كغليان القدر من مسيرة ميل اهـ. وفيه دليل على كمال خوفه وخشيته وخضوعه لربه. قال الحراني: ومن هذا الحديث ونحوه استنّ أهل الطريق الوجد والتواجد في أحوالهم وعرفوا به في أوقاتهم، وهذا الحال إنما كان يعرض للمصطفى عند تجلي الصفات الجلالية والجمالية معاً: يعني الجلال الممزوج بالجمال، وإلا فغير الممزوج بالجمال لا يطيقه أحد من البشر بل ولا واحد من الخلائق، وكان إذا تجلى لقلبه الجمال الحض يمتلىء نوراً وسروراً وملاطفة وإيناساً وتبسطاً، وكل وارث من أمته له نصيب من هذين التجليين، فتجلى الجلال يورث الخوف والقلق..................
والوجل المزعج، وتجلي الجمال يورث الأنس والسرور (حديث صحيح) فيه دليل على جواز تصحيح الحديث وتحسينه وتضعيفه لمن تمكن منه وفيه أهلية ذلك، خلافاً لابن الصلاح في منع ذلك وقد تقدم ذلك (رواه أبو داود) في كتاب الصلاة من سننه (والترمذي في «الشمائل» ) في باب البكاء (بإسناد صحيح) والنسائي في
الصلاة بنحوه.
٦٤٥١ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبيّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية (ابن كعب) بسكون العين المهملة آخره موحدة وهو الأنصاري سيد القراء تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب بيان كثرة طرق الخير (إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك: {لم يكن الذين كفروا} ) أي السورة بكمالها (قال) أي أبي للنبي (وسماني لك) الواو عاطفة على مقدر أي أمرك بذلك وسماني، وسببه احتمال أن يكون الله تعالى أمر النبي أن يقرأ على رجل من أمته ولم ينص على خصوص أبى فأراد تحقق ذلك، فيؤخذ منه الاستثبات، ويوضح ذلك لفظ البخاري «هل نص عليّ باسمي أو قال اقرأ على واحد من أصحابك فاخترتني أنت» (قال نعم) أي سماك لي. وعند الطبراني عن أبيّ بن كعب «قال نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى» (فبكى) إما فرحاً وسروراً بذلك أو خشوعاً وخوفاً من التقصير في شكر تلك النعمة أو استحقاراً لنفسه وخشية وتعجباً وهذا شأن الصالحين إذا فرحوا بشيء خلطوه بالخشية، وقيل الفرح والسرور دمعته باردة ولذلك يقال أقر الله عينه، قاله ابن النحوي. قال أبو عبيد المراد بالعرض على أبيّ ليعلّم منه القراءة. قلت: ويؤيده أن عدن أحمد بن حنبل من حديث عليّ بن زيد عن عمار بن أبي دحية البدري «لما نزلت لم يكن قال جبريل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله يأمرك أن تقرئها أُبياً فقال له رسول الله: إن الله أمرني أن أقرئك هذه السورة فبكى وقال يا رسولالله، وقد ذكرت ثمة؟ قال نعم» ، ويستثبت فيها لكيون عرض القرآن سنة.............
وللتنبيه على فضيلة أبيّ وتقدمه في حفظ القرآن وليس المراد أن يتذكر منه شيئاً بذلك العرض، وحكمة تخصيص هذه السورة لو جازتها وجمعها لقواعد كثيرة من أصول الدين وفروعه ومهماته، والإخلاص وتطهير القلوب، وكان الوقت يقتضي الاختصار، قاله المصنف والقرطبي في شرحيهما على مسلم. ويؤخذ من الحديث مشروعية التواضع في أخذ الإنسان العلم من أهله وإن كان دونه (متفق عليه) أخرجه البخاري في فضائل أبي وفي التفسير ومسلم في كتاب فضائل القرآن من كتاب الصلاة من صحيحه.
(وفي رواية) أي لمسلم في الكتاب المذكور من صحيحه (فجعل
أبى يبكي) وهذه أبلغ من الأولى للإتيان بالجملة المضارعية الدالة على التجدد والحدوث.......
٧٤٥٢ - (وعنه) أي أنس (قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد) ظرف لقال (وفاة رسول الله) أي وانتظام أمر الخلافة (انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها) جملة مستأنفة لبيان المقصود بالانطلاق إليها، وقوله (كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها) فيه إيما إلى الاقتداء به في كل أفعاله مما لم يقم الدليل على تخصيصه به (فلما انتهينا إليها بكت) لتذكرها برؤيتهما النبيّ لملازمتهما له وعدم مفارقتهما إياه في الغالب، ونظيره بكاء الصحابة لما سمعوا أذان بلال بالشام مرة بأمر عمر رضي الله عنهما حين قدومهما تذكراً لأيام المصطفى (فقالا لها: ما يبكيك) بضم التحتية (أما تعلمين أن ما عند ا) مما تقصر العبارة عن تعريف أدناه فضلاً عن أعلاه (خير لرسول الله) يحتمل أن يكون خير بغير ألف مصدراً، ويحتمل أن يكون أفعل تفضيل، فيدل على أنه كان له في الدنيا خير وهو كذلك لما يشرعه من الأحكام ويهدي من الأنام ويوصل المنقطعين إلى حضرة المولى ويقرب المبعدين إلى الفيض الأعلى، وعليه فحذف معمول أفعل: أي مما في الدنيا للتعميم وإيماء إلى أن ما عند الله لا يليق أن تقابل به الدنيا لفنائها وانقطاعها (قالت: إني لا أبكي أنى لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله) بتقدير لام التعليل قبل أن: أي لا أبكي لعدم علم ذلك وأعادت الجملة بلفظها مع إغناء اسم الإشارة عنها استعذاباً للذكر المحبوب، فمن أحبّ شيئاً أكثر ذكره (ولكن) استدراك مما يفهمه كلامها السابق مع ما قبله الموهم انحصار سب البكاء في عدم العلم بذلك: أي لسي البكاء لذلك ولكن (أبكى أن الوحي قد انقطع من السماء) تقدم في باب المحبة في الله عن المواهب وغيرها أن المخصوص بالنبيّ
الوحي بالشريعة، أما مطلق الوحي فيكون لغيرا الأنبياء فيحمل قولها على ذلك (فهيجتهما) أي حملتهما (على البكاء فجعلا يبكيان معها) ففيه البكاء على فقد الأخيار، وأن ذلك لا يعارض لتسليم الأقدار (رواه مسلم، وقد سبق) مع......
شرحه (في باب زيارة أهل الخير) .
٨٤٥٣ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال لما اشتد) بالشين المعجمة: أي قوي وعظم (برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه) زاد في رواية لما اشتكى شكوه الذي توفي فيه رواه البخاري كما في «الأطراف» وذلك لتضاعف أجره وإعلاء أمره كما يدل عليه حديث «أشد الناس بلاء الأنبياء» الحديث (قيل له في الصلاة) أي من يقيمها للقوم ويؤم بهم فيها (فقال مروا) بضم الميم وأصله أؤمروا بهمزتين أولاهما للواصل وثانيتهما فاء الكلمة فحذفت تخفيفاً ومثله خذوا (أبا بكر) أي الصديق وسكت عن وصفه بذلك لتبادره إليه وحذف المأمور به أي بإقامة الصلاة لدلالة قوله (فليصل بالناس) على ذلك أورده الحافظ المزي بلفظ «للناس» باللام محل الباء أي ليصل إماماً لأجلهم ليعقدوا صلاتهم، وفي الإتيان بالفاء الدالة على التعقيب إيماء إلى مال مبادرته لامتثال أمر المصطفى وعدم توانيه، وأخذ منه أفضلية الصديق على باقي الصحابة الذين هم أفضل من جميع الأمة وأنه الخليفة من بعده، ولذا قال عمر رضي الله عنه: «رجل اختاره النبيّ لديننا ألا نرضاه لدنيانا» (فقالت عائشة) لتصرف ذلك عن أبيها خوفاً من تطير الناس به إن مات ولما تعلمه من كراهتهم الواقف موقفه لما جبلوا عليه من كمال محبته (إن أبا بكر رجل رقيق) أي رقيق قلبه، وإسناده إليه باعتبار ذلك لما غلب عليه من شهود مظهر الجلال (إذا قرأ) أي القرآن (غلبه البكاء) أي فلا يتمكن من إظهار القراءة المأمور بها الإمام، وليس مرادها أن ذلك يقع منه بسببه ظهور حرفين لأنه مبطل للصلاة إن لم يكن عن غلبة بحيث لا يمكن دفعه ولو كان كذلك لما أمر به ثانياً بقوله (قال مروه فليصل) .......
(وفي رواية) أي لهما (عن عائشة) أي من سندها بخلاف ما قبله فهو
من سند ابن عمر (قالت) أي للنبيّ لما أمر أن يؤم الناس أبو بكر (قلت: إن أبا بكر إذا قام مقامك) أي إماماً بالناس، والمقام بفتح الميم اسم مكان من القيام (لم يسمع الناس من البكاء) من فيه تعليلية: أي بسببه، وإيراد المصنف لهذا الحديث في الباب لأن النبيّ رضي ذلك الأمر من الصدّيق وأبقاه على تقديمه فهو دليل على كونه محبوباً، قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} (الأنفال: ٢) (متفق عليه) أخرجاه في كتاب الصلاة واللفظ للبخاري، ورواه النسائي في عشرة النساء من سنه كما في «الأطراف» .
٩٤٥٤ - (وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري، قال الحافظ في «التقريب» : قيل له رواية وسماعه من ابن عمر أثبته يعقوب بن شيبة، مات سنة خمس، وقيل سنة ست وتسعين، خرج عنه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه (أن عبد الرحمن بن عوف) بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة القرشي الزهري أحد العشرة أسلم قديماً، ومناقبه شهيرة، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك.
ومن مناقبه التي لا توجد لغيره كما قال المصنف في «التهذيب» : أن النبي وراءه في غزوة تبوك حين أدركه، وقد صلى بالناس ركعة، وحديثه في مسلم وغيره، قال: وقولنا لا توجد لغيره من الناس احتزازاً من صلاة النبي خلف جبريل حين أعلمه «بالمواقيت» اهـ. وما أفهمه من أنه لم يصلّ خلق غير عبد الرحمن يشكل عليه ما أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي عن عائشة قالت: صلى النبيّ خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعداً، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث أنس قال: صلى النبيّ خلق أبي بكر قاعداً في ثوب متوشحاً به.......
قال الحافظ السيوطي بعد إيراد ذلك: وأحاديث أخر بمعناه وإيراد حديث تأخر أبي بكر واقتدائه بالنبيّ، واقتداء الناس بأبي بكر ما لفظه: هذه الأحاديث قد جمع بينها ابن حبان والبيهقي وابن حزم، وقال ابن حبان: لا معارضة بين هذه الأحاديث، فإنه صلى صلاتين، لا صلاة واحدة، لأن في خبر عن عائشة أنه خرج بين رجلين تريد بأحدهما العباس والآخر علياً، وفي خبر آخر عنها: أنه خرج بين بريدة وثوبة قال: فهذا يدلك على أنهما صلاتان لا صلاة واحدة. قال البيهقي في المعرفة: والذي نعرفه
بالاستدلال بسائر الأخبار أن الصلاة التي صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلف أبي بكر هي صلاة صبح يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها حتى مضى لسبيله، هي غير التي صلاها أبو بكر خلفه. قال: ولا يخالف هذا ما ثبت عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين، فكشف النبيّ الحجرة ونظر إليهم وهم صفوف في الصلاة وأمرهم بإتمامها وإرخائه الستر فإن ذلك إما كان في الركعة الأولى، ثم إنه وجد في نفسه خفة فخرج فأدرك معه الركعة الثانية. ثم ذكر ما يدل له من كلام موسى بن عقبة. قال البيهقي: فالصلاة التي صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مأموم صلاة الظهر، وهي التي خرج فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الفضل بن عباس وغلام له. قال: وبذلك جمع بين الأخبار. وقال ابن حزم: وهما صلاتان متغايرتان بلا شك، إحداهما التي رواها الأسود عن عائشة وعبيد الله عنها وعن ابن عباس صفتها: أنه صلى الناس خلفه وأبو بكر عن يمينه في موقف المأموم يسمع الناس تكبيره. والثانية التي رواها مسروق وعبيد الله عن عائشة وحميد عن أنس صفتها: أنه كان خلف أبي بكر في الصف مع الناس فارتفع الإشكال جملة. قال: ومرضه كان نحو اثني عشر يوماً فيه ستون صلاة أو نحو ذلك اهـ مخلصاً. وحينئذٍ فليست هذه الفضيلة من خصائص ابن عوف كما هي له فهي لجدنا الصديق رضي الله عنه أيضاً. روي له عن النبي خمسة وستون حديثاً، اتفقا منها......
على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة، وفضائله شهيرة طوينا عن نشرها خوف التطويل (أتى) بالفوقية مبني للمجهول خبر أن: أي إنه جيء إليه (بطعام) لعل تنوينه للتعظيم كما يومىء إليه آخر القصة (وكان صائماً) جملة في محل الحال وأتى بها لبيان كماله أنه مع توافر الداعي لتناول الطعام تركه لما صرفه عنه مما يخاف منه أن يكون مؤخراً له عن الدرجات العلا (فقال قتل) بالبناء للمجهول (مصعب) بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح العين المهملة وبالباء الموحدة (ابن عمير) بضم العين المهملة وسكون التحتية ابن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى بن كلاب القرشي العبدري وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم ومن السابقين إلى الإسلام، وكان قتله يوم أحد قتله عبد الله بن قتيبة وهو يظنه النبي (رضي الله عنه) جملة دعائية (وهو خير مني) هذا من تواضعه وكمال فضله وإلا فأفضل الصحابة العشرة الذين منهم ابن عوف (فلم يوجد له ما يكفن فيه) الفعلان مبنيان للمجهول (إلا بردة) بضم الموحدة وبالرفع بدل من ما، ويجوز نصبه على الاستثناء، وهو عربي فصيح وإن كان الأول أفصح، وقوله (إن غطى) بضم المعجمة وكسر المهملة
المشددة أي ستر (بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطى بها رجلاه بدا رأسه) جملة شرطية في محل الصفة لبردة. وأتى بقوله «وإن غطى بها رجلاه» مع دلالة ما قبله عليه واستلزامه إياه لأن المقام للإطناب (ثم بسط) بالبناء للمجهول، أي وسع (لنا في الدنيا ما بسط) الموصول نائب الفاعل والظرفان في محل الحال منه (أو) شك من الراوي في أنه قال ما بسط أو (قال: ما أعطينا) وقوله (قد خشينا أن تكون حسناتنا) أي أعمالنا الصالحة الحسنة (عجلت لنا) أي عجل لنا جزاؤها فلا نقدم على ثواب مدخر جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً وهذا منه من مزيد خوفه من الله تعالى وشدة خشيته له، خشي أن يكون ما هو فيه من اليسار من جزاء طاعته التي فعلها مع أن ذلك اليسار من أسباب عمله الصالح ومتجره الأخروي......
الرابح كما علم من إنفاقه في سبيل الله تعالى وتصدقه على عباد الله ومع ذلك لعدم نظره لعمله واعتداده خشي أن يكون ما يدخره سواه من أسباب إبعاده عن مولاه (ثم جعل يبكي) خوفاً من ذلك وأن يكون صفر اليدين من صالح الأعمال في المآل، وجعل هنا من أفعال الشروع، وقوله (حتى ترك الطعام) غاية لبكائه: أي تمادى به إلى أن أدى به لذلك (رواه البخاري) في الجنائز وفي المغازي من «صحيحه» كما في «الأطراف» .
١٠٤٥٥ - (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة (صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه) صدي بضم المهملة الأولى وفتح الثانية كما تقدم مع ترجمته في باب التقوى (عن النبيّ قال: ليس شيء أحبّ) بالنصب خبر ليس، وهو من الفعل المبني للمجهول: أي ليس شيء أكثر محبوبية (إلى الله تعالى) أي ليس شيء أكثر ثواباً عنده وأعظم مكانة من فضله (من قطرتين) بفتح القاف وهي كما في «المصباح» النقطة (وأثرين) بفتح الهمزة والثاء المثلثة هي ما بقي
من الشيء دلالة عليه (قطرة دموع) أي قطراتها وأفردت لإضافتها إلى الجمع ثقة بذهن السامع (من) الأقرب أنها سببية ويحتمل كونها ابتدائية: أي دمعا مبتدأ من (خشية ا) أي ناشئة منها وهي تكون من المعرفة الناشئة من العلم والعمل به.......
قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر: ٢٨) وقال: «أنا أعرفكم با وأشدكم له خشية» (وقطرة دم) قال العاقولي. إفراد الدم يدل على أن إهراقه أفضل من الدموع (تهراق) بضم الفوقية وفتح الهاء وذلك لأنه مضارع للرباعي ولا نظر للهاء فيه لأنها زائدة، وقد استثناه ابن هشام في «الجامع الصغير» مما يفتح فيه حرف المضارعة من الخماسي فإنه مضمون فيه وإن كان الماضي خماسياً لأنه رباعي. وإنما زيدت فيه الهاء على غير قياس. قال ابن فلاح ويؤيد بقاءه على حكم الرباعي قطع الهمزة فيه ولو خرج إلى الخماسي لغير إلى همزة الوصل والجملة الفعلية في محل الصفة لقطرة، وقوله (في سبيل ا) أي في الجهاد للكفار لإعلاء كلمة الله متعلق بالفعل المذكور وقوله قطرة الخ بيان للقطرتين، وكان الظاهر أمّا القطرتان فقطرة دموع الخ كما يدل عليه قوله (وأما الأثران) ولعله مقدر كذلك بشهادة العطف (فأثر في سبيل الله تعالى) أي ما يبقى بعد الاندمال من ضربة سيف أو طعنة رمح (وأثر في فريضة الله تعالى) وذلك لبلل في أعضاء الوضوء وأثر السجود (رواه الترمذي) في كتاب الجهاد من «جامعه» (وقال: حديث حسن) زاد فيه بعد قوله حسن قوله غريب، وكان المصنف سكت عنه لعدم ضرره في حسن الحديث لأنها غرابة نسبية لا غرابة مطلقة.
(وفي الباب) أي «باب البكاء من خشية ا» (أحاديث كثيرة) وصف توكيدي وإلا فصيغة الأحاديث من جموع الكثرة الدالة عليها (منها حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة) يحتمل أن تكون منصوبة على المصدر أي وعظنا وعظاً بليغاً كما يدل عليه العدول عن وعظاً إليها، ويحتمل أن تكون منصوبة بحذف الخافض (ذرفت)
بوزن علم، أي دمعت (منها العيون، وقد سبق في باب النهي عن البدع) وتقدم ثمة شرحه.......
٥٥ - باب فضل الزهد في الدنيا
الظرف لغو متعلق بالزهد. قال السيد الشريف في «التعريفات» : الزهد في اللغة: ترك الميل إلى الشيء، وفي الاصطلاح هو بغض الدنيا والإعراض عنها. وقيل هو ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة، وقيل هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك اهـ، وتقدم المراد من الدنيا في حديث «إنما الأعمال بالنيات» (والحثّ) بالمثلثة المشددة، أي التحريض (على التقلل منها) عبر بباب التفعيل المؤذن بالتكلف لما أن ذلك خلاف داعي الطبع البشري قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا} (الأعلى: ١٦) وقال تعالى: {وتحبون المال حباً جماً} (الفجر: ٢٠) أي فيتكلف الاستقلال منها وإن كان ذلك خلاف طبعه ليسلم من تبعات ذلك (وفضل الفقر) أي غير المذموم، وهو الفقر مما زاد على الكفاية والحاجة.
(قال الله تعالى) : ( {إنما مثل الحياة الدنيا} ) أي صفتها العجيبة الشأن في سرعة نقصها وذهاب نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها ( {كماء} ) أي كمطر ( {أنزلناه من السماء فاختلط به} ) أي بسببه ( {نبات الأرض} ) واشتبك بعضه ببعض ( {مما يأكل الناس} ) من البر والشعير وغيرهما ( {والأنعام} ) من الكلأ ( {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} ) بهجتها من النبات ( {وازّينت} ) بالزهر وأصله تزينت أبدلت التاء زاياً وأدغمت ( {وظن أهلها أنهم قادرون عليها} ) متمكنون من تحصيل ثمارها ( {أتاها أمرنا} ) عذابنا ( {ليلاً أو نهاراً فجعلناها} ) أي زرعها ( {حصيداً} ) كالمحصود بالمناجل ( {كأن} ) مخففة أي كأنها ( {لم تغن} ) لم تكن ( {بالأمس كذلك نفصل} ) نبين ( {الآيات لقوم
يتفكرون} ) فإنهم المنتفعون بها. قال البيضاوي الممثل به مضمون الحكاية وهو زوال خضرة النبات فجأةً وذهابه حطاماً بعد ما كان غضاً والتف وزين الأرض حتى طمع فيه أهله وظنوا أنه قد سلم من الجوائح، لا الماء وإن وليه حرف التشبيه لأنه من التشبيه المركب اهـ.......
(وقال تعالى) علواً معنوياً: أي تنزه عما لا يليق به ( {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا} ) أي اذكر لقومك ما تشبه الحياة في زهرتها وسرعة زوالها أو صفتها الغريبة، وقوله ( {كماء} ) خبر محذوف أو هو كماء، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً لا ضرب على أنه بمعنى صير، وعليه اقتصر المحلى في «تفسيره» والمفعول الأول مثل ( {أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض} ) فالتف بسببه وخالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه أو تجمع في النبات حتى روي ورقه وعلى هذا كان حقه فاختلط بنبات الأرض لكن لما كان كل من المختلطين موصوفاً بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته (فأصبح) أي صار النبات (هشيماً) مهشوماً مكسوراً ( {تذوره الرياح} ) تفرقه والمشبه به كما في الذي قبله الحالة المتفرقة في الجملة وهي حال النبات المنبت بالماء يكون أخضر براقاً ثم هشيماً تطيره الرياح فيصير كأن لم يكن ( {وكان الله على كل شيء} ) من الأشياء ( {مقتدراً} ) قادراً ( {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} ) أي يتزين بها الإنسان في الدنيا وتفنى عنه عما قريب ( {والباقيات الصالحات} ) هي: سبحانالله، والحمد، ولا إله إلاالله، وا أكبر. زاد بعضهم: ولا حول ولا قوّة إلا با، كما ورد تفسيرها بذلك في الأخبار. وقال البيضاوي: هي أعمال الخيرات التي تبقى له ثمرتها أبد الآباد. ويندرج فيه ما فسرت به من الصلوات الخمس وصيام رمضان، وسبحانالله، والحمد، ولا إله إلاالله، وا أكبر والكلام الطيب ( {خير عند ربك} ) من المال والبنين عندية مكانة وشرف ( {ثواباً} ) عائدة ( {وخير أملاً} ) أي ما يأمله الإنسان ويرجوه عند الله تعالى لأن صاحبها ينال بها في الآخرة ما كان يأمل بها في الدنيا.......
(وقال تعالى) : {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد} ) قال بعضهم: اللعب فعل
يدعو إليه الجهل يروق أوله ولا ثبات له، واللهو صرف الهمّ عن النفس بفعل ما لا يجوز اهـ. وقال البيضاوي: بين سبحانه وتعالى أن الدنيا أمور خيالية قليلة النفع سريعة الزوال، لأنها لعب يتعب الناس فيه أنفسهم جداً إتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة ولهو يلهون به أنفسهم عما يهمهم منها، وزينة كالملابس الحسنة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة، وتفاخر بالأنساب وتكاثر بالعدد والعدد، وهذا كما قاله المحلي في الاشتغال بالدنيا. أما الطاعات وما يعين عليها فليست منها، ثم قرر حال الدنيا وشأنها بقوله: ( {كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً} ) وهو تمثيل للدنيا في سرعة نقصها وقلة جداوها بحال نبات أنبته الغيث فاستوى وأعجب منه الحراث والكافرون با لأنهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا، ولأن المؤمن إذا رأى معجباً انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها، والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق فيه إعجاباً، ثم هاج: أي يبس بعاهة فاصفر ثم صار حطاماً فتاتاً يضمحل بالرياح. قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في «تفسيره» : فإن الحياة الدنيا تكون أولاً شابة ثم تكتهل ثم تكون عجوزاً شوهاء، وكذا الإنسان يكون في أول عمره شاباً غضاً طرياً لين الأعضاء بهيّ المنظر ثم يكتهل فتتغير طباعه ويفقد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخاً كبيراً ضعيف القوى قليل الحركة يعجزه السير كما قال الله تعالى: {الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة} (الروم: ٥٤) ولما كان هذا المثل دالاً على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال ( {وفي الآخرة عذاب شديد} ) أي لمن انهمك في الدنيا، تنفيراً عن الانهماك في الدنيا وحثا على ما......
يوجب الكرامة في العقبى، ثم أكده بقوله ( {ومغفرة من الله ورضوان} ) لمن لم ينهمك في الدنيا: أي ليس في الآخرة الآتية القريبة إلا أحد هذين (وما الحياة الدنيا
إلا متاع الغرور) أي لمن أقبل عليها ولم يطلب الآخرة بها. قال ابن كثير: هي متاع، فإن عاد لمن ركن إليها فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أن لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة. عن أبي هريرة عن النبي «موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة اهـ. قاله المحلي.......
(وقال تعالى) : ( {زين للناس حبّ الشهوات} ) أي ما تشتهيه النفس وتدعوا إله من لعب ولهو وزينة وتكاثر، زينها الله ابتلاء، أو الشيطان ( {من النساء والبنين والقناطير} ) أي الأموال الكثيرة (المقنطرة) المجتمعة والقناطير جمع قنطار أو جمع قنطرة. واختلف في قنطار هل هو فعلال أو فعال، والقنطار المال الكثير بعضه على بعض قاله الربيع بن أنس. وقيل مائة ألف ومائة ومائه رطل ومائة مثقال ومائة درهم، قاله سعيد بن جبير وعكرمة. وقيل ملء مسك ثور ذهباً أو فضة، قاله أبو نصرة. وسمي قنطاراً من الأحكام، يقال قنطرت الشيء: إذا أحكمته ومنه القنطرة. وقيل ما بين السماء والأرض من مال قاله صاحب «الحكم» . والمقنطرة قيل إنها مأخوذة من القنطار للتأكيد كبدرة مبدرة. وقيل لغيره فقال الضحاك أي المحصنة، وقال قتادة: أي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض. وقال يمان: هي المدقوقة. وقال الفراء: المضعفة فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة ( {من الذهب والفضة} ) قال في لباب التفاسير: سمى الذهب ذهباً لسرعة ذهابه في الإنفاق والزكاة، والفضة فضة لأنها تفرق بضرب الدراهم، وتفرق بالإنفاق، والفض التفريق اهـ. والظرف في محل الحال بيان للقناطير ( {والخيل المسومة} ) المعلمة من السومة وهي العلامة أو المرعية من أسام الدابة وسومها أو المطهمة: أي المجملة ( {والأنعام} ) جمع نعم بفتح أوليه وهي الإبل والبقر والغنم، سميت به لعظم الانتفاع بها ( {والحرث} ) أي الزرع ( {ذلك} ) أي ما ذكر ( {متاع الحياة الدنيا} ) أي ما يتمتع به فيها وهو فإن مضمحلّ لا يقابل ما ادخره في الآخرة وقد عم ذلك بقوله ( {وا عنده حسن المآب} ) أي المرجع وهو تحريض على استبدال ما عند الله تعالى من اللذات الحقيقية الأبدية بالشهوات المخدجة الفانية.......
(وقال تعالى) : ( {يا أيها الناس إن وعد الله حق} ) لا خلف فيه. قال أبو حيان في «النهر» : شامل لجميع ما وعد به من ثواب وعقاب وغير ذلك. قلت: وكأن اقتصار البيضاوي على قوله بالحشر والجزاء لأنهما الأهم، بل اقتصر الحافظ ابن كثير على الأول وهو مستلزم للجزاء لأن ذاك لذلك ( {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} )
فيذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها ( {ولا يغرنكم با الغرور} ) قال مالك عن زيد بن أرقم: هو الشيطان: أي بأن يمنيكم المغفرة مع الإصرار على المعصية، فإنها وإن أمكنت لكن الذنب بهذا التوقع كتناول السم اعتماداً على دفع الطبيعة، وقد عقّب تعالى هذه الآية بما يدل على عداوة الشيطان لنا بقوله: {إن الشيطان لكم عدوّ} (فاطر: ٦) الآية. وقرىء بالضم وهو مصدر أو جمع كقعود.
(وقال تعالى) : ( {ألهاكم} ) أي أشغلكم، وأصله الصرف إلى اللهو منقول من لها إذا غفل ( {التكاثر} ) بالأموال والأقوال ( {حتى زرتم المقابر} ) إلى أن متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا عما هو أهم لكم وهو السعي لأخراكم، فزيارة المقابر عبارة عن الموت ( {كلا} ) ردع وتنبيه على أن العاقل ينبغي له أن لا يكون جميع همته ومعظم سعيه للدنيا فإن عاقبة ذلك وبال وحسرة ( {سوف تعلمون} ) خطأ رأيكم إذا عاينتم ما وراءكم وهو إنذار ليخافوا وينتهوا عن غفلتهم ( {ثم كلا سوف تعلمون} ) تكرير للتوكيد، وفي ثم دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، أو الأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور ( {كلا لو تعلمون علم اليقين} ) أي لو تعلمون ما بين أيديكم على الأمر اليقين: أي كعلمكم ما تستيقنونه لشغلكم ذلك عن غيره أو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكيف، فحذف الجواب ولذا اقتصر المصنف على ذلك. قال البيضاوي: ولا يجوز أن يكون قوله: {لترون الجحيم} جواباً لأنه محقق الوقوع بل هو جواب قسم محذوف أكد به الوعيد وأوضح به ما أنذرهم منه بعد إبهامه تفخيماً اهـ.......
(وقال تعالى) : ( {وما هذه الحياة الدنيا} ) قال في «النهر» : الإشارة بهذه ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها ( {إلا لهو ولعب} ) أي كما يلهى ويلعب به الصبيان ويجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون متعبين ( {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} ) أي لهي دار الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها، أو جعلت هي في ذاتها حياة مبالغة. والحيوان مصدر حي سمي به ذو الحياة مبالغة وأصله حييان فقلبت الياء الثانية واواً وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة، ولذلك اختير عليهما هنا. وفي «فتح
الرحمن بكشف ما تلبس في القرآن» للشيخ زكريا قدم اللعب في الأنعام والقتال والحديد، وعكس في الأعراف والعنكبوت لأن اللعب زمن الصبا واللهو زمن الشباب وزمن الصبا مقدم على زمن الشباب فناسب إعطاء المقدم للأكثر والمأخر للأقل اهـ. ( {لو كانوا يعلمون} ) لم يؤثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة، والحياة فيها عارضة سريعة الزوال (والآيات في الباب كثيرة مشهورة) لا منافاة بين ما دل عليه جمع السلامة من القلة وقوله كثيرة لأن تلك بالنظر إلى الأحاديث فيه وإن كانت الآيات فيه في نفسها كثيرة. ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى أن محل كون جمع السلامة من جموع القلة كما عده النحاة حيث لم يكن معرّفاً وإلا فلا، بل هو من ألفاظ العموم كما قاله الأصوليون.......
(وأما الأحاديث) في الباب (فأكثر من أن تحصر) لكمال كثرتها، وفي ذلك منه إيماء إلى الاعتناء بما عقد له الباب لاعتناء النبي بذلك كما يدل عليه كثرة الأخبار فيه (فننبه) النون فيه للعظمة تحدثاً بنعمة الله تعالى عليه بالعلم والتأهيل له (بطرف) بفتح أوّليه المهملين، أي بقطعة وجانب (منها) ويجوز أن يقرأ بضم أوله وفتح ثانيه على أنه جمع طرفة بالضم، قال في «المصباح» : الطرفة أي بالضم والسكون ما يستطرف، جمعه طرف كغرفة وغرف اهـ. والأول أنسب بقوله (على ما سواها) وهو والظرف قبله متعلقان بالمضارع.......
١٤٥٦ - (عن عمرو) ويقال فيه عمير بالتصغير كما نبه عليه في «الفتح» (ابن عوف الأنصاري) زاد المزي في وصفه قوله «البدري حليف بني عامر بن لؤي» وخرج بقوله الأنصاري عمرو بن عوف المزنيّ راوي حديث تكبيره خمساً في الجنازة وأحاديث أخر غير ذلك. قال الحافظ في «الفتح» بعد قول البخاري الأنصاري: المعروف عند أهل المغازي أنه من المهاجرين، وهو موافق لقوله هنا: وهو حليف لبني عامر بن لؤي لأنه يشعر بكونه من أهل مكة. ويحتمل أن يكون وصفه بالأنصاري بالمعنى الأعم، ولا مانع أن يكون أصله من الأوس أو الخزرج فنزل مكة وحالف بعض أهلها، فبهذا الاعتبار هو أنصاري مهاجري، ثم ظهر كأن لفظة الأنصاري وهم تفرد به شعيب عن الزهري، ورواه أصحاب الزهري كلهم عنه بدونها في «الصحيحين» وغيرها، وهو معدود من أهل بدر اتفاقاً، وقول المزي. البدري لأنه
(رضي الله عنه) شهد بدراً مع رسول الله. أخرج ابن الأثير في «أسد الغابة» عن ابن إسحاق قال: ممن شهد بدراً عمرو بن عوف: مولى سهيل بن عمرو، وقال: هكذا جعله ابن إسحاق مولى وجعله غيره حليفاً، قيل لأنه سكن المدينة ولا عقب له، وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا عبيدة) قيل اسمه عامر بن عبد الله، وقيل عبد الله بن عامر (بن الجراح) والأوّل أصح: أحد العشرة المبشرة بالجنة (رضي الله عنه) وعنهم. والجراح بفتح الجيم وتشديد الراء آخره حاء مهملة (إلى البحرين) أي البلدة المشهورة بالعراق، وهي بين البصرة وهجر. وفي كتاب «أسامى البلدان» قال الزهري: إنما ثنوا البحرين لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء وقرى هجر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ، وهذه البحيرة ثلاثة أميال في مثلها ولا يفيض ماؤها، وماؤها......
راكد زعاف اهـ. (يأتي بجزيتها) أي بجزية أهلها، وكان غالب أهلها إذ ذاك مجوساً. وذكر ابن سعد أن النبي بعد قسمة الغنائم بالجعرانة أرسل العلاء إلى المنذر ابن ساوى عامل الفرس على البحرين يدعوه إلى الإسلام فأسلم، وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية من المجوس (فقدم بمال من البحرين) قال في كتاب الصلاة ومن «التوشيح» نقلاً عن «مصنف ابن أبي شيبة» كان قدر المال مائة ألف وأنه أوّل خراج حمل إلى النبيّ اهـ. (فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة) أي بالمال (فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله) قال الحافظ: يؤخذ منه أنهم كانوا لا يجتمعون الجميع في كل الصلوات إلا لأمر يطرأ، وكانوا يصلون في مساجدهم إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه، فلأجل ذلك عرف أنهم اجتمعوا لأمر، ودلت القرينة على تعيين ذلك الأمر، وهو احتياجهم للمال للتوسعة عليهم. ويحتمل أن يكون وعدهم بأن يعطيهم منه إذا حضروا، وقد وعد جابراً بعد هذا أن يعطيه من مال البحرين فوفى له أبو بكر (فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف) أي ذاهباً إلى مقصده (فتعرضوا له) أي قصدوا له. قال في «الصحاح» : تعرضت أسألهم اهـ. (فتبسم حين رآهم) يحتمل أن يكون تبسمه لما ظهر من مقتضى الطبع من طلب الدنيا مع أن قضية حالهم وشرفهم وكون المصطفى بين أظهرهم مع كمال إعراضه عنها ترك ذلك (ثم قال أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء) يحتمل أن يكون تنوينه للتعظيم باعتبار كثرة كميته. ويحتمل
أن يكون للتحقير لحقارة الدنيا في جانب ما أعد الله للمؤمنين في الدار الآخرة (من البحرين) يحتمل أن يكون متسقراً صفة لشيء، ويحتمل أن يكون لغواً متعلقاً بالفعل (فقالوا: أجل) هو في المعنى مثل نعم، لكن نعم يحسن أن تقال جواب الاستفهام، وأجل أحسن من نعم في التصديق (يا رسول الله) وأتوا به تلذذاً بالخطاب وإلا فقد حصل بقولهم: أجل الجواب (فقال أبشروا) أمر معناه الإخبار بحصول المقصود (وأملوا) قال في «تحفة القاري» بفتح......
الهمزة وتشديد الميم (فوا ما الفقر) بالنصب مفعول مقدم لقوله (أخشى عليكم) وتقدم المفعول اهتماماً بنفي خشية الفقر عليهم عكس الآباء مع أولادهم، فإن الوالد الشفيق يخشى على ولده الضيعة بعده، والنبي لهم مثل الوالد ولم يخش عليهم الفقر، قال الطيبي: لأن الأب الدنيوي يخشى على ولده الفقر الدنيوي، والأب الديني يخشى على ولده الفقر الديني، قال الحافظ في «الفتح» : يجوز رفع الفقر بتقدير ضمير: أي ما الفقر أخشاه عليكم، والأول هو الراجح، وخص بعضهم جواز ذلك بالشعر اهـ. وأصله للزركشي وتعقبه فيه الدماميني بأن ضعف ذلك مذهب كوفي، قال في «التسهيل» ولا يختص بالشعر خلافاً للكوفيين. فإن قلت: تقديم المفعول هذا يؤذن بأن الكلام في المفعول لا في الفعل كقولك ما زيد ضربت فلا يصح أن يعقب المنفى بإثبات ضده، فيقول ولكن أكثر منه لأن المقام في المفعول هل هو زيد أو عمرو مثلاً، لا في الفعل هل هو إكرام أو إهانة: والحديث قد وقع فيه استدراك بإثبات ضد الفعل المنفي فقال: ولكن أخشى الخ فكيف يأتي هذا. قلت: المنظور إليه في الاستدراك هو المنافسة في الدنيا عند بسطها عليه، فكأنه قال ما الفقر أخشى عليهم ولكن المنافسة في الدنيا فلم يقع الاستدراك إلا في المفعول كقولك ما ضربت زيداً، ولكن عمراً ضربت، ثم لا يضر لأنه في الحقيقة استدراك بالنسبة إلى المفعول لا إلى الفعل اهـ. (ولكن أخشى أن تبسط) أي توسع (الدنيا عليكم) وما فتحه الله عليهم من الدنيا بعده حتى إن أحدهم لا يجد للمال موضعاً يحطه فيه (كما بسطت) ما موصول اسمي أو نكرة موصوفة: أي دنيا يعود الضمير النائب عن الفعل المستتر في بسطت عليه (على من كان قبلكم) : أي من الأمم وسقطت كان من بعض نسخ البخاري (فتنافسوها كما تنافسوها) الأول مضارع حذفت إحدى تاءيه تخفيفاً، والأصل فتتنافسوها، وفي بعض نسخ البخاري حذف الضمير المنصوب من الفعل الثاني، قال المصنف: والتنافس المسابقة إلى الشيء وكراهة أخذ......
الغير له، وهو أول
درجات الحسد اهـ. وبمعناه ما في «تحفة القاري» من أنه الرغبة في الشيء والانفراد به (فتهلككم) أي في الدين (كما أهلكتهم) في ذلك وإسناد الإهلاك إليها مجاز عقلي من باب الإسناد إلى السبب إذ التنافس فيها سبب قد يجر لفساد الدين وهلاكه، قال الحافظ في «الفتح» : لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه فتمتنع منه فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك اهـ. وقد وقع عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً «تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون» ونحو ذلك. قال في «الفتح» : وفي الحديث إشارة إلى أن كل خصلة من المذكورات مسببة عما قبلها، وفي الحديث «واتقوا الشح فإنه أهلك من قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» . قال ابن بطال: فيه أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها وشرّ فتنتها عنه. وفي «تفسير البيضاوي والخازن» : أي زينتها وبهجتها: أي فلا يطمئن إلى زخرفها ولا ينافس بها أيضاً اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري واللفظ له في الجزية، وفي المغازي من «صحيحه» ، ورواه مسلم في آخر «صحيحه» في باب تحريم الظلم السابق، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه أيضاً، فرواه الأوّل في باب الزهد والثالث في الفتن، ومدار الحديث عندهم على الزهري.......
٢٤٥٧ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر) بكسر الميم وسكون النون وفتح الباء الموحدة، قال في «الصحاح» : نبرت الشيء أنبره نبراً: رفعته، ومنه سمي المنبر (وجلسنا حوله) لسماع أقواله وتلقي مواعظه، وحول منصوب على الظرفية. قال في «الصحاح» : يقال قعدوا حوله وحواله وحواليه، ولا يقال حواليه بكسر اللام، وقعد حياله وبحياله بالكسر: أي بإزائه وأصله الواو اهـ. (فقال إن مما أخاف عليكم بعدي) أي بعد موتي وقدمه اهتماماً بأمره على الاسم وهو قوله (ما يفتح) بالبناء للمفعول (عليكم من زهرة الدنيا) قال في «المصباح» : زهرة بوزن تمرة لا غير: أي لا يجوز
فتحها بخلاف واحدة الزهر ففيها ذلك أيضاً، ويرده ما في «تفسير البيضاوي» من قوله، وقرأ يعقوب زهرة بالفتح، وهي لغة في الزهرة اهـ. ومثله في «تفسير النهر» إلا أنه لم يعين اسم القارىء وعبارته «وقرىء زهرة بفتح الهاء وسكونها نحو زهر ونهر» . قلت: إن ثبت ما في «المصباح» من منع الفتح في لغة فيحمل على أنه جمع زاهر كما جوزه البيضاوي فيها أيضاً قال: وهي متاعها وزينتها. وفي «تفسير البيضاوي والخازن» : أي زينتها وبهجتها فلا يطمئن إلى زخرفها ولا يتأنس بها اهـ. قلت: وعليه فعطف قوله (وزينتها) على الزهرة من عطف الخاص على العام وخشيته من ذلك لئلا يتعلق حبه بالقلب ويأخذ بهجته بالبصر فيوقع في الأسباب المؤدية إلى فساد الدين مما تقدم في الحديث قبله (متفق عليه) ورواه البخاري في الصلاة وفي الجهاد وفي الزكاة وغيرها، ومسلم في باب ورواه النسائي في الجهاد.......
٣٤٥٨ - (وعنه) أي أبي سعيد الخدري (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الدنيا خضرة) بفتح المعجمة الأولى وكسر الثانية (حلوة) أي جامعة بين الوصفين المحبوبين للبصر والذوق فهي كالفاكهة التي راق منظرها وحلا مذاقها (وإن الله مستخلفكم فيها) بكسر اللام: أي بمنزلة الخلفاء عنه في التصرف فيها: أي فلا تتصرفوا بما لم يأذن لكم به (فينظر كيف تعملون) فيجازيكم على ما يبدو منكم من حسن وضده في عالم الشهادة الذي ظهرك كما سبق في علم الغيب الأزلي (فاتقوا الدنيا) أي من ميلكم إلى زهرتها وحلاوتها وخضرتها عما يطلب منكم من الوقوف عند ما أبيح لكم دون ما حظر عليكم، والفاء فيه فصيحة: أي إذا علمتم أن ما تعملون فيه بمرأى من الله تعالى فاتقوه في ذلك (واتقوا النساء) أي احذروهن أن بكيدهن يحملكم الافتتان بهن على ترك ما طلب منكم من التكاليف أو أن يخدعنكم بكيدن فتقعوا في شيء من أغراضهن الممنوع منها شرعاً (رواه مسلم) في آخر الدعوات، ورواه النسائي أيضاً في
عشرة النساء، والحديث قدمه المصنف في باب التقوى وتقدم شرحه ثمة بأبسط مما هنا.
٤٤٥٩ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:) في أشد أحواله لما رأى تعب أصحابه لحفر الخندق (اللهم) أي يا الله (إن العيش) الحياة الدائمة (عيش الآخرة) فلا يحزن الإنسان لما يصيبه في هذه الدار فإنه منقض وأجره باق دائم، وقاله في أسرّ الأحوال أيضاً لما رأى كثرة المؤمنين في يوم عرفة في حجة الوداع لبيك إن العيش عيش الآخرة: أي شأن العاقل أن لا يفرح بما يسرّه من الدنيا لانقضائها وأن يكون اهتمامه بما يفرح به في آخرته لأن حياتها الدائمة الأبدية (متفق عليه) وقد تقدم هذا الحديث مع شرحه.......
٥٤٦٠ - (وعنه) أي عن أنس (عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يتبع الميت) من منزله إلى مدفنه في الغالب (ثلاث) من الأشياء، وحذف التاء منه لحذف المعدود، وأبدل من ثلاث بدل مفصل من مجمل قوله (أهله وماله) أي الذي كان ماله قبل موته: أي بعضه كعبيده وما يصحب مع أهله لنفقة على مؤن دفنه (وعمله) أي جميع ما عمله في الدنيا كما يومىء إليه إضافة المفرد، ويحتمل أن يراد ما عمله مما يتعلق به جزاء دون ما كفر لنحو توبة أو عمل صالح أو فضل إلهي فيكون عاماً أريد به خاص (فيرجع اثنان ويبقى واحد) ذكره مجملاً ثم مفصلاً ليكون أوقع في النفس وأقر فيها فقال (يرجع أهله) بعد دفنه (وماله) كذلك أو ما يبقي مما هيىء لمؤمن الدفن بعد تمامه (ويبقى عمله) معه مرتهناً هو به. قال تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة} (المدثر: ٣٨) اللهم وفقنا لمرضاتك بمنك وكرمك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (متفق عليه) أخرجه البخاري في الرقاق، ومسلم في الزهد، وكذا رواه الترمذي في الزهد من «جامعه» ، وقال حسن صحيح، والنسائي في ذلك من «سننه» ،
ومداره عند الجميع على سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن أنس كذا يؤخذ من «الأطراف» .......
٦٤٦١ - (وعنه قال: قال رسول الله: يؤتى) بالبناء للمفعول ونائب الفاعل الظرف بعده والفاعل إما الله تعالى لأنه الموجد للجميع، وإما الملائكة لأنهم المنتصبون في ذلك بأمره (بأنعم أهل الدنيا) أي بأكثرهم نعمة فيها من لذات الدنيا وزهراتها (من أهل النار) في محل الحال نائب الفاعل، وفيه إيماء إلى أن من أنعم الله عليه في الدنيا بالنعم في ظاهره من أهل الإيمان وصالح الأعمال ليسوا كذلك (يوم القيامة) ظرف للفعل: أي بعد فصل القضاء والحكم بين العباد (فيصبغ) أي يغمس (في النار صبغة) بفتح الصاد أي غمسة ولعل التنوين فيه للتقليل فيكون أبلغ فالتعقيب بالنسبة للإتيان كذلك هنا وفي قرينة (ثم) لعل الإتيان بها إيماء إلى أنه يهان بإهماله كذلك مدة (ويقال) له بعدها تبكيتاً والقائل إن كان خزنة جهنم فالأمر ظاهر، وإن كان الحق سبحانه بلا واسطة فلا دلالة فيه على شرف لهم لأن خطابه تعالى لهم على سبيل الإهانة والإذلال، ثم رأيت حديث النسائي مصرحاً بالشق الثاني (هل مر بك نعيم قط) بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة ظرف للزمان الماضي (فيقول) عقب السؤال بلا تراخ كما تؤذن به الفاء (لا وا) الجواب مقدر بعد لا، أغنى عن التصريح به دلالة ما قبله عليه، والقسم بعد لتأكيد نفي ذلك، وكأن ذلك منه لغلبة العذاب عليه حتى يذهل عما مضى له في الدنيا من النعيم فيقول ذلك، وإلا فالآخرة لا يقع فيها الكذب من أحد، ويحتمل أنهم عدوا جميع ما ذاقوه من النعيم في جنب ما أصابهم من أقل العذاب كالعدم فصيروره في حكم المعدوم فقالوا ذلك. وقوله (يا رب) بحذف الياء اكتفاء بدلالة الكسرة عليها، أتى به للتعطف والترحم (ويؤتى بأشد الناس بؤساً) بالهمز: أي شدة، قاله المصنف، قال في «المصباح» : ويجوز التخفيف. أي لغة (في الدنيا) يحتمل أن يكون ظرفاً مستقراً صفة لبؤس وأن يكون لغواً متعلقاً به، وقوله (من أهل الجنة) في محل النصب بيان لأشد، وهو المؤمن ولو عاصياً (فيصبغ) أي......
يغمس (صبغة في الجنة) وسمى ما ذكر صبغة لظهور أثره عليهم ظهور أثر المصبوغ.
قال تعالى: {وجوه يومئذٍ ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذٍ
باسرة. تظن أن يفعل بها فاقرة} (القيامة: ٢٢، ٢٥) ثم قوله فيصبغ الخ ثابت في «صحيح مسلم» ساقط فيما وقفت عليه من نسخ الرياض ولعله من قلم الناسخ سهواً ولعل حكمة تقديم شأن أهل النار لكونه من باب الإنذار وهو كالتخلية على ما يتعلق بأهل الجنة الذي هو من باب البشارة لكونه كالتحلية بالمهملة، والظاهر أن تقديم المفعول المطلق هنا على نائب الفاعل وتأخيره ثمة للتفنن في التعبير (فيقال له) أي عقب إذاقته لأول ما يلقاه من النعيم الذي هو جزء يسير مما أعد له من النعيم كما تؤذن الفاء، والمبادرة بذلك للتشريف (هل رأيت) أي وجدت (بؤساً) أي شدة (قط هل مرّ بك بؤس قط) يحتمل أن يكون بمعنى ما قبله وكرر تأكيداً وإطناباً لزيادة التذكير بالنعمة التي آل إليه أمرها حتى هان عليه ما لاقاه في الدنيا في جانبها يقال ما يأتي، ويحتمل أن لا يكون كذلك بأن المسؤول عنه أولاً ما وجد مشقته وشدته وثانياً ما نزل به مما لم يكن كذلك لما عارضه من خفي لطف إلهي (فيقول لا وا) وصرح بالمحذوف بعد لا النافية الدال عليه سياق الكلام بقوله (ما مر بي بؤس) أي شدة (قط ولا رأيت شدة قط) لأن المقام للإطناب شكراً لما أبيح من تلك المنة التي يقصر عن بيان أدناها البيان (رواه مسلم) في التوبة من صحيحه وكذا رواه النسائي في الجهاد من سننه، كذا قال الحافظ المزّي في «الأطراف» وتعقبه الحافظ ابن حجر في «النكت الظراف» عليه بأنهما حديثان، وكان عليهما إفرادهما وذلك بيّن من سياقهما ولفظ حديث مسلم عن يزيد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ما ذكر، ولفظ حديث النسائي عن بهز عن حماد «يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله عزّ وجل يا ابن آدم كيف وجدت منزلتك؟ فيقول ربي: خير منزل، فيقول عزّ وجل: سل وتمنّ، فيقول أسألك......
أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما رأى من فضل الشهادة، ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول تبارك وتعالى: يا ابن آدم كيف منزلك؟» الحديث. فهذان حديثان مختلفان في السياق والمعنى وإن اتحد إسنادهما وقد أخرج الثاني الحاكم في «المستدرك» وقال صحيح على شرط مسلم انتهى.
٧٤٦٢ - (وعن المستورد) هو بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح الفوقية وكسر الراء
آخره دال مهملة (ابن شداد) بفتح المعجمة وتشديد المهملة الأولى، ابن عمرو بن حنبل بن الأحب بن حبيب بن عمرو بن شبان بن محارب بن فهر القرشي الفهري (رضي الله عنه) وأمه دعد بنت جابر بن حنبل بن الأحب أخت كرز بن جابر، ولما قبض النبي كان غلاماً قاله الواقدي، وقال غيره: إنه سمع من النبي سماعاً وأتقنه، سكن الكوفة ثم مصر، روى عنه أهل الكوفة وأهل مصر كذا في «أسد الغابة» ، قال ابن الجوزي روي له عن النبيّ سبعة أحاديث، قال البرقي: في هذه السبعة التي جاءت عنه منها أربعة لأهل مصر، وحديثان لأهل الكوفة، وحديث لأهل الشام اهـ عنه روى مسلم هذا الحديث وأخرج عنه حديثاً آخر ولم يرو له البخاري (قال: قال رسول الله: ما الدنيا) أي ما مثلها أو نعيمها أو زمانها (في الآخرة) أي في جانبها أو بالنظر إليها (إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه) قال في «المصباح» : فيه عشر لغات. تثليث الهمزة مع تثليث الموحدة، والعاشرة أصبوع كعصفور والمشهور من لغاتها كسر الهمزة وفتح الباء، وهي التي ارتضاها الفصحاء اهـ، وقد نظمتها بقولي:
وفي أصبع عشر بتثليث همزة
وباء له والعاشر أصبوع فاعلم......
(في اليم) بفتح التحتية وتشديد الميم: البحر (فلينظر) أي أحدكم (بم) أصله بما حذفت الألف؛ أي بأي شيء (يرجع) بالتحتية والضمير راجع لأحد: أي بما يرجع أحدكم أصبعه لا لأصبع لأنها مؤنثة كما في «المصباح» ، ثم قال: وفي كلام ابن فارس ما يدل على تذكير الأصبع، وقال الصغاني: يذكر ويؤنث والغالب التأنيث، قال في «المفاتيح» : يجوز في مثل أن يقرأ بالرفع والفتح على أنه مبني لأن «ما» في «ما يجعل» مصدرية يعني نسبة ما ذكر من نعيم الدنيا وزمانها إلى نعيم الآخرة، ليس إلا مثل نسبة الماء اللاصق بأصبع أحدكم إذا غمسها في اليم، أي البحر (رواه مسلم) في صفة الدنيا والآخرة من «صحيحه» ، ورواه الترمذي في الزهد، وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في الزهد.......
٨٤٦٣ - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرّ بالسوق) داخلاً من بعض طرق العالية كما في «صحيح مسلم» ، وحذفه المصنف اختصاراً لعدم تعلق غرضه، قال في
«المصباح» : يذكر ويؤنث، وقال أبو إسحاق في السوق التي يباع فيها مؤنثة وهو أفصح وأوضح وتصغيرها سويقة والتذكير خطأ لأنه قيل بسوق نافقة ولم يقل نافق بغير هاء اهـ، سميت بذلك لسوق الناس بضائعهم إليها أو لأنهم يقومون فيها على سوقهم أو لتصاكك السوق فيها من الازدحام (والناس كنفيه) جملة في محل الحال من ضمير مر، وفي «شرح مسلم» للمصنف قوله: والناس كنفيه وفي بعض النسخ كنفتيه معنى الأول جانبه والثاني جانبيه اهـ. ٥ ولم يظهر وجه تفسير ما حذفت التاء منه بالمفرد وما أثبت فيه تاء بالمثنى، وفي «النهاية» أنهما كذلك بمعنى والله أعلم، وفي «المصباح» : الكنف بفتحتين الجانب، وجمعه أكناف كسبب وأسباب (فمر بجدي) هو ولد المعز كذا في «المفاتيح» ، وفي المصباح قال ابن الأنباري: هو الذكر من أولاد المعز، والأنثى عناق، وقيده بعضهم في السنة الأولى، والجمع أجد وجداء كدلو وأدل وأدلاء، والجدي بالكسر لغة رديئة اهـ. (أسك) أي صغير الأذن من السك بفتحتين وهو صغيرها كذا في «المفاتيح» ، ويأتي مثله في الأصل، وقال العاقولي: الأسك مصطلم الأذنين مقطوعهما (ميت فتناوله) فيه دليل على أن لمس النجس إذا لم تكن رطوبة من أحد الجانبين لا ينجس (فأخذ بأذنه) كان الأخذ بها لمزيد الحقارة، والأذن بضمتين ويجوز تخفيفها بتسكين الثانية (ثم قال) كان الإتيان بثم لبيان أنه عرض بين الأخذ والتكلم ما تأخر بسببه التكلم، ويحتمل أن تكون استعيرت في موضع الفاء وعدل إليها تفنناً ودفعاً لثقل التكرار في الجملة (أيكم يحب أن هذه له بدرهم) أحد الظرفين في محل الخبر والآخر في محل الحال والأولى إعراب الأول خبراً والثاني حالاً كما يومىء إليه ما بعده، قال العاقولي: هو استفهام إرشاد وتنبيه ليلقوا السمع لما......
يوجهه إليهم من الخطاب الخطير في ضمن التمثيل بهذا المعنى الحقير (فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء) أي من الأشياء التي هي أقل من الدرهم فضلاً عنه (وما نصنع به) وهو نجس لموته قد انقطعت الأطماع بذلك عن الانتفاع به (قال) تأكيداً للمقام (تحبون) أي أتحبون (أنه لكم) أي من غير شيء (قالوا: وا لو كان حياً كان عيباً) أي معيباً أو ذا عيب ويجوز إبقاؤه على ظاهره من غير تأويل ولا تقدير، ويكون في الجملة مبالغة أنه لكمال قيام العيب به ولصوقه صار كأنه عيب وحذفت اللام من جملة لو، حملاً على جواب «أنّ» كما أثبتت اللام في جواب «أنّ» حملاً على جواب «لو» في قولهم وإلا لكان كذا أي لو كان حياً لترك مع رجاء الانتفاع به لكونه معيباً، قوله (أنه أسك) تفسير
لعيب (فكيف وهو ميت) لا ينتفع به (فقال وا للدنيا) بفتح اللام صدّر بها جملة جواب القسم المركبة من مبتدأ وهو الدنيا وخبر وهو قوله (أهون على الله من هذا عليكم) وأهون أفعل من الهون بضم الهاء وسكون الواو قال في «المصباح» هان يهون هوناً بالضم وهواناً: ذل وحقر، وفي التنزيل
{أيمسكه على هون} (النحل: ٥٩) قال أبو زيد والكلابيون يقولون: على هوان ولم يعرفوا الهون، وفيه مهانة: أي ذل وضعف اهـ، والمعنى أن الدنيا عند الله أذل وأحقر من هذا عندكم فعلى بمعنى عند. قال في «المصباح» : تأتي على بمعنى عند، قال الشاعر:
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها......
قال الأصمعي: معناه من عنده، ثم قال العلماء: الأنبياء والأصفياء والكتب الإلهية والعبادات في الدنيا وليست منها فلا تدخل في الهوان (رواه مسلم) في الزهد من «صحيحه» ، ورواه أبو داود في الطهارة من سننه (قوله كنفيه: أي عن جانبيه) تقدم في «المصباح» : الكنف الجانب وكان التأنيث باعتبار معنى الجهة (والأسك الصغير الأذن) قال في «المصباح» : السكك أي بفتحتين مصدر من باب تعب، وهو صغر الأذنين وبه يتأيد ما تقدم عن المفاتيح ويحمل قوله «مصطلمهما» أن ذلك خلقي، لا أن ذلك طارىء بقطعهما كما يعطيه لفظ الاصطلام إذ معناه كما في «الصحاح» أيضاً القطع: ثم رأيت «الصحاح» قال: السكك بالتحريك صغر الأذن، يقال: كل سكاء تبيض وكل شرقاء تلد، فالسكاء التي لا أذن لها والشرقاء التي لها أذن وإن كانت مشقوقة، ويقال سكة يسكه إذا اصطلم أذنيه اهـ. ومنه يعلم أن العاقولي اشتبهت عليه مادة بمادة فحمل الأسك على أنه من باب المضاعف المضموم العين المفسر بالاصطلام وإنما هو من باب علم كما تقدم في «المصباح» وغيره، فهو الصغير الأذن كما قاله المصنف وغيره.......
٩٤٦٤ - (وعن أبي ذر) بفتح المعجمة وتشديد الراء كنية جندب بن جنادة (رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي) فيه كمال تواضعه مع أصحابه وعدم ترفعه على أحد منهم (في حرة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: هي أرض ذات حجارة سود والجمع
حرار بكسر أوله (بالمدينة) علم بالغلبة على دار هجرته (فاستقبلنا أحد) بضمتين: الجبل المعروف بالمدينة (فقال يا أبا ذر) فيه تكنية العالم تلميذه وتابعه تأنيساً وتكريماً، وهو من كمال فضله وحسن خلقه (قلت) في نسخ البخاري المصححة «فقلت» بالفاء أوله (لبيك يا رسول الله) فيه الجواب زيادة في الأدب (قال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا) والإتيان به للتعظيم كقوله تعالى: {ذلك الكتاب} (البقرة: ٢) وقوله (ذهباً) تمييز لمثل، وجاء في رواية البخاري في باب الاستئذان من صحيحه «فلما أبصر أحداً قال: ما أحب أن يحول لي ذهباً» قال الحافظ بعد ذكر اختلاف رواياته: وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث ومخرجه متحد فهو من تصرف الرواة، ويمكن الجمع بين قوله مثل أحد وبين قوله: «يحول أحد» بحمل المثلية على شيء بكون وزنه من الذهب وزن أحد، والتحويل على أنه إن انقلب ذهباً كان على قدر وزنه أيضاً، وذهباً على تلك الرواية الثانية جعله ابن مالك مفعولاً ثانياً لحول ومفعوله الأول ضمير أحد. واستدل به على مجيء حول بمعنى صير، وعمله عملها وهو استعمال كثير يخفى على أكثر النحاة، ورده الحافظ بقوله بعد أن ذكر أن اختلاف ألفاظه من تصرف الرواة ما لفظه فلا يكون حجة في اللغة (تمضي علىَّ ثالثة) أي ليلة ثالثة وإنما قيد بالثلاث لأنه لا يتهيأ تفريق قدر أحد من الذهب في أقل منها غالباً لكن يعكر عليه رواية يوم وليلة، فالأولى أن يقال الثلاث أقصى ما يحتاج إليه في تفريق مثل ذلك والليلة الواحدة أقله (وعندي منه دينار) جملة حالية (إلاّ شيء) كذا هو فيما وقفت عليه من نسخ الرياض بالرفع وقد ذكر الحافظ في «الفتح» : أن فيه روايتين: الرفع والنصب،......
قال: وهما جائزان لأن المستثنى منه مطلق عام والمستثنى مقيد خاص فاتجه النصب، وتوجيه الرفع أن المستثنى منه في سياق النفي والشيء فسر في رواية بالدينار ووقع في رواية غير أبي ذر «وعندي منه دينار أو نصف دينار» وفي رواية أخرى «وأدع منه قيراطاً قال: قلت: قنطاراً، قال: قيراطاً» وفيه «ثم قال: يا أبا ذر
إنما أقول الذي هو أقل» (أرصده لدين) قال الدماميني بفتح الهمزة والصاد مضمومة أو مكسورة أي أعده وأحفظه وهذا الإرصاد أعم من أن يكون لصاحب
دين غائب حتى يحضر أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفى (إلا أن أقول به في عباد اهكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه) هو استثناء بعد استثناء فيفيد الإثبات فيؤخذ منه أن نفي محبة المال مقيدة بعدم الإنفاق فيلزم محبة وجوده مع الإنفاق فما دام الإنفاق في سبيل الله موجوداً لا يكره وجود المال، وإذا انتفى الإنفاق ثبتت كراهية وجود المال ولايلزم من ذلك كراهية حصول شيء آخر ولو قدر أحد، أو أكبر مع استمرار الإنفاق، وقوله عن يمينه الخ هكذا اقتصر على ثلاث وحمل المبالغة لأن العطية لمن بين يديه هي الأصل، قال في «الفتح» : والذي يظهر لي أن ذلك من تصرف الرواة وأن أصل الحديث مشتمل على الجهات الأربع، ثم ذكر أنه وجده كذلك في رواية بإثبات الأربع قال: وقد أخرجه في الاستئذان فاقتصر على ثنتين وعدّي إلى الأولين بحرف المجاوزة لأن المنفق منهما كالمنحرف عن المنفق المار على عرضه، ونظيره جلست عن يمينه، وعدى الثالث بحرف الابتداء إيماء إلى كمال المبالغة في الكرم حتى كأنه ابتدأ به من جهة الخلف بعد أن أتمه من جهة الأمام وجاوز به من عن جانبيه، وقال الحافظ: قوله من خلفه بيان للإشارة وخص عن باليمين والشمال لأن الغالب في الإعطاء صدوره باليدين اهـ. وما قلناه أظهر فتدبر (ثم سار فقال) في رواية للبخاري ثم قال: وبها يتبين أن أحد العاطفين استعير في محل الثاني (ألا) ......
أداة استفتاح يؤتى بها لتنبيه السامع لما بعدها اهتماماً به (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة) هكذا عند البخاري الأقلون بالهمزة في الاستقراض والاستئذان من «صحيحه» ووقع عنده في الرقاق منه «المقلون» بالميم محل الهمز، قال الحافظ: والمراد الإكثار من المال والإقلال من ثواب الآخرة، وهذا في حق من لم يتصل بما دل عليه الاستثناء بعد من الإنفاق بقوله (إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه) في رواية عند أحمد «إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا فحثى عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره» فاشتملت الروايتان على الجهات الأربع وإن كان كل اقتصر على ثلاث منها وقد جمعها عبد العزيز بن رفيع في روايته ولفظه «إلا من أعطاه الله خيراً» أي ما لا فنفح......
بنون وفاء ومهملة أي أعطى كثيراً بلا تكلف يميناً وشمالاً وبين يديه ووراءه وبقي من الجهات فوق وأسفل والإعطاء من قبل كل منهما ممكن لكن حذف لندوره وقد فسر بعضهم الإنفاق من وراء بالوصية ولي قيداً فيه بل قد يقصد الصحيح الإخفاء فيدفع لمن وراء ما لم يدر به من أمامه، وقوله هكذا صفة لمصدر محذوف: أي لمن أشار إشارة مثل هذه الإشارة (وقليل ما هم) ما صلة مزيدة
لتأكيد القلة، ويحتمل أن تكون موصوفة ولفظ قليل هو الخبر وهم المبتدأ والتقدير: وهم قليل وقدم الخبر اهتماماً بمضمونه كما يؤذن به تأكيده، ففيه التحريض على الإنفاق لأصحاب الأموال ليندرج في القليل الذي هو الجليل وا الموفق (ثم قال لي مكانك) بالنصب: أي الزمه وقوله (لا تبرح) تأكيد له ودفع لتوهم أن الأمر بلزوم المكان ليس عاماً في الأزمنة (حتى آتيك) غاية للزوم المكان المذكور (ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى) فيه إشعار بأن القمر كان قد غلب حتى توارى: أي غاب شخصه. قلت: ويحتمل أن يكون التواري بسبب زيادة البعد حتى خفي عن البصر سيما ونور القمر يغيب فيه الشخص عن العين في بعد لا يتوارى عنها في مثله في الشمس لضعف ضوئه (فسمعت صوتاً قد ارتفع) في رواية لغطاً وهو اختلاط الأصوات (فتخوفت أن يكون) أي من أن يكون (أحد قد عرض) أي تعرض بسوء (للنبي فأردت أن آتيه) أي أتوجه إليه كما جاء في رواية أن أذهب: أي إليه ولم يرد أن يتوجه لحال سبيله بدليل رواية الباب (فذكرت قوله لا تبرح فلم أبرح حتى أتاني) في رواية فانتظرته حتى جاء، وفي الحديث الوقوف عند أمره ولزوم طاعته قال في «الفتح» : ففيه أن امتثال أمر الكبير والوقوف عنده أولى من ارتكاب ما يخالفه بالرأي ولو كان فيما يقتضيه الرأي توهم دفع مفسدة حتى يتحقق ذلك فيكون دفعها أولى اهـ. (فقلت) جاء في رواية للبخاري زيادة يا رسول الله (لقد سمعت صوتاً تخوفت منه) اللام هي المؤذنة بالقسم المقدر الداعي إليه تأكيد مقام الإخبار (فذكرت......
له) المفعول محذوف: أي ما سمعت وقد جاء مصرحاً به في بعض رواياته بلفظ فذكرت له الذي سمعت (فقال: وهل سمعته) المعطوف عليه محذوف أي أتذكر ذلك وهل سمعته، ومفعول سمع محذوف لدلالة ما قبله: أي وهل سمعت صوتاً؟ وظاهر أن الاستفهام للتثبت والتقرير لتقدم إخباره بالسماع فجوز أن يكون التبس عليه صوت نحو ريح حينئذٍ بصوت متكلم فقال ذلك ذلك (قلت نعم) أي من غير تردد (قال ذاك) أي الذي كنت أخاطبه (جبريل) أو ذلك الصوت الذي سمعته صوت جبريل ففيه على الثاني مضاف مقدر (أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك با شيئاً)
أي من الشرك الجلي، أما الخفي وهو نحو الرياء فغير مانع من دخول الجنة (دخل الجنة) فقيل المراد إما ابتداء أو بعد المجازاة على المعصية، وقيل المراد دخلها ابتداء وقد حمله كذلك البخاري على من تاب عند الموت وهذا ما فهمه أبو ذر، والأول أولى للجمع بين الأدلة، جواب الشرط، رتب دخول الجنة على الموت بغير إشراك با، فقد ثبت الوعيد بدخول النار لمن عمل بعض الكبائر، وبعدم دخول الجنة لمن عملها ولذا وقع الاستفهام. بقول أبي ذر (قلت وإن زنى وإن سرق) بتقدير همزة الاستفهام قبله. قال ابن مالك: حرف الاستفهام مقدر أول هذا الكلام ولا بد من تقديره (قال: وإن زنى وإن سرق) أي يدخلها وإن زنى وإن سرق، إن وصلية والواو الداخلة عليها قيل عاطفة على مقدر، وقيل حالية، واقتصر على ذكر هذين لأن أحدهما متعلق بحق الله سبحانه، والآخر بحق العباد فكأنه يقول: إن من مات على التوحيد دخلها وإن تلبس بمعصية متعلقة بحق الله تعالى أو بحق عباده، وزيادة شرب الخمر في رواية للإشارة إلى فحش تلك الكبيرة لأنها تؤدي إلى خلل في العقل الذي به شرف الإنسان على البهائم، وبوقوع الخلل فيه قد يزول التوقي الذي يحجز عن ارتكاب بقية الكبائر، وأسقط المصنف تكرار استفهام أبي ذر لذلك وجوابه عن ذلك مرتين أخريين زاد في الثالثة «وإن رغم أنف أبي ذر» لعدم تعلق غرض الترجمة به............
(متفق عليه، وهذا لفظ البخاري) في الرقاق من «صحيحه» ، وقد أخرجه في مواضع أخرى منه وأخرجه مسلم في الزكاة، ورواه الترمذي في الإيمان من «جامعه» وأخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» ومداره عندهم على زيد بن وهب عن أبي ذر كذا يؤخذ من «الأطراف» للمزي.
١٠٤٦٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو كان لي) أي وجد فهي تامة فاعلها (مثل أحد) والظرف حال منه، ويجوز أن تكون ناقصة والظرف خبراً مقدماً
(ذهباً) تمييز مثل (لسرني ألا تمر عليّ ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء) بالرفع مستثنى من شيء ورفع لكونه مستثنى من كلام منزل منزلة المنفي، وهو أنه في حيز جواب لو إذ هو في تقدير النفي كما أشار إليه الحافظ في «الفتح» (أرصده) في محل الصفة للمستثنى أي أعده (لدين) أي لأدائه عند مجيء الدائن، أو عند حلول أجل الدين كما تقدمت الإشارة لذلك. وفي الحديث الحث على الإنفاق في وجوه الخير والحض على ذلك في الحياة وفي الصحة وترجيحه على إنفاقه عند الموت وقد تقدم منه حديث «أن تصدق وأنت صحيح شحيح» وأنه كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا بحيث إنه لا يحب أن يبقى بيده شيء منها لإنفاقه فيمن يستحقه أو لإرصاده لمن له حق وأما لتعذر من يقبل ذلك منه لتقيده في رواية عند البخاري بقوله أجد من يقبله وفيه تقديم وفاء الدين على صدقة التطوع وفيه الحث على وفاء الدين وأداء الأمانة وجواز استعمال لو عند تمني الخير، وتخصيص الحديث الوارد بالنهي عن استعمال ما يكون في أمر غير محمود شرعاً وفيه غير ذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري مع الحديث قبله في باب واحد...................
١١٤٦٦ - (وعنه) أي أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله: انظروا إلى من) الأقرب أنه موصول، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة (أسفل) بالنصب على أنه ظرف مستقر صلة للموصول أو صفة له، وإعرابه خبراً لضمير محذوف هو العائد لمن يأباه أن شرط حذف العائد ألا يصلح ما بقي لكونه صلة، وما هنا صالح له وأن شرطه أن يكون مبتدأ مخبراً عنه بمفرد وذلك خاص بصلة أي، لاستطالتها بالإضافة، وقراءة «على الذي أحسن» برفع أحسن على أن التقدير الذي هو أحسن شاذ، وفي بعض نسخ مسلم إثبات هو قبل أسفل هو العائد وهو مبتدأ والظرف مستقرّ في محل الخبر، والجملة صلة والمراد أسفل في أمور الدنيا كما بينه الحديث بعده ويدل عليه فهو أجدر الخ، أما في أمور الدين فينظر الإنسان لمن هو أعلى منه فيها جداً أو استقامة ليدأب كذلك، وفي الحديث «رحم الله عبداً نظر في دنياه لمن هو دونه فحمد الله وشكره، وفي دينه لمن هو فوقه فحمد واجتهد» قال في «الفتح» : وقد وقع في
نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً: من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به، ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، وأما من نظر في دنياه إلى من هو فوقه وأسف إلى ما فاته فإنه لا يكتب شاكراً ولا صابراً اهـ. (ولا تنظروا إلى من) أي الذي أو شخص (هو فوقكم) أي في ذلك على سبيل استعظام ما ناله واستكثاره (فهو) أي قصر النظر عمن فوق أو هو مع ما قبله (أجدر) أي أحق (ألا تزدروا) أي بأن لا تحقروا وتستصغروا افتعال من ازدراء قلبت فاؤه دالاً لتجانس الزاي في الجهر (نعمة الله عليكم) ثم ما أذن به أفعل من التفضيل المؤذن بثبوت أصله عند النظر المذكور باعتبار ما ركز في الطباع السالمة من الآفة من شكر نعمالله. وإن قلت: وعدم احتقارها. قال ابن جرير وغيره: هذا الحديث جامع لأنواع الخير، وذلك لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه............
من ذلك واستصغر ما عنده من نعمة الله وحرص على الازدياد ليلحق من فضل عليه فيها أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس قال بعض السلف: صاحبت الأغنياء فكنت لا أزال في حزن أرى داراً واسعة ودابة فارهة ولا عندي شيء من ذلك: فصحبت الفقراء فاسترحت، وفي معناه ما أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن الشخير رفعه «أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة ا» أورده في «الفتح» ، وأما إذا نظر في الدنيا إلى من هو دونه ظهر له نعمة الله عليه فشكرها وتواضع وفعل ما فيه الخير وكذا إذا نظر إلى من هو فوقه في الدين ظهر له تقصيره فيما أتى به فحمله ذلك على الخضوع لمولاه، وألا ينظر لعمله ولا يعجب به ويزداد في الجهد في العمل والدأب فيه، وا الموفق وسيأتي له مزيد إن شاء الله تعالى (متفق عليه) أي في الجملة، وإلا فالحديث المذكور رواه مسلم في الزهد من «صحيحه» من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وكذا رواه الترمذي وابن ماجه في الزهد من «جامعه» وقال الترمذي صحيح، وحديث البخاري باللفظ الآتي بعده هو الذي اتفقا عليه فرواه مسلم عقب هذا الحديث عن يحيى بن يحيى وقتيبة قال: حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة والبخاري في أواخر الرقاق من «صحيحه» عن إسماعيل عن مالك عن أبي الزناد به، فالحديث الآتي هو المتفق عليه، أما الأوّل فانفرد به مسلم عن البخاري، وقد صنع كذلك المزي في «الأطراف» فرمز على حديث الباب برمز مسلم دون رمز
البخاري، ورمز على الحديث الثاني برمز البخاري دون مسلم، وكأن المصنف اعتمد آخر كلامه فقال (وهذا لفظ مسلم) .
(......
وفي رواية البخاري) الظاهر في اختصاص البخاري باللفظ الثاني بل إنه عند مسلم أيضاً عقب الحديث الذي قبله من غير فاصل، ولكن سبحان من لا يسهو، وقد حرّر السيوطي في «الجامع الصغير» ذلك فرمز في الحديث الأول لمسلم فقط وفي الثاني للمتفق عليه (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه) بضم الفاء وبالمعجمة مبني للمجهول (في المال والخلق) بفتح الخاء المعجمة: أي الصورة المدركة بحاسة البصر.g قال في «الفتح» : ويحتمل أن يدخل في ذلك الأولاد والأتباع وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدنيا، قال: ورأيته في نسخة معتمدة من «الغرائب» للدارقطني بضم الخاء واللام. قلت: إن ثبتت تلك الرواية فتحمل على أن المراد الأخلاق الدنيوية لأنها المأمور فيها بما يأتي (فلينظر إلى من هو أسفل منه) أي في ذلك، قال ابن بطال: هذا الحديث جامع لمعاني الخير، لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهداً فيها إلا وجد من هو فوقه، فإذا طلبت نفسه اللحاق به فيكون أبداً في زيادة تقربه من ربه ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أخس حالاً منه: فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون من فضل هو عليه بذلك من غير أمر أوجبه فيلزم نفسه الشكر فيعظم اغتباطه بذلك في معاده، وقال غيره: في هذا الحديث دواء كل داء لأن الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن من أن يؤثر فيه الحسد، ودواؤه أن ينظر إلى من هو أسفل منه ليكون ذلك باعثاً له على الشكر.......
١٢٤٦٧ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي قال: تعس) بكسر العين المهملة، ويجوز الفتح: أي خر لوجهه، والمراد هنا هلك. قال ابن الأنباري: التعس الشر، وقيل البعد (عبد الدينار والدرهم والقطيفة) بالقاف والطاء المهملة والتحتية والفاء بوزن صحيفة هي الثوب الذي له خمل (والخميصة) بالخاء المعجمة وبالميم والصاد المهملة
بالوزن المذكور هي كساء مربع: أي عبد كل مما ذكر وقد جاء التصريح بالمضاف مع كل في رواية للبخاري بلفظ «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة» رواه كذلك في كتاب الجهاد: أي طالب ما ذكر الحريص على جمعه القائم على حفظه فكأنه لذلك خادمه وعبده، قال: خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا كالأسير الذي لا يجد ملخصاً، ولم يقل مالك ولا جامع الدنيا لأن المذموم من الملك والجمع الزيادة على الحاجة. وقال غيره: جعله عبداً لها لشغفه وحرصه فمن كان عبداً لهواه لم يصدق في حقه «إياك نعبد وإياك نستعين» فلا يكون من اتصف بذلك صديقاً قاله في «الفتح» (إن أعطى) بالبناء للمفعول مما ذكر (رضي وإن لم يعط لم يرض) هذان الشرطان وجوابهما مسوقان لبيان سبب شدة حرصه على ذلك (رواه البخاري) في الرقاق من «صحيحه» .......
١٣٤٦٨ - (وعنه: قال لقد رأيت) أي أبصرت (سبعين من أهل الصفة) يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم غير السبعين الذين استشهدوا ببئر معونة، وكانوا من أهل الصفة أيضاً لكونهم استشهدوا قبل إسلامه (ما منهم رجل) جاز الابتداء به مع نكارته لتقدم الخبر الظرفي عليه أو لكونه في سياق النفي أو لوصفه بجملة (عليه رداء) ولا مانع من تعدد المسوغات لأنها معرفات لا مؤثرات، والرداء ما يستر أعالي البدن فقط وقوله (إما إزار وإما كساء) أي ما إزار وهو ما يستر أسافل البدن فقط. وإما كساء وهو بالمد معروف وقوله (قد ربطوا في أعناقهم) جملة في محل الصفة لكساء (فمنها) أي الأكسية المدلول عليها بقوله: وإما كساء (ما يبلغ نصف الساقين) لقصره (ومنها ما يبلغ الكعبين) لطوله، والكعب العظم الناتىء، عند مفصل السابق والقدم سمي به لنتوئه (فيجمعه) أي ما ذكر من الكساء بقسميه (بيده) ليستر العورة (كراهية) مفعول له (أن تبدو) بالواو: أي تظهر (عورته) من صغر الكساء وقصره واقتصارهم على ذلك زهداً في زهرات الدنيا وإقبالاً على العبادة وعمارة الدار الآخرة (رواه البخاري) في المساجد من «صحيحه» . قال البخاري في مؤلفه في
أهل الصفة، وفي لفظ أبي نعيم عنه «رأيت سبعين منهم يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتيه ومنهم من هو أسفل من ذلك، فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته» وبعضه عند الحاكم عنه ولفظه «لقد كان أصحاب الصفة سبعين رجلاً مالهم أردية» وقال صحيح على شرطهما، والمراد أن ذلك قدر ما رآه كما تقدم. قال أبو نعيم: الظاهر من أحوالهم والشاهد من أخبارهم غلبة الفقر عليهم وإيثار القلة واختيارهم لها فلم يجتمع لهم ثوبان ولا حضرهم من الطعام لونان اهـ. وقد ألف في أهل الصفة الحافظ أبو نعيم كما نقل الحافظ في «الفتح» في أبواب المساجد والسخاوي وغيرهما.......
١٤٤٦٩ - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله: الدنيا سجن المؤمن) أي بالنسبة لما أعد له من النعيم (وجنة الكافر) أي بالنسبة لما أعد له من العذاب، أو يقال المؤمن ممنوع من شهواتها المحرمة فكأنه في السجن، والكافر عكسه فهي كالجنة له، قاله الشيخ أكمل الدين، وأشار إلى أنه من التشبيه البليغ: أي حذفت أداته وحمل المشبه على المشبه به مبالغة وادعاء أنه من أفراده، لا استعارة لأن شرطها طيّ ذكر المشبه أو المشبه به، وأشار بعضهم إلى أنه على حقيقته وأن المؤمن لما عليه في الدنيا من التكاليف وتوالي المحن والمكابدات للهموم والغموم والأسقام وغير ذلك في سجن وأي سجن أعظم من ذلك، ثم هو في السجن لا يدري بماذا يختم له من عمل كيف وهو يتوقع أمراً لا شيء أعظم منه ويخاف هلاكاً لا هلاك فوقه، فلولا أنه يرتجي الخلاص من هذا السجن لهلك حالاً، ولكن لطف الله به بما وعده على صبره وبما كشف له من حميد عاقبة أمره، والكافر منفك عن تلك التكاليف آمن من تلك المخاوف مقبل على لذته منهمك في شهوته فهو كالأنعام، وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام ويحصل في السجن الذي يرام، نسأل الله العافية اهـ.
وفي الحديث تحريض للمؤمن على الإعراض عنها وعدم النظر لها نظر محبة لأن ذلك شأن السجن (رواه مسلم) في أواخر صحيحه، قال السيوطي في «الجامع الصغير» : رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة، والطبراني والحاكم في «المستدرك» عن ابن
عمر، وأخرجه أحمد والطبراني وأبو نعيم في «الحلية» والحاكم في «المستدرك» عن ابن عمر بلفظ «الدنيا سجن المؤمن وسنته فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة» اهـ.......
«لطيفة» حكى القرطبي في كتاب جمع الحرص بالقناعة عن سهل الصعلوكي الفقيه الخراساني وكان ممن جمع رياسة الدين والدنيا أنه كان في بعض مواكبه ذات يوم إذ خرج عليه يهودي من إيوان حمام وهو بثياب دنسة وصفة نجسة فقال أنتم تزعمون أن نبيكم قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟» وأنا عبد كافر وترى حالي. وأنت مؤمن وترى حالك فقال له على الفور: إذا صرت غداً إلى عذاب الله كانت هذه الجنة لك وإذا صرت أنا إلى النعيم ورضوان الله صار هذا سجني، فعجب الخلق من فهمه وسرعة جوابه اهـ.......
١٥٤٧٠ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبيّ) بتشديد التحتية إحداهما ياء التثنية ويروى بتخفيف الياء على الإفراد، والمنكب بوزن مسجد مجتمع رأس العضد والكتف لأنه يعتمد عليه كذا في المصباح، وأخذه بمنكبيه ليقبل بقلبه على ما يلقيه إلي ويستيقظ إن كان في غفلة لذلك عما هو فيه مع ما فيه من التأنيس والتنبيه والتذكير، إذ محال عادة أن ينسى من فعل معه هذا ما يقال له، وهذا لا يفعل غالباً إلا مع من يميل إليه الفاعل دليل على محبته، ونظير هذا قول ابن مسعود: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكفي بين كفيه (فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) زاد الترمذي «وعد نفسك من أهل القبور» ورواه أحمد والنسائي أوله «اعبد الله كأنك تراه وكن في الدنيا» الخ (وكان ابن عمر) راوي الخبر (يقول) أي عقب روايه له كما يؤذن به سياق المصنف وهو كالرديف لما قبله، قال الأعمش راويه عن مجاهد عن ابن عمر وقال: قال لي ابن عمر، وفي لفظ آخر عنه قال مجاهد ثم قال لي ابن عمر وكذا جاء في رواية غير الأعمش (إذا أمسيت) أي دخلت في المساء وهو لغة من الزوال إلى نصف الليل (فلا تنتظر) أي بأعمال المساء (الصباح وإذا أصبحت) أي دخلت في الصباح فالفعلان تامان، والصباح من نصف الليل إلى الزوال كما ذكره السيوطي (فلا تنتظر) أي بأعمال النهار (المساء) وذلك أن لكل منهما عملاً يخصه فإذا أخر عنه فات ولم يستدرك كماله وإن شرع قضاؤه فطلبت المبادرة بعمل كل
وقت في وقته، أو المراد إذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالبقاء إلى الصباح وكذا عكسه بل انتظر الموت كل وقت واجعله نصب عينيك، وعقب به المصنف ما قبله لأن الحديث للحض على ترك الدنيا والزهد فيها كما سيأتي بيانه في الأصل، وهذا للحض على تقصير الأمل فذاك متوقف على هذا لأنه المصلح للعمل والمنجي من آفات التراخي والكسل، فإن من أطال أمله ساء عمله، فعلم أن هذا سبب للزهد في......
الدنيا، وقولهم إنه هو مرادهم أن بينهما تلازماً صيرهما كالشيء الواحد فهو مجازي وإلا فالحقيقة ما قلنا، فمن قصر أمله زهد ومن طال أمله رغب وترك الطاعة وتكاسل عن التوبة وقسا قلبه لنسيان الآخرة ومقدماتها من الموت وما بعده من الأهوال (وخذ من صحتك) أي أعمالاً صالحة تستعين في تحصيلها بها مبتدأه منها منتهية أو مدخرة (لمرضك) أي لمدته التي تشتغل عنها في المرض أي فلا تغفل عنها في زمن تمكنت فيه منها، وهو زمن الصحة لئلا تغبن في صفقتك (و) خذ (من حياتك لموتك) يحتمل أن يكون أعم مما قبله بأن يراد الإكثار منها ولو في زمن المرض المتمكن فيه منها فيكون فيه ترق وزيادة في التحريض على اغتنام الطاعة وعدم التواني فيها مع إمكانها ولو شقت وصعبت على النفوس لمرض أو غيره، ويحتمل أن يكون بمعنى ما قبله أي من زمن صحتك مدة حياتك فيكون تأكيداً لما قبله واهتماماً به وزيادة تحريض عليه، وبالجملة فرأس مال المؤمن صحته وحياته وأيام حياته زمن تجارته فلا ينبغي له أن يفرط فيها مع التمكن منها ليحصل له من ربح التجارة ونفعها ما يدوم نفعه عليه عند حاجته إليه لنحو مرض، وفي الحديث «إذا مرض العبد أو سافر بقول الله لملائكته اكتبوا ما كان يعمله صحيحاً مقيماً» وهذا فيه توسل لدوام فضل المولى سبحانه بحسن العمل، وفي الحديث «تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» وقلت في هذا المعنى:
أيها السالك المريد تنبه
من منامك وغفلة قبل فوتك
خذ لسقم من الشباب وبادر
ومن الوقت قبل فوت لموتك......
(رواه البخاري) في الرقاق من صحيحه، ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» ، وابن حبان في «صحيحه» ، وقد صرح الأعمش فيه بتحديث مجاهد له في الصحيح بخلاف رواية ابن حبان، ولذا قال: مكثت مدة أتوهم أن الأعمش سمع هذا الحديث من ليث ودلسه حتى رأيت ابن المديني رواه عن الطفاوي فصرح بقول الأعمش سمعت مجاهداً. ذكره السخاوي في «تخريج الأربعين» حديثاً التي جمعها المصنف، ثم نقل أنه أنكر الاتصال وقال: إنما رواه الأعمش بالعنعنة، وكذا رواه عنه
أصحابه، وكذا أصحاب الطفاوي عنه، وتفرد ابن المديني بالتصريح قال: ولم يسمعه الأعمش عن مجاهد وإنما سمعه من ليث عنه فدلسه: يعني فرجع الحديث إلى ليث وسكت عن رده، وكأنه لوضوحه بأن الصحيح ما في الصحيح فلا عبرة بما يخالفه (قالوا) أي شراح الحديث المدلول عليهم بالسياق (معناه) أي معنى الحديث من حيث الجملة (لا تركن) بفتح الكاف وبضمها لأنه جاء من بابي علم ونصر كما في «مفردات الراغب» ، زاد في «الصحاح» أن الذي حكاه من باب علم. أبو زيد قال: وما حكى أبو عمرو: ركن يركن، بالفتح فيهما فإنما هو على الجمع بين اللغتين اهـ: أي لا تمل وتسكن (إلى الدنيا) وتطمئن بها (ولا تتخذها وطناً) يحتمل أن يكون من عطف الجزء على الكل اهتماماً، وذلك لأن السكون إليها والطمأنينة بها إنما يكون مع توطنها، ويحتمل أن يكون من عطف المغاير، فالأولى للنهي عن النظر لزهراتها على وجه الإعجاب بها والميل إليها. والثانية للنهي عن استيطانها والإقامة بها، وذلك لأن من توطن مكاناً سعى في عمارته، وعمارتها خلاف شأن الحازم لأنه مفارق لها إلى دار لا يفارقها الأبد، فحقه الاحتفال بتلك لا بهذه، وهذا راجع لقوله «كن في الدنيا كأنك غريب» لأن شأن الغريب عدم الركون لغير وطنه وترك التوطن بسواه. وقوله (ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها) راجع لقوله أو عابر سبيل، لأن شأن من دخل بلداً في أثناء......
سفره ألا يحدث نفسه بالمقام بها لأنه ينقطع بذلك عن الرفق فتلحقه المشاق، ولا بالاعتناء بتلك البلد لأن المرء لا يعتني بحسب طبعه إلا بما يعود نفعه عليه من وطنه، وقوله (ولا تتعلق منها) ظرف مستقر صفة لمحذوف: أي بشيء منها أو بمعنى متعلق بالفعل: أي تعلقاً مبتدأ منها، فمن للتبعيض أو للابتداء (بما) أي بالذي (لا يتعلق به الغريب في غير وطنه) مما لا تدعو إليه ضرورته من زاد ومركوب، فكذا شأن الحازم ألا يتعلق في سفره إلى مولاه بشيء من الدنيا إلا براحلته التي يتوصل بها إلى مرضات ربه وهي نفسه، فيشتغل بما يتوصل به إلى أن يؤديها حقها ويكفيها عن الغير، وكذا يكتسب ما يقوم به من تجب عليه مؤنتهم وبزاده الذي هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي ويعرض عما عداه (ولا يشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي
يريد الذهاب) أي العود (إلى أهله) فإن شأنه ألا يستكثر من المتاع لأن ذلك يتعبه في مقصده ويثقله عن مطلبه، بخلاف من أضرب عن العود فذلك لا يحتفل بأم السفر، فالحازم لا يتخذ من الدنيا ما يثقله في سفره إلى مولاه، والغافل عن ذلك معرض عن آخرته مقبل على زهرة دنياه، وهذا راجع لمجموع الحديث وذلك لأنه إذا كان المسافر المذكور، وإن كان يقيم بتلك البلاد شأنه الإعراض عما يثقله في سفره، فالعابر بها من غير إقامة أولى بذلك والله أعلم.......
١٦٤٧١ - (وعن أبي العباس) بتشديد الموحدة وبعد الألف مهملة (سهل بن سعد الساعدي) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الدلالة على الخير (قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى النبي) أي جاء ساعياً إليه (فقال: يا رسول الله دلني) سؤال من الدلالة أي نبهني (على عمل) التنوين فيه للتعظيم وعظمه إنما هو بحسب ثمرته كما يومىء إليه قوله (إذا عملته) أي مريداً به وجه الله (أحبني ا) بإرادة الثواب (وأحبني الناس) أي مالوا إليّ ميلاً طبيعياً لا يدخل تحت الاختيار، والجملة الشرطية صفة عمل (فقال: ازهد في الدنيا) أي أعرض عما لا تدعو إليه الضرورة مما زاد عنها من المباح احتقاراً له وإرباء بنفسك عنها بغضاً له، فحبّ الدنيا رأس كل خطيئة، والزهد عزوب النفس عن الدنيا مع القدرة عليها لأجل الآخرة خوفاً من النار وطمعاً في الجنة أو ترفعاً عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى، ولا يكون ذلك إلا بعد انشراح الصدر بنور اليقين (يحبك ا) جواب الشرط المقدر لوقوعه جواب الأمر كما هو الرواية، ويجوز من حيث الصناعة أن يكون مستأنفاً، وفيه إيماء إلى شرف الزهد لعظم ثمرته التي هي محبة المولى، ثم المراد من كون حبها مذموماً حبها كذلك إيثاراً لشهوة نفس ونجوها لأنه يشتغل عن الحق سبحانه، أما حبها لفعل الخير وإعانة محتاج وإغاثة ملهوف وإطعام بائس فعبادة بشهادة قوله: «نعم المال الصالح مع الرجل الصالح، يصل به رحماً ويصنع به معروفاً» (وازهد فيما عند الناس) من
نحو مال وجاه بإعراضك عنه ورفضك إياه (يحبك الناس) أي بسبب ذلك، ومتى نازعتهم في ذلك بغضوك ونازعوك إياه فإنهم بطباعهم يتهافتون عليه تهافت الذباب على النتن، والكلاب على الجيف، ومن ثم شبه الشافعي رضي الله عنه الدنيا بها، والناس بالكلاب بقوله:
وما هي إلا جيفة مستحيلة
عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها
وإن تجتذبها نازعتك كلابها......
(حديث حسن) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «تخريج الأربعين» التي جمعها المصنف بعد كلام ذكره في إسناد الحديث ما لفظه: فالظاهر أن الحديث الذي أوردناه آنفاً لا يصح ولا يطلق على إسناده أنه حسن اهـ. قال السخاوي: كأنه أشار بهذا الكلام إلى شيخه: أي الحافظ الزين العراقي، فإنه حسنه في «أماليه» وسبقه إليه الشيخ: يعني النووي (رواه ابن ماجه) في سننه (وغيره) قال السخاوي في «تخريج الأربعين» المذكورة: وأخرجه الطبراني في «معجمه الكبير» وابن حبان في «روضة العقلاء» له والحاكم في الرقاق من «مستدركه» وقال: إنه صحيح الإسناد وليس كذلك (بأسانيد حسنة) فرواه ابن ماجه عن أبي عبيدة بن السفر عن شهاب بن عباد، ورواه بن حبان عن محمد بن أحمد بن المسيب عن يوسف بن سعيد بن مسلم، ورواه الحاكم عن أبي بكر محمد بن جعفر الآدمي عن أحمد بن عبيد بن ناصح، ورواه الطبراني عن علي بن عبد العزيز البغوي عن أبي عبيد القاسم بن سلام، أربعتهم عن خالد بن عمرو القرشي، وأخرجه الحافظ السخاوي من طريق محمد بن كثير المصيصي قالا وتقاربا في اللفظ: ثنا سفيان الثوري عن أبي حازم المدني عن سهل، وكذا أخرجه العقيلي والبيهقي والقضاعي في مسند الشهاب من طريق البغوي، وقال الحاكم: إنه صحيح الإسناد، وليس كذلك فخالد مجمع على تركه، ضعفه أحمد وابن معين والبخاري في آخرين، ونسبه أحمد وابن معين وآخرون إلى وضع الحديث، وابن كثير أيضاً ليس عمدة ضعفه أحمد جداً وقال مرة: حدث بمناكير لا أصل لها، وقال مرة: لم يكن عندي بثقة، وضعفه النسائي ولينه البخاري. قال السخاوي بعد نقل كلام الحافظ السابق في منع تحسين الحديث ما لفظه: ويساعد شيخنا قول أبي جعفر العقيلي ليس له من حديث الثوري أصل، ولعل ابن كثير أخذ عن خالد ودلسه لأن المشهور به خالد كذا قال، وخالفه
الخطيب فذكر الحديث عن الثوري وقال: أشهر طرقه عن الثوري ابن كثير، لكن وافقه ابن عديّ على أنه منكر من حديث الثوري......
اهـ. وبه يعلم أن الحديث له عند من ذكر سند واحد وهو الثوري إلى منتهاه لا أسانيد، ولعله باعتبار الطرق الموصلة إليه وأن سند الحديث ليس بحسن لما علمت، والله أعلم.
١٧٤٧٢ - (وعن النعمان) بضم النون وسكون المهملة (ابن بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وسكون التحتية ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي (رضي الله عنهما) له ولأبويه صحبة وتقدمت ترجمته في باب الأمر بالمحافظة على السنة (قال: ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصاب الناس) أي حازوه وحصلوه (من الدنيا) أي المال والخول والجاه وغير ذلك من الأعراض المخدجة فما موصولة عائدها محذوف ومن بيانية (فقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يظل) مضارع ظل التي هي لاتصاف اسمها بخبرها نهاراً (اليوم) ظرف لقوله (يلتوي) وقوله (ما يجد دقلا يملأ به بطنه) جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً بسبب التوائه طول يومه (رواه مسلم) في آخر «صحيحه» وابن ماجه في الزهد من «سننه» ، ورواه مسلم أيضاً فيه ورواه الترمذي في الزهد من «سننه» في «شمائله» لكن من حديث النعمان نفسه أنه قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه» وقال الترمذي: صحيح، ورواه أبو عوانة (الدقل بفتح الدال المهملة والقاف) آخره لام (رديء) بالهمز فعيل من الرداءة (التمر) قال في «الصحاح» : أردأ التمر، وما ذكره الشيخ هو ما في «النهاية» ، وعبارتها: الدقل هو ردىء التمر ويابسه، وما ليس له اسم خاص فتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ويكون منثوراً اهـ.......
١٨٤٧٣ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما في بيتي شيء يأكله ذو
كبد) بفتح الكاف وكسر الموحدة في الأفصح: أي حيوان وعبرت به لأنه من الأجزاء الرئيسة في البدن (إلا شطر شعير) لا يخفى ما اشتمل عليه هذا الخبر من مزيد إعراضه عن الدنيا بالمرة وعدم النظر إليها، لأنه إذا كان هذا حالها وهي أحب أمهات المؤمنين إليه وقد دانت له الأرض شرقاً وغرباً وجيء بثمراتها فضة وذهباً ولم يوجد عندها إلا ما ذكر ففيه أعظم دليل على مزيد إعراضه عنها (في رفَ) بفتح الراء وتشديد الفاء، قال في «النهاية» : هو خشب يرفع عن الأرض إلى جنب الدار يوقى به ما يوضع عليه، وجمعه رفوف أو رفاف، وفي «الفتح» للحافظ قال الجوهري: الرف شبه الطاق في الحائط وقال عياض: الرفّ خشب يرفع عن الأرض يوضع فيه ما يراد حفظه. قلت: والأول أقرب للمراد اهـ. وقولها (لي) في محل الصفة لرفّ (فأكلت منه) من ابتدائية أو تبعيضية وقولها (حتى طال عليّ) غاية لمحذوف أي وداومت على الأكل منه حتى طال علي (فكلته) بكسر القاف (ففني) أي ففرغ وقد وقع نظير ذلك في قصة أخرى، رواه مسلم أيضاً أنه أطعم رجلاً وسقا من شعير فأكلوا منه مدة حتى كالوه ففني، فأخبر النبي فقال: لو لم يكل لأكلتم منه ولكفاكم. قال المصنف: إنما فنى عند كيله عقوبة لأن كيله مضاد للتسليم ومتضمن للتدبير وتكلف للإحاطة بأسرار الله تعالى. قال التلمساني في «شرح الشفاء» : ولا يخالف هذا حديث «كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه» لأن ما أمر به عند إرادة المناولة فيكون استعمال آلة النبي وشريعته، وما أمر به مطردة للشيطان: وأيّ مطردة له أكثر من تناوله بيده المباركة، وأيضاً فإن تكثير الطعام القليل من أسرار الله تعالى الخفية، وشرط السرّ إخفاؤه. وقال الحافظ في «الفتح» : أجيب بأن الكيل عند المبايعة محبوب من أجل تعلق حق المتابيعين ولذا يندب، وأما الكيل عند الإنفاق فالباعث عليه الشحّ فلذا كره.............
وقال القرطبي: سبب رفع النماء عند الكيل والله أعلم. الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله تعالى ومواهب كراماته وكثرة بركاته والغفلة عن الشكر عليها والثقة بالذي وهبها والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادات، ويستفاد منه أن من رزق شيئاً أو أكرم بكرامة أو لطف به في أمر فالمتعين عليه موالاة الشكر وتنزيه المنة تعالى، ولا يحدث في تلك الحالة تغييراً اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في الخمس، وفي الرقاق من صحيحه، ورواه مسلم في آخر «صحيحه» ، ورواه ابن ماجه في الأطعمة.
(وقولها شطر شعير: أي شيء) قليل كما يومىء إليه السياق (من شعير كذا فسره الترمذي) وكأنه مستند
الحافظ في قوله في «الفتح» المراد بالشطر هنا البعض، والشطر يطلق على النصف وعلى ما يقاربه وعلى الجهة وليست مرادة هنا، ويقال أرادت نصف وسق. قال الحافظ: الذي يظهر أنه كان يؤثر بما عنده ففي الصحيحين «أنه كان إذا جاءه ما فتح الله عليه من خيبر أو غيرها من تمر وغيره يدخر قوت أهله سنة ثم يجعل ما بقى في سبيلالله، ثم كان مع ذلك إذا طرأ عليه طارىء ونزل به ضيف يشير على أهله بإيثارهم فربما أدى ذلك إلى نفاد ما عنده أو معظمه» وقد روى البيهقي عن عائشة قالت: «ما شبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام متوالية، ولو شئنا لشبعنا ولكنه كان يؤثر على نفسه» اهـ.............
١٩٤٧٤ - (وعن عمرو) بفتح المهملة (بن الحارث) بن أبي ضرار بكسر المعجمة وتخفيف الراء الأولى الخزاعي المصطلقى (أخي) بالجر عطف بيان لعمرو، وفي بعض نسخ البخاري أخوه بالرفع خبر مبتدأ هو، هو (جويرية) بضم الجيم وتخفيف الواو وسكون التحتية الأولى وكسر الراء وتخفيف التحتية بعدها هاء (بنت الحارث أم المؤمنين) في الاحترام ووجوب الإكرام (رضي الله عنهما) قال الحافظ في «التقريب» : هو صحابي قليل الحديث بقي إلى بعد الخمسين أخرج البخاري عنه هذا الحديث الواحد وانفرد به عن مسلم (قال: ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موته درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمة) أي باقيين على الرق: قال الحافظ في «الفتح» : وفيه دلالة على أن من ذكر من أرقاء النبي في جميع الأخبار كان إما مات وإما أعتقه (ولا شيئاً) في رواية الكشميهني ولا شاة، والأولى أصح وهي رواية الإسماعيلي، نعم روى مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عائشة «ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً ولا أوصى بشيء» (إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها) قال السهيلي في «الأعلام» : أهداها له رافعة الضبيبي من لخم اهـ. وسيأتي في الملح والمنثورات أن الذي أهداها له فرقة بن نفاثة بالنون والفاء والمثلثة على الأشهر الجذامي، وإنما اسمها الدلدل وليس له بغلة غيرها (وسلاحه) وبيان ما خلفه من السلاح والكراع مذكور في كتب السير (وأرضاً) هي نصف أرض فدك وثلث أرض وادي القرى وسهم من
خمس خيبر وضيعة من أرض بني النضير (جعلها) أي الثلاث المذكورة كما في «تحفة القاري» (لابن السبيل صدقة) أي لم يترك مالاً غير ما ذكر مما جعله صدقة على المسلمين (رواه البخاري) في مواضع من «صحيحه» منها في الوصايا وفي فرض الخمس وفي المغازي، ورواه الترمذي في «الشمائل» والنسائي.......
٢٠ - (وعن خباب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى (ابن الأرت) بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية وتقدمت ترجمته (رضي الله عنه) ونسبه في باب الصبر (قال: هاجرنا) أي فارقنا أوطاننا لنصرة الدين الحنيفي (مع رسول الله) وكان ذلك منهم من مكة إلى المدينة، وكونهم معه ليس المراد مصاحبتهم له في السفر لأنه لم يصحبه في الهجرة إلا الصديق وعامر بن فهيرة، بل المراد المعية في مفارقة الوطن إلى وطن آخر لنصرة الدين، وقوله (نلتمس) أي نطلب بهجرتنا (وجه) أي ذات (اتعالى) جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً للحامل على الهجرة، وفي «الصحاح» : الالتماس الطلب، وفي الجملة بيان نعم الله تعالى عليهم أن أهلّهم للهجرة وحركهم لها ومنّ عليهم بالإخلاص فيها ليجنوا ثمرة الاجتهاد ويحبوا بالمراد (فوقع) أي كتب، وجاء في رواية للبخاري في المغازي فوجب، وذلك لإيجاب الله تعالى ذلك على ذاته وبوعده الصادق، وإلا فلا يجب على الله شيء (أجرنا) أي إثابتنا وجزاؤنا (على ا) ويصح أن يراد منه ثمرة العلم ولو دنيوية على الله (فينا) أي فبعض المهاجرين (من مات) حاله كونه (لم يأكل) أي لم يصب، وعبر عنها بالأكل لأنه المقصود من إصابة المال (من أجره شيئاً) قال في «الفتح» : وهذا كناية عن الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح. ولما كان المراد بالأجر عرقه فليس مقصوراً على أجر الآخرة (منهم مصعب) بضم الميم بصيغة المفعول (ابن عمير) بصيغة التصغير، العبدري، يجتمع مع النبي في قصي يكنى أبا عبد الله من السابقين إلى الإسلام وإلى
الهجرة. قال البراء: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرءان القرآن، أخرجه البخاري. وذكر ابن إسحاق أن النبي أرسله مع أهل العقبة الأولى يقرئهم ويعلمهم (رضي الله عنه قتل يوم أحد) بضم أوليه: وقعة مشهورة كانت سنة أربع من الهجرة على الصحيح، وكان قتل مصعب بها شهيداً. وكان صاحب لواء رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ......
يومئذٍ (وترك نمرة) بفتح النون وكسر الميم ثم راء، وهي إزار من صوف مخطط أو بردة (فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت) أي ظهرت (رجلاه، وإذا غطينا رجليه) أي بالنمرة المذكورة (بدا رأسه) هذه الجملة مسوقة لبيان مزيد صغرها ففيها مزيد تقلله من الدنيا (فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغطى) بالتحتية مبني للمفعول مرفوعه قوله (رأسه) وذلك لشرفه على باقي الأعضاء (ونجعل على رجليه شيئاً من الإذخر) هو نبت معروف طيب الرائحة (ومنا) أي وبعضهم (من أينعت) بفتح الهمزة والنون وسكون التحتية بينهما ويأتي معناها في الأصل (له ثمرته) والفاء في قوله (فهو يهدبها) تفريعية ومدخولها معطوف على جملة الصلة (متفق عليه) رواه البخاري في الجنائز والهجرة من صحيحه، ومسلم في الجنائز، ورواه أبو داود في الوصايا، والترمذي في المناقب وقال: حسن «صحيح» ، والنسائي في الجنائز (النمرة) تقدم ضبطها على الأفصح ويجوز كسر النون وفتحها مع سكون الميم فيهما (كساء) قال في «الصحاح» : هو واحد الأكسية (ملوّن) أي ذو ألوان وخطوط (من صوف) زاد في «الفتح» أو بردة (وقوله أينعت) قال في «فتح الباري» وفي بعض النسخ: ينعت بغير ألف، وهي لغة، قال الفراء: وأينعت أكثر (أي نضجت) بفتح النون والمعجمة والجيم من النضج وهو الاستواء (وأدركت) أي زمن القطف (وقوله يهدبها بفتح الياء) التحتية وسكون الهاء (وضم الدال) المهملة (وكسرها لغتان) ضبطه في الفتح بكسر المهملة وقال إن النووي ضبطها بالضم، وحكى ابن التين تثليثها. قلت: وعليه اقتصر السيوطي في «التوشيح» ولم ينسبه إليه (أي يقطفها) بكسر المهملة من باب ضرب كما أشار إليه في «الصحاح» بقوله قطف العنب
قطفاً، ثم رأيته في «المصباح» من باب ضرب، وقيل معناه قطع (ويجتنيها) عطف تفسير، في الصحاح جنيت الثمرة أجنيها واجتنبها بمعنى (وهذه استعارة لما فتح الله تعالى عليهم من الدنيا وتمكنوا فيها) أي جملة قوله أينعت الخ استعارة تمثيلية. شبه......
حالهم في تمكنهم من الدنيا التي فتح عليهم بها وتمكنوا منها بتمكن ذي الثمرة النضيجة من قطفها واجتنائها ويحتمل أن يكون استعير يهدبها لمعنى التمكن منها فتكون استعارة تبعية، شبه التمكن من الدنيا بالهدب وهو القطف للثمرة بجامع سهولة الوصول في كل، فأطلق اسم المشبه على المشبه به استعارة مصرحة مرشحة بقوله أينعت، ثم سرت الاستعارة منه إلى الفعل، والله أعلم.
٢١٤٧٥ - (وعن سهل بن سعد) الأنصاري (الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح) بفتح الجيم (بعوضة) فعول من البعض وهو القطع، غلب على هذا النوع من الحيوان المضروب به المثل في الحقارة وجناحها في غايتها ومنتهاها. قال النيسابوري في تفسيره: ومن عجائب البعوض أن خرطومه مع كونه في غاية الصغر مجوف، ومع كونه كذلك يغوص في جلد الجاموس كما يغوص الأصبع في الخبيص، وذلك لما ركب الله في رأس خرطومه من السم اهـ. (ما سقى كافراً منها شربة ماء) لهوانه عليه وسقوطه. قال العاقولي: أي لو كان لها عنده تعالى أدنى قدر ما تمتع فيها كافر أدنى تمتع. وفي «الديباجة» : هو أن الله تعالى لم يجعلها مقصودة لنفسها بل جعلها طريقاً موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه، وأنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء وإنما جعلها دار انتقال وارتحال، وأنه تعالى ملّكها في الغالب للكفار والفساق، وحمى منها الأنبياء ووراثهم، ويكفيك حديث الباب في هوانها عند الله وصغرها وحقرها وذمها وبغضها وبغض أهلها والمحبين لها، وليس من الدنيا ما يوجد فيها من الأنبياء والصديقين والعلماء العاملين والطاعة الموصلة لمرضاة رب العالمين ويدل له الاستثناء في الحديث الآتي لأنه من قوله فيه «وما فيها» ومع كون الدنيا بهذا المقام عند الله سبحانه، فهو يوم القيامة يستوفي لذي الظلامة منها ظلامته من
ظالمه ولو كان كافراً من مؤمن إظهاراً لمزيد العدل (رواه الترمذي) في الزهد وانفرد......
به عن باقي الكتب الستة (وقال حديث صحيح) غريب من هذا الوجه، وكأن سكوت المصنف عن هذا لكون الغرابة نسبية فلا تنافي التصحيح.
٢٢٤٧٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف استفتاح يؤتى به لتأكيد ما بعده وليتوجه السامع له (إن الدنيا ملعونة) أي مبغوضة ساقطة فعبر عنه بذلك لأن من لازم المبغوض الساقط الإبعاد (ملعون ما فيها) أي من الأموال الدنيوية المخدّجة الفانية من شهوات وغيرها: أي الاشتغال بذلك مبعد عن حضرة الحق فقد جاء «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة» (إلاّ ذكر الله وما والاه) أي وما أدناه مما أحبه الله تعالى، والولي: القرب والدنو، والمعنى: الدنيا ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما قاربه من الطاعة الموصلة لمرضاته (وعالماً ومعلماً) كذا هو فيما وقفت عليه من نسخ الرياض بالألف فيهما وهو ظاهر، لأنهما معطوفان على المستثنى المنصوب وجوباً لكونه من كلام تام موجب، لكنهما في نسخ الترمذي من غير ألف. قال الحافظ السيوطي في حواشيه عليه: منصوبان لأن الاستثناء من كلام تام موجب وكتبا بلا ألف على طريق كثير من المحدثين (رواه الترمذي) في الزهد من «جامعه» ، ورواه ابن ماجه في المشكاة (وقال) أي الترمذي (حديث حسن) قال القرطبي: لا يفهم من هذا الحديث سب الدنيا مطلقاً ولعنها، فقد جاء من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً «لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشرّ، وإذا قال العبد: لعن الله الدنيا قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربه» أخرجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد الله الهاشمي، والجمع بين ذلك بحمل الأحاديث الواردة في إباحة لعن الدنيا على ما يبعد منها عن الله تعالى ويشغل عنه، وحمل
الوارد بالمنع على ما قرّب إلى الله تعالى أو أعان على عبادته سبحانه، كما يومىء إليه الاستثناء في حديث الباب بقوله: إلا ذكر الله وما والاه الخ.......
٢٣٤٧٨ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال) قال رسول الله: لا تتخذوا الضيعة) بالضاد المعجمة: العقار، والجمع ضيع وضياع بكسر ففتح قاله في «الصحاح» . وفي «النهاية» : ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك، والمراد لا تتوغلوا في اتخاذ الضيعة فترغبوا عن صلاح آخرتكم كما قال (فترغبوا في الدنيا) أي في صلاحها وتشتغلوا به عن صلاح دار القرار: قال صاحب «المفاتيح» : وذلك لأن بأخذها تحصل الرغبة في طلب الدنيا فلا تشبعون حينئذٍ منها (رواه الترمذي: وقال: حديث حسن) ورواه أحمد والحاكم في «المستدرك» .
٢٤٤٧٩ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: مر علينا) لعل الإتيان بعلى لعلوّ محل مروره على محل الخص، أو كان راكباً، وإلا فمرّ يعدّى بالباء (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نعالج خصاً لنا) بضم الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة قال في «النهاية» : هو بيت يعمل من خشب وقصب، وجمعه خصاص وأخصاص، سمي به لما فيه من الخصاص وهي الفرج والأثقاب. وفي «الصحاح» : الخص البيت من القصب اهـ. وهو محتمل لتخصيص القصب بذلك فيخالف كلام «النهاية» ، ويحتمل أن يراد من ذلك وغيره مثلاً فيوافقه، والله أعلم (فقال: ما هذا) أي المعالج (فقلنا: قد وهى) بفتحتين: أي ضعف وهم بالسقوط كما في «الصحاح» (فنحن نصلحه) بإدعامه بما يذهب به ويدوم به قوامه (فقال ما أرى) يحتمل أن يكون بضم الهمزة بمعنى أظن، وأن يكون بفتحها بمعنى أعلم (الأمر) أي الأجل (إلا أعجل) أي أسرع (من ذلك) أي الإصلاح المذكور، وعبر به مع أن
المقام «لهذا» الموضوع للقريب، إيماء بأن الاشتغال بالبناء بعيد من شأنهم مع توقع الأجل ساعة فساعة ولحظة فلحظة (رواه أبو داود والترمذي بإسناد البخاري ومسلم) أي برجال روياً عنهم، فهو على شرطهما (وقال الترمذي: حسن صحيح) .......
٢٥٤٨٠ - (وعن كعب) بفتح الكاف وسكون العين المهملة بعدها موحدة (ابن عياض) بكسر المهملة وتخفيف التحتية آخره ضاد معجمة، الأشعري معدود في الشاميين روى عنه جابر بن عبد الله، وقيل روت عنه أم الدرداء (رضي الله عنه) خرّج عنه الترمذي والنسائي (قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن لك أمة فتنة) بكسر الفاء: أي ما يمتحنون ويختبرون: أي يعاملون به معاملة المختبر للجاهل بحاله. قال الراغب في «مفرداته» : جعلت الفتنة كالبلاء يستعمل في الخير والشر. وهما في الشدّة أظهر معنى وأكثر استعمالاً، قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} (الأنبياء: ٣٥) اهـ. (وفتنة أمتي) ما تمتحن به في دنياها (المال) كما قال: «إن هذا المال حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون» (رواه الترمذي) في الزهد من «جامعه» ، ورواه النسائي في الرقاق من «سننه» ، ورواه ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم في كتاب «معرفة الصحابة» كما في «أسد الغابة» (وقال) أي الترمذي (حديث حسن صحيح) .......
٢٦٤٨١ - (وعن أبي عمرو) بفتح العين كني باسم أحد أولاده (ويقال) بالبناء للمجهول: أي ويقال في كنيته (أبو عبد ا) قال في «أسد الغابة» : يكنى أبا عبد الله ويقال أبو عمرو وقيل كان يكنى أولاً بابنه عبد الله، وأمه رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كني بابنه عمرو اهـ. (ويقال أبو ليلى) بفتح اللامين بينهما تحتية ساكنة (عثمان بن عفان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المكي ثم المدني أمير
المؤمنين (رضي الله عنه) أمه أروى بنت كريز بضم الكاف وفتح الراء ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن مناف، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله. أسلم عثمان قديماً، دعاه أبو بكر إلى الإسلام وأسلم، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، فهاجر بزوجته رقية بنت النبي إلى الحبشة الهجرتين الأولى والثانية، ويقال لعثمان ذو النورين لأنه تزوج بنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحداهما بعد الأخرى، قالوا: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره، روي لعثمان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة حديث وستة وأربعون حديثاً، اتفق الشيخان منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة. روى عنه جمع من الصحابة منهم زيد بن خالد الجهني وابن الزبير وغيرهم وخلق من التابعين، ولد في السنة السادسة بعد الفيل، وقتل شهيداً يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن تسعين سنة، وقيل ثمان، وقيل ثنتين وثمانين سنة، وقيل غير ذلك. وهو رضي الله عنه أحد السابقين إلى الإسلام كما تقدم، وأحد العشرة المبشرة بالجنة الذين مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض، وأحد الستة أصحاب الشورى، بويع بالخلافة غرة محرم سنة أربع وعشرين وكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا ليال. وقال ابن عبد البرّ: بويع بعد دفن عمر بثلاث ليال، وحج بالناس في خلافته عشر سنين متوالية، وصلى عليه جبير بن مطعم وقيل غيره،......
ودفن بالبقيع ليلاً وأخفي قبره ذلك الوقت ثم أظهر. وقيل دفن بحش كوكب. قال ابن قتيبة: وهي أرض اشتراها عثمان وزادها في البقيع. والحش: البستان، وكوكب اسم رجل من الأنصار، والأحاديث الواردة في فضله وعلوّ مقامه كثيرة شهيرة رضي الله عنه (أن النبيّ قال: ليس لابن آدم حق) قال العاقولي: أراد بالحق ما يستحقه الإنسان لاحتياجه إليه في كنه من الحرّ والبرد وستر بدنه وسد جوعته، وهذا هو المراد......
الحقيقي من المال. وقيل أراد ما لم يكن معه حساب إذا كان مكتسباً من وجه حلال طيب، ويؤيد القول الثاني ما قال ابن كثير: أخرج الإمام أحمد بسنده إلى أبي عسيب مولى النبي قال خرج النبي ليلاً فمرّ بي فدعاني فخرجت إليه، ثم مرّ بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مرّ بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى أتى حائطاً لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط أطعمنا» الحديث وفي آخره، فأخذ عمر العذق الذي جاء به الأنصاري فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: يا رسول الله إنا مسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال نعم، إلا من ثلاثة: خرقة كفى بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحرّ والبرد» وقال ابن كثير: تفرد به أحمد (في سوى هذه الخصال) ظاهره استعمال سوى غير ظرف فيكون متصرفاً بوجوه الإعراب كغير، وهذا ما ذهب إليه ابن مالك وصححه في أكثر
كتبه وبالغ في نصرته في «شرح التسهيل» ، لكن قال أبو حيان: لا سلف له في ذلك إلا الزجاجي. واستدل ابن مالك بشواهد من الحديث وغيره شعراً ونثراً، ونازعه أبو حيان بأنه لا حجة له في ذلك، ومذهب سيبويه والبصريين أنها لا تخرج عن الظرفية المكانية إلا في الشعر، وصححه ابن الحاج في «سبك المنظوم» وجرى عليه العاقولي هنا فقال موصوف سوى محذوف: أي شيء سوى هذه الخصال، والمراد هنا ما يحصل للرجل ويسعى في تحصيله (بيت) رأيته مضبوطاً بالقلم في أصل مصحح بالرفع على القطع بإضمار مبتدأ: أي هي، ويجوز إن لم تصدّ عنه الرواية نصبه بإضمار أعني، ويجوز جرّه على الإتباع، وهذه الأوجه جارية في بدل المفصل من المجمل إذا استوفى العدة، وجملة (يسكنه) في محل الصفة احترازاً عن بيت يعده للكراء فإن ذلك من اتخاذ الضيعة المنهيّ عنه بما تقدم في حديث ابن مسعود (وثوب يواري) أي يستر (عورته) يجوز أن يراد من العورة ما يجب ستره في نحو الصلاة، فلا يدخل فيه ستر ما عدا ما بين السرّة والركبة من......
الرجل والأمة وأن يراد به ما يجب ستره في الرجال عن النساء الأجانب فيشمل ذلك ولعل الثاني أقرب سيما إن كان تركه مخلاً بالمروءة فلا يكون لبسه من حظوظ النفس بل من حقوقها، ويؤيده أنهم أوجبوا على المعتمد في كفن الميت ساتر جميع بدنه لا العورة فقط وأصل العورة الخلل، ومنه أعور المكان ورجل أعور (وجلف) بكسر الجيم وسكون اللام، وقال في «النهاية» : ويروى بفتح اللام جمع جلف: وهي الكسرة من الخبز. قلت: وعليه يكون كحلق بكسر ففتح في جمع حلقة بفتح فسكون (الخبز والماء: رواه الترمذي وقال: حديث صحيح) قال في «الجامع الصغير» : ورواه الحاكم في «مستدركه» . وفي «النهاية» حديث عثمان «إن كل شيء سوى جلف الطعام وظل وثوب وبيت يستر فضل» (قال الترمذي: وسمعت أبا داود سليمان) بصيغة التصغير (ابن أسلم) بفتح الهمزة فسكون المهملة (البلخي) بفتح الموحدة فسكون اللام بعدها معجمة نسبة إلى بلخ: بلد معروف، ويقال له المصاحفي نسبة إلى عمل المصاحف، والترمذي تارة بصفة بتلك وتارة بهذه كما بينته في باب الكنى من حرف الدال من كتابي في «أسماء رجال الشمائل» (يقول سمعت النضر) بإعجام الضاد في مقدمة «فتح الباري» ما كان
بهذه الصورة معرّفاً بالإعجام ومنكرّاً بالإهمال (ابن شميل) بضم المعجمة وفتح الميم وسكون التحتية. والنضر هو الإمام الكبير الشأن، في علوم العربية، وقد ذكرت ترجمته في كتابي المذكور آنفاً (يقول: الجلف) أي بكسر فسكون اسم مفرد (الخبز ليس معه إدام. وقال غيره: هو غليظ الخبز) أي وإن كا معه إدام وهذا الغير هو الليث كما في «تكملة الصحاح» للصغاني، وعبارته قال: قال الليث: الجلف فحال النخل، والجلف أيضاً من الخبز الغليظ اليابس اهـ. ويحتمل أن يكون غيره لأن المحكي هنا أعم مما حكي عنه، لأنه اعتبر فيه أمرين: الغلظ واليبس، والمحكي عن الغير هو الأول فقط (وقال الهروي) صاحب كتاب الغريبين (المراد به هنا وعاء الخبز كالجوالق) بضم الجيم، قال في......
«الصحاح» : الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب إلا أن تكون معربة أو حكاية صوت نحو الجردقة وهي الرغيف، وذكر ألفاظاً إلى أن قال: والجوالق بضم الجيم: وعاء، والجمع الجوالق بالفتح والجواليق بالياء أيضاً اهـ. (والخرج) بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وبالجيم قال في «المصباح» : وعاء معروف عربي صحيح والجمع خرجة نحو عنبة اهـ. وفيه أيضاً قبل الجلف: كل ظرف ووعاء، وهذا القول الذي حكاه المصنف أعرض عن ذكره العاقولي في «شرح المصابيح» والحافظ السيوطي في «حاشية الترمذي» والعلقمي في حاشية «الجامع الصغير» ، وكأنه لبعده عن مقام الحديث لأن المراد به التحريض على الزهد وأخذ الوعاء لنحو الخبز إنما يكون عادة عند نحو ادخار واهتمام به، وذلك خلاف المقصود والله أعلم. وكأن من حمل الحديث عليه يمنع كون ذلك عادة عند الادخار بل يكون لنحو ما يحفظ لوقت آخر من اليوم مثلاً، والله أعلم.......
٢٧٤٨٢ - (وعن عبد الله بن الشخير بالشين والخاء المشددة المعجمتين) كأنه وجه إفراد المشددة وتثنية ما بعده مع أن الوصفين سيان الاكتفاء بكون الشين لا ينطق بها إلا كذلك لأن اللام تبدل منها وتدغم فيها، وليس في الخاء ما يدل على وجوب ذلك فيها فنبه على ما يحتاج إلى التنبيه. وأيضاً فتشديد الشين عارض عند دخول أل فيه بخلاف تشديد الخاء، وعبارة «تبصير المنتبه في تحرير المشتبه» للحافظ ابن حجر: شخيّر بالكسر وتشديد الخاء المعجمة بعدها ياء ثم راء عبد الله بن الشخير له صحبة وأولاده اهـ. والظاهر أن أل فيه
مقارنة النقل فتكون لازمة والله أعلم. وعبد الله (رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب فضل البكاء من خشية الله تعالى (أنه قال) بفتح الهمز مبتدأ خبره الظرف قبله: أي وعنه قوله (أتيت النبي وهو يقرأ) جملة في محل الحال من المفعول (ألهاكم التكاثر) أي السورة المسماة بما ذكر لكونه صدرها (قال) أي النبيّ بعد إتمامها كما عند النسائي حتى ختمها (يقول ابن آدم) أتى بصيغة المضارع إيماء إلى أن هذا القول ديدنه ودأبه بحسب طبعه (مالي مالي) أي مالي هو الذي أعتني به وأهتم، فالتكرار لفظاً للتعظيم والاهتمام: قال الحافظ في «الفتح» : لأن المبتدأ والخبر إذا كانا متحدين فالمراد به بعض اللوازم (وهل لك) المعطوف عليه مخاطب مقدر: أي أتقول ذلك (يا ابن آدم) وتهتم بأمره وهل لك (من دنياك) التي اهتممت بأمرها واحتفلت بشأنها والاستفهام فيه للإنكار: أي مالك منها على الحقيقة (إلا ما أكلت فأفنيت) فوصل نفع ذلك إلى أجزاء البدن واستقام به أمرها (أو لبست) بكسر الموحدة (فأبليت) من الإبلاء: إخلاق الجديد (أو تصدقت) على محتاج قاصداً وجه الله تعالى (فأمضيت) قال في «المصباح» : أمضيت الأمر أنفذته اهـ. والمراد أمضيت التصدق ونجزته فأبقيت ثوابه مدخراً لك عند المولى. وملخصه: ما لك من دنياك إلا ما انتفعت به في دنياك بأن أكلت أو لبست أو أخرت بأن تصدقت، وما......
عدا ذلك من باقي المال فإنما أنت فيه بمنزلة الخادم الخازن لغيره كما تقدم في حديث «أيكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله» ففيه تحريض على الزهد عن جمع الدنيا والعروض عنها وتحرض على الاقتصار على ما تدعو إليه ضرورة الحياة وادخار ما عداه عندالله، وما أحسن قول بعضهم: اجعل ما عندك ذخيرة لك عند الله واجعل الله ذخيرة لأولادك، (رواه مسلم) في «صحيحه» ، ورواه الترمذي في الزهد وقال: حسن صحيح، والنسائي في الوصايا وفي التفسير.......
٢٨٤٨٣ - (وعن عبد الله بن مغفل) بصيغة اسم المفعول من التغفيل بالغين المعجمة والفاء،
قال المصنف في «التهذيب» : هو أبو سعيد، وقيل أبو عبد الرحمن وأبو زياد عبد الله بن مغفل بن عبد غنم، وقيل ابن عبد نهم بن عفيف بن أسحم بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار، المزني البصري (رضي الله عنه) ومزينة امرأة عثمان بن عمرو نسبوا إليها، وهي مزينة بنت وهب بن وبرة، فولد عثمان يقال لهم مزنيون، وكان عبد الله من أهل بيعة الرضوان قال: إني لمن رفع أغصان الشجرة عن رسول الله، سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة وابتنى بها داراً قرب الجامع قال الحسن: ما نزل البصرة أشرف منه، وقد تقدمت ترجمته وذكر بعض مناقبه وعدة ماله من الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في باب المحافظة على السنة وقد ذكرت زيادة على ذلك في ترجمته في كتابي في «رجال الشمائل» (قال: قال رجل) قال ابن أقبرس في «شرح الشفاء» : هذا الرجل من المجاهيل. قلت: ويجوز أن يكون أبا سعيد الخدري، ففي «الشفاء» وقد قال لأبي سعيد «إن الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من السيل من أعلى الوادي أو الجبل إلى أسفله» ثم أورد حديث ابن مغفل المذكور وقال بعد ذكره إلى قوله تجفافاً، ثم ذكر نحو حديث أبي سعيد بمعناه، ثم رأيت الحافظ السيوطي في تخريج أحاديث «الشفاء» جزم بأن حديث أبي سعيد بعض حديث ابن مغفل فهو يقوي ما فهمناه من تفسير المبهم بأبي سعيد، والله أعلم. (للنبي) اللام فيه للتبليغ (يا رسول الله وا إني لأحبك) لعل ذكر المؤكدات لزيادة تثبيت مضمون الخبر عنده خصوصاً إن قلنا: إنه أبو سعيد أو غيره من خلّص المؤمنين، وإن كان من المنافقين ثم صدق في إيمانه فلإذهاب ما توهم من حاله السابق (فقال: انظر ما تقول) يرد منه الاستكشاف عن حقيقة قوله، ولذا علقه بالشرط الآتي، وفي الاصطفاء انظر ماذا تقول: أي تأمله، وتذكر فيه فإنك رمت خطة عظيمة ومشقة وخيمة تورثك خطراً يجعلك هدفاً لبلايا فظيعة ورزايا......
وجيعة، فأمره بالنظر ليوطن نفسه على ما يرهقه عسراً أو يكلفه أمراً إصراً اهـ. ولا يخفى ما فيه (قال: وا إني لأحبك) وقال الدلجى مؤكداً بالقسم والتكرير (ثلاث مرات) وهو ظرف لقال (فقال: إن كنت تحبني) أتى بإن الدالة على عدم الجزم مع تأكيد المتكلم بالمؤكدات السابقة، إما لعدم علمه بحال القائل عند معرفته بثمرة المحبة بعد ذكرها له، فلعله يرجع عن ذلك لعدم ثباته كما قال تعالى:
{ومن الناس من يعبد الله على حرف} (الحج: ١١) الآية، أو تحريضاً على
الصبر على نتائج دعواه كقول الوالد لابنه: إن كنت ولدي فأطعني (فأعد) بتشديد الدال أمر من الإعداد: أي فهيء (للفقر تجفافاً) قال ابن أقبرس: المعنى أن يرفض الدنيا ويزهد فيها ويستتر عن استنمائها بمثل التجفاف كما يستتر بالترس في الحرب عن آثار السلاح التي هي آلة الجراح اهـ. ففيه استعارة كما يأتي، وعلل ما ذكره بقوله على سبيل الاستئناف البياني (فإن الفقر) أتى به ظاهراً والمقام للضمير زيادة لتمكينه عند سامعه (أسرع إلى من يحبني) زاد في حديث أبي سعيد المذكور آنفاً قوله: منكم، فيحتمل أن يكون له مفهوم، ويحتمل أن لا، لأن خطابه لما كان معهم ذكره لا لتخصيصهم بذلك والثاني أقرب (من السيل إلى منتهاه) أي من مكان وصول السيل إلى الجبل، أو أعلى الوادي إلى منتهاه من أسفل الجبل أو آخر الوادي، وإنما كان كذلك لأن الناس على دين ملوكهم. ولما كان أزهد الناس في الدنيا بشهادة حديث ملك الجبال إن شئت جعل الله لك الأخشين ذهباً فأبى» وحديث «عرض عليه ربه أن يجعل له بطحاء مكة ذهباً فقال: لا يا رب، ولكني أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» كان المحب التابع له أسرع إلى اتصافه بما هو متصف به من السيل كما قال لقوة الرغبة وصدق المحبة، ولأن المحب يجب أن يتصف بصفات المحبوب، فالمرء مع من أحب، ومولى القوم منهم في الخير والشر، فمن أحب......
أن يكون معهم في نعيم الآخرة فليصبر كما صبروا في الدنيا عن شهواتها، لكن هذا مقام عال شريف لا يقدر عليه إلا الأفراد، فلذا قال له انظر ماذا تقول: أي إنك قد ادعيت أمراً عظيماً يستدعي الصبر على أمر عظيم قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (آل عمران: ١٤٢) (رواه الترمذي وقال حديث حسن) وفيه بعد قوله حسن: غريب. وأسقطه المصنف لأن الغرابة النسبية لا تضر في الحكم بالحسن.
(التجفاف بكسر التاء المثناة فوق وإسكان الجيم وبالفاء المكررة، وهي) أنث الضمير باعتبار المعنى فإنها في معنى السترة (شيء يلبسه) بالبناء للمجهول من ألبس ومفعوله الثاني الضمير، قدم لكونه ضميراً متصلاً على مفعوله الأول الذي أقيم مقام الفاعل وهو (الفرس) ويجوز أن يقرأ بفتح التحتية وبالموحدة مبنياً للفاعل من
لبس بكسر الموحدة (ليتقي به الأذى) أي أن يصيبه من السلاح شيء من الجراح، وقد يلبسه الإنسان، ظاهره أن التجفاف معدّ لثوب يلبسه الفرس (وقد يلبسه الإنسان) وعلى ذلك جرى العاقولي فقال: وقد يلبسه الإنسان أيضاً ولعله تبع فيه المصنف، والذي في «المصباح» : التجفاف تفعال بالكسر شيء يلبسه الفرس عند الحرب كأنه درع والجمع تجافيف، قيل سمي به لما فيه من الصلابة واليبوسة. وقال ابن الجواليقي: التجفاف معرب ومعناه ثوب البدن، وهو الذي يسمى في عصرنا بركصطوان اهـ. وفي «شرح الشفاء» لابن أقبرس قال أبو عليّ: التاء زائدة، وأشار العاقولي إلى أن في الحديث استعارة مكنية تتبعها استعارة تخييلية بقوله شبه الفقر بالسهم الصائب والسيف القاطع والرمح النافذ، وشبه صبره عليه بالتجفاف الذي يلبسه الإنسان أو يلبسه فرسه ليقيه ذلك: أي فالتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية وإثبات التجفاف استعارة تخييلية.......
٢٩٤٨٤ - (وعن كعب بن مالك) الأنصاري أحد الثلاثة الذين خلفوا فنزلت توبتهم في آية آخر سورة التوبة وتقدمت ترجمته (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ما) نافيه حجازية كما اقتصر عليه الطيبي ويجوز كونها تميمية لأن الباء تزاد في خبر كل منهما خلافاً لأبي علي والزمخشري زعما اختصاص الباء بلغة الحجاز، قال ابن هشام في «المغني» : أوجب الفارسي والزمخشري في نحو {ما الله بغافل} كون ما حجازية ظناً أن المقتضى لزيادة الباء نصب الخبر، وإنما المقتضى نفيه لامتناعها في نحو كان زيد قائماً وجوازها في: لم أكن بأعجلهم. وفي ما إن زيداً بقائم اهـ. (ذئبان جائعان أرسلا) بالبناء للمجهول (في غنم) متعلق به، وهذان وصفان لذئبان مفرد وجملة فهو كقوله تعالى: {وهذا كتاب مبارك أنزلناه} (الأنعام: ١٥٥) (بأفسد لها) أي بأكثر فساداً للغنم وأنث ضميرها لاعتبار الجنسية فيها (من) فساد (حرص المرء على المال) متعلق بحرص ومن فساد هو المفضل عليه (والشرف) أي الجاه معطوف على المال واللام، في قوله (لدينه) لام البيان كهي في قوله تعالى: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} (البقرة: ٢٣٣) كأنه قيل لمن؟ قال لمن أراد. وكذا هنا كأنه قيل بأفسد لأي شيء فقيل
لدينه ولا يصح جعلها متعلقة بأفسد لأنه لا يجوز تعلق حرفي جرّ بلفظ واحد ومعنى واحد بعامل واحد إلا على سبل البدل (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) قال في «الجامع الصغير» : ورواه أحمد من حديث كعب أيضاً.......
٣٠٤٨٥ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير) قال في «المصباح» : هو البارية وجمعه حصر مثل بريد وبرد وتأنيثه بالتاء عامي اهـ: وفي «الشفاء» من حديث، عن حفصة «وكان ينام أحياناً على سرير مومول بشريط حتى يؤثر في جنبه» قال السيوطي في تخريجه: رواه الشيخان من حديث طويل عن عمر والترمذي وابن ماجه (فقام) أي استيقظ واستوى جالساً (وقد أثر) أي الحصير (في جنبه) فإن بدنه الشريف كان ألين من الحرير. وفي الحديث عن أنس «ولا مسست خزاً ولا حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله؟ والجملة في محل الحال من فاعل قام (فقلنا) أي الحاضرون الذين منهم ابن مسعود، ويبعد أن يريد نفسه فقط، ولا يشهد له ما سيأتي عن ابن ماجه من قول ابن مسعود «فقلت» كما هو ظاهر (لو اتخذنا لك وطاء) بكسر الواو وبالمد بوزن كتاب قال في «المصباح» هو الوطىء وقد وطؤ الفرش بالضم فهو وطىء كقرب فهو قريب. وجواب لو محذوف: أي لا استراح بذلك أو نحو ذلك، وعند ابن ماجه «فقلت: يا رسول الله لو كنت آذنتنا ففرشنا لك شيئاً يقيك» (فقال مالي وللدنيا) قال الأنطاكي في حواشي «الشفاء» : قيل يجوز أن تكون «ما» نافية: أي ليس لي ألفة ومحبة لي وللدنيا حتى أرغب فيها، ويجوز أن يكون التقدير: أي شيء حالي مع الميل للدنيا اهـ: أي فتكون ما استفهامية والمعنى: أي شيء لي ولها: أي جامع فأشتغل بها. وقال الدلجي: هو استفهام بمعنى النفي: أي لا أرب فيها (ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها) وذلك لأن الدنيا ليست دار قرار ولا منزل استقرار إنما هي دار عبور يقطعها السائر إلى ميادين الآخرة، فالإنسان فيها بمثابة
المسافر النازل في أثناء سفره تحت شجرة يطلب ظلالها من حرّ الشمس، ثم إذا ذهبت الشمس وإذا جلس تحت الشجرة منها راح عن الشجرة: أي سار بعد الزوال وتركها، ففيه أتم إرشاد إلى ترك الاهتمام بعمارة الدنيا والاشتغال......
بتحصيلها وحث وحض على الاعتناء بعمارة منزل العبد من الدار الآخرة وتحصينه، وبا التوفيق (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) قال في «الجامع الصغير» بعد إيراد الحديث المرفوع: رواه أحمد وابن ماجه والحاكم والضياء كلهم عن ابن مسعود.
٣١٤٨٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام) لحبس الأغنياء تلك المدة في الموقف حتى يحاسبوا عما خولوه من الغنى من أين اكتسبوه وفيم أذهبوه كما سيأتي في حديث أسامة. قال العاقولي: وجه الجمع بين هذا الحديث وقوله في حديث عائشة «إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً» أن الأربعين أريد بها تقدم الفقير الحرص على الغني الحريص، وأريد بالخمسمائة تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب، فكان الفقير الحريص على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد، وهذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة، لأن الخمسمائة عشرون مضاعفة خمساً وعشرين مرة والأربعون عشرون مضاعفة مرة، فالأربعون خمساً خمس الخمسمائة التي هي نصف يوم فيكون الأربعون خمس خمس اليوم الذي هو ألف سنة.c وحاصله أن الفقير الحريص يسبق الغني الراغب بخمس خمس يوم، والفقير الزاهد يسبقه بنصف يوم اهـ. وفي «حاشية الترمذي» للسيوطي وروى محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن الخلال في كتابه «فضل الفقير على الغني» حديث أنس بن مالك قال «بعث الفقراء إلى رسول الله» الحديث، وفيه «يدخل الفقير الجنة قبل الغني بنصف يوم وهو خمسائة عام» قال الحارث: قال سفيان يفسره «إن للجنة ثمانية أبواب ما بين الباب إلى الباب خمسمائة عام لكل باب أهل فينسى الغنى فيجيء إلى باب غيره فيقول البواب: ارجع إلى بابك، فيرجع إلى بابه وهو مسيرة خمسمائة عام» اهـ. (رواه الترمذي وقال: حديث حسن
صحيح) هذا وقد ذكر ابن كثير في «تفسيره» أثراً عن ابن عباس قال: إنما هي ضحوة فتقيل أولياء الله على......
الأسرة مع الحور العين وتقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين، وقول سعيد بن جبير «يفرغ الله من الحساب نصف النهار فيقيل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال تعالى: {أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً} (الفرقان: ٢٤) ثم نقل نحوه عن عكرمة، وأن ذلك للفريقين في الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة ثم روي عن ابن مسعود «لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ {أصحاب الجنة} (البقرة: ٨٢) الخ وقوله تعالى: {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} (الصافات: ٦٨) وروى آثاراً أخر. قلت: وهذا كله لا يخالف حديث الباب فإن الله تعالى يطول ذلك الزمان حتى يكون على الكافر قدر خمسين ألف عام، ويرى الغني أنه تأخر في الموقف عن الفقير بعد دخوله خمسمائة عام. وا على كل شيء قدير.......
٣٢٤٨٧ - (وعن ابن عباس وعمران) بكسر العين المهملة (ابن حصين) بضم المهملة وفتح الثانية وسكون التحتية آخره نون وسبقت ترجمتها، وقوله (رضي الله عنهم) لأنهما صحابيان ابنا صحابيين (عن النبي قال: اطلعت) بتشديد الطاء المهملة: أي أشرفت. وقال العاقولي: ضمن معنى تأملت (في الجنة) يحتمل أن يكون ذلك فيه وفيما بعده ليلة الإسراء، ويحتمل أن يكون لما كشف له في صلاته في الكسوف. والله أعلم (فرأيت) أي علمت فلذا عدى لمفعولين (أكثر أهلها الفقراء) قال ابن بطال: لا يوجب فضل الفقير عن الغني وإنما معناه الفقراء في الجنة أكثر من الأغيناء فأخبر عن ذلك، وليس الفقر أدخلهم الجنة إنما دخلوا بصلاحهم معه، فالفقير إذا لم يكن صالحاً لا يفضل، حكاه عنه الحافظ في «الفتح» . قال العلقمي: ظاهر الحديث التحريض على ترك التوسع في الدنيا. قلت وهو الذي فهمه المصنف، ولذا أورد الخبر في باب فضل الزهد في الدنيا (واطلعت في النار
فرأيت أكثر أهلها النساء) فيه التحريض لهن على المحافظة على أمر الدين ليسلمن من النار، قال الحافظ: وفي حديث أبي سعيد عند مسلم في صفة أدنى أهل الجنة «ثم يدخل عليه زوجتاه» ولأبي يعلى عن أبي هريرة «فدخل الرجل على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشىء الله زوجتين من ولد آدم» واستدل أبو هريرة بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال كما أخرجه عنه مسلم في «صحيحه» وهو واضح، لكن يعارضه قوله في حديث الكسوف «أكثر أهل النار» . ويجاب بأنه لا يلزم من كون أكثرهن في النار، نفى كون أكثرهن في الجنة لكن يشكل عليه حديث اطلعت الخ، ويحتمل أن الراوي رواه بالمعنى الذي فهمه من أن كونهن أكثر ساكني النار يلزم منه كونهن أقل ساكني الجنة وليس ذلك بلازم لما قدمته، ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة والله أعلم. قال شيخ الإسلام زكريا: ويجاب أيضاً بأن المراد بكونهن أكثر أهل النار نساء الدنيا وبكونهن أكثر أهل......
الجنة نساء الآخرة فلا تنافي اهـ. (متفق عليه من رواية ابن عباس) قال الحافظ المزي في «الأطراف» : رواه البخاري في النكاح تعليقاً قلت: قال الحافظ في «نكته» عليه: هذا التعليق في كتاب الرقاق لا في كتاب النكاح، وقال في النكاح: تابعه أيوب ومسلم بن زيد كذا هو في الأصول قال: ورواه مسلم في الدعوات من «صحيحه» ، ورواه الترمذي في صفة جهنم وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في عشرة النساء من «سننه» اهـ ملخصاً. وفي «الجامع الصغير» حذف رمز البخاري من رواته وكأنه سهو وزاد فيه ورواه أحمد (ورواه البخاري) في صفة الجنة، وفي النكاح وفي الرقاق (أيضاً) أي دون مسلم (من رواية عمران بن حصين) والراوي للحديث عنهما هو أبو رجاء عمران بن تيم، وقد رواه من حديث عمران أيضاً الترمذي في صفة جهنم والنسائي في عشرة النساء والرقاق، قال المزي بعد أن ذكر اختلاف الرواة عن عوف فقال: بعضهم عن أبي رجاء عن عمران، وقال أيوب عن أبي رجاء عن ابن عباس وكلا الإسنادين ليس فيه مقال ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمعه منهما، والله أعلم.......
٣٣٤٨٨ - (وعن أسامة) بضم الهمزة (ابن زيد) بن حارثة الحب ابن الحب تقدمت ترجمته في باب الصبر في أوائل الكتاب (رضي الله عنهما عن النبي قال: قمت على باب الجنة) أي لأنظر أهلها أو لأمر آخر اقتضى القيام ثمة (فكان عامة) قال في «المصباح» هم خلاف الخاصة والجمع عوام كدابة ودواب والهاء في عامة التأكيد اهـ. وفي كتاب «تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم» للحافظ العلائي، وأما عامة مثل فعله عامة الناس فلا ريب أنه من صيغ العموم كيف وهو من مادته وبنيته، والعموم معناه الشمول والإحاطة وهو خلاف الخصوص وهذا ظاهر لا حاجة إلى الاستشهاد إليه اهـ. وعليه فالمعنى فإذا عموم (من دخلها المساكين) جمع مسكين، والمراد به ما يشمل الفقير أي المحتاج. ويجوز من حيث صناعة الإعراب رفع المساكين على أنه اسم كان مؤخراً ونصب عامة على أنه خبرها مقدم ويجوز العكس (وأصحاب الجد محبوسون) أي في الموقف عن دخول الجنة لحياسبوا عمّا كانوا فيه من الغنى تحصيلاً وتضييعاً والفقراء سالمون من ذلك (غير) بالنصب على الاستثناء (أن أصحاب النار) أي منهم (قد أمر بهم إلى النار) والمعنى لكن أصحاب النار منكم غير محبوسين. وفي «المفاتيح» أصحاب النار هم الكفار (قد أمر بهم إلى النار) أي لا يوقفون في العرصات بل يؤمرون بدخول النار فالاستثناء منقطع، وكذا قال العاقولي: غير بمنى لكن والمغايرة بحسب التفريق، فإن القسم الأول: أي والمراد به المؤمنون من بمعنى وفقير بعضهم محبوس وهو ذو الجد وبعضهم غير محبوس وهو الفقير، والقسم الثاني غير محبوسين، ويدل على أن القسم الأول بعضه محبوس، قوله في الحديث عن صعاليك المهاجرين «إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم» ، فلولا ذلك الحبس للأغنياء لدخلوا جميعاً (متفق عليه) قال المزي في «الأطراف» : رواه البخاري في النكاح. قلت: زاد الحافظ في «نكته» عليه وفي الرقاق قال المزي: ورواه مسلم آخر كتاب الدعوات، ورواه النسائي في عشرة......
النساء من «سننه» ، وفي المواعظ والرقائق منها وهما ليسا من «سنن النسائي» في الرواية اهـ. ملخصاً، وقال السيوطي في «الجامع الصغير» : ورواه أحمد في «مسنده» (الجد) بفتح الجيم وتشديد الدال المهملة (الحظ والغنى. وقد سبق بيان هذا الحديث) بزيادة
في آخره «وقمت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء» (في باب فضل الضعفة) وتقدم شرح الحديث ثمة أيضاً بما بينه وبين ما هنا عموم وخصوص.
٣٤٤٨٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: أصدق كلمة) أي أكثر جملة مفيدة مطابقة للواقع وجملة (قالها شاعر) في محل الصفة لكلمة احترز بها عن قول الله سبحانه وأقوال أنبيائه عليهم الصلاة والسلام فتلك أصدق، والمراد بالتفضيل ما عدا ذلك وإطلاق الكلمة على الجمل المفيدة هو في اللغة وتخصيصها بالقول المفرد عرف طارىء وليس للشارع اصطلاح خاص في إطلاق الكلمة فتحمل على معناها اللغوي لكن مقتضى كلام النحاة أن إطلاق الكلمة على الجمل المفيدة مجاز مرسل من إطلاق اسم الجزء على الكل، وجوّز بعضهم كونه استعارة مصرحة بأن شبهت الجملة في توقف الإفادة على جميع أجزائها بتوقف فهم معنى الكلمة على جميع حروفها فأطلق اسم المشبه على المشبه به حينئذٍ فتكون القرينة في الحديث على إرادة المجاز منها ما فسر به الخبر من شرط البيت (كلمة) بفتح الكاف وكسر اللام لغة أهل الحجاز وهي أفصح من فتح الكاف وكسرها مع سكون اللام فيهما وهما لغة تيم، ويكفي في تغاير المبتدأ والخبر التغاير بحسب الإضافة (لبيد) بفتح اللام وكسر الموحدة وسكون التحتية ثم دال مهملة، وهو ابن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان العامري، هكذا ذكر نسبه أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في «تاريخه» ، وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم وحسن إسلامه وكان من............
فحول شعراء الجاهلية وكان من المعمرين عاش مائة وأربعاً وقيل وسبعاً وخمسين سنة. وقال السمعاني: مات أول خلافة معاوية وله مائة واثنان وأربعون سنة، ولم يقل شعراً بعد إسلامه، وكان يقول أبدلني الله به القرآن وقيل قال بيتاً واحداً.
ما عاتب المرء الكريم لنفسه
والمرء يصلحه القرين الصالح
وقال جمهور أصحاب السير والأخبار لم يقل شعراً منذ أسلم، وقال عمر بن الخطاب
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار» . فينبغي للمؤمن أن لا يزهد في القليل من الخير بالفعل والقول، وأن يجتنب الشر قليله وكثيره.
٥٤- باب فضل البكاء من خشية الله تَعَالَى وشوقاً إِليه
قَالَ الله تَعَالَى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء (١٠٩) ] .
أي: يزيدهم سماع القرآن إيمانًا وخضوعًا لله عزَّ وجلّ، كما قال تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم (٥٨) ] .
وفي الحديث: «حُرَّمت النار على ثلاثة أعين: عين بكت من خشية الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله» .
وقال تَعَالَى: {أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ} [النجم (٥٩، ٦٠) ] .
يخبر تعالى عن المشركين أنهم ينكرون القرآن، ويستهزؤون به، ولا يبكون، بخلاف المؤمنين، فإنهم إذا سمعوا القرآن زادهم إيمانًا واقشعرت جلودهم، ولانت قلوبهم، وبكوا لما فيه من الوعد والوعيد.
[٤٤٦] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ لِي النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اقْرَأْ عليَّ القُرْآنَ» قلت: يَا رسول اللهِ، أقرأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيرِي» . فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سورةَ النِّسَاءِ، حَتَّى جِئْتُ إِلى
هذِهِ الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئْنَا بِكَ
عَلَى هؤُلاءِ شَهيداً} [النساء (٤١) ] قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ» . فَالَتَفَتُّ إِلَيْهِ فإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفَان. متفقٌ عَلَيْهِ.
قال البخاري: باب البكاء عند القرآن، وأورد الحديث.
قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين، وشعار الصالحين.
قال الحافظ: بكى - صلى الله عليه وسلم - رحمة لأمته، لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيمًا فقد يفضي إلى تعذيبهم، والله أعلم.
وفي الحديث: استحباب عرض القرآن على الغير، وجواز الأمر بقطع القرآن للمصلحة.
[٤٤٧] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، فقال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَليلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً» قَالَ: فَغَطَّى أصْحَابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وُجُوهَهُمْ، وَلَهُمْ خَنِينٌ. متفقٌ عَلَيْهِ. وَسَبقَ بَيَانُهُ في بَابِ الخَوْفِ.
في هذا الحديث: بيان أن من كان بالله أعرف كان منه أخوف قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر (٢٨) ] .
[٤٤٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في
سبيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: فضل البكاء من خشية الله تعالى، لأن الخشية تحمله على
امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فلا يدخلها بوعده الصادق إلا تحلة القسم.
[٤٤٩] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابّا في الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقال: إنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُه مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً ففاضت عَيْنَاهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
[٤٥٠] وعن عبد الله بن الشِّخِّير - رضي الله عنه - قَالَ: أتيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي ولِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ.
حديث صحيح رواه أَبو داود والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح.
في هذا الحديث: دليل على كمال خوفه - صلى الله عليه وسلم -، وخشيته لربه، وذلك ناشئ عن عظيم الرهبة والإِجلال لله سبحانه وتعالى.
[٤٥١] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأُبَي بن كعب - رضي الله عنه - «إنَّ الله - عز وجل - أَمَرَنِي أنْ أقْرَأَ عَلَيْكَ: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَروا ... } قَالَ: وَسَمَّانِي لك؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَبَكَى أُبَيٌّ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي.
بكاء أُبَيّ رضي الله عنه فرحًا، وخشوعًا، وخوفًا من التقصير، واستحقارًا لنفسه، قيل: الحكمة في تخصيصها بالذكر لأن فيها {يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً} ، وفي تخصيص أُبَيّ التنويه به في أنه أقرأ الصحابة.
وقال ابن كثير: قرأها عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قراءة إبلاغ، وتثبيت، وإنذار، لا قراءة تعلم واستذكار، كما قرأ على عمر بن الخطاب سورة الفتح يوم الحديبية.
[٤٥٢] وعنه قَالَ: قَالَ أَبو بكر لِعُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انْطَلِقْ بِنَا إِلى أُمِّ أيْمَنَ رضي الله عنها نَزورُهَا، كَمَا كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَزُورُها، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فقالا لها: مَا يُبْكِيكِ؟ أمَا تَعْلَمِينَ أنَّ مَا عِنْدَ الله تَعَالَى خَيرٌ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -! قالت: إني لا أبكي أني لا أَعْلَمُ أنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وَلكِنِّي أبكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَد انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ؛ فَهَيَّجَتْهُما عَلَى البُكَاءِ، فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا. رواه مسلم، وقد سبق في بابِ زِيارَةِ أهلِ الخَيْرِ.
أم أيمن مولاة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي أم أسامة بن زيد.
وفي الحديث: جواز البكاء حزنًا على فراق الصالحين، وفقد العلم.
[٤٥٣] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وَجَعُهُ، قِيلَ له في الصَّلَاةِ، فقال: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» . فقالت عائشة رضي الله عنها: إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ غَلَبَهُ البُكَاءُ، فقال: «مُرُوهُ فَليُصَلِّ» .
وفي رواية عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قلت: إنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: دليل على استحباب البكاء عند قراءة القرآن، قال الله تعالى: ... {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال (٢) ] .
[٤٥٤] وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أنَّ عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أُتِيَ بطعام وكان صائِماً، فقال: قُتِلَ مُصْعَبُ بن عُمَيْر - رضي الله عنه - وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يوجَدْ له مَا يُكَفَّنُ فيهِ إلا بُرْدَةٌ إنْ غُطِّيَ بِهَا رَأسُهُ بَدَتْ رِجْلاهُ؛ وَإنْ غُطِّيَ بِهَا رِجْلَاهُ بَدَا رَأسُهُ، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَو قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - قَدْ خَشِينا أنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبكِي حَتَّى تَرَكَ الطعَام. رواه البخاري.
هذا البكاء من مزيد خوفه من الله تعالى، وشدة خشيته، وعدم نظره إلى عمله.
[٤٥٥] وعن أَبي أُمَامَة صُدَيِّ بن عجلان الباهلي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إِلى اللهِ تَعَالَى مِنْ قطْرَتَيْنِ وَأثَرَيْنِ: قَطَرَةُ دُمُوع مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَقَطَرَةُ دَمٍ تُهَرَاقُ في سَبيلِ اللهِ. وَأَمَّا الأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ في ... سَبيلِ اللهِ تَعَالَى، وَأَثَرٌ في فَريضةٍ مِنْ فَرائِضِ الله تَعَالَى» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: فضل البكاء من خشية الله، والجهاد في سبيل الله، وكثرة الخطا إلى المساجد.
وفي الباب أحاديث كثيرة منها:
[٤٥٦] حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قَالَ: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَوعظةً وَجلَتْ منها القُلُوبُ، وذرِفت منها الْعُيُونُ. وقد سبق في باب النهي عن البدع.
لفظ الحديث: «وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإِنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإِياكم ومحدثات الأمور، فإِن كل محدثة بدعة» .
[٥٥- باب فضل الزهد في الدنيا]
والحث عَلَى التقلل منها، وفضل الفقر
قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيهَا أتَاهَا أمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس (٢٤) ] .
أصل الزهد الرضا عن الله عزَّ وجلّ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنَّعه الله بم أتاه» .
وسُئل الزهري عن الزاهد، فقال: من لم يغلب الحرام صبره، ومن لم يشغل الحلال شكره.
وهذه الآية مثلٌ ضَرَبَهُ الله تعالى لزينة الدنيا، وسرعة زوالها، وفنائها.
وقال تَعَالَى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ
فَاخْتَلَطَ بهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف (٤٥، ٤٦) ] .
قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: المال والبنون حرث الدنيا، والأعمال الصالحاتُ حرثُ الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوام.
وقال تَعَالَى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ
يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله ورِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الغُرُورِ} [الحديد (٢٠) ] .
الكفار أشد إعجابًا بزهرة الدنيا، وأما المؤمن فإذا رأى معجبًا انتقل فكره إلى قدره الله، وعلم أنه زائل، وقال: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .
وقوله تعالى: {وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران (١٨٥) ] ، أي: كمتاع يدلس به على المستام فيُغَر ويشتريه، فمن اغترَّ بها وآثرها فهو مغرور.
وقال تَعَالَى: {زُيِّنَ لِلْنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المآبِ} [آل عمران (١٤) ] .
في هذه الآية تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة.
وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الْدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ} [فاطر (٥) ] .
أي: لا يذهلكم التمتع بالدنيا عن طلب الآخرة، والسعي لها، ولا يغرنكم الشيطان بأن يمنِّيكم المغفرة مع الإصرار على المعصية.
قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف (١٦٩) .
وقال تَعَالَى: {ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ * كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} [التكاثر (١: ٥) ] .
أي: لو تعلمون علمًا يقينًا لما ألهاكم شيء عن طلب الآخرة، حتى صرتم إلى المقابر.
وقال تَعَالَى: {وَمَا هذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَا إلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت (٦٤) ] .
أي: لو كانوا يعلمون لم يؤثروا الدنيا على الآخرة، التي هي الحياة الحقيقة الدائمة، فإن الدنيا سريعة الزوال، ونعيمها لهو ولعب، كما يبتهج به الصبيان ساعة، ثم يتفرَّقون عنه لاغيين متعبين.
والآيات في الباب كثيرة مشهورة.
وأما الأحاديث فأكثر مِنْ أن تحصر فننبِّهُ بطرف منها عَلَى مَا سواه.
[٤٥٧] عن عمرو بن عوف الأنصاري - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أَبَا عبيدة بنَ الجَرَّاح - رضي الله عنه - إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأتِي بِجِزْيَتِهَا، فَقَدِمَ بمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بقُدُومِ أَبي عُبيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا صَلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، انْصَرفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حِيْنَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «أظُنُّكُمْ سَمعتُمْ أنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟» فقالوا: أجل،
يَا رسول الله، فقال: «أبْشِرُوا وَأَمِّلْوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوالله مَا الفَقْرَ أخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلكِنِّي أخْشَى عليكم أنْ تُبْسَط
الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أهْلَكَتْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
بلاد البحرين: بين البصرة وهَجَرْ، وسميت (البحرين) ، لاجتماع البحر العذب والملح فيها، فإن الماء العذب تحت البحر، فإذا حفر الحاجز بينهما نبع العذب وارتفع.
قوله: فتنافسوها كما تنافسوها. التنافس أول درجات الحسد.
وفي رواية عند مسلم: «تنافسون ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون» .
قال ابن بطال: فيه: أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها وشر فتنتها.
[٤٥٨] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: جلس رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فقال: «إنَّ ممَّا أخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.
زهرة الدنيا: زينتها وبهجتها.
قال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه (١٣١) ] .
[٤٥٩] وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ
وَإنَّ الله تَعَالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ» . رواه مسلم.
قوله: «خضرة حلوة» ، أي: جامعة بين الوصفين المحبوبين للبصر والذوق، كالفاكهة.
وفي الحديث: التحذير من فتنة المال، وفتنة النساء.
[٤٦٠] وعن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلا عَيْشَ الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
هذا الكلام قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في أشد أحواله، لما رأى تعب أصحابه في حفر الخندق، وقاله في أسرِّ الأحوال أيضًا لما رأى كثرة المؤمنين في يوم عرفة، لبيك إن العيش عيش الآخر، أي الحياة الدائمة التي لا حزن فيها ولا تعب.
[٤٦١] وعنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ: أهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ: فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى معه وَاحِدٌ: يَرْجِعُ أهْلُهُ وَمَالُهُ وَيبْقَى ... عَمَلُهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
الغالب أنّ المرء إذا مات تبعه أهله، وما احتيج إليه من ماله في تجهيزه، وإذا دفن رجعوا ودخل عمله معه في قبره، كما في حديث البراء. «ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح» . الحديث.
[٤٦٢] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُؤْتَى بِأنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيَا مِنْ
أهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأيْتَ خَيْراً قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا وَاللهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأشَدِّ النَّاسِ بُؤسَاً في الدُّنْيَا مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فَيُقَالُ
لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأيْتَ بُؤساً قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقُولُ: لا وَاللهِ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلا رَأيْتُ شِدَّةً قَطُّ» . رواه مسلم.
فيه: أن عذاب الآخرة ينسي نعيم الدنيا، وأن نعيم الآخرة ينسي شدَّة الدنيا.
قال الله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون (١١٢: ١١٤) ] .
وقال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر (٣٤، ٣٥) ] .
[٤٦٣] وعن المُسْتَوْرِد بن شَدَّاد - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا الدُّنْيَا في الآخِرَةِ إلا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ!» . رواه مسلم.
مثَّل - صلى الله عليه وسلم - زمان الدنيا في جانب زمان الآخرة، ونعيمها بنسبة الماء الملاصق بالأصبع إلى البحر، قال الله تعالى: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ} [التوبة (٣٨) ] .
[٤٦٤] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بالسُّوقِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ:
«أَيُّكُم يُحِبُّ أنْ هَذَا لَهُ بِدرْهَم؟» فقالوا: مَا نُحِبُّ أنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ ثُمَّ قَالَ:
«أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟» قَالُوا: وَاللهِ لَوْ كَانَ حَيّاً كَانَ عَيْباً، أنَّهُ أسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ ميِّتٌ! فقال: «فوَاللهِ للدُّنْيَا أهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ» . رواه مسلم.
قوله: «كَنَفَتَيْهِ» أيْ: عن جانبيه. وَ «الأَسَكُّ» : الصغير الأذُن.
فيه: أن الدنيا عند الله أذل وأحقر من التيس الصغير الأصمع الميت عند الناس، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه وعالمًا ومتعلمًا» .
[٤٦٥] وعن أَبي ذر - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في حَرَّةٍ ... بِالمَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ، فقال: «يَا أَبَا ذَرٍّ» قلت: لَبَّيْكَ يَا رسولَ الله. فقال: «مَا يَسُرُّنِي أنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَباً تَمْضي عَلَيَّ ثَلَاثَةُ أيّامٍ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إلا شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إلا أنْ أقُولَ بِهِ في عِبَادِ الله هكذا وَهَكَذَا وَهكَذَا» عن يَمِينِهِ وعن شِمَالِهِ وَعَنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ سَارَ، فقال: «إنَّ الأَكْثَرينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلا مَنْ قَالَ بالمَالِ هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا» عن يمينِهِ وعن شِمَالِهِ وِمنْ خَلْفِهِ «وَقَلِيلٌ مَا هُمُ» . ثُمَّ قَالَ لي: «مَكَانَكَ لا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيكَ» ثُمَّ انْطَلَقَ في سَوادِ
اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوتاً، قَدِ ارْتَفَع، فَتَخَوَّفْتُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ عَرَضَ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَأرَدْتُ أنْ آتِيهِ فَذَكَرتُ قَوْله: «لا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ» فلم أبْرَحْ حَتَّى أتَاني، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوتاً تَخَوَّفْتُ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ لَهُ، فقال: «وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟» قلت: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ جِبريلُ أتَانِي. فقال: مَنْ
مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، قلت: وَإنْ زَنَى وَإنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإنْ زَنَى وَإنْ سَرَقَ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ البخاري.
اشتمل هذا الحديث: على فوائد كثيرة، وقواعد عظيمة.
وفيه: البشارة بعدم خلود المسلم في النار وإن عمل الكبائر، فإن تاب منها في الدنيا لم يدخل النار إلا تحلة القسم، وإن لم يتب فأمره إلى الله إن شاء غفر له وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه. قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً} [النساء (١١٦) ] .
[٤٦٦] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً، لَسَرَّنِي أنْ لا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إلا شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
[٤٦٧] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أجْدَرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية البخاري: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المَالِ وَالخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَل مِنْهُ» .
هذا الحديث: جامع لمعاني الخير.
وفيه: دواء كل داء من الحسد وغيره.
وفي الحديث الآخر: «رحم الله عبدًا نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله وشكره، وفي دينه إلى من هو فوقه، فجد واجتهد» .
وعن عمرو بن شعيب مرفوعًا: «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا: من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضَّله به، ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، وأما من نظر في دنياه إلى من هو فوقه وآسف على ما فاته، فإنه لا يكتب شاكرًا ولا صابرًا» .
قال بعض السلف: صاحبت الأغنياء فكنت لا أزال في حزن، فصحبت الفقراء فاسترحت.
وفي حديث مرفوع: «أقلوا الدخول على الأغنياء، فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله» .
[٤٦٨] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» . رواه البخاري.
في هذا الحديث: ذم الحرص على الدنيا، حتى يكون عبدًا لها، رضاه وسخطه لأجلها.
[٤٦٩] وعنه - رضي الله عنه - قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُ سَبعِينَ مِنْ أهْلِ الصُّفَّةِ، مَا منهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ: إمَّا إزارٌ، وَإمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوها في
أعنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْن، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَراهِيَةَ أنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رواه البخاري.
في هذا الحديث: أن الدنيا لو كانت مكرَّمة عند الله، لخصَّ أصفياءه بِهَا، فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب.
[٤٧٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الكَافِرِ» . رواه مسلم.
معنى ذلك: أن الدنيا سجن المؤمن بالنسبة إلى ما أعد له من النعيم، وجنة الكافر بالنسبة إِلى ما أعد له من العذاب وأيضًا فإن المؤمن ممنوع من الشهوات المحرمة، والكافر منهمك فيها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حُفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» .
وعن أبي سهل الصعلوكي الفقيه، وكان ممن جمع رياسة الدين والدنيا، أنه كان في بعض مواكبه إذْ خرج عليه يهودي، بثياب دنسة، فقال: ألستم تزعمون أن نبيكم قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . وأنا كافر وترى حالي، وأنت مؤمن وترى حالك، فقال له: إذا صرت غدًا إلى عذاب الله كانت هذه جنتك، وإذا صرت أنا إلى النعيم، ورضوان الله صار هذا سجني، فعجب الناس من فهمه وسرعة جوابه.
[٤٧١] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِمَنْكِبَيَّ، فقال: «كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ، أَو عَابِرُ سَبيلٍ» .
وَكَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، يقول: إِذَا أمْسَيتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رواه البخاري.
قالوا في شَرْحِ هَذَا الحديث معناه: لا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلا تَتَّخِذْهَا
وَطَناً، وَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِطُولِ البَقَاءِ فِيهَا، وَلا بِالاعْتِنَاءِ بِهَا، وَلا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا إلا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَريبُ في غَيْرِ وَطَنِهِ، وَلا تَشْتَغِلْ فِيهَا بِمَا لا يَشْتَغِلُ بِهِ الغَرِيبُ الَّذِي يُريدُ الذَّهَابَ إِلَى أهْلِهِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
في هذا الحديث: الحضُّ على تقصير الأمل، والمبادرة إلى العمل، وترك التراخي والكسل.
في الحديث الآخر: «اغتنم خمسًا فبل خمس شبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك.
[٤٧٢] وعن أَبي العباس سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يَا رسولَ الله، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أحَبَّنِي اللهُ وَأحَبَّنِي النَّاسُ، فقال: «ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبّك اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبّك النَّاسُ» . حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.
اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين فإذا عمل بهما أحبه الله وأحبه الناس.
والزهد: هو القناعة بما أعطاك الله، والتعفف عن أموال الناس، وكان عمر يقول على المنبر: إنَّ الطمع فقر وإنَّ اليأس غنى.
وقال أيوب السختياني: لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان، العفة عما
في أي الناس، والتجاوز عما يكون منهم.
وفي الحديث المرفوع: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» .
وقال الشافعي رحمه الله تعالى:
وما هي إلا جيفة مستحيلة ... ?? ... عليها كلاب هَمُّهُن اجتذابها ... ???
فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها ... ?? ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها ... ??
[٤٧٣] وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - مَا أَصَابَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: لَقَدْ رَأيْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأ بِهِ بَطْنَهُ. رواه مسلم.
«الدَّقَلُ» بفتح الدَّال المهملة والقاف: رديءُ التمرِ.
فيه: زهده - صلى الله عليه وسلم - وصبره، وحقارة الدنيا عنده، فإن الله تعالى خيره في أنْ يكون ملكًا نبيًا أو عبدًا نبيًا فاختار أن يكون عبدًا، وقال: «يا رب، أجوع يومًا وأشبع يومًا، فإذا جعت سألتك، وإذا شبعت شكرتك» .
[٤٧٤] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: تُوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وَمَا في بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلا شَطْرُ شَعِيرٍ في رَفٍّ لي، فَأكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
قولها: «شَطْرُ شَعير» أيْ: شَيْءٌ مِنْ شَعير،، كَذَا فَسَّرَهُ التُرْمذيُّ.
في هذا الحديث: إعراضه - صلى الله عليه وسلم - عن الدنيا، وعدم النظر إليها.
وفيه: استحباب عدم كيل القوت توكلاً على الله، وثقة به فإن تكثير الطعام القليل من أسرار الله الخفية، ولا يخالف هذا الحديث: «كيِّلوا طعامكم يبارك لكم فيه» .
قال الحافظ: الكيل عند المبايعة محبوب من أجل تعلق حق المتبايعين وأما الكيل عند الإنفاق فالباعث عليه الشح؛ فلذا كُرِه.
[٤٧٥] وعن عمرو بن الحارث أخي جُوَيْرِيّة بنتِ الحارِث أُمِّ المُؤْمِنِينَ، رضي الله عنهما، قَالَ: مَا تَرَكَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ مَوْتِهِ دِيناراً، وَلا دِرْهَماً، وَلا عَبْداً، وَلا أَمَةً، وَلا شَيْئاً إلا بَغْلَتَهُ الْبَيضَاءَ الَّتي كَانَ يَرْكَبُهَا، وَسِلَاحَهُ، وَأرْضاً جَعَلَهَا لاِبْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً. رواه البخاري.
فيه: أن الإماء والعبيد الذين ملكهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته لم يبقوا على ملكه بعد وفاته، فمنهم من أعتقه، ومنهم من مات قبل وفاته - صلى الله عليه وسلم - وقد قال ... النبي - صلى الله عليه وسلم - «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» .
[٤٧٦] وعن خَبابِ بن الأَرَتِّ - رضي الله عنه - قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى، فَوَقَعَ أجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأكُل منْ أجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ - رضي الله عنه -، قُتِلَ يَوْمَ أُحُد، وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ، بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ، بَدَا رَأسُهُ
، فَأمَرَنَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنْ نُغَطِّي رَأسَهُ،
وَنَجْعَل عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الإذْخِرِ، وَمِنَّا مَنْ أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدِبُهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
«النَّمِرَةُ» : كِساءٌ مُلَوَّنٌ مِنْ صوف. وَقَوْلُه: «أيْنَعَتْ» أيْ: نَضِجَتْ وَأَدْرَكَتْ. وَقَوْلُه: «يَهْدِبها» هُوَ بفتح الياءِ وضم الدال وكسرها لغتان: أيْ: يَقْطُفهَا وَيَجْتَنِيهَا، وهذه استعارة لما فتح الله تَعَالَى عليهم من الدنيا وتمكنوا فِيهَا.
في هذا الحديث: ما كان عليه السلف من الصدق في وصف أحوالهم.
وفيه: أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار.
وفيه: أن الكفن يكون ساترًا لجميع البدن.
[٤٧٧] وعن سهلِ بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: حقارة الدنيا عند الله تعالى، ولهذا ملَّكها تعالى في الغالب للكفار والفساق لهوانهم عليه، وحَمَى منها في الغالب الأنبياء والصالحين لئلا تُدَنَّسَهُم.
[٤٧٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «أَلا إنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إلا ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، وَمَا وَالاهُ، وَعالِماً وَمُتَعَلِّماً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
فيه: ذم ما أشغل من الدنيا عن ذكر الله وطاعته، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون (٩) ] ، وأما ما أعان على طاعة الله من الدنيا فليس بمذموم، قال تعالى: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء
الزَّكَاةِ} [النور (٣٧) ] ، وفي حديث مرفوع: «لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر» .
[٤٧٩] وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا في الدُّنْيَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
الضيعة: العقار الذي يحتاج إلى عمل، والمراد لا تتوغلوا في ذلك فترغبوا عن صلاح آخرتكم وتشتغلوا في طلب الدنيا فلا تشبعوا منها.
[٤٨٠] وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: مَرَّ عَلَيْنَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ نعالِجُ خُصّاً لَنَا، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» فَقُلْنَا: قَدْ وَهَى، فَنَحَنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ: «مَا أرَى الأَمْرَ إلا أعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ» .
رواه أَبو داود والترمذي بإسناد البخاري ومسلم، وقال الترمذي: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
الخُصُّ: بيت يعمل من القصب ونحوه.
وفيه: شاهد لحديث ابن عمر: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح» .
[٤٨١] وعن كعب بن عياض - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وفِتْنَةُ أُمَّتِي: المَالُ» . رواه الترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
قوله: «فتنة» ، أي: ابتلاء واختبار. قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء (٣٥) ] ، وقال تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال (٢٨) ] .
[٤٨٢] وعن أَبي عمرو، ويقالُ: أَبو عبدِ الله، ويقالُ: أَبو ليلى عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ في سِوَى هذِهِ الخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الخُبز وَالماء» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .
قَالَ الترمذي: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُد سُلَيْمَانَ بنَ سَالمٍ البَلْخيَّ، يقولُ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْن شُمَيْل، يقولُ: الجِلْفُ: الخُبْز لَيْسَ مَعَهُ إدَامٌ، وقال غَيْرُهُ: هُوَ غَليظُ الخُبُزِ. وقَالَ الهَرَوِيُّ: المُرادُ بِهِ هنَا وِعَاءُ الخُبزِ، كَالجَوَالِقِ وَالخُرْجِ، والله أعلم.
الحق هنا: ما يستحقه الإِنسان لاحتياجه إليه في كُنه من الحر والبرد، وستر بدنه، وسد جوعته، وما سوى ذلك فهو من حظوظ النفس لا من حقوقها.
قال بعض الزهاد:
لَقِرْص شعير ثافل غير مالح ... ?? ... بغير إدام والذي خلق النجوى ... ???
مع العزِّ في بيتي وطاعة خالقي ... ?? ... ألذُّ على قلبي من المنِّ والسلوى ... ??
[٤٨٣] وعن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ - بكسر الشينِ والخاء المشددة المعجمتين - رضي الله عنه -، أنه قَالَ: أتَيْتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وَهُوَ يَقْرَأُ: {أَلْهَاكُمُ
التَّكَاثُرُ} قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مالي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إلا مَا أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ» ؟! . رواه مسلم.
أي ليس لك من مالك إلا ما انتفعت به في دنياك، بأكل أو لبس أو ادخرته لآخرتك، وما سوى ذلك فهو لورثتك.
قال بعض السلف: اجعل ما عندك ذخيرة لك عند الله، واجعل الله ذخيرة لأولادك.
[٤٨٤] وعن عبدِ الله بن مُغَفَّل - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -:
يَا رسولَ الله، وَاللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ له: «انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ؟» قَالَ: وَاللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ، ثَلَاثَ مَرَّات، فَقَالَ: «إنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافاً، فإنَّ الفَقْرَ أسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّني مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
«التجفافُ» بكسرِ التاءِ المثناةِ فوقُ وَإسكانِ الجيمِ وبالفاءِ المكررة: وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُهُ الفَرَسُ، لِيُتَّقَى بِهِ الأَذَى، وَقَدْ يَلْبَسُهُ الإنْسَانُ.
لما كان - صلى الله عليه وسلم - أزهد الناس في الدنيا، كان المحب التابع له متّصف بذلك لقوة الرغبة، وصدق المحبة فالمرء مع من أحب، ومولى قوم منهم في العسر واليسر
فمن أحب أن يكون معهم في نعيم الآخرة فليصبر كما صبروا في الدنيا. قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران (١٤٢) ] .
[٤٨٥] وعن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بِأفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى
المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: الحذر من الحرص على المال والشرف، فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة، ورزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإِمارة فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها» .
[٤٨٦] وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: نَامَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى حَصيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً. فَقَالَ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إلا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: الإِرشاد إلى ترك الاهتمام بِعَمارة الدنيا، والحث على الاعتناء بعمارة منازل الآخرة، وأن الدنيا دار عبور إلى دار الحبور.
[٤٨٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يدْخُلُ الفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمئَةِ عَامٍ» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .
فيه: فضل الفقير الصابر على الغني الشاكر، لأن الأغنياء يحبسون للحساب.
[٤٨٨] وعن ابن عباس وعِمْرَانَ بن الحُصَيْنِ - رضي الله عنهم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ... «اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا الفُقَرَاءَ،
وَاطَّلَعْتُ في النَّارِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا النِّسَاءَ» . متفقٌ عَلَيْهِ من رواية ابن عباس، ورواه البخاري أيضاً من رواية عِمْرَان بن الحُصَيْن.
فيه: التحريض على ترك التوسع في الدنيا.
وفيه: التحريض للنساء على المحافظة على أمر الدين ليسلمن من النار.
[٤٨٩] وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينُ، وَأصْحَابُ الجَدِّ مَحبُوسُونَ، غَيْرَ أنَّ أصْحَابِ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِم إِلَى النَّارِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
وَ «الجَدُّ» : الحَظُّ والغِنَى. وقد سبق بيان هَذَا الحديث في باب فَضْلِ الضَّعفَة.
أصحاب النار هنا: هم الخالدون فيها، وهم الكفار، قال الله تعالى: {لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى} [الليل (١٥) ] ، وقال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ
كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر (٧١) ] ، وقال تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ} [الرحمن (٥٥) ] .
[٤٩٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
يشهد لهذا البيت قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [القصص (٨٨) ] ، كان لبيد من فحول شعراء الجاهلية، وهو من هوازان، وَفَدَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[٥٤ ـ باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقا إليه]
قال الله تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) [الإسراء: ١٠٩] . وقال تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ) [لنجم: ٥٩، ٦٠] .
١/٤٤٦ ـ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي القرآن)) قلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ ! قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري)) فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء: ٤١] قال: ((حسبك الآن)) فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه.
٢/٤٤٧ ـ وعن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين. متفق عليه، وسبق بيانه في باب الخوف.
٣/٤٤٨ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يلج
النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم)) رواه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح.
٤/٤٤٩ ـ وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله تعالى، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب فضل البكاء من خشية الله عز وجل، يعني خوفاً منه وشوقاً إليه تبارك وتعالى، وذلك أن البكاء له أسباب: تارة يكون الخوف، وتارة يكون الألم، وتارة يكون الشوق، وغير ذلك من الأسباب التي يعرفها الناس.
ولكن البكاء من خشية الله إما خوفاً منه وإما شوقاً إليه تبارك وتعالى، فإذا كان البكاء من معصية فعلها
الإنسان؛ فهذا البكاء سببه الخوف من الله عز وجل، وإذا كان عن طاعة فعلها، كان هذا البكاء شوقاً إلى الله سبحانه وتعالى.
وذكر المؤلف رحمه الله آيتين: آية فيها الثناء على الذين يبكون من خشية الله وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) [الإسراء: ١٠٧] أي أوتوا العلم من قبل القرآن، وهم أهل الكتاب (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً) [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨] ، يعني إن وعد ربنا واقع لا محالة، فإن هنا للتوكيد.
(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) يعني عليها، والمراد المبالغة في السجود، حتى تكاد أذقانهم تضرب بالأرض من شدة المبالغة في سجودهم (وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) خشوعاً في القلب يظهر أثره وعلامته على الجوارح.
والآية الثانية قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ) [لنجم: ٥٩، ٦٠] ، وهذا ذم لهم أن يضحك الإنسان من القرآن ويعجب منه عجب استنكار وسخرية ولا يبكي منه، والقرآن أعظم واعظ، يعظ الله به القلوب، لكنه إذا ورد على قلوب كالحجارة والعياذ بالله؛ فإنها لا تلين ولكنها تزداد صلابة. نسأل الله العافية.
ثم ذكر المؤلف حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يقرأ عليه القرآن، فقال: يا رسول الله، كيف أقرؤه عليك وعليك أنزل؟ يعني: أنت أعلم به مني، فكيف أقرؤه عليك؟ . قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري)) .
هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه إشارة إلى أن الإنسان قد يكون إنصاته لقراءة غيره أخشع لقلبه مما لو قرأ هو، وهو كذلك أحياناً،
فأحياناً إذا سمعت القرآن من غيرك خشعت وبكيت، لكن لو قرأته أنت خشعت على هذه الهيئة.
فقرا عليه سورة النساء، فلما بلغ هذه الآية العظيمة: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء: ٤١] ، يعني ماذا تكون حالك؟ ! وماذا تكون حالهم؟ !
كيف هنا للاستفهام، والاستفهام يشد النفس وينبه القلب (إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيد) يوم القيامة.
والشهداء طائفتان من الناس:
الطائفة الأولى: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: ١٤٣] .
والثانية: أهل العلم الذين ورثوا الأنبياء، فإنهم شهداء بعد ميراث الأنبياء بعد أن يموت الأنبياء، فالشهداء على الخلق هم العلماء بعد الرسل يشهدون بأن الرسل بلغوا، ويشهدون على الأمة بأن الرسالة قد بلغتهم، ويالها من ميزة عظيمة لأهل العلم، أن يكونوا هم شهداء الله في أرضه.
يقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) ، وقد ذكر الله في سورة الجاثية (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) على ركبها (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) كتاب الأعمال، أو إلى كتابها الذي نزل
عليها بالوحي (تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .
يقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ) يعني يا محمد (عَلَى هَؤُلاء) الأمم (شَهِيداً) ماذا تكون الحال. فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: ((حسبك الآن)) . قال ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.
يبكي عليه الصلاة والسلام خوفاً من هذه الحالة الرهيبة العظيمة. ففي هذا دليل على البكاء من قراءة القرآن وأن الإنسان يبكي من قراءة القرآن.
وذكر المؤلف حديثاً آخر سبق لنا شرحه وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) يعني لو تعلمون ما أعلم من حقائق الأمور التي أخفاها الله عنكم وعلمها الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه أخفاها عن الخلق رحمة بهم وعلمها النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يؤمر بإبلاغها للناس، وقد يكون المراد بذلك حقائق ما أخبره أنه يعلم شيئاً من الحقائق لا يعلمها الناس، فالله أعلم.
ولما قال صلى الله عليه وسلم: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قيلا ً ولبكيتم كثيراً)) غطى الصحابة وجوههم ولهم خنين. يعني أصوات بكاء. يبكون لأن المراد بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((لو تعلمون ما أعلم)) التحذير مما علمه عليه الصلاة والسلام، فجعلوا يبكون رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا يدل على كمال إيمانهم، وكمال تصديقهم بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة المشهور، وقد سبق أيضاً ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وذكر منهم: ((رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) ذكر الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأحكامه وآياته، ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، إما شوقاً إليه، وإما خوفاً منه، فهذا من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
والمراد بالظل هنا: ظل يخلقه الله عز وجل يوم القيامة يظلل فيه من
شاء من عباده، وليس المراد ظل نفسه جل وعلا؛ لأن الله نور السموات والأرض، ولا يمكن أن يكون الله ظلاً من الشمس، فتكون الشمس فوقه وهو بينها وبين الخلق، ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار؛ لأنه لا يمكن أن يكون الله عز وجل تحت شيء من مخلوقاته، فهو العلي الأعلى، ثم هو نور السموات والأرض.
قال النبي عليه الصلاة والسلام ((حجابه)) يعني حجاب الله ((النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) ، يعني لو كشف هذا الحجاب ـ والحجب أيضاً من نور، لكنها نور دون نور البارئ عز وجل. لو كشف الله هذا النور لأحرقت سبحات وجهه أي بهاؤه وعظمته ونوره، ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبصره ينتهي إلى كل شيء.
والمعنى لو كشفه لأحرق هذا النور كل شيء، كيف يكون المراد بالظل ظل الرب عز وجل؟! لكن كما قلت: بعض الناس أجهل من الحمار، لا يدري ما يترتب على قوله الذي يقوله في تفسير كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يريد الرسول عليه الصلاة والسلام هذا.
حتى الرواية التي وردت في ظل عرشه فيها نظر؛ لأن المعروف أن العرش أكبر من السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم، السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة،
فكيف يكون العرش تحت الشمس يظل الناس؟!
لو صح الحديث لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلاً، والله عز وجل على كل شيء قدير، لكن هذه اللفظة في صحتها نظر، والصواب أنه ظل يخلقه الله عز وجل في ذلك اليوم؛ إما من الغمام أو من غير ذلك، الله أعلم، لكنه ظل يستر الله به من شاء من عباده حر الشمس.
وإنما قال: ((يوم لا ظل إلا ظله)) ؛ لأننا في الدنيا نستظل بالبناء الذي نبنيه، ونستظل بالأشجار التي تغرس، ونستظل بسفوح الجبال، وبالجدران، وبغير ذلك، نستظل بأشياء نحن نصنعها بأيدينا وبأشياء خلقها الله عز وجل.
لكن في الآخرة ليس هناك ظل، قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً) [طه: ١٠٥] ، كل الجبال تنسف مهما عظمت، أكبر الجبال وأعظمها تنسف؛ تكون رملاً، هباءً منثوراً، تطير في الجو (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: ٨٨] ، تطير في الهواء وإن كنت تظنها جامدة لا تتحرك.
وقد سمعت عن بعض الناس المتأخرين يقول: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) يعني في الدنيا، وأن هذا دليل على أن الأرض تدور، وعلل ذلك بان يوم القيامة يقين ليس فيه شيء من الحسبان.
وهذا من جهله وعدم معرفته؛ لأن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (ا١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا
هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ١، ٢] ، هذا من يراهم على خلاف الواقع، فالأمر إذا ذهل الإنسان ولو كان أمامه شيء متيقن، فإنه تضيع حواسه وإدراكا ته.
المهم أن قوله ((يوم لا ظل إلا ظله)) أي: إلا الظل الذي يخلقه الله عز وجل، يظل به من شاء من عباده. وهذا هو الشاهد.
قوله: ((ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) فأنت يا أخي إذا ذكرت الله فاذكر ربك خالي القلب، لا تفكر في شيء، إن فكرت في شيء لم يحصل لك أن تبكي من خشية الله أو الشوق إليه؛ لأنه لا يمكن أن يبكي الإنسان وقلبه مشغول بشيء آخر، كيف تبكي شوقاً إلى الله وخوفاً منه وقلبك مشغول بغيره؟! ولهذا قال: ((ذكر الله خالياً)) يعني: خالي القلب مما سوى الله عز وجل، خالي الجسم أيضاً، ليس عنده أحد حتى يكون بكاؤه رياء وسمعه، فهو مخلص القلب، فهذا أيضاً ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. أسأل الله أن يظلني وإياكم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
* * *
٥/٤٥٠ ـ وعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.))
حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح.
٦/٤٥١ ـ وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب رضي الله عنه: ((إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال: وسماني؟ قال: ((نعم)) فبكى أبي. متفق عليه. وفي رواية: فجعل أبي يبكي.
٧/٤٥٢ ـ وعنه قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، انطلق بنا إلى أم أيمن رضي الله عنهما نزورها كما كان رسول الله يزورها، فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني أبكي أن الوحي قد أنقطع من السماء؛ فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم. وقد سبق في باب زيارة أهل الخير.
٨/٤٥٣ ـ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، قيل له في الصلاة، فقال ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء، فقال: ((مروه فليصل)) .
وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء. متفق عليه.
٩/٤٥٤- وعن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عّوف أنَّ عبدَ الرحمنِ بن عَوف رضي الله عنهُ أتي بطَعام وكان صائماً، فقال قُتل مًُصعب بن عُمير رضي الله عنه وهو خير مني. فلم يوجد له ما يكفنُ فيه إلا بُردة إن غطي بها رأسهُ بدت رجلاه وإن غُطي بها رجلاهُ بدا رأسُه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بُسِط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أُعطينا- وقد خشينا أن تكُون حسناتنا عُجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعامَ. رواه البخاري
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف في باب البكاء من خشية الله أو من الشوق إليه سبحانه وتعالى، ذكر فيها عدة أحاديث، منها: حديث عبد الله ابن الشخير رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي وكان لصدره أزيز كأزيز المرجل.
المرجل: القِدر يغلي على النار وله صوت معروف، وأزيز صدر النبي صلى الله عليه وسلم كان من خَشية الله بلا شك، فهذا بكاء من خشية الله.
وذكر حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأُبي بن كعب" إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ) (البينة: ١) ، فقال: وسماني لك؟ قال: "نعم". فبكى أُبي.
لكن هذا البكاء يحتمل أن يكون شوقاً إلى الله عزَّ وجلَّ؛ لأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ هذه السورة على أُبي تدل على رفعة أُبي بن كعب رضي الله عنه،
ويحتمل أن يكون ذلك من الفرح؛ فإن الإنسان ربما يبكي إذا فرح، كما أنه يبكي إذا حزن.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله أحاديث كلها تدل على البكاء على الحزن على ما مضى، منها حديث أم أيمن رضي الله عنها حين زارها الصحابيان: أبو بكر وعمر، أتيا إليها كما كان النبي صلى الله عليه وسل يزورها، فلما أتيا إليها بكت فقالا لها: "ما يبكيك"؟ أما عملت أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم؟ قالت بلى إني لا أبكي أني لا أعلم". يعني: بل أنا أعلم" ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء" انقطع الوحي " فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها".
وكذلك حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حين جيء إليه بالطعام وهو صائم، والصائم يشتهي الطعام عادة، ولكنه رضي الله عنه تذكر ما كان عليه الصحابة الأولون، وهو رضي الله عنه من الصحابة الأولين من المهاجرين رضي الله عنهم، لكنه قال احتقاراً لنفسه قال: إن مصعب بن عمير رضي الله عنه كان خيراً مني.
وكان مصعبٌ رجلاً شاباً، كان عند والديه بمكة وكان والداه أغنياء، وأمه وأبوه يلبسانه من خير اللباس: لباس الشباب والفتيان، وقد دلّلاه دلالاً عظيماً، فلما أسلم هجراه وأبعداه، وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مع المهاجرين، وكان عليه ثوب مرقع بعدما كان في مكة عند أبويه يلبس أحسن الثياب، لكنه ترك ذلك كله مهاجراً إلى الله ورسوله.
وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم أحد، فاستشهد رضي الله عنه، وكان معه
بردة- أي ثوب- إذا غطوا به رأسه بدت رجلاه- وذلك لقصر الثوب- وإن غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستر به رأسه وأن تستر رجلاه بالإذخر؛ نبات معروف.
فكان عبد الرحمن بن عوف يذكر حال هذا الرجل، ثم يقول: إنهم قد مضوا وسلموا مما فتح الله به من الدنيا على من بعدهم من المغانم الكثيرة، كما قال تعالى: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا) (الفتح: ١٩) .
ثم قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: " قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا"؛ لأن الكافر يجزى على حسناته في الدنيا، وله في الآخرة عذاب النار، والمؤمن قد يجزى في الدنيا وفي الآخرة، لكن جزاء الآخرة هو الأهم.
فخشي رضي الله عنه أن تكون حسناتهم قد عجلت لهم في هذه الدنيا، فبكى خوفاً وفرقاً، ثم ترك الطعام رضي الله عنه.
ففي هذا دليلٌ على البكاء من خشية الله ومخافة عقابه، والله الموفق.
[٥٥- باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها، وفضل الفقر]
قال الله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس: ٢٤) وقال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) (الكهف: ٤٥، ٤٦) وقال تعالي: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ
ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: ٢٠) وقال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: ١٤) وقال تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (فاطر: ٥)
وقال تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) التكاثر: ١-٥) .
وقال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: ٦٤)
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقراء.
الدنيا: هي حياتنا هذه التي نعيش فيها، وسميت دنيا لسببين:
السبب الأول: أنها أدنى من الآخرة؛ لأنها قبلها كما قال تعالى: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (الضحى: ٤) .
والثاني: أنها دنيئة ليست بشيء بالنسبة للآخرة، كما روى الإمام أحمد رحمه الله من حديث المستورد بن شداد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" موضع السوط: موضع العصى القصيرة الصغيرة في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها من أولها على آخرها، فهذه هي الدنيا.
وذكر المؤلف رحمه الله آيات عديدة كلها تفيد أنه لا ينبغي للعاقل أن
يركن إلى الدنيا، أو يغتر بها، أو يلهو بها عن الآخرة، أو تكون مانعاً له من ذكر الله عزَّ وجل، منها قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ) يعني: المطر (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) يعني أنبتت الأرض منه نباتاً متنوعاً مختلطاً متقارباً، ليس بينه فجوات ليس فيها نبات، كل الأرض نباتات بأنواع الأعشاب من كل زوج بهيج (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) أي: كملت (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) كأن لم تكن.
وهذه هي الحياة الدنيا، واعتبر ذلك أنت في واقعك، كم من أناس عشت معهم عاشوا في هذه الدنيا عيشة راضية، وفي رفاهية وأنس وأولاد وزوجات وقصور وسيارات، ثم انتقلوا عنها، كأن لم يكونوا بالأمس، انتقلوا هم عنها، أو يأتي دنياهم شيء يتلفها، فكم من إنسان غني عنده أموال عظيمة أصبح فقيراً يسأل الناس.
فهذه هي الدنيا، وإنما ضرب الله هذا المثل لئلا نغتر بها، فقال (كَذَلِكَ) يعني: مثل هذا التفصيل والتبيين (نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) لمن عندهم تفكير في الأمور ونظر في العواقب.
ثم قال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) (يونس: ٢٥) ، أي فرق بين هذه وهذه، دار السلام هي الجنة: أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها دار السلام وسميت كذلك؟ لأنها سالمة من كل كدر، ومن كل تنغيص، ون كل أذى. لما ذكر الدنيا قال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) فإلى أيهما تركن أيها العاقل؟ لا شك أن العاقل يركن إلى دار السلام، ولا تهمه دار الفناء
والنكد والتنغيص، فهو سبحانه وتعالى يدعو كل الخلق إلى دار السلام (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (يونس: ٢٥) .
والهداية مقيدة، لم يقل: ويهدي كل أحد، ولكن قال: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فمن هو الحقيق والجدير بهداية الله؟ هو من أناب إلى الله عز وجل، كما قال تعالى: (ُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) (الرعد: ٢٧)
وقال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: الآية٥) ، فمن كان عنده نية طيبة وخالصة لابتغاء وجه الله والدار الآخرة، فهذا هو الذي يهديه الله عزَِّ وجلَّ، وهو داخل في قوله: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
ثم ذكر المؤلف آيات أخرى مثل قوله (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) (الكهف: الآية٤٥) ، معناه: أن الحياة الدنيا كماء نزل على أرض فأنبتت، فأصبح هشيماً تذوره الرياح، يبس وصارت الرياح تطير به، هكذا أيضاً الدنيا.
وقال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ) (الحديد: الآية٢٠) .
هذه خمسة أشياء كلها ليس بشيء: لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد، مثالها: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) (الحديد: ٢٠) ، أعجب الكفار؛ لأن الكفار هم الذين يتعلقون بالدنيا وتسبي عقولهم الدنيا، فهذا نبات نبت من الغيث فصار الكفار يتعجبون منه من حسنه ونضارته: (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) (الحديد: ٢٠) ، ويزول وينتهي الآخرة (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ) (الحديد: ٢٠) .
فأيهما تريد؟ تريد الآخرة؛ فيها عذابٌ شديد لمن آثر الدنيا على الآخرة، وفيها مغفرة ورضوان لمن آثر الآخرة على الدنيا.
والعاقل إذا قرأ القرآن وتبصر؛ عرف قيمة الدنيا، وأنها ليست بشيء، وأنها مزرعة للآخرة، فانظر ماذا زرعت فيها لآخرتك؟ إن كنت زرعت خيراً؛ فأبشر بالحصاد الذي يرضيك، وإن كان الأمر بالعكس؛ فقد خسرت الدنيا والآخرة، نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية.
* * *
وأما الأحاديث فأكثرُ من أن تحصر فننبهُ بطرف منها على ما سواه.
١/٤٥٧- عن عمرو بن عوفِ الأنصاري رضي الله عنهُ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصارُ بقُدوم أبي عُبيدةَ، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف، فتعرضوا لهُ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، ثم قال: " أظنكم سمعتُم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ " فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: "أبشرُوا وأملُوا ما يسركم، فو الله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنى أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم" متفق عليه.
٢/٤٥٨- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المِنبر، وجلسنا حولهُ، فقال: " إن مما أخافُ عليكم من بعدي ما يفتحُ عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" متفق عليه
٣/٤٥٩- وعنه رضي اللهُ عنهُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الدنيا حُلوة خضرةٌ، وإن الله تعالى مُستخلفكم فيها فينظرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء" رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكرها المؤلف رحمه الله في باب الزهد في الدنيا والترغيب فيه، وقد ذكر قبل ذلك آيات متعددة كلها تدل على أن هذه الدنيا ليست بشيء بالنسبة للآخرة، وأنها ممر ومزرعة للآخرة، فإن قال قائل: يقال ورع، ويُقال زهد، فأيهما أعلى؟ وما الفرق بينهما؟
فالجواب أن الزهد أعلى من الورع، والفرق بينهما أن الورع ترك ما يضر، والزهد ترك ما لا ينفع، فالأشياء ثلاثة أقسام: منها ما يضر في الآخرة، ومنها ما ينفع، ومنها ما لا يضر ولا ينفع.
فالورع: أن يدع الإنسان ما يضره في الآخرة، يعني أن يترك الحرام.
والزهد: أن يدع ما لا ينفعه في الآخرة، فالذي لا ينفعه لا يأخذ به،
والذي ينفعه يأخذ به، والذي يضره لا يأخذ به من باب أولى، فكان الزهد أعلى حالاً من الورع، فكل زاهد ورع، وليس كل ورع زاهداً.
ولكن حذر النبي عليه الصلاة والسلام من أن تفتح الدنيا علينا كما فتحت على من كان قبلنا فنهلك كما هلكوا.
لما قدم أبو عبيدة بمال من البحرين، وسمع الأنصار بذلك، جاءووا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوافوه في صلاة الفجر، فلما انصرف من الصلاة تعرضوا له فتبسم عليه الصلاة والسلام، يعني ضحك، لكن بدون صوت، تبسم لأنهم جاءوا متشوفين للمال.
فقال لهم: " لعلكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة من البحرين؟ " قالوا: أجل يا رسول الله. سمعنا بذلك يعني وجئنا لننال نصيبنا.
فقال عليه الصلاة والسلام: "ما الفقر أخشى عليكم" الفقر لا أخشاه.
والفقر قد يكون خيراً للإنسان، كما جاء في الحديث القدسي الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: " إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى"، يعني: أطغاه وأضله وصده عن الآخرة والعياذ بالله ففسد، " وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده الفقر".
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ما الفقر أخشى عليكم" يعني: لا أخشى عليكم من الفقر؛ لأن الفقير في الغالب أقرب إلى الحق من الغني.
وانظروا إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ من الذي يكذبهم؟ يكذبهم الملأ الأشرار الأغنياء، وأكثر من يتبعهم الفقراء، حتى النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من يتبعه الفقراء.
فالفقر لا يخشى منه، بل الذي يخشى منه أن تبسط الدنيا عليهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: " أخشى أن تبسط عليكم - يعني كما بسطت على من كانوا قبلنا، فتهلككم كما أهلكتهم".
وهذا هو الواقع، وأنظر إلى حالنا نحن هنا- يعني في المملكة- لما كان الناس إلى الفقر أقرب، كانوا لله أتقى وأخشع وأخشى، ولما كَثُر المال؛ كثُر الإعراض عن سبيل الله، وحصل الطغيان، وصار الإنسان الآن يتشوف لزهرة الدنيا وزينتها ... سيارة، بيت، فرش، لباس، يباهي الناس بهذا كله، ويعرض عما ينفعه في الآخرة.
وصارت الجرائد والصحف وما أشبهها لا تتكلم إلا بالرفاهية وما يتعلق بالدنيا، وأعرضوا عن الآخرة، وفسد الناس إلا من شاء الله.
فالحاصل أن الدنيا إذا فتحت- نسأل الله أن يقنا وإياكم شرها - أنها تجلب شرًّاً وتطغي الإنسان (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى) (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: ٧، ٦) .
وقد قال فرعون لقومه: (يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) (الزخرف: ٥١) ، افتخر بالدنيا، فالدنيا خطيرة جداً.
وفي هذه الأحاديث أيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام: " إن الدنيا حلوة خضرة" حلوة المذاق، خضرة المنظر، تجذب وتفتن، فالشيء إذا كان حلواً ومنظره طيباً فإنه يفتن الإنسان، فالدنيا هكذا حلوة خضرة حلوة في المذاق، خضرة في المنظر.
ولكن: " وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون" يعني جعلكم
خلائف فيها؛ يخلف بعضكم بعضاً، ويرث بعضكم بعضاً. " فينظر كيف تعملون" هل تقدمون الدنيا أو الآخرة؟، ولهذا قال: " فاتقوا الدنيا واتقوا النساء".
ولكن إذ١ أغنى الله الإنسان، وصار غناه عوناً له على طاعة الله، ينفق ماله في الحق؟، وفي سبيل الله؛ صارت الدنيا خيراً.
ولهذا كان رجل الدنيا الذي ينفق ماله في سبيل الله، وفي مرضاة الله عز وجلّ، صار ثاني اثنين بالنسبة للعالم الذي آتاه الله الحكمة والعلم وصار يعلم الناس.
فهناك فرق بي الذين ينهمك في الدنيا ويعرض عن الآخرة، وبين الذي يغنيه الله، ويكون غناه سبباً للسعادة والإنفاق في سبيل الله (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة: ٢٠١)
* * *
٤/٤٦٠- وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخرة". متفق عليه.
٥/٤٦١- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يتبع الميت ثلاثةٌ: أهلهُ ومالهُ وعملهُ: فيرجع اثنان، ويبقي واحد؛ يرجعُ أهلهُ ومالهُ ويبقى عملهُ" متفق عليه.
٦/٤٦٢- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يؤتى بأنعمِ أهلِِ الدنيا من أهل النارِ يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقالُ: يا ابن آدم؛ هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب.
ويؤتى بأشد الناس بُوساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنةِ فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شِدة قط؟ فيقول لا والله، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيتُ شِدةً قط" رواه مسلم.
٧/٤٦٣- وعن المستورد بن شداد رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعلُ أحدكم أصبعه في اليم، فينظر بما يرجع؟ " رواه مسلم.
٨/٤٦٤- وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفتية، فمر بجدي أسك ميتٍ، فتناولهُ، فأخذ بأذُنهِ، ثم قال: " أيكم يجبٌ أن يكون هذا لهُ بدرهمٍ؟ " فقالوا ما نُحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟
ثم قال": أتحبون أنهُ لكم؟ " قالوا: والله لو كان حيا كان عيباً؛ أنه أسكٌ فكيف وهو ميت؟ فقال: فو الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم" رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله أحاديث في بيان الزهد في الدنيا، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، منها: عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن الني صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" يعنى العيشة الهنية الراضية الباقية هو عيش الآخرة، أما الدنيا فإنه مهما طاب عيشها فمآلها للفناء، وإذا لم يصحبها عمل صالح فإنها خسارة.
ولهذا ذكر في ضمن الأحاديث هذه" أنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا في الدنيا" يعني أشدهم نعيماً في بدنه وثيابه وأهله ومسكنه ومركوبه وغير ذلك، " فيصبغ في النار صبغة" يعني يغمس فيها غمسة واحدة، ويقال له " يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت" لأنه ينسى كل هذا النعيم، هذا وهو شيء يسير، فكيف بمن يكون مخلداً فيها والعياذ بالله أبد الآبدين.
وذكر أيضاً حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ في السوق بجدي أسك. والجدي من صغار الماعز، وهو أسك: أي مقطوع الأذنين، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام ورفعه وقال: " هل أحد منكم يريده بدرهم؟ قالوا يا رسول الله، ما نريده بشي. قال: "هل أحد منكم يود أن يكون له؟ قالوا: لا. قال: إن الدنيا أهون عند الله تعالى من هذا الجدي".
فهذا جدي ميت لا يساوي شيئاً، ومع ذلك فالدنيا أهون وأحقر عند الله تعالى من هذا الجدي الأسك الميت، فهي ليست بشيء عند الله، ولكن من عمل فيها عملاً صالحاً؛ صارت مزرعة له في الأخرة، ونال فيها
السعادتين: سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
أما من غفل وتغافل وتهاون ومضت الأيام عليه وهو لم يعمل؛ فإنه يخسر الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: (ِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر: ١٥) ، وقال تعالى: (وَالْعَصْرِ) (إِنَّ الْإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ٣: ١) .
وكل بني آدم خاسر إلا هؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاف الأربعة: آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر. جعلنا الله وإياكم منهم.
* * *
٩/٤٦٥- وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: كنت امشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة بالمدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: " يا أبا ذر". قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: " ما يسرني أن عندي مثل أحدِ هذا ذهبا تمضي على ثلاثة أيام وعندي منه دينار إلا شيء أرصدة لدين، إلا أن أٌول به في عباد الله هكذا، وهكذا وهكذا" عن يمينه وعنه شماله ومن خلفه.
ثم سار فقال: " إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا" عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه" وقليل ما هم". ثم قال لي" مكانك لا تبرح حتى آتيك".
ثم أنطلق في سواد الليل حتى توارى فسمعتُ صوتاً قد ارتفع، فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي صلى الله عليه وسلم فأردت أن آتيه، فذكرتُ قوله ((لا تبرح حتى آتيك))
فلم أبرح حتى أتاني.
فقلت: لقد سمعتُ صوتاً تخوفت منه، فذكرت له، فقال: " وهل سمعته؟ " قلت: نعم، قال: " ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشركُ بالله شيئاً دخل الجنة".
قلت: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: " وإن زنى، وإن سرق". متفق عليه. وهذا لفظ البخاري.
١٠/٤٦٦- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو كان لي مثل أحدٍ ذهباً؛ لسرني أن لا تمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء ارصده لدين" متفق عليه.
١١/٤٦٧- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم " متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
١٢/٤٦٨- وعنه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعِس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطى رضي؛ وإن لم يعط لم يرض" رواه
البخاري.
١٣/٤٦٩- وعنه رضي الله عنه قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة، وما منهم رجل عليه رداء؛ إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته" رواه البخاري.
١٤/٤٧٠- وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الدنيا سِجن المؤمن، وجنة الكافرِ)) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله، كلها تدل على الزهد في الدنيا.
فمنها حديث أبي ذر وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيء أرصدة لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا" وعنه يمينه وعن شماله ومن خلفه.
وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أزهد الناس في الدنيا؛ لأنه لا يريد أن يجمع المال إلا شيئاً يرصده لدين، وقد توفي صلى الله عليه وسلم
ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لأهله.
ولو كانت الدنيا محبوبة إلى الله عز وجل ما حرم منها نبيه صلى الله عليه وسلم " فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه وعالماً ومتعلماً" وما يكون في طاعة الله عز وجل.
ثم ذكر في حديث أبي ذر " أن المكثرين هم المقلون يوم القيامة" يعني المكثرون من الدنيا هم المقلون من الأعمال الصالحة يوم القيامة، وذلك لأن الغالب على من كثر ماله في الدنيا الغالب عليه الاستغناء والتكبر والإعراض عن طاعة الله؛ لأن الدنيا تلهيه، فيكون مكثراً في الدنيا مقلاً في الآخرة. وقوله: إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا" يعني في المال وصرفه في سبيل الله عز وجل.
وفي حديث أبي ذر: ((أن من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)) وهذا لا يعني أن الزنى والسرقة سهلة، بل هي صعبة، ولهذا استعظمها أبو ذر وقال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن سرق)) .
وذلك لأن من مات على الإيمان وعليه معاص من كبائر الذنوب؛ فإن الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء) (النساء:
٤٨، ١١٦) .
قد يعفو الله عنه ولا يعاقبه، وقد يعاقبه، ولكن إن عاقبه فمآله إلى الجنة؛ لأن كل من كان لا يشرك بالله ولم يأت شيئاً مكفراً؛ فإن مآله إلى الجنة.
أما من أتى مكفراً كالذي لا يصلي والعياذ بالله، فهذا مخلد في النار؛ الذي لا يصلي كافر مرتد مخلد في نار جهنم حتى لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وآمنت بالله وآمنت باليوم الآخر وهو لا يصلى، فإنه مرتد؛ لأن المنافقين كانوا يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) (المنافقون: ١) ، وكانوا يذكرون الله ولكن لا يذكرون الله إلا قليلاً ويصلون ولكن (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) (النساء: ١٤٠) ومع ذلك فهم في الدرك الأسفل من النار.
وكذلك الآحاديث التي تلت ما رواه أبو ذر رضي الله عنه، كلها تدل على الزهد في الدنيا، وأن الإنسان لا ينبغي أن يعلق نفسه بها، وأن تكون الدنيا بيده لا بقلبه، حتى يقبل بقلبه على الله عز وجل؛ فإن هذا هو كمال الزهد، وليس المعنى أنك لا تأخذ شيئاً من الدنيا؛ بل خذ من الدنيا ما يحل لك، ولا تنس نصيبك منها، ولكن اجعلها في يدك ولا تجعلها في قلبك، وهذا هو المهم. نسأل الله لنا وللمسلمين العافية والسلامة.
١٥/٤٧١- وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل)) .
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك" رواه البخاري.
قالوا في شرح هذا الحديث معناه: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريبُ الذي يريد الذهاب إلى أهله. وبالله التوفيق.
١٦/٤٧٢- وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلنى على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يُحبك الناس)) حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة رواه ابن ماجة.
١٧/٤٧٣- عنِ النعمانِ بن بشير رضي الله عنهما قال: ذكر عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي، ما يحدث من الدقلِ ما يملاٌ به بطنه. رواه مسلم.
"الدقل" بفتحِ الدالِ المهملةِ والقافِ: رديءُ التمرِ.
١٨/٤٧٤- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكلهُ ذُو كبد إلا شطرُ شعير في رف لي، فأكلتُ منهُ حتى طالَ علي، فِكلتُه ففني. متفق عليه.
قولها: " شطر شعير". أي شيء من شعير.
١٩/٤٧٥- وعن عمرو بن الحارث- أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين- رضي الله عنهما- قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحهُ، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة. رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله تعالى في باب الزهد في الدنيا وترك المكاثرة فيها والرغبة في الآخرة، والمتاجرة فيها، فذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي، وأخذ بمنكبه من أجل أن يستعد لما يلقيه عليه فينتبه فقال: ((كن في الدّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) يحتمل أن هذا من باب الشك، أي: أن الراوي شك، هل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأول أو الثاني.
ويحتمل أنه من باب التنويع يعني: كن كالغريب الذي يداخل الناس ولا يهتم بالناس، ولا يعرف بين الناس، أو كأنك عابر سبيل تريد أن تأخذ
ما تحتاجه في سفرك وأنت ماش.
وهذا التمثيل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هو الواقع؛ لأن الإنسان في هذه الدنيا مسافر، فالدنيا ليست دار مقر؛ بل هي دار ممر، سريعٌ راكبه لا يفتر ليلاً ولا نهاراً، فالمسافر ربما ينزل منزلاً فيستريح، ولكن مسافر الدنيا لا ينزل، هو دائماً في سفر، كل لحظة فإنك تقطع بها شوطاً من هذه الدنيا لتقرب من الآخرة.
فما ظنكم بسفر لا يفتأ صاحبه يمشي ويسير. أليس ينتهي بسرعة؟
الجواب: بلى، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) (النازعات: ٤٦) .
وينبغي للإنسان أن يقيس ما يستقبل من عمره بما مضي، فالذي مضى كأنه لا شيء، حتى أمسك الأدنى، كأنك لم تمر به، أو كأنه حلم، وكذلك فما يستقبل من دنياك، فهو كالذي تقدم، ولهذا لا ينبغي الركون إلى الدنيا ولا الرضا بها؛ وكأن الإنسان مخلد فيها.
ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنه يقول: ((إذا أصبحت فلا تنتظر المساء)) فإنك قد تموت قبل أن تمسي. ((وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)) فإنك قد تموت قبل أن تصبح، ولكن انتهز الفرصة، لا تؤخر العمل، لا تركن إلى الدنيا فتؤمل البقاء مع أنك لا تدري.
" وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" انتهز الصحة، انتهز الحياة، فإنك قد تمرض فتعجز، وقد تفتقر فتعجز، وقد تموت فينقطع عملك.
ثم ذكر أحاديث في هذا المعنى، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يترك شيئاً مما يأكله ذو كبد رطبة إلا شيئاً من الشعير" كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ((لم يترك إلا شيئاً من الشعير)) ومع ذلك فإنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بشعير أخذه لأهله. اضطر عليه الصلاة والسلام فأخذ من هذا اليهودي شعيراً، ابتاعه منه ورهنه درعه، فمات وهي مرهونة عنده عليه الصلاة والسلام.
وهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام أزهد الناس في الدنيا إذ لو شاء أن تصير معه الجبال ذهباً لصارت، ولكنه لا يريد هذا، يريد أن يتقلل من الدنيا حتى يخرج منها لا عليه ولا له منها؛ بل كان عليه الصلاة والسلام يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، ويعيش عيشة الفقراء. والله الموفق.
* * *
٢٠/٤٧٦-وعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله تعالى؛ فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعبُ بن عُميرٍ رضي الله عنه قُتل يوم أُحد وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسهُ بدت رجلاهُ، وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسهُ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُغطي رأسهُ، ونجعل على رجليه شيئاً من الإذخر، ومنا من أينعت لهُ ثمرتهُ، فهو يهدبها". متفق عليه.
٢١/٤٧٧- وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء)) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
٢٢/٤٧٨- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالماً ومتعلماً". رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن.
٢٣/٤٧٩- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا)) . رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن.
٢٥/٤٨١- وعن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي: المال)) . رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
٢٦/٤٨٢- وعن أبي عمرو - ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو ليلى -عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنهُ، وثوب يُواري عورتهُ، وجلف الخُبز، والماء)) . رواهُ الترمذي وقال
حديثٌ صحيحٌ.
قال الترمذي: سمعت أبا داود سليمان بن سالم البلخي يقول: سمعت النصر بن شميل يقول: الجلف: الخبز ليس معه إدام. وقال غيرهُ: هو غليظ الخبز. وقال الهروي: المراد به هنا وعاء الخبز: كالجوالق والخرج. والله أعلم.
٢٧/٤٨٣- وعن عبد الله بن الشخير - بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين- رضي الله عنه أنهُ قال: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قال: ((يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يابن آدم مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت!؟)) رواهُ مسلم.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث كلها تدور على ما سبق من الحث على الزهد في الدنيا، والإقبال على الآخرة.
فذكر المؤلف رحمه الله حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه في قصة مصعب بن عمير، وهو من المهاجرين الذي هاجروا لله عز وجل ابتغاء وجه الله، وكان شاباً مدللاً من قبل والديه في مكة، ولما أسلم طرده أبواه لأنهما كانا كافرين، فهاجر رضي الله عنه وقتل في أحد في السنة الثالثة من الهجرة، يعني لم يمض على هجرته إلا ثلاثة أعوام أو أقل، فقتل شهيداً رضي الله عنه، وكان صاحب الراية، ولم يكن معه شيء إلا بردة،
ثوب واحد، إن غطوا به رأسه؛ بدت رجلاه، وإن غطوا به رجليه بدأ رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطى رأسه، ويجعل على رجليه شيء من الإذخر، والإذخر نبات معروف تأكله البهائم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل على رجليه لأجل أن يغطيهما.
قال: ((ومنا)) : يعني المهاجرين ((من أينعت له الدنيا)) أينعت: يعني استوت وأثمرت ((فهو يهدبها)) أي يجنيها ويقطفها ويتمتع بها، ولا يعلم الأول خير أم الآخر، لكن الدنيا خطيرة جداً على الإنسان كما في هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ((إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي في المال)) ، يكثر المال عند الناس فينسوا به الآخرة، ولهذا نهي عن اتخاذ الضياع، الضياع يعني الحدائق والبساتين، فإن الإنسان يلهو بها عما هو أهم منها من أمور الآخرة، والحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يكون زهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، وأن الله إذا رزقه مالاً فليجعله عوناً على طاعة الله، وليجعل الدنيا في يده لا في قلبه، حتى يربح بالدنيا والآخرة (وَالْعَصْرِ (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ١-٣) .
وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر: ١، ٢) ، الهاكم يعني شغلكم عن المقابر وعن الموت وما بعده (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) لم ينطق الإنسان من الدنيا حتى مات، فقال عليه
الصلاة والسلام: ((مالي مالي، مالي مالي)) .
يفتخر به " وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأمضيت"، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو كذلك، فالإنسان ما لَه إلا هذه الأشياء، إما أن يأكل طعاماً وشراباً، وإما أن يلبس من أنواع اللباس، وإما أن يتصدق، والباقي له هو ما يتصدق به، أما ما يأكله ويلبسه؛ فإن كان يستعين به على طاعة الله؛ كان خيراً له، وإن كان يستعين به على معصية الله وعلى الأشر والبطر؛ كان محنة عليه والعياذ بالله والله الموفق. * * *
٢٨/٤٨٤- وعن عبد الله بن مُغفل رضي الله عنه قال: قال رجلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، والله إني لأحبك، فقال: ((انظر ماذا تقولُ؟)) قال: والله إني لأحبك، ثلاث مرات، فقال ((إن كنت تُحبني فاعد للفقر تجفافا، فإن الفقر أسرعُ إلى من يحبني من السيل إلى مُنتهاه)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
٣٠/٤٨٦- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسل على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاءً! فقال: ((مالي وللدنيا)) ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثُم راح وتركه)) رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.
٣١/٤٨٧- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام)) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.
٣٢/٤٨٨- وعن ابن عباس وعمران بن الحُصين رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((اطلعتُ في الجنة فرأيتُ اكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) متفق عليه من رواية ابن عباس، ورواه البخاري أيضاً من رواية عمران بن الحُصين.
٣٣/٤٨٩- وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قُمتُ على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكينُ، وأصحابُ الجد محبُوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)) متفق عليه.
٣٤/٤٩٠- وعن أبي هريرة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أصدقُ كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيءٍ ما خَلا الله بَاطِلُ)) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في باب الزهد في الدنيا، منها حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لأحبك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((انظر ماذا تقول؟)) قال: والله إني لأحبك، فرددها ثلاثاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه)) ؛ لأن السيل إذا كان له منتهى وقد جاء من مرتفع يكون سريعاً.
ولكن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا ارتباط بين الغنى ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فكم من إنسان غني يحب الرسول عليه الصلاة والسلام، وكم من إنسان فقير أبغض ما يكون إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن علامة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون الإنسان أشد اتباعاً له، وأشد تمسكاً بسنته، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: ٣١) .
فالميزان هو اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، من كان للرسول أتبع فهو له أحب، وأما الفقر والغنى فإنه بيد الله عز وجلَّ.
وكذلك أيضاً من الزهد في الدنيا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم من شظف العيش وقلة ذات اليد، حيث كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه.
فيقال له: ألا نجعل لك وطاءً، يعني فراشاً تطؤه وتنام عليه؟ فقال: ((مالي وللدنيا؟، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)) .
فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس له هم في الدنيا، ولا يبقى عنده مال بل كله ينفقه في سبيل الله، ويعيش عيشة الفقراء.
ثم ذكر المؤلف أحاديث في أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء، وأن الفقراء أكثر أهل الجنة، وذلك لأن الفقراء ليس عندهم ما يطغيهم، فهم متمسكنون خاضعون.
ولهذا إذا تأملت الآيات؛ وجدت أن الذين يكذبون الرسل هم الملأ الأشراف والأغنياء، وأن المستضعفين هم الذين يتعبون الرسول، فلهذا كانوا أكثر أهل الجنة، وكانوا يدخلون الجنة قبل الأغنياء بتقادير اختلفت فيها الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويجمعها أن السير يختلف، فقد يكون السير في عشرة أيام لشخص مسرع يسيره الآخر في عشرين يوماً مثلاً.
ثم ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام في كلمة لبيد الشاعر المشهور قال:
" أصدق كلمة قالها شاعر؛ كلمة لبيد:
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل
كل شيء سوى الله فهو باطل ضائع لا ينفع، وأما ما كان لله؛ فإنه هو الذي ينفع صاحبه ويبقى له، ومن ذلك الدنيا فإنها باطل، كما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ) (الحديد: ٢٠) ، إلا ما كان فيها من ذكر الله وطاعته، فإنه حق وخير.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الحق يقبل حتى لو كان من الشعراء، فالحق مقبول من كل أحد جاء به، حتى لو كان كافراً وقال بالحق فإنه يقبل منه، ولو كان شاعراً أو فاسقاً وقال بالحق فإنه يقبل منه.
وأما من قال بالباطل فقوله مردود ولو كان مسلماً؛ يعني العبرة بالمقالات لا بالقائلين، ولهذا ينبغي على الإنسان أن ينظر إلى الإنسان من خلال فعله لا من شخصه.
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
٣٤٤٥ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله) بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء وآخره كاف: أحد سيور النعل التي تكون في وجهها، ويطلق على كل سير وقى به القدم (والنار مثل ذلك) أي في الأقربية. قال ابن بطال: فيه أن الطاعة موصلة إلى الجنة وأن المعصية مقربة إلى النار وأن الطاعة والمعصية قد يكونان في أيسر الأشياء، وفي هذا المعنى حديث «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» الحديث فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه ولا في قليل من الشر أن يجتنبه فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ولا السيئة التي يسخط الله عليه بها وقال ابن الجوزي: معنى الحديث أن تحصيل الجنة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنار كذلك بموافقة الهوى وفعل المعصية اهـ. من «فتح الباري» (رواه البخاري) ورواه أحمد أيضاً كما في «الجامع الصغير» .
٥٤ - باب فضل البكاء من خشية الله تعالى
الخشية: الخوف المقرون بإجلال، وذلك للعلماء با كما قال تعالى: {إنما يخشى الله من عبادة العلماء} (فاطر: ٢٨) أماتنا الله على محبتهم (وشوقاً إليه) معطوف على محل المجرور بمن، إذ هو مفعول له، وقد صرح النحاة بأن المفعول له عند اجتماع شروط نصبه لا يجب النصب بل يجوز جره حينئذٍ وما هنا كذلك، ويجوز العطف بالنصب على محل ذلك، قال الله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} (النحل: ٨) قزينة معطوف على محل لتركبوها على أحد الأقوال في إعراب الآية، وأشار المصنف بالترجمة إلى أن الداعي للبكاء إما أن يكون خشية لما علم العارف من عظم جلال مولاه، وإما شوقاً لما كشف له مما تقصر العبارة عن بيان أدناه، فضلاً عن أقصاه.......
(قال الله تعالى) مبيناً حال من اطلع على الكتب
الساقة وعرف حقيقة المصطفى وما أنزل عليه في تلك الكتب ( {ويخرّون للأذقان يبكون} ) أي لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية الله تعالى، وذكر الذقن لأنه أول ما يلقى الأرض من وجه الساجد واللام فيه لاختصاص الخرورية (ويزيدهم) أي سماع القرآن (خشوعاً) كما يزيدهم علماً ويقيناً با تعالى.
(وقال تعالى) : ( {أفمن هذا الحديث} ) يعني القرآن ( {تعجبون} ) إنكاراً ( {وتضحكون} ) استهزاء ( {ولا تبكون} ) تحزناً على كشف ما فرطتم.......
١٤٤٦ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: اقرأ على القرآن فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك؟) بتقدير همزة الاستفهام قبله: أي أأقرأ عليك (وعليك) أي لا على غيرك (أنزل) الجملة حالية من ضمير المخاطب، والرابط الواو، فهم ابن مسعود أنه أمر بالقراءة ليتلذذ بقراءته، لا ليختبر ضبطه فلذا سأل متعجباً وإلا فلا مقام للتعجب (قال: إني أحبّ أن أسمعه من غيري) لكونه أبلغ من التفهيم والتدبير لأن القلب حينئذٍ يخلص لتعلق المعاني والقارىء مشغول بضبط الألفاظ وأدائها حقها ولأنه اعتاد سماعه من جبريل والعادة محبوبة بالطبع، ولهذا كان عرض القرآن على الغير سنة. قالوا: ومن فوائد هذا الحديث التنبيه على أن الفاضل لا يأنف من الأخذ عن المفضول. قال ابن النحوي: وقراءته عليه يحتمل أن يراد بها علم الناس بحاله أو يخشى أن يغلبه البكاء عنها (فقرأت عليه سورة النساء) فيه رد على من قال ينبغي أن يقال السورة التي يذكرفيها كذا (حتى جئت) أي وصلت (إلى هذه الآية) وعطف عليها عطف بيان قوله ( {فكيف} ) أي فكيف حال الكفار ( {إذا جئنا من كل أمة بشهيد} ) يشهد عليها بعملها وهو نبيها (وجئنا بك على هؤلاء) أي الأشخاص المعينين من الكفرة ( {شهيداً} ) وزعم المغني أن كل نبيّ شهيد على أمته، وكذا تفعل بك وبأمتك يا محمد، رده الطيبي بقوله تعالى: {ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا
شهداء على الناس} (الحج: ٧٨) فالشهادة لهم لا عليهم وقال ابن النحوي: وهؤلاء هم سائر أمته يشهد عليهم أو لهم، فعلى بمعنى اللام، وقيل أراد به أمته الكفار، وقيل اليهود والنصارى، وقيل كفار قريش، وفيما يشهد به البلاغ أو بالإيمان أو بالأعمال أقوال اهـ. (قال حسبك) أي يكفيك ذلك (الآن فالتفت إليه) أي لأنظر الداعي إلى الأمر بالكف، عن القراءة بعد الأمر بها (فإذا عيناه تذرفان) بذال معجمة ساكنة وكسر الراء: أي تسيل دموعهما. قال ابن النحوي في شرح البخاري: يقال ذرف الدمع وذرفت......
العين دمعها. قال في «تفسير السمرقندي» من حديث محمد بن فضالة عن أبيه: إنه عليه الصلاة والسلام أتاهم في بني ظفر فجلس على الصخرة التي في بني ظفر ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر قارئاً يقرأ حتى أتى على هذه الآية {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} (انساء: ٤١) بكى حتى اخضلت لحيته وقال: يا ربّ هذا على من أنا بين أظهرهم فكيف بمن لم أرهم؟ وللثعلبي: فدمعت عيناً رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: حسبناالله. وفي «تفسير ابن الجوزي» {شهيداً عليهم ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} (المائدة: ١١٧) قال ابن النحوي: وبكاؤه عند هذه الآية لأنه لا بد من أداء الشهادة، والحكم على المشهود عليه إنا يكون بقول الشاهد، فلما كان هو الشاهد وهو السامع بكى على المفرطين منهم. وقيل بكى لعظم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الأمر، إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب. وقيل بكى فرحاً بقبول شهادة أمته وتزكيته لهم ذلك اليوم اهـ.......
وقال بعض شراح «الشمائل» : بكاؤه عليهم لفرط رأفته ومزيد شفقته حيث عزّ عليه عنتهم، ويؤخذ من قوله «حسبك الآن» جواز أمر الغير بقطع القراءة للمصلحة. قال الحراني: إنما قال للقارىء «حسبك الآن» حفيظة عل حسن ترديه بالصبر في هيئته، فإن كان ينكف عن السماع الذي يغلب تأثيره في ظاهر الهيئة فكانت سنته العلمية أن يتردى رداء السكون ويصون ظاهر أعضائه عن الخروج عن الإحساس في الهيئة كما كان لا تبدو عليه في أقواله وأعماله عند ما ترهقه الإرهاقات حركة، فكان لا يزول عن ظاهر رداء الصبر ولا يخرج عن حسن السمت وهيئة السكون. وقد كان عيسى عليه السلام إذا ذكر الساعة يخور كما تخور البقرة فكان أثر السماع يظهر في كثير من الأنبياء والأولياء، وكان المصطفى ساكناً فيه حتى
يفيض سكونه على جلسائه، وكان قليلاً ما يخرج حاضروه عن هيئة السكون كما قال العرباض «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب الحديث، فقلما كان يغلب عليهم السماع لما يصل إليهم من بركة ترديه برداء الصبر ولزوم حسن السمت، فأنبأنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن انفعال النفس لما تسمع الأذن لا بد منه، لكن ينبغي الستر والتثبت وعدم إظهار الحركة الصرخة فكان على من على سنته في الوجد التثبت وحسن السمت والصبر على جميع مواجيده التي لا يجدها سواه، وكان يدعو حاضريه لذلك فعلمنا التأسي به (متفق عليه) أخرجه البخاري في التفسير، ومسلم في كتاب فضائل القرآن وأخرجه الترمذي والنسائي في التفسير.
(فائدة) : قال ابن النحوي في شرح البخاري: روى عبد بن حميد في تفسيره أن عبد الله بن مسعود لما قرأ هذه الآية قال: «من سرّ أن يقرأ القرآن غضاً طرياً فليقرأ على قراءة ابن أم عبد» اهـ.......
٢٤٤٧ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة) بضم الخاء المعجمة في الوعظ وهي فعلة بمعنى مفعول نحو نسخة بمعنى منسوح، وجمعها خطب (ما سمعت مثلها قط) من كمال البلاغة ومزيد التذكير والتنبيه على ما يحتاج إليه (فقال: لو تعلمون ما أعلم) أي من إجلال الله سبحانه وعظمته (لضحكتم قليلاً) لما تشهدون من مظهر الرحمة المنبثة من فضله في الأكون، ففيه إيماء إلى أن الكمال عدم غلبة الخوف بحيث يؤدي إلى الانقطاع عن الرجاء (ولبكيتم كثيراً) والاسمان منصوبان على المفعولية المطلقة، ويحتمل نصبهما على الظرفية الزمانية أي في قليل وكثير من الزمان (قال: فغطى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجوههم لهم خنين) جملة حالية من فاعل غطى والرابط الضمير (متفق عليه وسبق بيانه) مع
شرحه (في باب الخوف) .......
٣٤٤٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: لا يلج النار رجل بكى من خشية ا) من فيه تعليلية: أي لخشية الله الداعية إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ومن كان كذلك لا يلجها بالوعد الكريم إلا تحلة القسم. وقال العاقولي: لعل المراد به العارف به تعالى وهو العالم العامل لقوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر: ٢٨) وبالجملة فلا بد من نوع معرفة ليتصور الخشوع والبكاء لأن البكاء ممن لا يعرفه بوجه ممتنع انتهى. وأشار إلى سبب البكاء، وما ذكرته أولى لأن الموصوف بما ذكرته القائم به من أهل الجنة ابتداء بالوعد الكريم، وظاهر الخبر إن لم يحمل على ذلك معارض لما جاء في الأخبار من دخول قوم من عصاة المؤمنين النار. وقوله (حتى يعود اللبن في الضرع) أي يدخل من مسامه إليه أي وذلك محال عادة فتعلق ولوج الخائف الوجل من الله تعالى العارف بجلاله القائم بما تقتضيه الخشية من امتثال الأوامر واجتناب النواهي بعود اللبن إلى الضرع، والمراد بالولوج الدخول فيها فلا ينافى وجوب المرور عليها المفسر به الورود، أما من لم يقم بقضية الخشية مما ذكر ومات على غير الشرك من المعاصي فأمره إلى مولاه إن شاء أدخله الجنة مع الفائزين وعفا عنه ما جناه، وإن شاء حبسه بالنار قدر ما سبق في علمه ثم أدخله الجنة لإيمانه بمحض فضله وما ذكرت من أن المراد عود اللبن إلى الضرع من مسامها ليكون محالاً عادياً وإلا فقد صرح الفقهاء بأن اللبن إذا تنجس أمن تطهيره بأن تسقاه نحو الشاة ثم يخرج من ضرعها طاهراً، وكذا إذا تنجس العسل يسقاه النحل ثم يمجه طاهراً (ولا يجتمع غبار في سبيل ا) المراد جهاد أعداء الدين لوجه الله تعالى (ودخان جهنم) ظاهره أن الجهاد في سبيل الله مقتض لسلامة المجاهد من العذاب بالوعد الذي لا يخلف فيحمل على ما إذا مات
فيه أو بعده ولم يقترف موبقاً يصده عن ذلك (رواه الترمذي) في كتاب الجهاد (وقال: حديث حسن صحيح) .......
٤٤٤٩ - (وعنه قال: قال رسول الله: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة ا) هي ما تعبد به بشرط معرفة المتقرب إليه فالطاعة توجد بدونهما في النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى إذ معرفته ربما تحصل بتمام النظر، والقربة توجد بدون العبادة في القرب التي لا تحتاج إلى نية كالعتق والوقف (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب) بكسر الصاد (فقال) أي بقلبه لنفسه لينزجر عن العصيان، ويحتمل أن يكون بلسانه لينزجر طالبه منه ولا مانع أن يأتي بهما نظير ما قاله الفقهاء فيما يسن للصائم إذا خوصم من قوله: إني صائم (إني أخافالله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) خشية من الله تعالى (متفق عليه) وقد تقدم مع شرحه في باب فضل الحب فيالله.............
٥٤٥٠ - (وعن عبد الله بن الشخير) بشين وخاء معجمتين مكسورتين، والخاء مشددة وآخره
راء، الصحابي هو عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وفدان بن الجرش وهو معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكعبي الجرشي البصري والد مطرف بن يزيد روي له عن النبيّ نحو ستة أحاديث، قال ابن الجوزي في «مختصر التلقيح» ذكره البرقاني وقال له نحو ستة أحاديث اهـ. انفرد مسلم بالرواية عنه عن البخاري، فروى له حديثين، وأورد له المزي في «الأطراف» تسعة أحاديث، وقد ذكرته في رجال «الشمائل» بأبسط من هذا (رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ولجوفه) أي صدره وداخله وجوف كل شيء داخله، والجوف: البطن وما انطبقت عليه الكتفان والأضلاع (أزيز) بفتح الألف وكسر الزاي الأولى: صوت البكاء أو غليانه في الجوف، وفيه أن الصوت الغير المشتمل على الحروف لا يضر في الصلاة (كأزيز المرجل) بكسر فسكون ففتح: مذكر، والدور كلها مؤنثة إلا المرجل، وهو قدر من نحاس أو حجر أو يختص بالنحاس، أو كل قدر، ورجحه الحافظ ابن حجر. قال الزمخشري: سمى بذلك لأنه إذا نصب أقيم على رجل (من البكاء) أي من أجله، وذلك ناشىء عن عظيم الرهبة والخوف والإجلال سبحانه، وذلك مما ورثه من أبيه إبراهيم عليه السلام، فقد ورد أنه كان يسمع من صدره صوت كغليان القدر من مسيرة ميل اهـ. وفيه دليل على كمال خوفه وخشيته وخضوعه لربه. قال الحراني: ومن هذا الحديث ونحوه استنّ أهل الطريق الوجد والتواجد في أحوالهم وعرفوا به في أوقاتهم، وهذا الحال إنما كان يعرض للمصطفى عند تجلي الصفات الجلالية والجمالية معاً: يعني الجلال الممزوج بالجمال، وإلا فغير الممزوج بالجمال لا يطيقه أحد من البشر بل ولا واحد من الخلائق، وكان إذا تجلى لقلبه الجمال الحض يمتلىء نوراً وسروراً وملاطفة وإيناساً وتبسطاً، وكل وارث من أمته له نصيب من هذين التجليين، فتجلى الجلال يورث الخوف والقلق..................
والوجل المزعج، وتجلي الجمال يورث الأنس والسرور (حديث صحيح) فيه دليل على جواز تصحيح الحديث وتحسينه وتضعيفه لمن تمكن منه وفيه أهلية ذلك، خلافاً لابن الصلاح في منع ذلك وقد تقدم ذلك (رواه أبو داود) في كتاب الصلاة من سننه (والترمذي في «الشمائل» ) في باب البكاء (بإسناد صحيح) والنسائي في
الصلاة بنحوه.
٦٤٥١ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبيّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية (ابن كعب) بسكون العين المهملة آخره موحدة وهو الأنصاري سيد القراء تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب بيان كثرة طرق الخير (إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك: {لم يكن الذين كفروا} ) أي السورة بكمالها (قال) أي أبي للنبي (وسماني لك) الواو عاطفة على مقدر أي أمرك بذلك وسماني، وسببه احتمال أن يكون الله تعالى أمر النبي أن يقرأ على رجل من أمته ولم ينص على خصوص أبى فأراد تحقق ذلك، فيؤخذ منه الاستثبات، ويوضح ذلك لفظ البخاري «هل نص عليّ باسمي أو قال اقرأ على واحد من أصحابك فاخترتني أنت» (قال نعم) أي سماك لي. وعند الطبراني عن أبيّ بن كعب «قال نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى» (فبكى) إما فرحاً وسروراً بذلك أو خشوعاً وخوفاً من التقصير في شكر تلك النعمة أو استحقاراً لنفسه وخشية وتعجباً وهذا شأن الصالحين إذا فرحوا بشيء خلطوه بالخشية، وقيل الفرح والسرور دمعته باردة ولذلك يقال أقر الله عينه، قاله ابن النحوي. قال أبو عبيد المراد بالعرض على أبيّ ليعلّم منه القراءة. قلت: ويؤيده أن عدن أحمد بن حنبل من حديث عليّ بن زيد عن عمار بن أبي دحية البدري «لما نزلت لم يكن قال جبريل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله يأمرك أن تقرئها أُبياً فقال له رسول الله: إن الله أمرني أن أقرئك هذه السورة فبكى وقال يا رسولالله، وقد ذكرت ثمة؟ قال نعم» ، ويستثبت فيها لكيون عرض القرآن سنة.............
وللتنبيه على فضيلة أبيّ وتقدمه في حفظ القرآن وليس المراد أن يتذكر منه شيئاً بذلك العرض، وحكمة تخصيص هذه السورة لو جازتها وجمعها لقواعد كثيرة من أصول الدين وفروعه ومهماته، والإخلاص وتطهير القلوب، وكان الوقت يقتضي الاختصار، قاله المصنف والقرطبي في شرحيهما على مسلم. ويؤخذ من الحديث مشروعية التواضع في أخذ الإنسان العلم من أهله وإن كان دونه (متفق عليه) أخرجه البخاري في فضائل أبي وفي التفسير ومسلم في كتاب فضائل القرآن من كتاب الصلاة من صحيحه.
(وفي رواية) أي لمسلم في الكتاب المذكور من صحيحه (فجعل
أبى يبكي) وهذه أبلغ من الأولى للإتيان بالجملة المضارعية الدالة على التجدد والحدوث.......
٧٤٥٢ - (وعنه) أي أنس (قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد) ظرف لقال (وفاة رسول الله) أي وانتظام أمر الخلافة (انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها) جملة مستأنفة لبيان المقصود بالانطلاق إليها، وقوله (كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها) فيه إيما إلى الاقتداء به في كل أفعاله مما لم يقم الدليل على تخصيصه به (فلما انتهينا إليها بكت) لتذكرها برؤيتهما النبيّ لملازمتهما له وعدم مفارقتهما إياه في الغالب، ونظيره بكاء الصحابة لما سمعوا أذان بلال بالشام مرة بأمر عمر رضي الله عنهما حين قدومهما تذكراً لأيام المصطفى (فقالا لها: ما يبكيك) بضم التحتية (أما تعلمين أن ما عند ا) مما تقصر العبارة عن تعريف أدناه فضلاً عن أعلاه (خير لرسول الله) يحتمل أن يكون خير بغير ألف مصدراً، ويحتمل أن يكون أفعل تفضيل، فيدل على أنه كان له في الدنيا خير وهو كذلك لما يشرعه من الأحكام ويهدي من الأنام ويوصل المنقطعين إلى حضرة المولى ويقرب المبعدين إلى الفيض الأعلى، وعليه فحذف معمول أفعل: أي مما في الدنيا للتعميم وإيماء إلى أن ما عند الله لا يليق أن تقابل به الدنيا لفنائها وانقطاعها (قالت: إني لا أبكي أنى لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله) بتقدير لام التعليل قبل أن: أي لا أبكي لعدم علم ذلك وأعادت الجملة بلفظها مع إغناء اسم الإشارة عنها استعذاباً للذكر المحبوب، فمن أحبّ شيئاً أكثر ذكره (ولكن) استدراك مما يفهمه كلامها السابق مع ما قبله الموهم انحصار سب البكاء في عدم العلم بذلك: أي لسي البكاء لذلك ولكن (أبكى أن الوحي قد انقطع من السماء) تقدم في باب المحبة في الله عن المواهب وغيرها أن المخصوص بالنبيّ
الوحي بالشريعة، أما مطلق الوحي فيكون لغيرا الأنبياء فيحمل قولها على ذلك (فهيجتهما) أي حملتهما (على البكاء فجعلا يبكيان معها) ففيه البكاء على فقد الأخيار، وأن ذلك لا يعارض لتسليم الأقدار (رواه مسلم، وقد سبق) مع......
شرحه (في باب زيارة أهل الخير) .
٨٤٥٣ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال لما اشتد) بالشين المعجمة: أي قوي وعظم (برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه) زاد في رواية لما اشتكى شكوه الذي توفي فيه رواه البخاري كما في «الأطراف» وذلك لتضاعف أجره وإعلاء أمره كما يدل عليه حديث «أشد الناس بلاء الأنبياء» الحديث (قيل له في الصلاة) أي من يقيمها للقوم ويؤم بهم فيها (فقال مروا) بضم الميم وأصله أؤمروا بهمزتين أولاهما للواصل وثانيتهما فاء الكلمة فحذفت تخفيفاً ومثله خذوا (أبا بكر) أي الصديق وسكت عن وصفه بذلك لتبادره إليه وحذف المأمور به أي بإقامة الصلاة لدلالة قوله (فليصل بالناس) على ذلك أورده الحافظ المزي بلفظ «للناس» باللام محل الباء أي ليصل إماماً لأجلهم ليعقدوا صلاتهم، وفي الإتيان بالفاء الدالة على التعقيب إيماء إلى مال مبادرته لامتثال أمر المصطفى وعدم توانيه، وأخذ منه أفضلية الصديق على باقي الصحابة الذين هم أفضل من جميع الأمة وأنه الخليفة من بعده، ولذا قال عمر رضي الله عنه: «رجل اختاره النبيّ لديننا ألا نرضاه لدنيانا» (فقالت عائشة) لتصرف ذلك عن أبيها خوفاً من تطير الناس به إن مات ولما تعلمه من كراهتهم الواقف موقفه لما جبلوا عليه من كمال محبته (إن أبا بكر رجل رقيق) أي رقيق قلبه، وإسناده إليه باعتبار ذلك لما غلب عليه من شهود مظهر الجلال (إذا قرأ) أي القرآن (غلبه البكاء) أي فلا يتمكن من إظهار القراءة المأمور بها الإمام، وليس مرادها أن ذلك يقع منه بسببه ظهور حرفين لأنه مبطل للصلاة إن لم يكن عن غلبة بحيث لا يمكن دفعه ولو كان كذلك لما أمر به ثانياً بقوله (قال مروه فليصل) .......
(وفي رواية) أي لهما (عن عائشة) أي من سندها بخلاف ما قبله فهو
من سند ابن عمر (قالت) أي للنبيّ لما أمر أن يؤم الناس أبو بكر (قلت: إن أبا بكر إذا قام مقامك) أي إماماً بالناس، والمقام بفتح الميم اسم مكان من القيام (لم يسمع الناس من البكاء) من فيه تعليلية: أي بسببه، وإيراد المصنف لهذا الحديث في الباب لأن النبيّ رضي ذلك الأمر من الصدّيق وأبقاه على تقديمه فهو دليل على كونه محبوباً، قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} (الأنفال: ٢) (متفق عليه) أخرجاه في كتاب الصلاة واللفظ للبخاري، ورواه النسائي في عشرة النساء من سنه كما في «الأطراف» .
٩٤٥٤ - (وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري، قال الحافظ في «التقريب» : قيل له رواية وسماعه من ابن عمر أثبته يعقوب بن شيبة، مات سنة خمس، وقيل سنة ست وتسعين، خرج عنه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه (أن عبد الرحمن بن عوف) بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة القرشي الزهري أحد العشرة أسلم قديماً، ومناقبه شهيرة، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك.
ومن مناقبه التي لا توجد لغيره كما قال المصنف في «التهذيب» : أن النبي وراءه في غزوة تبوك حين أدركه، وقد صلى بالناس ركعة، وحديثه في مسلم وغيره، قال: وقولنا لا توجد لغيره من الناس احتزازاً من صلاة النبي خلف جبريل حين أعلمه «بالمواقيت» اهـ. وما أفهمه من أنه لم يصلّ خلق غير عبد الرحمن يشكل عليه ما أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي عن عائشة قالت: صلى النبيّ خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعداً، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث أنس قال: صلى النبيّ خلق أبي بكر قاعداً في ثوب متوشحاً به.......
قال الحافظ السيوطي بعد إيراد ذلك: وأحاديث أخر بمعناه وإيراد حديث تأخر أبي بكر واقتدائه بالنبيّ، واقتداء الناس بأبي بكر ما لفظه: هذه الأحاديث قد جمع بينها ابن حبان والبيهقي وابن حزم، وقال ابن حبان: لا معارضة بين هذه الأحاديث، فإنه صلى صلاتين، لا صلاة واحدة، لأن في خبر عن عائشة أنه خرج بين رجلين تريد بأحدهما العباس والآخر علياً، وفي خبر آخر عنها: أنه خرج بين بريدة وثوبة قال: فهذا يدلك على أنهما صلاتان لا صلاة واحدة. قال البيهقي في المعرفة: والذي نعرفه
بالاستدلال بسائر الأخبار أن الصلاة التي صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلف أبي بكر هي صلاة صبح يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها حتى مضى لسبيله، هي غير التي صلاها أبو بكر خلفه. قال: ولا يخالف هذا ما ثبت عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين، فكشف النبيّ الحجرة ونظر إليهم وهم صفوف في الصلاة وأمرهم بإتمامها وإرخائه الستر فإن ذلك إما كان في الركعة الأولى، ثم إنه وجد في نفسه خفة فخرج فأدرك معه الركعة الثانية. ثم ذكر ما يدل له من كلام موسى بن عقبة. قال البيهقي: فالصلاة التي صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مأموم صلاة الظهر، وهي التي خرج فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الفضل بن عباس وغلام له. قال: وبذلك جمع بين الأخبار. وقال ابن حزم: وهما صلاتان متغايرتان بلا شك، إحداهما التي رواها الأسود عن عائشة وعبيد الله عنها وعن ابن عباس صفتها: أنه صلى الناس خلفه وأبو بكر عن يمينه في موقف المأموم يسمع الناس تكبيره. والثانية التي رواها مسروق وعبيد الله عن عائشة وحميد عن أنس صفتها: أنه كان خلف أبي بكر في الصف مع الناس فارتفع الإشكال جملة. قال: ومرضه كان نحو اثني عشر يوماً فيه ستون صلاة أو نحو ذلك اهـ مخلصاً. وحينئذٍ فليست هذه الفضيلة من خصائص ابن عوف كما هي له فهي لجدنا الصديق رضي الله عنه أيضاً. روي له عن النبي خمسة وستون حديثاً، اتفقا منها......
على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة، وفضائله شهيرة طوينا عن نشرها خوف التطويل (أتى) بالفوقية مبني للمجهول خبر أن: أي إنه جيء إليه (بطعام) لعل تنوينه للتعظيم كما يومىء إليه آخر القصة (وكان صائماً) جملة في محل الحال وأتى بها لبيان كماله أنه مع توافر الداعي لتناول الطعام تركه لما صرفه عنه مما يخاف منه أن يكون مؤخراً له عن الدرجات العلا (فقال قتل) بالبناء للمجهول (مصعب) بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح العين المهملة وبالباء الموحدة (ابن عمير) بضم العين المهملة وسكون التحتية ابن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى بن كلاب القرشي العبدري وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم ومن السابقين إلى الإسلام، وكان قتله يوم أحد قتله عبد الله بن قتيبة وهو يظنه النبي (رضي الله عنه) جملة دعائية (وهو خير مني) هذا من تواضعه وكمال فضله وإلا فأفضل الصحابة العشرة الذين منهم ابن عوف (فلم يوجد له ما يكفن فيه) الفعلان مبنيان للمجهول (إلا بردة) بضم الموحدة وبالرفع بدل من ما، ويجوز نصبه على الاستثناء، وهو عربي فصيح وإن كان الأول أفصح، وقوله (إن غطى) بضم المعجمة وكسر المهملة
المشددة أي ستر (بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطى بها رجلاه بدا رأسه) جملة شرطية في محل الصفة لبردة. وأتى بقوله «وإن غطى بها رجلاه» مع دلالة ما قبله عليه واستلزامه إياه لأن المقام للإطناب (ثم بسط) بالبناء للمجهول، أي وسع (لنا في الدنيا ما بسط) الموصول نائب الفاعل والظرفان في محل الحال منه (أو) شك من الراوي في أنه قال ما بسط أو (قال: ما أعطينا) وقوله (قد خشينا أن تكون حسناتنا) أي أعمالنا الصالحة الحسنة (عجلت لنا) أي عجل لنا جزاؤها فلا نقدم على ثواب مدخر جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً وهذا منه من مزيد خوفه من الله تعالى وشدة خشيته له، خشي أن يكون ما هو فيه من اليسار من جزاء طاعته التي فعلها مع أن ذلك اليسار من أسباب عمله الصالح ومتجره الأخروي......
الرابح كما علم من إنفاقه في سبيل الله تعالى وتصدقه على عباد الله ومع ذلك لعدم نظره لعمله واعتداده خشي أن يكون ما يدخره سواه من أسباب إبعاده عن مولاه (ثم جعل يبكي) خوفاً من ذلك وأن يكون صفر اليدين من صالح الأعمال في المآل، وجعل هنا من أفعال الشروع، وقوله (حتى ترك الطعام) غاية لبكائه: أي تمادى به إلى أن أدى به لذلك (رواه البخاري) في الجنائز وفي المغازي من «صحيحه» كما في «الأطراف» .
١٠٤٥٥ - (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة (صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه) صدي بضم المهملة الأولى وفتح الثانية كما تقدم مع ترجمته في باب التقوى (عن النبيّ قال: ليس شيء أحبّ) بالنصب خبر ليس، وهو من الفعل المبني للمجهول: أي ليس شيء أكثر محبوبية (إلى الله تعالى) أي ليس شيء أكثر ثواباً عنده وأعظم مكانة من فضله (من قطرتين) بفتح القاف وهي كما في «المصباح» النقطة (وأثرين) بفتح الهمزة والثاء المثلثة هي ما بقي
من الشيء دلالة عليه (قطرة دموع) أي قطراتها وأفردت لإضافتها إلى الجمع ثقة بذهن السامع (من) الأقرب أنها سببية ويحتمل كونها ابتدائية: أي دمعا مبتدأ من (خشية ا) أي ناشئة منها وهي تكون من المعرفة الناشئة من العلم والعمل به.......
قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر: ٢٨) وقال: «أنا أعرفكم با وأشدكم له خشية» (وقطرة دم) قال العاقولي. إفراد الدم يدل على أن إهراقه أفضل من الدموع (تهراق) بضم الفوقية وفتح الهاء وذلك لأنه مضارع للرباعي ولا نظر للهاء فيه لأنها زائدة، وقد استثناه ابن هشام في «الجامع الصغير» مما يفتح فيه حرف المضارعة من الخماسي فإنه مضمون فيه وإن كان الماضي خماسياً لأنه رباعي. وإنما زيدت فيه الهاء على غير قياس. قال ابن فلاح ويؤيد بقاءه على حكم الرباعي قطع الهمزة فيه ولو خرج إلى الخماسي لغير إلى همزة الوصل والجملة الفعلية في محل الصفة لقطرة، وقوله (في سبيل ا) أي في الجهاد للكفار لإعلاء كلمة الله متعلق بالفعل المذكور وقوله قطرة الخ بيان للقطرتين، وكان الظاهر أمّا القطرتان فقطرة دموع الخ كما يدل عليه قوله (وأما الأثران) ولعله مقدر كذلك بشهادة العطف (فأثر في سبيل الله تعالى) أي ما يبقى بعد الاندمال من ضربة سيف أو طعنة رمح (وأثر في فريضة الله تعالى) وذلك لبلل في أعضاء الوضوء وأثر السجود (رواه الترمذي) في كتاب الجهاد من «جامعه» (وقال: حديث حسن) زاد فيه بعد قوله حسن قوله غريب، وكان المصنف سكت عنه لعدم ضرره في حسن الحديث لأنها غرابة نسبية لا غرابة مطلقة.
(وفي الباب) أي «باب البكاء من خشية ا» (أحاديث كثيرة) وصف توكيدي وإلا فصيغة الأحاديث من جموع الكثرة الدالة عليها (منها حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة) يحتمل أن تكون منصوبة على المصدر أي وعظنا وعظاً بليغاً كما يدل عليه العدول عن وعظاً إليها، ويحتمل أن تكون منصوبة بحذف الخافض (ذرفت)
بوزن علم، أي دمعت (منها العيون، وقد سبق في باب النهي عن البدع) وتقدم ثمة شرحه.......
٥٥ - باب فضل الزهد في الدنيا
الظرف لغو متعلق بالزهد. قال السيد الشريف في «التعريفات» : الزهد في اللغة: ترك الميل إلى الشيء، وفي الاصطلاح هو بغض الدنيا والإعراض عنها. وقيل هو ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة، وقيل هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك اهـ، وتقدم المراد من الدنيا في حديث «إنما الأعمال بالنيات» (والحثّ) بالمثلثة المشددة، أي التحريض (على التقلل منها) عبر بباب التفعيل المؤذن بالتكلف لما أن ذلك خلاف داعي الطبع البشري قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا} (الأعلى: ١٦) وقال تعالى: {وتحبون المال حباً جماً} (الفجر: ٢٠) أي فيتكلف الاستقلال منها وإن كان ذلك خلاف طبعه ليسلم من تبعات ذلك (وفضل الفقر) أي غير المذموم، وهو الفقر مما زاد على الكفاية والحاجة.
(قال الله تعالى) : ( {إنما مثل الحياة الدنيا} ) أي صفتها العجيبة الشأن في سرعة نقصها وذهاب نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها ( {كماء} ) أي كمطر ( {أنزلناه من السماء فاختلط به} ) أي بسببه ( {نبات الأرض} ) واشتبك بعضه ببعض ( {مما يأكل الناس} ) من البر والشعير وغيرهما ( {والأنعام} ) من الكلأ ( {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} ) بهجتها من النبات ( {وازّينت} ) بالزهر وأصله تزينت أبدلت التاء زاياً وأدغمت ( {وظن أهلها أنهم قادرون عليها} ) متمكنون من تحصيل ثمارها ( {أتاها أمرنا} ) عذابنا ( {ليلاً أو نهاراً فجعلناها} ) أي زرعها ( {حصيداً} ) كالمحصود بالمناجل ( {كأن} ) مخففة أي كأنها ( {لم تغن} ) لم تكن ( {بالأمس كذلك نفصل} ) نبين ( {الآيات لقوم
يتفكرون} ) فإنهم المنتفعون بها. قال البيضاوي الممثل به مضمون الحكاية وهو زوال خضرة النبات فجأةً وذهابه حطاماً بعد ما كان غضاً والتف وزين الأرض حتى طمع فيه أهله وظنوا أنه قد سلم من الجوائح، لا الماء وإن وليه حرف التشبيه لأنه من التشبيه المركب اهـ.......
(وقال تعالى) علواً معنوياً: أي تنزه عما لا يليق به ( {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا} ) أي اذكر لقومك ما تشبه الحياة في زهرتها وسرعة زوالها أو صفتها الغريبة، وقوله ( {كماء} ) خبر محذوف أو هو كماء، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً لا ضرب على أنه بمعنى صير، وعليه اقتصر المحلى في «تفسيره» والمفعول الأول مثل ( {أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض} ) فالتف بسببه وخالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه أو تجمع في النبات حتى روي ورقه وعلى هذا كان حقه فاختلط بنبات الأرض لكن لما كان كل من المختلطين موصوفاً بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته (فأصبح) أي صار النبات (هشيماً) مهشوماً مكسوراً ( {تذوره الرياح} ) تفرقه والمشبه به كما في الذي قبله الحالة المتفرقة في الجملة وهي حال النبات المنبت بالماء يكون أخضر براقاً ثم هشيماً تطيره الرياح فيصير كأن لم يكن ( {وكان الله على كل شيء} ) من الأشياء ( {مقتدراً} ) قادراً ( {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} ) أي يتزين بها الإنسان في الدنيا وتفنى عنه عما قريب ( {والباقيات الصالحات} ) هي: سبحانالله، والحمد، ولا إله إلاالله، وا أكبر. زاد بعضهم: ولا حول ولا قوّة إلا با، كما ورد تفسيرها بذلك في الأخبار. وقال البيضاوي: هي أعمال الخيرات التي تبقى له ثمرتها أبد الآباد. ويندرج فيه ما فسرت به من الصلوات الخمس وصيام رمضان، وسبحانالله، والحمد، ولا إله إلاالله، وا أكبر والكلام الطيب ( {خير عند ربك} ) من المال والبنين عندية مكانة وشرف ( {ثواباً} ) عائدة ( {وخير أملاً} ) أي ما يأمله الإنسان ويرجوه عند الله تعالى لأن صاحبها ينال بها في الآخرة ما كان يأمل بها في الدنيا.......
(وقال تعالى) : {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد} ) قال بعضهم: اللعب فعل
يدعو إليه الجهل يروق أوله ولا ثبات له، واللهو صرف الهمّ عن النفس بفعل ما لا يجوز اهـ. وقال البيضاوي: بين سبحانه وتعالى أن الدنيا أمور خيالية قليلة النفع سريعة الزوال، لأنها لعب يتعب الناس فيه أنفسهم جداً إتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة ولهو يلهون به أنفسهم عما يهمهم منها، وزينة كالملابس الحسنة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة، وتفاخر بالأنساب وتكاثر بالعدد والعدد، وهذا كما قاله المحلي في الاشتغال بالدنيا. أما الطاعات وما يعين عليها فليست منها، ثم قرر حال الدنيا وشأنها بقوله: ( {كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً} ) وهو تمثيل للدنيا في سرعة نقصها وقلة جداوها بحال نبات أنبته الغيث فاستوى وأعجب منه الحراث والكافرون با لأنهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا، ولأن المؤمن إذا رأى معجباً انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها، والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق فيه إعجاباً، ثم هاج: أي يبس بعاهة فاصفر ثم صار حطاماً فتاتاً يضمحل بالرياح. قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في «تفسيره» : فإن الحياة الدنيا تكون أولاً شابة ثم تكتهل ثم تكون عجوزاً شوهاء، وكذا الإنسان يكون في أول عمره شاباً غضاً طرياً لين الأعضاء بهيّ المنظر ثم يكتهل فتتغير طباعه ويفقد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخاً كبيراً ضعيف القوى قليل الحركة يعجزه السير كما قال الله تعالى: {الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة} (الروم: ٥٤) ولما كان هذا المثل دالاً على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال ( {وفي الآخرة عذاب شديد} ) أي لمن انهمك في الدنيا، تنفيراً عن الانهماك في الدنيا وحثا على ما......
يوجب الكرامة في العقبى، ثم أكده بقوله ( {ومغفرة من الله ورضوان} ) لمن لم ينهمك في الدنيا: أي ليس في الآخرة الآتية القريبة إلا أحد هذين (وما الحياة الدنيا
إلا متاع الغرور) أي لمن أقبل عليها ولم يطلب الآخرة بها. قال ابن كثير: هي متاع، فإن عاد لمن ركن إليها فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أن لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة. عن أبي هريرة عن النبي «موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة اهـ. قاله المحلي.......
(وقال تعالى) : ( {زين للناس حبّ الشهوات} ) أي ما تشتهيه النفس وتدعوا إله من لعب ولهو وزينة وتكاثر، زينها الله ابتلاء، أو الشيطان ( {من النساء والبنين والقناطير} ) أي الأموال الكثيرة (المقنطرة) المجتمعة والقناطير جمع قنطار أو جمع قنطرة. واختلف في قنطار هل هو فعلال أو فعال، والقنطار المال الكثير بعضه على بعض قاله الربيع بن أنس. وقيل مائة ألف ومائة ومائه رطل ومائة مثقال ومائة درهم، قاله سعيد بن جبير وعكرمة. وقيل ملء مسك ثور ذهباً أو فضة، قاله أبو نصرة. وسمي قنطاراً من الأحكام، يقال قنطرت الشيء: إذا أحكمته ومنه القنطرة. وقيل ما بين السماء والأرض من مال قاله صاحب «الحكم» . والمقنطرة قيل إنها مأخوذة من القنطار للتأكيد كبدرة مبدرة. وقيل لغيره فقال الضحاك أي المحصنة، وقال قتادة: أي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض. وقال يمان: هي المدقوقة. وقال الفراء: المضعفة فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة ( {من الذهب والفضة} ) قال في لباب التفاسير: سمى الذهب ذهباً لسرعة ذهابه في الإنفاق والزكاة، والفضة فضة لأنها تفرق بضرب الدراهم، وتفرق بالإنفاق، والفض التفريق اهـ. والظرف في محل الحال بيان للقناطير ( {والخيل المسومة} ) المعلمة من السومة وهي العلامة أو المرعية من أسام الدابة وسومها أو المطهمة: أي المجملة ( {والأنعام} ) جمع نعم بفتح أوليه وهي الإبل والبقر والغنم، سميت به لعظم الانتفاع بها ( {والحرث} ) أي الزرع ( {ذلك} ) أي ما ذكر ( {متاع الحياة الدنيا} ) أي ما يتمتع به فيها وهو فإن مضمحلّ لا يقابل ما ادخره في الآخرة وقد عم ذلك بقوله ( {وا عنده حسن المآب} ) أي المرجع وهو تحريض على استبدال ما عند الله تعالى من اللذات الحقيقية الأبدية بالشهوات المخدجة الفانية.......
(وقال تعالى) : ( {يا أيها الناس إن وعد الله حق} ) لا خلف فيه. قال أبو حيان في «النهر» : شامل لجميع ما وعد به من ثواب وعقاب وغير ذلك. قلت: وكأن اقتصار البيضاوي على قوله بالحشر والجزاء لأنهما الأهم، بل اقتصر الحافظ ابن كثير على الأول وهو مستلزم للجزاء لأن ذاك لذلك ( {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} )
فيذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها ( {ولا يغرنكم با الغرور} ) قال مالك عن زيد بن أرقم: هو الشيطان: أي بأن يمنيكم المغفرة مع الإصرار على المعصية، فإنها وإن أمكنت لكن الذنب بهذا التوقع كتناول السم اعتماداً على دفع الطبيعة، وقد عقّب تعالى هذه الآية بما يدل على عداوة الشيطان لنا بقوله: {إن الشيطان لكم عدوّ} (فاطر: ٦) الآية. وقرىء بالضم وهو مصدر أو جمع كقعود.
(وقال تعالى) : ( {ألهاكم} ) أي أشغلكم، وأصله الصرف إلى اللهو منقول من لها إذا غفل ( {التكاثر} ) بالأموال والأقوال ( {حتى زرتم المقابر} ) إلى أن متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا عما هو أهم لكم وهو السعي لأخراكم، فزيارة المقابر عبارة عن الموت ( {كلا} ) ردع وتنبيه على أن العاقل ينبغي له أن لا يكون جميع همته ومعظم سعيه للدنيا فإن عاقبة ذلك وبال وحسرة ( {سوف تعلمون} ) خطأ رأيكم إذا عاينتم ما وراءكم وهو إنذار ليخافوا وينتهوا عن غفلتهم ( {ثم كلا سوف تعلمون} ) تكرير للتوكيد، وفي ثم دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، أو الأول عند الموت أو في القبر، والثاني عند النشور ( {كلا لو تعلمون علم اليقين} ) أي لو تعلمون ما بين أيديكم على الأمر اليقين: أي كعلمكم ما تستيقنونه لشغلكم ذلك عن غيره أو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكيف، فحذف الجواب ولذا اقتصر المصنف على ذلك. قال البيضاوي: ولا يجوز أن يكون قوله: {لترون الجحيم} جواباً لأنه محقق الوقوع بل هو جواب قسم محذوف أكد به الوعيد وأوضح به ما أنذرهم منه بعد إبهامه تفخيماً اهـ.......
(وقال تعالى) : ( {وما هذه الحياة الدنيا} ) قال في «النهر» : الإشارة بهذه ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها ( {إلا لهو ولعب} ) أي كما يلهى ويلعب به الصبيان ويجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون متعبين ( {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} ) أي لهي دار الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها، أو جعلت هي في ذاتها حياة مبالغة. والحيوان مصدر حي سمي به ذو الحياة مبالغة وأصله حييان فقلبت الياء الثانية واواً وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة، ولذلك اختير عليهما هنا. وفي «فتح
الرحمن بكشف ما تلبس في القرآن» للشيخ زكريا قدم اللعب في الأنعام والقتال والحديد، وعكس في الأعراف والعنكبوت لأن اللعب زمن الصبا واللهو زمن الشباب وزمن الصبا مقدم على زمن الشباب فناسب إعطاء المقدم للأكثر والمأخر للأقل اهـ. ( {لو كانوا يعلمون} ) لم يؤثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة، والحياة فيها عارضة سريعة الزوال (والآيات في الباب كثيرة مشهورة) لا منافاة بين ما دل عليه جمع السلامة من القلة وقوله كثيرة لأن تلك بالنظر إلى الأحاديث فيه وإن كانت الآيات فيه في نفسها كثيرة. ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى أن محل كون جمع السلامة من جموع القلة كما عده النحاة حيث لم يكن معرّفاً وإلا فلا، بل هو من ألفاظ العموم كما قاله الأصوليون.......
(وأما الأحاديث) في الباب (فأكثر من أن تحصر) لكمال كثرتها، وفي ذلك منه إيماء إلى الاعتناء بما عقد له الباب لاعتناء النبي بذلك كما يدل عليه كثرة الأخبار فيه (فننبه) النون فيه للعظمة تحدثاً بنعمة الله تعالى عليه بالعلم والتأهيل له (بطرف) بفتح أوّليه المهملين، أي بقطعة وجانب (منها) ويجوز أن يقرأ بضم أوله وفتح ثانيه على أنه جمع طرفة بالضم، قال في «المصباح» : الطرفة أي بالضم والسكون ما يستطرف، جمعه طرف كغرفة وغرف اهـ. والأول أنسب بقوله (على ما سواها) وهو والظرف قبله متعلقان بالمضارع.......
١٤٥٦ - (عن عمرو) ويقال فيه عمير بالتصغير كما نبه عليه في «الفتح» (ابن عوف الأنصاري) زاد المزي في وصفه قوله «البدري حليف بني عامر بن لؤي» وخرج بقوله الأنصاري عمرو بن عوف المزنيّ راوي حديث تكبيره خمساً في الجنازة وأحاديث أخر غير ذلك. قال الحافظ في «الفتح» بعد قول البخاري الأنصاري: المعروف عند أهل المغازي أنه من المهاجرين، وهو موافق لقوله هنا: وهو حليف لبني عامر بن لؤي لأنه يشعر بكونه من أهل مكة. ويحتمل أن يكون وصفه بالأنصاري بالمعنى الأعم، ولا مانع أن يكون أصله من الأوس أو الخزرج فنزل مكة وحالف بعض أهلها، فبهذا الاعتبار هو أنصاري مهاجري، ثم ظهر كأن لفظة الأنصاري وهم تفرد به شعيب عن الزهري، ورواه أصحاب الزهري كلهم عنه بدونها في «الصحيحين» وغيرها، وهو معدود من أهل بدر اتفاقاً، وقول المزي. البدري لأنه
(رضي الله عنه) شهد بدراً مع رسول الله. أخرج ابن الأثير في «أسد الغابة» عن ابن إسحاق قال: ممن شهد بدراً عمرو بن عوف: مولى سهيل بن عمرو، وقال: هكذا جعله ابن إسحاق مولى وجعله غيره حليفاً، قيل لأنه سكن المدينة ولا عقب له، وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا عبيدة) قيل اسمه عامر بن عبد الله، وقيل عبد الله بن عامر (بن الجراح) والأوّل أصح: أحد العشرة المبشرة بالجنة (رضي الله عنه) وعنهم. والجراح بفتح الجيم وتشديد الراء آخره حاء مهملة (إلى البحرين) أي البلدة المشهورة بالعراق، وهي بين البصرة وهجر. وفي كتاب «أسامى البلدان» قال الزهري: إنما ثنوا البحرين لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء وقرى هجر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ، وهذه البحيرة ثلاثة أميال في مثلها ولا يفيض ماؤها، وماؤها......
راكد زعاف اهـ. (يأتي بجزيتها) أي بجزية أهلها، وكان غالب أهلها إذ ذاك مجوساً. وذكر ابن سعد أن النبي بعد قسمة الغنائم بالجعرانة أرسل العلاء إلى المنذر ابن ساوى عامل الفرس على البحرين يدعوه إلى الإسلام فأسلم، وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية من المجوس (فقدم بمال من البحرين) قال في كتاب الصلاة ومن «التوشيح» نقلاً عن «مصنف ابن أبي شيبة» كان قدر المال مائة ألف وأنه أوّل خراج حمل إلى النبيّ اهـ. (فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة) أي بالمال (فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله) قال الحافظ: يؤخذ منه أنهم كانوا لا يجتمعون الجميع في كل الصلوات إلا لأمر يطرأ، وكانوا يصلون في مساجدهم إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه، فلأجل ذلك عرف أنهم اجتمعوا لأمر، ودلت القرينة على تعيين ذلك الأمر، وهو احتياجهم للمال للتوسعة عليهم. ويحتمل أن يكون وعدهم بأن يعطيهم منه إذا حضروا، وقد وعد جابراً بعد هذا أن يعطيه من مال البحرين فوفى له أبو بكر (فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف) أي ذاهباً إلى مقصده (فتعرضوا له) أي قصدوا له. قال في «الصحاح» : تعرضت أسألهم اهـ. (فتبسم حين رآهم) يحتمل أن يكون تبسمه لما ظهر من مقتضى الطبع من طلب الدنيا مع أن قضية حالهم وشرفهم وكون المصطفى بين أظهرهم مع كمال إعراضه عنها ترك ذلك (ثم قال أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء) يحتمل أن يكون تنوينه للتعظيم باعتبار كثرة كميته. ويحتمل
أن يكون للتحقير لحقارة الدنيا في جانب ما أعد الله للمؤمنين في الدار الآخرة (من البحرين) يحتمل أن يكون متسقراً صفة لشيء، ويحتمل أن يكون لغواً متعلقاً بالفعل (فقالوا: أجل) هو في المعنى مثل نعم، لكن نعم يحسن أن تقال جواب الاستفهام، وأجل أحسن من نعم في التصديق (يا رسول الله) وأتوا به تلذذاً بالخطاب وإلا فقد حصل بقولهم: أجل الجواب (فقال أبشروا) أمر معناه الإخبار بحصول المقصود (وأملوا) قال في «تحفة القاري» بفتح......
الهمزة وتشديد الميم (فوا ما الفقر) بالنصب مفعول مقدم لقوله (أخشى عليكم) وتقدم المفعول اهتماماً بنفي خشية الفقر عليهم عكس الآباء مع أولادهم، فإن الوالد الشفيق يخشى على ولده الضيعة بعده، والنبي لهم مثل الوالد ولم يخش عليهم الفقر، قال الطيبي: لأن الأب الدنيوي يخشى على ولده الفقر الدنيوي، والأب الديني يخشى على ولده الفقر الديني، قال الحافظ في «الفتح» : يجوز رفع الفقر بتقدير ضمير: أي ما الفقر أخشاه عليكم، والأول هو الراجح، وخص بعضهم جواز ذلك بالشعر اهـ. وأصله للزركشي وتعقبه فيه الدماميني بأن ضعف ذلك مذهب كوفي، قال في «التسهيل» ولا يختص بالشعر خلافاً للكوفيين. فإن قلت: تقديم المفعول هذا يؤذن بأن الكلام في المفعول لا في الفعل كقولك ما زيد ضربت فلا يصح أن يعقب المنفى بإثبات ضده، فيقول ولكن أكثر منه لأن المقام في المفعول هل هو زيد أو عمرو مثلاً، لا في الفعل هل هو إكرام أو إهانة: والحديث قد وقع فيه استدراك بإثبات ضد الفعل المنفي فقال: ولكن أخشى الخ فكيف يأتي هذا. قلت: المنظور إليه في الاستدراك هو المنافسة في الدنيا عند بسطها عليه، فكأنه قال ما الفقر أخشى عليهم ولكن المنافسة في الدنيا فلم يقع الاستدراك إلا في المفعول كقولك ما ضربت زيداً، ولكن عمراً ضربت، ثم لا يضر لأنه في الحقيقة استدراك بالنسبة إلى المفعول لا إلى الفعل اهـ. (ولكن أخشى أن تبسط) أي توسع (الدنيا عليكم) وما فتحه الله عليهم من الدنيا بعده حتى إن أحدهم لا يجد للمال موضعاً يحطه فيه (كما بسطت) ما موصول اسمي أو نكرة موصوفة: أي دنيا يعود الضمير النائب عن الفعل المستتر في بسطت عليه (على من كان قبلكم) : أي من الأمم وسقطت كان من بعض نسخ البخاري (فتنافسوها كما تنافسوها) الأول مضارع حذفت إحدى تاءيه تخفيفاً، والأصل فتتنافسوها، وفي بعض نسخ البخاري حذف الضمير المنصوب من الفعل الثاني، قال المصنف: والتنافس المسابقة إلى الشيء وكراهة أخذ......
الغير له، وهو أول
درجات الحسد اهـ. وبمعناه ما في «تحفة القاري» من أنه الرغبة في الشيء والانفراد به (فتهلككم) أي في الدين (كما أهلكتهم) في ذلك وإسناد الإهلاك إليها مجاز عقلي من باب الإسناد إلى السبب إذ التنافس فيها سبب قد يجر لفساد الدين وهلاكه، قال الحافظ في «الفتح» : لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه فتمتنع منه فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك اهـ. وقد وقع عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً «تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون» ونحو ذلك. قال في «الفتح» : وفي الحديث إشارة إلى أن كل خصلة من المذكورات مسببة عما قبلها، وفي الحديث «واتقوا الشح فإنه أهلك من قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» . قال ابن بطال: فيه أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها وشرّ فتنتها عنه. وفي «تفسير البيضاوي والخازن» : أي زينتها وبهجتها: أي فلا يطمئن إلى زخرفها ولا ينافس بها أيضاً اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري واللفظ له في الجزية، وفي المغازي من «صحيحه» ، ورواه مسلم في آخر «صحيحه» في باب تحريم الظلم السابق، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه أيضاً، فرواه الأوّل في باب الزهد والثالث في الفتن، ومدار الحديث عندهم على الزهري.......
٢٤٥٧ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر) بكسر الميم وسكون النون وفتح الباء الموحدة، قال في «الصحاح» : نبرت الشيء أنبره نبراً: رفعته، ومنه سمي المنبر (وجلسنا حوله) لسماع أقواله وتلقي مواعظه، وحول منصوب على الظرفية. قال في «الصحاح» : يقال قعدوا حوله وحواله وحواليه، ولا يقال حواليه بكسر اللام، وقعد حياله وبحياله بالكسر: أي بإزائه وأصله الواو اهـ. (فقال إن مما أخاف عليكم بعدي) أي بعد موتي وقدمه اهتماماً بأمره على الاسم وهو قوله (ما يفتح) بالبناء للمفعول (عليكم من زهرة الدنيا) قال في «المصباح» : زهرة بوزن تمرة لا غير: أي لا يجوز
فتحها بخلاف واحدة الزهر ففيها ذلك أيضاً، ويرده ما في «تفسير البيضاوي» من قوله، وقرأ يعقوب زهرة بالفتح، وهي لغة في الزهرة اهـ. ومثله في «تفسير النهر» إلا أنه لم يعين اسم القارىء وعبارته «وقرىء زهرة بفتح الهاء وسكونها نحو زهر ونهر» . قلت: إن ثبت ما في «المصباح» من منع الفتح في لغة فيحمل على أنه جمع زاهر كما جوزه البيضاوي فيها أيضاً قال: وهي متاعها وزينتها. وفي «تفسير البيضاوي والخازن» : أي زينتها وبهجتها فلا يطمئن إلى زخرفها ولا يتأنس بها اهـ. قلت: وعليه فعطف قوله (وزينتها) على الزهرة من عطف الخاص على العام وخشيته من ذلك لئلا يتعلق حبه بالقلب ويأخذ بهجته بالبصر فيوقع في الأسباب المؤدية إلى فساد الدين مما تقدم في الحديث قبله (متفق عليه) ورواه البخاري في الصلاة وفي الجهاد وفي الزكاة وغيرها، ومسلم في باب ورواه النسائي في الجهاد.......
٣٤٥٨ - (وعنه) أي أبي سعيد الخدري (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الدنيا خضرة) بفتح المعجمة الأولى وكسر الثانية (حلوة) أي جامعة بين الوصفين المحبوبين للبصر والذوق فهي كالفاكهة التي راق منظرها وحلا مذاقها (وإن الله مستخلفكم فيها) بكسر اللام: أي بمنزلة الخلفاء عنه في التصرف فيها: أي فلا تتصرفوا بما لم يأذن لكم به (فينظر كيف تعملون) فيجازيكم على ما يبدو منكم من حسن وضده في عالم الشهادة الذي ظهرك كما سبق في علم الغيب الأزلي (فاتقوا الدنيا) أي من ميلكم إلى زهرتها وحلاوتها وخضرتها عما يطلب منكم من الوقوف عند ما أبيح لكم دون ما حظر عليكم، والفاء فيه فصيحة: أي إذا علمتم أن ما تعملون فيه بمرأى من الله تعالى فاتقوه في ذلك (واتقوا النساء) أي احذروهن أن بكيدهن يحملكم الافتتان بهن على ترك ما طلب منكم من التكاليف أو أن يخدعنكم بكيدن فتقعوا في شيء من أغراضهن الممنوع منها شرعاً (رواه مسلم) في آخر الدعوات، ورواه النسائي أيضاً في
عشرة النساء، والحديث قدمه المصنف في باب التقوى وتقدم شرحه ثمة بأبسط مما هنا.
٤٤٥٩ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:) في أشد أحواله لما رأى تعب أصحابه لحفر الخندق (اللهم) أي يا الله (إن العيش) الحياة الدائمة (عيش الآخرة) فلا يحزن الإنسان لما يصيبه في هذه الدار فإنه منقض وأجره باق دائم، وقاله في أسرّ الأحوال أيضاً لما رأى كثرة المؤمنين في يوم عرفة في حجة الوداع لبيك إن العيش عيش الآخرة: أي شأن العاقل أن لا يفرح بما يسرّه من الدنيا لانقضائها وأن يكون اهتمامه بما يفرح به في آخرته لأن حياتها الدائمة الأبدية (متفق عليه) وقد تقدم هذا الحديث مع شرحه.......
٥٤٦٠ - (وعنه) أي عن أنس (عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يتبع الميت) من منزله إلى مدفنه في الغالب (ثلاث) من الأشياء، وحذف التاء منه لحذف المعدود، وأبدل من ثلاث بدل مفصل من مجمل قوله (أهله وماله) أي الذي كان ماله قبل موته: أي بعضه كعبيده وما يصحب مع أهله لنفقة على مؤن دفنه (وعمله) أي جميع ما عمله في الدنيا كما يومىء إليه إضافة المفرد، ويحتمل أن يراد ما عمله مما يتعلق به جزاء دون ما كفر لنحو توبة أو عمل صالح أو فضل إلهي فيكون عاماً أريد به خاص (فيرجع اثنان ويبقى واحد) ذكره مجملاً ثم مفصلاً ليكون أوقع في النفس وأقر فيها فقال (يرجع أهله) بعد دفنه (وماله) كذلك أو ما يبقي مما هيىء لمؤمن الدفن بعد تمامه (ويبقى عمله) معه مرتهناً هو به. قال تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة} (المدثر: ٣٨) اللهم وفقنا لمرضاتك بمنك وكرمك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (متفق عليه) أخرجه البخاري في الرقاق، ومسلم في الزهد، وكذا رواه الترمذي في الزهد من «جامعه» ، وقال حسن صحيح، والنسائي في ذلك من «سننه» ،
ومداره عند الجميع على سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن أنس كذا يؤخذ من «الأطراف» .......
٦٤٦١ - (وعنه قال: قال رسول الله: يؤتى) بالبناء للمفعول ونائب الفاعل الظرف بعده والفاعل إما الله تعالى لأنه الموجد للجميع، وإما الملائكة لأنهم المنتصبون في ذلك بأمره (بأنعم أهل الدنيا) أي بأكثرهم نعمة فيها من لذات الدنيا وزهراتها (من أهل النار) في محل الحال نائب الفاعل، وفيه إيماء إلى أن من أنعم الله عليه في الدنيا بالنعم في ظاهره من أهل الإيمان وصالح الأعمال ليسوا كذلك (يوم القيامة) ظرف للفعل: أي بعد فصل القضاء والحكم بين العباد (فيصبغ) أي يغمس (في النار صبغة) بفتح الصاد أي غمسة ولعل التنوين فيه للتقليل فيكون أبلغ فالتعقيب بالنسبة للإتيان كذلك هنا وفي قرينة (ثم) لعل الإتيان بها إيماء إلى أنه يهان بإهماله كذلك مدة (ويقال) له بعدها تبكيتاً والقائل إن كان خزنة جهنم فالأمر ظاهر، وإن كان الحق سبحانه بلا واسطة فلا دلالة فيه على شرف لهم لأن خطابه تعالى لهم على سبيل الإهانة والإذلال، ثم رأيت حديث النسائي مصرحاً بالشق الثاني (هل مر بك نعيم قط) بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة ظرف للزمان الماضي (فيقول) عقب السؤال بلا تراخ كما تؤذن به الفاء (لا وا) الجواب مقدر بعد لا، أغنى عن التصريح به دلالة ما قبله عليه، والقسم بعد لتأكيد نفي ذلك، وكأن ذلك منه لغلبة العذاب عليه حتى يذهل عما مضى له في الدنيا من النعيم فيقول ذلك، وإلا فالآخرة لا يقع فيها الكذب من أحد، ويحتمل أنهم عدوا جميع ما ذاقوه من النعيم في جنب ما أصابهم من أقل العذاب كالعدم فصيروره في حكم المعدوم فقالوا ذلك. وقوله (يا رب) بحذف الياء اكتفاء بدلالة الكسرة عليها، أتى به للتعطف والترحم (ويؤتى بأشد الناس بؤساً) بالهمز: أي شدة، قاله المصنف، قال في «المصباح» : ويجوز التخفيف. أي لغة (في الدنيا) يحتمل أن يكون ظرفاً مستقراً صفة لبؤس وأن يكون لغواً متعلقاً به، وقوله (من أهل الجنة) في محل النصب بيان لأشد، وهو المؤمن ولو عاصياً (فيصبغ) أي......
يغمس (صبغة في الجنة) وسمى ما ذكر صبغة لظهور أثره عليهم ظهور أثر المصبوغ.
قال تعالى: {وجوه يومئذٍ ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذٍ
باسرة. تظن أن يفعل بها فاقرة} (القيامة: ٢٢، ٢٥) ثم قوله فيصبغ الخ ثابت في «صحيح مسلم» ساقط فيما وقفت عليه من نسخ الرياض ولعله من قلم الناسخ سهواً ولعل حكمة تقديم شأن أهل النار لكونه من باب الإنذار وهو كالتخلية على ما يتعلق بأهل الجنة الذي هو من باب البشارة لكونه كالتحلية بالمهملة، والظاهر أن تقديم المفعول المطلق هنا على نائب الفاعل وتأخيره ثمة للتفنن في التعبير (فيقال له) أي عقب إذاقته لأول ما يلقاه من النعيم الذي هو جزء يسير مما أعد له من النعيم كما تؤذن الفاء، والمبادرة بذلك للتشريف (هل رأيت) أي وجدت (بؤساً) أي شدة (قط هل مرّ بك بؤس قط) يحتمل أن يكون بمعنى ما قبله وكرر تأكيداً وإطناباً لزيادة التذكير بالنعمة التي آل إليه أمرها حتى هان عليه ما لاقاه في الدنيا في جانبها يقال ما يأتي، ويحتمل أن لا يكون كذلك بأن المسؤول عنه أولاً ما وجد مشقته وشدته وثانياً ما نزل به مما لم يكن كذلك لما عارضه من خفي لطف إلهي (فيقول لا وا) وصرح بالمحذوف بعد لا النافية الدال عليه سياق الكلام بقوله (ما مر بي بؤس) أي شدة (قط ولا رأيت شدة قط) لأن المقام للإطناب شكراً لما أبيح من تلك المنة التي يقصر عن بيان أدناها البيان (رواه مسلم) في التوبة من صحيحه وكذا رواه النسائي في الجهاد من سننه، كذا قال الحافظ المزّي في «الأطراف» وتعقبه الحافظ ابن حجر في «النكت الظراف» عليه بأنهما حديثان، وكان عليهما إفرادهما وذلك بيّن من سياقهما ولفظ حديث مسلم عن يزيد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ما ذكر، ولفظ حديث النسائي عن بهز عن حماد «يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله عزّ وجل يا ابن آدم كيف وجدت منزلتك؟ فيقول ربي: خير منزل، فيقول عزّ وجل: سل وتمنّ، فيقول أسألك......
أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما رأى من فضل الشهادة، ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول تبارك وتعالى: يا ابن آدم كيف منزلك؟» الحديث. فهذان حديثان مختلفان في السياق والمعنى وإن اتحد إسنادهما وقد أخرج الثاني الحاكم في «المستدرك» وقال صحيح على شرط مسلم انتهى.
٧٤٦٢ - (وعن المستورد) هو بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح الفوقية وكسر الراء
آخره دال مهملة (ابن شداد) بفتح المعجمة وتشديد المهملة الأولى، ابن عمرو بن حنبل بن الأحب بن حبيب بن عمرو بن شبان بن محارب بن فهر القرشي الفهري (رضي الله عنه) وأمه دعد بنت جابر بن حنبل بن الأحب أخت كرز بن جابر، ولما قبض النبي كان غلاماً قاله الواقدي، وقال غيره: إنه سمع من النبي سماعاً وأتقنه، سكن الكوفة ثم مصر، روى عنه أهل الكوفة وأهل مصر كذا في «أسد الغابة» ، قال ابن الجوزي روي له عن النبيّ سبعة أحاديث، قال البرقي: في هذه السبعة التي جاءت عنه منها أربعة لأهل مصر، وحديثان لأهل الكوفة، وحديث لأهل الشام اهـ عنه روى مسلم هذا الحديث وأخرج عنه حديثاً آخر ولم يرو له البخاري (قال: قال رسول الله: ما الدنيا) أي ما مثلها أو نعيمها أو زمانها (في الآخرة) أي في جانبها أو بالنظر إليها (إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه) قال في «المصباح» : فيه عشر لغات. تثليث الهمزة مع تثليث الموحدة، والعاشرة أصبوع كعصفور والمشهور من لغاتها كسر الهمزة وفتح الباء، وهي التي ارتضاها الفصحاء اهـ، وقد نظمتها بقولي:
وفي أصبع عشر بتثليث همزة
وباء له والعاشر أصبوع فاعلم......
(في اليم) بفتح التحتية وتشديد الميم: البحر (فلينظر) أي أحدكم (بم) أصله بما حذفت الألف؛ أي بأي شيء (يرجع) بالتحتية والضمير راجع لأحد: أي بما يرجع أحدكم أصبعه لا لأصبع لأنها مؤنثة كما في «المصباح» ، ثم قال: وفي كلام ابن فارس ما يدل على تذكير الأصبع، وقال الصغاني: يذكر ويؤنث والغالب التأنيث، قال في «المفاتيح» : يجوز في مثل أن يقرأ بالرفع والفتح على أنه مبني لأن «ما» في «ما يجعل» مصدرية يعني نسبة ما ذكر من نعيم الدنيا وزمانها إلى نعيم الآخرة، ليس إلا مثل نسبة الماء اللاصق بأصبع أحدكم إذا غمسها في اليم، أي البحر (رواه مسلم) في صفة الدنيا والآخرة من «صحيحه» ، ورواه الترمذي في الزهد، وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في الزهد.......
٨٤٦٣ - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرّ بالسوق) داخلاً من بعض طرق العالية كما في «صحيح مسلم» ، وحذفه المصنف اختصاراً لعدم تعلق غرضه، قال في
«المصباح» : يذكر ويؤنث، وقال أبو إسحاق في السوق التي يباع فيها مؤنثة وهو أفصح وأوضح وتصغيرها سويقة والتذكير خطأ لأنه قيل بسوق نافقة ولم يقل نافق بغير هاء اهـ، سميت بذلك لسوق الناس بضائعهم إليها أو لأنهم يقومون فيها على سوقهم أو لتصاكك السوق فيها من الازدحام (والناس كنفيه) جملة في محل الحال من ضمير مر، وفي «شرح مسلم» للمصنف قوله: والناس كنفيه وفي بعض النسخ كنفتيه معنى الأول جانبه والثاني جانبيه اهـ. ٥ ولم يظهر وجه تفسير ما حذفت التاء منه بالمفرد وما أثبت فيه تاء بالمثنى، وفي «النهاية» أنهما كذلك بمعنى والله أعلم، وفي «المصباح» : الكنف بفتحتين الجانب، وجمعه أكناف كسبب وأسباب (فمر بجدي) هو ولد المعز كذا في «المفاتيح» ، وفي المصباح قال ابن الأنباري: هو الذكر من أولاد المعز، والأنثى عناق، وقيده بعضهم في السنة الأولى، والجمع أجد وجداء كدلو وأدل وأدلاء، والجدي بالكسر لغة رديئة اهـ. (أسك) أي صغير الأذن من السك بفتحتين وهو صغيرها كذا في «المفاتيح» ، ويأتي مثله في الأصل، وقال العاقولي: الأسك مصطلم الأذنين مقطوعهما (ميت فتناوله) فيه دليل على أن لمس النجس إذا لم تكن رطوبة من أحد الجانبين لا ينجس (فأخذ بأذنه) كان الأخذ بها لمزيد الحقارة، والأذن بضمتين ويجوز تخفيفها بتسكين الثانية (ثم قال) كان الإتيان بثم لبيان أنه عرض بين الأخذ والتكلم ما تأخر بسببه التكلم، ويحتمل أن تكون استعيرت في موضع الفاء وعدل إليها تفنناً ودفعاً لثقل التكرار في الجملة (أيكم يحب أن هذه له بدرهم) أحد الظرفين في محل الخبر والآخر في محل الحال والأولى إعراب الأول خبراً والثاني حالاً كما يومىء إليه ما بعده، قال العاقولي: هو استفهام إرشاد وتنبيه ليلقوا السمع لما......
يوجهه إليهم من الخطاب الخطير في ضمن التمثيل بهذا المعنى الحقير (فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء) أي من الأشياء التي هي أقل من الدرهم فضلاً عنه (وما نصنع به) وهو نجس لموته قد انقطعت الأطماع بذلك عن الانتفاع به (قال) تأكيداً للمقام (تحبون) أي أتحبون (أنه لكم) أي من غير شيء (قالوا: وا لو كان حياً كان عيباً) أي معيباً أو ذا عيب ويجوز إبقاؤه على ظاهره من غير تأويل ولا تقدير، ويكون في الجملة مبالغة أنه لكمال قيام العيب به ولصوقه صار كأنه عيب وحذفت اللام من جملة لو، حملاً على جواب «أنّ» كما أثبتت اللام في جواب «أنّ» حملاً على جواب «لو» في قولهم وإلا لكان كذا أي لو كان حياً لترك مع رجاء الانتفاع به لكونه معيباً، قوله (أنه أسك) تفسير
لعيب (فكيف وهو ميت) لا ينتفع به (فقال وا للدنيا) بفتح اللام صدّر بها جملة جواب القسم المركبة من مبتدأ وهو الدنيا وخبر وهو قوله (أهون على الله من هذا عليكم) وأهون أفعل من الهون بضم الهاء وسكون الواو قال في «المصباح» هان يهون هوناً بالضم وهواناً: ذل وحقر، وفي التنزيل
{أيمسكه على هون} (النحل: ٥٩) قال أبو زيد والكلابيون يقولون: على هوان ولم يعرفوا الهون، وفيه مهانة: أي ذل وضعف اهـ، والمعنى أن الدنيا عند الله أذل وأحقر من هذا عندكم فعلى بمعنى عند. قال في «المصباح» : تأتي على بمعنى عند، قال الشاعر:
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها......
قال الأصمعي: معناه من عنده، ثم قال العلماء: الأنبياء والأصفياء والكتب الإلهية والعبادات في الدنيا وليست منها فلا تدخل في الهوان (رواه مسلم) في الزهد من «صحيحه» ، ورواه أبو داود في الطهارة من سننه (قوله كنفيه: أي عن جانبيه) تقدم في «المصباح» : الكنف الجانب وكان التأنيث باعتبار معنى الجهة (والأسك الصغير الأذن) قال في «المصباح» : السكك أي بفتحتين مصدر من باب تعب، وهو صغر الأذنين وبه يتأيد ما تقدم عن المفاتيح ويحمل قوله «مصطلمهما» أن ذلك خلقي، لا أن ذلك طارىء بقطعهما كما يعطيه لفظ الاصطلام إذ معناه كما في «الصحاح» أيضاً القطع: ثم رأيت «الصحاح» قال: السكك بالتحريك صغر الأذن، يقال: كل سكاء تبيض وكل شرقاء تلد، فالسكاء التي لا أذن لها والشرقاء التي لها أذن وإن كانت مشقوقة، ويقال سكة يسكه إذا اصطلم أذنيه اهـ. ومنه يعلم أن العاقولي اشتبهت عليه مادة بمادة فحمل الأسك على أنه من باب المضاعف المضموم العين المفسر بالاصطلام وإنما هو من باب علم كما تقدم في «المصباح» وغيره، فهو الصغير الأذن كما قاله المصنف وغيره.......
٩٤٦٤ - (وعن أبي ذر) بفتح المعجمة وتشديد الراء كنية جندب بن جنادة (رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي) فيه كمال تواضعه مع أصحابه وعدم ترفعه على أحد منهم (في حرة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: هي أرض ذات حجارة سود والجمع
حرار بكسر أوله (بالمدينة) علم بالغلبة على دار هجرته (فاستقبلنا أحد) بضمتين: الجبل المعروف بالمدينة (فقال يا أبا ذر) فيه تكنية العالم تلميذه وتابعه تأنيساً وتكريماً، وهو من كمال فضله وحسن خلقه (قلت) في نسخ البخاري المصححة «فقلت» بالفاء أوله (لبيك يا رسول الله) فيه الجواب زيادة في الأدب (قال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا) والإتيان به للتعظيم كقوله تعالى: {ذلك الكتاب} (البقرة: ٢) وقوله (ذهباً) تمييز لمثل، وجاء في رواية البخاري في باب الاستئذان من صحيحه «فلما أبصر أحداً قال: ما أحب أن يحول لي ذهباً» قال الحافظ بعد ذكر اختلاف رواياته: وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث ومخرجه متحد فهو من تصرف الرواة، ويمكن الجمع بين قوله مثل أحد وبين قوله: «يحول أحد» بحمل المثلية على شيء بكون وزنه من الذهب وزن أحد، والتحويل على أنه إن انقلب ذهباً كان على قدر وزنه أيضاً، وذهباً على تلك الرواية الثانية جعله ابن مالك مفعولاً ثانياً لحول ومفعوله الأول ضمير أحد. واستدل به على مجيء حول بمعنى صير، وعمله عملها وهو استعمال كثير يخفى على أكثر النحاة، ورده الحافظ بقوله بعد أن ذكر أن اختلاف ألفاظه من تصرف الرواة ما لفظه فلا يكون حجة في اللغة (تمضي علىَّ ثالثة) أي ليلة ثالثة وإنما قيد بالثلاث لأنه لا يتهيأ تفريق قدر أحد من الذهب في أقل منها غالباً لكن يعكر عليه رواية يوم وليلة، فالأولى أن يقال الثلاث أقصى ما يحتاج إليه في تفريق مثل ذلك والليلة الواحدة أقله (وعندي منه دينار) جملة حالية (إلاّ شيء) كذا هو فيما وقفت عليه من نسخ الرياض بالرفع وقد ذكر الحافظ في «الفتح» : أن فيه روايتين: الرفع والنصب،......
قال: وهما جائزان لأن المستثنى منه مطلق عام والمستثنى مقيد خاص فاتجه النصب، وتوجيه الرفع أن المستثنى منه في سياق النفي والشيء فسر في رواية بالدينار ووقع في رواية غير أبي ذر «وعندي منه دينار أو نصف دينار» وفي رواية أخرى «وأدع منه قيراطاً قال: قلت: قنطاراً، قال: قيراطاً» وفيه «ثم قال: يا أبا ذر
إنما أقول الذي هو أقل» (أرصده لدين) قال الدماميني بفتح الهمزة والصاد مضمومة أو مكسورة أي أعده وأحفظه وهذا الإرصاد أعم من أن يكون لصاحب
دين غائب حتى يحضر أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفى (إلا أن أقول به في عباد اهكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه) هو استثناء بعد استثناء فيفيد الإثبات فيؤخذ منه أن نفي محبة المال مقيدة بعدم الإنفاق فيلزم محبة وجوده مع الإنفاق فما دام الإنفاق في سبيل الله موجوداً لا يكره وجود المال، وإذا انتفى الإنفاق ثبتت كراهية وجود المال ولايلزم من ذلك كراهية حصول شيء آخر ولو قدر أحد، أو أكبر مع استمرار الإنفاق، وقوله عن يمينه الخ هكذا اقتصر على ثلاث وحمل المبالغة لأن العطية لمن بين يديه هي الأصل، قال في «الفتح» : والذي يظهر لي أن ذلك من تصرف الرواة وأن أصل الحديث مشتمل على الجهات الأربع، ثم ذكر أنه وجده كذلك في رواية بإثبات الأربع قال: وقد أخرجه في الاستئذان فاقتصر على ثنتين وعدّي إلى الأولين بحرف المجاوزة لأن المنفق منهما كالمنحرف عن المنفق المار على عرضه، ونظيره جلست عن يمينه، وعدى الثالث بحرف الابتداء إيماء إلى كمال المبالغة في الكرم حتى كأنه ابتدأ به من جهة الخلف بعد أن أتمه من جهة الأمام وجاوز به من عن جانبيه، وقال الحافظ: قوله من خلفه بيان للإشارة وخص عن باليمين والشمال لأن الغالب في الإعطاء صدوره باليدين اهـ. وما قلناه أظهر فتدبر (ثم سار فقال) في رواية للبخاري ثم قال: وبها يتبين أن أحد العاطفين استعير في محل الثاني (ألا) ......
أداة استفتاح يؤتى بها لتنبيه السامع لما بعدها اهتماماً به (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة) هكذا عند البخاري الأقلون بالهمزة في الاستقراض والاستئذان من «صحيحه» ووقع عنده في الرقاق منه «المقلون» بالميم محل الهمز، قال الحافظ: والمراد الإكثار من المال والإقلال من ثواب الآخرة، وهذا في حق من لم يتصل بما دل عليه الاستثناء بعد من الإنفاق بقوله (إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه) في رواية عند أحمد «إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا فحثى عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره» فاشتملت الروايتان على الجهات الأربع وإن كان كل اقتصر على ثلاث منها وقد جمعها عبد العزيز بن رفيع في روايته ولفظه «إلا من أعطاه الله خيراً» أي ما لا فنفح......
بنون وفاء ومهملة أي أعطى كثيراً بلا تكلف يميناً وشمالاً وبين يديه ووراءه وبقي من الجهات فوق وأسفل والإعطاء من قبل كل منهما ممكن لكن حذف لندوره وقد فسر بعضهم الإنفاق من وراء بالوصية ولي قيداً فيه بل قد يقصد الصحيح الإخفاء فيدفع لمن وراء ما لم يدر به من أمامه، وقوله هكذا صفة لمصدر محذوف: أي لمن أشار إشارة مثل هذه الإشارة (وقليل ما هم) ما صلة مزيدة
لتأكيد القلة، ويحتمل أن تكون موصوفة ولفظ قليل هو الخبر وهم المبتدأ والتقدير: وهم قليل وقدم الخبر اهتماماً بمضمونه كما يؤذن به تأكيده، ففيه التحريض على الإنفاق لأصحاب الأموال ليندرج في القليل الذي هو الجليل وا الموفق (ثم قال لي مكانك) بالنصب: أي الزمه وقوله (لا تبرح) تأكيد له ودفع لتوهم أن الأمر بلزوم المكان ليس عاماً في الأزمنة (حتى آتيك) غاية للزوم المكان المذكور (ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى) فيه إشعار بأن القمر كان قد غلب حتى توارى: أي غاب شخصه. قلت: ويحتمل أن يكون التواري بسبب زيادة البعد حتى خفي عن البصر سيما ونور القمر يغيب فيه الشخص عن العين في بعد لا يتوارى عنها في مثله في الشمس لضعف ضوئه (فسمعت صوتاً قد ارتفع) في رواية لغطاً وهو اختلاط الأصوات (فتخوفت أن يكون) أي من أن يكون (أحد قد عرض) أي تعرض بسوء (للنبي فأردت أن آتيه) أي أتوجه إليه كما جاء في رواية أن أذهب: أي إليه ولم يرد أن يتوجه لحال سبيله بدليل رواية الباب (فذكرت قوله لا تبرح فلم أبرح حتى أتاني) في رواية فانتظرته حتى جاء، وفي الحديث الوقوف عند أمره ولزوم طاعته قال في «الفتح» : ففيه أن امتثال أمر الكبير والوقوف عنده أولى من ارتكاب ما يخالفه بالرأي ولو كان فيما يقتضيه الرأي توهم دفع مفسدة حتى يتحقق ذلك فيكون دفعها أولى اهـ. (فقلت) جاء في رواية للبخاري زيادة يا رسول الله (لقد سمعت صوتاً تخوفت منه) اللام هي المؤذنة بالقسم المقدر الداعي إليه تأكيد مقام الإخبار (فذكرت......
له) المفعول محذوف: أي ما سمعت وقد جاء مصرحاً به في بعض رواياته بلفظ فذكرت له الذي سمعت (فقال: وهل سمعته) المعطوف عليه محذوف أي أتذكر ذلك وهل سمعته، ومفعول سمع محذوف لدلالة ما قبله: أي وهل سمعت صوتاً؟ وظاهر أن الاستفهام للتثبت والتقرير لتقدم إخباره بالسماع فجوز أن يكون التبس عليه صوت نحو ريح حينئذٍ بصوت متكلم فقال ذلك ذلك (قلت نعم) أي من غير تردد (قال ذاك) أي الذي كنت أخاطبه (جبريل) أو ذلك الصوت الذي سمعته صوت جبريل ففيه على الثاني مضاف مقدر (أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك با شيئاً)
أي من الشرك الجلي، أما الخفي وهو نحو الرياء فغير مانع من دخول الجنة (دخل الجنة) فقيل المراد إما ابتداء أو بعد المجازاة على المعصية، وقيل المراد دخلها ابتداء وقد حمله كذلك البخاري على من تاب عند الموت وهذا ما فهمه أبو ذر، والأول أولى للجمع بين الأدلة، جواب الشرط، رتب دخول الجنة على الموت بغير إشراك با، فقد ثبت الوعيد بدخول النار لمن عمل بعض الكبائر، وبعدم دخول الجنة لمن عملها ولذا وقع الاستفهام. بقول أبي ذر (قلت وإن زنى وإن سرق) بتقدير همزة الاستفهام قبله. قال ابن مالك: حرف الاستفهام مقدر أول هذا الكلام ولا بد من تقديره (قال: وإن زنى وإن سرق) أي يدخلها وإن زنى وإن سرق، إن وصلية والواو الداخلة عليها قيل عاطفة على مقدر، وقيل حالية، واقتصر على ذكر هذين لأن أحدهما متعلق بحق الله سبحانه، والآخر بحق العباد فكأنه يقول: إن من مات على التوحيد دخلها وإن تلبس بمعصية متعلقة بحق الله تعالى أو بحق عباده، وزيادة شرب الخمر في رواية للإشارة إلى فحش تلك الكبيرة لأنها تؤدي إلى خلل في العقل الذي به شرف الإنسان على البهائم، وبوقوع الخلل فيه قد يزول التوقي الذي يحجز عن ارتكاب بقية الكبائر، وأسقط المصنف تكرار استفهام أبي ذر لذلك وجوابه عن ذلك مرتين أخريين زاد في الثالثة «وإن رغم أنف أبي ذر» لعدم تعلق غرض الترجمة به............
(متفق عليه، وهذا لفظ البخاري) في الرقاق من «صحيحه» ، وقد أخرجه في مواضع أخرى منه وأخرجه مسلم في الزكاة، ورواه الترمذي في الإيمان من «جامعه» وأخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» ومداره عندهم على زيد بن وهب عن أبي ذر كذا يؤخذ من «الأطراف» للمزي.
١٠٤٦٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو كان لي) أي وجد فهي تامة فاعلها (مثل أحد) والظرف حال منه، ويجوز أن تكون ناقصة والظرف خبراً مقدماً
(ذهباً) تمييز مثل (لسرني ألا تمر عليّ ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء) بالرفع مستثنى من شيء ورفع لكونه مستثنى من كلام منزل منزلة المنفي، وهو أنه في حيز جواب لو إذ هو في تقدير النفي كما أشار إليه الحافظ في «الفتح» (أرصده) في محل الصفة للمستثنى أي أعده (لدين) أي لأدائه عند مجيء الدائن، أو عند حلول أجل الدين كما تقدمت الإشارة لذلك. وفي الحديث الحث على الإنفاق في وجوه الخير والحض على ذلك في الحياة وفي الصحة وترجيحه على إنفاقه عند الموت وقد تقدم منه حديث «أن تصدق وأنت صحيح شحيح» وأنه كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا بحيث إنه لا يحب أن يبقى بيده شيء منها لإنفاقه فيمن يستحقه أو لإرصاده لمن له حق وأما لتعذر من يقبل ذلك منه لتقيده في رواية عند البخاري بقوله أجد من يقبله وفيه تقديم وفاء الدين على صدقة التطوع وفيه الحث على وفاء الدين وأداء الأمانة وجواز استعمال لو عند تمني الخير، وتخصيص الحديث الوارد بالنهي عن استعمال ما يكون في أمر غير محمود شرعاً وفيه غير ذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري مع الحديث قبله في باب واحد...................
١١٤٦٦ - (وعنه) أي أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله: انظروا إلى من) الأقرب أنه موصول، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة (أسفل) بالنصب على أنه ظرف مستقر صلة للموصول أو صفة له، وإعرابه خبراً لضمير محذوف هو العائد لمن يأباه أن شرط حذف العائد ألا يصلح ما بقي لكونه صلة، وما هنا صالح له وأن شرطه أن يكون مبتدأ مخبراً عنه بمفرد وذلك خاص بصلة أي، لاستطالتها بالإضافة، وقراءة «على الذي أحسن» برفع أحسن على أن التقدير الذي هو أحسن شاذ، وفي بعض نسخ مسلم إثبات هو قبل أسفل هو العائد وهو مبتدأ والظرف مستقرّ في محل الخبر، والجملة صلة والمراد أسفل في أمور الدنيا كما بينه الحديث بعده ويدل عليه فهو أجدر الخ، أما في أمور الدين فينظر الإنسان لمن هو أعلى منه فيها جداً أو استقامة ليدأب كذلك، وفي الحديث «رحم الله عبداً نظر في دنياه لمن هو دونه فحمد الله وشكره، وفي دينه لمن هو فوقه فحمد واجتهد» قال في «الفتح» : وقد وقع في
نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً: من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به، ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، وأما من نظر في دنياه إلى من هو فوقه وأسف إلى ما فاته فإنه لا يكتب شاكراً ولا صابراً اهـ. (ولا تنظروا إلى من) أي الذي أو شخص (هو فوقكم) أي في ذلك على سبيل استعظام ما ناله واستكثاره (فهو) أي قصر النظر عمن فوق أو هو مع ما قبله (أجدر) أي أحق (ألا تزدروا) أي بأن لا تحقروا وتستصغروا افتعال من ازدراء قلبت فاؤه دالاً لتجانس الزاي في الجهر (نعمة الله عليكم) ثم ما أذن به أفعل من التفضيل المؤذن بثبوت أصله عند النظر المذكور باعتبار ما ركز في الطباع السالمة من الآفة من شكر نعمالله. وإن قلت: وعدم احتقارها. قال ابن جرير وغيره: هذا الحديث جامع لأنواع الخير، وذلك لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه............
من ذلك واستصغر ما عنده من نعمة الله وحرص على الازدياد ليلحق من فضل عليه فيها أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس قال بعض السلف: صاحبت الأغنياء فكنت لا أزال في حزن أرى داراً واسعة ودابة فارهة ولا عندي شيء من ذلك: فصحبت الفقراء فاسترحت، وفي معناه ما أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن الشخير رفعه «أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة ا» أورده في «الفتح» ، وأما إذا نظر في الدنيا إلى من هو دونه ظهر له نعمة الله عليه فشكرها وتواضع وفعل ما فيه الخير وكذا إذا نظر إلى من هو فوقه في الدين ظهر له تقصيره فيما أتى به فحمله ذلك على الخضوع لمولاه، وألا ينظر لعمله ولا يعجب به ويزداد في الجهد في العمل والدأب فيه، وا الموفق وسيأتي له مزيد إن شاء الله تعالى (متفق عليه) أي في الجملة، وإلا فالحديث المذكور رواه مسلم في الزهد من «صحيحه» من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وكذا رواه الترمذي وابن ماجه في الزهد من «جامعه» وقال الترمذي صحيح، وحديث البخاري باللفظ الآتي بعده هو الذي اتفقا عليه فرواه مسلم عقب هذا الحديث عن يحيى بن يحيى وقتيبة قال: حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة والبخاري في أواخر الرقاق من «صحيحه» عن إسماعيل عن مالك عن أبي الزناد به، فالحديث الآتي هو المتفق عليه، أما الأوّل فانفرد به مسلم عن البخاري، وقد صنع كذلك المزي في «الأطراف» فرمز على حديث الباب برمز مسلم دون رمز
البخاري، ورمز على الحديث الثاني برمز البخاري دون مسلم، وكأن المصنف اعتمد آخر كلامه فقال (وهذا لفظ مسلم) .
(......
وفي رواية البخاري) الظاهر في اختصاص البخاري باللفظ الثاني بل إنه عند مسلم أيضاً عقب الحديث الذي قبله من غير فاصل، ولكن سبحان من لا يسهو، وقد حرّر السيوطي في «الجامع الصغير» ذلك فرمز في الحديث الأول لمسلم فقط وفي الثاني للمتفق عليه (إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه) بضم الفاء وبالمعجمة مبني للمجهول (في المال والخلق) بفتح الخاء المعجمة: أي الصورة المدركة بحاسة البصر.g قال في «الفتح» : ويحتمل أن يدخل في ذلك الأولاد والأتباع وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدنيا، قال: ورأيته في نسخة معتمدة من «الغرائب» للدارقطني بضم الخاء واللام. قلت: إن ثبتت تلك الرواية فتحمل على أن المراد الأخلاق الدنيوية لأنها المأمور فيها بما يأتي (فلينظر إلى من هو أسفل منه) أي في ذلك، قال ابن بطال: هذا الحديث جامع لمعاني الخير، لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهداً فيها إلا وجد من هو فوقه، فإذا طلبت نفسه اللحاق به فيكون أبداً في زيادة تقربه من ربه ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أخس حالاً منه: فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون من فضل هو عليه بذلك من غير أمر أوجبه فيلزم نفسه الشكر فيعظم اغتباطه بذلك في معاده، وقال غيره: في هذا الحديث دواء كل داء لأن الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن من أن يؤثر فيه الحسد، ودواؤه أن ينظر إلى من هو أسفل منه ليكون ذلك باعثاً له على الشكر.......
١٢٤٦٧ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي قال: تعس) بكسر العين المهملة، ويجوز الفتح: أي خر لوجهه، والمراد هنا هلك. قال ابن الأنباري: التعس الشر، وقيل البعد (عبد الدينار والدرهم والقطيفة) بالقاف والطاء المهملة والتحتية والفاء بوزن صحيفة هي الثوب الذي له خمل (والخميصة) بالخاء المعجمة وبالميم والصاد المهملة
بالوزن المذكور هي كساء مربع: أي عبد كل مما ذكر وقد جاء التصريح بالمضاف مع كل في رواية للبخاري بلفظ «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة» رواه كذلك في كتاب الجهاد: أي طالب ما ذكر الحريص على جمعه القائم على حفظه فكأنه لذلك خادمه وعبده، قال: خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا كالأسير الذي لا يجد ملخصاً، ولم يقل مالك ولا جامع الدنيا لأن المذموم من الملك والجمع الزيادة على الحاجة. وقال غيره: جعله عبداً لها لشغفه وحرصه فمن كان عبداً لهواه لم يصدق في حقه «إياك نعبد وإياك نستعين» فلا يكون من اتصف بذلك صديقاً قاله في «الفتح» (إن أعطى) بالبناء للمفعول مما ذكر (رضي وإن لم يعط لم يرض) هذان الشرطان وجوابهما مسوقان لبيان سبب شدة حرصه على ذلك (رواه البخاري) في الرقاق من «صحيحه» .......
١٣٤٦٨ - (وعنه: قال لقد رأيت) أي أبصرت (سبعين من أهل الصفة) يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم غير السبعين الذين استشهدوا ببئر معونة، وكانوا من أهل الصفة أيضاً لكونهم استشهدوا قبل إسلامه (ما منهم رجل) جاز الابتداء به مع نكارته لتقدم الخبر الظرفي عليه أو لكونه في سياق النفي أو لوصفه بجملة (عليه رداء) ولا مانع من تعدد المسوغات لأنها معرفات لا مؤثرات، والرداء ما يستر أعالي البدن فقط وقوله (إما إزار وإما كساء) أي ما إزار وهو ما يستر أسافل البدن فقط. وإما كساء وهو بالمد معروف وقوله (قد ربطوا في أعناقهم) جملة في محل الصفة لكساء (فمنها) أي الأكسية المدلول عليها بقوله: وإما كساء (ما يبلغ نصف الساقين) لقصره (ومنها ما يبلغ الكعبين) لطوله، والكعب العظم الناتىء، عند مفصل السابق والقدم سمي به لنتوئه (فيجمعه) أي ما ذكر من الكساء بقسميه (بيده) ليستر العورة (كراهية) مفعول له (أن تبدو) بالواو: أي تظهر (عورته) من صغر الكساء وقصره واقتصارهم على ذلك زهداً في زهرات الدنيا وإقبالاً على العبادة وعمارة الدار الآخرة (رواه البخاري) في المساجد من «صحيحه» . قال البخاري في مؤلفه في
أهل الصفة، وفي لفظ أبي نعيم عنه «رأيت سبعين منهم يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتيه ومنهم من هو أسفل من ذلك، فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته» وبعضه عند الحاكم عنه ولفظه «لقد كان أصحاب الصفة سبعين رجلاً مالهم أردية» وقال صحيح على شرطهما، والمراد أن ذلك قدر ما رآه كما تقدم. قال أبو نعيم: الظاهر من أحوالهم والشاهد من أخبارهم غلبة الفقر عليهم وإيثار القلة واختيارهم لها فلم يجتمع لهم ثوبان ولا حضرهم من الطعام لونان اهـ. وقد ألف في أهل الصفة الحافظ أبو نعيم كما نقل الحافظ في «الفتح» في أبواب المساجد والسخاوي وغيرهما.......
١٤٤٦٩ - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله: الدنيا سجن المؤمن) أي بالنسبة لما أعد له من النعيم (وجنة الكافر) أي بالنسبة لما أعد له من العذاب، أو يقال المؤمن ممنوع من شهواتها المحرمة فكأنه في السجن، والكافر عكسه فهي كالجنة له، قاله الشيخ أكمل الدين، وأشار إلى أنه من التشبيه البليغ: أي حذفت أداته وحمل المشبه على المشبه به مبالغة وادعاء أنه من أفراده، لا استعارة لأن شرطها طيّ ذكر المشبه أو المشبه به، وأشار بعضهم إلى أنه على حقيقته وأن المؤمن لما عليه في الدنيا من التكاليف وتوالي المحن والمكابدات للهموم والغموم والأسقام وغير ذلك في سجن وأي سجن أعظم من ذلك، ثم هو في السجن لا يدري بماذا يختم له من عمل كيف وهو يتوقع أمراً لا شيء أعظم منه ويخاف هلاكاً لا هلاك فوقه، فلولا أنه يرتجي الخلاص من هذا السجن لهلك حالاً، ولكن لطف الله به بما وعده على صبره وبما كشف له من حميد عاقبة أمره، والكافر منفك عن تلك التكاليف آمن من تلك المخاوف مقبل على لذته منهمك في شهوته فهو كالأنعام، وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام ويحصل في السجن الذي يرام، نسأل الله العافية اهـ.
وفي الحديث تحريض للمؤمن على الإعراض عنها وعدم النظر لها نظر محبة لأن ذلك شأن السجن (رواه مسلم) في أواخر صحيحه، قال السيوطي في «الجامع الصغير» : رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة، والطبراني والحاكم في «المستدرك» عن ابن
عمر، وأخرجه أحمد والطبراني وأبو نعيم في «الحلية» والحاكم في «المستدرك» عن ابن عمر بلفظ «الدنيا سجن المؤمن وسنته فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة» اهـ.......
«لطيفة» حكى القرطبي في كتاب جمع الحرص بالقناعة عن سهل الصعلوكي الفقيه الخراساني وكان ممن جمع رياسة الدين والدنيا أنه كان في بعض مواكبه ذات يوم إذ خرج عليه يهودي من إيوان حمام وهو بثياب دنسة وصفة نجسة فقال أنتم تزعمون أن نبيكم قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟» وأنا عبد كافر وترى حالي. وأنت مؤمن وترى حالك فقال له على الفور: إذا صرت غداً إلى عذاب الله كانت هذه الجنة لك وإذا صرت أنا إلى النعيم ورضوان الله صار هذا سجني، فعجب الخلق من فهمه وسرعة جوابه اهـ.......
١٥٤٧٠ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبيّ) بتشديد التحتية إحداهما ياء التثنية ويروى بتخفيف الياء على الإفراد، والمنكب بوزن مسجد مجتمع رأس العضد والكتف لأنه يعتمد عليه كذا في المصباح، وأخذه بمنكبيه ليقبل بقلبه على ما يلقيه إلي ويستيقظ إن كان في غفلة لذلك عما هو فيه مع ما فيه من التأنيس والتنبيه والتذكير، إذ محال عادة أن ينسى من فعل معه هذا ما يقال له، وهذا لا يفعل غالباً إلا مع من يميل إليه الفاعل دليل على محبته، ونظير هذا قول ابن مسعود: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكفي بين كفيه (فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) زاد الترمذي «وعد نفسك من أهل القبور» ورواه أحمد والنسائي أوله «اعبد الله كأنك تراه وكن في الدنيا» الخ (وكان ابن عمر) راوي الخبر (يقول) أي عقب روايه له كما يؤذن به سياق المصنف وهو كالرديف لما قبله، قال الأعمش راويه عن مجاهد عن ابن عمر وقال: قال لي ابن عمر، وفي لفظ آخر عنه قال مجاهد ثم قال لي ابن عمر وكذا جاء في رواية غير الأعمش (إذا أمسيت) أي دخلت في المساء وهو لغة من الزوال إلى نصف الليل (فلا تنتظر) أي بأعمال المساء (الصباح وإذا أصبحت) أي دخلت في الصباح فالفعلان تامان، والصباح من نصف الليل إلى الزوال كما ذكره السيوطي (فلا تنتظر) أي بأعمال النهار (المساء) وذلك أن لكل منهما عملاً يخصه فإذا أخر عنه فات ولم يستدرك كماله وإن شرع قضاؤه فطلبت المبادرة بعمل كل
وقت في وقته، أو المراد إذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالبقاء إلى الصباح وكذا عكسه بل انتظر الموت كل وقت واجعله نصب عينيك، وعقب به المصنف ما قبله لأن الحديث للحض على ترك الدنيا والزهد فيها كما سيأتي بيانه في الأصل، وهذا للحض على تقصير الأمل فذاك متوقف على هذا لأنه المصلح للعمل والمنجي من آفات التراخي والكسل، فإن من أطال أمله ساء عمله، فعلم أن هذا سبب للزهد في......
الدنيا، وقولهم إنه هو مرادهم أن بينهما تلازماً صيرهما كالشيء الواحد فهو مجازي وإلا فالحقيقة ما قلنا، فمن قصر أمله زهد ومن طال أمله رغب وترك الطاعة وتكاسل عن التوبة وقسا قلبه لنسيان الآخرة ومقدماتها من الموت وما بعده من الأهوال (وخذ من صحتك) أي أعمالاً صالحة تستعين في تحصيلها بها مبتدأه منها منتهية أو مدخرة (لمرضك) أي لمدته التي تشتغل عنها في المرض أي فلا تغفل عنها في زمن تمكنت فيه منها، وهو زمن الصحة لئلا تغبن في صفقتك (و) خذ (من حياتك لموتك) يحتمل أن يكون أعم مما قبله بأن يراد الإكثار منها ولو في زمن المرض المتمكن فيه منها فيكون فيه ترق وزيادة في التحريض على اغتنام الطاعة وعدم التواني فيها مع إمكانها ولو شقت وصعبت على النفوس لمرض أو غيره، ويحتمل أن يكون بمعنى ما قبله أي من زمن صحتك مدة حياتك فيكون تأكيداً لما قبله واهتماماً به وزيادة تحريض عليه، وبالجملة فرأس مال المؤمن صحته وحياته وأيام حياته زمن تجارته فلا ينبغي له أن يفرط فيها مع التمكن منها ليحصل له من ربح التجارة ونفعها ما يدوم نفعه عليه عند حاجته إليه لنحو مرض، وفي الحديث «إذا مرض العبد أو سافر بقول الله لملائكته اكتبوا ما كان يعمله صحيحاً مقيماً» وهذا فيه توسل لدوام فضل المولى سبحانه بحسن العمل، وفي الحديث «تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» وقلت في هذا المعنى:
أيها السالك المريد تنبه
من منامك وغفلة قبل فوتك
خذ لسقم من الشباب وبادر
ومن الوقت قبل فوت لموتك......
(رواه البخاري) في الرقاق من صحيحه، ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» ، وابن حبان في «صحيحه» ، وقد صرح الأعمش فيه بتحديث مجاهد له في الصحيح بخلاف رواية ابن حبان، ولذا قال: مكثت مدة أتوهم أن الأعمش سمع هذا الحديث من ليث ودلسه حتى رأيت ابن المديني رواه عن الطفاوي فصرح بقول الأعمش سمعت مجاهداً. ذكره السخاوي في «تخريج الأربعين» حديثاً التي جمعها المصنف، ثم نقل أنه أنكر الاتصال وقال: إنما رواه الأعمش بالعنعنة، وكذا رواه عنه
أصحابه، وكذا أصحاب الطفاوي عنه، وتفرد ابن المديني بالتصريح قال: ولم يسمعه الأعمش عن مجاهد وإنما سمعه من ليث عنه فدلسه: يعني فرجع الحديث إلى ليث وسكت عن رده، وكأنه لوضوحه بأن الصحيح ما في الصحيح فلا عبرة بما يخالفه (قالوا) أي شراح الحديث المدلول عليهم بالسياق (معناه) أي معنى الحديث من حيث الجملة (لا تركن) بفتح الكاف وبضمها لأنه جاء من بابي علم ونصر كما في «مفردات الراغب» ، زاد في «الصحاح» أن الذي حكاه من باب علم. أبو زيد قال: وما حكى أبو عمرو: ركن يركن، بالفتح فيهما فإنما هو على الجمع بين اللغتين اهـ: أي لا تمل وتسكن (إلى الدنيا) وتطمئن بها (ولا تتخذها وطناً) يحتمل أن يكون من عطف الجزء على الكل اهتماماً، وذلك لأن السكون إليها والطمأنينة بها إنما يكون مع توطنها، ويحتمل أن يكون من عطف المغاير، فالأولى للنهي عن النظر لزهراتها على وجه الإعجاب بها والميل إليها. والثانية للنهي عن استيطانها والإقامة بها، وذلك لأن من توطن مكاناً سعى في عمارته، وعمارتها خلاف شأن الحازم لأنه مفارق لها إلى دار لا يفارقها الأبد، فحقه الاحتفال بتلك لا بهذه، وهذا راجع لقوله «كن في الدنيا كأنك غريب» لأن شأن الغريب عدم الركون لغير وطنه وترك التوطن بسواه. وقوله (ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها) راجع لقوله أو عابر سبيل، لأن شأن من دخل بلداً في أثناء......
سفره ألا يحدث نفسه بالمقام بها لأنه ينقطع بذلك عن الرفق فتلحقه المشاق، ولا بالاعتناء بتلك البلد لأن المرء لا يعتني بحسب طبعه إلا بما يعود نفعه عليه من وطنه، وقوله (ولا تتعلق منها) ظرف مستقر صفة لمحذوف: أي بشيء منها أو بمعنى متعلق بالفعل: أي تعلقاً مبتدأ منها، فمن للتبعيض أو للابتداء (بما) أي بالذي (لا يتعلق به الغريب في غير وطنه) مما لا تدعو إليه ضرورته من زاد ومركوب، فكذا شأن الحازم ألا يتعلق في سفره إلى مولاه بشيء من الدنيا إلا براحلته التي يتوصل بها إلى مرضات ربه وهي نفسه، فيشتغل بما يتوصل به إلى أن يؤديها حقها ويكفيها عن الغير، وكذا يكتسب ما يقوم به من تجب عليه مؤنتهم وبزاده الذي هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي ويعرض عما عداه (ولا يشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي
يريد الذهاب) أي العود (إلى أهله) فإن شأنه ألا يستكثر من المتاع لأن ذلك يتعبه في مقصده ويثقله عن مطلبه، بخلاف من أضرب عن العود فذلك لا يحتفل بأم السفر، فالحازم لا يتخذ من الدنيا ما يثقله في سفره إلى مولاه، والغافل عن ذلك معرض عن آخرته مقبل على زهرة دنياه، وهذا راجع لمجموع الحديث وذلك لأنه إذا كان المسافر المذكور، وإن كان يقيم بتلك البلاد شأنه الإعراض عما يثقله في سفره، فالعابر بها من غير إقامة أولى بذلك والله أعلم.......
١٦٤٧١ - (وعن أبي العباس) بتشديد الموحدة وبعد الألف مهملة (سهل بن سعد الساعدي) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الدلالة على الخير (قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى النبي) أي جاء ساعياً إليه (فقال: يا رسول الله دلني) سؤال من الدلالة أي نبهني (على عمل) التنوين فيه للتعظيم وعظمه إنما هو بحسب ثمرته كما يومىء إليه قوله (إذا عملته) أي مريداً به وجه الله (أحبني ا) بإرادة الثواب (وأحبني الناس) أي مالوا إليّ ميلاً طبيعياً لا يدخل تحت الاختيار، والجملة الشرطية صفة عمل (فقال: ازهد في الدنيا) أي أعرض عما لا تدعو إليه الضرورة مما زاد عنها من المباح احتقاراً له وإرباء بنفسك عنها بغضاً له، فحبّ الدنيا رأس كل خطيئة، والزهد عزوب النفس عن الدنيا مع القدرة عليها لأجل الآخرة خوفاً من النار وطمعاً في الجنة أو ترفعاً عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى، ولا يكون ذلك إلا بعد انشراح الصدر بنور اليقين (يحبك ا) جواب الشرط المقدر لوقوعه جواب الأمر كما هو الرواية، ويجوز من حيث الصناعة أن يكون مستأنفاً، وفيه إيماء إلى شرف الزهد لعظم ثمرته التي هي محبة المولى، ثم المراد من كون حبها مذموماً حبها كذلك إيثاراً لشهوة نفس ونجوها لأنه يشتغل عن الحق سبحانه، أما حبها لفعل الخير وإعانة محتاج وإغاثة ملهوف وإطعام بائس فعبادة بشهادة قوله: «نعم المال الصالح مع الرجل الصالح، يصل به رحماً ويصنع به معروفاً» (وازهد فيما عند الناس) من
نحو مال وجاه بإعراضك عنه ورفضك إياه (يحبك الناس) أي بسبب ذلك، ومتى نازعتهم في ذلك بغضوك ونازعوك إياه فإنهم بطباعهم يتهافتون عليه تهافت الذباب على النتن، والكلاب على الجيف، ومن ثم شبه الشافعي رضي الله عنه الدنيا بها، والناس بالكلاب بقوله:
وما هي إلا جيفة مستحيلة
عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها
وإن تجتذبها نازعتك كلابها......
(حديث حسن) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «تخريج الأربعين» التي جمعها المصنف بعد كلام ذكره في إسناد الحديث ما لفظه: فالظاهر أن الحديث الذي أوردناه آنفاً لا يصح ولا يطلق على إسناده أنه حسن اهـ. قال السخاوي: كأنه أشار بهذا الكلام إلى شيخه: أي الحافظ الزين العراقي، فإنه حسنه في «أماليه» وسبقه إليه الشيخ: يعني النووي (رواه ابن ماجه) في سننه (وغيره) قال السخاوي في «تخريج الأربعين» المذكورة: وأخرجه الطبراني في «معجمه الكبير» وابن حبان في «روضة العقلاء» له والحاكم في الرقاق من «مستدركه» وقال: إنه صحيح الإسناد وليس كذلك (بأسانيد حسنة) فرواه ابن ماجه عن أبي عبيدة بن السفر عن شهاب بن عباد، ورواه بن حبان عن محمد بن أحمد بن المسيب عن يوسف بن سعيد بن مسلم، ورواه الحاكم عن أبي بكر محمد بن جعفر الآدمي عن أحمد بن عبيد بن ناصح، ورواه الطبراني عن علي بن عبد العزيز البغوي عن أبي عبيد القاسم بن سلام، أربعتهم عن خالد بن عمرو القرشي، وأخرجه الحافظ السخاوي من طريق محمد بن كثير المصيصي قالا وتقاربا في اللفظ: ثنا سفيان الثوري عن أبي حازم المدني عن سهل، وكذا أخرجه العقيلي والبيهقي والقضاعي في مسند الشهاب من طريق البغوي، وقال الحاكم: إنه صحيح الإسناد، وليس كذلك فخالد مجمع على تركه، ضعفه أحمد وابن معين والبخاري في آخرين، ونسبه أحمد وابن معين وآخرون إلى وضع الحديث، وابن كثير أيضاً ليس عمدة ضعفه أحمد جداً وقال مرة: حدث بمناكير لا أصل لها، وقال مرة: لم يكن عندي بثقة، وضعفه النسائي ولينه البخاري. قال السخاوي بعد نقل كلام الحافظ السابق في منع تحسين الحديث ما لفظه: ويساعد شيخنا قول أبي جعفر العقيلي ليس له من حديث الثوري أصل، ولعل ابن كثير أخذ عن خالد ودلسه لأن المشهور به خالد كذا قال، وخالفه
الخطيب فذكر الحديث عن الثوري وقال: أشهر طرقه عن الثوري ابن كثير، لكن وافقه ابن عديّ على أنه منكر من حديث الثوري......
اهـ. وبه يعلم أن الحديث له عند من ذكر سند واحد وهو الثوري إلى منتهاه لا أسانيد، ولعله باعتبار الطرق الموصلة إليه وأن سند الحديث ليس بحسن لما علمت، والله أعلم.
١٧٤٧٢ - (وعن النعمان) بضم النون وسكون المهملة (ابن بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وسكون التحتية ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي (رضي الله عنهما) له ولأبويه صحبة وتقدمت ترجمته في باب الأمر بالمحافظة على السنة (قال: ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصاب الناس) أي حازوه وحصلوه (من الدنيا) أي المال والخول والجاه وغير ذلك من الأعراض المخدجة فما موصولة عائدها محذوف ومن بيانية (فقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يظل) مضارع ظل التي هي لاتصاف اسمها بخبرها نهاراً (اليوم) ظرف لقوله (يلتوي) وقوله (ما يجد دقلا يملأ به بطنه) جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً بسبب التوائه طول يومه (رواه مسلم) في آخر «صحيحه» وابن ماجه في الزهد من «سننه» ، ورواه مسلم أيضاً فيه ورواه الترمذي في الزهد من «سننه» في «شمائله» لكن من حديث النعمان نفسه أنه قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه» وقال الترمذي: صحيح، ورواه أبو عوانة (الدقل بفتح الدال المهملة والقاف) آخره لام (رديء) بالهمز فعيل من الرداءة (التمر) قال في «الصحاح» : أردأ التمر، وما ذكره الشيخ هو ما في «النهاية» ، وعبارتها: الدقل هو ردىء التمر ويابسه، وما ليس له اسم خاص فتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ويكون منثوراً اهـ.......
١٨٤٧٣ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما في بيتي شيء يأكله ذو
كبد) بفتح الكاف وكسر الموحدة في الأفصح: أي حيوان وعبرت به لأنه من الأجزاء الرئيسة في البدن (إلا شطر شعير) لا يخفى ما اشتمل عليه هذا الخبر من مزيد إعراضه عن الدنيا بالمرة وعدم النظر إليها، لأنه إذا كان هذا حالها وهي أحب أمهات المؤمنين إليه وقد دانت له الأرض شرقاً وغرباً وجيء بثمراتها فضة وذهباً ولم يوجد عندها إلا ما ذكر ففيه أعظم دليل على مزيد إعراضه عنها (في رفَ) بفتح الراء وتشديد الفاء، قال في «النهاية» : هو خشب يرفع عن الأرض إلى جنب الدار يوقى به ما يوضع عليه، وجمعه رفوف أو رفاف، وفي «الفتح» للحافظ قال الجوهري: الرف شبه الطاق في الحائط وقال عياض: الرفّ خشب يرفع عن الأرض يوضع فيه ما يراد حفظه. قلت: والأول أقرب للمراد اهـ. وقولها (لي) في محل الصفة لرفّ (فأكلت منه) من ابتدائية أو تبعيضية وقولها (حتى طال عليّ) غاية لمحذوف أي وداومت على الأكل منه حتى طال علي (فكلته) بكسر القاف (ففني) أي ففرغ وقد وقع نظير ذلك في قصة أخرى، رواه مسلم أيضاً أنه أطعم رجلاً وسقا من شعير فأكلوا منه مدة حتى كالوه ففني، فأخبر النبي فقال: لو لم يكل لأكلتم منه ولكفاكم. قال المصنف: إنما فنى عند كيله عقوبة لأن كيله مضاد للتسليم ومتضمن للتدبير وتكلف للإحاطة بأسرار الله تعالى. قال التلمساني في «شرح الشفاء» : ولا يخالف هذا حديث «كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه» لأن ما أمر به عند إرادة المناولة فيكون استعمال آلة النبي وشريعته، وما أمر به مطردة للشيطان: وأيّ مطردة له أكثر من تناوله بيده المباركة، وأيضاً فإن تكثير الطعام القليل من أسرار الله تعالى الخفية، وشرط السرّ إخفاؤه. وقال الحافظ في «الفتح» : أجيب بأن الكيل عند المبايعة محبوب من أجل تعلق حق المتابيعين ولذا يندب، وأما الكيل عند الإنفاق فالباعث عليه الشحّ فلذا كره.............
وقال القرطبي: سبب رفع النماء عند الكيل والله أعلم. الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله تعالى ومواهب كراماته وكثرة بركاته والغفلة عن الشكر عليها والثقة بالذي وهبها والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادات، ويستفاد منه أن من رزق شيئاً أو أكرم بكرامة أو لطف به في أمر فالمتعين عليه موالاة الشكر وتنزيه المنة تعالى، ولا يحدث في تلك الحالة تغييراً اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في الخمس، وفي الرقاق من صحيحه، ورواه مسلم في آخر «صحيحه» ، ورواه ابن ماجه في الأطعمة.
(وقولها شطر شعير: أي شيء) قليل كما يومىء إليه السياق (من شعير كذا فسره الترمذي) وكأنه مستند
الحافظ في قوله في «الفتح» المراد بالشطر هنا البعض، والشطر يطلق على النصف وعلى ما يقاربه وعلى الجهة وليست مرادة هنا، ويقال أرادت نصف وسق. قال الحافظ: الذي يظهر أنه كان يؤثر بما عنده ففي الصحيحين «أنه كان إذا جاءه ما فتح الله عليه من خيبر أو غيرها من تمر وغيره يدخر قوت أهله سنة ثم يجعل ما بقى في سبيلالله، ثم كان مع ذلك إذا طرأ عليه طارىء ونزل به ضيف يشير على أهله بإيثارهم فربما أدى ذلك إلى نفاد ما عنده أو معظمه» وقد روى البيهقي عن عائشة قالت: «ما شبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام متوالية، ولو شئنا لشبعنا ولكنه كان يؤثر على نفسه» اهـ.............
١٩٤٧٤ - (وعن عمرو) بفتح المهملة (بن الحارث) بن أبي ضرار بكسر المعجمة وتخفيف الراء الأولى الخزاعي المصطلقى (أخي) بالجر عطف بيان لعمرو، وفي بعض نسخ البخاري أخوه بالرفع خبر مبتدأ هو، هو (جويرية) بضم الجيم وتخفيف الواو وسكون التحتية الأولى وكسر الراء وتخفيف التحتية بعدها هاء (بنت الحارث أم المؤمنين) في الاحترام ووجوب الإكرام (رضي الله عنهما) قال الحافظ في «التقريب» : هو صحابي قليل الحديث بقي إلى بعد الخمسين أخرج البخاري عنه هذا الحديث الواحد وانفرد به عن مسلم (قال: ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موته درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمة) أي باقيين على الرق: قال الحافظ في «الفتح» : وفيه دلالة على أن من ذكر من أرقاء النبي في جميع الأخبار كان إما مات وإما أعتقه (ولا شيئاً) في رواية الكشميهني ولا شاة، والأولى أصح وهي رواية الإسماعيلي، نعم روى مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عائشة «ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً ولا أوصى بشيء» (إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها) قال السهيلي في «الأعلام» : أهداها له رافعة الضبيبي من لخم اهـ. وسيأتي في الملح والمنثورات أن الذي أهداها له فرقة بن نفاثة بالنون والفاء والمثلثة على الأشهر الجذامي، وإنما اسمها الدلدل وليس له بغلة غيرها (وسلاحه) وبيان ما خلفه من السلاح والكراع مذكور في كتب السير (وأرضاً) هي نصف أرض فدك وثلث أرض وادي القرى وسهم من
خمس خيبر وضيعة من أرض بني النضير (جعلها) أي الثلاث المذكورة كما في «تحفة القاري» (لابن السبيل صدقة) أي لم يترك مالاً غير ما ذكر مما جعله صدقة على المسلمين (رواه البخاري) في مواضع من «صحيحه» منها في الوصايا وفي فرض الخمس وفي المغازي، ورواه الترمذي في «الشمائل» والنسائي.......
٢٠ - (وعن خباب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى (ابن الأرت) بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية وتقدمت ترجمته (رضي الله عنه) ونسبه في باب الصبر (قال: هاجرنا) أي فارقنا أوطاننا لنصرة الدين الحنيفي (مع رسول الله) وكان ذلك منهم من مكة إلى المدينة، وكونهم معه ليس المراد مصاحبتهم له في السفر لأنه لم يصحبه في الهجرة إلا الصديق وعامر بن فهيرة، بل المراد المعية في مفارقة الوطن إلى وطن آخر لنصرة الدين، وقوله (نلتمس) أي نطلب بهجرتنا (وجه) أي ذات (اتعالى) جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً للحامل على الهجرة، وفي «الصحاح» : الالتماس الطلب، وفي الجملة بيان نعم الله تعالى عليهم أن أهلّهم للهجرة وحركهم لها ومنّ عليهم بالإخلاص فيها ليجنوا ثمرة الاجتهاد ويحبوا بالمراد (فوقع) أي كتب، وجاء في رواية للبخاري في المغازي فوجب، وذلك لإيجاب الله تعالى ذلك على ذاته وبوعده الصادق، وإلا فلا يجب على الله شيء (أجرنا) أي إثابتنا وجزاؤنا (على ا) ويصح أن يراد منه ثمرة العلم ولو دنيوية على الله (فينا) أي فبعض المهاجرين (من مات) حاله كونه (لم يأكل) أي لم يصب، وعبر عنها بالأكل لأنه المقصود من إصابة المال (من أجره شيئاً) قال في «الفتح» : وهذا كناية عن الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح. ولما كان المراد بالأجر عرقه فليس مقصوراً على أجر الآخرة (منهم مصعب) بضم الميم بصيغة المفعول (ابن عمير) بصيغة التصغير، العبدري، يجتمع مع النبي في قصي يكنى أبا عبد الله من السابقين إلى الإسلام وإلى
الهجرة. قال البراء: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرءان القرآن، أخرجه البخاري. وذكر ابن إسحاق أن النبي أرسله مع أهل العقبة الأولى يقرئهم ويعلمهم (رضي الله عنه قتل يوم أحد) بضم أوليه: وقعة مشهورة كانت سنة أربع من الهجرة على الصحيح، وكان قتل مصعب بها شهيداً. وكان صاحب لواء رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ......
يومئذٍ (وترك نمرة) بفتح النون وكسر الميم ثم راء، وهي إزار من صوف مخطط أو بردة (فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت) أي ظهرت (رجلاه، وإذا غطينا رجليه) أي بالنمرة المذكورة (بدا رأسه) هذه الجملة مسوقة لبيان مزيد صغرها ففيها مزيد تقلله من الدنيا (فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغطى) بالتحتية مبني للمفعول مرفوعه قوله (رأسه) وذلك لشرفه على باقي الأعضاء (ونجعل على رجليه شيئاً من الإذخر) هو نبت معروف طيب الرائحة (ومنا) أي وبعضهم (من أينعت) بفتح الهمزة والنون وسكون التحتية بينهما ويأتي معناها في الأصل (له ثمرته) والفاء في قوله (فهو يهدبها) تفريعية ومدخولها معطوف على جملة الصلة (متفق عليه) رواه البخاري في الجنائز والهجرة من صحيحه، ومسلم في الجنائز، ورواه أبو داود في الوصايا، والترمذي في المناقب وقال: حسن «صحيح» ، والنسائي في الجنائز (النمرة) تقدم ضبطها على الأفصح ويجوز كسر النون وفتحها مع سكون الميم فيهما (كساء) قال في «الصحاح» : هو واحد الأكسية (ملوّن) أي ذو ألوان وخطوط (من صوف) زاد في «الفتح» أو بردة (وقوله أينعت) قال في «فتح الباري» وفي بعض النسخ: ينعت بغير ألف، وهي لغة، قال الفراء: وأينعت أكثر (أي نضجت) بفتح النون والمعجمة والجيم من النضج وهو الاستواء (وأدركت) أي زمن القطف (وقوله يهدبها بفتح الياء) التحتية وسكون الهاء (وضم الدال) المهملة (وكسرها لغتان) ضبطه في الفتح بكسر المهملة وقال إن النووي ضبطها بالضم، وحكى ابن التين تثليثها. قلت: وعليه اقتصر السيوطي في «التوشيح» ولم ينسبه إليه (أي يقطفها) بكسر المهملة من باب ضرب كما أشار إليه في «الصحاح» بقوله قطف العنب
قطفاً، ثم رأيته في «المصباح» من باب ضرب، وقيل معناه قطع (ويجتنيها) عطف تفسير، في الصحاح جنيت الثمرة أجنيها واجتنبها بمعنى (وهذه استعارة لما فتح الله تعالى عليهم من الدنيا وتمكنوا فيها) أي جملة قوله أينعت الخ استعارة تمثيلية. شبه......
حالهم في تمكنهم من الدنيا التي فتح عليهم بها وتمكنوا منها بتمكن ذي الثمرة النضيجة من قطفها واجتنائها ويحتمل أن يكون استعير يهدبها لمعنى التمكن منها فتكون استعارة تبعية، شبه التمكن من الدنيا بالهدب وهو القطف للثمرة بجامع سهولة الوصول في كل، فأطلق اسم المشبه على المشبه به استعارة مصرحة مرشحة بقوله أينعت، ثم سرت الاستعارة منه إلى الفعل، والله أعلم.
٢١٤٧٥ - (وعن سهل بن سعد) الأنصاري (الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح) بفتح الجيم (بعوضة) فعول من البعض وهو القطع، غلب على هذا النوع من الحيوان المضروب به المثل في الحقارة وجناحها في غايتها ومنتهاها. قال النيسابوري في تفسيره: ومن عجائب البعوض أن خرطومه مع كونه في غاية الصغر مجوف، ومع كونه كذلك يغوص في جلد الجاموس كما يغوص الأصبع في الخبيص، وذلك لما ركب الله في رأس خرطومه من السم اهـ. (ما سقى كافراً منها شربة ماء) لهوانه عليه وسقوطه. قال العاقولي: أي لو كان لها عنده تعالى أدنى قدر ما تمتع فيها كافر أدنى تمتع. وفي «الديباجة» : هو أن الله تعالى لم يجعلها مقصودة لنفسها بل جعلها طريقاً موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه، وأنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء وإنما جعلها دار انتقال وارتحال، وأنه تعالى ملّكها في الغالب للكفار والفساق، وحمى منها الأنبياء ووراثهم، ويكفيك حديث الباب في هوانها عند الله وصغرها وحقرها وذمها وبغضها وبغض أهلها والمحبين لها، وليس من الدنيا ما يوجد فيها من الأنبياء والصديقين والعلماء العاملين والطاعة الموصلة لمرضاة رب العالمين ويدل له الاستثناء في الحديث الآتي لأنه من قوله فيه «وما فيها» ومع كون الدنيا بهذا المقام عند الله سبحانه، فهو يوم القيامة يستوفي لذي الظلامة منها ظلامته من
ظالمه ولو كان كافراً من مؤمن إظهاراً لمزيد العدل (رواه الترمذي) في الزهد وانفرد......
به عن باقي الكتب الستة (وقال حديث صحيح) غريب من هذا الوجه، وكأن سكوت المصنف عن هذا لكون الغرابة نسبية فلا تنافي التصحيح.
٢٢٤٧٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف استفتاح يؤتى به لتأكيد ما بعده وليتوجه السامع له (إن الدنيا ملعونة) أي مبغوضة ساقطة فعبر عنه بذلك لأن من لازم المبغوض الساقط الإبعاد (ملعون ما فيها) أي من الأموال الدنيوية المخدّجة الفانية من شهوات وغيرها: أي الاشتغال بذلك مبعد عن حضرة الحق فقد جاء «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة» (إلاّ ذكر الله وما والاه) أي وما أدناه مما أحبه الله تعالى، والولي: القرب والدنو، والمعنى: الدنيا ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما قاربه من الطاعة الموصلة لمرضاته (وعالماً ومعلماً) كذا هو فيما وقفت عليه من نسخ الرياض بالألف فيهما وهو ظاهر، لأنهما معطوفان على المستثنى المنصوب وجوباً لكونه من كلام تام موجب، لكنهما في نسخ الترمذي من غير ألف. قال الحافظ السيوطي في حواشيه عليه: منصوبان لأن الاستثناء من كلام تام موجب وكتبا بلا ألف على طريق كثير من المحدثين (رواه الترمذي) في الزهد من «جامعه» ، ورواه ابن ماجه في المشكاة (وقال) أي الترمذي (حديث حسن) قال القرطبي: لا يفهم من هذا الحديث سب الدنيا مطلقاً ولعنها، فقد جاء من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً «لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشرّ، وإذا قال العبد: لعن الله الدنيا قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربه» أخرجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد الله الهاشمي، والجمع بين ذلك بحمل الأحاديث الواردة في إباحة لعن الدنيا على ما يبعد منها عن الله تعالى ويشغل عنه، وحمل
الوارد بالمنع على ما قرّب إلى الله تعالى أو أعان على عبادته سبحانه، كما يومىء إليه الاستثناء في حديث الباب بقوله: إلا ذكر الله وما والاه الخ.......
٢٣٤٧٨ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال) قال رسول الله: لا تتخذوا الضيعة) بالضاد المعجمة: العقار، والجمع ضيع وضياع بكسر ففتح قاله في «الصحاح» . وفي «النهاية» : ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك، والمراد لا تتوغلوا في اتخاذ الضيعة فترغبوا عن صلاح آخرتكم كما قال (فترغبوا في الدنيا) أي في صلاحها وتشتغلوا به عن صلاح دار القرار: قال صاحب «المفاتيح» : وذلك لأن بأخذها تحصل الرغبة في طلب الدنيا فلا تشبعون حينئذٍ منها (رواه الترمذي: وقال: حديث حسن) ورواه أحمد والحاكم في «المستدرك» .
٢٤٤٧٩ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: مر علينا) لعل الإتيان بعلى لعلوّ محل مروره على محل الخص، أو كان راكباً، وإلا فمرّ يعدّى بالباء (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نعالج خصاً لنا) بضم الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة قال في «النهاية» : هو بيت يعمل من خشب وقصب، وجمعه خصاص وأخصاص، سمي به لما فيه من الخصاص وهي الفرج والأثقاب. وفي «الصحاح» : الخص البيت من القصب اهـ. وهو محتمل لتخصيص القصب بذلك فيخالف كلام «النهاية» ، ويحتمل أن يراد من ذلك وغيره مثلاً فيوافقه، والله أعلم (فقال: ما هذا) أي المعالج (فقلنا: قد وهى) بفتحتين: أي ضعف وهم بالسقوط كما في «الصحاح» (فنحن نصلحه) بإدعامه بما يذهب به ويدوم به قوامه (فقال ما أرى) يحتمل أن يكون بضم الهمزة بمعنى أظن، وأن يكون بفتحها بمعنى أعلم (الأمر) أي الأجل (إلا أعجل) أي أسرع (من ذلك) أي الإصلاح المذكور، وعبر به مع أن
المقام «لهذا» الموضوع للقريب، إيماء بأن الاشتغال بالبناء بعيد من شأنهم مع توقع الأجل ساعة فساعة ولحظة فلحظة (رواه أبو داود والترمذي بإسناد البخاري ومسلم) أي برجال روياً عنهم، فهو على شرطهما (وقال الترمذي: حسن صحيح) .......
٢٥٤٨٠ - (وعن كعب) بفتح الكاف وسكون العين المهملة بعدها موحدة (ابن عياض) بكسر المهملة وتخفيف التحتية آخره ضاد معجمة، الأشعري معدود في الشاميين روى عنه جابر بن عبد الله، وقيل روت عنه أم الدرداء (رضي الله عنه) خرّج عنه الترمذي والنسائي (قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن لك أمة فتنة) بكسر الفاء: أي ما يمتحنون ويختبرون: أي يعاملون به معاملة المختبر للجاهل بحاله. قال الراغب في «مفرداته» : جعلت الفتنة كالبلاء يستعمل في الخير والشر. وهما في الشدّة أظهر معنى وأكثر استعمالاً، قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} (الأنبياء: ٣٥) اهـ. (وفتنة أمتي) ما تمتحن به في دنياها (المال) كما قال: «إن هذا المال حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون» (رواه الترمذي) في الزهد من «جامعه» ، ورواه النسائي في الرقاق من «سننه» ، ورواه ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم في كتاب «معرفة الصحابة» كما في «أسد الغابة» (وقال) أي الترمذي (حديث حسن صحيح) .......
٢٦٤٨١ - (وعن أبي عمرو) بفتح العين كني باسم أحد أولاده (ويقال) بالبناء للمجهول: أي ويقال في كنيته (أبو عبد ا) قال في «أسد الغابة» : يكنى أبا عبد الله ويقال أبو عمرو وقيل كان يكنى أولاً بابنه عبد الله، وأمه رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كني بابنه عمرو اهـ. (ويقال أبو ليلى) بفتح اللامين بينهما تحتية ساكنة (عثمان بن عفان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المكي ثم المدني أمير
المؤمنين (رضي الله عنه) أمه أروى بنت كريز بضم الكاف وفتح الراء ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن مناف، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله. أسلم عثمان قديماً، دعاه أبو بكر إلى الإسلام وأسلم، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، فهاجر بزوجته رقية بنت النبي إلى الحبشة الهجرتين الأولى والثانية، ويقال لعثمان ذو النورين لأنه تزوج بنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحداهما بعد الأخرى، قالوا: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره، روي لعثمان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة حديث وستة وأربعون حديثاً، اتفق الشيخان منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة. روى عنه جمع من الصحابة منهم زيد بن خالد الجهني وابن الزبير وغيرهم وخلق من التابعين، ولد في السنة السادسة بعد الفيل، وقتل شهيداً يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن تسعين سنة، وقيل ثمان، وقيل ثنتين وثمانين سنة، وقيل غير ذلك. وهو رضي الله عنه أحد السابقين إلى الإسلام كما تقدم، وأحد العشرة المبشرة بالجنة الذين مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض، وأحد الستة أصحاب الشورى، بويع بالخلافة غرة محرم سنة أربع وعشرين وكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا ليال. وقال ابن عبد البرّ: بويع بعد دفن عمر بثلاث ليال، وحج بالناس في خلافته عشر سنين متوالية، وصلى عليه جبير بن مطعم وقيل غيره،......
ودفن بالبقيع ليلاً وأخفي قبره ذلك الوقت ثم أظهر. وقيل دفن بحش كوكب. قال ابن قتيبة: وهي أرض اشتراها عثمان وزادها في البقيع. والحش: البستان، وكوكب اسم رجل من الأنصار، والأحاديث الواردة في فضله وعلوّ مقامه كثيرة شهيرة رضي الله عنه (أن النبيّ قال: ليس لابن آدم حق) قال العاقولي: أراد بالحق ما يستحقه الإنسان لاحتياجه إليه في كنه من الحرّ والبرد وستر بدنه وسد جوعته، وهذا هو المراد......
الحقيقي من المال. وقيل أراد ما لم يكن معه حساب إذا كان مكتسباً من وجه حلال طيب، ويؤيد القول الثاني ما قال ابن كثير: أخرج الإمام أحمد بسنده إلى أبي عسيب مولى النبي قال خرج النبي ليلاً فمرّ بي فدعاني فخرجت إليه، ثم مرّ بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مرّ بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى أتى حائطاً لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط أطعمنا» الحديث وفي آخره، فأخذ عمر العذق الذي جاء به الأنصاري فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: يا رسول الله إنا مسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال نعم، إلا من ثلاثة: خرقة كفى بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحرّ والبرد» وقال ابن كثير: تفرد به أحمد (في سوى هذه الخصال) ظاهره استعمال سوى غير ظرف فيكون متصرفاً بوجوه الإعراب كغير، وهذا ما ذهب إليه ابن مالك وصححه في أكثر
كتبه وبالغ في نصرته في «شرح التسهيل» ، لكن قال أبو حيان: لا سلف له في ذلك إلا الزجاجي. واستدل ابن مالك بشواهد من الحديث وغيره شعراً ونثراً، ونازعه أبو حيان بأنه لا حجة له في ذلك، ومذهب سيبويه والبصريين أنها لا تخرج عن الظرفية المكانية إلا في الشعر، وصححه ابن الحاج في «سبك المنظوم» وجرى عليه العاقولي هنا فقال موصوف سوى محذوف: أي شيء سوى هذه الخصال، والمراد هنا ما يحصل للرجل ويسعى في تحصيله (بيت) رأيته مضبوطاً بالقلم في أصل مصحح بالرفع على القطع بإضمار مبتدأ: أي هي، ويجوز إن لم تصدّ عنه الرواية نصبه بإضمار أعني، ويجوز جرّه على الإتباع، وهذه الأوجه جارية في بدل المفصل من المجمل إذا استوفى العدة، وجملة (يسكنه) في محل الصفة احترازاً عن بيت يعده للكراء فإن ذلك من اتخاذ الضيعة المنهيّ عنه بما تقدم في حديث ابن مسعود (وثوب يواري) أي يستر (عورته) يجوز أن يراد من العورة ما يجب ستره في نحو الصلاة، فلا يدخل فيه ستر ما عدا ما بين السرّة والركبة من......
الرجل والأمة وأن يراد به ما يجب ستره في الرجال عن النساء الأجانب فيشمل ذلك ولعل الثاني أقرب سيما إن كان تركه مخلاً بالمروءة فلا يكون لبسه من حظوظ النفس بل من حقوقها، ويؤيده أنهم أوجبوا على المعتمد في كفن الميت ساتر جميع بدنه لا العورة فقط وأصل العورة الخلل، ومنه أعور المكان ورجل أعور (وجلف) بكسر الجيم وسكون اللام، وقال في «النهاية» : ويروى بفتح اللام جمع جلف: وهي الكسرة من الخبز. قلت: وعليه يكون كحلق بكسر ففتح في جمع حلقة بفتح فسكون (الخبز والماء: رواه الترمذي وقال: حديث صحيح) قال في «الجامع الصغير» : ورواه الحاكم في «مستدركه» . وفي «النهاية» حديث عثمان «إن كل شيء سوى جلف الطعام وظل وثوب وبيت يستر فضل» (قال الترمذي: وسمعت أبا داود سليمان) بصيغة التصغير (ابن أسلم) بفتح الهمزة فسكون المهملة (البلخي) بفتح الموحدة فسكون اللام بعدها معجمة نسبة إلى بلخ: بلد معروف، ويقال له المصاحفي نسبة إلى عمل المصاحف، والترمذي تارة بصفة بتلك وتارة بهذه كما بينته في باب الكنى من حرف الدال من كتابي في «أسماء رجال الشمائل» (يقول سمعت النضر) بإعجام الضاد في مقدمة «فتح الباري» ما كان
بهذه الصورة معرّفاً بالإعجام ومنكرّاً بالإهمال (ابن شميل) بضم المعجمة وفتح الميم وسكون التحتية. والنضر هو الإمام الكبير الشأن، في علوم العربية، وقد ذكرت ترجمته في كتابي المذكور آنفاً (يقول: الجلف) أي بكسر فسكون اسم مفرد (الخبز ليس معه إدام. وقال غيره: هو غليظ الخبز) أي وإن كا معه إدام وهذا الغير هو الليث كما في «تكملة الصحاح» للصغاني، وعبارته قال: قال الليث: الجلف فحال النخل، والجلف أيضاً من الخبز الغليظ اليابس اهـ. ويحتمل أن يكون غيره لأن المحكي هنا أعم مما حكي عنه، لأنه اعتبر فيه أمرين: الغلظ واليبس، والمحكي عن الغير هو الأول فقط (وقال الهروي) صاحب كتاب الغريبين (المراد به هنا وعاء الخبز كالجوالق) بضم الجيم، قال في......
«الصحاح» : الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب إلا أن تكون معربة أو حكاية صوت نحو الجردقة وهي الرغيف، وذكر ألفاظاً إلى أن قال: والجوالق بضم الجيم: وعاء، والجمع الجوالق بالفتح والجواليق بالياء أيضاً اهـ. (والخرج) بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وبالجيم قال في «المصباح» : وعاء معروف عربي صحيح والجمع خرجة نحو عنبة اهـ. وفيه أيضاً قبل الجلف: كل ظرف ووعاء، وهذا القول الذي حكاه المصنف أعرض عن ذكره العاقولي في «شرح المصابيح» والحافظ السيوطي في «حاشية الترمذي» والعلقمي في حاشية «الجامع الصغير» ، وكأنه لبعده عن مقام الحديث لأن المراد به التحريض على الزهد وأخذ الوعاء لنحو الخبز إنما يكون عادة عند نحو ادخار واهتمام به، وذلك خلاف المقصود والله أعلم. وكأن من حمل الحديث عليه يمنع كون ذلك عادة عند الادخار بل يكون لنحو ما يحفظ لوقت آخر من اليوم مثلاً، والله أعلم.......
٢٧٤٨٢ - (وعن عبد الله بن الشخير بالشين والخاء المشددة المعجمتين) كأنه وجه إفراد المشددة وتثنية ما بعده مع أن الوصفين سيان الاكتفاء بكون الشين لا ينطق بها إلا كذلك لأن اللام تبدل منها وتدغم فيها، وليس في الخاء ما يدل على وجوب ذلك فيها فنبه على ما يحتاج إلى التنبيه. وأيضاً فتشديد الشين عارض عند دخول أل فيه بخلاف تشديد الخاء، وعبارة «تبصير المنتبه في تحرير المشتبه» للحافظ ابن حجر: شخيّر بالكسر وتشديد الخاء المعجمة بعدها ياء ثم راء عبد الله بن الشخير له صحبة وأولاده اهـ. والظاهر أن أل فيه
مقارنة النقل فتكون لازمة والله أعلم. وعبد الله (رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب فضل البكاء من خشية الله تعالى (أنه قال) بفتح الهمز مبتدأ خبره الظرف قبله: أي وعنه قوله (أتيت النبي وهو يقرأ) جملة في محل الحال من المفعول (ألهاكم التكاثر) أي السورة المسماة بما ذكر لكونه صدرها (قال) أي النبيّ بعد إتمامها كما عند النسائي حتى ختمها (يقول ابن آدم) أتى بصيغة المضارع إيماء إلى أن هذا القول ديدنه ودأبه بحسب طبعه (مالي مالي) أي مالي هو الذي أعتني به وأهتم، فالتكرار لفظاً للتعظيم والاهتمام: قال الحافظ في «الفتح» : لأن المبتدأ والخبر إذا كانا متحدين فالمراد به بعض اللوازم (وهل لك) المعطوف عليه مخاطب مقدر: أي أتقول ذلك (يا ابن آدم) وتهتم بأمره وهل لك (من دنياك) التي اهتممت بأمرها واحتفلت بشأنها والاستفهام فيه للإنكار: أي مالك منها على الحقيقة (إلا ما أكلت فأفنيت) فوصل نفع ذلك إلى أجزاء البدن واستقام به أمرها (أو لبست) بكسر الموحدة (فأبليت) من الإبلاء: إخلاق الجديد (أو تصدقت) على محتاج قاصداً وجه الله تعالى (فأمضيت) قال في «المصباح» : أمضيت الأمر أنفذته اهـ. والمراد أمضيت التصدق ونجزته فأبقيت ثوابه مدخراً لك عند المولى. وملخصه: ما لك من دنياك إلا ما انتفعت به في دنياك بأن أكلت أو لبست أو أخرت بأن تصدقت، وما......
عدا ذلك من باقي المال فإنما أنت فيه بمنزلة الخادم الخازن لغيره كما تقدم في حديث «أيكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله» ففيه تحريض على الزهد عن جمع الدنيا والعروض عنها وتحرض على الاقتصار على ما تدعو إليه ضرورة الحياة وادخار ما عداه عندالله، وما أحسن قول بعضهم: اجعل ما عندك ذخيرة لك عند الله واجعل الله ذخيرة لأولادك، (رواه مسلم) في «صحيحه» ، ورواه الترمذي في الزهد وقال: حسن صحيح، والنسائي في الوصايا وفي التفسير.......
٢٨٤٨٣ - (وعن عبد الله بن مغفل) بصيغة اسم المفعول من التغفيل بالغين المعجمة والفاء،
قال المصنف في «التهذيب» : هو أبو سعيد، وقيل أبو عبد الرحمن وأبو زياد عبد الله بن مغفل بن عبد غنم، وقيل ابن عبد نهم بن عفيف بن أسحم بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار، المزني البصري (رضي الله عنه) ومزينة امرأة عثمان بن عمرو نسبوا إليها، وهي مزينة بنت وهب بن وبرة، فولد عثمان يقال لهم مزنيون، وكان عبد الله من أهل بيعة الرضوان قال: إني لمن رفع أغصان الشجرة عن رسول الله، سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة وابتنى بها داراً قرب الجامع قال الحسن: ما نزل البصرة أشرف منه، وقد تقدمت ترجمته وذكر بعض مناقبه وعدة ماله من الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في باب المحافظة على السنة وقد ذكرت زيادة على ذلك في ترجمته في كتابي في «رجال الشمائل» (قال: قال رجل) قال ابن أقبرس في «شرح الشفاء» : هذا الرجل من المجاهيل. قلت: ويجوز أن يكون أبا سعيد الخدري، ففي «الشفاء» وقد قال لأبي سعيد «إن الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من السيل من أعلى الوادي أو الجبل إلى أسفله» ثم أورد حديث ابن مغفل المذكور وقال بعد ذكره إلى قوله تجفافاً، ثم ذكر نحو حديث أبي سعيد بمعناه، ثم رأيت الحافظ السيوطي في تخريج أحاديث «الشفاء» جزم بأن حديث أبي سعيد بعض حديث ابن مغفل فهو يقوي ما فهمناه من تفسير المبهم بأبي سعيد، والله أعلم. (للنبي) اللام فيه للتبليغ (يا رسول الله وا إني لأحبك) لعل ذكر المؤكدات لزيادة تثبيت مضمون الخبر عنده خصوصاً إن قلنا: إنه أبو سعيد أو غيره من خلّص المؤمنين، وإن كان من المنافقين ثم صدق في إيمانه فلإذهاب ما توهم من حاله السابق (فقال: انظر ما تقول) يرد منه الاستكشاف عن حقيقة قوله، ولذا علقه بالشرط الآتي، وفي الاصطفاء انظر ماذا تقول: أي تأمله، وتذكر فيه فإنك رمت خطة عظيمة ومشقة وخيمة تورثك خطراً يجعلك هدفاً لبلايا فظيعة ورزايا......
وجيعة، فأمره بالنظر ليوطن نفسه على ما يرهقه عسراً أو يكلفه أمراً إصراً اهـ. ولا يخفى ما فيه (قال: وا إني لأحبك) وقال الدلجى مؤكداً بالقسم والتكرير (ثلاث مرات) وهو ظرف لقال (فقال: إن كنت تحبني) أتى بإن الدالة على عدم الجزم مع تأكيد المتكلم بالمؤكدات السابقة، إما لعدم علمه بحال القائل عند معرفته بثمرة المحبة بعد ذكرها له، فلعله يرجع عن ذلك لعدم ثباته كما قال تعالى:
{ومن الناس من يعبد الله على حرف} (الحج: ١١) الآية، أو تحريضاً على
الصبر على نتائج دعواه كقول الوالد لابنه: إن كنت ولدي فأطعني (فأعد) بتشديد الدال أمر من الإعداد: أي فهيء (للفقر تجفافاً) قال ابن أقبرس: المعنى أن يرفض الدنيا ويزهد فيها ويستتر عن استنمائها بمثل التجفاف كما يستتر بالترس في الحرب عن آثار السلاح التي هي آلة الجراح اهـ. ففيه استعارة كما يأتي، وعلل ما ذكره بقوله على سبيل الاستئناف البياني (فإن الفقر) أتى به ظاهراً والمقام للضمير زيادة لتمكينه عند سامعه (أسرع إلى من يحبني) زاد في حديث أبي سعيد المذكور آنفاً قوله: منكم، فيحتمل أن يكون له مفهوم، ويحتمل أن لا، لأن خطابه لما كان معهم ذكره لا لتخصيصهم بذلك والثاني أقرب (من السيل إلى منتهاه) أي من مكان وصول السيل إلى الجبل، أو أعلى الوادي إلى منتهاه من أسفل الجبل أو آخر الوادي، وإنما كان كذلك لأن الناس على دين ملوكهم. ولما كان أزهد الناس في الدنيا بشهادة حديث ملك الجبال إن شئت جعل الله لك الأخشين ذهباً فأبى» وحديث «عرض عليه ربه أن يجعل له بطحاء مكة ذهباً فقال: لا يا رب، ولكني أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» كان المحب التابع له أسرع إلى اتصافه بما هو متصف به من السيل كما قال لقوة الرغبة وصدق المحبة، ولأن المحب يجب أن يتصف بصفات المحبوب، فالمرء مع من أحب، ومولى القوم منهم في الخير والشر، فمن أحب......
أن يكون معهم في نعيم الآخرة فليصبر كما صبروا في الدنيا عن شهواتها، لكن هذا مقام عال شريف لا يقدر عليه إلا الأفراد، فلذا قال له انظر ماذا تقول: أي إنك قد ادعيت أمراً عظيماً يستدعي الصبر على أمر عظيم قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (آل عمران: ١٤٢) (رواه الترمذي وقال حديث حسن) وفيه بعد قوله حسن: غريب. وأسقطه المصنف لأن الغرابة النسبية لا تضر في الحكم بالحسن.
(التجفاف بكسر التاء المثناة فوق وإسكان الجيم وبالفاء المكررة، وهي) أنث الضمير باعتبار المعنى فإنها في معنى السترة (شيء يلبسه) بالبناء للمجهول من ألبس ومفعوله الثاني الضمير، قدم لكونه ضميراً متصلاً على مفعوله الأول الذي أقيم مقام الفاعل وهو (الفرس) ويجوز أن يقرأ بفتح التحتية وبالموحدة مبنياً للفاعل من
لبس بكسر الموحدة (ليتقي به الأذى) أي أن يصيبه من السلاح شيء من الجراح، وقد يلبسه الإنسان، ظاهره أن التجفاف معدّ لثوب يلبسه الفرس (وقد يلبسه الإنسان) وعلى ذلك جرى العاقولي فقال: وقد يلبسه الإنسان أيضاً ولعله تبع فيه المصنف، والذي في «المصباح» : التجفاف تفعال بالكسر شيء يلبسه الفرس عند الحرب كأنه درع والجمع تجافيف، قيل سمي به لما فيه من الصلابة واليبوسة. وقال ابن الجواليقي: التجفاف معرب ومعناه ثوب البدن، وهو الذي يسمى في عصرنا بركصطوان اهـ. وفي «شرح الشفاء» لابن أقبرس قال أبو عليّ: التاء زائدة، وأشار العاقولي إلى أن في الحديث استعارة مكنية تتبعها استعارة تخييلية بقوله شبه الفقر بالسهم الصائب والسيف القاطع والرمح النافذ، وشبه صبره عليه بالتجفاف الذي يلبسه الإنسان أو يلبسه فرسه ليقيه ذلك: أي فالتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية وإثبات التجفاف استعارة تخييلية.......
٢٩٤٨٤ - (وعن كعب بن مالك) الأنصاري أحد الثلاثة الذين خلفوا فنزلت توبتهم في آية آخر سورة التوبة وتقدمت ترجمته (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ما) نافيه حجازية كما اقتصر عليه الطيبي ويجوز كونها تميمية لأن الباء تزاد في خبر كل منهما خلافاً لأبي علي والزمخشري زعما اختصاص الباء بلغة الحجاز، قال ابن هشام في «المغني» : أوجب الفارسي والزمخشري في نحو {ما الله بغافل} كون ما حجازية ظناً أن المقتضى لزيادة الباء نصب الخبر، وإنما المقتضى نفيه لامتناعها في نحو كان زيد قائماً وجوازها في: لم أكن بأعجلهم. وفي ما إن زيداً بقائم اهـ. (ذئبان جائعان أرسلا) بالبناء للمجهول (في غنم) متعلق به، وهذان وصفان لذئبان مفرد وجملة فهو كقوله تعالى: {وهذا كتاب مبارك أنزلناه} (الأنعام: ١٥٥) (بأفسد لها) أي بأكثر فساداً للغنم وأنث ضميرها لاعتبار الجنسية فيها (من) فساد (حرص المرء على المال) متعلق بحرص ومن فساد هو المفضل عليه (والشرف) أي الجاه معطوف على المال واللام، في قوله (لدينه) لام البيان كهي في قوله تعالى: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} (البقرة: ٢٣٣) كأنه قيل لمن؟ قال لمن أراد. وكذا هنا كأنه قيل بأفسد لأي شيء فقيل
لدينه ولا يصح جعلها متعلقة بأفسد لأنه لا يجوز تعلق حرفي جرّ بلفظ واحد ومعنى واحد بعامل واحد إلا على سبل البدل (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) قال في «الجامع الصغير» : ورواه أحمد من حديث كعب أيضاً.......
٣٠٤٨٥ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير) قال في «المصباح» : هو البارية وجمعه حصر مثل بريد وبرد وتأنيثه بالتاء عامي اهـ: وفي «الشفاء» من حديث، عن حفصة «وكان ينام أحياناً على سرير مومول بشريط حتى يؤثر في جنبه» قال السيوطي في تخريجه: رواه الشيخان من حديث طويل عن عمر والترمذي وابن ماجه (فقام) أي استيقظ واستوى جالساً (وقد أثر) أي الحصير (في جنبه) فإن بدنه الشريف كان ألين من الحرير. وفي الحديث عن أنس «ولا مسست خزاً ولا حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله؟ والجملة في محل الحال من فاعل قام (فقلنا) أي الحاضرون الذين منهم ابن مسعود، ويبعد أن يريد نفسه فقط، ولا يشهد له ما سيأتي عن ابن ماجه من قول ابن مسعود «فقلت» كما هو ظاهر (لو اتخذنا لك وطاء) بكسر الواو وبالمد بوزن كتاب قال في «المصباح» هو الوطىء وقد وطؤ الفرش بالضم فهو وطىء كقرب فهو قريب. وجواب لو محذوف: أي لا استراح بذلك أو نحو ذلك، وعند ابن ماجه «فقلت: يا رسول الله لو كنت آذنتنا ففرشنا لك شيئاً يقيك» (فقال مالي وللدنيا) قال الأنطاكي في حواشي «الشفاء» : قيل يجوز أن تكون «ما» نافية: أي ليس لي ألفة ومحبة لي وللدنيا حتى أرغب فيها، ويجوز أن يكون التقدير: أي شيء حالي مع الميل للدنيا اهـ: أي فتكون ما استفهامية والمعنى: أي شيء لي ولها: أي جامع فأشتغل بها. وقال الدلجي: هو استفهام بمعنى النفي: أي لا أرب فيها (ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها) وذلك لأن الدنيا ليست دار قرار ولا منزل استقرار إنما هي دار عبور يقطعها السائر إلى ميادين الآخرة، فالإنسان فيها بمثابة
المسافر النازل في أثناء سفره تحت شجرة يطلب ظلالها من حرّ الشمس، ثم إذا ذهبت الشمس وإذا جلس تحت الشجرة منها راح عن الشجرة: أي سار بعد الزوال وتركها، ففيه أتم إرشاد إلى ترك الاهتمام بعمارة الدنيا والاشتغال......
بتحصيلها وحث وحض على الاعتناء بعمارة منزل العبد من الدار الآخرة وتحصينه، وبا التوفيق (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) قال في «الجامع الصغير» بعد إيراد الحديث المرفوع: رواه أحمد وابن ماجه والحاكم والضياء كلهم عن ابن مسعود.
٣١٤٨٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام) لحبس الأغنياء تلك المدة في الموقف حتى يحاسبوا عما خولوه من الغنى من أين اكتسبوه وفيم أذهبوه كما سيأتي في حديث أسامة. قال العاقولي: وجه الجمع بين هذا الحديث وقوله في حديث عائشة «إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً» أن الأربعين أريد بها تقدم الفقير الحرص على الغني الحريص، وأريد بالخمسمائة تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب، فكان الفقير الحريص على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد، وهذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة، لأن الخمسمائة عشرون مضاعفة خمساً وعشرين مرة والأربعون عشرون مضاعفة مرة، فالأربعون خمساً خمس الخمسمائة التي هي نصف يوم فيكون الأربعون خمس خمس اليوم الذي هو ألف سنة.c وحاصله أن الفقير الحريص يسبق الغني الراغب بخمس خمس يوم، والفقير الزاهد يسبقه بنصف يوم اهـ. وفي «حاشية الترمذي» للسيوطي وروى محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن الخلال في كتابه «فضل الفقير على الغني» حديث أنس بن مالك قال «بعث الفقراء إلى رسول الله» الحديث، وفيه «يدخل الفقير الجنة قبل الغني بنصف يوم وهو خمسائة عام» قال الحارث: قال سفيان يفسره «إن للجنة ثمانية أبواب ما بين الباب إلى الباب خمسمائة عام لكل باب أهل فينسى الغنى فيجيء إلى باب غيره فيقول البواب: ارجع إلى بابك، فيرجع إلى بابه وهو مسيرة خمسمائة عام» اهـ. (رواه الترمذي وقال: حديث حسن
صحيح) هذا وقد ذكر ابن كثير في «تفسيره» أثراً عن ابن عباس قال: إنما هي ضحوة فتقيل أولياء الله على......
الأسرة مع الحور العين وتقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين، وقول سعيد بن جبير «يفرغ الله من الحساب نصف النهار فيقيل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال تعالى: {أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً} (الفرقان: ٢٤) ثم نقل نحوه عن عكرمة، وأن ذلك للفريقين في الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة ثم روي عن ابن مسعود «لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ {أصحاب الجنة} (البقرة: ٨٢) الخ وقوله تعالى: {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} (الصافات: ٦٨) وروى آثاراً أخر. قلت: وهذا كله لا يخالف حديث الباب فإن الله تعالى يطول ذلك الزمان حتى يكون على الكافر قدر خمسين ألف عام، ويرى الغني أنه تأخر في الموقف عن الفقير بعد دخوله خمسمائة عام. وا على كل شيء قدير.......
٣٢٤٨٧ - (وعن ابن عباس وعمران) بكسر العين المهملة (ابن حصين) بضم المهملة وفتح الثانية وسكون التحتية آخره نون وسبقت ترجمتها، وقوله (رضي الله عنهم) لأنهما صحابيان ابنا صحابيين (عن النبي قال: اطلعت) بتشديد الطاء المهملة: أي أشرفت. وقال العاقولي: ضمن معنى تأملت (في الجنة) يحتمل أن يكون ذلك فيه وفيما بعده ليلة الإسراء، ويحتمل أن يكون لما كشف له في صلاته في الكسوف. والله أعلم (فرأيت) أي علمت فلذا عدى لمفعولين (أكثر أهلها الفقراء) قال ابن بطال: لا يوجب فضل الفقير عن الغني وإنما معناه الفقراء في الجنة أكثر من الأغيناء فأخبر عن ذلك، وليس الفقر أدخلهم الجنة إنما دخلوا بصلاحهم معه، فالفقير إذا لم يكن صالحاً لا يفضل، حكاه عنه الحافظ في «الفتح» . قال العلقمي: ظاهر الحديث التحريض على ترك التوسع في الدنيا. قلت وهو الذي فهمه المصنف، ولذا أورد الخبر في باب فضل الزهد في الدنيا (واطلعت في النار
فرأيت أكثر أهلها النساء) فيه التحريض لهن على المحافظة على أمر الدين ليسلمن من النار، قال الحافظ: وفي حديث أبي سعيد عند مسلم في صفة أدنى أهل الجنة «ثم يدخل عليه زوجتاه» ولأبي يعلى عن أبي هريرة «فدخل الرجل على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشىء الله زوجتين من ولد آدم» واستدل أبو هريرة بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال كما أخرجه عنه مسلم في «صحيحه» وهو واضح، لكن يعارضه قوله في حديث الكسوف «أكثر أهل النار» . ويجاب بأنه لا يلزم من كون أكثرهن في النار، نفى كون أكثرهن في الجنة لكن يشكل عليه حديث اطلعت الخ، ويحتمل أن الراوي رواه بالمعنى الذي فهمه من أن كونهن أكثر ساكني النار يلزم منه كونهن أقل ساكني الجنة وليس ذلك بلازم لما قدمته، ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة والله أعلم. قال شيخ الإسلام زكريا: ويجاب أيضاً بأن المراد بكونهن أكثر أهل النار نساء الدنيا وبكونهن أكثر أهل......
الجنة نساء الآخرة فلا تنافي اهـ. (متفق عليه من رواية ابن عباس) قال الحافظ المزي في «الأطراف» : رواه البخاري في النكاح تعليقاً قلت: قال الحافظ في «نكته» عليه: هذا التعليق في كتاب الرقاق لا في كتاب النكاح، وقال في النكاح: تابعه أيوب ومسلم بن زيد كذا هو في الأصول قال: ورواه مسلم في الدعوات من «صحيحه» ، ورواه الترمذي في صفة جهنم وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في عشرة النساء من «سننه» اهـ ملخصاً. وفي «الجامع الصغير» حذف رمز البخاري من رواته وكأنه سهو وزاد فيه ورواه أحمد (ورواه البخاري) في صفة الجنة، وفي النكاح وفي الرقاق (أيضاً) أي دون مسلم (من رواية عمران بن حصين) والراوي للحديث عنهما هو أبو رجاء عمران بن تيم، وقد رواه من حديث عمران أيضاً الترمذي في صفة جهنم والنسائي في عشرة النساء والرقاق، قال المزي بعد أن ذكر اختلاف الرواة عن عوف فقال: بعضهم عن أبي رجاء عن عمران، وقال أيوب عن أبي رجاء عن ابن عباس وكلا الإسنادين ليس فيه مقال ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمعه منهما، والله أعلم.......
٣٣٤٨٨ - (وعن أسامة) بضم الهمزة (ابن زيد) بن حارثة الحب ابن الحب تقدمت ترجمته في باب الصبر في أوائل الكتاب (رضي الله عنهما عن النبي قال: قمت على باب الجنة) أي لأنظر أهلها أو لأمر آخر اقتضى القيام ثمة (فكان عامة) قال في «المصباح» هم خلاف الخاصة والجمع عوام كدابة ودواب والهاء في عامة التأكيد اهـ. وفي كتاب «تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم» للحافظ العلائي، وأما عامة مثل فعله عامة الناس فلا ريب أنه من صيغ العموم كيف وهو من مادته وبنيته، والعموم معناه الشمول والإحاطة وهو خلاف الخصوص وهذا ظاهر لا حاجة إلى الاستشهاد إليه اهـ. وعليه فالمعنى فإذا عموم (من دخلها المساكين) جمع مسكين، والمراد به ما يشمل الفقير أي المحتاج. ويجوز من حيث صناعة الإعراب رفع المساكين على أنه اسم كان مؤخراً ونصب عامة على أنه خبرها مقدم ويجوز العكس (وأصحاب الجد محبوسون) أي في الموقف عن دخول الجنة لحياسبوا عمّا كانوا فيه من الغنى تحصيلاً وتضييعاً والفقراء سالمون من ذلك (غير) بالنصب على الاستثناء (أن أصحاب النار) أي منهم (قد أمر بهم إلى النار) والمعنى لكن أصحاب النار منكم غير محبوسين. وفي «المفاتيح» أصحاب النار هم الكفار (قد أمر بهم إلى النار) أي لا يوقفون في العرصات بل يؤمرون بدخول النار فالاستثناء منقطع، وكذا قال العاقولي: غير بمنى لكن والمغايرة بحسب التفريق، فإن القسم الأول: أي والمراد به المؤمنون من بمعنى وفقير بعضهم محبوس وهو ذو الجد وبعضهم غير محبوس وهو الفقير، والقسم الثاني غير محبوسين، ويدل على أن القسم الأول بعضه محبوس، قوله في الحديث عن صعاليك المهاجرين «إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم» ، فلولا ذلك الحبس للأغنياء لدخلوا جميعاً (متفق عليه) قال المزي في «الأطراف» : رواه البخاري في النكاح. قلت: زاد الحافظ في «نكته» عليه وفي الرقاق قال المزي: ورواه مسلم آخر كتاب الدعوات، ورواه النسائي في عشرة......
النساء من «سننه» ، وفي المواعظ والرقائق منها وهما ليسا من «سنن النسائي» في الرواية اهـ. ملخصاً، وقال السيوطي في «الجامع الصغير» : ورواه أحمد في «مسنده» (الجد) بفتح الجيم وتشديد الدال المهملة (الحظ والغنى. وقد سبق بيان هذا الحديث) بزيادة
في آخره «وقمت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء» (في باب فضل الضعفة) وتقدم شرح الحديث ثمة أيضاً بما بينه وبين ما هنا عموم وخصوص.
٣٤٤٨٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: أصدق كلمة) أي أكثر جملة مفيدة مطابقة للواقع وجملة (قالها شاعر) في محل الصفة لكلمة احترز بها عن قول الله سبحانه وأقوال أنبيائه عليهم الصلاة والسلام فتلك أصدق، والمراد بالتفضيل ما عدا ذلك وإطلاق الكلمة على الجمل المفيدة هو في اللغة وتخصيصها بالقول المفرد عرف طارىء وليس للشارع اصطلاح خاص في إطلاق الكلمة فتحمل على معناها اللغوي لكن مقتضى كلام النحاة أن إطلاق الكلمة على الجمل المفيدة مجاز مرسل من إطلاق اسم الجزء على الكل، وجوّز بعضهم كونه استعارة مصرحة بأن شبهت الجملة في توقف الإفادة على جميع أجزائها بتوقف فهم معنى الكلمة على جميع حروفها فأطلق اسم المشبه على المشبه به حينئذٍ فتكون القرينة في الحديث على إرادة المجاز منها ما فسر به الخبر من شرط البيت (كلمة) بفتح الكاف وكسر اللام لغة أهل الحجاز وهي أفصح من فتح الكاف وكسرها مع سكون اللام فيهما وهما لغة تيم، ويكفي في تغاير المبتدأ والخبر التغاير بحسب الإضافة (لبيد) بفتح اللام وكسر الموحدة وسكون التحتية ثم دال مهملة، وهو ابن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان العامري، هكذا ذكر نسبه أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في «تاريخه» ، وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم وحسن إسلامه وكان من............
فحول شعراء الجاهلية وكان من المعمرين عاش مائة وأربعاً وقيل وسبعاً وخمسين سنة. وقال السمعاني: مات أول خلافة معاوية وله مائة واثنان وأربعون سنة، ولم يقل شعراً بعد إسلامه، وكان يقول أبدلني الله به القرآن وقيل قال بيتاً واحداً.
ما عاتب المرء الكريم لنفسه
والمرء يصلحه القرين الصالح
وقال جمهور أصحاب السير والأخبار لم يقل شعراً منذ أسلم، وقال عمر بن الخطاب
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار» . فينبغي للمؤمن أن لا يزهد في القليل من الخير بالفعل والقول، وأن يجتنب الشر قليله وكثيره.
٥٤- باب فضل البكاء من خشية الله تَعَالَى وشوقاً إِليه
قَالَ الله تَعَالَى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء (١٠٩) ] .
أي: يزيدهم سماع القرآن إيمانًا وخضوعًا لله عزَّ وجلّ، كما قال تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم (٥٨) ] .
وفي الحديث: «حُرَّمت النار على ثلاثة أعين: عين بكت من خشية الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله» .
وقال تَعَالَى: {أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ} [النجم (٥٩، ٦٠) ] .
يخبر تعالى عن المشركين أنهم ينكرون القرآن، ويستهزؤون به، ولا يبكون، بخلاف المؤمنين، فإنهم إذا سمعوا القرآن زادهم إيمانًا واقشعرت جلودهم، ولانت قلوبهم، وبكوا لما فيه من الوعد والوعيد.
[٤٤٦] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ لِي النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اقْرَأْ عليَّ القُرْآنَ» قلت: يَا رسول اللهِ، أقرأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيرِي» . فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سورةَ النِّسَاءِ، حَتَّى جِئْتُ إِلى
هذِهِ الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئْنَا بِكَ
عَلَى هؤُلاءِ شَهيداً} [النساء (٤١) ] قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ» . فَالَتَفَتُّ إِلَيْهِ فإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفَان. متفقٌ عَلَيْهِ.
قال البخاري: باب البكاء عند القرآن، وأورد الحديث.
قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين، وشعار الصالحين.
قال الحافظ: بكى - صلى الله عليه وسلم - رحمة لأمته، لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيمًا فقد يفضي إلى تعذيبهم، والله أعلم.
وفي الحديث: استحباب عرض القرآن على الغير، وجواز الأمر بقطع القرآن للمصلحة.
[٤٤٧] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، فقال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَليلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً» قَالَ: فَغَطَّى أصْحَابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وُجُوهَهُمْ، وَلَهُمْ خَنِينٌ. متفقٌ عَلَيْهِ. وَسَبقَ بَيَانُهُ في بَابِ الخَوْفِ.
في هذا الحديث: بيان أن من كان بالله أعرف كان منه أخوف قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر (٢٨) ] .
[٤٤٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في
سبيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
في هذا الحديث: فضل البكاء من خشية الله تعالى، لأن الخشية تحمله على
امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فلا يدخلها بوعده الصادق إلا تحلة القسم.
[٤٤٩] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابّا في الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقال: إنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُه مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً ففاضت عَيْنَاهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
[٤٥٠] وعن عبد الله بن الشِّخِّير - رضي الله عنه - قَالَ: أتيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي ولِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ.
حديث صحيح رواه أَبو داود والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح.
في هذا الحديث: دليل على كمال خوفه - صلى الله عليه وسلم -، وخشيته لربه، وذلك ناشئ عن عظيم الرهبة والإِجلال لله سبحانه وتعالى.
[٤٥١] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأُبَي بن كعب - رضي الله عنه - «إنَّ الله - عز وجل - أَمَرَنِي أنْ أقْرَأَ عَلَيْكَ: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَروا ... } قَالَ: وَسَمَّانِي لك؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَبَكَى أُبَيٌّ. متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي.
بكاء أُبَيّ رضي الله عنه فرحًا، وخشوعًا، وخوفًا من التقصير، واستحقارًا لنفسه، قيل: الحكمة في تخصيصها بالذكر لأن فيها {يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً} ، وفي تخصيص أُبَيّ التنويه به في أنه أقرأ الصحابة.
وقال ابن كثير: قرأها عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قراءة إبلاغ، وتثبيت، وإنذار، لا قراءة تعلم واستذكار، كما قرأ على عمر بن الخطاب سورة الفتح يوم الحديبية.
[٤٥٢] وعنه قَالَ: قَالَ أَبو بكر لِعُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انْطَلِقْ بِنَا إِلى أُمِّ أيْمَنَ رضي الله عنها نَزورُهَا، كَمَا كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَزُورُها، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فقالا لها: مَا يُبْكِيكِ؟ أمَا تَعْلَمِينَ أنَّ مَا عِنْدَ الله تَعَالَى خَيرٌ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -! قالت: إني لا أبكي أني لا أَعْلَمُ أنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وَلكِنِّي أبكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَد انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ؛ فَهَيَّجَتْهُما عَلَى البُكَاءِ، فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا. رواه مسلم، وقد سبق في بابِ زِيارَةِ أهلِ الخَيْرِ.
أم أيمن مولاة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي أم أسامة بن زيد.
وفي الحديث: جواز البكاء حزنًا على فراق الصالحين، وفقد العلم.
[٤٥٣] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وَجَعُهُ، قِيلَ له في الصَّلَاةِ، فقال: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» . فقالت عائشة رضي الله عنها: إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ غَلَبَهُ البُكَاءُ، فقال: «مُرُوهُ فَليُصَلِّ» .
وفي رواية عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قلت: إنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
فيه: دليل على استحباب البكاء عند قراءة القرآن، قال الله تعالى: ... {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال (٢) ] .
[٤٥٤] وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أنَّ عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أُتِيَ بطعام وكان صائِماً، فقال: قُتِلَ مُصْعَبُ بن عُمَيْر - رضي الله عنه - وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يوجَدْ له مَا يُكَفَّنُ فيهِ إلا بُرْدَةٌ إنْ غُطِّيَ بِهَا رَأسُهُ بَدَتْ رِجْلاهُ؛ وَإنْ غُطِّيَ بِهَا رِجْلَاهُ بَدَا رَأسُهُ، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَو قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - قَدْ خَشِينا أنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبكِي حَتَّى تَرَكَ الطعَام. رواه البخاري.
هذا البكاء من مزيد خوفه من الله تعالى، وشدة خشيته، وعدم نظره إلى عمله.
[٤٥٥] وعن أَبي أُمَامَة صُدَيِّ بن عجلان الباهلي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إِلى اللهِ تَعَالَى مِنْ قطْرَتَيْنِ وَأثَرَيْنِ: قَطَرَةُ دُمُوع مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَقَطَرَةُ دَمٍ تُهَرَاقُ في سَبيلِ اللهِ. وَأَمَّا الأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ في ... سَبيلِ اللهِ تَعَالَى، وَأَثَرٌ في فَريضةٍ مِنْ فَرائِضِ الله تَعَالَى» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
في هذا الحديث: فضل البكاء من خشية الله، والجهاد في سبيل الله، وكثرة الخطا إلى المساجد.
وفي الباب أحاديث كثيرة منها:
[٤٥٦] حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قَالَ: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَوعظةً وَجلَتْ منها القُلُوبُ، وذرِفت منها الْعُيُونُ. وقد سبق في باب النهي عن البدع.
لفظ الحديث: «وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإِنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإِياكم ومحدثات الأمور، فإِن كل محدثة بدعة» .
[٥٥- باب فضل الزهد في الدنيا]
والحث عَلَى التقلل منها، وفضل الفقر
قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيهَا أتَاهَا أمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس (٢٤) ] .
أصل الزهد الرضا عن الله عزَّ وجلّ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنَّعه الله بم أتاه» .
وسُئل الزهري عن الزاهد، فقال: من لم يغلب الحرام صبره، ومن لم يشغل الحلال شكره.
وهذه الآية مثلٌ ضَرَبَهُ الله تعالى لزينة الدنيا، وسرعة زوالها، وفنائها.
وقال تَعَالَى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ
فَاخْتَلَطَ بهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف (٤٥، ٤٦) ] .
قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: المال والبنون حرث الدنيا، والأعمال الصالحاتُ حرثُ الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوام.
وقال تَعَالَى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ
يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله ورِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الغُرُورِ} [الحديد (٢٠) ] .
الكفار أشد إعجابًا بزهرة الدنيا، وأما المؤمن فإذا رأى معجبًا انتقل فكره إلى قدره الله، وعلم أنه زائل، وقال: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .
وقوله تعالى: {وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران (١٨٥) ] ، أي: كمتاع يدلس به على المستام فيُغَر ويشتريه، فمن اغترَّ بها وآثرها فهو مغرور.
وقال تَعَالَى: {زُيِّنَ لِلْنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المآبِ} [آل عمران (١٤) ] .
في هذه الآية تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة.
وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الْدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ} [فاطر (٥) ] .
أي: لا يذهلكم التمتع بالدنيا عن طلب الآخرة، والسعي لها، ولا يغرنكم الشيطان بأن يمنِّيكم المغفرة مع الإصرار على المعصية.
قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف (١٦٩) .
وقال تَعَالَى: {ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ * كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} [التكاثر (١: ٥) ] .
أي: لو تعلمون علمًا يقينًا لما ألهاكم شيء عن طلب الآخرة، حتى صرتم إلى المقابر.
وقال تَعَالَى: {وَمَا هذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَا إلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت (٦٤) ] .
أي: لو كانوا يعلمون لم يؤثروا الدنيا على الآخرة، التي هي الحياة الحقيقة الدائمة، فإن الدنيا سريعة الزوال، ونعيمها لهو ولعب، كما يبتهج به الصبيان ساعة، ثم يتفرَّقون عنه لاغيين متعبين.
والآيات في الباب كثيرة مشهورة.
وأما الأحاديث فأكثر مِنْ أن تحصر فننبِّهُ بطرف منها عَلَى مَا سواه.
[٤٥٧] عن عمرو بن عوف الأنصاري - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أَبَا عبيدة بنَ الجَرَّاح - رضي الله عنه - إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأتِي بِجِزْيَتِهَا، فَقَدِمَ بمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بقُدُومِ أَبي عُبيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا صَلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، انْصَرفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حِيْنَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «أظُنُّكُمْ سَمعتُمْ أنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟» فقالوا: أجل،
يَا رسول الله، فقال: «أبْشِرُوا وَأَمِّلْوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوالله مَا الفَقْرَ أخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلكِنِّي أخْشَى عليكم أنْ تُبْسَط
الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أهْلَكَتْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
بلاد البحرين: بين البصرة وهَجَرْ، وسميت (البحرين) ، لاجتماع البحر العذب والملح فيها، فإن الماء العذب تحت البحر، فإذا حفر الحاجز بينهما نبع العذب وارتفع.
قوله: فتنافسوها كما تنافسوها. التنافس أول درجات الحسد.
وفي رواية عند مسلم: «تنافسون ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون» .
قال ابن بطال: فيه: أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها وشر فتنتها.
[٤٥٨] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: جلس رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فقال: «إنَّ ممَّا أخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.
زهرة الدنيا: زينتها وبهجتها.
قال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه (١٣١) ] .
[٤٥٩] وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ
وَإنَّ الله تَعَالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ» . رواه مسلم.
قوله: «خضرة حلوة» ، أي: جامعة بين الوصفين المحبوبين للبصر والذوق، كالفاكهة.
وفي الحديث: التحذير من فتنة المال، وفتنة النساء.
[٤٦٠] وعن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلا عَيْشَ الآخِرَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
هذا الكلام قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في أشد أحواله، لما رأى تعب أصحابه في حفر الخندق، وقاله في أسرِّ الأحوال أيضًا لما رأى كثرة المؤمنين في يوم عرفة، لبيك إن العيش عيش الآخر، أي الحياة الدائمة التي لا حزن فيها ولا تعب.
[٤٦١] وعنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ: أهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ: فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى معه وَاحِدٌ: يَرْجِعُ أهْلُهُ وَمَالُهُ وَيبْقَى ... عَمَلُهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
الغالب أنّ المرء إذا مات تبعه أهله، وما احتيج إليه من ماله في تجهيزه، وإذا دفن رجعوا ودخل عمله معه في قبره، كما في حديث البراء. «ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح» . الحديث.
[٤٦٢] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُؤْتَى بِأنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيَا مِنْ
أهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأيْتَ خَيْراً قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا وَاللهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأشَدِّ النَّاسِ بُؤسَاً في الدُّنْيَا مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فَيُقَالُ
لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأيْتَ بُؤساً قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقُولُ: لا وَاللهِ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلا رَأيْتُ شِدَّةً قَطُّ» . رواه مسلم.
فيه: أن عذاب الآخرة ينسي نعيم الدنيا، وأن نعيم الآخرة ينسي شدَّة الدنيا.
قال الله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون (١١٢: ١١٤) ] .
وقال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر (٣٤، ٣٥) ] .
[٤٦٣] وعن المُسْتَوْرِد بن شَدَّاد - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا الدُّنْيَا في الآخِرَةِ إلا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ!» . رواه مسلم.
مثَّل - صلى الله عليه وسلم - زمان الدنيا في جانب زمان الآخرة، ونعيمها بنسبة الماء الملاصق بالأصبع إلى البحر، قال الله تعالى: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ} [التوبة (٣٨) ] .
[٤٦٤] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بالسُّوقِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ:
«أَيُّكُم يُحِبُّ أنْ هَذَا لَهُ بِدرْهَم؟» فقالوا: مَا نُحِبُّ أنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ ثُمَّ قَالَ:
«أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟» قَالُوا: وَاللهِ لَوْ كَانَ حَيّاً كَانَ عَيْباً، أنَّهُ أسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ ميِّتٌ! فقال: «فوَاللهِ للدُّنْيَا أهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ» . رواه مسلم.
قوله: «كَنَفَتَيْهِ» أيْ: عن جانبيه. وَ «الأَسَكُّ» : الصغير الأذُن.
فيه: أن الدنيا عند الله أذل وأحقر من التيس الصغير الأصمع الميت عند الناس، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه وعالمًا ومتعلمًا» .
[٤٦٥] وعن أَبي ذر - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في حَرَّةٍ ... بِالمَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ، فقال: «يَا أَبَا ذَرٍّ» قلت: لَبَّيْكَ يَا رسولَ الله. فقال: «مَا يَسُرُّنِي أنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَباً تَمْضي عَلَيَّ ثَلَاثَةُ أيّامٍ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إلا شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إلا أنْ أقُولَ بِهِ في عِبَادِ الله هكذا وَهَكَذَا وَهكَذَا» عن يَمِينِهِ وعن شِمَالِهِ وَعَنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ سَارَ، فقال: «إنَّ الأَكْثَرينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلا مَنْ قَالَ بالمَالِ هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا» عن يمينِهِ وعن شِمَالِهِ وِمنْ خَلْفِهِ «وَقَلِيلٌ مَا هُمُ» . ثُمَّ قَالَ لي: «مَكَانَكَ لا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيكَ» ثُمَّ انْطَلَقَ في سَوادِ
اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوتاً، قَدِ ارْتَفَع، فَتَخَوَّفْتُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ عَرَضَ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَأرَدْتُ أنْ آتِيهِ فَذَكَرتُ قَوْله: «لا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ» فلم أبْرَحْ حَتَّى أتَاني، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوتاً تَخَوَّفْتُ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ لَهُ، فقال: «وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟» قلت: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ جِبريلُ أتَانِي. فقال: مَنْ
مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، قلت: وَإنْ زَنَى وَإنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإنْ زَنَى وَإنْ سَرَقَ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ البخاري.
اشتمل هذا الحديث: على فوائد كثيرة، وقواعد عظيمة.
وفيه: البشارة بعدم خلود المسلم في النار وإن عمل الكبائر، فإن تاب منها في الدنيا لم يدخل النار إلا تحلة القسم، وإن لم يتب فأمره إلى الله إن شاء غفر له وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه. قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً} [النساء (١١٦) ] .
[٤٦٦] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً، لَسَرَّنِي أنْ لا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إلا شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
[٤٦٧] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أجْدَرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية البخاري: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المَالِ وَالخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أسْفَل مِنْهُ» .
هذا الحديث: جامع لمعاني الخير.
وفيه: دواء كل داء من الحسد وغيره.
وفي الحديث الآخر: «رحم الله عبدًا نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله وشكره، وفي دينه إلى من هو فوقه، فجد واجتهد» .
وعن عمرو بن شعيب مرفوعًا: «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا: من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضَّله به، ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، وأما من نظر في دنياه إلى من هو فوقه وآسف على ما فاته، فإنه لا يكتب شاكرًا ولا صابرًا» .
قال بعض السلف: صاحبت الأغنياء فكنت لا أزال في حزن، فصحبت الفقراء فاسترحت.
وفي حديث مرفوع: «أقلوا الدخول على الأغنياء، فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله» .
[٤٦٨] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» . رواه البخاري.
في هذا الحديث: ذم الحرص على الدنيا، حتى يكون عبدًا لها، رضاه وسخطه لأجلها.
[٤٦٩] وعنه - رضي الله عنه - قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُ سَبعِينَ مِنْ أهْلِ الصُّفَّةِ، مَا منهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ: إمَّا إزارٌ، وَإمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوها في
أعنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْن، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَراهِيَةَ أنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رواه البخاري.
في هذا الحديث: أن الدنيا لو كانت مكرَّمة عند الله، لخصَّ أصفياءه بِهَا، فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب.
[٤٧٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الكَافِرِ» . رواه مسلم.
معنى ذلك: أن الدنيا سجن المؤمن بالنسبة إلى ما أعد له من النعيم، وجنة الكافر بالنسبة إِلى ما أعد له من العذاب وأيضًا فإن المؤمن ممنوع من الشهوات المحرمة، والكافر منهمك فيها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حُفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» .
وعن أبي سهل الصعلوكي الفقيه، وكان ممن جمع رياسة الدين والدنيا، أنه كان في بعض مواكبه إذْ خرج عليه يهودي، بثياب دنسة، فقال: ألستم تزعمون أن نبيكم قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . وأنا كافر وترى حالي، وأنت مؤمن وترى حالك، فقال له: إذا صرت غدًا إلى عذاب الله كانت هذه جنتك، وإذا صرت أنا إلى النعيم، ورضوان الله صار هذا سجني، فعجب الناس من فهمه وسرعة جوابه.
[٤٧١] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِمَنْكِبَيَّ، فقال: «كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ، أَو عَابِرُ سَبيلٍ» .
وَكَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، يقول: إِذَا أمْسَيتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رواه البخاري.
قالوا في شَرْحِ هَذَا الحديث معناه: لا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلا تَتَّخِذْهَا
وَطَناً، وَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِطُولِ البَقَاءِ فِيهَا، وَلا بِالاعْتِنَاءِ بِهَا، وَلا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا إلا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَريبُ في غَيْرِ وَطَنِهِ، وَلا تَشْتَغِلْ فِيهَا بِمَا لا يَشْتَغِلُ بِهِ الغَرِيبُ الَّذِي يُريدُ الذَّهَابَ إِلَى أهْلِهِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
في هذا الحديث: الحضُّ على تقصير الأمل، والمبادرة إلى العمل، وترك التراخي والكسل.
في الحديث الآخر: «اغتنم خمسًا فبل خمس شبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك.
[٤٧٢] وعن أَبي العباس سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يَا رسولَ الله، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أحَبَّنِي اللهُ وَأحَبَّنِي النَّاسُ، فقال: «ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبّك اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبّك النَّاسُ» . حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.
اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين فإذا عمل بهما أحبه الله وأحبه الناس.
والزهد: هو القناعة بما أعطاك الله، والتعفف عن أموال الناس، وكان عمر يقول على المنبر: إنَّ الطمع فقر وإنَّ اليأس غنى.
وقال أيوب السختياني: لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان، العفة عما
في أي الناس، والتجاوز عما يكون منهم.
وفي الحديث المرفوع: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» .
وقال الشافعي رحمه الله تعالى:
وما هي إلا جيفة مستحيلة ... ?? ... عليها كلاب هَمُّهُن اجتذابها ... ???
فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها ... ?? ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها ... ??
[٤٧٣] وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - مَا أَصَابَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: لَقَدْ رَأيْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأ بِهِ بَطْنَهُ. رواه مسلم.
«الدَّقَلُ» بفتح الدَّال المهملة والقاف: رديءُ التمرِ.
فيه: زهده - صلى الله عليه وسلم - وصبره، وحقارة الدنيا عنده، فإن الله تعالى خيره في أنْ يكون ملكًا نبيًا أو عبدًا نبيًا فاختار أن يكون عبدًا، وقال: «يا رب، أجوع يومًا وأشبع يومًا، فإذا جعت سألتك، وإذا شبعت شكرتك» .
[٤٧٤] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: تُوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وَمَا في بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلا شَطْرُ شَعِيرٍ في رَفٍّ لي، فَأكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. متفقٌ عَلَيْهِ.
قولها: «شَطْرُ شَعير» أيْ: شَيْءٌ مِنْ شَعير،، كَذَا فَسَّرَهُ التُرْمذيُّ.
في هذا الحديث: إعراضه - صلى الله عليه وسلم - عن الدنيا، وعدم النظر إليها.
وفيه: استحباب عدم كيل القوت توكلاً على الله، وثقة به فإن تكثير الطعام القليل من أسرار الله الخفية، ولا يخالف هذا الحديث: «كيِّلوا طعامكم يبارك لكم فيه» .
قال الحافظ: الكيل عند المبايعة محبوب من أجل تعلق حق المتبايعين وأما الكيل عند الإنفاق فالباعث عليه الشح؛ فلذا كُرِه.
[٤٧٥] وعن عمرو بن الحارث أخي جُوَيْرِيّة بنتِ الحارِث أُمِّ المُؤْمِنِينَ، رضي الله عنهما، قَالَ: مَا تَرَكَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ مَوْتِهِ دِيناراً، وَلا دِرْهَماً، وَلا عَبْداً، وَلا أَمَةً، وَلا شَيْئاً إلا بَغْلَتَهُ الْبَيضَاءَ الَّتي كَانَ يَرْكَبُهَا، وَسِلَاحَهُ، وَأرْضاً جَعَلَهَا لاِبْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً. رواه البخاري.
فيه: أن الإماء والعبيد الذين ملكهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته لم يبقوا على ملكه بعد وفاته، فمنهم من أعتقه، ومنهم من مات قبل وفاته - صلى الله عليه وسلم - وقد قال ... النبي - صلى الله عليه وسلم - «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» .
[٤٧٦] وعن خَبابِ بن الأَرَتِّ - رضي الله عنه - قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى، فَوَقَعَ أجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأكُل منْ أجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ - رضي الله عنه -، قُتِلَ يَوْمَ أُحُد، وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ، بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ، بَدَا رَأسُهُ
، فَأمَرَنَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنْ نُغَطِّي رَأسَهُ،
وَنَجْعَل عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الإذْخِرِ، وَمِنَّا مَنْ أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدِبُهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
«النَّمِرَةُ» : كِساءٌ مُلَوَّنٌ مِنْ صوف. وَقَوْلُه: «أيْنَعَتْ» أيْ: نَضِجَتْ وَأَدْرَكَتْ. وَقَوْلُه: «يَهْدِبها» هُوَ بفتح الياءِ وضم الدال وكسرها لغتان: أيْ: يَقْطُفهَا وَيَجْتَنِيهَا، وهذه استعارة لما فتح الله تَعَالَى عليهم من الدنيا وتمكنوا فِيهَا.
في هذا الحديث: ما كان عليه السلف من الصدق في وصف أحوالهم.
وفيه: أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار.
وفيه: أن الكفن يكون ساترًا لجميع البدن.
[٤٧٧] وعن سهلِ بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: حقارة الدنيا عند الله تعالى، ولهذا ملَّكها تعالى في الغالب للكفار والفساق لهوانهم عليه، وحَمَى منها في الغالب الأنبياء والصالحين لئلا تُدَنَّسَهُم.
[٤٧٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «أَلا إنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إلا ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، وَمَا وَالاهُ، وَعالِماً وَمُتَعَلِّماً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
فيه: ذم ما أشغل من الدنيا عن ذكر الله وطاعته، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون (٩) ] ، وأما ما أعان على طاعة الله من الدنيا فليس بمذموم، قال تعالى: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء
الزَّكَاةِ} [النور (٣٧) ] ، وفي حديث مرفوع: «لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر» .
[٤٧٩] وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا في الدُّنْيَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
الضيعة: العقار الذي يحتاج إلى عمل، والمراد لا تتوغلوا في ذلك فترغبوا عن صلاح آخرتكم وتشتغلوا في طلب الدنيا فلا تشبعوا منها.
[٤٨٠] وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: مَرَّ عَلَيْنَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ نعالِجُ خُصّاً لَنَا، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» فَقُلْنَا: قَدْ وَهَى، فَنَحَنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ: «مَا أرَى الأَمْرَ إلا أعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ» .
رواه أَبو داود والترمذي بإسناد البخاري ومسلم، وقال الترمذي: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
الخُصُّ: بيت يعمل من القصب ونحوه.
وفيه: شاهد لحديث ابن عمر: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح» .
[٤٨١] وعن كعب بن عياض - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وفِتْنَةُ أُمَّتِي: المَالُ» . رواه الترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
قوله: «فتنة» ، أي: ابتلاء واختبار. قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء (٣٥) ] ، وقال تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال (٢٨) ] .
[٤٨٢] وعن أَبي عمرو، ويقالُ: أَبو عبدِ الله، ويقالُ: أَبو ليلى عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ في سِوَى هذِهِ الخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الخُبز وَالماء» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .
قَالَ الترمذي: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُد سُلَيْمَانَ بنَ سَالمٍ البَلْخيَّ، يقولُ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْن شُمَيْل، يقولُ: الجِلْفُ: الخُبْز لَيْسَ مَعَهُ إدَامٌ، وقال غَيْرُهُ: هُوَ غَليظُ الخُبُزِ. وقَالَ الهَرَوِيُّ: المُرادُ بِهِ هنَا وِعَاءُ الخُبزِ، كَالجَوَالِقِ وَالخُرْجِ، والله أعلم.
الحق هنا: ما يستحقه الإِنسان لاحتياجه إليه في كُنه من الحر والبرد، وستر بدنه، وسد جوعته، وما سوى ذلك فهو من حظوظ النفس لا من حقوقها.
قال بعض الزهاد:
لَقِرْص شعير ثافل غير مالح ... ?? ... بغير إدام والذي خلق النجوى ... ???
مع العزِّ في بيتي وطاعة خالقي ... ?? ... ألذُّ على قلبي من المنِّ والسلوى ... ??
[٤٨٣] وعن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ - بكسر الشينِ والخاء المشددة المعجمتين - رضي الله عنه -، أنه قَالَ: أتَيْتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وَهُوَ يَقْرَأُ: {أَلْهَاكُمُ
التَّكَاثُرُ} قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مالي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إلا مَا أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ» ؟! . رواه مسلم.
أي ليس لك من مالك إلا ما انتفعت به في دنياك، بأكل أو لبس أو ادخرته لآخرتك، وما سوى ذلك فهو لورثتك.
قال بعض السلف: اجعل ما عندك ذخيرة لك عند الله، واجعل الله ذخيرة لأولادك.
[٤٨٤] وعن عبدِ الله بن مُغَفَّل - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -:
يَا رسولَ الله، وَاللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ له: «انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ؟» قَالَ: وَاللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ، ثَلَاثَ مَرَّات، فَقَالَ: «إنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافاً، فإنَّ الفَقْرَ أسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّني مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
«التجفافُ» بكسرِ التاءِ المثناةِ فوقُ وَإسكانِ الجيمِ وبالفاءِ المكررة: وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُهُ الفَرَسُ، لِيُتَّقَى بِهِ الأَذَى، وَقَدْ يَلْبَسُهُ الإنْسَانُ.
لما كان - صلى الله عليه وسلم - أزهد الناس في الدنيا، كان المحب التابع له متّصف بذلك لقوة الرغبة، وصدق المحبة فالمرء مع من أحب، ومولى قوم منهم في العسر واليسر
فمن أحب أن يكون معهم في نعيم الآخرة فليصبر كما صبروا في الدنيا. قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران (١٤٢) ] .
[٤٨٥] وعن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بِأفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى
المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينهِ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: الحذر من الحرص على المال والشرف، فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة، ورزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإِمارة فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها» .
[٤٨٦] وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: نَامَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى حَصيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً. فَقَالَ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إلا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
فيه: الإِرشاد إلى ترك الاهتمام بِعَمارة الدنيا، والحث على الاعتناء بعمارة منازل الآخرة، وأن الدنيا دار عبور إلى دار الحبور.
[٤٨٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يدْخُلُ الفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمئَةِ عَامٍ» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .
فيه: فضل الفقير الصابر على الغني الشاكر، لأن الأغنياء يحبسون للحساب.
[٤٨٨] وعن ابن عباس وعِمْرَانَ بن الحُصَيْنِ - رضي الله عنهم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ... «اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا الفُقَرَاءَ،
وَاطَّلَعْتُ في النَّارِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا النِّسَاءَ» . متفقٌ عَلَيْهِ من رواية ابن عباس، ورواه البخاري أيضاً من رواية عِمْرَان بن الحُصَيْن.
فيه: التحريض على ترك التوسع في الدنيا.
وفيه: التحريض للنساء على المحافظة على أمر الدين ليسلمن من النار.
[٤٨٩] وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينُ، وَأصْحَابُ الجَدِّ مَحبُوسُونَ، غَيْرَ أنَّ أصْحَابِ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِم إِلَى النَّارِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
وَ «الجَدُّ» : الحَظُّ والغِنَى. وقد سبق بيان هَذَا الحديث في باب فَضْلِ الضَّعفَة.
أصحاب النار هنا: هم الخالدون فيها، وهم الكفار، قال الله تعالى: {لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى} [الليل (١٥) ] ، وقال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ
كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر (٧١) ] ، وقال تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ} [الرحمن (٥٥) ] .
[٤٩٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
يشهد لهذا البيت قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [القصص (٨٨) ] ، كان لبيد من فحول شعراء الجاهلية، وهو من هوازان، وَفَدَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -