وأما الأحاديث فتقدمت جملة مِنْهَا في الباب السابق.٥٦٢ - وعن جابر - رضي الله…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٥٦٢

الحديث رقم ٥٦٢ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب النهي عن البخل والشح.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: وأما الأحاديث فتقدمت جملة منها في الباب…

وأما الأحاديث فتقدمت جملة مِنْهَا في الباب السابق.

٥٦٢ - وعن جابر - رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛

فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ». رواه مسلم. (١)

[٦٢ - باب الإيثار والمواساة]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: ٩]، وقال تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الدهر: ٨].

شرح مبسّط لحديث: وأما الأحاديث فتقدمت جملة منها في الباب…

حَذَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الظلم، ومنه: ظلم الناس وظلم النفس والظلم في حق الله تعالى،
وهو تَرْكُ إعطاءِ كلِّ ذِي حقٍّ حقَّه، وأنَّ الظلم ظلمات على أصحابِه يوم القيامة من حصول الشدائد والأهوال،
ونهى عن الشح الذي هو شدة البخل مع الحرص، ومنه التقصير في أداء الحقوق المالية وشدة الحرص على الدنيا،
وهذا النوع من الظلم أَهْلَكَ من كان قبلنا من الأمم، حيث حَمَلَهم على قتل بعضهم، وإباحة ما حرم الله من المحرمات.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بذل المال ومواساة الإخوان من أسباب التَّحَابِّ والتواصل.
  • البخل والشح يَجُرُّ إلى المعاصي والفواحش والآثام.
  • الاعتبار بأحوال الأمم السابقة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: وأما الأحاديث فتقدمت جملة منها في الباب…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٦١- باب النهي عن البخل والشح]

قال الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١، ٨) .

وقال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) .

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب النهي عن البخل والشح.

والبخل: هو منع ما يجب وما ينبغي بذله.

والشح: هو الطمع فيما ليس عنده، وهو أشد من البخل؛ لأن الشحيح يطمع فيما عند الناس ويمنع ما عنده، والبخيل يمنع ما عنده مما أوجب الله عليه من زكاة ونفقات، ومما ينبغي بذله فيما تقتضيه المروءة.

وكلاهما - أعني البخل والشح- خلقان ذميمان، فإن الله سبحانه وتعالى ذم من يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، وقال (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) .

ثم استدل المؤلف رحمه الله بآيتين من كتاب الله:

الآية الأولي: وهي في البخل، وهي قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١، ٨) وهذه الآيات قسيم الآيات التي قبلها، وهي قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٧، ٥) .

فالإنسان المصدق بالحق المعطي لما يجب إعطاؤه وبذله من علم،

ومال وجاه، والمتقي لله عز وجلّ، هذا ييسر لليسرى، أي ييسره الله تعالى لأيسر الطرق في الدنيا والآخرة.

وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حينما حدثهم. قال: ((ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومن النار)) يعني أن الأمر مفروغ منه- قالوا" يا رسول الله، أفلا نتكل وندع العمل؟ يعني نتكل على ما كتب لنا وندع العمل. قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له".

ثم قرأ قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) .

فأنت فكر في نفسك، هل عندك تصديق وإعطاء وبذل لما يجب بذله وتقوى لله عز وجلّ، فإنك موفق ميسر لليسرى، والعكس بالعكس.

الشاهد من هذه الآية في الباب قوله: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) بخل بما يجب بذله من مال أو جاه أو علم.

ومن ذلك ما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((البخيل من إذا ذكرت عنده لم يصلّ عليَّ)) عليه الصلاة والسلام. وهذا بخل بما يجب على الإنسان إذا سمع ذكر نبيه عليه الصلاة والسلام الذي هداه الله على يديه. أن يبخل فلا يصلى عليه، عليه الصلاة والسلام، وكان

الأولى به والأجدر بالصلاة والسلام عليه.

وقوله (وَاسْتَغْنَى) أي استغنى بنفسه وزعم أنه مستغن عن رحمة الله والعياذ بالله، فلا يعمل ولا يستقيم على أمر الله.

(وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي كذب بالكلمة الحسنى وهي قول الحق، وهي ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) تعسر عليه الأمور التي تسهل على المتقي، فلا تسهل عليه الطاعات يجد الطاعات ثقيلة؛ الصلاة ثقيلة، والصدقة ثقيلة، والصيام ثقيل، والحج ثقيل، كل شيء متعسر عنده.

(وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١) يعني أي شيء يغني عنه ماله إذا هلك؟ والجواب أنه لا يغني عنه شيئاً، فهذا المال الذي بخل به لا يحميه من عذاب الله وعقابه ولا يغني عنه شيئاً.

وأما الآية الثانية التي استدل بها المؤلف فهي في الشح، وهي قوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) يعني من يقيه الله شحَّ نفسه فلا يطمع فيما ليس له؛ فهذا هو المفلح.

١/٥٦٣- وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحَّ؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم)) رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف النووي رحمه الله في كتاب رياض الصالحين في باب النهي عن البخل والشح قال عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)) اتقوا الظلم بمعنى احذروه، واتخذوا وقاية منه وابتعدوا عنه.

والظلم: هو العدوان على الغير، وأعظم الظلم وأشده بالله عز وجلَّ قال الله تعالى: (ِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: ١٣)

ويشمل الظلم ظلم العباد، وهو نوعان: ظلم بترك الواجب لهم، وظلم بالعدوان عليهم بأخذ أو بانتهاك حرماتهم.

فمثال الأول ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: ((مطل الغني ظلم)) يعني ممانعة الإنسان الذي عليه دين عن الوفاء وهو غني قادرٌ على الوفاء ظلم، وهذا منع ما يجب؛ لأن الواجب على الإنسان أن يبادر بالوفاء إذا كان له قدرة، ولا يحل له أن يؤخر، فإن أخر الوفاء وهو قادر عليه؛ كان ظالماً والعياذ بالله.

والظلم ظلمات يوم القيامة، وكل ساعة أو لحظة تمضي على المماطل فإنه لا يزداد بها إلا إثماً والعياذ بالله، وربما يعسر الله عليه أمره فلا يستطيع الوفاء إما بخلاً وإما إعداماً؛ لأن الله تعالى يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ

يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) (الطلاق: ٤) .

فمفهوم الآية أن من لا يتقي الله لا يجعل له من أمره يسراً، ولذلك يجب على الإنسان القادر أن يبادر بالوفاء إذا طلبه صاحبه، أو أجله وانتهى الأجل.

ومن الظلم أيضاً اقتطاع شيء من الأرض. قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً؛ طُوقه يوم القيامة من سبع أرضين)) .

ومن الظلم الاعتداء على الناس في أعراضهم بالغيبة أو النميمة أو ما أشبه ذلك، فإن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، فإن كان في حضرته؛ فهو سب وشتم، فإذا ظلم الناس بالغيبة بأن قال: فلان طويل. فلان قصير. فلان سيء الخلق. فلان فيه كذا، فهذه غيبة وظلم يحاسب عليها يوم القيامة.

وكذلك أيضاً إذا جحد ما يجب عليه جحوداً؛ بأن كان لفلان عليه حق، فيقول ليس له علي حق ويكتم، فإن هذا ظلم؛ لأنه إذا كانت المماطلة ظلماً فهذا أظلم، كمن جحد شيئاً واجباً عليه، فإنه ظالم.

وعلى كل حال؛ اتقوا الظلم بجميع الأنواع، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، يكون على صاحبه والعياذ بالله ظلمات بحسب الظلم الذي وقع

منه؛ الكبيرظلماته كبيرة والكثير ظلماته كثيرة، وكل شيء بحسبه، قال تعالى:: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الانبياء: ٤٧) .

وفي هذا دليلٌ على أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه لا وعيد إلا على كبيرة من كبائر الذنوب، فظلم العباد وظلم الخالق عزَّ وجلَّ رب العباد؛ كله من كبائر الذنوب.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((واتقوا الشح)) يعني الطمع في حقوق الغير. اتقوه: أي احذروا منه، واجتنبوه ((فإنه أهلك من كان قبلكم)) يعني من الأمم ((حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) فكان هلاكهم بذلك والعياذ بالله.

[٦٢- باب الإيثار والمواساة]

قال الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩)

وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨) إلى آخر الآيات.

[الشَّرْحُ]

فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل؛ أنه يستلزم إسقاط الواجب عليك.

وأما القسم الثاني: وهو المكروه أوالمباح: فالإيثار بالأمور المستحبة، وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم، لكن تركه أولى لا شك إلا لمصلحته.

ومثاله: أن تؤثر غيرك في الصف الأول الذي أنت فيه، مثل أن تكون أنت في الصف الأول في الصلاة، فيدخل إنسان فتقوم عن مكانك وتؤثره به، فقد كره أهل العلم هذا، وقالوا: إن هذا دليلٌ على أن الإنسان يرغب عن الخير، والرغبة عن الخير مكروهة، إذ كيف تقدم غيرك إلى مكان فاضل أنت أحق به منه؟!

وقال بعض العلماء تركه أولى إلا إذا كان فيه مصلحة، كما لو كان أبوك وتخشى أن يقع في قلبه شيء عليك فتؤثره بمكانك الفاضل، فهذا لا بأس به.

القسم الثالث: وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحباً، وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي، أي تؤثر غيرك وتقدمه على نفسك في أمر غير تعبدي.

مثل: أن يكون معك طعام وأنت جائع، وصاحب لك جائع مثلك ففي هذه الحال إذا آثرته فإنك محمود على هذا الإيثار؛ لقول الله تبارك وتعالى في وصف الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ

وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ َ) (الحشر: ٩) .

ووجه إيثارهم على أنفسهم أن المهاجرين لم اقدموا المدينة تلقاهم الأنصار بالإكرام والاحترام والإيثار بالمال، حتى أن بعضهم يقول لأخيه المهاجري: إن شئت أن أتنازل عن إحدى زوجتي لك فعلت؛ يعني يطلقها فيتزوجها المهاجريّ بعد بمضي عدتها. وهذا من شدة إيثاره رضي اله عنهم لإخوانهم المهاجرين.

وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨)

يعني يطعمون الطعام وهم يحبونه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، ويتركون أنفسهم، هذا أيضاً من باب الإيثار.

* * *

١/٥٦٤- وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يُضيفُ هذا الليلة؟)) فقال رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحلهِ، فقال لأمرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية قال لامراته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيءٍ وإذا أرادوا العشاء، فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكلُ؛ فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((لقد عجبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة")) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب الإيثار على النفس هذا الحديث العظيم العجيب؛ الذي يبين حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حيث جاءه رجل فقال: ((يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني مجهود)) يعني مجهد من الفقر والجوع، وهو ضيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجاته واحدة تلو الآخرى يسألها هل عندها شيء، فكانت كلّ واحدة تقول: ((لا والذي يعثك بالحق ما عندي إلا الماء)) .

تسعة أبيات للرسول عليه الصلاة والسلام ليس فيها إلا الماء، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لو شاء أن يسيّر الله الجبال معه ذهباً لسارت، لكنه عليه الصلاة والسلام كان أزهد الناس في الدنيا، كل بيوته التسعة ليس فيها شيء إلا الماء.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((من يُضيف هذا الليلة)) يعني هذا الضيف.

فقال رجلٌ من الأنصار: ((أنا يا رسول)) أنا أضيفه. ((فانطلق به إلى رحله، فقال لآمراته: هل عندك شيء؟ قالت: لا؛ إلا قوت صبياني)) يعني ليس عندها في البيت إلا العشاء لهم تلك الليلة فقط. فقال: ((أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وأمرها أن تشغل أولادها وتلهيهم.

حتى إذا جاء وقت الطعام نومتهم، وأطفأت المصباح، ورأت الضيف

أنهم يأكلون معه ففعلت، هدأت الصبيان وعللتهم ونومتهم، فناموا على غير عشاء، ثم إن العشاء لما قدم أطفأت المصباح وأرت الضيف أنها تأكل هي وزوجها معه، وهما لا يأكلان، فشبع الضيف وباتا طاويين، يعني غير متعشيين إكراماً لضيف الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم إنه أصبح فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله قد عجب من صنيعهما تلك الليلة، والعجب هنا عجب استحسان، استحسن عز وجل صنيعهما من تلك الليلة لما يشتمل عليه من الفوائد العظيمة.

ففي هذا الحديث من الفوائد ما يلي:

أولاً: بيان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو عليه من شظف العيش وقلة ذات اليد، مع أنه عليه الصلاة والسلام أكرم الخلق على الله، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله شيئاً؛ لكان أبر الناس بها وأحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها لا تساوي شيئاً.

قال ابن القيم رحمه الله:

لو ساوت الدنيا جناح بعوضة ... لم يسق منها الرب ذا الكفران

لكنها والله أحقر عنده من ... ذا الجناح القاصر الطيران

أحقر من جناح البعوضة عند الله؛ فليست بشيء.

ومنها: حسن أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا الأنصاري رضي

الله عنه قال لزوجته: ((أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ولم يقل أكرمي ضيفنا مع أن الذي أضافه في الحقيقة هو هذا الرجل، لكنه أضافه نيابة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فجعله ضيفاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنها: إنه يجوز عرض الضيافة على الناس، ولا يعد هذا من المسالة المذمومة، أولاً لأنه لم يعين، فلم يقل: يا فلان ضيف هذا الرجل حتى نقول: إنه أحرجه، وإنما هو على سبيل العموم، فيجوز للإنسان مثلاً إذا نزل به ضيف وكان مشغولاً، أو ليس عنده ما يضيفه به، أن يقول لمن حوله: من مضيف هذا الرجل؟ ولا حرج في ذلك

ومنها: الإيثار العظيم من هذا الرجل الأنصاري، حيث بات هو وزوجته وصبيته من غير عشاء إكراماً لهذا الضيف الذي نزل ضيفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يُري ضيفه أنه مانّ عليه، أو أن الضيف مضيق عليه، ومحرج له؛ لأن الرجل أمر بإطفاء المصباح حتى لا يظن الضيف أنه ضيق عليهم وحرمهم العشاء، وهذا مأخوذ من أدب الخليل إبراهيم عليه السلام حين نزلت به الملائكة ضيوفاً (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذريات: ٢٦) ، حينئذٍ، لكنه راغ إلى أهله، أي ذهب بسرعة وخفية لئلا يخجل الضيف.

ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يؤثر الضيف ونحوه على عائلته، وهذا في الآحوال النادرة العارضة، وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أبدا بنفسك

فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك))

ولكن إذا عرضت مثل هذه الأحوال؛ فلا حرج على الإنسان أن يقدم الضيف أو نحوه ممن يجب عليه إكرامه.

ومن تأمل سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وهديه وهدي أصحابه؛ وجد فيها من مكارم الأخلاق ومعالي الآداب ما لو سار الناس عليه لنالوا بذلك رفعة الدنيا والآخرة. وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير في الدنيا والآخرة.

٢/٥٦٥- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طعام الإثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) متفق عليه.

وفي رواية لمسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((طعامُ الواحد يكفي الإثنين، وطعام الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) .

٣/٥٦٦- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحنُ في سفرٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجلٌ على راحلة لهُ، فجعل يصرفُ بصره يميناً وشمالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان معه فضلُ ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن

كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له)) فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضل. رواه مسلم..

٤/٥٦٧- وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة، فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم مُحتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسينها ما أحسنها!

فقال: ((نعم)) فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه.

فقال له القوم: ما أحسنت! لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، ثم سألتهُ، وعلمت أنهُ لا يرد سائلاً، فقال: إني والله ما سألتهُ لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنهُ. رواه البخاري

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله هذه الآحاديث الآربعة في باب الإيثار وهي حديث أبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد، وسهل بن سعد.

ففي الحديثين الأولين، بين النبي صلى الله عليه وسلم إن طعام الواحد يكفي الإثنين، وأن طعام الإثنين يكفي الأربعة، وأن طعام الأربعة يكفي الثمانية، وهذا حث منه عليه الصلاة والسلام على الإيثار، يعني أنك لو أتيت بطعامك الذي قدرت أنه يكفيك، وجاء رجلٌ آخر فلا تبخل، لا تبخل عليه وتقول

هذا طعامي وحدي، بل أعطه حتى يكون كافياً للاثنين.

وكذلك لو جاء اثنان بطعامهما، ثم جاءهما اثنان، فلا يبخلان عليه ويقولان هذا طعامنا، بل يطمعانهما؛ فإن طعامهما يكفيهما ويكفي الإثنين، وهكذا الأربعة مع الثمانية.

وإنما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام هذا من أجل أن يؤثر الإنسان بفضل طعامه على أخيه.

وكذلك أيضاً حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم على رحل له، فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم فهم أن الرجل محتاج، فقال عليه الصلاة والسلام: ((من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له)) .

وذكر أنواعاً ولم يبادر فيقول من كان له فضل زاد مثلاً لئلا يخجل الرجل، بل قال: ((من كان له فضل ظهر)) ، والرجل لا يحتاج إلى الظهر، لأنه كان على راحلته، لكن هذا من حسن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول الراوي: ((حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل)) يعني أن الإنسان يبذل كل ما عنده حتى لا يبقى معه فضل، يعني من الطعام والشراب والرحل وغير ذلك، وهذا كله من باب الإيثار.

وأما الحديث الرابع حديث سهل بن سعد، فإن امرأة جاءت وأهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بردة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرد الهدية؛ بل يقبل الهدية ويثيب عليها صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من كرمه وحسن خلقه، فتقدم رجل إليه، فقال: ما أحسن هذا، طلبها من النبي صلى الله عليه وسلم، ففعل الرسول عليه الصلاة

والسلام، خلعها وطواها، وأعطاه إياها.

فقيل للرجل: كيف تطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم وأنت تعلم أنه لا يرد سائلاً؟ فقال: والله ما طلبتها لألبسها، ولكن لتكون كفني رضي الله عنه، فأبقاها عنده فصارت كفنه، ففي هذا إيثار النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه؛ لأنه آثر بها هذا الرجل مع أن الذي يظهر أنه في حاجة لها.

* * *

٥/٥٦٨- وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الأشعريين إذا أرملُوا في الغزوِ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموهُ بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم)) متفق عليه.

"ارملوا": فرغ زادهم، أو قارب الفراغ.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

(اسمي) واللام جارة لما الاستفهامية حذفت ألفها كقوله تعالى:

{عم يتساءلون} (النبأ: ١) وقوله: {بم يرجع المرسلون} (النمل: ٣٥) (فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب) أل فيه للعهد الذهني بقرينة قوله: (الذي هذا ماؤه) ويحتمل كونها للجنس (يقول) جملة في محل الحال من الصوت على حذف مضاف: أي ذا صوت قائلاً (اسق) بوصل الهمزة في الأصح ويجوز قطعها، يقال: ما أنتج له من العناية الإلهية حسن هذه الثمرة بالتخصيص (فقال: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف للتأكيد متضمن معنى الشرط (إذا قلت هذا) أي أخبرت بما سمعت مما دعاك للسؤال (فإني) أبين لك عمل الذي نتج عنه بفضل الله سبحانه ذلك وهو أني (أنظر إلى ما يخرج منها) أي من الأرض من حب أو ثمر (فأتصدق بثلثه) بضم أوليه في الأفصح، ويجوز تسكين ثانيه تخفيفاً زيادة في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فالواجب في شريعتنا في النصاب من ذلك العشر تارة ونصفه أخرى (وآكل أنا وعيالي) أي أعولهم من أهل وولد وزوجة وخادم وغير ذلك (ثلثاً وأرد فيها ثلثه) أي ثلث الخارج (رواه مسلم) في «صحيحه» في أبواب الزهد (الحرة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبالتاء (الأرض الملبسة حجارة سودا) أي التي علاها ذلك وغلب عليها فكأنها لبست، وقال في «المصباح» : والجمع حرار كلكبة وكلاب (والشرجة بفتح الشين المعجمة وإسكان الراء وبالجيم) وسكت المصنف عن التاء آخره، قال في «المصباح» : وبعضهم يحذف فيقول: شرج هي (مسيل الماء) وجمعها شراج ككلبة وكلاب.

٦١ - باب النهي عن البخل والشح

قال في «المصباح» : بخل بخلاً: أي بفتح أوليه، بخلاً: أي بضم فسكون من باب

تعب وقرب والاسم البخل، وزان فلس. والبخل في الشرع: منع الواجب، وعند العرب: منع السائل مما يفضل عنده، وفيه أيضاً الشحّ والبخل، وفي «شرح مسلم» للمصنف قال جماعة: الشحّ أشد البخل وأبلغ في المنع منه، فقيل: هو البخل مع حرص، وقيل: البخل في أفراد الحرص الأمور، والشح عام وقيل: البخل بالأموال خاصة والشحّ بالمال والمعروف. وقيل: الشحّ الحرص على ما ليس عنده، والبخل بما عنده اهـ. وأصله في «النهاية» وزاد شح يشح شحاً فهو شحيح، والاسم الشح، وترجمة المصنف تمشي على هذا، فإن الإصل في العطف التغاير، وعلى ما في «المصباح» يكون من عطف الرديف اكتفاء بتغاير اللفظ كهو في قوله تعالى: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} (يوسف: ٨٦) .

(قال الله تعالى) : ( {وأما من بخل} ) أي بالإنفاق في الخيرات ( {واستغنى} ) أي بالدنيا عن العقبى (وكذب بالحسنى فسنيسره) في الدنيا (للعسرى) للخلة المودية إلى الشدة في الآخرة وهي الأعمال السيئة، ولهذا قالوا من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها ( {وما يغني عنه ماله إذا تردى} ) أي هلك وسقط وتردى في جهنم.

(وقال تعالى) : ( {ومن يوق شحّ نفسه} ) أي ومن سلم من الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم بمنع أداء ما وجب عليه أداؤه، وفي تفسير ابن عطية: شحّ النفس فقر لا يذهبه غنى المال، بل يزيده وينصب به. وقال ابن زيد وابن جبير وجماعة: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عنه ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برىء من شحّ النفس. وقال ابن مسعود: شحّ النفس أكل مال الناس بالباطل، أما منع الإنسان ماله فبخل وهو قبيح ولكن ليس بشحّ ( {فأولئك هم المفلحون} ) الفائزون ببغيتهم (وأما الأحاديث) أي النبوية (فتقدمت جملة منها في الباب السابق) كقوله: «وإن تمسكه شرّ لك» وقوله: «وأعط كل ممسك تلفاً، ولا توكي فيوكي الله عليك» وباقي أحاديث ذلك الباب تدل بمفهومها على ما عقد له هذا الباب لأن الثناء على الكرم والأمر به ذم بضده ونهي عنه.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فإذَا رَجُلٌ قَائمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمسحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، ما اسمُكَ؟ قال: فُلانٌ للاسم الذي سَمِعَ في السَّحابةِ، فقال له: يا عبدَ الله، لِمَ تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوتْاً في السَّحابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ، يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لاسمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا، فَقَالَ: أمَا إذ قلتَ هَذَا، فَإنِّي أنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أنَا وَعِيَالِي ثُلُثاً، وَأردُّ فِيهَا ثُلُثَهُ» . رواه مسلم.

«الحَرَّةُ» الأَرْضُ المُلَبَّسَةُ حجَارَةً سَوْدَاءَ. وَ «الشَّرْجَةُ» بفتح الشين المعجمة وإسكان الراءِ وبالجيم: هي مَسِيلُ الماءِ.

في هذا الحديث: أن الصدقة تنتج البركة والمعونة من الله.

وفي الحديث الآخر: «ما نقصت صدقة من مال بل تزيده، بل تزيده» .

[٦١- باب النهي عن البخل والشح]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَأَمَا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} [الليل (٨: ١١) ] .

البخل: معروف، والشح أبلغ من البخل؛ لأنه يبخل بما عنده، ويطلب ما ليس له. وقوله تعالى: {وَأَمَا مَنْ بَخِلَ} ، أي: بالإنفاق في الخيرات، {وَاسْتَغْنَى} ، أي: بالدنيا عن الآخرة، {وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى} ، أي: بالجزاء في الدار الآخرة، {فَسَنُيَسِّرُهُ} نهيئه {لِلْعُسْرَى} لطريق الشر، وهي الأعمال السيِّئة الموجبة للنار، {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ} الذي يبخل به {إِذَا تَرَدَّى} إذا مات، وهو في جهنم.

وقال تَعَالَى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن (١٦) ] .

أي: ومن سلم من الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم، {فَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، أي: الفائزون.

قال ابن زيد وغيره: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برئ من شح النفس.

وقال ابن مسعود: شح النفس: أكل مال الناس بالباطل. أما منع الإنسان ماله فبخل، وهو قبيح.

قال ابن عطية: شح النفس فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده.

وأما الأحاديث فتقدمت جملة مِنْهَا في الباب السابق.

[٥٦٣] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ

قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» . رواه مسلم.

أي: استحلوا ما حرم الله عليهم حرصًا على المال، كما احتالوا على ما حرم الله عيهم من الشحوم، فأذابوها فباعوها واحتالوا لصيد السمك فحبلوا له يوم الجمعة وأخذوه يوم الأحد، وغير ذلك مما استحلوا به محارمهم وسفكوا به دماءهم.

[٦٢- باب الإيثار والمواساة]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

[الحشر (٩) ] .

يعني: فاقة وحاجة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم.

وقال تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} ... [الدهر (٨) ] . إلى آخر الآيات

يعني: ويطعمون الطعام وهم يحبونه، ويشتهونه، مسكينًا، ويتيمًا، وأسيرًا، وإن كان كافرًا، لوجه الله تعالى لا لحظ النفس، وخوفًا من عذاب يوم القيامة، فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم، ولقاهم نضرة في وجوههم، وسرورًا في قلوبهم، وجزاهم بما صبروا على ترك الشهوات، وأداء الواجبات جنةً وحريرًا.

[٥٦٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: إنِّي مَجْهُودٌ، فَأرسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقالت: وَالَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ، ثُمَّ أرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثلَ ذَلِكَ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ. فَقَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يُضيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا يَا رسولَ الله، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: أكرِمِي ضَيْفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وفي روايةٍ قَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فقَالَتْ: لا، إلا قُوتَ صِبيَانِي. قَالَ: فَعَلِّليهم بِشَيْءٍ وَإذَا أرَادُوا العَشَاءَ فَنَوِّمِيهمْ، وَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأطْفِئي السِّرَاجَ، وَأريهِ أنَّا نَأكُلُ. فَقَعَدُوا وَأكَلَ الضَّيْفُ وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «لَقَدْ عَجبَ الله مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

هذا الحديث: أخرجه البخاري في التفسير، وفي فضائل الأنصار.

وفيه: استحباب الإيثار على النفس ولو كان محتاجًا، وكذلك على العيال إذا لم يضرهم.

[٥٦٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الأربَعَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

وفي رواية لمسلمٍ عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَة يَكْفِي الثَّمَانِية» .

المراد بذلك: الحض على المكارم، والتقنع بالكفاية، وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، وإدخال رابع أيضًا بحسب من يحضر.

وعند الطبراني: «كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين» . الحديث. فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ من بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما زاد زادت البركة.

وفيه: إشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها البركة.

وفيه: أنه ينبغي للمرء أن لا يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه، فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء.

[٥٦٦] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصرِفُ بَصَرَهُ يَميناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ» . فَذَكَرَ مِنْ أصْنَافِ المالِ مَا ذكر حَتَّى رَأيْنَا أنَّهُ لا حَقَّ لأحَدٍ مِنَّا في فَضْلٍ. رواه مسلم.

في هذا الحديث: الأمر بالمواساة من الفاضل، وهو كحديث: إنك يا ابن آدم إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول.

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٦١- باب النهي عن البخل والشح]

قال الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١، ٨) .

وقال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) .

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب النهي عن البخل والشح.

والبخل: هو منع ما يجب وما ينبغي بذله.

والشح: هو الطمع فيما ليس عنده، وهو أشد من البخل؛ لأن الشحيح يطمع فيما عند الناس ويمنع ما عنده، والبخيل يمنع ما عنده مما أوجب الله عليه من زكاة ونفقات، ومما ينبغي بذله فيما تقتضيه المروءة.

وكلاهما - أعني البخل والشح- خلقان ذميمان، فإن الله سبحانه وتعالى ذم من يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، وقال (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) .

ثم استدل المؤلف رحمه الله بآيتين من كتاب الله:

الآية الأولي: وهي في البخل، وهي قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١، ٨) وهذه الآيات قسيم الآيات التي قبلها، وهي قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٧، ٥) .

فالإنسان المصدق بالحق المعطي لما يجب إعطاؤه وبذله من علم،

ومال وجاه، والمتقي لله عز وجلّ، هذا ييسر لليسرى، أي ييسره الله تعالى لأيسر الطرق في الدنيا والآخرة.

وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حينما حدثهم. قال: ((ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومن النار)) يعني أن الأمر مفروغ منه- قالوا" يا رسول الله، أفلا نتكل وندع العمل؟ يعني نتكل على ما كتب لنا وندع العمل. قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له".

ثم قرأ قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) .

فأنت فكر في نفسك، هل عندك تصديق وإعطاء وبذل لما يجب بذله وتقوى لله عز وجلّ، فإنك موفق ميسر لليسرى، والعكس بالعكس.

الشاهد من هذه الآية في الباب قوله: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) بخل بما يجب بذله من مال أو جاه أو علم.

ومن ذلك ما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((البخيل من إذا ذكرت عنده لم يصلّ عليَّ)) عليه الصلاة والسلام. وهذا بخل بما يجب على الإنسان إذا سمع ذكر نبيه عليه الصلاة والسلام الذي هداه الله على يديه. أن يبخل فلا يصلى عليه، عليه الصلاة والسلام، وكان

الأولى به والأجدر بالصلاة والسلام عليه.

وقوله (وَاسْتَغْنَى) أي استغنى بنفسه وزعم أنه مستغن عن رحمة الله والعياذ بالله، فلا يعمل ولا يستقيم على أمر الله.

(وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي كذب بالكلمة الحسنى وهي قول الحق، وهي ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسْرَى) تعسر عليه الأمور التي تسهل على المتقي، فلا تسهل عليه الطاعات يجد الطاعات ثقيلة؛ الصلاة ثقيلة، والصدقة ثقيلة، والصيام ثقيل، والحج ثقيل، كل شيء متعسر عنده.

(وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١) يعني أي شيء يغني عنه ماله إذا هلك؟ والجواب أنه لا يغني عنه شيئاً، فهذا المال الذي بخل به لا يحميه من عذاب الله وعقابه ولا يغني عنه شيئاً.

وأما الآية الثانية التي استدل بها المؤلف فهي في الشح، وهي قوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: ١٦) يعني من يقيه الله شحَّ نفسه فلا يطمع فيما ليس له؛ فهذا هو المفلح.

١/٥٦٣- وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحَّ؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم)) رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف النووي رحمه الله في كتاب رياض الصالحين في باب النهي عن البخل والشح قال عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)) اتقوا الظلم بمعنى احذروه، واتخذوا وقاية منه وابتعدوا عنه.

والظلم: هو العدوان على الغير، وأعظم الظلم وأشده بالله عز وجلَّ قال الله تعالى: (ِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: ١٣)

ويشمل الظلم ظلم العباد، وهو نوعان: ظلم بترك الواجب لهم، وظلم بالعدوان عليهم بأخذ أو بانتهاك حرماتهم.

فمثال الأول ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: ((مطل الغني ظلم)) يعني ممانعة الإنسان الذي عليه دين عن الوفاء وهو غني قادرٌ على الوفاء ظلم، وهذا منع ما يجب؛ لأن الواجب على الإنسان أن يبادر بالوفاء إذا كان له قدرة، ولا يحل له أن يؤخر، فإن أخر الوفاء وهو قادر عليه؛ كان ظالماً والعياذ بالله.

والظلم ظلمات يوم القيامة، وكل ساعة أو لحظة تمضي على المماطل فإنه لا يزداد بها إلا إثماً والعياذ بالله، وربما يعسر الله عليه أمره فلا يستطيع الوفاء إما بخلاً وإما إعداماً؛ لأن الله تعالى يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ

يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) (الطلاق: ٤) .

فمفهوم الآية أن من لا يتقي الله لا يجعل له من أمره يسراً، ولذلك يجب على الإنسان القادر أن يبادر بالوفاء إذا طلبه صاحبه، أو أجله وانتهى الأجل.

ومن الظلم أيضاً اقتطاع شيء من الأرض. قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً؛ طُوقه يوم القيامة من سبع أرضين)) .

ومن الظلم الاعتداء على الناس في أعراضهم بالغيبة أو النميمة أو ما أشبه ذلك، فإن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، فإن كان في حضرته؛ فهو سب وشتم، فإذا ظلم الناس بالغيبة بأن قال: فلان طويل. فلان قصير. فلان سيء الخلق. فلان فيه كذا، فهذه غيبة وظلم يحاسب عليها يوم القيامة.

وكذلك أيضاً إذا جحد ما يجب عليه جحوداً؛ بأن كان لفلان عليه حق، فيقول ليس له علي حق ويكتم، فإن هذا ظلم؛ لأنه إذا كانت المماطلة ظلماً فهذا أظلم، كمن جحد شيئاً واجباً عليه، فإنه ظالم.

وعلى كل حال؛ اتقوا الظلم بجميع الأنواع، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، يكون على صاحبه والعياذ بالله ظلمات بحسب الظلم الذي وقع

منه؛ الكبيرظلماته كبيرة والكثير ظلماته كثيرة، وكل شيء بحسبه، قال تعالى:: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الانبياء: ٤٧) .

وفي هذا دليلٌ على أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه لا وعيد إلا على كبيرة من كبائر الذنوب، فظلم العباد وظلم الخالق عزَّ وجلَّ رب العباد؛ كله من كبائر الذنوب.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((واتقوا الشح)) يعني الطمع في حقوق الغير. اتقوه: أي احذروا منه، واجتنبوه ((فإنه أهلك من كان قبلكم)) يعني من الأمم ((حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) فكان هلاكهم بذلك والعياذ بالله.

[٦٢- باب الإيثار والمواساة]

قال الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩)

وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨) إلى آخر الآيات.

[الشَّرْحُ]

فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل؛ أنه يستلزم إسقاط الواجب عليك.

وأما القسم الثاني: وهو المكروه أوالمباح: فالإيثار بالأمور المستحبة، وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم، لكن تركه أولى لا شك إلا لمصلحته.

ومثاله: أن تؤثر غيرك في الصف الأول الذي أنت فيه، مثل أن تكون أنت في الصف الأول في الصلاة، فيدخل إنسان فتقوم عن مكانك وتؤثره به، فقد كره أهل العلم هذا، وقالوا: إن هذا دليلٌ على أن الإنسان يرغب عن الخير، والرغبة عن الخير مكروهة، إذ كيف تقدم غيرك إلى مكان فاضل أنت أحق به منه؟!

وقال بعض العلماء تركه أولى إلا إذا كان فيه مصلحة، كما لو كان أبوك وتخشى أن يقع في قلبه شيء عليك فتؤثره بمكانك الفاضل، فهذا لا بأس به.

القسم الثالث: وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحباً، وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي، أي تؤثر غيرك وتقدمه على نفسك في أمر غير تعبدي.

مثل: أن يكون معك طعام وأنت جائع، وصاحب لك جائع مثلك ففي هذه الحال إذا آثرته فإنك محمود على هذا الإيثار؛ لقول الله تبارك وتعالى في وصف الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ

وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ َ) (الحشر: ٩) .

ووجه إيثارهم على أنفسهم أن المهاجرين لم اقدموا المدينة تلقاهم الأنصار بالإكرام والاحترام والإيثار بالمال، حتى أن بعضهم يقول لأخيه المهاجري: إن شئت أن أتنازل عن إحدى زوجتي لك فعلت؛ يعني يطلقها فيتزوجها المهاجريّ بعد بمضي عدتها. وهذا من شدة إيثاره رضي اله عنهم لإخوانهم المهاجرين.

وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨)

يعني يطعمون الطعام وهم يحبونه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، ويتركون أنفسهم، هذا أيضاً من باب الإيثار.

* * *

١/٥٦٤- وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يُضيفُ هذا الليلة؟)) فقال رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحلهِ، فقال لأمرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية قال لامراته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيءٍ وإذا أرادوا العشاء، فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكلُ؛ فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((لقد عجبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة")) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب الإيثار على النفس هذا الحديث العظيم العجيب؛ الذي يبين حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حيث جاءه رجل فقال: ((يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني مجهود)) يعني مجهد من الفقر والجوع، وهو ضيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجاته واحدة تلو الآخرى يسألها هل عندها شيء، فكانت كلّ واحدة تقول: ((لا والذي يعثك بالحق ما عندي إلا الماء)) .

تسعة أبيات للرسول عليه الصلاة والسلام ليس فيها إلا الماء، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لو شاء أن يسيّر الله الجبال معه ذهباً لسارت، لكنه عليه الصلاة والسلام كان أزهد الناس في الدنيا، كل بيوته التسعة ليس فيها شيء إلا الماء.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((من يُضيف هذا الليلة)) يعني هذا الضيف.

فقال رجلٌ من الأنصار: ((أنا يا رسول)) أنا أضيفه. ((فانطلق به إلى رحله، فقال لآمراته: هل عندك شيء؟ قالت: لا؛ إلا قوت صبياني)) يعني ليس عندها في البيت إلا العشاء لهم تلك الليلة فقط. فقال: ((أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وأمرها أن تشغل أولادها وتلهيهم.

حتى إذا جاء وقت الطعام نومتهم، وأطفأت المصباح، ورأت الضيف

أنهم يأكلون معه ففعلت، هدأت الصبيان وعللتهم ونومتهم، فناموا على غير عشاء، ثم إن العشاء لما قدم أطفأت المصباح وأرت الضيف أنها تأكل هي وزوجها معه، وهما لا يأكلان، فشبع الضيف وباتا طاويين، يعني غير متعشيين إكراماً لضيف الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم إنه أصبح فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله قد عجب من صنيعهما تلك الليلة، والعجب هنا عجب استحسان، استحسن عز وجل صنيعهما من تلك الليلة لما يشتمل عليه من الفوائد العظيمة.

ففي هذا الحديث من الفوائد ما يلي:

أولاً: بيان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو عليه من شظف العيش وقلة ذات اليد، مع أنه عليه الصلاة والسلام أكرم الخلق على الله، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله شيئاً؛ لكان أبر الناس بها وأحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها لا تساوي شيئاً.

قال ابن القيم رحمه الله:

لو ساوت الدنيا جناح بعوضة ... لم يسق منها الرب ذا الكفران

لكنها والله أحقر عنده من ... ذا الجناح القاصر الطيران

أحقر من جناح البعوضة عند الله؛ فليست بشيء.

ومنها: حسن أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا الأنصاري رضي

الله عنه قال لزوجته: ((أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ولم يقل أكرمي ضيفنا مع أن الذي أضافه في الحقيقة هو هذا الرجل، لكنه أضافه نيابة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فجعله ضيفاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنها: إنه يجوز عرض الضيافة على الناس، ولا يعد هذا من المسالة المذمومة، أولاً لأنه لم يعين، فلم يقل: يا فلان ضيف هذا الرجل حتى نقول: إنه أحرجه، وإنما هو على سبيل العموم، فيجوز للإنسان مثلاً إذا نزل به ضيف وكان مشغولاً، أو ليس عنده ما يضيفه به، أن يقول لمن حوله: من مضيف هذا الرجل؟ ولا حرج في ذلك

ومنها: الإيثار العظيم من هذا الرجل الأنصاري، حيث بات هو وزوجته وصبيته من غير عشاء إكراماً لهذا الضيف الذي نزل ضيفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يُري ضيفه أنه مانّ عليه، أو أن الضيف مضيق عليه، ومحرج له؛ لأن الرجل أمر بإطفاء المصباح حتى لا يظن الضيف أنه ضيق عليهم وحرمهم العشاء، وهذا مأخوذ من أدب الخليل إبراهيم عليه السلام حين نزلت به الملائكة ضيوفاً (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذريات: ٢٦) ، حينئذٍ، لكنه راغ إلى أهله، أي ذهب بسرعة وخفية لئلا يخجل الضيف.

ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يؤثر الضيف ونحوه على عائلته، وهذا في الآحوال النادرة العارضة، وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أبدا بنفسك

فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك))

ولكن إذا عرضت مثل هذه الأحوال؛ فلا حرج على الإنسان أن يقدم الضيف أو نحوه ممن يجب عليه إكرامه.

ومن تأمل سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وهديه وهدي أصحابه؛ وجد فيها من مكارم الأخلاق ومعالي الآداب ما لو سار الناس عليه لنالوا بذلك رفعة الدنيا والآخرة. وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير في الدنيا والآخرة.

٢/٥٦٥- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طعام الإثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) متفق عليه.

وفي رواية لمسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((طعامُ الواحد يكفي الإثنين، وطعام الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) .

٣/٥٦٦- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحنُ في سفرٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجلٌ على راحلة لهُ، فجعل يصرفُ بصره يميناً وشمالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان معه فضلُ ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن

كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له)) فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضل. رواه مسلم..

٤/٥٦٧- وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة، فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم مُحتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسينها ما أحسنها!

فقال: ((نعم)) فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه.

فقال له القوم: ما أحسنت! لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، ثم سألتهُ، وعلمت أنهُ لا يرد سائلاً، فقال: إني والله ما سألتهُ لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنهُ. رواه البخاري

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله هذه الآحاديث الآربعة في باب الإيثار وهي حديث أبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد، وسهل بن سعد.

ففي الحديثين الأولين، بين النبي صلى الله عليه وسلم إن طعام الواحد يكفي الإثنين، وأن طعام الإثنين يكفي الأربعة، وأن طعام الأربعة يكفي الثمانية، وهذا حث منه عليه الصلاة والسلام على الإيثار، يعني أنك لو أتيت بطعامك الذي قدرت أنه يكفيك، وجاء رجلٌ آخر فلا تبخل، لا تبخل عليه وتقول

هذا طعامي وحدي، بل أعطه حتى يكون كافياً للاثنين.

وكذلك لو جاء اثنان بطعامهما، ثم جاءهما اثنان، فلا يبخلان عليه ويقولان هذا طعامنا، بل يطمعانهما؛ فإن طعامهما يكفيهما ويكفي الإثنين، وهكذا الأربعة مع الثمانية.

وإنما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام هذا من أجل أن يؤثر الإنسان بفضل طعامه على أخيه.

وكذلك أيضاً حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم على رحل له، فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم فهم أن الرجل محتاج، فقال عليه الصلاة والسلام: ((من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له)) .

وذكر أنواعاً ولم يبادر فيقول من كان له فضل زاد مثلاً لئلا يخجل الرجل، بل قال: ((من كان له فضل ظهر)) ، والرجل لا يحتاج إلى الظهر، لأنه كان على راحلته، لكن هذا من حسن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول الراوي: ((حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل)) يعني أن الإنسان يبذل كل ما عنده حتى لا يبقى معه فضل، يعني من الطعام والشراب والرحل وغير ذلك، وهذا كله من باب الإيثار.

وأما الحديث الرابع حديث سهل بن سعد، فإن امرأة جاءت وأهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بردة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرد الهدية؛ بل يقبل الهدية ويثيب عليها صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من كرمه وحسن خلقه، فتقدم رجل إليه، فقال: ما أحسن هذا، طلبها من النبي صلى الله عليه وسلم، ففعل الرسول عليه الصلاة

والسلام، خلعها وطواها، وأعطاه إياها.

فقيل للرجل: كيف تطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم وأنت تعلم أنه لا يرد سائلاً؟ فقال: والله ما طلبتها لألبسها، ولكن لتكون كفني رضي الله عنه، فأبقاها عنده فصارت كفنه، ففي هذا إيثار النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه؛ لأنه آثر بها هذا الرجل مع أن الذي يظهر أنه في حاجة لها.

* * *

٥/٥٦٨- وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الأشعريين إذا أرملُوا في الغزوِ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموهُ بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم)) متفق عليه.

"ارملوا": فرغ زادهم، أو قارب الفراغ.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

(اسمي) واللام جارة لما الاستفهامية حذفت ألفها كقوله تعالى:

{عم يتساءلون} (النبأ: ١) وقوله: {بم يرجع المرسلون} (النمل: ٣٥) (فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب) أل فيه للعهد الذهني بقرينة قوله: (الذي هذا ماؤه) ويحتمل كونها للجنس (يقول) جملة في محل الحال من الصوت على حذف مضاف: أي ذا صوت قائلاً (اسق) بوصل الهمزة في الأصح ويجوز قطعها، يقال: ما أنتج له من العناية الإلهية حسن هذه الثمرة بالتخصيص (فقال: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف للتأكيد متضمن معنى الشرط (إذا قلت هذا) أي أخبرت بما سمعت مما دعاك للسؤال (فإني) أبين لك عمل الذي نتج عنه بفضل الله سبحانه ذلك وهو أني (أنظر إلى ما يخرج منها) أي من الأرض من حب أو ثمر (فأتصدق بثلثه) بضم أوليه في الأفصح، ويجوز تسكين ثانيه تخفيفاً زيادة في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فالواجب في شريعتنا في النصاب من ذلك العشر تارة ونصفه أخرى (وآكل أنا وعيالي) أي أعولهم من أهل وولد وزوجة وخادم وغير ذلك (ثلثاً وأرد فيها ثلثه) أي ثلث الخارج (رواه مسلم) في «صحيحه» في أبواب الزهد (الحرة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبالتاء (الأرض الملبسة حجارة سودا) أي التي علاها ذلك وغلب عليها فكأنها لبست، وقال في «المصباح» : والجمع حرار كلكبة وكلاب (والشرجة بفتح الشين المعجمة وإسكان الراء وبالجيم) وسكت المصنف عن التاء آخره، قال في «المصباح» : وبعضهم يحذف فيقول: شرج هي (مسيل الماء) وجمعها شراج ككلبة وكلاب.

٦١ - باب النهي عن البخل والشح

قال في «المصباح» : بخل بخلاً: أي بفتح أوليه، بخلاً: أي بضم فسكون من باب

تعب وقرب والاسم البخل، وزان فلس. والبخل في الشرع: منع الواجب، وعند العرب: منع السائل مما يفضل عنده، وفيه أيضاً الشحّ والبخل، وفي «شرح مسلم» للمصنف قال جماعة: الشحّ أشد البخل وأبلغ في المنع منه، فقيل: هو البخل مع حرص، وقيل: البخل في أفراد الحرص الأمور، والشح عام وقيل: البخل بالأموال خاصة والشحّ بالمال والمعروف. وقيل: الشحّ الحرص على ما ليس عنده، والبخل بما عنده اهـ. وأصله في «النهاية» وزاد شح يشح شحاً فهو شحيح، والاسم الشح، وترجمة المصنف تمشي على هذا، فإن الإصل في العطف التغاير، وعلى ما في «المصباح» يكون من عطف الرديف اكتفاء بتغاير اللفظ كهو في قوله تعالى: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} (يوسف: ٨٦) .

(قال الله تعالى) : ( {وأما من بخل} ) أي بالإنفاق في الخيرات ( {واستغنى} ) أي بالدنيا عن العقبى (وكذب بالحسنى فسنيسره) في الدنيا (للعسرى) للخلة المودية إلى الشدة في الآخرة وهي الأعمال السيئة، ولهذا قالوا من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها ( {وما يغني عنه ماله إذا تردى} ) أي هلك وسقط وتردى في جهنم.

(وقال تعالى) : ( {ومن يوق شحّ نفسه} ) أي ومن سلم من الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم بمنع أداء ما وجب عليه أداؤه، وفي تفسير ابن عطية: شحّ النفس فقر لا يذهبه غنى المال، بل يزيده وينصب به. وقال ابن زيد وابن جبير وجماعة: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عنه ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برىء من شحّ النفس. وقال ابن مسعود: شحّ النفس أكل مال الناس بالباطل، أما منع الإنسان ماله فبخل وهو قبيح ولكن ليس بشحّ ( {فأولئك هم المفلحون} ) الفائزون ببغيتهم (وأما الأحاديث) أي النبوية (فتقدمت جملة منها في الباب السابق) كقوله: «وإن تمسكه شرّ لك» وقوله: «وأعط كل ممسك تلفاً، ولا توكي فيوكي الله عليك» وباقي أحاديث ذلك الباب تدل بمفهومها على ما عقد له هذا الباب لأن الثناء على الكرم والأمر به ذم بضده ونهي عنه.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فإذَا رَجُلٌ قَائمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمسحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، ما اسمُكَ؟ قال: فُلانٌ للاسم الذي سَمِعَ في السَّحابةِ، فقال له: يا عبدَ الله، لِمَ تَسْألُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوتْاً في السَّحابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ، يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لاسمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا، فَقَالَ: أمَا إذ قلتَ هَذَا، فَإنِّي أنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أنَا وَعِيَالِي ثُلُثاً، وَأردُّ فِيهَا ثُلُثَهُ» . رواه مسلم.

«الحَرَّةُ» الأَرْضُ المُلَبَّسَةُ حجَارَةً سَوْدَاءَ. وَ «الشَّرْجَةُ» بفتح الشين المعجمة وإسكان الراءِ وبالجيم: هي مَسِيلُ الماءِ.

في هذا الحديث: أن الصدقة تنتج البركة والمعونة من الله.

وفي الحديث الآخر: «ما نقصت صدقة من مال بل تزيده، بل تزيده» .

[٦١- باب النهي عن البخل والشح]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَأَمَا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} [الليل (٨: ١١) ] .

البخل: معروف، والشح أبلغ من البخل؛ لأنه يبخل بما عنده، ويطلب ما ليس له. وقوله تعالى: {وَأَمَا مَنْ بَخِلَ} ، أي: بالإنفاق في الخيرات، {وَاسْتَغْنَى} ، أي: بالدنيا عن الآخرة، {وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى} ، أي: بالجزاء في الدار الآخرة، {فَسَنُيَسِّرُهُ} نهيئه {لِلْعُسْرَى} لطريق الشر، وهي الأعمال السيِّئة الموجبة للنار، {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ} الذي يبخل به {إِذَا تَرَدَّى} إذا مات، وهو في جهنم.

وقال تَعَالَى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن (١٦) ] .

أي: ومن سلم من الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم، {فَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، أي: الفائزون.

قال ابن زيد وغيره: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برئ من شح النفس.

وقال ابن مسعود: شح النفس: أكل مال الناس بالباطل. أما منع الإنسان ماله فبخل، وهو قبيح.

قال ابن عطية: شح النفس فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده.

وأما الأحاديث فتقدمت جملة مِنْهَا في الباب السابق.

[٥٦٣] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ

قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» . رواه مسلم.

أي: استحلوا ما حرم الله عليهم حرصًا على المال، كما احتالوا على ما حرم الله عيهم من الشحوم، فأذابوها فباعوها واحتالوا لصيد السمك فحبلوا له يوم الجمعة وأخذوه يوم الأحد، وغير ذلك مما استحلوا به محارمهم وسفكوا به دماءهم.

[٦٢- باب الإيثار والمواساة]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

[الحشر (٩) ] .

يعني: فاقة وحاجة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم.

وقال تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} ... [الدهر (٨) ] . إلى آخر الآيات

يعني: ويطعمون الطعام وهم يحبونه، ويشتهونه، مسكينًا، ويتيمًا، وأسيرًا، وإن كان كافرًا، لوجه الله تعالى لا لحظ النفس، وخوفًا من عذاب يوم القيامة، فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم، ولقاهم نضرة في وجوههم، وسرورًا في قلوبهم، وجزاهم بما صبروا على ترك الشهوات، وأداء الواجبات جنةً وحريرًا.

[٥٦٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: إنِّي مَجْهُودٌ، فَأرسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقالت: وَالَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ، ثُمَّ أرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثلَ ذَلِكَ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ. فَقَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يُضيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا يَا رسولَ الله، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: أكرِمِي ضَيْفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وفي روايةٍ قَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فقَالَتْ: لا، إلا قُوتَ صِبيَانِي. قَالَ: فَعَلِّليهم بِشَيْءٍ وَإذَا أرَادُوا العَشَاءَ فَنَوِّمِيهمْ، وَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأطْفِئي السِّرَاجَ، وَأريهِ أنَّا نَأكُلُ. فَقَعَدُوا وَأكَلَ الضَّيْفُ وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «لَقَدْ عَجبَ الله مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

هذا الحديث: أخرجه البخاري في التفسير، وفي فضائل الأنصار.

وفيه: استحباب الإيثار على النفس ولو كان محتاجًا، وكذلك على العيال إذا لم يضرهم.

[٥٦٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الأربَعَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

وفي رواية لمسلمٍ عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَة يَكْفِي الثَّمَانِية» .

المراد بذلك: الحض على المكارم، والتقنع بالكفاية، وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، وإدخال رابع أيضًا بحسب من يحضر.

وعند الطبراني: «كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين» . الحديث. فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ من بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما زاد زادت البركة.

وفيه: إشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها البركة.

وفيه: أنه ينبغي للمرء أن لا يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه، فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء.

[٥٦٦] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصرِفُ بَصَرَهُ يَميناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ» . فَذَكَرَ مِنْ أصْنَافِ المالِ مَا ذكر حَتَّى رَأيْنَا أنَّهُ لا حَقَّ لأحَدٍ مِنَّا في فَضْلٍ. رواه مسلم.

في هذا الحديث: الأمر بالمواساة من الفاضل، وهو كحديث: إنك يا ابن آدم إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.6 / 29.5
الإضاءة 76%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل