٥٥٩ - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٥٥٩

الحديث رقم ٥٥٩ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: ٥٥٩ - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه: أنه سمع…

٥٥٩ - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: «مَثَل البَخِيل وَالمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ (١) مِنْ حَديدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَاّ سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُو أثرَهُ، وأمَّا البَخِيلُ، فَلَا يُريدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَاّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوسِّعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ». متفقٌ عَلَيْهِ. (٢)

وَ «الجُنَّةُ»: الدِّرْعُ؛ وَمَعنَاهُ أنَّ المُنْفِقَ كُلَّمَا أَنْفَقَ سَبَغَتْ، وَطَالَتْ حَتَّى تَجُرَّ وَرَاءهُ، وَتُخْفِيَ رِجْلَيْهِ وَأثَرَ مَشْيِهِ وَخطُوَاتِهِ.

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: ٥٥٩ - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه: أنه سمع…

ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً للبخيل والمنفق، وصفهما برجلين على كل واحد منهما درع يستره ويقيه من الثدي إلى الترقوة -وهي العظم الذي في أعلى الصدر-، فأمَّا المنفق كلما أنفق سبغت وطالت حتى تجر وراءه وتخفي رجليه وأثر مشيه وخطواته، وأمَّا البخيل فكرجل ضاق عليه درعه حتى غُلت يده إلى عنقه كلما أراد توسيعها اجتمعت ولزمت ترقوته.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • قيام التمثيل مقام الدليل على تفضيل المتصدق على البخيل.
  • الصدقة تكفر الخطايا.
  • بشارة المتصدق الكريم بحصول البركة والعون والستر والحفظ من البلاء بعون الله -تعالى-.
  • الكريم إذا هم بالصدقة انشرح لها صدره وطابت نفسه وعكسه البخيل.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: ٥٥٩ - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه: أنه سمع…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٦٠- باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى]

قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) (سبأ: ٣٩) .

قال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٢) .

وقال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٧٣) .

١/٥٤٤- وعن ابن مسعودٍ رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطهُ على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حِكمة، فهو يقضي بها ويعلمها)) متفق عليه.

٢/٥٤٥- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: ((أيكم مالُ وارثهِ أحب إليه من مالهِ؟)) قالُوا: يا رسول الله، ما مِنا أحد إلا مالُهُ أحب إليه. قال: ((فإن مالهُ ما قدم ومال وارثه ما آخر)) رواه البخاري.

٣/٥٤٦- وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا

النار ولو بشق تمرة)) متفق عليه.

٤/٥٤٧- وعن جابر رضي الله عنه قال: ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا. متفق عليه.

٥/٥٤٨- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم يصبح العبادُ فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: الله اعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفا" متفق عليه.

٦/٥٤٩- وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى: ((انفق يا ابن آدم ينفق عليك)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحث على إنفاق المال في سبل الخير مع الثقة بالله عز وجل.

المال الذي أعطاه الله بني آدم، أعطاهم الله إياه فتنة؛ ليبلوهم هل يحسنون التصرف فيه أم لا.

قال الله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)

(التغابن: ١٥) ، فمن الناس من ينفقه في شهواته المحرمة، وفي لذائذه التي لا تزيده من الله إلا بعداً، فهذا يكون ماله وبالاً عليه والعياذ بالله.

ومن الناس من ينفقه ابتغاء وجه الله فيما يقرب إلى الله على حسب شريعة الله، فهذا ماله خيرا له.

ومن الناس من يبذل ماله في غير فائدة، ليس في شيء محرم ولا في شيء مشروع، فهذا ماله ضائع عليه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.

وينبغي للإنسان إذا بذل ماله فيما يرضي الله أن يكون واثقاً بوعد الله سبحانه وتعالى حيث قال في كتابه: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ: ٣٩) ، (فَهُوَ يُخْلِفُهُ) أي يعطيكم خلفاً عنه.

وليس معناه فهو يخلُفهُ، إذ لو كانت فهو يخلفه، لكان معنى الآية: أن الله يكون خليفة، وليس الأمر كذلك، بل فهو يُخلفه أي يعطيكم خلفاً عنه.

ومنه الحديث: ((اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها)) ولا تقل واخلف لى خيراً منها، بل وأخلف أي أرزقني خلفاً عنها خيراً منها. ولا تقل واخلف لي خيراً منها، بل وأخلف أي ارزقني خلفاًً عنها خيراً منها.

فالله عز وجلَّ وعد في كتابه أن ما أنفقه الإنسان فإن الله يخلفه عليه، يعطيه خلفاً عنه، وهذا يفسره قول الرسول عليه الصلاة والسلام في الأحاديث التي ساقها المؤلف مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: الله أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر:

الله أعط ممسكاً تلفاً)) يعني أتلف ماله.

والمراد بذلك من يمسك عما أوجب الله عليه من بذل المال فيه، وليس كل ممسك يُدعى عليه، بل الذي يمسك ماله عن إنفاقه فيما أوجب الله، فهو الذي تدعو عليه الملائكة بأن الله يتلفه ويتلف ماله.

والتلف نوعان: تلف حسي، وتلف معنوي:

١- التلف الحسي: أن يتلف المال نفسه، بأن يأتيه آفة تحرقه أو يُسرق أو ما أشبه ذلك.

٢- والتلف المعنوي: أن تنزع بركته، بحيث لا يستفيد الإنسان منه في حسناته، ومنه ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لأصحابه: ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟)) قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا وماله أحب إليه.

فمالك أحب إليك من مال زيد وعمرو وخالد، ولو كان من ورثتك، قال: " فإن ماله ما قدّم وماله وارثه ما أخَّر".

وهذه حكمة عظيمة ممن أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم، فمالك الذي تقدمه لله عز وجل تجده أمامك يوم القيامة، ومال الوارث ما يبقى بعدك من الذي ينتفع به ويأكله هو الوارث، فهو مال وارثك على الحقيقة. فأنفق مالك فيما يرضي الله، وإذا أنفقت؛ فإن الله يخلفه وينفق عليك، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم أنفق ينفق عليك)) .

وهذه الأحاديث كلها وكذلك الآيات تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يبذل ماله حسب ما شرع الله عز وجل، كما جاء في الحديث الذي صدر به

المؤلف هذا الباب؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا حسد إلا في اثنتين)) يعني لا غبطة، ولا أحد يغبط على ما أعطاه الله سبحانه وتعالى من مال وغيره إلا في اثنتين فقط:

الأولى: رجل أعطاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، صار لا يبذله إلا فيما يرضي الله، هذا يحسد؛ لأنك الآن تجد التجار يختلفون، منهم من ينفق أمواله في سبيل الله، في الخيرات، في أعمال البر

، إعانة فقير، بناء مساجد، بناء مدارس، طبع كتب، إعانة على الجهاد، وما أشبه ذلك. فهذا سلط على هلكته في الحق.

ومنهم من يسلطه على هلكته في اللذائذ المحرمة والعياذ بالله، يسافر إلى الخارج فيزني، ويشرب الخمر، ويعلب القمار، ويتلف ماله فيما يغضب الرب عز وجل، فالذي سلطه الله على هلكة ماله في الحق هذا يغبط؛ لأن الغالب أن الذي يستغني يبطر ويمرح ويفسق، فإذا رؤي أن هذا الرجل الذي أعطاه الله المال ينفقه في سبيل الله؛ فهو يغبط.

والثانية: رجل آتاه الله الحكمة يعني العلم، الحكمة هنا العلم كما قال الله تعالى: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) (النساء: ١١٣) ، ((فهو يقضي بها ويعلمها الناس)) يقضي بها في نفسه وفي أهله، وفي من تحاكم عنده، ويعلمها الناس أيضاً، ليس يقتصر على أن يأتيه الناس فيقول: إذا جاءوني حكمت وقضيت؛ بل يقضي ويعلم، ويبدأ الناس بذلك، فهذا لا شك أنه مغبوط على ما آتاه الله عز وجل من الحكمة.

والناس في الحكمة ينقسمون إلى أقسام:

قسم آتاه الله الحكمة فبخل بها حتى على نفسه، لم ينتفع بها في نفسه، ولم يعمل بطاعة الله، ولم ينته عن معصية الله، فهذا خاسر والعياذ بالله، وهذا يشبه اليهود الذين علموا الحق واستكبروا عنه.

وقسم أخر أعطاه الله الحكمة فعمل بها في نفسه، لكن لم ينفع بها عباد الله، وهذا خيرٌ من الذي قبله، لكنه ناقص.

وقسم آخر أعطاه الله الحكمة فقضي بها وعمل بها في نفسه وعلمها الناس، فهذا خير الأقسام.

وهناك قسم رابع لم يؤت الحكمة إطلاقاً فهو جاهل، وهذا حُرم خيراً كثيراً، لكنه أحسن حالاً ممن أوتي الحكمة ولم يعمل بها؛ لأن هذا يُرجى إذا علم أن يتعلم ويعمل، بخلاف الذي أعطاه الله العلم، وكان عمله وبالاً عليه والعياذ بالله نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم الحكمة والعلم النافع والعمل الصالح.

١/٥٥٣- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاهُ، ولقد جاءه رجلٌ، فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتى يكُون الإسلامُ أحب إليه من الدنيا وما عليها. رواه مسلم.

١٣/٥٥٦- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل)) رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً على الإسلام إلا أعطاه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أكرم الناس، وكان يبذل أمواله فيما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم إذا سأله شخص على الإسلام يعني على التأليف على الإسلام والرغبة فيه إلا اعطاه، مهما كان هذا الشيء، حتى إنه سأله أعرابي فأعطاه غنماً بين جبلين، بين جبلين معناه: أنها غنم كثيرة؛ لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه لما يرجوا من الخير لهذا الرجل ولمن وراه.

ولذلك ذهب هذا الرجل إلى قومه فقال: ((يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر)) ، عليه الصلاة والسلام، يعني: يعطي عطاءً جزيلاً، عطاء من لا يخشى الفقر، فانظر إلى هذا العطاء كيف أثر في هذا الرجل هذا التأثير العظيم، حتى أصبح داعية إلى الإسلام.

وهو إنما سأل طمعاً كغيره من الأعراب، فالأعراب أهل طمع، يحبون المال ويسألونه، ولكنه لما أعطاه الرسول عليه الصلاة والسلام هذا العطاء الجزيل صار داعية إلى الإسلام، فقال: ((يا قوم أسلموا)) ولم يقل

أسلموا تدخلوا الجنة وتنجوا من النار، بل قال: ((أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر)) يعني سيعطيكم ويكثر.

ولكنهم إذا أسلموا من أجل المال، فإنهم لا يلبثون يسيراً إلا وقد صار الإسلام أحب شيء إليهم، أحب من الدنيا وما فيها، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعطي الرجل تأليفاً له على الإسلام، يعطيه حتى يسلم للمال؛ لكنه لا يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها.

ويؤخذ من هذا الحديث وأمثاله: أنه لا ينبغي لنا أن نبتعد عن أهل الكفر وعن أهل الفسوق، وأن ندعهم للشياطين تلعب بهم؛ بل نؤلفهم، ونجذبهم إلينا بالمال واللين وحسن الخلق حتى يألفوا الإسلام، فها هو الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام يعطي الكفار، يعطيهم حتى من الفيء.

بل إن الله جعل لهم حظاً من الزكاة، نعطيهم لنؤلفهم على الإسلام، حتى يدخلوا في دين الله، والإنسان قد يسلم للدنيا، ولكن إذا ذاق طعم الإسلام رغب فيه، فصار أحب شيء إليه.

قال بعض أهل العلم: طلبنا العلم لغير الله؛ فأبى أن يكون إلا لله، فالأعمال الصالحة لابد أن تربي صاحبها على الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام.

وإذا كان هذا دأب الإسلام فيمن يُعطى على الإسلام ويُولف؛ فإنه ينبغي لنا أن ننظر إلى هذا نظرة جدية، فنعطي من كان كافراً إذا وجدنا فيه قرباً من الإسلام، ونهاديه ونحسن له الخلق، فإذا اهتدى فلئن يهدي الله

بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم.

وهكذا أيضاً الفساق هادهم، أنصحهم باللين، وبالتي هي أحسن، ولا تقل: أنا أبغضهم لله، ابغضهم لله وادعهم إلى الله، بغضك إياهم لله لا يمنعك أن تدعوهم إلى الله؛ بل ادعهم إلى الله عز وجل وإن كنت تكرههم فلعلهم يوماً من الأيام يكونون من أحبابك في الله.

ثم ذكر المؤلف الحديث الآخر أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: " ما نقصت صدقة من مال" يعني الإنسان إذا تصدق؛ فإن الشيطان يقول له: أنت إذا تصدقت نقص مالك، عندك مائة ريال إذا تصدقت بعشرة لم يكن عندك إلا تسعون، إذا نقص المال فلا تتصدق، كلما تصدقت ينقص مالك.

ولكن من لا ينطق عن الهوى يقول: ((إن الصدقة لا تنقص المال، لا تنقصه لماذا؟)) ، قد تنقصه كمّا، لكنها تزيده كيفا وبركة، وربما هذه العشرة يأتي بدلها مائة، كما قال تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) (سبأ: ٣٩) ، إي يجعل لكم خلفاً عنه عاجلاً، وأجراً وثواباً آجلاً. قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) (البقرة: ٢٦١) .

والمسلمون اليوم مقبلون على شهر رمضان، وشهر رمضان مقبل عليهم، فهو شهر الجود والكرم، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكرم الناس، وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.

الريح المرسلة التي أمرها الله وأرسلها فهي عاصفة سريعة، ومع ذلك فالرسول عليه الصلاة والسلام أسرع بالخير في رمضان من هذه الريح المرسلة، فينبغي لنا إن كانت زكاة فزكاة، وإن كانت تبرعاً فتبرع؛ لأنه شهر الخير والبركة والإنفاق.

ويزيد العامة على قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما نقصت صدقة من مال)) يجري على السنة العامة قولهم: ((بل تزده)) وهذه لا صحة لها، فلم تصح عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما الذي صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله: " ما نقصت صدقة من مال".

فالزيادة التي تحصل بدل الصدقة إما كمية وإما كيفية.

مثال الكمية: أن الله تعالى يفتح لك باباً من الرزق ما كان في حسابك

والكيفية: أن ينزل الله لك البركة فيما بقي من مالك.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: " وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً"، إذا جنى عليك أحد وظلمك في مالك، أو في بدنك، أو في أهلك، أو في حق من حقوقك، فإن النفس شحيحة تأبى إلا أن تنتقم منه، وأن تأخذ بحقك، وهذا لك. قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤) وقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) (النحل: ١٢٦)

ولا يلام الإنسان على ذلك، لكن إذا هم بالعفو وحدث نفسه بالعفو قالت له نفسه الأمارة بالسوء: إن هذا ذل وضعف، كيف تعفو عن شخص

جنى عليك أو اعتدى عليك؟!

فيقول الرسول عليه الصلاة والسلام: وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً" والعز ضد الذل، والذي تحدثك به نفسك أنك إذا عفوت فقد ذللت أمام من اعتدى عليك، فهذا من خداع النفس الأمارة بالسوء ونهيها عن الخير، فإن الله تعالى يثيبك على عفوك هذا، فالله لا يزيدك إلا عزاً ورفعة في الدنيا والآخرة.

ثم قال صلى الله عليه وسلم ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه)) . وهذه الرفعة تكون بسبب التواضع والتضامن، والتهاون، ولكن الإنسان يظن أنه إذا تواضع نزل، ولكن الأمر بالعكس، إذا تواضعت لله؛ فإن الله تعالى يرفعك.

وقوله: " تواضع لله" لها معنيان:

المعنى الأول: أن تتواضع لله بالعبادة وتخضع لله وتنقاد لأمر الله.

المعنى الثاني: أن تتواضع لعباد الله من أجل الله، وكلاهما سبب للرفعة، وسواء تواضعت لله بامتثال أمره واجتناب نهيه وذللت له وعبدته، أو تواضعت لعباد الله من أجل الله لا خوفاً منهم، ولا مداراة لهم، ولا طلباً لمال أو غيره، إنما تتواضغ من أجل الله عز وجلّ، فإن الله تعالى يرفعك في الدنيا أو في الآخرة.

فهذه الأحاديث كلها تدل على فضل الصدقة والتبرع، وبذل المعروف والإحسان إلى الغير، وأن ذلك من خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

قَالَ: «مَا أكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أنْ يَأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِه، وَإنَّ نَبيَّ الله دَاوُدَ - عليه السلام - كَانَ يَأكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» . رواه البخاري.

الاكتساب لا ينافي التوكل، فقد كان للجنيد دكان في البزازين، وكان يرخي ستره عليه، فيصلي ما بين الظهر والعصر، وكان إبراهيم بن أدهم يكثر الكسب وينفق منه ضرورته، ويتصدق بباقيه، وكان أحب طرقه إليه حفظ البساتين وخدمتها، لأنه تتم له فيها الخلوة.

وفي الحديث الآخر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: «عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور» .

٦٠- باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقةً بالله تعالى

الكرم: الإنفاق بطيب نفس، والجود: الإنفاق فيما يعظم خطره ونفعه.

قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ (٣٩) ] .

أي: ما أنفقتم في رضا الله عزَّ وجلّ فهز يخلفه في الدنيا بالمال، أو بالقناعة، وفي الآخرة بالجزاء المضاعف، قال الله تعالى: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة (٢٤٥) ] .

وقال تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [البقرة (٢٧٢) ] .

أي: ما تنفقوا من خير فثوابه لأنفسكم، فلا تمنُّوا به، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله.

قال عطاء: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله.

{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} ثوابه. {وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} أي: لا تنقصون.

وقال تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة (٢٧٣) ] .

أي: فيجازيكم بقدره.

[٥٤٤] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

ومعناه: يَنْبَغي أنْ لا يُغبَطَ أحَدٌ إلا عَلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ.

الحكمة: العلم. وضابطها ما منع الجهل، وزجر عن القبيح، والعلم النافع هو القرآن والسنَّة.

[٥٤٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّكُم مَالُ وَارِثِهِ أحبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟» قالوا: يَا رسول اللهِ، مَا مِنَّا أحَدٌ إلا مَالُهُ أحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: ... «فإنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أخَّرَ» . رواه البخاري.

فيه: التحريض على ما يمكن تقديمه من المال في وجوه البر لينتفع به في الآخرة.

[٥٤٦] وعن عَدِيِّ بن حَاتِمٍ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: أن الصدقة تقي من النار، ولو كانت قليلة، وفي الحديث الآخر: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار» .

[٥٤٧] وعن جابرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا سُئِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شَيْئاً قَطُّ، فقالَ: لا. متفقٌ عَلَيْهِ.

كان - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق بالرد فإن كان عنده المسؤول، وساغ الإعطاء أعطى وإلا وعد كما قال تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} [الإسراء (٢٨) ] .

[٥٤٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبحُ العِبَادُ فِيهِ إلا مَلَكَانِ يَنْزلانِ، فَيَقُولُ أحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً» . متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: الحض على الإنفاق ورجاء قبول دعوة الملك.

[٥٤٩] وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «قَالَ الله تَعَالَى: أنفِق يَا ابْنَ آدَمَ يُنْفَقْ عَلَيْكَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

الإنفاق الممدوح: ما كان في الطاعات، وعلى العيال والضيفان.

[٥٥٠] وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ رَجُلاً سَألَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

المراد: الإطعام على وجه الصدقة، والهدية، والضيافة، ونحو ذلك.

وقوله: «وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» . المراد به: إفشاء السلام على من لقيت.

وفيه: حض على ائتلاف القلوب واستجلاب مودتها.

[٥٥١] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرْبَعُونَ خَصْلَةً: أعْلاهَا مَنِيحةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بخَصْلَةٍ مِنْهَا؛ رَجَاءَ ثَوَابهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إلا أدْخَلَهُ الله تَعَالَى بِهَا الجَنَّةَ» . رواه البخاري. وقد سبق بيان هَذَا الحديث في باب بَيَانِ كَثْرَةِ طُرُقِ الخَيْرِ.

في هذا الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على فعل الخير ولو كان قليلاً، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» .

قال ابن بطال: ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان عالمًا بالأربعين، وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك خشية أنْ يكون التعيين لها مزهدًا في غيرها من أبواب البر.

[٥٥٢] وعن أَبي أُمَامَة صُدّيِّ بن عَجْلانَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ أن تَبْذُلَ الفَضلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأن تُمْسِكَه شَرٌّ لَكَ، وَلا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» . رواه مسلم.

الفضل: ما زاد على ما تدعو إليه حاجة الإنسان لنفسه ولمن يمونه من زوجة، وعبد، ودابة، وقريب؛ فلا يلام على إمساك ما يكف به الحاجة لذلك.

[٥٥٣] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا سُئِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الإسْلَامِ شَيْئاً إلا أعْطَاهُ، وَلَقَدْ جَاءهُ رَجُلٌ، فَأعْطَاهُ غَنَماً بَيْنَ

جَبَلَيْنِ، فَرجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أسْلِمُوا فإِنَّ مُحَمَّداً يُعطِي عَطَاءَ مَن لا يَخْشَى الفَقْر، وَإنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُريدُ إلا الدُّنْيَا، فَمَا يَلْبَثُ إلا يَسِيراً حَتَّى يَكُونَ الإسْلَامُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. رواه مسلم.

في هذا الحديث: جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم ترغيبًا في الإسلام.

وفيه: كمال معرفته - صلى الله عليه وسلم - بدواء كل داء.

[٥٥٤] وعن عمر - رضي الله عنه - قَالَ: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَسْماً، فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله، لَغَيْرُ هؤلَاءِ كَانُوا أحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ؟ فَقَالَ: «إنَّهُمْ خَيرُونِي أنْ يَسألُوني بالفُحْشِ، أَوْ يُبَخِّلُونِي، وَلَسْتُ بِبَاخِلٍ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من عظيم الخلق، والصبر، والحلم، والإعراض عن الجاهلين.

[٥٥٥] وعن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْن، فَعَلِقَهُ الأعْرَابُ يَسْألُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَة، فَخَطِفَت رِدَاءهُ، فَوَقَفَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أعْطُوني رِدَائي، فَلَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هذِهِ العِضَاهِ نَعَماً، لَقَسَمْتُهُ بَينَكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلا كَذّاباً وَلا جَبَاناً» . رواه البخاري.

«مَقْفَلَهُ» أيْ: حَال رُجُوعِه. وَ «السَّمُرَةُ» : شَجَرَةٌ. وَ «العِضَاهُ» : شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ.

في هذا الحديث: ذم البخل، والكذب، والجبن.

وفيه: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من الحلم وحسن الخلق، والصبر على جفاة

الأعراب، وجواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة.

[٥٥٦] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إلا عِزّاً، وَمَا تَواضَعَ أحَدٌ لله إلا رَفَعَهُ اللهُ - عز وجل -» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: أن الصدقة لا تنقص المال بل تزيده، لما تدفعه عنه الصدقة من الآفات، وتنزل بسبها البركات.

وفيه: أن من عُرِف بالعفو والصفح ساد وعظم في قلوب الناس، وأن من تواضع رفعه الله في الدنيا والآخرة.

[٥٥٧] وعن أَبي كبشة عمرو بن سعد الأنماري - رضي الله عنه - أنّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ثَلَاثَةٌ أُقْسمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إلا زَادَهُ اللهُ عِزّاً، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسألَةٍ إلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقرٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - وَأُحَدِّثُكُمْ حَديثاً فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: «إنَّمَا الدُّنْيَا لأرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وَعِلماً، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقَّاً، فَهذا بأفضَلِ المَنَازِلِ.

وَعَبْدٍ رَزَقهُ اللهُ عِلْماً، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي مَالاً لَعَمِلتُ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ بنيَّتِهِ، فأجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ الله مَالاً، وَلَمَ يَرْزُقْهُ عِلْماً، فَهُوَ يَخبطُ في مَالِهِ بغَيرِ عِلْمٍ، لا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقّاً، فَهذَا بأَخْبَثِ المَنَازِلِ. وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالاً وَلا عِلْماً، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي

مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

قوله: «ما نقص مال عبد من صدقة» . يشهد له قوله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ (٣٩) ] .

قوله: «ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزًّا» ، يشهد له قوله تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى (٤٣) ] .

قوله: «ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر» وهذا مشاهد بالحس ويشهد له قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر (١٥) ] .

قوله: «إنما الدنيا لأربعة ... » إلخ فالأول عَلِمَ وعَمِلَ صالحًا. والثاني: عَلِمَ وعزم على العمل الصالح لو قدر، فأجرهما سواء والثالث: لم يعْلَمْ ولم يعمَلْ في ماله صالحًا. والرابع: لم يعلَمْ وعزم على العمل السيِّئ، لو قدر على مال فوزهما سواء.

وقال بعض العارفين:

أربعة تعجبت من شأنهم ... ?? ... فالعينُ في فكرتهم ساهرة ... ???

فواحد دنياه مبسوطة ... ?? ... قد أوتي الدنيا مع الآخرة ... ??

وآخر دنياه مقبوضة ... ???? ... وبعدها آخرة وافرة ... ?????

وثالث دنياه مبسوطة ... ?? ... ليست له من بعده آخرة ... ???

ورابع أسقط من بينهم ... ?? ... ليست له دنيا ولا آخرة ... ???

قال الله تعالى: {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} [الإسراء (٢١) ] .

[٥٥٨] وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قالت: مَا بَقِيَ مِنْهَا إلا كَتِفُها. قَالَ: «بَقِيَ

كُلُّهَا غَيْرُ كَتِفِهَا» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .

ومعناه: تَصَدَّقُوا بِهَا إلا كَتِفَها. فَقَالَ: بَقِيَتْ لَنَا في الآخِرَةِ إلا كَتِفَهَا.

فيه: تحريض على الصدقة والاهتمام بها، وألا يكثر المرء ما أنفقه فيها.

[٥٥٩] وعن أسماء بنت أَبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهما، قالت: قَالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُوكِي فَيُوكي الله عَلَيْكِ» .

وفي رواية: «أنفقي أَوِ انْفَحِي، أَوْ انْضَحِي، وَلا تُحصي فَيُحْصِي اللهُ عَلَيْكِ، وَلا تُوعي فَيُوعي اللهُ عَلَيْكِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

وَ «انْفَحِي» بالحاء المهملة، وَهُوَ بمعنى «أنفقي» وكذلك «انْضحي» .

في هذا الحديث: أن الجزاء من جنس العمل، وأن من منع ما عنده من المال قطع الله عنه مادة الرزق، وهذا مفهوم قوله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ (٣٩) ] .

وفيه: الحث على الإنفاق في وجوهه ثقة بالله تعالى.

[٥٦٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: «مَثَل البَخيل وَالمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَديد مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلا يُنْفِقُ إلا سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُو أثرَهُ، وأمَّا البَخِيلُ، فَلا يُريدُ أنْ يُنْفِقَ شَيْئاً إلا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوسِّعُهَا فَلا تَتَّسِعُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

وَ «الجُبَّةُ» : الدِّرْعُ؛ وَمَعنَاهُ أنَّ المُنْفِقَ كُلَّمَا أنْفَقَ سَبَغَتْ، وَطَالَتْ حَتَّى تَجُرَّ وَرَاءهُ، وَتُخْفِيَ رِجْلَيْهِ وَأثَرَ مَشْيِهِ وَخطُوَاتِهِ.

القبض والشح من جبلة الإنسان قال الله تعالى: {وَكَانَ الإنسَانُ ... قَتُوراً} [الإسراء (١٠٠) ] ، والنفقة تستوعب عيوبه.

وفي الحديث: وعدٌ للمنفق بالبركة والصيانة من البلاء والبخيل بضد ذلك. قال الله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ... [الحشر (٩) ] .

[٥٦١] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَصَدَّقَ بعَدلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللهُ إلا الطَّيبَ، فَإنَّ اللهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

«الفَلُوُّ» بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، ويقال أيضاً: بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو: وَهُوَ المُهْرُ.

فيه: أن الله لا يقبل الصدقة إلا من الكسب الطيب، وهو الحلال. وفي رواية: «ولا يصعد إلى الله إلا الطيب.

قوله: «بيمينه» . قال الترمذي: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيهًا ولا نقول كيف، هكذا رُوي عن مالك، وابن عيينة، وابن المبارك، وغيرهم.

[٥٦٢] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتاً في سَحَابَةٍ، اسقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأفْرَغَ مَاءهُ في حَرَّةٍ، فإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَت

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٦٠- باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى]

قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) (سبأ: ٣٩) .

قال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٢) .

وقال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٧٣) .

١/٥٤٤- وعن ابن مسعودٍ رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطهُ على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حِكمة، فهو يقضي بها ويعلمها)) متفق عليه.

٢/٥٤٥- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: ((أيكم مالُ وارثهِ أحب إليه من مالهِ؟)) قالُوا: يا رسول الله، ما مِنا أحد إلا مالُهُ أحب إليه. قال: ((فإن مالهُ ما قدم ومال وارثه ما آخر)) رواه البخاري.

٣/٥٤٦- وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا

النار ولو بشق تمرة)) متفق عليه.

٤/٥٤٧- وعن جابر رضي الله عنه قال: ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا. متفق عليه.

٥/٥٤٨- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم يصبح العبادُ فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: الله اعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفا" متفق عليه.

٦/٥٤٩- وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى: ((انفق يا ابن آدم ينفق عليك)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحث على إنفاق المال في سبل الخير مع الثقة بالله عز وجل.

المال الذي أعطاه الله بني آدم، أعطاهم الله إياه فتنة؛ ليبلوهم هل يحسنون التصرف فيه أم لا.

قال الله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)

(التغابن: ١٥) ، فمن الناس من ينفقه في شهواته المحرمة، وفي لذائذه التي لا تزيده من الله إلا بعداً، فهذا يكون ماله وبالاً عليه والعياذ بالله.

ومن الناس من ينفقه ابتغاء وجه الله فيما يقرب إلى الله على حسب شريعة الله، فهذا ماله خيرا له.

ومن الناس من يبذل ماله في غير فائدة، ليس في شيء محرم ولا في شيء مشروع، فهذا ماله ضائع عليه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.

وينبغي للإنسان إذا بذل ماله فيما يرضي الله أن يكون واثقاً بوعد الله سبحانه وتعالى حيث قال في كتابه: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ: ٣٩) ، (فَهُوَ يُخْلِفُهُ) أي يعطيكم خلفاً عنه.

وليس معناه فهو يخلُفهُ، إذ لو كانت فهو يخلفه، لكان معنى الآية: أن الله يكون خليفة، وليس الأمر كذلك، بل فهو يُخلفه أي يعطيكم خلفاً عنه.

ومنه الحديث: ((اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها)) ولا تقل واخلف لى خيراً منها، بل وأخلف أي أرزقني خلفاً عنها خيراً منها. ولا تقل واخلف لي خيراً منها، بل وأخلف أي ارزقني خلفاًً عنها خيراً منها.

فالله عز وجلَّ وعد في كتابه أن ما أنفقه الإنسان فإن الله يخلفه عليه، يعطيه خلفاً عنه، وهذا يفسره قول الرسول عليه الصلاة والسلام في الأحاديث التي ساقها المؤلف مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: الله أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر:

الله أعط ممسكاً تلفاً)) يعني أتلف ماله.

والمراد بذلك من يمسك عما أوجب الله عليه من بذل المال فيه، وليس كل ممسك يُدعى عليه، بل الذي يمسك ماله عن إنفاقه فيما أوجب الله، فهو الذي تدعو عليه الملائكة بأن الله يتلفه ويتلف ماله.

والتلف نوعان: تلف حسي، وتلف معنوي:

١- التلف الحسي: أن يتلف المال نفسه، بأن يأتيه آفة تحرقه أو يُسرق أو ما أشبه ذلك.

٢- والتلف المعنوي: أن تنزع بركته، بحيث لا يستفيد الإنسان منه في حسناته، ومنه ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لأصحابه: ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟)) قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا وماله أحب إليه.

فمالك أحب إليك من مال زيد وعمرو وخالد، ولو كان من ورثتك، قال: " فإن ماله ما قدّم وماله وارثه ما أخَّر".

وهذه حكمة عظيمة ممن أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم، فمالك الذي تقدمه لله عز وجل تجده أمامك يوم القيامة، ومال الوارث ما يبقى بعدك من الذي ينتفع به ويأكله هو الوارث، فهو مال وارثك على الحقيقة. فأنفق مالك فيما يرضي الله، وإذا أنفقت؛ فإن الله يخلفه وينفق عليك، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم أنفق ينفق عليك)) .

وهذه الأحاديث كلها وكذلك الآيات تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يبذل ماله حسب ما شرع الله عز وجل، كما جاء في الحديث الذي صدر به

المؤلف هذا الباب؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا حسد إلا في اثنتين)) يعني لا غبطة، ولا أحد يغبط على ما أعطاه الله سبحانه وتعالى من مال وغيره إلا في اثنتين فقط:

الأولى: رجل أعطاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، صار لا يبذله إلا فيما يرضي الله، هذا يحسد؛ لأنك الآن تجد التجار يختلفون، منهم من ينفق أمواله في سبيل الله، في الخيرات، في أعمال البر

، إعانة فقير، بناء مساجد، بناء مدارس، طبع كتب، إعانة على الجهاد، وما أشبه ذلك. فهذا سلط على هلكته في الحق.

ومنهم من يسلطه على هلكته في اللذائذ المحرمة والعياذ بالله، يسافر إلى الخارج فيزني، ويشرب الخمر، ويعلب القمار، ويتلف ماله فيما يغضب الرب عز وجل، فالذي سلطه الله على هلكة ماله في الحق هذا يغبط؛ لأن الغالب أن الذي يستغني يبطر ويمرح ويفسق، فإذا رؤي أن هذا الرجل الذي أعطاه الله المال ينفقه في سبيل الله؛ فهو يغبط.

والثانية: رجل آتاه الله الحكمة يعني العلم، الحكمة هنا العلم كما قال الله تعالى: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) (النساء: ١١٣) ، ((فهو يقضي بها ويعلمها الناس)) يقضي بها في نفسه وفي أهله، وفي من تحاكم عنده، ويعلمها الناس أيضاً، ليس يقتصر على أن يأتيه الناس فيقول: إذا جاءوني حكمت وقضيت؛ بل يقضي ويعلم، ويبدأ الناس بذلك، فهذا لا شك أنه مغبوط على ما آتاه الله عز وجل من الحكمة.

والناس في الحكمة ينقسمون إلى أقسام:

قسم آتاه الله الحكمة فبخل بها حتى على نفسه، لم ينتفع بها في نفسه، ولم يعمل بطاعة الله، ولم ينته عن معصية الله، فهذا خاسر والعياذ بالله، وهذا يشبه اليهود الذين علموا الحق واستكبروا عنه.

وقسم أخر أعطاه الله الحكمة فعمل بها في نفسه، لكن لم ينفع بها عباد الله، وهذا خيرٌ من الذي قبله، لكنه ناقص.

وقسم آخر أعطاه الله الحكمة فقضي بها وعمل بها في نفسه وعلمها الناس، فهذا خير الأقسام.

وهناك قسم رابع لم يؤت الحكمة إطلاقاً فهو جاهل، وهذا حُرم خيراً كثيراً، لكنه أحسن حالاً ممن أوتي الحكمة ولم يعمل بها؛ لأن هذا يُرجى إذا علم أن يتعلم ويعمل، بخلاف الذي أعطاه الله العلم، وكان عمله وبالاً عليه والعياذ بالله نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم الحكمة والعلم النافع والعمل الصالح.

١/٥٥٣- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاهُ، ولقد جاءه رجلٌ، فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرا حتى يكُون الإسلامُ أحب إليه من الدنيا وما عليها. رواه مسلم.

١٣/٥٥٦- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل)) رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً على الإسلام إلا أعطاه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أكرم الناس، وكان يبذل أمواله فيما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم إذا سأله شخص على الإسلام يعني على التأليف على الإسلام والرغبة فيه إلا اعطاه، مهما كان هذا الشيء، حتى إنه سأله أعرابي فأعطاه غنماً بين جبلين، بين جبلين معناه: أنها غنم كثيرة؛ لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه لما يرجوا من الخير لهذا الرجل ولمن وراه.

ولذلك ذهب هذا الرجل إلى قومه فقال: ((يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر)) ، عليه الصلاة والسلام، يعني: يعطي عطاءً جزيلاً، عطاء من لا يخشى الفقر، فانظر إلى هذا العطاء كيف أثر في هذا الرجل هذا التأثير العظيم، حتى أصبح داعية إلى الإسلام.

وهو إنما سأل طمعاً كغيره من الأعراب، فالأعراب أهل طمع، يحبون المال ويسألونه، ولكنه لما أعطاه الرسول عليه الصلاة والسلام هذا العطاء الجزيل صار داعية إلى الإسلام، فقال: ((يا قوم أسلموا)) ولم يقل

أسلموا تدخلوا الجنة وتنجوا من النار، بل قال: ((أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر)) يعني سيعطيكم ويكثر.

ولكنهم إذا أسلموا من أجل المال، فإنهم لا يلبثون يسيراً إلا وقد صار الإسلام أحب شيء إليهم، أحب من الدنيا وما فيها، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعطي الرجل تأليفاً له على الإسلام، يعطيه حتى يسلم للمال؛ لكنه لا يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها.

ويؤخذ من هذا الحديث وأمثاله: أنه لا ينبغي لنا أن نبتعد عن أهل الكفر وعن أهل الفسوق، وأن ندعهم للشياطين تلعب بهم؛ بل نؤلفهم، ونجذبهم إلينا بالمال واللين وحسن الخلق حتى يألفوا الإسلام، فها هو الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام يعطي الكفار، يعطيهم حتى من الفيء.

بل إن الله جعل لهم حظاً من الزكاة، نعطيهم لنؤلفهم على الإسلام، حتى يدخلوا في دين الله، والإنسان قد يسلم للدنيا، ولكن إذا ذاق طعم الإسلام رغب فيه، فصار أحب شيء إليه.

قال بعض أهل العلم: طلبنا العلم لغير الله؛ فأبى أن يكون إلا لله، فالأعمال الصالحة لابد أن تربي صاحبها على الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام.

وإذا كان هذا دأب الإسلام فيمن يُعطى على الإسلام ويُولف؛ فإنه ينبغي لنا أن ننظر إلى هذا نظرة جدية، فنعطي من كان كافراً إذا وجدنا فيه قرباً من الإسلام، ونهاديه ونحسن له الخلق، فإذا اهتدى فلئن يهدي الله

بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم.

وهكذا أيضاً الفساق هادهم، أنصحهم باللين، وبالتي هي أحسن، ولا تقل: أنا أبغضهم لله، ابغضهم لله وادعهم إلى الله، بغضك إياهم لله لا يمنعك أن تدعوهم إلى الله؛ بل ادعهم إلى الله عز وجل وإن كنت تكرههم فلعلهم يوماً من الأيام يكونون من أحبابك في الله.

ثم ذكر المؤلف الحديث الآخر أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: " ما نقصت صدقة من مال" يعني الإنسان إذا تصدق؛ فإن الشيطان يقول له: أنت إذا تصدقت نقص مالك، عندك مائة ريال إذا تصدقت بعشرة لم يكن عندك إلا تسعون، إذا نقص المال فلا تتصدق، كلما تصدقت ينقص مالك.

ولكن من لا ينطق عن الهوى يقول: ((إن الصدقة لا تنقص المال، لا تنقصه لماذا؟)) ، قد تنقصه كمّا، لكنها تزيده كيفا وبركة، وربما هذه العشرة يأتي بدلها مائة، كما قال تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) (سبأ: ٣٩) ، إي يجعل لكم خلفاً عنه عاجلاً، وأجراً وثواباً آجلاً. قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) (البقرة: ٢٦١) .

والمسلمون اليوم مقبلون على شهر رمضان، وشهر رمضان مقبل عليهم، فهو شهر الجود والكرم، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكرم الناس، وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.

الريح المرسلة التي أمرها الله وأرسلها فهي عاصفة سريعة، ومع ذلك فالرسول عليه الصلاة والسلام أسرع بالخير في رمضان من هذه الريح المرسلة، فينبغي لنا إن كانت زكاة فزكاة، وإن كانت تبرعاً فتبرع؛ لأنه شهر الخير والبركة والإنفاق.

ويزيد العامة على قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما نقصت صدقة من مال)) يجري على السنة العامة قولهم: ((بل تزده)) وهذه لا صحة لها، فلم تصح عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما الذي صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله: " ما نقصت صدقة من مال".

فالزيادة التي تحصل بدل الصدقة إما كمية وإما كيفية.

مثال الكمية: أن الله تعالى يفتح لك باباً من الرزق ما كان في حسابك

والكيفية: أن ينزل الله لك البركة فيما بقي من مالك.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: " وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً"، إذا جنى عليك أحد وظلمك في مالك، أو في بدنك، أو في أهلك، أو في حق من حقوقك، فإن النفس شحيحة تأبى إلا أن تنتقم منه، وأن تأخذ بحقك، وهذا لك. قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤) وقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) (النحل: ١٢٦)

ولا يلام الإنسان على ذلك، لكن إذا هم بالعفو وحدث نفسه بالعفو قالت له نفسه الأمارة بالسوء: إن هذا ذل وضعف، كيف تعفو عن شخص

جنى عليك أو اعتدى عليك؟!

فيقول الرسول عليه الصلاة والسلام: وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً" والعز ضد الذل، والذي تحدثك به نفسك أنك إذا عفوت فقد ذللت أمام من اعتدى عليك، فهذا من خداع النفس الأمارة بالسوء ونهيها عن الخير، فإن الله تعالى يثيبك على عفوك هذا، فالله لا يزيدك إلا عزاً ورفعة في الدنيا والآخرة.

ثم قال صلى الله عليه وسلم ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه)) . وهذه الرفعة تكون بسبب التواضع والتضامن، والتهاون، ولكن الإنسان يظن أنه إذا تواضع نزل، ولكن الأمر بالعكس، إذا تواضعت لله؛ فإن الله تعالى يرفعك.

وقوله: " تواضع لله" لها معنيان:

المعنى الأول: أن تتواضع لله بالعبادة وتخضع لله وتنقاد لأمر الله.

المعنى الثاني: أن تتواضع لعباد الله من أجل الله، وكلاهما سبب للرفعة، وسواء تواضعت لله بامتثال أمره واجتناب نهيه وذللت له وعبدته، أو تواضعت لعباد الله من أجل الله لا خوفاً منهم، ولا مداراة لهم، ولا طلباً لمال أو غيره، إنما تتواضغ من أجل الله عز وجلّ، فإن الله تعالى يرفعك في الدنيا أو في الآخرة.

فهذه الأحاديث كلها تدل على فضل الصدقة والتبرع، وبذل المعروف والإحسان إلى الغير، وأن ذلك من خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

قَالَ: «مَا أكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أنْ يَأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِه، وَإنَّ نَبيَّ الله دَاوُدَ - عليه السلام - كَانَ يَأكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» . رواه البخاري.

الاكتساب لا ينافي التوكل، فقد كان للجنيد دكان في البزازين، وكان يرخي ستره عليه، فيصلي ما بين الظهر والعصر، وكان إبراهيم بن أدهم يكثر الكسب وينفق منه ضرورته، ويتصدق بباقيه، وكان أحب طرقه إليه حفظ البساتين وخدمتها، لأنه تتم له فيها الخلوة.

وفي الحديث الآخر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: «عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور» .

٦٠- باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقةً بالله تعالى

الكرم: الإنفاق بطيب نفس، والجود: الإنفاق فيما يعظم خطره ونفعه.

قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ (٣٩) ] .

أي: ما أنفقتم في رضا الله عزَّ وجلّ فهز يخلفه في الدنيا بالمال، أو بالقناعة، وفي الآخرة بالجزاء المضاعف، قال الله تعالى: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة (٢٤٥) ] .

وقال تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [البقرة (٢٧٢) ] .

أي: ما تنفقوا من خير فثوابه لأنفسكم، فلا تمنُّوا به، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله.

قال عطاء: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله.

{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} ثوابه. {وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} أي: لا تنقصون.

وقال تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة (٢٧٣) ] .

أي: فيجازيكم بقدره.

[٥٤٤] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

ومعناه: يَنْبَغي أنْ لا يُغبَطَ أحَدٌ إلا عَلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ.

الحكمة: العلم. وضابطها ما منع الجهل، وزجر عن القبيح، والعلم النافع هو القرآن والسنَّة.

[٥٤٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّكُم مَالُ وَارِثِهِ أحبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟» قالوا: يَا رسول اللهِ، مَا مِنَّا أحَدٌ إلا مَالُهُ أحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: ... «فإنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أخَّرَ» . رواه البخاري.

فيه: التحريض على ما يمكن تقديمه من المال في وجوه البر لينتفع به في الآخرة.

[٥٤٦] وعن عَدِيِّ بن حَاتِمٍ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: أن الصدقة تقي من النار، ولو كانت قليلة، وفي الحديث الآخر: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار» .

[٥٤٧] وعن جابرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا سُئِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شَيْئاً قَطُّ، فقالَ: لا. متفقٌ عَلَيْهِ.

كان - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق بالرد فإن كان عنده المسؤول، وساغ الإعطاء أعطى وإلا وعد كما قال تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} [الإسراء (٢٨) ] .

[٥٤٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبحُ العِبَادُ فِيهِ إلا مَلَكَانِ يَنْزلانِ، فَيَقُولُ أحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً» . متفقٌ عَلَيْهِ.

فيه: الحض على الإنفاق ورجاء قبول دعوة الملك.

[٥٤٩] وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «قَالَ الله تَعَالَى: أنفِق يَا ابْنَ آدَمَ يُنْفَقْ عَلَيْكَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

الإنفاق الممدوح: ما كان في الطاعات، وعلى العيال والضيفان.

[٥٥٠] وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ رَجُلاً سَألَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

المراد: الإطعام على وجه الصدقة، والهدية، والضيافة، ونحو ذلك.

وقوله: «وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» . المراد به: إفشاء السلام على من لقيت.

وفيه: حض على ائتلاف القلوب واستجلاب مودتها.

[٥٥١] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرْبَعُونَ خَصْلَةً: أعْلاهَا مَنِيحةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بخَصْلَةٍ مِنْهَا؛ رَجَاءَ ثَوَابهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إلا أدْخَلَهُ الله تَعَالَى بِهَا الجَنَّةَ» . رواه البخاري. وقد سبق بيان هَذَا الحديث في باب بَيَانِ كَثْرَةِ طُرُقِ الخَيْرِ.

في هذا الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على فعل الخير ولو كان قليلاً، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» .

قال ابن بطال: ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان عالمًا بالأربعين، وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك خشية أنْ يكون التعيين لها مزهدًا في غيرها من أبواب البر.

[٥٥٢] وعن أَبي أُمَامَة صُدّيِّ بن عَجْلانَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ أن تَبْذُلَ الفَضلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأن تُمْسِكَه شَرٌّ لَكَ، وَلا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» . رواه مسلم.

الفضل: ما زاد على ما تدعو إليه حاجة الإنسان لنفسه ولمن يمونه من زوجة، وعبد، ودابة، وقريب؛ فلا يلام على إمساك ما يكف به الحاجة لذلك.

[٥٥٣] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا سُئِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الإسْلَامِ شَيْئاً إلا أعْطَاهُ، وَلَقَدْ جَاءهُ رَجُلٌ، فَأعْطَاهُ غَنَماً بَيْنَ

جَبَلَيْنِ، فَرجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أسْلِمُوا فإِنَّ مُحَمَّداً يُعطِي عَطَاءَ مَن لا يَخْشَى الفَقْر، وَإنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُريدُ إلا الدُّنْيَا، فَمَا يَلْبَثُ إلا يَسِيراً حَتَّى يَكُونَ الإسْلَامُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. رواه مسلم.

في هذا الحديث: جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم ترغيبًا في الإسلام.

وفيه: كمال معرفته - صلى الله عليه وسلم - بدواء كل داء.

[٥٥٤] وعن عمر - رضي الله عنه - قَالَ: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَسْماً، فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله، لَغَيْرُ هؤلَاءِ كَانُوا أحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ؟ فَقَالَ: «إنَّهُمْ خَيرُونِي أنْ يَسألُوني بالفُحْشِ، أَوْ يُبَخِّلُونِي، وَلَسْتُ بِبَاخِلٍ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من عظيم الخلق، والصبر، والحلم، والإعراض عن الجاهلين.

[٥٥٥] وعن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْن، فَعَلِقَهُ الأعْرَابُ يَسْألُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَة، فَخَطِفَت رِدَاءهُ، فَوَقَفَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أعْطُوني رِدَائي، فَلَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هذِهِ العِضَاهِ نَعَماً، لَقَسَمْتُهُ بَينَكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلا كَذّاباً وَلا جَبَاناً» . رواه البخاري.

«مَقْفَلَهُ» أيْ: حَال رُجُوعِه. وَ «السَّمُرَةُ» : شَجَرَةٌ. وَ «العِضَاهُ» : شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ.

في هذا الحديث: ذم البخل، والكذب، والجبن.

وفيه: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من الحلم وحسن الخلق، والصبر على جفاة

الأعراب، وجواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة.

[٥٥٦] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إلا عِزّاً، وَمَا تَواضَعَ أحَدٌ لله إلا رَفَعَهُ اللهُ - عز وجل -» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: أن الصدقة لا تنقص المال بل تزيده، لما تدفعه عنه الصدقة من الآفات، وتنزل بسبها البركات.

وفيه: أن من عُرِف بالعفو والصفح ساد وعظم في قلوب الناس، وأن من تواضع رفعه الله في الدنيا والآخرة.

[٥٥٧] وعن أَبي كبشة عمرو بن سعد الأنماري - رضي الله عنه - أنّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ثَلَاثَةٌ أُقْسمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إلا زَادَهُ اللهُ عِزّاً، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسألَةٍ إلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقرٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - وَأُحَدِّثُكُمْ حَديثاً فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: «إنَّمَا الدُّنْيَا لأرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وَعِلماً، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقَّاً، فَهذا بأفضَلِ المَنَازِلِ.

وَعَبْدٍ رَزَقهُ اللهُ عِلْماً، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي مَالاً لَعَمِلتُ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ بنيَّتِهِ، فأجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ الله مَالاً، وَلَمَ يَرْزُقْهُ عِلْماً، فَهُوَ يَخبطُ في مَالِهِ بغَيرِ عِلْمٍ، لا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقّاً، فَهذَا بأَخْبَثِ المَنَازِلِ. وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالاً وَلا عِلْماً، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي

مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

قوله: «ما نقص مال عبد من صدقة» . يشهد له قوله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ (٣٩) ] .

قوله: «ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزًّا» ، يشهد له قوله تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى (٤٣) ] .

قوله: «ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر» وهذا مشاهد بالحس ويشهد له قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر (١٥) ] .

قوله: «إنما الدنيا لأربعة ... » إلخ فالأول عَلِمَ وعَمِلَ صالحًا. والثاني: عَلِمَ وعزم على العمل الصالح لو قدر، فأجرهما سواء والثالث: لم يعْلَمْ ولم يعمَلْ في ماله صالحًا. والرابع: لم يعلَمْ وعزم على العمل السيِّئ، لو قدر على مال فوزهما سواء.

وقال بعض العارفين:

أربعة تعجبت من شأنهم ... ?? ... فالعينُ في فكرتهم ساهرة ... ???

فواحد دنياه مبسوطة ... ?? ... قد أوتي الدنيا مع الآخرة ... ??

وآخر دنياه مقبوضة ... ???? ... وبعدها آخرة وافرة ... ?????

وثالث دنياه مبسوطة ... ?? ... ليست له من بعده آخرة ... ???

ورابع أسقط من بينهم ... ?? ... ليست له دنيا ولا آخرة ... ???

قال الله تعالى: {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} [الإسراء (٢١) ] .

[٥٥٨] وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قالت: مَا بَقِيَ مِنْهَا إلا كَتِفُها. قَالَ: «بَقِيَ

كُلُّهَا غَيْرُ كَتِفِهَا» . رواه الترمذي، وقال: «حديث صحيح» .

ومعناه: تَصَدَّقُوا بِهَا إلا كَتِفَها. فَقَالَ: بَقِيَتْ لَنَا في الآخِرَةِ إلا كَتِفَهَا.

فيه: تحريض على الصدقة والاهتمام بها، وألا يكثر المرء ما أنفقه فيها.

[٥٥٩] وعن أسماء بنت أَبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهما، قالت: قَالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُوكِي فَيُوكي الله عَلَيْكِ» .

وفي رواية: «أنفقي أَوِ انْفَحِي، أَوْ انْضَحِي، وَلا تُحصي فَيُحْصِي اللهُ عَلَيْكِ، وَلا تُوعي فَيُوعي اللهُ عَلَيْكِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

وَ «انْفَحِي» بالحاء المهملة، وَهُوَ بمعنى «أنفقي» وكذلك «انْضحي» .

في هذا الحديث: أن الجزاء من جنس العمل، وأن من منع ما عنده من المال قطع الله عنه مادة الرزق، وهذا مفهوم قوله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ (٣٩) ] .

وفيه: الحث على الإنفاق في وجوهه ثقة بالله تعالى.

[٥٦٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: «مَثَل البَخيل وَالمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَديد مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلا يُنْفِقُ إلا سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُو أثرَهُ، وأمَّا البَخِيلُ، فَلا يُريدُ أنْ يُنْفِقَ شَيْئاً إلا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوسِّعُهَا فَلا تَتَّسِعُ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

وَ «الجُبَّةُ» : الدِّرْعُ؛ وَمَعنَاهُ أنَّ المُنْفِقَ كُلَّمَا أنْفَقَ سَبَغَتْ، وَطَالَتْ حَتَّى تَجُرَّ وَرَاءهُ، وَتُخْفِيَ رِجْلَيْهِ وَأثَرَ مَشْيِهِ وَخطُوَاتِهِ.

القبض والشح من جبلة الإنسان قال الله تعالى: {وَكَانَ الإنسَانُ ... قَتُوراً} [الإسراء (١٠٠) ] ، والنفقة تستوعب عيوبه.

وفي الحديث: وعدٌ للمنفق بالبركة والصيانة من البلاء والبخيل بضد ذلك. قال الله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ... [الحشر (٩) ] .

[٥٦١] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَصَدَّقَ بعَدلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللهُ إلا الطَّيبَ، فَإنَّ اللهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

«الفَلُوُّ» بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، ويقال أيضاً: بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو: وَهُوَ المُهْرُ.

فيه: أن الله لا يقبل الصدقة إلا من الكسب الطيب، وهو الحلال. وفي رواية: «ولا يصعد إلى الله إلا الطيب.

قوله: «بيمينه» . قال الترمذي: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيهًا ولا نقول كيف، هكذا رُوي عن مالك، وابن عيينة، وابن المبارك، وغيرهم.

[٥٦٢] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتاً في سَحَابَةٍ، اسقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأفْرَغَ مَاءهُ في حَرَّةٍ، فإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَت

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.5 / 29.5
الإضاءة 77%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله