الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٥٧١
الحديث رقم ٥٧١ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
«الآناء»: السَّاعاتُ.
٥٧١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما،
يُشير النبي صلى الله عليه وسلم هنا إلى أن الحَسَدَ أنواع مختلفة فمنه حسد مَذْمُوم محرم شرعًا، وهو أن يتمنى المرء زوال النعمة عن أخيه، وحسد مباح وهو أن يرى نعمة دنيوية عند غيره فيتمنى لنفسه مثلها، وحسد محمود مستحب شرعًا، وهو أن يرى نعمة دينية عند غيره فيتمناها لنفسه. وهو ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا حَسَدَ إلا في اثنتين" أي أن الحسد تختلف أنواعه وأحكامه حسب اختلاف أنواعه ولا يكون محمودًا مستحبًا شرعيًا إلا في أمرين:
الأمر الأول: أن يكون هناك رجل غني تقي، أعطاه الله مالا حلالا، فينفقه في سبيل الله تعالى، فيتمنى أن يكون مثله، ويَغْبِطَه على هذه النعمة.
الأمر الثاني: أن يكون هناك رجل عالم، أعطاه الله علما نافعا يعمل به، ويعلمه لغيره، ويحكم به بين الناس، فيتمنى أن يكون مثله.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
ِ٦٤- باب فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها
قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٥-٧)
وقال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٧-٢١) .
وقال تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: ٢٧١)
وقال تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران: ٩٢)
والآيات في فضل الإنفاق في الطاعات كثيرى معلُومةٌ.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الغني الشاكر، وهو الذي يأخذ المال بحثه ويصرفه في حقه.
فالغني هو الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى ما يستغني به عن غيره من مال أو علم أو جاه أو غير ذلك، وإن كان الأكثر استعمالاً أن الغني هو الذي أعطاه الله المال الذي يستغني به عن غيره.
والله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بالمال يعني بالغنى وبالفقر، فمن
الناس من لو أغناه الله لأفسده الغني، ومن الناس من لو أفقره الله لأفسده الفقر، والله عز وجلّ يعطي كل أحد بحسب ما تقتضيه الحكمة (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الانبياء: ٣٥) .
وإذا أعطى الله الإنسان المال فإنه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: من يعطيه الله المال يكتسبه من طريق حرام؛ كالمرابي، والكذاب، والغشاش في البيع والشراء، ومن أكل أموال الناس بالباطل وما أشبه ذلك، فهذا غناه لا ينفعه؛ لأنه غني في الدنيا، ولكنه فقير والعياذ بالله في الدنيا والآخرة.
إذ أن هذا الشي الذي دخل عليه من هذا الوجه سوف يعاقب عليه يوم القيامة، وأعظمه الربا، فإن الله عز وجل يقول في كتابه: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢٧٥) ، ويقول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩) .
القسم الثاني من الأغنياء: من أغناه الله بالمال لكن عن طريق الحلال، يبيع بالبيان والنصح والصدق، ويأخذ كذلك، ولا يكتسب إلا المال الحلال، فهذا هو الذي ينفعه غناه؛ لأن من كان كذلك؛ فالغالب أن الله
يوفقه لصرفه فيما ينفع.
فهذا هو الغني الشاكر الذي يأخذ المال بحقه، ويصرفه في حقه على الوجه الذي شرعه الله له.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله آيات في هذا المعنى، فذكر قول الله سبحانه وتعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٥-٧) يعني بذل المال في وجهه، واتقى الله سبحانه وتعالى في بذله وفي جمعه، فهذا ييسر لليسرى.
وقال سبحانه:: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل: ١٢، ٨) .
وقال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا) يعني النار (الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٧، ٢١) يعني سيجنب هذه النار (الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) يعني على وجه يتزكى به، وعلى وجه يقربه إلى الله عز وجل.
(وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) يعني ليس يعطي المال من باب المكافأة، مكافأة نعمة يجزي عليها غيره، ولكنه يعطي المال لله، ولهذا قال:) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) لكن يعطي المال ابتغاء وجه ربه الأعلى (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) بما يجازيه الله به.
فعلى المؤمن إذا أغناه الله عز وجل أن يكون شاكراً لله قائماً بما أوجب الله عليه من بذل المال في حقه على الوجه الذي يرضي الله عز وجلَّ.
* * *
١/٥٧١- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) متفق عليه. وتقدم شرحه قريباً.
٢/٥٧٢- وعن ابنِ عُمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا حسد إلا في اثنين: رجلُ آتاهُ الله القُرآن. فهو يقومُ به آناء الليل وآناء النهارِ ورجلٌ آتاه الله مالاً، فهو ينفقهُ آناء الليل وآناء النهارِ)) متفق عليه.
٣/٥٧٣- وعن أبي هُريرة رضي الله عنه أن فقراء المُهاجرين آتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم فقال: ((وما ذاك؟)) فقالوا يُصلون كما نُصلي، ويصومون كما نصومُ ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتقُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكونُ أحدٌ أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((تُسبحون وتحمدون وتكبرون، دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)) فرجع فقراءُ المُهاجرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا، ففعلُوا مثلهُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذلِك فضلُ الله يؤتيه من يشاءُ)) متفق عليه، وهذا لفظ رواية مسلم.
" الدثُورُ": الأموال الكثيرةُ، والله أعلم.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله أحاديث في بيان الذين ينفقون أموالهم ويجودون بها في سبيل الله، ففي حديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما بيان أنه لا حسد إلا في اثنين، يعني: لا أحد يُغبط غبطة حقيقية إلا هذان الصنفان:
الأول: من آتاه الله العلم وهو الحكمة، فكان يعمل بها ويعلمها الناس، فهذا هو الذي يغبط؛ لأنك إذا قارنت بين حال هذا الرجل وحال الجاهل عرفت الفرق بينهما؛ الجاهل يعبد الله على جهل، ولا يعرف من شريعة الله إلا ما فعله الناس، فتجده يتبع الناس على الصواب والخطأ، وهذا نقص كبير في عبادة الرجل؛ لأن الإنسان إذا عبد الله على غير بصيرة؛ صارت عبادته ناقصة.
كذلك إذا قارنت بين رجل آتاه الله العلم ولكنه لم يعمل به، ورجل آتاه الله العلم فعمل به وعلمه الناس، تجد الفرق العظيم بين هذا وهذا، فالذي يغبط حقيقة هو الذي آتاه الله العلم فعمل به وعلمه الناس.
والثاني: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في سبيل الله، في كل ما يرضي الله ليلاً ونهاراً، فهذا هو الذي يغبط، أما من آتاه الله المال ولكنه لم ينفقه في مرضاة الله؛ فلا غبطة فيه، ولا يغبط على ما أوتي؛ لأن هذا المال إن انتفع به؛ انتفع به في الدنيا فقط؛ لأنه لا ينفقه لله ولا في سبيل الله.
والرجل الثالث: رجلٌ فقيرٌ لم يؤت مالاً فهو أيضاً لا يغبط، فلا يغبط من ذوي المال إلا من آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، فيما يرضي
الله عز وجلَّ.
ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه حين جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ((يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور)) جمع أجر ((بالدرجات العلى والنعيم المقيم)) . قال: ((وما ذاك؟)) قالوا: ((يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق)) يعني فهم أفضل منا؛ لأن الله منَّ عليهم بالمال فبذلوه في طاعة الله، وفيما يرضي الله.
فقال عليه الصلاة والسلام: ((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟)) فقالوا: ((بلى يا رسول الله)) ، قال: ((تسبحون وتحمدون وتكبرون، دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)) يعني تقولون: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، فصاروا يفعلون ذلك، لكن الأغنياء سمعوا بهذا فصاروا يقولنه؛ يسبحون ويكبرون ويحمدون ثلاثاً وثلاثين دبر كل صلاة.
فرجع الفقراء مرة ثانية إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: " يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما صنعنا فصنعوا مثله"، فقال عليه الصلاة والسلام: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" يعني أن الله سبحانه وتعالى أغناهم وأعطاهم المال فبذلوه في طاعة الله، وهذا فضل الله.
وفي هذا دليلٌ على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتسابقون إلى
الخير؛ فالأغنياء لما سمعوا بما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام الفقراءَ بادروا إليه وفعلوه، والفقراء جاءوا يشكون أنهم كانوا متأخرين عن أهل الأموال فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)) .
والخلاصة أنه ينبغي للإنسان إذا آتاه الله المال أن يبذله فيما يرضي الله، فإن هذا هو الذي يحسد، يعني يغبط على ما آتاه الله من المال.
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
غنى لي عن بركتك) أي أغنيتني عنه من سائر الجهاد من حيث إنه مال، وأنا لا آخذه كذلك شرهاً وحرصاً، ولكن لكونه بركة، وفيها وجوه: فقيل لأنه قريب عهد بتكوين من الله تعالى كما حسر نبينا عن جلده حين نزل عليه المطر وقال: إنه حديث عهد بربه: أي بتكوينه. وقيل: لأنه نعمة جديدة خارقة للعادة فينبغي تلقيها بالقبول، ففي ذلك منه شكر لها وتعظيم لشأنها وفي الإعراض عنها كفر بها، وقريب منه حديث: «إن الله يحب أن تأتى رخصه كما تؤتى عزائمه» وقيل: إن هذا آية ومعجزة وكل ما نشأ عنها فهو بركة، ومن ذلك قول الصحابة: كنا نعد الآيات بركة، وقيل: غير ذلك (رواه البخاري) في كتاب الأنبياء من «صحيحه» .
٦٤ - باب فضل الغني الشاكر
أي ما جاء في ذلك، والشاكر: هو القائم بما أمر الله تعالى به في المال فعلاً وتركاً كما قال المصنف: (وهو من أخذ المال من وجهه) أي طريقه المأذون بأخذه منه شرعاً كالمعاوضة المستجمعة لشروط الصحة السالمة من غش وخديعة، وكالإرث والوصية والاكتسابات المأذون فيها من احتطاب ونحوه (وصرفه) الأولى وإنفاقه لقوله: (في وجوهه) أي طرقه (المأمور بها) شرعاً واجباً عينياً كأداء الزكوات والكفارات والنذور، أو كفائياً كالقيام بحاجة المحتاج من طعام وكسوة، أو مندوباً كالتطوعات.
(قال الله تعالى) : ( {فأما من أعطى} ) أي أنفق ماله لوجه الله ( {واتقى} ) محارمه ( {وصدق بالحسنى} ) المجازاة وأيقن أن الله سيخلفه عليه، أو بالكلمة الحسنى وهي كلمة التوحيد ( {فسنيسره} ) نهيئه في الدنيا ( {لليسرى} ) للخلة التي توصله إلى اليسرى والزلفى في الدار الآخرة يعني الأعمال الصالحة والآية بعدها
في ضدّ ذلك تقدمت مع الكلام على ما يتعلق بها في باب النهي عن البخل.
(وقال تعالى) : ( {وسيجنبها} ) أي النار ( {الأتقى} ) أي الذي اتقى الشرك والمعصية فلا يدخلها أصلاً، وأما من اتقى الشرك فقط فيمكن أن يدخلها لكن لا يصلاها ولا يلزمها ( {الذي يؤتي ماله} ) يعطيه وينفقه في طاعة الله ( {يتزكى} ) أي يطلب تزكية نفسه وماله فصله الذي بدل أو حال فلا محل له على الأول ( {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} ) فيقصد إتيانه مجازاتها ( {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} ) أي لكن يؤتى طلباً لمرضاة الله سبحانه، والجمهور على نصب ابتغاء وأنه على الاستثناء المنقطع، وإلا بمعنى لكن كما تقرر فهو في الحقيقة مفعول له، قاله الهمذاني، وانظر ابن عطية في كون الاستثناء منقطعاً وجعل الكواشي الاسثناء المنقطع والمفعولية له وجهين متقابلين محمول على المعنى، والتقدير: لم يعط الشيء إلا ابتغاء وجهه سبحانه، والابتغاء: الطلب أي إلا لطلب التوجه إلى ربه الأعلى (ولسوف يرضى) من ربه حين يدخله في رحمته، وعن كثير من السلف أن هذه السورة في الصديق وهو الأتقى فيكون الحصر ادعائياً لا حقيقياً، كأن غير هذا الأتقى غير مجتنب بالكلية كذا في «تفسير» السيد معين الدين الصفوي، وفي «تفسير ابن عطية» لم يختلف أهل التأويل أن المراد بالأتقى إلى آخر السورة أبو بكر ثم هي تتناول كل من دخل في هذه الصفات. وقال ابن كثير في «تفسيره» : قد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآي نزلت في أبي بكر رضي الله عنه حتى أن بعضهم حكى الإجماع عن المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الناس بعمومها، وأن لفظها لفظ العموم وهو قوله: {وسيجنبها الأتقى} الخ. ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقاً تقياً كريماً جواداً بذالاً لأمواله في طاعة مولاه ونصر رسوله، وفي «تفسير الكواشي» : والمراد بالأتقى أبو بكر الصديق قالوا بإجماع المفسرين، وما ذكره ابن عطية وابن كثير من أن الآية تشمل من دخل في تلك الصفات تعقبه الحافظ السيوطي في
«الإتقان» فقال بعد أن مهد قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» :
«تنبيه» : قد علمت أن فرض المسألة في لفظ له عموم أما آية نزلت في معين ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعاً كقوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى} الخ فإنها نزلت في الصديق إجماعاً وقد استدل بها الفخر الرازي مع قوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} على أنه
أفضل الناس بعد رسول الله، ووهم من ظن أن الآية عامة في كل عمله إجراء له على القاعدة، وهذا غلط، فإن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم، إذ أل إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أو معرّفة في جمع، زاد قوم أو مفرد بشرط أن لا يكون هناك عهد، واللام في الأتقى ليست موصولة، لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعاً، والأتقى ليس جمعاً، بل مفرد، والعهد موجود خصوصاً مع ما يفيد صيغة أفعل من التمييز وقطع المشاركة، فبطل القول بالعموم وتعين القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه رضي الله عنه» اهـ.
(وقال تعالى) : ( {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} ) أي إن أظهرتموها فنعم شيئاً إبداؤها ( {وإن تخفوها وتؤثرها الفقراء} ) أي تعطوها مع إخفاء ( {فهو} ) أي إخفاؤها ( {خير لكم} ) والآية عامة في كل صدقة، لكن عن ابن عباس: السرّ في التطوع أفضل من العلانية يقال: بسبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل بخمسة وعشرين ضعفاف ( {ويكفر عنكم} ) أي الله أو الإخفاء ففيه إسناد مجازي، ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل جواب الشرط ( {من سيئاتكم} ) من للتبعيض أو لبيان الجنس أي شيئاً هو السيئات ( {وا بما تعملون خبير} ) ترغيب في الإخفاء.
(وقال تعالى) : ( {لن تنالوا البرّ} ) الجنة: أو التقوى، أو كمال الخير ( {حتى تنفقوا مما تحبون} ) أي بعضه، والمراد منه أداء الزكاة أو صدقة السنة، ويدل على الثاني أن كثيراً من الصحابة تصدقوا بأراضيهم وأعتقوا جواريهم حين أنزلت، والمعنى: لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا وأنتم أصحاء أشحاء ( {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} ) فيجازي بحسبه (والآيات) الكائنة أو كائنة (في فضل الإنفاق في الطاعات) هي ما تقرب بها إلى المولى (كثيرة معلومة) وفيما ذكر كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
١ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: لا حسد) أي
لاغبطة محمودة (إلا في اثنتين) من الخصال أو في ذي اثنتين منها فعلى الأول يقدر مضاف نحو خصلة قبل قوله رجل وهو في الأصول مرفوع خبر محذوف: أي هما خصلتان رجل ورجل، فحذف المضاف وأقيم رجل مقامه فارتفع (رجل آتاه) أي أعطاه (امالاً) أي بطريق لا تبعة فيه كما يومىء إليه إسناد الإعطاء إلى الله سبحانه، وإلا فالتصدق بالسحت لا غبطة فيه (فسلطه على هلكته) أي إتلاف عينه بإبقائه عند الله بإنفاقه لوجهه ومرضاته (في الحق) متعلق بالمصدر قبله (ورجل آتاه الله حكمة) أي علماً ويجوز أن يراد بها القرآن لورود كل منهما في رواية، ويجوز أن يراد بها السنة والأول أقرب (فهو يقضي بها) أي عند التحاكم إليه (ويعلمها) ففيه أن شكر المال إنفاقه في وجوه الطاعات ابتغاء مرضاة الله تعالى، وأن شكر العلم العمل به وتعليمه (متفق عليه) (وتقدم شرحه) أي تبيان المراد من قوله لا حسد (قريباً) نصبه على أنه صفة مصدر: أي تقدماً قريباً، أو على الظرفية: أي في مكان قريب من الكتاب وهو باب فضل الكرم والجود.
٢ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال: لا حسد) أي لا ينبغي أن يحسد أي يغبط (إلا في اثنتين) ثوابهما بحسن التصرف من فاعلهما (رجل آتاه الله القرآن) قدم هنا على المال من باب التدلي من الشريف إلى المشروف، وعكس في الحديث قبله من باب الترقي، أو لأن ذلك سبق للحضّ على الاشتغال بالقرآن فقدم في كل ما سبق له الحديث وذكر الآخر بالتبع، أو أن ذلك على وجه التفنن في التعبير، وعبر هنا بالقرآن الذي هو منبع العلوم ومعدنها وأصلها ومكمنها، قال تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} (الأنعام: ٣٨) وقال تعالى: {والكتاب المبين} (الدخان: ٢) أي لكل شيء محتاج إليه كما يؤذن به حذف
المعمول، لأنه الأصل، وثم بالحكمة المراد بها العلم الشرعي على قوم لعموم حاجة الناس في معاشهم ومعادهم إليه (فهو يقوم به) أي في صلاته (آناء الليل وآناء النهار) منصوب على الظرفية وأعاد المضاف دفعاً لتوهم أن المراد آناء مجموعهما لا كل على الانفراد، ويحتمل أن يراد من القيام المداومة على تلاوته لا يخصوص كونه في صلاة (ورجل آتاه الله مالاً) التنكير فيه للتعظيم كما يدل عليه قوله: (فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) ويحتمل أن يكون للشيوع فيشمل الجليل منه والحقير، قال تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قد عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} (الطلاق: ٧) (متفق عليه) تقدم ذكر من خرّجه من حديث ابن عمر في باب فضل الكرم المذكور (الآناء) بالفتح ومد الهمزة قبل النون (الساعات) جمع واحده أني بالكسر والقصر وأناء بالمد والفتح، وإني بوزن قنو، وأنو بوزن دلو، ذكرها الواحدي في «تفسيره» .
٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن) بالفتح ويجوز كسر الهمزة بتقدير قول قبلها (فقراء المهاجرين) من إضافة الصفة لموصوفها: أي المهاجرين الفقراء (قالوا) : على وجه الغبطة والتأسف على عدم تمكنهم من ذلك (يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات) الباء فيه للتعدية وفيها معنى المصاحبة (العلا) أي الرفيعة، قال ابن عطية في «التفسير» : الدرجات العلا هي القرب من الله تعالى: (والنعيم المقيم) وهو نعيم الجنة الذي لا ينقضي أبداً (فقال: وما ذاك) استفهام عن الذي لأجله قيل فيهم إنهم فازوا بذلك دنيا وعقبى ولم يتركوا منه للفقراء شيئاً كما يومىء إليه السياق، وأتى باسم الإشارة الموضوع للبعيد فيه مع قربه لفخامة شأنه كقوله تعالى: {تلك آيات الكتاب المبين} (الشعراء: ٢) بناء على أن المشار إليه هو الحروف المقطّعة أوّل السور (فقالوا: يصلون كما نصلي) ما كافة مهيئة للدخول على
الجملة الفعلية، وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة أو مصدرية أي مثل صلاتنا، أو موصولة: أي مثل الذي نصليه (ويصومون كما نصوم) أي هم في العبادات البدنية مماثلون لنا مساوون فيها وزائدون علينا بالعبادات المالية المدلول عليها بقولهم (ويتصدقون ولا نتصدق) كذا في النسخ بإظهار الفوقية وتخفيف المهملة الأولى فيهما (ويعتقون) بفتح التحتية وكسر الفوقية فيهما (ولا نعتق) أي فهم يرجحون علينا بذلك، إذ لا مال لنا نصل به إلى مثل ذلك (فقال رسول الله: أفلا أعلمكم) أي أترككم تعاباً من ذلك فلا أعلمكم (شيئاً) أي عظيماً بقرينة وصفه بقوله: (تدركون به من سبقكم) أي إلى المنازل العلى أو من سبقكم من مؤمني الأمم (وتسبقون) بكسر الموحدة (به من بعدكم) أي في الرتبة: أي دونكم أو في الزمن (ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) الاستثناء فيه منقطع: أي ولكن من صنع مثل ما صنعتم فلا تسبقونه ولا يفضل عليه أحد كما لا يفضل عليكم (قالوا: بلى يا رسول الله) أي تعليم ذلك مرادنا
لنلحق به من سبق ونجوز به على من بعد فضل السبق، وفي قولهم: يا رسول الله تحريض على الإعلام: أي إن الله رحم بك العباد وتعليم ذلك منها فجد به (قال: تسبحون وتكبرون) بتضعيف الفعلين اعتباراً بتكرير الفعل (وتحمدون) بفتح الفوقية والميم (دبر) أي خلف (كل صلاة) أي من المكتوبات كما جاء كذلك في رواية، ودبر ظرف تنازعه الأفعال قبله وكذا تنازعت (ثلاثاً وثلاثين) وهو منصوب على المفعولية المطلقة للعامل فيه منها (فرجع) العطف على محذوف دلّ عليه السياق: أي فذهب فقراء المهاجرين بما علمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعملوا فعلمه الأغنياء فعملوا به وشاركوها فيه كغيره من العبادات البدنية فرجع (فقراء المهاجرين إلى رسول الله) إذا فاتهم ما استأثروا به عن الأغنياء ليلحقوهم في فضل عملهم المالي بمشاركتهم فيه (فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال) هذا تفسير منهم للدثور المذكور عنهم أول الحديث (بما فعلنا) أي مما ذكرت وما فيه من عظيم الفضل (ففعلوا مثله) فساورنا فيه وازدادوا عليه بالعمل المالي فرجع الأمر بالآخرة إلى ما اشتكوا منه أولاً (فقال رسول الله: ذلك فضل ا) أي
ثوابه (يؤتيه) أي يعطيه (من يشاء) من فقير وغنيّ، والمشار إليه يحتمل أن يكون السبق إلى المنازل العلى المذكور أوّل الخبر: أي أنالهم الله ذلك وقصره عليهم، فلا سبيل لمشاركتهم فيه من غيرهم، ويحتمل أن يكون الثواب المرتب على هذا المذكور أنه فضل الله إن شاء خص به الفقراء فلا يلزم من إتيان الأغنياء به مساواة الفقراء فيه: أي فلا عليكم من مشاركتهم في ذلك صورة، والأول قال به من مال إلى تفضيل الغنيّ الشاكر، والثاني قال به ما قال بتفضيل الفقير الصابر (متفق عليه) رواه البخاري في الدعوات ومسلم (وهذا لفظ رواية مسلم) في كتاب الصلاة وليس في رواية البخاري وصف الدرجات بالعلا، وفيها أن كلاً من التكبير والتسبيح والتحميد عشراً عشراً وليس عنده من قوله فرجع فقراء المهاجرين
إلى الآخر، وسبق في باب بيان طرق الخيرات أن حديث أبي ذرّ عند مسلم بنحو حديث الباب، وأن كلاً من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة وفيه زيادة على ما في حديث الباب ونقص عنه (الدثور) بضم المهملة والمثلثة (الأموال الكثيرة) كما في «النهاية» ، وبه يعلم ما في اقتصار الكازروني شارح «الأربعين» على قوله الدثر: المال ولم يقيده بالكثير، وفي باب بيان طرق الخيرات الدثور واحدها دثر، فأفاد ثمة بيان مفرده وهنا بيان معناه. وفي «النهاية» : الدثور جمع دثر: أي كفلس يقع على الواحد والاثنين والجمع اهـ.
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
وفيه: جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه بالشكر.
قال بعض العلماء: إنما حرص عليه أيوب عليه السلام لأنه قريب عهد بربه، كما حسر نبينا - صلى الله عليه وسلم - ثوبه حين نزل المطر، وقيل: لأنه نعمة جديدة خارقة للعادة، وكل ما نشأ عنها فهو بركة.
٦٤- باب فضل الغَنِيّ الشاكر
وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بِهَا
قَالَ الله تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسْرَى} [الليل (٥: ٧) ] .
أي: أعطى ماله لوجه الله، واتقى محارمه، وصدق بالحسنى، أي: المجازاة، فسنيسِّره، نهيِّئه في الدنيا لليسرى، أي: للخلة التي توصله إلى اليسرى، والراحة في الآخرة، وهي الأعمال الصالحة.
وقال تَعَالَى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل (١٧: ٢١) ] .
أي: وسيجنب النار الأتقى، أي: من اتقى الشرك والمعاصي؛ الذي يعطي ماله في طاعة الله، يطلب تزكية نفسه طلبًا لمرضاة الله، ولسوف يرضى حين يرى جزاءه في الآخرة، وهذه الآيات نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وهي عامة في جميع المؤمنين.
وقال تَعَالَى: {إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِي وَإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة (٢٧١) ] .
أي: إنْ تبدوا الصدقات فَنِعْمَ ما أبديتم، وإنْ تعطوها مع إخفاء الفقراء فهو خير لكم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: السر في التطوع أفضل من العلانية، والفريضة علانيتها أفضل.
وقال تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران (٩٢) ] .
أي: لن تنالوا كمال الخير حتى تنفقوا من المال الذي تحبونه، وما تنفقوا من شيء فإنَّ الله به عليم فيجازيكم بحسبه.
والآيات في فضلِ الإنفاقِ في الطاعاتِ كثيرة معلومة.
كقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة (٢٧٤) ] ، وغيرها من الآيات المعروفة.
[٥٧١] وعن عبدِ الله بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ. وتقدم شرحه قريباً.
فيه: أن شكر المال؛ إنفاقه في وجوه الطاعات، وأن شكر العلم العمل به وتعليمه.
[٥٧٢] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالاً، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
ِ٦٤- باب فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها
قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٥-٧)
وقال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٧-٢١) .
وقال تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: ٢٧١)
وقال تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران: ٩٢)
والآيات في فضل الإنفاق في الطاعات كثيرى معلُومةٌ.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الغني الشاكر، وهو الذي يأخذ المال بحثه ويصرفه في حقه.
فالغني هو الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى ما يستغني به عن غيره من مال أو علم أو جاه أو غير ذلك، وإن كان الأكثر استعمالاً أن الغني هو الذي أعطاه الله المال الذي يستغني به عن غيره.
والله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بالمال يعني بالغنى وبالفقر، فمن
الناس من لو أغناه الله لأفسده الغني، ومن الناس من لو أفقره الله لأفسده الفقر، والله عز وجلّ يعطي كل أحد بحسب ما تقتضيه الحكمة (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الانبياء: ٣٥) .
وإذا أعطى الله الإنسان المال فإنه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: من يعطيه الله المال يكتسبه من طريق حرام؛ كالمرابي، والكذاب، والغشاش في البيع والشراء، ومن أكل أموال الناس بالباطل وما أشبه ذلك، فهذا غناه لا ينفعه؛ لأنه غني في الدنيا، ولكنه فقير والعياذ بالله في الدنيا والآخرة.
إذ أن هذا الشي الذي دخل عليه من هذا الوجه سوف يعاقب عليه يوم القيامة، وأعظمه الربا، فإن الله عز وجل يقول في كتابه: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢٧٥) ، ويقول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩) .
القسم الثاني من الأغنياء: من أغناه الله بالمال لكن عن طريق الحلال، يبيع بالبيان والنصح والصدق، ويأخذ كذلك، ولا يكتسب إلا المال الحلال، فهذا هو الذي ينفعه غناه؛ لأن من كان كذلك؛ فالغالب أن الله
يوفقه لصرفه فيما ينفع.
فهذا هو الغني الشاكر الذي يأخذ المال بحقه، ويصرفه في حقه على الوجه الذي شرعه الله له.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله آيات في هذا المعنى، فذكر قول الله سبحانه وتعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: ٥-٧) يعني بذل المال في وجهه، واتقى الله سبحانه وتعالى في بذله وفي جمعه، فهذا ييسر لليسرى.
وقال سبحانه:: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل: ١٢، ٨) .
وقال تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا) يعني النار (الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: ١٧، ٢١) يعني سيجنب هذه النار (الْأَتْقَى) (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) يعني على وجه يتزكى به، وعلى وجه يقربه إلى الله عز وجل.
(وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) يعني ليس يعطي المال من باب المكافأة، مكافأة نعمة يجزي عليها غيره، ولكنه يعطي المال لله، ولهذا قال:) (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) لكن يعطي المال ابتغاء وجه ربه الأعلى (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) بما يجازيه الله به.
فعلى المؤمن إذا أغناه الله عز وجل أن يكون شاكراً لله قائماً بما أوجب الله عليه من بذل المال في حقه على الوجه الذي يرضي الله عز وجلَّ.
* * *
١/٥٧١- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) متفق عليه. وتقدم شرحه قريباً.
٢/٥٧٢- وعن ابنِ عُمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا حسد إلا في اثنين: رجلُ آتاهُ الله القُرآن. فهو يقومُ به آناء الليل وآناء النهارِ ورجلٌ آتاه الله مالاً، فهو ينفقهُ آناء الليل وآناء النهارِ)) متفق عليه.
٣/٥٧٣- وعن أبي هُريرة رضي الله عنه أن فقراء المُهاجرين آتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم فقال: ((وما ذاك؟)) فقالوا يُصلون كما نُصلي، ويصومون كما نصومُ ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتقُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكونُ أحدٌ أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((تُسبحون وتحمدون وتكبرون، دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)) فرجع فقراءُ المُهاجرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا، ففعلُوا مثلهُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذلِك فضلُ الله يؤتيه من يشاءُ)) متفق عليه، وهذا لفظ رواية مسلم.
" الدثُورُ": الأموال الكثيرةُ، والله أعلم.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله أحاديث في بيان الذين ينفقون أموالهم ويجودون بها في سبيل الله، ففي حديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما بيان أنه لا حسد إلا في اثنين، يعني: لا أحد يُغبط غبطة حقيقية إلا هذان الصنفان:
الأول: من آتاه الله العلم وهو الحكمة، فكان يعمل بها ويعلمها الناس، فهذا هو الذي يغبط؛ لأنك إذا قارنت بين حال هذا الرجل وحال الجاهل عرفت الفرق بينهما؛ الجاهل يعبد الله على جهل، ولا يعرف من شريعة الله إلا ما فعله الناس، فتجده يتبع الناس على الصواب والخطأ، وهذا نقص كبير في عبادة الرجل؛ لأن الإنسان إذا عبد الله على غير بصيرة؛ صارت عبادته ناقصة.
كذلك إذا قارنت بين رجل آتاه الله العلم ولكنه لم يعمل به، ورجل آتاه الله العلم فعمل به وعلمه الناس، تجد الفرق العظيم بين هذا وهذا، فالذي يغبط حقيقة هو الذي آتاه الله العلم فعمل به وعلمه الناس.
والثاني: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في سبيل الله، في كل ما يرضي الله ليلاً ونهاراً، فهذا هو الذي يغبط، أما من آتاه الله المال ولكنه لم ينفقه في مرضاة الله؛ فلا غبطة فيه، ولا يغبط على ما أوتي؛ لأن هذا المال إن انتفع به؛ انتفع به في الدنيا فقط؛ لأنه لا ينفقه لله ولا في سبيل الله.
والرجل الثالث: رجلٌ فقيرٌ لم يؤت مالاً فهو أيضاً لا يغبط، فلا يغبط من ذوي المال إلا من آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، فيما يرضي
الله عز وجلَّ.
ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه حين جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ((يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور)) جمع أجر ((بالدرجات العلى والنعيم المقيم)) . قال: ((وما ذاك؟)) قالوا: ((يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق)) يعني فهم أفضل منا؛ لأن الله منَّ عليهم بالمال فبذلوه في طاعة الله، وفيما يرضي الله.
فقال عليه الصلاة والسلام: ((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟)) فقالوا: ((بلى يا رسول الله)) ، قال: ((تسبحون وتحمدون وتكبرون، دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)) يعني تقولون: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، فصاروا يفعلون ذلك، لكن الأغنياء سمعوا بهذا فصاروا يقولنه؛ يسبحون ويكبرون ويحمدون ثلاثاً وثلاثين دبر كل صلاة.
فرجع الفقراء مرة ثانية إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: " يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما صنعنا فصنعوا مثله"، فقال عليه الصلاة والسلام: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" يعني أن الله سبحانه وتعالى أغناهم وأعطاهم المال فبذلوه في طاعة الله، وهذا فضل الله.
وفي هذا دليلٌ على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتسابقون إلى
الخير؛ فالأغنياء لما سمعوا بما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام الفقراءَ بادروا إليه وفعلوه، والفقراء جاءوا يشكون أنهم كانوا متأخرين عن أهل الأموال فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)) .
والخلاصة أنه ينبغي للإنسان إذا آتاه الله المال أن يبذله فيما يرضي الله، فإن هذا هو الذي يحسد، يعني يغبط على ما آتاه الله من المال.
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
غنى لي عن بركتك) أي أغنيتني عنه من سائر الجهاد من حيث إنه مال، وأنا لا آخذه كذلك شرهاً وحرصاً، ولكن لكونه بركة، وفيها وجوه: فقيل لأنه قريب عهد بتكوين من الله تعالى كما حسر نبينا عن جلده حين نزل عليه المطر وقال: إنه حديث عهد بربه: أي بتكوينه. وقيل: لأنه نعمة جديدة خارقة للعادة فينبغي تلقيها بالقبول، ففي ذلك منه شكر لها وتعظيم لشأنها وفي الإعراض عنها كفر بها، وقريب منه حديث: «إن الله يحب أن تأتى رخصه كما تؤتى عزائمه» وقيل: إن هذا آية ومعجزة وكل ما نشأ عنها فهو بركة، ومن ذلك قول الصحابة: كنا نعد الآيات بركة، وقيل: غير ذلك (رواه البخاري) في كتاب الأنبياء من «صحيحه» .
٦٤ - باب فضل الغني الشاكر
أي ما جاء في ذلك، والشاكر: هو القائم بما أمر الله تعالى به في المال فعلاً وتركاً كما قال المصنف: (وهو من أخذ المال من وجهه) أي طريقه المأذون بأخذه منه شرعاً كالمعاوضة المستجمعة لشروط الصحة السالمة من غش وخديعة، وكالإرث والوصية والاكتسابات المأذون فيها من احتطاب ونحوه (وصرفه) الأولى وإنفاقه لقوله: (في وجوهه) أي طرقه (المأمور بها) شرعاً واجباً عينياً كأداء الزكوات والكفارات والنذور، أو كفائياً كالقيام بحاجة المحتاج من طعام وكسوة، أو مندوباً كالتطوعات.
(قال الله تعالى) : ( {فأما من أعطى} ) أي أنفق ماله لوجه الله ( {واتقى} ) محارمه ( {وصدق بالحسنى} ) المجازاة وأيقن أن الله سيخلفه عليه، أو بالكلمة الحسنى وهي كلمة التوحيد ( {فسنيسره} ) نهيئه في الدنيا ( {لليسرى} ) للخلة التي توصله إلى اليسرى والزلفى في الدار الآخرة يعني الأعمال الصالحة والآية بعدها
في ضدّ ذلك تقدمت مع الكلام على ما يتعلق بها في باب النهي عن البخل.
(وقال تعالى) : ( {وسيجنبها} ) أي النار ( {الأتقى} ) أي الذي اتقى الشرك والمعصية فلا يدخلها أصلاً، وأما من اتقى الشرك فقط فيمكن أن يدخلها لكن لا يصلاها ولا يلزمها ( {الذي يؤتي ماله} ) يعطيه وينفقه في طاعة الله ( {يتزكى} ) أي يطلب تزكية نفسه وماله فصله الذي بدل أو حال فلا محل له على الأول ( {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} ) فيقصد إتيانه مجازاتها ( {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} ) أي لكن يؤتى طلباً لمرضاة الله سبحانه، والجمهور على نصب ابتغاء وأنه على الاستثناء المنقطع، وإلا بمعنى لكن كما تقرر فهو في الحقيقة مفعول له، قاله الهمذاني، وانظر ابن عطية في كون الاستثناء منقطعاً وجعل الكواشي الاسثناء المنقطع والمفعولية له وجهين متقابلين محمول على المعنى، والتقدير: لم يعط الشيء إلا ابتغاء وجهه سبحانه، والابتغاء: الطلب أي إلا لطلب التوجه إلى ربه الأعلى (ولسوف يرضى) من ربه حين يدخله في رحمته، وعن كثير من السلف أن هذه السورة في الصديق وهو الأتقى فيكون الحصر ادعائياً لا حقيقياً، كأن غير هذا الأتقى غير مجتنب بالكلية كذا في «تفسير» السيد معين الدين الصفوي، وفي «تفسير ابن عطية» لم يختلف أهل التأويل أن المراد بالأتقى إلى آخر السورة أبو بكر ثم هي تتناول كل من دخل في هذه الصفات. وقال ابن كثير في «تفسيره» : قد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآي نزلت في أبي بكر رضي الله عنه حتى أن بعضهم حكى الإجماع عن المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الناس بعمومها، وأن لفظها لفظ العموم وهو قوله: {وسيجنبها الأتقى} الخ. ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقاً تقياً كريماً جواداً بذالاً لأمواله في طاعة مولاه ونصر رسوله، وفي «تفسير الكواشي» : والمراد بالأتقى أبو بكر الصديق قالوا بإجماع المفسرين، وما ذكره ابن عطية وابن كثير من أن الآية تشمل من دخل في تلك الصفات تعقبه الحافظ السيوطي في
«الإتقان» فقال بعد أن مهد قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» :
«تنبيه» : قد علمت أن فرض المسألة في لفظ له عموم أما آية نزلت في معين ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعاً كقوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى} الخ فإنها نزلت في الصديق إجماعاً وقد استدل بها الفخر الرازي مع قوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} على أنه
أفضل الناس بعد رسول الله، ووهم من ظن أن الآية عامة في كل عمله إجراء له على القاعدة، وهذا غلط، فإن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم، إذ أل إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أو معرّفة في جمع، زاد قوم أو مفرد بشرط أن لا يكون هناك عهد، واللام في الأتقى ليست موصولة، لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعاً، والأتقى ليس جمعاً، بل مفرد، والعهد موجود خصوصاً مع ما يفيد صيغة أفعل من التمييز وقطع المشاركة، فبطل القول بالعموم وتعين القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه رضي الله عنه» اهـ.
(وقال تعالى) : ( {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} ) أي إن أظهرتموها فنعم شيئاً إبداؤها ( {وإن تخفوها وتؤثرها الفقراء} ) أي تعطوها مع إخفاء ( {فهو} ) أي إخفاؤها ( {خير لكم} ) والآية عامة في كل صدقة، لكن عن ابن عباس: السرّ في التطوع أفضل من العلانية يقال: بسبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل بخمسة وعشرين ضعفاف ( {ويكفر عنكم} ) أي الله أو الإخفاء ففيه إسناد مجازي، ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل جواب الشرط ( {من سيئاتكم} ) من للتبعيض أو لبيان الجنس أي شيئاً هو السيئات ( {وا بما تعملون خبير} ) ترغيب في الإخفاء.
(وقال تعالى) : ( {لن تنالوا البرّ} ) الجنة: أو التقوى، أو كمال الخير ( {حتى تنفقوا مما تحبون} ) أي بعضه، والمراد منه أداء الزكاة أو صدقة السنة، ويدل على الثاني أن كثيراً من الصحابة تصدقوا بأراضيهم وأعتقوا جواريهم حين أنزلت، والمعنى: لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا وأنتم أصحاء أشحاء ( {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} ) فيجازي بحسبه (والآيات) الكائنة أو كائنة (في فضل الإنفاق في الطاعات) هي ما تقرب بها إلى المولى (كثيرة معلومة) وفيما ذكر كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
١ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: لا حسد) أي
لاغبطة محمودة (إلا في اثنتين) من الخصال أو في ذي اثنتين منها فعلى الأول يقدر مضاف نحو خصلة قبل قوله رجل وهو في الأصول مرفوع خبر محذوف: أي هما خصلتان رجل ورجل، فحذف المضاف وأقيم رجل مقامه فارتفع (رجل آتاه) أي أعطاه (امالاً) أي بطريق لا تبعة فيه كما يومىء إليه إسناد الإعطاء إلى الله سبحانه، وإلا فالتصدق بالسحت لا غبطة فيه (فسلطه على هلكته) أي إتلاف عينه بإبقائه عند الله بإنفاقه لوجهه ومرضاته (في الحق) متعلق بالمصدر قبله (ورجل آتاه الله حكمة) أي علماً ويجوز أن يراد بها القرآن لورود كل منهما في رواية، ويجوز أن يراد بها السنة والأول أقرب (فهو يقضي بها) أي عند التحاكم إليه (ويعلمها) ففيه أن شكر المال إنفاقه في وجوه الطاعات ابتغاء مرضاة الله تعالى، وأن شكر العلم العمل به وتعليمه (متفق عليه) (وتقدم شرحه) أي تبيان المراد من قوله لا حسد (قريباً) نصبه على أنه صفة مصدر: أي تقدماً قريباً، أو على الظرفية: أي في مكان قريب من الكتاب وهو باب فضل الكرم والجود.
٢ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال: لا حسد) أي لا ينبغي أن يحسد أي يغبط (إلا في اثنتين) ثوابهما بحسن التصرف من فاعلهما (رجل آتاه الله القرآن) قدم هنا على المال من باب التدلي من الشريف إلى المشروف، وعكس في الحديث قبله من باب الترقي، أو لأن ذلك سبق للحضّ على الاشتغال بالقرآن فقدم في كل ما سبق له الحديث وذكر الآخر بالتبع، أو أن ذلك على وجه التفنن في التعبير، وعبر هنا بالقرآن الذي هو منبع العلوم ومعدنها وأصلها ومكمنها، قال تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} (الأنعام: ٣٨) وقال تعالى: {والكتاب المبين} (الدخان: ٢) أي لكل شيء محتاج إليه كما يؤذن به حذف
المعمول، لأنه الأصل، وثم بالحكمة المراد بها العلم الشرعي على قوم لعموم حاجة الناس في معاشهم ومعادهم إليه (فهو يقوم به) أي في صلاته (آناء الليل وآناء النهار) منصوب على الظرفية وأعاد المضاف دفعاً لتوهم أن المراد آناء مجموعهما لا كل على الانفراد، ويحتمل أن يراد من القيام المداومة على تلاوته لا يخصوص كونه في صلاة (ورجل آتاه الله مالاً) التنكير فيه للتعظيم كما يدل عليه قوله: (فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) ويحتمل أن يكون للشيوع فيشمل الجليل منه والحقير، قال تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قد عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} (الطلاق: ٧) (متفق عليه) تقدم ذكر من خرّجه من حديث ابن عمر في باب فضل الكرم المذكور (الآناء) بالفتح ومد الهمزة قبل النون (الساعات) جمع واحده أني بالكسر والقصر وأناء بالمد والفتح، وإني بوزن قنو، وأنو بوزن دلو، ذكرها الواحدي في «تفسيره» .
٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن) بالفتح ويجوز كسر الهمزة بتقدير قول قبلها (فقراء المهاجرين) من إضافة الصفة لموصوفها: أي المهاجرين الفقراء (قالوا) : على وجه الغبطة والتأسف على عدم تمكنهم من ذلك (يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات) الباء فيه للتعدية وفيها معنى المصاحبة (العلا) أي الرفيعة، قال ابن عطية في «التفسير» : الدرجات العلا هي القرب من الله تعالى: (والنعيم المقيم) وهو نعيم الجنة الذي لا ينقضي أبداً (فقال: وما ذاك) استفهام عن الذي لأجله قيل فيهم إنهم فازوا بذلك دنيا وعقبى ولم يتركوا منه للفقراء شيئاً كما يومىء إليه السياق، وأتى باسم الإشارة الموضوع للبعيد فيه مع قربه لفخامة شأنه كقوله تعالى: {تلك آيات الكتاب المبين} (الشعراء: ٢) بناء على أن المشار إليه هو الحروف المقطّعة أوّل السور (فقالوا: يصلون كما نصلي) ما كافة مهيئة للدخول على
الجملة الفعلية، وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة أو مصدرية أي مثل صلاتنا، أو موصولة: أي مثل الذي نصليه (ويصومون كما نصوم) أي هم في العبادات البدنية مماثلون لنا مساوون فيها وزائدون علينا بالعبادات المالية المدلول عليها بقولهم (ويتصدقون ولا نتصدق) كذا في النسخ بإظهار الفوقية وتخفيف المهملة الأولى فيهما (ويعتقون) بفتح التحتية وكسر الفوقية فيهما (ولا نعتق) أي فهم يرجحون علينا بذلك، إذ لا مال لنا نصل به إلى مثل ذلك (فقال رسول الله: أفلا أعلمكم) أي أترككم تعاباً من ذلك فلا أعلمكم (شيئاً) أي عظيماً بقرينة وصفه بقوله: (تدركون به من سبقكم) أي إلى المنازل العلى أو من سبقكم من مؤمني الأمم (وتسبقون) بكسر الموحدة (به من بعدكم) أي في الرتبة: أي دونكم أو في الزمن (ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) الاستثناء فيه منقطع: أي ولكن من صنع مثل ما صنعتم فلا تسبقونه ولا يفضل عليه أحد كما لا يفضل عليكم (قالوا: بلى يا رسول الله) أي تعليم ذلك مرادنا
لنلحق به من سبق ونجوز به على من بعد فضل السبق، وفي قولهم: يا رسول الله تحريض على الإعلام: أي إن الله رحم بك العباد وتعليم ذلك منها فجد به (قال: تسبحون وتكبرون) بتضعيف الفعلين اعتباراً بتكرير الفعل (وتحمدون) بفتح الفوقية والميم (دبر) أي خلف (كل صلاة) أي من المكتوبات كما جاء كذلك في رواية، ودبر ظرف تنازعه الأفعال قبله وكذا تنازعت (ثلاثاً وثلاثين) وهو منصوب على المفعولية المطلقة للعامل فيه منها (فرجع) العطف على محذوف دلّ عليه السياق: أي فذهب فقراء المهاجرين بما علمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعملوا فعلمه الأغنياء فعملوا به وشاركوها فيه كغيره من العبادات البدنية فرجع (فقراء المهاجرين إلى رسول الله) إذا فاتهم ما استأثروا به عن الأغنياء ليلحقوهم في فضل عملهم المالي بمشاركتهم فيه (فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال) هذا تفسير منهم للدثور المذكور عنهم أول الحديث (بما فعلنا) أي مما ذكرت وما فيه من عظيم الفضل (ففعلوا مثله) فساورنا فيه وازدادوا عليه بالعمل المالي فرجع الأمر بالآخرة إلى ما اشتكوا منه أولاً (فقال رسول الله: ذلك فضل ا) أي
ثوابه (يؤتيه) أي يعطيه (من يشاء) من فقير وغنيّ، والمشار إليه يحتمل أن يكون السبق إلى المنازل العلى المذكور أوّل الخبر: أي أنالهم الله ذلك وقصره عليهم، فلا سبيل لمشاركتهم فيه من غيرهم، ويحتمل أن يكون الثواب المرتب على هذا المذكور أنه فضل الله إن شاء خص به الفقراء فلا يلزم من إتيان الأغنياء به مساواة الفقراء فيه: أي فلا عليكم من مشاركتهم في ذلك صورة، والأول قال به من مال إلى تفضيل الغنيّ الشاكر، والثاني قال به ما قال بتفضيل الفقير الصابر (متفق عليه) رواه البخاري في الدعوات ومسلم (وهذا لفظ رواية مسلم) في كتاب الصلاة وليس في رواية البخاري وصف الدرجات بالعلا، وفيها أن كلاً من التكبير والتسبيح والتحميد عشراً عشراً وليس عنده من قوله فرجع فقراء المهاجرين
إلى الآخر، وسبق في باب بيان طرق الخيرات أن حديث أبي ذرّ عند مسلم بنحو حديث الباب، وأن كلاً من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة وفيه زيادة على ما في حديث الباب ونقص عنه (الدثور) بضم المهملة والمثلثة (الأموال الكثيرة) كما في «النهاية» ، وبه يعلم ما في اقتصار الكازروني شارح «الأربعين» على قوله الدثر: المال ولم يقيده بالكثير، وفي باب بيان طرق الخيرات الدثور واحدها دثر، فأفاد ثمة بيان مفرده وهنا بيان معناه. وفي «النهاية» : الدثور جمع دثر: أي كفلس يقع على الواحد والاثنين والجمع اهـ.
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
وفيه: جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه بالشكر.
قال بعض العلماء: إنما حرص عليه أيوب عليه السلام لأنه قريب عهد بربه، كما حسر نبينا - صلى الله عليه وسلم - ثوبه حين نزل المطر، وقيل: لأنه نعمة جديدة خارقة للعادة، وكل ما نشأ عنها فهو بركة.
٦٤- باب فضل الغَنِيّ الشاكر
وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بِهَا
قَالَ الله تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسْرَى} [الليل (٥: ٧) ] .
أي: أعطى ماله لوجه الله، واتقى محارمه، وصدق بالحسنى، أي: المجازاة، فسنيسِّره، نهيِّئه في الدنيا لليسرى، أي: للخلة التي توصله إلى اليسرى، والراحة في الآخرة، وهي الأعمال الصالحة.
وقال تَعَالَى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل (١٧: ٢١) ] .
أي: وسيجنب النار الأتقى، أي: من اتقى الشرك والمعاصي؛ الذي يعطي ماله في طاعة الله، يطلب تزكية نفسه طلبًا لمرضاة الله، ولسوف يرضى حين يرى جزاءه في الآخرة، وهذه الآيات نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وهي عامة في جميع المؤمنين.
وقال تَعَالَى: {إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِي وَإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة (٢٧١) ] .
أي: إنْ تبدوا الصدقات فَنِعْمَ ما أبديتم، وإنْ تعطوها مع إخفاء الفقراء فهو خير لكم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: السر في التطوع أفضل من العلانية، والفريضة علانيتها أفضل.
وقال تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران (٩٢) ] .
أي: لن تنالوا كمال الخير حتى تنفقوا من المال الذي تحبونه، وما تنفقوا من شيء فإنَّ الله به عليم فيجازيكم بحسبه.
والآيات في فضلِ الإنفاقِ في الطاعاتِ كثيرة معلومة.
كقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة (٢٧٤) ] ، وغيرها من الآيات المعروفة.
[٥٧١] وعن عبدِ الله بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» . متفقٌ عَلَيْهِ. وتقدم شرحه قريباً.
فيه: أن شكر المال؛ إنفاقه في وجوه الطاعات، وأن شكر العلم العمل به وتعليمه.
[٥٧٢] وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالاً، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.