انَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعْطيني العَطَاءَ، فَأقُولُ: أعطِهِ مَنْ…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٥٣٧

الحديث رقم ٥٣٧ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم - يعطيني العطاء، فأقول…

انَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعْطيني العَطَاءَ، فَأقُولُ: أعطِهِ مَنْ هُوَ أفْقَرُ إِلَيْهِ مِنّي. فَقَالَ: «خُذْهُ، إِذَا جَاءكَ مِنْ هَذَا المَال شَيْءٌ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ (١)، فَإنْ شِئْتَ كُلْهُ، وَإنْ شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا لا، فَلَا تُتبعهُ نَفْسَكَ» قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبدُ الله لَا يَسألُ أحَدًا شَيْئًا، وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَه. متفقٌ عَلَيْهِ. (٢)

(مُشرف): بالشين المعجمة: أيْ متطلع إِلَيْهِ.

٥٩ - باب الحث عَلَى الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء

قَالَ الله تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله} [الجمعة: ١٠].

سند حديث: ٥٨ - باب جواز الأخذ من غير مسألة وَلَا تطلع…

٥٨ - باب جواز الأخذ من غير مسألة وَلَا تطلع إليه

٥٣٧ - عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن عمر - رضي الله عنهم - قَالَ: كَ

رواة الحديث

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم - يعطيني العطاء، فأقول…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٥٨- باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه]

١/٥٣٨- عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عُمر، عن عمر رضي الله عنهم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطينى العطاء، فأقولُ: أعطه من هو أفقر إليه مني فقال: ((خذه؛ إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مُشرف ولا سائل، فخذه فتمولهُ، فإن شئت كلهُ، وإن شئت تصدق به، وما لا، فلا تتبعه نفسك)) .

قال سالمٌ: فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يرد شيئاً أعطيهُ. متفق عليه.

"مُتشرفٍ" بالشين المعجمة: أي: متطلع إليه.

[٥٩- باب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء]

قال الله تعالي: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ َ) (الجمعة: ١٠)

١/٥٣٩- عن أبي عبد الله الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأن يأخذ أحدثكم أحبُلةُ ثم يأتي الجبل، فيأتي يحُزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجههُ، خير له من أن يسأل الناس، اعطوه أو منعوه)) رواه البخاري.

٢/٥٤٠- وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأن يحتطب أحدكم حُزمة على ظهره، خير له من أن يسأل أحداً، فليعطيه أو يمنعهُ")) متفق عليه.

٣/٥٤١- وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده)) رواه البخاري.

٤/٥٤٢- وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كان زكريا عليه السلام نجاراً")) رواه مسلم.

٥/٥٤٣- وعن المِقدامِ بن معدي كرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكُل من عمل يديه، وإن نبي الله داود صلى الله عليه وسلم كان يأكل من عمل يده)) رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قبول الإنسان ما يعطى من غير أن يكون له تطلع إليه، وهذا معنى الترجمة.

يعني أن الإنسان لا ينبغي له أن يعلق نفسه بالمال فيتطلع إليه أو يسأل، لأن ذلك يؤدي إلى ألا يكون له هم الدنيا، والإنسان إنما خلق في الدنيا من أجل الآخرة، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) وقال تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى: ١٦، ١٧) .

فلا ينبغي للإنسان أن يعلق نفسه بالمال ولا يهتم به. إن جاءه من غير تعب ولا سؤال ولا استشراف نفس فيقبله، وإلا فلا.

ثم ذكر حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطيه العطاء فيقول: أعطه من هو أفقر مني فيقول له الرسول عليه الصلاة والسلام: ((خذه؛ إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، فتموله فإن شئت كله، وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك)) .

فكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يسأل أحداً شيئاً، وإذا جاءه شيء من

غير سؤال قبله، وهذا غاية ما يكون من الأدب، إلا تذل نفسك بالسؤال، ولا تستشرف للمال وتعلق قلبك به.

وإذا أعطاك أحد شيئاً فاقبله؛ لأن رد العطية والهدية قد يحمل من أعطاك على كراهيتك فيقول: هذا الرجل استكبر، هذا الرجل عنده غطرسة، وما أشبه ذلك.

فالذي ينبغي أن من يعطيك تقبل منه ولكن لا تسأل، إلا إذا كان الإنسان يخشى ممن أعطاه أن يمنَّ به عليه في المستقبل فيقول: أنا أعطيتك، أنا فعلت معك كذا وكذا وما أشبه ذلك، فهنا يرده؛ لأنه إذا خشي أن يقطع المعطي رقبته بالمنة عليه في المستقبل؛ فليحمِ نفسه من هذا.

ثم ذكر المؤلف أنه ينبغي للإنسان أن يأكل من عمل يده ويتعفف عن السؤال، وأن يكتسب ويتجر؛ لقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) (الملك: ١٥) إي في أنحائها: (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) إي ابتغوا الرزق من فضل الله عز وجل.

وقال الله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة: ١٠) فقال: انتشروا في الأرض، وابتغوا من فضل الله.

ولكن لا ينسينك ابتغاؤك من فضل الله ذكر ربك، ولهذا قال: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

ثم ذكر رحمه الله ما ثبت في صحيح البخاري، أن داود عليه السلام كان يأكل من كسب يديه، وكان داود يصنع الدروع كما قال الله تعالى

(وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (الانبياء: ٨٠) ، فكان حداداً.

أما زكريا فكان نجاراً يعمل وينشر ويأخذ الأجرة على ذلك.

وهذا يدل على أن العمل والمهنة ليست نقصا؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يمارسونها، ولا شك أن هذا خيرٌ من سؤال الناس، حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ((لأن يأخذ أحدكم حزمة من حطب على ظهره فيبيعها)) يعني ويأخذ ما كسب منها: ((خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)) .

ولا شك أن هذا هو الخلق النبيل؛ إلا يخضع الإنسان لأحد، ولا يذل له، بل يأكل من كسب يده، من تجارته أو صناعته أو حرثه. قال تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: ٢٠) ولا يسأل الناس شيئاً، والله الموفق.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

٥٨- باب جواز الأخذ من غير مسألة وَلا تطلع إليه

[٥٣٨] عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر عن عمر - رضي الله عنهم - قَالَ: كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعْطيني العَطَاءَ، فَأقُولُ: أعطِهِ مَنْ هُوَ أفْقَرُ إِلَيْهِ مِنّي. فَقَالَ: «خُذْهُ، إِذَا جَاءكَ مِنْ هَذَا المَال شَيْءٌ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ، فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، فَإنْ شِئْتَ كُلْهُ، وَإنْ شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا لا، فَلا تُتبعهُ نَفْسَكَ» قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبدُ الله لا يَسألُ أحَداً شَيْئاً، وَلا يَرُدُّ شَيْئاً ... أُعْطِيَه. متفقٌ عَلَيْهِ.

(مُشرف) : بالشين المعجمة: أيْ متطلع إِلَيْهِ.

قال البخاري: باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة، ولا إشراف نفس {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات (١٩) ] .

وذكر الحديث: قال الحافظ: وفي الحديث أنَّ للإمام أنْ يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهًا وإن كان غيره أحوج إليه منه، وإن ردَّ عطية الإمام ليس من الأدب.

٥٩- باب الحث عَلَى الأكل من عمل يده

والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء

قَالَ الله تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله} [الجمعة (١٠) ] .

هذا أمر إباحة بعد النهي عن البيع، وكان عراك بن مالك إذا صلَّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللَّهُمَّ إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين.

[٥٣٩] وعن أَبي عبد الله الزبير بن العَوَّام - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لأَنْ يَأخُذَ أحَدُكُمْ أحبُلَهُ ثُمَّ يَأتِيَ الجَبَلَ، فَيَأْتِيَ بحُزمَةٍ مِنْ حَطَب عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيكُفّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ النَّاسَ، أعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» . رواه البخاري.

[٥٤٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ أحداً فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: الحضُّ على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشاق، لما يدخل على السائل من ذل السؤال، وعلى المسؤول من الحرج.

[٥٤١] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَانَ دَاوُدُ - عليه السلام - لا يَأكُلُ إلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» . رواه البخاري.

كان داود عليه السلام ملكًا نبيًّا، وكان ينسج الدروع ويبيعها، ولا يأكل إلا من ثمنها.

[٥٤٢] وعنه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَانَ زَكرِيّا - عليه السلام - نَجَّاراً» . رواه مسلم.

فيه: جواز الصنائع، وأن النجارة صناعة فاضلة وأنها لا تسقط المروءة.

[٥٤٣] وعن المقدام بنِ مَعْدِ يكرِبَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٥٨- باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه]

١/٥٣٨- عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عُمر، عن عمر رضي الله عنهم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطينى العطاء، فأقولُ: أعطه من هو أفقر إليه مني فقال: ((خذه؛ إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مُشرف ولا سائل، فخذه فتمولهُ، فإن شئت كلهُ، وإن شئت تصدق به، وما لا، فلا تتبعه نفسك)) .

قال سالمٌ: فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يرد شيئاً أعطيهُ. متفق عليه.

"مُتشرفٍ" بالشين المعجمة: أي: متطلع إليه.

[٥٩- باب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء]

قال الله تعالي: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ َ) (الجمعة: ١٠)

١/٥٣٩- عن أبي عبد الله الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأن يأخذ أحدثكم أحبُلةُ ثم يأتي الجبل، فيأتي يحُزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجههُ، خير له من أن يسأل الناس، اعطوه أو منعوه)) رواه البخاري.

٢/٥٤٠- وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأن يحتطب أحدكم حُزمة على ظهره، خير له من أن يسأل أحداً، فليعطيه أو يمنعهُ")) متفق عليه.

٣/٥٤١- وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده)) رواه البخاري.

٤/٥٤٢- وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كان زكريا عليه السلام نجاراً")) رواه مسلم.

٥/٥٤٣- وعن المِقدامِ بن معدي كرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكُل من عمل يديه، وإن نبي الله داود صلى الله عليه وسلم كان يأكل من عمل يده)) رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قبول الإنسان ما يعطى من غير أن يكون له تطلع إليه، وهذا معنى الترجمة.

يعني أن الإنسان لا ينبغي له أن يعلق نفسه بالمال فيتطلع إليه أو يسأل، لأن ذلك يؤدي إلى ألا يكون له هم الدنيا، والإنسان إنما خلق في الدنيا من أجل الآخرة، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) وقال تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى: ١٦، ١٧) .

فلا ينبغي للإنسان أن يعلق نفسه بالمال ولا يهتم به. إن جاءه من غير تعب ولا سؤال ولا استشراف نفس فيقبله، وإلا فلا.

ثم ذكر حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطيه العطاء فيقول: أعطه من هو أفقر مني فيقول له الرسول عليه الصلاة والسلام: ((خذه؛ إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، فتموله فإن شئت كله، وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك)) .

فكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يسأل أحداً شيئاً، وإذا جاءه شيء من

غير سؤال قبله، وهذا غاية ما يكون من الأدب، إلا تذل نفسك بالسؤال، ولا تستشرف للمال وتعلق قلبك به.

وإذا أعطاك أحد شيئاً فاقبله؛ لأن رد العطية والهدية قد يحمل من أعطاك على كراهيتك فيقول: هذا الرجل استكبر، هذا الرجل عنده غطرسة، وما أشبه ذلك.

فالذي ينبغي أن من يعطيك تقبل منه ولكن لا تسأل، إلا إذا كان الإنسان يخشى ممن أعطاه أن يمنَّ به عليه في المستقبل فيقول: أنا أعطيتك، أنا فعلت معك كذا وكذا وما أشبه ذلك، فهنا يرده؛ لأنه إذا خشي أن يقطع المعطي رقبته بالمنة عليه في المستقبل؛ فليحمِ نفسه من هذا.

ثم ذكر المؤلف أنه ينبغي للإنسان أن يأكل من عمل يده ويتعفف عن السؤال، وأن يكتسب ويتجر؛ لقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) (الملك: ١٥) إي في أنحائها: (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) إي ابتغوا الرزق من فضل الله عز وجل.

وقال الله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة: ١٠) فقال: انتشروا في الأرض، وابتغوا من فضل الله.

ولكن لا ينسينك ابتغاؤك من فضل الله ذكر ربك، ولهذا قال: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

ثم ذكر رحمه الله ما ثبت في صحيح البخاري، أن داود عليه السلام كان يأكل من كسب يديه، وكان داود يصنع الدروع كما قال الله تعالى

(وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (الانبياء: ٨٠) ، فكان حداداً.

أما زكريا فكان نجاراً يعمل وينشر ويأخذ الأجرة على ذلك.

وهذا يدل على أن العمل والمهنة ليست نقصا؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يمارسونها، ولا شك أن هذا خيرٌ من سؤال الناس، حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ((لأن يأخذ أحدكم حزمة من حطب على ظهره فيبيعها)) يعني ويأخذ ما كسب منها: ((خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)) .

ولا شك أن هذا هو الخلق النبيل؛ إلا يخضع الإنسان لأحد، ولا يذل له، بل يأكل من كسب يده، من تجارته أو صناعته أو حرثه. قال تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: ٢٠) ولا يسأل الناس شيئاً، والله الموفق.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

٥٨- باب جواز الأخذ من غير مسألة وَلا تطلع إليه

[٥٣٨] عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر عن عمر - رضي الله عنهم - قَالَ: كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعْطيني العَطَاءَ، فَأقُولُ: أعطِهِ مَنْ هُوَ أفْقَرُ إِلَيْهِ مِنّي. فَقَالَ: «خُذْهُ، إِذَا جَاءكَ مِنْ هَذَا المَال شَيْءٌ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ، فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، فَإنْ شِئْتَ كُلْهُ، وَإنْ شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا لا، فَلا تُتبعهُ نَفْسَكَ» قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبدُ الله لا يَسألُ أحَداً شَيْئاً، وَلا يَرُدُّ شَيْئاً ... أُعْطِيَه. متفقٌ عَلَيْهِ.

(مُشرف) : بالشين المعجمة: أيْ متطلع إِلَيْهِ.

قال البخاري: باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة، ولا إشراف نفس {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات (١٩) ] .

وذكر الحديث: قال الحافظ: وفي الحديث أنَّ للإمام أنْ يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهًا وإن كان غيره أحوج إليه منه، وإن ردَّ عطية الإمام ليس من الأدب.

٥٩- باب الحث عَلَى الأكل من عمل يده

والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء

قَالَ الله تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله} [الجمعة (١٠) ] .

هذا أمر إباحة بعد النهي عن البيع، وكان عراك بن مالك إذا صلَّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللَّهُمَّ إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين.

[٥٣٩] وعن أَبي عبد الله الزبير بن العَوَّام - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لأَنْ يَأخُذَ أحَدُكُمْ أحبُلَهُ ثُمَّ يَأتِيَ الجَبَلَ، فَيَأْتِيَ بحُزمَةٍ مِنْ حَطَب عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيكُفّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ النَّاسَ، أعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» . رواه البخاري.

[٥٤٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ أحداً فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: الحضُّ على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشاق، لما يدخل على السائل من ذل السؤال، وعلى المسؤول من الحرج.

[٥٤١] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَانَ دَاوُدُ - عليه السلام - لا يَأكُلُ إلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» . رواه البخاري.

كان داود عليه السلام ملكًا نبيًّا، وكان ينسج الدروع ويبيعها، ولا يأكل إلا من ثمنها.

[٥٤٢] وعنه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَانَ زَكرِيّا - عليه السلام - نَجَّاراً» . رواه مسلم.

فيه: جواز الصنائع، وأن النجارة صناعة فاضلة وأنها لا تسقط المروءة.

[٥٤٣] وعن المقدام بنِ مَعْدِ يكرِبَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.6 / 29.5
الإضاءة 76%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر