الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٦٠٠
الحديث رقم ٦٠٠ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان أو الخوف من فتنة في الدين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
«يَطِيرُ»: أيْ يُسْرعُ. وَ «مَتْنُهُ»: ظَهْرُهُ. وَ «الهَيْعَةُ»: الصوتُ للحربِ. وَ «الفَزعَةُ»: نحوه. وَ «مَظَانُّ الشَيْءِ»: المواضعُ الَّتي يُظَنُّ وجودُهُ فِيهَا. وَ «الغُنَيْمَة» بضم الغين: تصغير الغنم. وَ «الشَّعَفَةُ» بفتح الشين والعين: هي أعلى الجَبَل.
٧٠ - باب فضل الاختلاط بالناس وحضور جُمَعِهم وجماعاتهم، ومشاهد الخير، ومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من
مصالحهم لمن قدر عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء وصبر عَلَى الأذى
اعْلم أنَّ الاختلاط بالنَّاسِ عَلَى الوجهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ المختارُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسائر الأنبياء صلواتُ اللهِ وسلامه عَلَيْهِمْ، وكذلك الخُلفاءُ الرَّاشدون، ⦗٢٠١⦘ ومن بعدَهُم مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ومن بَعدَهُم من عُلَماءِ المُسلمين وأَخْيَارِهم، وَهُوَ مَذْهَبُ أكثَرِ التَّابِعينَ وَمَنْ بَعدَهُمْ، وبه قَالَ الشافعيُّ وأحمدُ وأكثَرُ الفقهاءِ (١) رضي اللهُ عنهم أجمعين. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: ٢٠] والآيات في معنى مَا ذكرته كثيرة معلومة.
[٧١ - باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين]
قَالَ الله تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} [الشعراء: ٢١٥]، وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ} [المائدة: ٥٤]، وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: ١٢]، وقال تَعَالَى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: ٣٢]، وقال تَعَالَى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عنكم جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: ٤٨ - ٤٩].
٦٠٠ - وعنه،
في الحديث بيان أن من خير أحوال عيش الناس رجل ممسك عنان فرسه، وقوله -صلى الله عليه و سلم-: "يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يبتغي القتل والموت مظانه"، معناه :يسارع على ظهره وهو متنه، كلما سمع هيعة وهى الصوت عند حضور العدو، والفزعة وهي النهوض إلى العدو، يبتغي القتل مظانه يطلبه في مواطنه التي يرجى فيها؛ لشدة رغبته في الشهادة.
وفيه أيضاً دليل على أن العزلة خير ومن كان في مكان من الأودية والشعاب منعزلاً عن الناس، يعبد الله عز وجل ليس من الناس إلا في خير فهذا فيه خير.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[٦٩- باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان أو الخوف من فتنة في الدين ووقع في حرام وشبهات ونحوها]
قال الله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات: ٥٠) .
١/٥٩٧- وعن سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنهُ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((إن الله يحب العبدَ التقيَّ الغنِيَّ الخفيَّ)) رواه مسلم.
والمراد بـ ((الغنيَّ)) غنيٌّ النفسِ، كما سبق في الحديث الصحيح.
٢/٥٩٨- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهُ قال: قال رجلٌ: أي الناس أفضلُ يا رسول الله؟ قال: ((مؤمنٌ مجاهدٌ بنفسه وماله في سبيل الله)) ، قال: ثمَّ من؟ قال: " ثم رجلٌ معتزلٌ في شعب من الشعابِ يعبد ربهُ" وفي رواية: " يتقي الله، ويدع الناس من شره" متفقٌ عليه.
٣/٥٩٩- وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبعُ بها شعفَ الجبال، ومواقع القطرِ، يفر بدينه من الفتنِ)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين، باب استحباب العزلة عند تغير الناس وفساد الزمان وخوف الفتنة، وما أشبه ذلك.
واعلم أن الأفضل هو المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم،
هذا أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، ولكن أحياناً تحدث أمور تكون العزلة فيها خيراً من الاختلاط بالناس؛ من ذلك إذا خاف الإنسان على نفسه فتنة، مثل أن يكون في بلد يطالب فيها بأن ينحرف عن دينه، أو يدعو إلى بدعة، أو يرى الفسوق الكثير فيها، أو يخشى على نفسه من الفواحش، وما أشبه ذلك، فهنا العزلة خير له.
ولهذا أمر الإنسان أن يهاجر من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، ومن بلد الفسوق إلى بلد الاستقامة، فكذلك إذا تغير الناس والزمان؛ ولهذا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)) . فهذا هو التقسيم؛ العزلة خير إن كان في الاختلاط شر وفتنة في الدين، وإلا فالأصل أن الاختلاط هو الخير، يختلط الإنسان مع الناس فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يدعو إلى حق، يبين السنة للناس، فهذا خير. لكن إذا عجز عن الصبر وكثرت الفتن؛ فالعزلة خير ولو أن يعبد الله على رأس جبل أو في قعر وادٍ.
وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام فضل الرجل الذي يحبه الله عز وجلَّ فقال: ((إن الله يحبّ العبد التقي الغني الخفي)) .
التقي: الذي يتقي الله عزَّ وجلَّ، فيقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه؛ يقوم بأوامره من فعل الصلاة وأدائها في جماعة، يقوم بأوامره من أداء الزكاة وإعطائها مستحقيها، يصوم رمضان، ويحج البيت، يبر والديه، يصل أرحامه، يحسن إلى جيرانه، يحسن إلى اليتامى، إلى غير ذلك من أنواع التقى والبر وأبواب الخير.
الغني: الذي استغنى بنفسه عن الناس، غني الله عزّ وجلّ عمن سواه، لا يسأل الناس شيئاً، ولا يتعرض للناس بتذلل؛ بل هو غني عن الناس، عارف نفسه، مستغن بربه، لا يلتفت إلى غيره.
الخفي: هو الذي لا يظهر نفسه، ولا يهتم أن يظهر عند الناس، أو يشار إليه بالبنان، أو يتحدث الناس عنه، تجده من بيته إلى المسجد، ومن مسجده إلى بيته، ومن بيته إلى أقاربه وإخوانه خفي، يخفي نفسه.
ولكن لا يعني ذلك أن الإنسان إذا أعطاه الله علماً أن يتقوقع في بيته ولا يُعلم الناس، هذا يعارض التقى، فتعليمه الناس خيرٌ من كونه يقبع في بيته ولا ينفع الناس بعلمه، أو يقعد في بيته ولا ينفع الناس بماله.
لكن إذا دار الأمر بين أن يلمَّع نفسه ويظهر نفسه ويبين نفسه، وبين أن يخفيها، فحينئذٍ يختار الخفاء، أما إذا كان لا بد من إظهار نفسه فلا بد أن يظهرها، هذا ممن يحبه الله عزّ وجلّ، وفيه الحث على أن الإنسان يكون خفياً، يكون غنياً عن غيره عن غير الله عزّ وجلّ، يكون تقياً لربه سبحانه وتعالى حتى يعبد الله سبحانه وتعالى في خير وعافية.
* * *
٤/٦٠٠- وعن أبي هُريرة رضي الله عنهُ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنمَ)) فقال أصحابهُ: وأنت؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهلِ مكةَ)) رواه البخاري.
٥/٦٠١- وعنه رضي الله عنهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ ((من خير معاش الناس لهم رجلٌ ممسكٌ عنانَ فرسه في سبيل الله، يطيرُ على متنهِ، كلما سمع هيعة أو فزعة، طار عليه يبتغي القتل، أو الموت مظانه، أو رجلٌ في غُنيمةٍ في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن وادٍ من هذه الأودية، يُقيمُ الصلاة، ويؤتى الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيهُ اليقين، ليس من الناس إلا في خيرٍ)) رواه مسلم.
((يطير)) أي يُسرع. ((ومتنهُ)) : أي ظهرُهُ. ((والهيعةُ)) : الصوتُ للحرب.
[الشَّرْحُ]
هذان الحديثان في باب استحباب العزلة عن الناس عند خوف الفتنة: الأول حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم)) ، يعني ما من نبي من الأنبياء أرسله الله عزّ وجلّ إلى عباده إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)) ، حتى النبي عليه الصلاة والسلام رعى الغنم.
قال العلماء: والحكمة من ذلك أن يتمرن الإنسان على رعاية الخلق وتوجيههم إلى ما فيه الصلاح، لأن الراعي للغنم تارة يوجهها إلى وادٍ مزهر مخضر، وتارة على وادٍ خلاف ذلك، وتارة إلى أرض ليس فيها هذا ولا هذا، وتارة لا يرعاها أبداً، وتارة يبقيها واقفة، فالنبي عليه الصلاة والسلام سيرعى الأمة ويوجهها إلى الخير عن علم وهدى وبصيرة؛
كالراعي الذي عنده علم بالمراعي الحسنة، وعنده نصح وتوجيه للغنم إلى ما فيه خيرها، وما فيه غذاءها وسقاءها.
واختيرت الغنم لأن الغنم صاحبها صاحب سكينة وهدوء والاطمئنان، بخلاف الإبل؛ الإبل أصحابها في الغالب عندهم شدة وغلظة؛ لأن الإبل كذلك فيها الشدة والغلظة، فلهذا اختار الله سبحانه وتعالى لرسله أن يرعوا الغنم، حتى يتعودوا ويتمرنوا على رعاية الخلق.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم رعاها على قراريط لأهل مكة، وموسى عليه الصلاة والسلام رعاها مهراً لابنه صاحب مدين، فإنه قال: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ) (القصص: ٢٧) .
وأما الحديث الثاني: ففيه أيضاً دليل على أن العزلة خيرٌ فيكون الإنسان ممسكاً بعنان فرسه، يطير عليه كلما سمع هيعة، يعني أنه بعيد عن الناس يحمي ثغور المسلمين، مهتم بأمور الجهاد منعزل عن الناس لكنه على أتم استعداد للنفور والجهاد كلما سمع هيعة ركب فرسه فطار به، أي مشى مشياً مسرعاً.
وكذلك من كان في مكان من الأودية والشعاب منعزلاً عن الناس، يعبد الله عزّ وجلّ، ليس من الناس إلا في خير، فهذا فيه خير.
ولكننا سبق أن قلنا: إن هذه النصوص تُحمل على ما إذا كان في الاختلاط فتنة وشر، وأما إذا لم يكن فيه فتنة وشر؛ فإن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم، خيرٌ من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.
[٧١- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين]
قال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة: ٥٤) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: ١٣) وقال تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: ٣٢)
وقال تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (الأعراف: ٤٩، ٤٨) .
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين: باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
التواضع: ضد التعالي يعني ألا يترفع الإنسان ولا يترفع على غيره، بعلم ولا نسب ولا مال ولا جاه ولا إمارة ولا وزارة ولا غير ذلك؛ بل الواجب على المرء أن يخفض جناحه للمؤمنين، أن يتواضع لهم كما كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة عند الله؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتواضع للمؤمنين، حتى إن الصبية لتمسك بيده لتأخذه إلى أي مكان تريد فيقضي حاجتها عليه
الصلاة والسلام.
وقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨) ، وفي آية أخرى: (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .
(وَاخْفِضْ جَنَاحَك) (الشعراء: ٢١٥) : أي تواضع؛ وذلك أن المتعالي والمترفع يرى نفسه أنه كالطير يسبح في جو السماء، فأمر أن يخفض جناحه وينزله للمؤمنين الذي أتبعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلم من هذا أن الكافر لا يخفض له الجناح وهو كذلك؛ بل الكافر تَرفَع عليه وتَعَالى عليه، واجعل نفسك في موضع أعلى منه؛ لأنك مستمسك بكلمة الله، وكلمة الله هي العليا.
ولهذا قال الله عزّ وجلّ في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: الآية٢٩) ، يعني أنهم على الكفار أقوياء ذوو غلظة، أما فيما بينهم فهم رحماء.
ثم ساق المؤلف الآية الثانية وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ) (المائدة: ٥٤) ، أي من يرجع منكم عن دينه فيكون كافراً بعد أن كان مؤمناً.
وهذا قد يقع من الناس، أن يكون الإنسان داخلاً في الإسلام عاملاً به، ثم يزيغه الشيطان- والعياذ بالله- حتى يرتد عن دينه، فإذا ارتد عن دينه فإنه لا يكون ولياً للمؤمنين، ولا يكون معيناً للمؤمنين، ولذا قال (يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) ُ يعني بقوم مؤمنين، (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) .
(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين يُجَاهِدُونَ) ، فهم في جانب المؤمنين
أذلة لا يترفعون عليهم، ولا يأخذون بالعزة عليهم، ولكنه يذلون لهم، أما على الكفار فهم أعزة مترفعون، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)) إذلالاً لهم، وخذلاناً لهم؛ لأنهم أعدى أعداء لك، وأعداء لربك، وأعداء لرسولك، وأعداء لدينك، وأعداء لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذه الآية دليلٌ على إثبات المحبة من الله عزّ وجلّ، وأن الله يحبُ ويُحب (فَسَوْفَ يأتي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) ، وهذا الحب حبٌّ عظيمٌ لا يماثله شيء، تجد المحب لله عزّ وجلّ ترخص عنده الدنيا، والأهل، والأموال؛ بل والنفس، فيما يرضي الله عز وجلّ، ولهذا يبذل ويعرض رقبته لأعداء الله، محبة في نصرة الله عزّ وجلّ ونصرة دينه، وهذا دليلٌ على أن الإنسان مقدم ما يحبه الله ورسوله على ما تهواه نفسه.
ومن علامات محبة الله: إن الإنسان يديم ذكر الله؛ يذكر ربه دائماً بقلبه ولسانه وجوارحه.
من علامات محبة الله: أن يحب من أحب الله عزّ وجلّ من الأشخاص، فيحب الرسول صلى الله عليه وسلم ويحب الخلفاء الراشدين، ويحب الأئمة، ويحب من كان في وقته من أهل العلم والصلاح.
من علامات محبة الله: أن يقوم الإنسان بطاعة الله، مقدماً ذلك على
هواه، فإذا أذن المؤذن يقول: حي على الصلاة، ترك عمله وأقبل إلى الصلاة؛ لأنه يحب ما يرضي الله أكثر مما ما ترضي به نفسه.
ولمحبة الله علامات كثيرة، إذا أحب الإنسان ربه فالله عزّ وجلّ أسرع إليه حباً؛ لأنه قال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ((ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)) ، وإذا أحبه الله فهذا هو المقصود، وهذا هو الأعظم.
ولهذا قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: ٣١) ، ولم يقل: فاتبعوني تصدقوا الله، بل قال: (يُحْبِبْكُمُ اللَّه) ُ؛ لأن هذه هي الثمرة أن يحب الربٌّ عزّ وجلّ عبده، فإذا أحب عبده نال خيري الدنيا والآخرة. جعلني الله وإياكم من أحبابه.
وفي قوله: (وَيُحِبُّونَه) دليلٌ على إثبات محبة العبد لربه، وهذا أمر واضحٌ واقع مشاهد، يجد الإنسان من قلبه ميلاً إلى ما يرضي الله، وهذا يدل على أنه يحب الله عزَّ وجلَّ.
والإنسان المؤمن الموفق لهذه الصفة العظيمة، تجده يحب الله أكثر من نفسه، أكثر من ولده، أكثر من أمه، أكثر من أبيه، يحب الله أكثر من كل شيء، ويحب المرء؛ لأنه يحب الله، ومعلوم أن المحب يحب أحباب حبيبه، فتجد هذا الرجل لمحبته لله يحب من يحبه الله عزَّ وجلَّ من الأشخاص، وما يحبه من الأعمال، وما يحبه من الأقوال.
ثم ذكر المؤلف الحافظ النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين تحت عنوان باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين في سياق الآيات المتعلقة بهذا الموضوع وقال: وقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣) ، يخاطب الله عزّ وجلّ الناس كلهم مبيناً أنه خلقهم من ذكر وأنثى أي من هذا الجنس أو من هذا الشخص.
يعني إما أن يكون المراد بالذكر والأنثى آدم وحواء.
أو أن المراد الجنس أي أن بني آدم خلقوا كلهم من ذكر وأنثى. وهذا هو الغالب، وهو الأكثر.
وإلا فإن الله خلق آدم من غير أم ولا أب، خلقه من تراب، من طين، من صلصال كالفخار، ثم نفخ فيه من روحه، خلق له روحاً فنفخها فيه فصار بشراً سوياً.
وخلق الله حواء من أب بلا أم.
وخلق الله عيسى من أم بلا أب.
وخلق الله سائر البشر من أم وأب.
والإنسان أيضاً كما أنه أربع أنواع من جهة مادة خلقه، كذلك هو أربعة أنواع من جهة جنس الخلق، يقول الله عزّ وجلّ: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى: ٥٠، ٤٩) .
هذه أيضاً أربعة أقسام:
(يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً) أي: بلا ذكور، يعني يوجد بعض الناس يولد له الإناث ولا يولد له ذكور أبداً، كل نسله إناث.
(وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُور) فيكون كل نسله ذكوراً بلا إناث.
(أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثا) ً يزوجهم يعني يصنفهم؛ لأن الزوج يعني الصنف، كما قال تعالى: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) (صّ: ٥٨) . يعني أصناف، وقال: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) (الصافات: ٢٢) ، أي أصنافهم وأشكالهم، يزوجهم يعني يصنفهم ذكراناً وإناثاً، هذه ثلاثة أقسام.
القسم الرابع: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً) لا يولد له لا ذكر ولا أنثى، لأن الله سبحانه وتعالى له ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء، لا معقب لحكمه وهو السميع العليم.
يقول جلّ ذكره: (وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ) ، الشعوب: الطوائف الكبيرة؛ كالعرب والعجم وما أشبه ذلك، والقبائل: ما دون ذلك، جمع قبيلة، فالناس بنو آدم شعوب وقبائل.
شعوب: أمم عظيمة كبيرة: كما تقول: العرب - بجميع أصنافهم، والعجم بجميع أصنافهم، كذلك القبائل دون ذلك، كما تقول: قريش، بنو تميم، وما أشبه ذلك، هؤلاء القبائل.
(لِتَعَارَفُوا) : هذه هي الحكمة من أن الله جعلنا شعوباً وقبائل من أجل أن يعرف بعضنا بعضاً، هذا عربي، وهذا عجمي، هذا من بني تميم
هذا من قريش، هذا من خزاعة، وهكذا.
فالله جعل هذه القبائل من أجل أن يعرف بعضنا بعضاً، لأن من أجل أن يفخر بعضنا على بعض، فيقول: أنا عربي وأنت عجمي، أنا قبيلي وأنت خضيري، أنا غني وأنت فقير، هذا من دعوى الجاهلية والعياذ يالله، لم يجعل الله هؤلاء الأصناف إلا من أجل التعارف لا من أجل التفاخر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقيّ وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب)) .
فالفضل في الإسلام بالتقوى، أكرمنا عند الله هو أتقانا لله عزَّ وجلَّ، فمن كان لله أتقى فهو عند الله أكرم.
ولكن يجب أن نعلم أن بعض القبائل أو بعض الشعوب أفضل من بعض، فالشعب الذي بعث فيه الرسول عليه الصلاة والسلام هو أفضل الشعوب، شعب العرب أفضل الشعوب، لأن الله قال في كتابه: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: ١٢٤) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) .
ولا يعني هذا إهدار الجنس البشري بالكلية، لكن التفاخر هو
الممنوع، أما التفاضل فإن الله يفضل بعض الأجناس على بعض، فالعرب أفضل من غيرهم، جنس العرب أفضل ن جنس العجم، لكن إذا كان العربي غير متقٍ والعجمي متقياً، فالعجمي عند الله أكرم من العربي.
ثم ساق المؤلف الآيات الأخرى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) لا تزكوها: أي لا تصفوها بالزكاة افتخاراً، وأما التحدث بنعمة الله على العبد مثل أن يقول القائل: كان مسرفاً على نفسه، كان منحرفاً، فهداه الله ووفقه ولزم الإستقامة؛ تحدثاً بنعمة الله لا تزكيه لنفسه؛ فإن هذا لا بأس به ولا حرج فيه أن يذكر الإنسان نعمة الله عليه في الهداية والتوفيق، كما أنه لا حرج أن يذكر نعمة الله عليه بالغنى بعد الفقر.
وقوله: (هوََ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) هو أي: الرب عزّ وجلّ، (أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) وكم ممن شخصين يقومان بعلم أو يدعان عملاً وبينهما في التقى مثل ما بين السماء والآرض، ولهذا قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) ؛ تجد الشخصين يصليان كل واحد جنب الآخر، لكن بين ما في قلوبهما من التقوى مثل ما بين السماء والأرض، شخصان يتجنبان الفاحشة لكن بينهما في التقوى مثل ما بين السماء والأرض، ولهذا قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) .
ثم ذكر المؤلف آية أخرى وهي قوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأعراف: ٤٨) ، أصحاب الأعراف: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلا يدخلون الجنة ولا يدخلون النار، يحشر أهل النار في إلى النار، ويساق المتقون إلى الرحمن
وفداً إلى الجنة زمراً، فيدخل أهل النار النار، وأهل الجنة والجنة، وأصحاب الاعراف في مكان مرتفع.
فالأعراف جمع عرف، وهو المكان المرتفع، لكن ليسوا في الجنة وليسوا في النار، وهم يطلعون إلى هؤلاء وإلى هؤلاء، وفي النهاية يدخلون الجنة؛ لأنه ليس هناك إلا جنة أو نار، هما الباقيتان أبداً، وأما ما سواهما فيزول.
يقول الله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) أي: بعلاماتهم معرفة تامة، (قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) يعني جمعكم المال والأولاد والأهل، ما أغني عنكم هؤلاء، وما أغنى جمعكم من الناس الذين هم جنودكم، تجمعونهم إليكم وتستنصرون بهم، ما أغنوا عنكم شيئاً، (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) يعني وما أغنى عنكم استكباركم على الحق.
(أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) يعني الضعفاء، وكان الملأ المكذبون للرسل يسخرون من المؤمنين ويقولون (أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) (الأنعام: ٥٣) ، يقولون أهؤلاء أصحاب الرحمة؟ أهؤلاء أهل الجنة؟ يسخرون منهم (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) (المطففين: ٢٩-٣١) . فيقولون لهم: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) يعني قد قيل لهم: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (لأعراف: ٤٩) .
إذاً صار تواضعهم للحق واتباعهم الرسل هو الذي بلغهم هذه المنازل العالية، أما هؤلاء المستكبرون الذين فخروا بما أغناهم الله به من الجمع والمال؛ فإن ذلك لم يغن عنهم شيئاً، فدلَّ ذلك على فضل التواضع للحق، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتواضعين له وللحق الذي جاءت به رسله إنه على كل شيء قدير.
* * *
١/٢٠٢- وعن عياضِ بن حمارٍ رضي الله عنهُ قال: قال رسول الله لصلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ)) رواه مسلم.
٢/٦٠٣- وعن أبي هُريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحداً إلا رفعةُ الله)) رواه مسلم.
٤/٦٠٤- وعنه قال: إن كانت الأمةُ من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيثُ شاءت. رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله في كتاب رياض الصالحين
في باب التواضع؛ فمنها حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا)) يعني أن يتواضع كل واحد للآخر ولا يترفع عليه؛ بل يجعله مثله أو يكرمه أكثر، وكان من عادة السلف- رحمهم الله- إن الإنسان منهم يجعل من هو أصغر منه مثل ابنه، ومن هو أكبر مثل أبيه، ومن هو مثله مثل أخيه، فينظر إلى من هو أكبر منه نظرة إكرام وإجلال، وإلى من هو دونه نظرة إشفاق ورحمة، وإلى من هو مثله نظرة مساواة، فلا يبغي أحد على أحد، وهذا من الأمور التي يجب على الإنسان أن يتصف بها، أي بالتواضع لله عزّ وجلّ ولإخوانه من المسلمين.
وأما الكافر فقد أمر الله تعالى بمجاهدته والغلظة عليه وإغاظته وإهانته بقدر المستطاع، لكن من كان له عهد وذمة فإنه يجب على المسلمين أن يفوا له بعهده وذمته، وألا يخفروا ذمته، وألا يؤذوه ما دام له عهد.
ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مال)) يعني أن الصدقات لا تنقص الأموال كما يتوهمه الإنسان، وكما يعد به الشيطان، فإن الشيطان كما قال الله عزّ وجلَّ: (يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) (البقرة: ٢٦٨)
الفحشاء: كل ما يستفحش من بخل أو غيره، فهو يعد الإنسان الفقر، إذا أراد الإنسان أن يتصدق قال: لا تتصدق هذا ينقص مالك، هذا يجعلك فقيراً، لا تتصدق، أمسك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأن الصدقة لا تنقص المال، فإن قال قائل: كيف لا تنقص المال، والإنسان إذا كان عنده مائة فتصدق بعشرة صار عنده تسعون، فيقال: هذا نقص كمًّ، ولكنها تزيد في
الكيف، ثم يفتح الله للإنسان أبواباً من الرزق تردّ عليه ما أنفق، كما قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ: ٣٩) ، إي يجعل بدله خلفاً، فلا تظن أنك إذا تصدقت بعشرة من مائة فصارت تسعين أن ذلك ينقص المال؛ بل يزيده بركة ونماءً، وترزق من حيث لا تحتسب.
((وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزّاً)) ، يعني أن الإنسان إذا عفا عمن ظلمه فقد تقول له نفسه: إن هذا ذل وخضوع وخذلان، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله ما يزيد أحداً بعفو إلا عزاً، فيعزه الله ويرفع من شأنه، وفي هذا حثّ على العفو، ولكن العفو مقيد بما إذا كان إصلاحاً؛ لقول الله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠) .
أما إذا لم يكن إصلاحاً بل كان إفساداً؛ فإنه لا يؤمر به، مثال ذلك: اعتدى شخص شرير معروف بالعدوان على آخر، فهل نقول للآخر الذي اعتُدي عليه: اعف عن هذا الشرير؟ لا نقول: اعف عنه؛ لأنه شرير، إذا عفوت عنه تعدَّى على غيرك من الغد، أو عليك أنت أيضاً، فمثل هذا نقول: الحزم، والأفضل أن تأخذه بجريرته، يعني أن تأخذ حقك منه، وألا تعفو عنه؛ لأن العفو عن أهل الشر والفساد ليس بإصلاح؛ بل لا يزيدهم إلا فساداً وشراًّ.
فأما إذا كان في العفو خير وإحسان، وربما يخجل الذي عفوت عنه ولا يتعدى عليك ولا على غيرك فهذا خير.
((وما تواضع أحد لله إلا رفعه)) هذا الشاهد من الحديث: ((ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) .
والتواضع لله له معنيان:
المعني الأول: أن تتواضع لدين الله، فلا تترفع عن الدين ولا تستكبر عنه وعن أداء أحكامه.
والثاني: أن تتواضع لعباد الله من أجل الله، لا خوفاً منهم، ولا رجاء لما عندهم، ولكن لله عزَّ وجلَّ.
والمعنيان صحيحان، فمن تواضع لله؛ رفعه الله عزّ وجلّ في الدنيا وفي الآخرة، وهذا أمر مشاهد، أن الإنسان المتواضع يكون محل رفعة عند الناس وذكر حسن، ويحبه الناس، وانظر إلى تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أشرف الخلق، حيث كانت الأمة من إماء المدينة تأتي إليه، وتأخذ بيده، وتذهب به إلى حيث شاءت ليعينها في حاجتها، وهذا هو أشرف الخلق، أمة من الإماء تأتي وتأخذ بيده تذهب به إلى حيث شاءت ليقضى حاجتها، ولا يقول أين تذهبين بي، أو يقول: اذهبي إلى غيري، بل كان يذهب معها ويقضي حاجتها، لكن مع هذا ما زاده الله عز وجلّ بذلك إلا عزّاً ورفعة صلوات الله وسلامه عليه.
* * *
٣/٦٠٥- وعن أنس رضي الله عنه ُأنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلهُ. متفق عليه.
٥/٦٠٦- وعن الأسود بن يزيد رضي الله عنه قال: سئلت عائشة رضي الله
عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله- يعني: خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة. رواه البخاري.
٦/٦٠٧- وعن أبي رفاعة تميم بن أُسيد رضي الله عنه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريبٌ جاء يسألُ عن دينه لا يدري ما دينُهُ؟ فأقبل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك خُطبتهُ حتى انتهى إليّ، فأتي بكرسي، فقعد عليه، وجعل يُعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبتهُ، فأتم آخرها. رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكرها الحافظ النووي رحمه الله تعالى في رياض الصالحين في بيان تواضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، منها أنه كان يسلم على الصبيان إذا مرّ عليهم، مع أنهم صبيان غير مكلفين ومع ذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم يسلم عليهم، واقتدى به أصحابه رضي الله عنهم، فعن أنس رضي الله عنه أنه كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، يمر بهم في السوق يلعبون فيسلم عليهم ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله: أي: كان يسلم على الصبيان إذا مَر عليهم، وهذا من التواضع وحسن الخلق، ومن التربية وحسن التعليم والإرشاد والتوجيه؛ لأن الصبيان إذا سلَّم الإنسان عليهم، فإنهم يعتادون ذلك، ويكون ذلك
كالغريزة في نفوسهم.
إن الإنسان إذا مرّ على أحد سلم عليه، وإذا كان هذا يقع من النبي صلى الله عليه وسلم على الصبيان، فإننا نأسف لقوم يمرون بالكبار البالغين ولا يسلمون عليهم والعياذ بالله، قد لا يكون ذلك هجراً أو كراهة، لكن عدم مبالاة، وعدم اتباع للسنة، جهل، غفلة، وهم إن كانوا غير آثمين؛ لأنهم لم يتخذوا ذلك هجراً، لكنهم قد فاتهم خيرٌ كثير.
فالسنة أن تسلم على كل من لقيت، وأن تبدأه بالسلام ولو كان أصغر منك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ من لقيه بالسلام، وهو عليه الصلاة والسلام أكبر الناس قدراً، ومع ذلك كان يبدأ من لقيه بالسلام.
وأنت إذا بدأت من لقيته بالسلام؛ حصلت على خير كثير، منه اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومنه أنك تكون سبباً لنشر هذه السنة التي ماتت عند كثير من الناس، ومعلوم أن إحياء السنن يؤجر الإنسان عليه مرتين، مرة على فعل السنة، ومرة على إحياء السنة.
ومنه أن تكون السبب في إجابة هذا الرجل وإجابته فرض كفاية، فتكون سبباً في إيجاد فرض الكفاية من هذا الرجل.
ولهذا كان ابتداء السلام أفضل من الرد، وإن كان الرد فرضاً وهذا سنة، لكن لما كان الفرض ينبني على هذه السنة؛ كانت السنة أفضل من هذا الفرض؛ لأنه مبني عليها.
وهذه من المسائل التي ألغز بها بعض العلماء وقال: عندنا سنة أفضل
من الفريضة؛ لأنه من المتفق عليه أن الفرض أفضل، مثلاً صلاة الفجر ركعتان أفضل من راتبتها ركعتين؛ لأنها فرض والراتبة سنة، لكن ابتداء السلام سنة، ومع ذلك صار أفضل من رده؛ لأن رده مبنى عليه.
فالمهم أنه ينبغي لنا إحياء هذه السنة، أعني إفشاء السلام، وهو من أسباب المحبة، ومن كمال الإيمان، ومن أسباب دخول الجنة، قال النبي صلى عليه الصلاة والسلام: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ افشوا السلام بينكم)) .
ومن تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في بيته في خدمة أهله، يحلب الشاة، يخصف النحل، يخدمهم في بيتهم؛ لأن عائشة سئلت ماذا كان النبي صلى اله عليه وسلم يضع في بيته؟، قالت: ((كان في مهنة أهله، يعني في خدمتهم عليه الصلاة والسلام.
فمثلاً الإنسان إذا كان في بيته فمن السنة أن يصنع الشاي مثلاً لنفسه، ويطبخ إذا كان يعرف، ويغسل ما يحتاج إلى غسله، كل هذا من السنة، أنت إذا فعلت ذلك تثاب عليه ثواب سنة، اقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام وتواضعاً لله عزّ وجل؛ ولأن هذا يوجد المحبة بينك وبين أهلك، إذا شعر أهلك أنك تساعدهم في مهنتهم أحبوك، وازدادت قيمتك عندهم، فيكون في هذا مصلحة كبيرة.
ومن تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام أنه جاءه رجلٌ وهو يخطب
الناس فقال: ((رجل غريب جاء يسأل عن دينه)) كلمة استعطاف؛ بل كلمة غريب، وجاء يسأل، يسأل مالاً، بل جاء يسأل عن دينه، فأقبل إليه النبي عليه الصلاة والسلام وقطع خطبته، حتى انتهى إليه، ثم جيء إليه بكرسي، فجعل يعلم هذا الرجل؛ لأن هذا الرجل جاء مشفقاً محباً للعلم، يريد أن يعلم دينه حتى يعمل به، فأقبل إليه النبي عليه الصلاة والسلام وقطع الخطبة، ثم بعد ذلك أكمل خطبته، وهذا من تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام وحسن رعايته.
فإن قال قائل: أليست المصلحة العامة أولى بالمراعاة من المصلحة الخاصة؟ وحاجة هذا الرجل خاصة، وهو صلى الله عليه وسلم يخطب في الجماعة؟ قلنا: نعم لو كانت مصلحة العامة تفوت؛ لكان مراعاة المصلحة العامة أولى، لكن مصلحة العامة لا تفوت، بل إنهم سيستفيدون مما يعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل الغريب، والمصلحة العامة لا تفوت.
وهذا الغريب الذي جاء يسأل عن دينه إذا أقبل إليه الرسول عليه الصلاة والسلام وعلمه كان في هذا تأليف لقلبه على الإسلام، ومحبة للإسلام، ومحبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من حكمة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى.
* * *
٧/٦٠٨- وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: ((إذا سقطت لقمة أحدكم، فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان)) وأمر أن تسلت القصعة قال: ((فإنكم لا تدرون في
أي طعامكم البركة)) رواه مسلم.
٩/٦١٠- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو دعيت إلى كراع أو ذراع لآجبتُ، ولو أهدي إلى ذراعٌ أو كراعٌ لقبلتُ)) رواه البخاري.
١٠/٦١١- وعن أنس رضي الله عنه قال: كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لا تسبق، أو لا تكادُ تسبقُ، فجاء أعرابي على قعود له، فسبقها فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعهُ)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكرها الحافظ النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب التواضع، فمنها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الأكل لعق أصابعه الثلاث. لعقها: يعني لحسها حتى يكون ما بقي من الطعام فيها داخلاً في طعامه الذي أكله من قبل، وفيه فائدة ذكرها بعض الأطباء؛ أن الأنامل تفرز عند الأكل شيئاً يعين على هضم الطعام.
فيكون في لعق الأصابع بعد الطعام فائدتان:
فائدة شرعية: وهي الأقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وفائدة صحية طبيه: وهي هذا الإفراز الذي يكون بعد الطعام يعين
على الهضم.
والمؤمن لا يهمه ما يتعلق بالصحة البدينة، أهم شيء عند المؤمن هو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به؛ لأن فيه صحة القلب، وكلما كان الإنسان للرسول صلى الله عليه وسلم أتبع؛ كان إيمانه أقوى.
وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا سقطت لقمة أحدكم)) يعني على الأرض أو على السفرة ((فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان)) فإذا سقطت اللقمة أو التمرة أو ما أشبه ذلك على السفرة؛ فخذها وأزل ما فيها من الأذى إن كان فيها أذى من تراب أو عيدان وكلها؛ تواضعاً لله عز وجلّ، وامتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وحرماناً للشيطان من الأكل معك، لأنك إذا تركتها أكلها الشيطان.
والشيطان ربما يشارك الإنسان في أكله في مثل هذه المسألة، وفيما إذا أكل ولم يسم، فإن الشيطان يشاركه في أكله.
والثالث أمر بسلت الصحن أو القصعة، وهو الإناء الذي فيه الطعام، فإذا انتهيت فأسلته، بمعنى أن تلحسه، تمر يدك عليه وتتبع ما علق فيه من طعام بأصابعك وتلعقه.
وهذا أيضاً من السنة التي غفل عنها كثيرٌ من الناس مع الأسف كثير من الناس حتى من طلبة العلم أيضاً، إذا فرغوا من الأكل وجدت الجهة التي تليهم ما زال الأكل باقياً فيها، لا يلعقون الصحفة، وهذا حلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بين الرسول عليه الصلاة والسلام الحكمة من ذلك فقال: ((لا تدرون في أي طعامكم البركة)) قد تكون البركة من هذا الطعام في
هذا الذي سلته من القصعة.
وفي هذا الحديث حسن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه إذا ذكر الحكم ذكر الحكمة منه؛ لأن ذكر الحكمة مقروناً بالحكم يفيد فائدتين عظيمتين:
الفائدة الأولى: بيانه سمو الشريعة، وأنها شريعة مبنية على المصالح، فما من شيء أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا والمصلحة في وجوده، وما من شيء نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا والمصلحة في عدمه.
الفائدة الثانية: زيادة اطمئنان النفس؛ لأن الإنسان بشر قد يكون عنده إيمان وتسليم بما حكم الله به ورسوله، لكن إذا ذكرت الحكمة ازداد إيماناً، وازداد يقيناً، ونشط على فعل المأمور أو ترك المحظور.
ثم ذكر المؤلف حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الأعرابي الذي جاء بقعود له، ناقة ليست كبيرة، أو جمل ليس بكبير، وكانت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم العضباء وهي غير القصواء التي حجّ عليها، هذه ناقة أخرى، وكان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يسمي دوابه وسلاحه وما أشبه ذلك.
فالعضباء هذه كان الصحابة رضي الله عنهم يرون أنها لا تُسبق أو لا تكاد تُسبق، فجاء هذا الأعرابي بقعوده فسبق العضباء، فكأن ذلك شقَّ على الصحابة رضي الله عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما عرف ما في نفوسهم: ((حقٌ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)) .
فكل ارتفاع يكون في الدنيا فإنه لابد أن يئول إلى انخفاض، فإن
صحب هذا الارتفاع ارتفاع في النفوس وعلو في النفوس، فإن الوضع إليه أسرع؛ لأن الوضع يكون عقوبة، وأما إذا لم يصحبه شيء، فإنه لابد أن يرجع ويوضع؛ كما قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ) (يونس: ٢٤) أي ظهر فيه من كل نوع.
(حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) (يونس: ٢٤) ذهبت كلها. كل هذه الزينة، وكل هذا النبات الذي اختلط من كل صنف، كله يزول كأن لم يكن، وهكذا الدنيا كلها تزول كأن لم تكن، حتى الإنسان نفسه يبدو صغيراً ضعيفاً، ثم يقوى، فإذا انتهت قوته عاد إلى الضعف والهرم، ثم إلى الفناء والعدم، فما من شيء ارتفع من الدنيا إلا وضعه الله عزّ وجلّ.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام: " ((من الدنيا)) دليلٌ على أن ما ارتفع من أمور الآخرة فإنه لا يضعه الله، فقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: ١١) ، هؤلاء لا يضعهم الله عزّ وجلّ ما داموا على وصف العلم والإيمان، فإنه لا يمكن أن يضعهم الله؛ بل يرفع لهم الذكر، ويرفع درجاتهم في الآخرة، والله الموفق.
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
المعجمة جميع مظنة بفتح الميم وكسر الظاء كما في «المصباح» (المواضع التي يظن وجوده فيها) أي ظناً قوياً يقرب أن يلحق بالعلم، ففي «المصباح» المظنة
بالكسر: العلم وهو حيث يعلم الشيء «قال النابغة: فإن مظنة الجهل الشباب» .
وقال ابن فارس مظنة الشيء موضعه ومآلفه اهـ (والغنيمة بضم الغين) المعجمة وسكت عن باقي ضبطه الذي ذكرناه لدلالة ما ذكره عليه عند العارف بصيغ التصغير (تصغير الغنم) بفتح أوليه، قال في «المصباح» : وتدخله الهاء إذا صغر فيقال غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين وصغرت فالتأنيث لازم لها (والشعفة بفتح الشين) أي المعجمة (والعين) أي المهملة، وكان الظاهر ذكر هذا الضبط عند ذكر الشعف أولاً وإحالة ما هنا عليه ولعل المصنف تركه ثمة نسياناً وذكر هنا استدراكاً (وهي أعلى الجبل) والله أعلم.
٧٠ - باب فضل الاختلاط بالناس
أي عند السلامة مما ذكر في الباب قبله، والناس اسم جنس محلي بأل، فهو من صيغ العموم فيحتمل بقاؤه على عمومه ويكون الشرط مقدراً في الكلام بدليل السياق «بالوحدة» ويحتمل أن يراد به الخصوص: أي الذين ينبغي الاختلاط بهم (وحضور جمعهم) بضم ففتح جمع جمعة بضم فسكون أو فتح (وجماعاتهم) جمع جماعة: أي في الصلوات المكتوبات (ومشاهد الخير) من الأعياد (ومجالس العلم) والتذكير بالله تعالى (ومجالس الذكر معهم) الظرف متعلق بحضور: أي حضوره ما ذكر مع المسلمين وفي جملتهم ليندرج معهم في ثوابهم ولتعود بركة الفالح على غيره (وعيادة مريضهم) وسيأتي أنها مندوبة (وحضور جنائزهم) وهي مندوبة إن حصل الكفاية من نقله إلى المقبرة
بسواء لسقوط الطلب عنه حينئذ، وهل يثاب عليه ثواب الفرض كما يثاب المصلي على جنازة صلى عليها قبل أو يفرق؟ كل محتمل والله أعلم (ومواساة محتاجهم) وتقدم أنها فرض كفاية على مياسير المسلمين (وإرشاد جاهلهم) وهو فرض كفاية بذلاً للنصيحة الواجبة لعامة المسلمين بعضهم على بعض (وغير ذلك من مصالحهم) التي يتمكن منها بالاجتماع بالناس (لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عى المنكر وقمح نفسه عن الإيذاء والصبر على الأذى) اللام تنازعها المصادر المذكورة فكل يطلبها معمولة له والأولى جعله معمولاً للأخير كما هو مذهب البصريين وحذف معمول العوامل السوابق عليه، لأنه فضلة وحذفه في مثل ما ذكر جائز بل واجب، ولو أعربته معمول الأول لوجب إضمار مثله في كل من المذكورات بعده خلافاً لمن أجاز الحذف في ذلك كما أشار إليه ابن هشام في توضيحه، ويؤخذ من هذا أن من لم يقدر على ما ذكر فيه فالاعتزال أفضل له لما تقدم، فإن أشكل الأمر عليه قال المصنف: فالعزلة أولى.
(اعلم) أيها الصالح للخطاب (أن الاختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته) أي من شهود خيرهم دون شرهم وسلامتهم من شره (هو المختار الذي كان عليه رسول الله) إذ كان يجمع الناس ويقيم لهم أعمالهم ويبين لهم أحوالهم (وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) أي وباقي الأنبياء فيكون من عطف المغاير، أو وجميع الأنبياء بناء على أن سائر يجيء بمعنى الجميع، وهو ما ذكره الجوهري ووافقه عليه الجواليقي أول شرح آداب الكتاب واستشهد له. قال المصنف: وإذا اتفق هذان الإمامان على نقل ذلك فهو لغة. وحينئذ فيكون من عطف العام على الخاص، وذكر ذلك بعد ما قبله إيماء إلى أن هذا سنن قديم ونهج مستقيم وسيأتي دليل استحباب الصلاة والتسليم على سائر الأنبياء في كتاب الصلاة على النبيّ (وكذلك) أي وكالمذكور من الأنبياء (الخلفاء الراشدون) هم الأربعة الذي تمت بهم مدة الخلافة المشار إليها في حديث «الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً» (ومن بعدهم من الصحابة) أفرد الخلفاء بالذكر لمزيد فضلهم وكمال علمهم ولمزيد ملازمتهم المصطفى وباقي الصحابة رضي الله عنهم لا يساوونهم في ذلك، والصحابة بفتح الصاد وبالحاء المهملة، قال في المصباح: جمع صاحب وكذا يجمع على صحب وأصحاب اهـ. والذي عليه سيبويه أن صحبا اسم جمع لا جمع وما جرى عليه في المصباح هو قول الأخفش: والمراد من الصاحب هنا الصحابى
وهو من اجتمع مؤمناً بنبينا حال حياته ولو لحظة ومات على الإيمان (والتابعين) جمع تابعي، وهو من اجتمع بالصحابى؟ وهل يكتفي بأدنى مدة كما في الصحابى أولاً ويفرق والراجح الثاني كما تقرر في كتب أصول الفقه (ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم) جمع خير بالتشديد أو بالتخفيف مشددا منه كأموات جمع ميت مخفف ميت كأقوال جمع قول كما قاله السمين، دفعا لما قيل من أن قياس جمع ميت ميائت كسيد وسيائد، لكن تعقبه شيخنا بأنه على ما ذكره لا يستقيم له مراده لأن أفعالاً إنما تنقاس
جمعيته لما كان ثلاثياً، وإذ كان ميت مخفف ميت فهو رباعي لا محالة، فيكون جمعه على أموات كجمع ميت عليه على خلاف القياس (هو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم) أي من أتباع التابعين المشهود لقرونهم الثلاثة بالخيرية، وذكر هذا ثانيا لبيان أنه مذهب اقتضاه الدليل وأولاً لبيان أنه عمهم.d وفيه إيماء إلى أن بعض التابعين ومن بعدهم كان يرى الانفراد أفضل ولكنه يعمل بخلافه لحكم الوقت عليه بذلك (وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء) أي من أئمة المذاهب الذين هم الأسوة وفيهم القدوة (رضي الله عنهم أجمعين) وقال الحافظ في فتح الباري بعد نقل اختيار المصنف المذكور: وقال غيره يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتعين عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح له وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأوقات، فمنهم من يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه إما عينيا وإما كفائيا بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي من يأمن على نفسه لكن يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا تكون فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة لما ينشأ عنها غالباً من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها كما قال تعالى:
{واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ويؤيد التفضيل حديث أبي سعيد «خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَبْلُغُ الْعَبدُ أنْ يَكُونَ منَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأسَ بِهِ، حَذَراً لِمَّا بِهِ بَأسٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
أي: لا يصل إلى درجة الموصوفين بكمال التقوى حتى يترك ما لا شبهة فيه خشية وقوعه في المكروه والحرام.
[٦٩- باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان]
أَو الخوف من فتنة في الدين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مبِينٌ} [الذاريات (٥٠) ] .
قال البغوي: ففروا إلى الله: فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإِيمان والطاعة. قال ابن عباس: فروا منه إليه وعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله.
وقال ابن كثير: ففروا إلى الله، أي: الجئوا إليه، واعتمدوا في أُموركم عليه.
قال الشارح: فجمعت لفظة «ففروا» التحذير والاستدعاء. ويُنظر إلى هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» .
قال الحسين بن الفضل: من فر إلى غير الله لم يمتنع من الله.
[٥٩٧] وعن سعد بن أَبي وقاص - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ الله يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيّ الْخَفِيَّ» . رواه مسلم.
والمُرَادُ بـ «الغَنِيّ» غَنِيُّ النَّفْسِ، كَمَا سَبَقَ في الحديث الصحيح.
الخفي: الخامل المشتغل بعبادة ربِّه وأُمور نفسه.
[٥٩٨] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أيُّ النَّاسِ أفْضَلُ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبيلِ اللهِ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ» .
وفي رواية: «يَتَّقِي اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: فضل العزلة عند خوف الفتنة، ولا ينافيه حديث: «خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه» . ونحوه، لأَن هذا يختلف بحسب الأوقات، والأشخاص، والأحوال.
[٥٩٩] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ، وَمَواقعَ الْقَطْر يَفِرُّ بِدينِهِ مِنَ الفِتَنِ» . رواه البخاري.
و «شَعَفُ الجِبَالِ» : أعْلَاهَا.
في هذا الحديث: أيضًا دليلٌ على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه.
[٦٠٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً إلا رَعَى الْغَنَمَ» فَقَالَ أصْحَابُهُ: وأنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ» . رواه البخاري.
المراد بالقيراط هنا: جزء من الدينار والدرهم.
وفيه: تواضعه - صلى الله عليه وسلم - واعترافه بنعمة الله عليه، والحكمة في رعي الأَنبياء الغنم ليتمرَّنوا بذلك على سياسة الأُمة.
[٦٠١] وعنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لهم رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ في سَبيلِ الله، يَطيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزعَةً، طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي القَتْلَ، أَوْ المَوْتَ مَظَانَّه، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيمَةٍ ... في رَأسِ شَعَفَةٍ مِنْ هذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطنِ وَادٍ مِنْ هذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يأتِيَهُ اليَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إلا فِي خَيْرٍ» . رواه مسلم.
«يَطِيرُ» : أيْ يُسْرعُ. وَ «مَتْنُهُ» : ظَهْرُهُ. وَ «الهَيْعَةُ» : الصوتُ للحربِ. وَ «الفَزعَةُ» : نحوه. وَ «مَظَانُّ الشَيْءِ» : المواضعُ الَّتي يُظَنُّ وجودُهُ فِيهَا. وَ «الغُنَيْمَة» بضم الغين: تصغير الغنم. وَ «الشَّعَفَةُ» بفتح الشين والعين: هي أعلى الجَبَل.
فيه: فضيلة القتل أو الموت في سبيل الله، قال الله تعالى: {وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران (١٥٧) ] .
وفيه: فضيلة اعتزال الناس عند وقوع الفتنة.
[٧٠- باب فضل الاختلاط بالناس]
وحضور جُمَعِهم وجماعاتهم، ومشاهد الخير،
ومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء وصبر عَلَى الأذى
اعْلم أنَّ الاختلاط بالنَّاسِ عَلَى الوجهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ المختارُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسائر الأنبياء صلواتُ اللهِ وسلامه
عَلَيْهِمْ، وكذلك الخُلفاءُ الرَّاشدون، ومن بعدَهُم مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ومن بَعدَهُم من عُلَماءِ المُسلمين وأَخْيَارِهم، وَهُوَ مَذْهَبُ أكثَرِ التَّابِعينَ وَمَنْ بَعدَهُمْ، وبه قَالَ الشافعيُّ وأحمدُ وأكثَرُ الفقهاءِ رضي اللهُ عنهم أجمعين. ... قَالَ الله تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة (٢) ] .
ففي الاختلاط: الاجتماع للتعاون على البر، أي: فعل المأمورات، كالجمعة والجماعات وإقامة الشرائع، وفيه التعاون على التقوى عن المنهيات وترك المحرمات.
والآيات في معنى مَا ذكرته كثيرة معلومة.
كقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران (١٠٤) ] ،
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف (٤) ] .
[٧١- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين]
قَالَ الله تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} ... [الشعراء (٢١٥) ] .
أي: ألن جانبك للمؤمنين وارفق بهم.
وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ} ... [المائدة (٥٤) ] .
وقد ارتد قبائل من العرب في عهده - صلى الله عليه وسلم - وفي خلافة أبي بكر فقاتلهم أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم. ولما نزلت: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}
[المائدة (٥٤) ] ، أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي موسى الأشعري وقال: «هم هذا وقومه» . يعني أهل اليمن.
وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات ... (١٣) ] .
الشَّعْب: رأس القبائل، كمضر، والقبيلة: كتميم، أي: جعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا لا لتفاخروا.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم منسأة في الأجل» .
وقال تَعَالَى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم (٣٢) ] .
أي: لا تمدحوها ولا تفخروا بأعمالكم.
وفي الحديث الصحيح: «إذا كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا كذا، وكذا، والله حسيبه. ولا أُزكِّي على الله أحدًا» .
وقال تَعَالَى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عنكم جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} ... [الأعراف (٤٨، ٤٩) ] .
الأعراف: السُّوْرُ المضروب بين الجنة والنار، وأصحابه رجال تساوت حسناتهم وسيآتهم يقولون لأهل النار: ما أغنى عنكم مالكم ولا تكبركم، ولا منعكم ذلك عن دخول النار، وهؤلاء الضعفاء الذين كنتم تسخرون منهم
وتحقرونهم في الدنيا وأقسمتم أن الله لا يُدخلهم الجنة، أدخلهم الله إيَّاها برحمته.
[٦٠٢] وعن عِيَاضِ بنِ حمارٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ، وَلا يَبْغِي أحَدٌ عَلَى أحَدٍ» . رواه مسلم.
التواضع: الانكسار والتذلُّل، وضده: التكبر والرَّفع، ومَنْ تواضع لله رفع الله قدره، وطيَّب ذِكْرَه، ورفع درجته في الآخرة.
[٦٠٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زادَ اللهُ عَبْداً بعَفْوٍ إلا عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إلا رَفَعَهُ اللهُ» . رواه مسلم.
[٦٠٤] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّهُ مَرَّ عَلَى صبيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كَانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يفعله. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: تدريب الصبيان على أداب الشريعة، وطرح رداء الكبر والتواضع، ولين الجانب.
[٦٠٥] وعنه قَالَ: إن كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إمَاءِ المَدينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءتْ. رواه البخاري.
في الحديث: مزيد تواضعه - صلى الله عليه وسلم -، والتحريض على ذلك.
[٦٠٦] وعن الأَسْوَدِ بن يَزيدَ، قَالَ: سَأَلْتُ عائشةُ رضي الله عنها مَا كَانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قالت: كَانَ يَكُون في مِهْنَةِ أهْلِهِ - يعني: خِدمَة أهلِه - فإذا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. رواه البخاري.
جاء ذلك مفسرًا في بعض الروايات: كان في بيته في مهنة أَهله يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعلِّف ناضحه، ويعقل البعير، ويأكل مع الخادم ويحمل بضاعته إلى السوق. ففي ذلك مزيد فضله، وكمال تواضعه - صلى الله عليه وسلم -.
[٦٠٧] وعن أَبي رِفَاعَةَ تَميم بن أُسَيْدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يخطب، فقلت: يَا رسول الله، رَجُلٌ غَريبٌ جَاءَ يَسْألُ عن دِينهِ لا يَدْرِي مَا دِينُهُ؟ فَأقْبَلَ عَليَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسيٍّ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأتَمَّ آخِرَهَا. رواه مسلم.
في هذا الحديث: استحباب تلطف السائل.
وفيه: كمال تواضعه - صلى الله عليه وسلم - ورفقه بالمسلمين وشفقته عليهم.
[٦٠٨] وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا أكَلَ طَعَاماً، لَعِقَ أصَابِعَهُ الثَّلَاثَ. قَالَ: وقال: «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِط عنها الأَذى، وليَأكُلْها وَلا يَدَعْها لِلشَّيْطان» وأُمِرْنا أن نُسْلُتَ
القَصْعَةُ، قَالَ: «فإنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أيِّ طَعَامِكُمُ البَرَكَة» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: رد على من كره لعق الأصابع استقذارًا. قال الخطابي: عاف قَوْمٌ - أَفْسد قلوبهم - الرَّفه لعقها، وزعموا أَنه مستقبح، كأنهم لم يعلموا أَن الطعام الذي علق بالأَصابع جزءٌ ما أَكلوه وليس فيه أَكثر من مصها بباطن الشفة. انتهى.
قلت: إنما يستقذر اللعق أَثناء الأَكل.
وفيه: استحباب أَكل لقمته الساقطة كسرًا لنفسه، وتواضعًا لربه، والتماسًا للبركة.
[٦٠٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا بَعَثَ الله نَبِيّاً إلا رَعَى الغَنَمَ» قَالَ أصْحَابُهُ: وَأنْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ» . رواه البخاري.
في هذا الحديث: تنبيه على التواضع. وأَن تعاطي الكامل ما فيه كسر النفس لا يخل بمروءته.
[٦١٠] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُراعٍ أَوْ ذِرَاعٍ لأَجَبْتُ، ولو أُهْدِيَ إِلَيَّ ذراعٌ أَوْ كُراعٌ لَقَبِلْتُ» . رواه البخاري.
قال الحافظ: خصَّ الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الخطير والحقير، لأَن الذراع كانت أَحب إِليه من غيرها، والكراع لا قيمة لَهُ.
وقال ابن بطال: أَشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إِلى الحض على قبول الهدية وإن قلَّت، لئلا يمتنع الباعث من الهدية لاحتقار الشيء، فحض على ذلك لما فيه من التآلف.
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[٦٩- باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان أو الخوف من فتنة في الدين ووقع في حرام وشبهات ونحوها]
قال الله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات: ٥٠) .
١/٥٩٧- وعن سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنهُ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((إن الله يحب العبدَ التقيَّ الغنِيَّ الخفيَّ)) رواه مسلم.
والمراد بـ ((الغنيَّ)) غنيٌّ النفسِ، كما سبق في الحديث الصحيح.
٢/٥٩٨- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهُ قال: قال رجلٌ: أي الناس أفضلُ يا رسول الله؟ قال: ((مؤمنٌ مجاهدٌ بنفسه وماله في سبيل الله)) ، قال: ثمَّ من؟ قال: " ثم رجلٌ معتزلٌ في شعب من الشعابِ يعبد ربهُ" وفي رواية: " يتقي الله، ويدع الناس من شره" متفقٌ عليه.
٣/٥٩٩- وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبعُ بها شعفَ الجبال، ومواقع القطرِ، يفر بدينه من الفتنِ)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين، باب استحباب العزلة عند تغير الناس وفساد الزمان وخوف الفتنة، وما أشبه ذلك.
واعلم أن الأفضل هو المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم،
هذا أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، ولكن أحياناً تحدث أمور تكون العزلة فيها خيراً من الاختلاط بالناس؛ من ذلك إذا خاف الإنسان على نفسه فتنة، مثل أن يكون في بلد يطالب فيها بأن ينحرف عن دينه، أو يدعو إلى بدعة، أو يرى الفسوق الكثير فيها، أو يخشى على نفسه من الفواحش، وما أشبه ذلك، فهنا العزلة خير له.
ولهذا أمر الإنسان أن يهاجر من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، ومن بلد الفسوق إلى بلد الاستقامة، فكذلك إذا تغير الناس والزمان؛ ولهذا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)) . فهذا هو التقسيم؛ العزلة خير إن كان في الاختلاط شر وفتنة في الدين، وإلا فالأصل أن الاختلاط هو الخير، يختلط الإنسان مع الناس فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يدعو إلى حق، يبين السنة للناس، فهذا خير. لكن إذا عجز عن الصبر وكثرت الفتن؛ فالعزلة خير ولو أن يعبد الله على رأس جبل أو في قعر وادٍ.
وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام فضل الرجل الذي يحبه الله عز وجلَّ فقال: ((إن الله يحبّ العبد التقي الغني الخفي)) .
التقي: الذي يتقي الله عزَّ وجلَّ، فيقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه؛ يقوم بأوامره من فعل الصلاة وأدائها في جماعة، يقوم بأوامره من أداء الزكاة وإعطائها مستحقيها، يصوم رمضان، ويحج البيت، يبر والديه، يصل أرحامه، يحسن إلى جيرانه، يحسن إلى اليتامى، إلى غير ذلك من أنواع التقى والبر وأبواب الخير.
الغني: الذي استغنى بنفسه عن الناس، غني الله عزّ وجلّ عمن سواه، لا يسأل الناس شيئاً، ولا يتعرض للناس بتذلل؛ بل هو غني عن الناس، عارف نفسه، مستغن بربه، لا يلتفت إلى غيره.
الخفي: هو الذي لا يظهر نفسه، ولا يهتم أن يظهر عند الناس، أو يشار إليه بالبنان، أو يتحدث الناس عنه، تجده من بيته إلى المسجد، ومن مسجده إلى بيته، ومن بيته إلى أقاربه وإخوانه خفي، يخفي نفسه.
ولكن لا يعني ذلك أن الإنسان إذا أعطاه الله علماً أن يتقوقع في بيته ولا يُعلم الناس، هذا يعارض التقى، فتعليمه الناس خيرٌ من كونه يقبع في بيته ولا ينفع الناس بعلمه، أو يقعد في بيته ولا ينفع الناس بماله.
لكن إذا دار الأمر بين أن يلمَّع نفسه ويظهر نفسه ويبين نفسه، وبين أن يخفيها، فحينئذٍ يختار الخفاء، أما إذا كان لا بد من إظهار نفسه فلا بد أن يظهرها، هذا ممن يحبه الله عزّ وجلّ، وفيه الحث على أن الإنسان يكون خفياً، يكون غنياً عن غيره عن غير الله عزّ وجلّ، يكون تقياً لربه سبحانه وتعالى حتى يعبد الله سبحانه وتعالى في خير وعافية.
* * *
٤/٦٠٠- وعن أبي هُريرة رضي الله عنهُ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنمَ)) فقال أصحابهُ: وأنت؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهلِ مكةَ)) رواه البخاري.
٥/٦٠١- وعنه رضي الله عنهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ ((من خير معاش الناس لهم رجلٌ ممسكٌ عنانَ فرسه في سبيل الله، يطيرُ على متنهِ، كلما سمع هيعة أو فزعة، طار عليه يبتغي القتل، أو الموت مظانه، أو رجلٌ في غُنيمةٍ في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن وادٍ من هذه الأودية، يُقيمُ الصلاة، ويؤتى الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيهُ اليقين، ليس من الناس إلا في خيرٍ)) رواه مسلم.
((يطير)) أي يُسرع. ((ومتنهُ)) : أي ظهرُهُ. ((والهيعةُ)) : الصوتُ للحرب.
[الشَّرْحُ]
هذان الحديثان في باب استحباب العزلة عن الناس عند خوف الفتنة: الأول حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم)) ، يعني ما من نبي من الأنبياء أرسله الله عزّ وجلّ إلى عباده إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)) ، حتى النبي عليه الصلاة والسلام رعى الغنم.
قال العلماء: والحكمة من ذلك أن يتمرن الإنسان على رعاية الخلق وتوجيههم إلى ما فيه الصلاح، لأن الراعي للغنم تارة يوجهها إلى وادٍ مزهر مخضر، وتارة على وادٍ خلاف ذلك، وتارة إلى أرض ليس فيها هذا ولا هذا، وتارة لا يرعاها أبداً، وتارة يبقيها واقفة، فالنبي عليه الصلاة والسلام سيرعى الأمة ويوجهها إلى الخير عن علم وهدى وبصيرة؛
كالراعي الذي عنده علم بالمراعي الحسنة، وعنده نصح وتوجيه للغنم إلى ما فيه خيرها، وما فيه غذاءها وسقاءها.
واختيرت الغنم لأن الغنم صاحبها صاحب سكينة وهدوء والاطمئنان، بخلاف الإبل؛ الإبل أصحابها في الغالب عندهم شدة وغلظة؛ لأن الإبل كذلك فيها الشدة والغلظة، فلهذا اختار الله سبحانه وتعالى لرسله أن يرعوا الغنم، حتى يتعودوا ويتمرنوا على رعاية الخلق.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم رعاها على قراريط لأهل مكة، وموسى عليه الصلاة والسلام رعاها مهراً لابنه صاحب مدين، فإنه قال: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ) (القصص: ٢٧) .
وأما الحديث الثاني: ففيه أيضاً دليل على أن العزلة خيرٌ فيكون الإنسان ممسكاً بعنان فرسه، يطير عليه كلما سمع هيعة، يعني أنه بعيد عن الناس يحمي ثغور المسلمين، مهتم بأمور الجهاد منعزل عن الناس لكنه على أتم استعداد للنفور والجهاد كلما سمع هيعة ركب فرسه فطار به، أي مشى مشياً مسرعاً.
وكذلك من كان في مكان من الأودية والشعاب منعزلاً عن الناس، يعبد الله عزّ وجلّ، ليس من الناس إلا في خير، فهذا فيه خير.
ولكننا سبق أن قلنا: إن هذه النصوص تُحمل على ما إذا كان في الاختلاط فتنة وشر، وأما إذا لم يكن فيه فتنة وشر؛ فإن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم، خيرٌ من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.
[٧١- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين]
قال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة: ٥٤) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: ١٣) وقال تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: ٣٢)
وقال تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (الأعراف: ٤٩، ٤٨) .
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين: باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين.
التواضع: ضد التعالي يعني ألا يترفع الإنسان ولا يترفع على غيره، بعلم ولا نسب ولا مال ولا جاه ولا إمارة ولا وزارة ولا غير ذلك؛ بل الواجب على المرء أن يخفض جناحه للمؤمنين، أن يتواضع لهم كما كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة عند الله؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتواضع للمؤمنين، حتى إن الصبية لتمسك بيده لتأخذه إلى أي مكان تريد فيقضي حاجتها عليه
الصلاة والسلام.
وقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨) ، وفي آية أخرى: (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٢١٥) .
(وَاخْفِضْ جَنَاحَك) (الشعراء: ٢١٥) : أي تواضع؛ وذلك أن المتعالي والمترفع يرى نفسه أنه كالطير يسبح في جو السماء، فأمر أن يخفض جناحه وينزله للمؤمنين الذي أتبعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلم من هذا أن الكافر لا يخفض له الجناح وهو كذلك؛ بل الكافر تَرفَع عليه وتَعَالى عليه، واجعل نفسك في موضع أعلى منه؛ لأنك مستمسك بكلمة الله، وكلمة الله هي العليا.
ولهذا قال الله عزّ وجلّ في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: الآية٢٩) ، يعني أنهم على الكفار أقوياء ذوو غلظة، أما فيما بينهم فهم رحماء.
ثم ساق المؤلف الآية الثانية وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ) (المائدة: ٥٤) ، أي من يرجع منكم عن دينه فيكون كافراً بعد أن كان مؤمناً.
وهذا قد يقع من الناس، أن يكون الإنسان داخلاً في الإسلام عاملاً به، ثم يزيغه الشيطان- والعياذ بالله- حتى يرتد عن دينه، فإذا ارتد عن دينه فإنه لا يكون ولياً للمؤمنين، ولا يكون معيناً للمؤمنين، ولذا قال (يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) ُ يعني بقوم مؤمنين، (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) .
(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين يُجَاهِدُونَ) ، فهم في جانب المؤمنين
أذلة لا يترفعون عليهم، ولا يأخذون بالعزة عليهم، ولكنه يذلون لهم، أما على الكفار فهم أعزة مترفعون، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)) إذلالاً لهم، وخذلاناً لهم؛ لأنهم أعدى أعداء لك، وأعداء لربك، وأعداء لرسولك، وأعداء لدينك، وأعداء لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذه الآية دليلٌ على إثبات المحبة من الله عزّ وجلّ، وأن الله يحبُ ويُحب (فَسَوْفَ يأتي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه) ، وهذا الحب حبٌّ عظيمٌ لا يماثله شيء، تجد المحب لله عزّ وجلّ ترخص عنده الدنيا، والأهل، والأموال؛ بل والنفس، فيما يرضي الله عز وجلّ، ولهذا يبذل ويعرض رقبته لأعداء الله، محبة في نصرة الله عزّ وجلّ ونصرة دينه، وهذا دليلٌ على أن الإنسان مقدم ما يحبه الله ورسوله على ما تهواه نفسه.
ومن علامات محبة الله: إن الإنسان يديم ذكر الله؛ يذكر ربه دائماً بقلبه ولسانه وجوارحه.
من علامات محبة الله: أن يحب من أحب الله عزّ وجلّ من الأشخاص، فيحب الرسول صلى الله عليه وسلم ويحب الخلفاء الراشدين، ويحب الأئمة، ويحب من كان في وقته من أهل العلم والصلاح.
من علامات محبة الله: أن يقوم الإنسان بطاعة الله، مقدماً ذلك على
هواه، فإذا أذن المؤذن يقول: حي على الصلاة، ترك عمله وأقبل إلى الصلاة؛ لأنه يحب ما يرضي الله أكثر مما ما ترضي به نفسه.
ولمحبة الله علامات كثيرة، إذا أحب الإنسان ربه فالله عزّ وجلّ أسرع إليه حباً؛ لأنه قال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ((ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)) ، وإذا أحبه الله فهذا هو المقصود، وهذا هو الأعظم.
ولهذا قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: ٣١) ، ولم يقل: فاتبعوني تصدقوا الله، بل قال: (يُحْبِبْكُمُ اللَّه) ُ؛ لأن هذه هي الثمرة أن يحب الربٌّ عزّ وجلّ عبده، فإذا أحب عبده نال خيري الدنيا والآخرة. جعلني الله وإياكم من أحبابه.
وفي قوله: (وَيُحِبُّونَه) دليلٌ على إثبات محبة العبد لربه، وهذا أمر واضحٌ واقع مشاهد، يجد الإنسان من قلبه ميلاً إلى ما يرضي الله، وهذا يدل على أنه يحب الله عزَّ وجلَّ.
والإنسان المؤمن الموفق لهذه الصفة العظيمة، تجده يحب الله أكثر من نفسه، أكثر من ولده، أكثر من أمه، أكثر من أبيه، يحب الله أكثر من كل شيء، ويحب المرء؛ لأنه يحب الله، ومعلوم أن المحب يحب أحباب حبيبه، فتجد هذا الرجل لمحبته لله يحب من يحبه الله عزَّ وجلَّ من الأشخاص، وما يحبه من الأعمال، وما يحبه من الأقوال.
ثم ذكر المؤلف الحافظ النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين تحت عنوان باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين في سياق الآيات المتعلقة بهذا الموضوع وقال: وقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣) ، يخاطب الله عزّ وجلّ الناس كلهم مبيناً أنه خلقهم من ذكر وأنثى أي من هذا الجنس أو من هذا الشخص.
يعني إما أن يكون المراد بالذكر والأنثى آدم وحواء.
أو أن المراد الجنس أي أن بني آدم خلقوا كلهم من ذكر وأنثى. وهذا هو الغالب، وهو الأكثر.
وإلا فإن الله خلق آدم من غير أم ولا أب، خلقه من تراب، من طين، من صلصال كالفخار، ثم نفخ فيه من روحه، خلق له روحاً فنفخها فيه فصار بشراً سوياً.
وخلق الله حواء من أب بلا أم.
وخلق الله عيسى من أم بلا أب.
وخلق الله سائر البشر من أم وأب.
والإنسان أيضاً كما أنه أربع أنواع من جهة مادة خلقه، كذلك هو أربعة أنواع من جهة جنس الخلق، يقول الله عزّ وجلّ: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى: ٥٠، ٤٩) .
هذه أيضاً أربعة أقسام:
(يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً) أي: بلا ذكور، يعني يوجد بعض الناس يولد له الإناث ولا يولد له ذكور أبداً، كل نسله إناث.
(وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُور) فيكون كل نسله ذكوراً بلا إناث.
(أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثا) ً يزوجهم يعني يصنفهم؛ لأن الزوج يعني الصنف، كما قال تعالى: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) (صّ: ٥٨) . يعني أصناف، وقال: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) (الصافات: ٢٢) ، أي أصنافهم وأشكالهم، يزوجهم يعني يصنفهم ذكراناً وإناثاً، هذه ثلاثة أقسام.
القسم الرابع: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً) لا يولد له لا ذكر ولا أنثى، لأن الله سبحانه وتعالى له ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء، لا معقب لحكمه وهو السميع العليم.
يقول جلّ ذكره: (وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ) ، الشعوب: الطوائف الكبيرة؛ كالعرب والعجم وما أشبه ذلك، والقبائل: ما دون ذلك، جمع قبيلة، فالناس بنو آدم شعوب وقبائل.
شعوب: أمم عظيمة كبيرة: كما تقول: العرب - بجميع أصنافهم، والعجم بجميع أصنافهم، كذلك القبائل دون ذلك، كما تقول: قريش، بنو تميم، وما أشبه ذلك، هؤلاء القبائل.
(لِتَعَارَفُوا) : هذه هي الحكمة من أن الله جعلنا شعوباً وقبائل من أجل أن يعرف بعضنا بعضاً، هذا عربي، وهذا عجمي، هذا من بني تميم
هذا من قريش، هذا من خزاعة، وهكذا.
فالله جعل هذه القبائل من أجل أن يعرف بعضنا بعضاً، لأن من أجل أن يفخر بعضنا على بعض، فيقول: أنا عربي وأنت عجمي، أنا قبيلي وأنت خضيري، أنا غني وأنت فقير، هذا من دعوى الجاهلية والعياذ يالله، لم يجعل الله هؤلاء الأصناف إلا من أجل التعارف لا من أجل التفاخر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقيّ وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب)) .
فالفضل في الإسلام بالتقوى، أكرمنا عند الله هو أتقانا لله عزَّ وجلَّ، فمن كان لله أتقى فهو عند الله أكرم.
ولكن يجب أن نعلم أن بعض القبائل أو بعض الشعوب أفضل من بعض، فالشعب الذي بعث فيه الرسول عليه الصلاة والسلام هو أفضل الشعوب، شعب العرب أفضل الشعوب، لأن الله قال في كتابه: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: ١٢٤) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) .
ولا يعني هذا إهدار الجنس البشري بالكلية، لكن التفاخر هو
الممنوع، أما التفاضل فإن الله يفضل بعض الأجناس على بعض، فالعرب أفضل من غيرهم، جنس العرب أفضل ن جنس العجم، لكن إذا كان العربي غير متقٍ والعجمي متقياً، فالعجمي عند الله أكرم من العربي.
ثم ساق المؤلف الآيات الأخرى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) لا تزكوها: أي لا تصفوها بالزكاة افتخاراً، وأما التحدث بنعمة الله على العبد مثل أن يقول القائل: كان مسرفاً على نفسه، كان منحرفاً، فهداه الله ووفقه ولزم الإستقامة؛ تحدثاً بنعمة الله لا تزكيه لنفسه؛ فإن هذا لا بأس به ولا حرج فيه أن يذكر الإنسان نعمة الله عليه في الهداية والتوفيق، كما أنه لا حرج أن يذكر نعمة الله عليه بالغنى بعد الفقر.
وقوله: (هوََ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) هو أي: الرب عزّ وجلّ، (أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) وكم ممن شخصين يقومان بعلم أو يدعان عملاً وبينهما في التقى مثل ما بين السماء والآرض، ولهذا قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) ؛ تجد الشخصين يصليان كل واحد جنب الآخر، لكن بين ما في قلوبهما من التقوى مثل ما بين السماء والأرض، شخصان يتجنبان الفاحشة لكن بينهما في التقوى مثل ما بين السماء والأرض، ولهذا قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) .
ثم ذكر المؤلف آية أخرى وهي قوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأعراف: ٤٨) ، أصحاب الأعراف: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلا يدخلون الجنة ولا يدخلون النار، يحشر أهل النار في إلى النار، ويساق المتقون إلى الرحمن
وفداً إلى الجنة زمراً، فيدخل أهل النار النار، وأهل الجنة والجنة، وأصحاب الاعراف في مكان مرتفع.
فالأعراف جمع عرف، وهو المكان المرتفع، لكن ليسوا في الجنة وليسوا في النار، وهم يطلعون إلى هؤلاء وإلى هؤلاء، وفي النهاية يدخلون الجنة؛ لأنه ليس هناك إلا جنة أو نار، هما الباقيتان أبداً، وأما ما سواهما فيزول.
يقول الله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) أي: بعلاماتهم معرفة تامة، (قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) يعني جمعكم المال والأولاد والأهل، ما أغني عنكم هؤلاء، وما أغنى جمعكم من الناس الذين هم جنودكم، تجمعونهم إليكم وتستنصرون بهم، ما أغنوا عنكم شيئاً، (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) يعني وما أغنى عنكم استكباركم على الحق.
(أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) يعني الضعفاء، وكان الملأ المكذبون للرسل يسخرون من المؤمنين ويقولون (أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) (الأنعام: ٥٣) ، يقولون أهؤلاء أصحاب الرحمة؟ أهؤلاء أهل الجنة؟ يسخرون منهم (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) (المطففين: ٢٩-٣١) . فيقولون لهم: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) يعني قد قيل لهم: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (لأعراف: ٤٩) .
إذاً صار تواضعهم للحق واتباعهم الرسل هو الذي بلغهم هذه المنازل العالية، أما هؤلاء المستكبرون الذين فخروا بما أغناهم الله به من الجمع والمال؛ فإن ذلك لم يغن عنهم شيئاً، فدلَّ ذلك على فضل التواضع للحق، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتواضعين له وللحق الذي جاءت به رسله إنه على كل شيء قدير.
* * *
١/٢٠٢- وعن عياضِ بن حمارٍ رضي الله عنهُ قال: قال رسول الله لصلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ)) رواه مسلم.
٢/٦٠٣- وعن أبي هُريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحداً إلا رفعةُ الله)) رواه مسلم.
٤/٦٠٤- وعنه قال: إن كانت الأمةُ من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيثُ شاءت. رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله في كتاب رياض الصالحين
في باب التواضع؛ فمنها حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا)) يعني أن يتواضع كل واحد للآخر ولا يترفع عليه؛ بل يجعله مثله أو يكرمه أكثر، وكان من عادة السلف- رحمهم الله- إن الإنسان منهم يجعل من هو أصغر منه مثل ابنه، ومن هو أكبر مثل أبيه، ومن هو مثله مثل أخيه، فينظر إلى من هو أكبر منه نظرة إكرام وإجلال، وإلى من هو دونه نظرة إشفاق ورحمة، وإلى من هو مثله نظرة مساواة، فلا يبغي أحد على أحد، وهذا من الأمور التي يجب على الإنسان أن يتصف بها، أي بالتواضع لله عزّ وجلّ ولإخوانه من المسلمين.
وأما الكافر فقد أمر الله تعالى بمجاهدته والغلظة عليه وإغاظته وإهانته بقدر المستطاع، لكن من كان له عهد وذمة فإنه يجب على المسلمين أن يفوا له بعهده وذمته، وألا يخفروا ذمته، وألا يؤذوه ما دام له عهد.
ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مال)) يعني أن الصدقات لا تنقص الأموال كما يتوهمه الإنسان، وكما يعد به الشيطان، فإن الشيطان كما قال الله عزّ وجلَّ: (يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) (البقرة: ٢٦٨)
الفحشاء: كل ما يستفحش من بخل أو غيره، فهو يعد الإنسان الفقر، إذا أراد الإنسان أن يتصدق قال: لا تتصدق هذا ينقص مالك، هذا يجعلك فقيراً، لا تتصدق، أمسك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأن الصدقة لا تنقص المال، فإن قال قائل: كيف لا تنقص المال، والإنسان إذا كان عنده مائة فتصدق بعشرة صار عنده تسعون، فيقال: هذا نقص كمًّ، ولكنها تزيد في
الكيف، ثم يفتح الله للإنسان أبواباً من الرزق تردّ عليه ما أنفق، كما قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ: ٣٩) ، إي يجعل بدله خلفاً، فلا تظن أنك إذا تصدقت بعشرة من مائة فصارت تسعين أن ذلك ينقص المال؛ بل يزيده بركة ونماءً، وترزق من حيث لا تحتسب.
((وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزّاً)) ، يعني أن الإنسان إذا عفا عمن ظلمه فقد تقول له نفسه: إن هذا ذل وخضوع وخذلان، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله ما يزيد أحداً بعفو إلا عزاً، فيعزه الله ويرفع من شأنه، وفي هذا حثّ على العفو، ولكن العفو مقيد بما إذا كان إصلاحاً؛ لقول الله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠) .
أما إذا لم يكن إصلاحاً بل كان إفساداً؛ فإنه لا يؤمر به، مثال ذلك: اعتدى شخص شرير معروف بالعدوان على آخر، فهل نقول للآخر الذي اعتُدي عليه: اعف عن هذا الشرير؟ لا نقول: اعف عنه؛ لأنه شرير، إذا عفوت عنه تعدَّى على غيرك من الغد، أو عليك أنت أيضاً، فمثل هذا نقول: الحزم، والأفضل أن تأخذه بجريرته، يعني أن تأخذ حقك منه، وألا تعفو عنه؛ لأن العفو عن أهل الشر والفساد ليس بإصلاح؛ بل لا يزيدهم إلا فساداً وشراًّ.
فأما إذا كان في العفو خير وإحسان، وربما يخجل الذي عفوت عنه ولا يتعدى عليك ولا على غيرك فهذا خير.
((وما تواضع أحد لله إلا رفعه)) هذا الشاهد من الحديث: ((ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) .
والتواضع لله له معنيان:
المعني الأول: أن تتواضع لدين الله، فلا تترفع عن الدين ولا تستكبر عنه وعن أداء أحكامه.
والثاني: أن تتواضع لعباد الله من أجل الله، لا خوفاً منهم، ولا رجاء لما عندهم، ولكن لله عزَّ وجلَّ.
والمعنيان صحيحان، فمن تواضع لله؛ رفعه الله عزّ وجلّ في الدنيا وفي الآخرة، وهذا أمر مشاهد، أن الإنسان المتواضع يكون محل رفعة عند الناس وذكر حسن، ويحبه الناس، وانظر إلى تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أشرف الخلق، حيث كانت الأمة من إماء المدينة تأتي إليه، وتأخذ بيده، وتذهب به إلى حيث شاءت ليعينها في حاجتها، وهذا هو أشرف الخلق، أمة من الإماء تأتي وتأخذ بيده تذهب به إلى حيث شاءت ليقضى حاجتها، ولا يقول أين تذهبين بي، أو يقول: اذهبي إلى غيري، بل كان يذهب معها ويقضي حاجتها، لكن مع هذا ما زاده الله عز وجلّ بذلك إلا عزّاً ورفعة صلوات الله وسلامه عليه.
* * *
٣/٦٠٥- وعن أنس رضي الله عنه ُأنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلهُ. متفق عليه.
٥/٦٠٦- وعن الأسود بن يزيد رضي الله عنه قال: سئلت عائشة رضي الله
عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله- يعني: خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة. رواه البخاري.
٦/٦٠٧- وعن أبي رفاعة تميم بن أُسيد رضي الله عنه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريبٌ جاء يسألُ عن دينه لا يدري ما دينُهُ؟ فأقبل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك خُطبتهُ حتى انتهى إليّ، فأتي بكرسي، فقعد عليه، وجعل يُعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبتهُ، فأتم آخرها. رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكرها الحافظ النووي رحمه الله تعالى في رياض الصالحين في بيان تواضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، منها أنه كان يسلم على الصبيان إذا مرّ عليهم، مع أنهم صبيان غير مكلفين ومع ذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم يسلم عليهم، واقتدى به أصحابه رضي الله عنهم، فعن أنس رضي الله عنه أنه كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، يمر بهم في السوق يلعبون فيسلم عليهم ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله: أي: كان يسلم على الصبيان إذا مَر عليهم، وهذا من التواضع وحسن الخلق، ومن التربية وحسن التعليم والإرشاد والتوجيه؛ لأن الصبيان إذا سلَّم الإنسان عليهم، فإنهم يعتادون ذلك، ويكون ذلك
كالغريزة في نفوسهم.
إن الإنسان إذا مرّ على أحد سلم عليه، وإذا كان هذا يقع من النبي صلى الله عليه وسلم على الصبيان، فإننا نأسف لقوم يمرون بالكبار البالغين ولا يسلمون عليهم والعياذ بالله، قد لا يكون ذلك هجراً أو كراهة، لكن عدم مبالاة، وعدم اتباع للسنة، جهل، غفلة، وهم إن كانوا غير آثمين؛ لأنهم لم يتخذوا ذلك هجراً، لكنهم قد فاتهم خيرٌ كثير.
فالسنة أن تسلم على كل من لقيت، وأن تبدأه بالسلام ولو كان أصغر منك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ من لقيه بالسلام، وهو عليه الصلاة والسلام أكبر الناس قدراً، ومع ذلك كان يبدأ من لقيه بالسلام.
وأنت إذا بدأت من لقيته بالسلام؛ حصلت على خير كثير، منه اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومنه أنك تكون سبباً لنشر هذه السنة التي ماتت عند كثير من الناس، ومعلوم أن إحياء السنن يؤجر الإنسان عليه مرتين، مرة على فعل السنة، ومرة على إحياء السنة.
ومنه أن تكون السبب في إجابة هذا الرجل وإجابته فرض كفاية، فتكون سبباً في إيجاد فرض الكفاية من هذا الرجل.
ولهذا كان ابتداء السلام أفضل من الرد، وإن كان الرد فرضاً وهذا سنة، لكن لما كان الفرض ينبني على هذه السنة؛ كانت السنة أفضل من هذا الفرض؛ لأنه مبني عليها.
وهذه من المسائل التي ألغز بها بعض العلماء وقال: عندنا سنة أفضل
من الفريضة؛ لأنه من المتفق عليه أن الفرض أفضل، مثلاً صلاة الفجر ركعتان أفضل من راتبتها ركعتين؛ لأنها فرض والراتبة سنة، لكن ابتداء السلام سنة، ومع ذلك صار أفضل من رده؛ لأن رده مبنى عليه.
فالمهم أنه ينبغي لنا إحياء هذه السنة، أعني إفشاء السلام، وهو من أسباب المحبة، ومن كمال الإيمان، ومن أسباب دخول الجنة، قال النبي صلى عليه الصلاة والسلام: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ افشوا السلام بينكم)) .
ومن تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في بيته في خدمة أهله، يحلب الشاة، يخصف النحل، يخدمهم في بيتهم؛ لأن عائشة سئلت ماذا كان النبي صلى اله عليه وسلم يضع في بيته؟، قالت: ((كان في مهنة أهله، يعني في خدمتهم عليه الصلاة والسلام.
فمثلاً الإنسان إذا كان في بيته فمن السنة أن يصنع الشاي مثلاً لنفسه، ويطبخ إذا كان يعرف، ويغسل ما يحتاج إلى غسله، كل هذا من السنة، أنت إذا فعلت ذلك تثاب عليه ثواب سنة، اقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام وتواضعاً لله عزّ وجل؛ ولأن هذا يوجد المحبة بينك وبين أهلك، إذا شعر أهلك أنك تساعدهم في مهنتهم أحبوك، وازدادت قيمتك عندهم، فيكون في هذا مصلحة كبيرة.
ومن تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام أنه جاءه رجلٌ وهو يخطب
الناس فقال: ((رجل غريب جاء يسأل عن دينه)) كلمة استعطاف؛ بل كلمة غريب، وجاء يسأل، يسأل مالاً، بل جاء يسأل عن دينه، فأقبل إليه النبي عليه الصلاة والسلام وقطع خطبته، حتى انتهى إليه، ثم جيء إليه بكرسي، فجعل يعلم هذا الرجل؛ لأن هذا الرجل جاء مشفقاً محباً للعلم، يريد أن يعلم دينه حتى يعمل به، فأقبل إليه النبي عليه الصلاة والسلام وقطع الخطبة، ثم بعد ذلك أكمل خطبته، وهذا من تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام وحسن رعايته.
فإن قال قائل: أليست المصلحة العامة أولى بالمراعاة من المصلحة الخاصة؟ وحاجة هذا الرجل خاصة، وهو صلى الله عليه وسلم يخطب في الجماعة؟ قلنا: نعم لو كانت مصلحة العامة تفوت؛ لكان مراعاة المصلحة العامة أولى، لكن مصلحة العامة لا تفوت، بل إنهم سيستفيدون مما يعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل الغريب، والمصلحة العامة لا تفوت.
وهذا الغريب الذي جاء يسأل عن دينه إذا أقبل إليه الرسول عليه الصلاة والسلام وعلمه كان في هذا تأليف لقلبه على الإسلام، ومحبة للإسلام، ومحبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من حكمة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى.
* * *
٧/٦٠٨- وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: ((إذا سقطت لقمة أحدكم، فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان)) وأمر أن تسلت القصعة قال: ((فإنكم لا تدرون في
أي طعامكم البركة)) رواه مسلم.
٩/٦١٠- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو دعيت إلى كراع أو ذراع لآجبتُ، ولو أهدي إلى ذراعٌ أو كراعٌ لقبلتُ)) رواه البخاري.
١٠/٦١١- وعن أنس رضي الله عنه قال: كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لا تسبق، أو لا تكادُ تسبقُ، فجاء أعرابي على قعود له، فسبقها فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعهُ)) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكرها الحافظ النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب التواضع، فمنها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الأكل لعق أصابعه الثلاث. لعقها: يعني لحسها حتى يكون ما بقي من الطعام فيها داخلاً في طعامه الذي أكله من قبل، وفيه فائدة ذكرها بعض الأطباء؛ أن الأنامل تفرز عند الأكل شيئاً يعين على هضم الطعام.
فيكون في لعق الأصابع بعد الطعام فائدتان:
فائدة شرعية: وهي الأقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وفائدة صحية طبيه: وهي هذا الإفراز الذي يكون بعد الطعام يعين
على الهضم.
والمؤمن لا يهمه ما يتعلق بالصحة البدينة، أهم شيء عند المؤمن هو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به؛ لأن فيه صحة القلب، وكلما كان الإنسان للرسول صلى الله عليه وسلم أتبع؛ كان إيمانه أقوى.
وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا سقطت لقمة أحدكم)) يعني على الأرض أو على السفرة ((فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان)) فإذا سقطت اللقمة أو التمرة أو ما أشبه ذلك على السفرة؛ فخذها وأزل ما فيها من الأذى إن كان فيها أذى من تراب أو عيدان وكلها؛ تواضعاً لله عز وجلّ، وامتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وحرماناً للشيطان من الأكل معك، لأنك إذا تركتها أكلها الشيطان.
والشيطان ربما يشارك الإنسان في أكله في مثل هذه المسألة، وفيما إذا أكل ولم يسم، فإن الشيطان يشاركه في أكله.
والثالث أمر بسلت الصحن أو القصعة، وهو الإناء الذي فيه الطعام، فإذا انتهيت فأسلته، بمعنى أن تلحسه، تمر يدك عليه وتتبع ما علق فيه من طعام بأصابعك وتلعقه.
وهذا أيضاً من السنة التي غفل عنها كثيرٌ من الناس مع الأسف كثير من الناس حتى من طلبة العلم أيضاً، إذا فرغوا من الأكل وجدت الجهة التي تليهم ما زال الأكل باقياً فيها، لا يلعقون الصحفة، وهذا حلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بين الرسول عليه الصلاة والسلام الحكمة من ذلك فقال: ((لا تدرون في أي طعامكم البركة)) قد تكون البركة من هذا الطعام في
هذا الذي سلته من القصعة.
وفي هذا الحديث حسن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه إذا ذكر الحكم ذكر الحكمة منه؛ لأن ذكر الحكمة مقروناً بالحكم يفيد فائدتين عظيمتين:
الفائدة الأولى: بيانه سمو الشريعة، وأنها شريعة مبنية على المصالح، فما من شيء أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا والمصلحة في وجوده، وما من شيء نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا والمصلحة في عدمه.
الفائدة الثانية: زيادة اطمئنان النفس؛ لأن الإنسان بشر قد يكون عنده إيمان وتسليم بما حكم الله به ورسوله، لكن إذا ذكرت الحكمة ازداد إيماناً، وازداد يقيناً، ونشط على فعل المأمور أو ترك المحظور.
ثم ذكر المؤلف حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الأعرابي الذي جاء بقعود له، ناقة ليست كبيرة، أو جمل ليس بكبير، وكانت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم العضباء وهي غير القصواء التي حجّ عليها، هذه ناقة أخرى، وكان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يسمي دوابه وسلاحه وما أشبه ذلك.
فالعضباء هذه كان الصحابة رضي الله عنهم يرون أنها لا تُسبق أو لا تكاد تُسبق، فجاء هذا الأعرابي بقعوده فسبق العضباء، فكأن ذلك شقَّ على الصحابة رضي الله عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما عرف ما في نفوسهم: ((حقٌ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)) .
فكل ارتفاع يكون في الدنيا فإنه لابد أن يئول إلى انخفاض، فإن
صحب هذا الارتفاع ارتفاع في النفوس وعلو في النفوس، فإن الوضع إليه أسرع؛ لأن الوضع يكون عقوبة، وأما إذا لم يصحبه شيء، فإنه لابد أن يرجع ويوضع؛ كما قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ) (يونس: ٢٤) أي ظهر فيه من كل نوع.
(حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) (يونس: ٢٤) ذهبت كلها. كل هذه الزينة، وكل هذا النبات الذي اختلط من كل صنف، كله يزول كأن لم يكن، وهكذا الدنيا كلها تزول كأن لم تكن، حتى الإنسان نفسه يبدو صغيراً ضعيفاً، ثم يقوى، فإذا انتهت قوته عاد إلى الضعف والهرم، ثم إلى الفناء والعدم، فما من شيء ارتفع من الدنيا إلا وضعه الله عزّ وجلّ.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام: " ((من الدنيا)) دليلٌ على أن ما ارتفع من أمور الآخرة فإنه لا يضعه الله، فقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: ١١) ، هؤلاء لا يضعهم الله عزّ وجلّ ما داموا على وصف العلم والإيمان، فإنه لا يمكن أن يضعهم الله؛ بل يرفع لهم الذكر، ويرفع درجاتهم في الآخرة، والله الموفق.
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
المعجمة جميع مظنة بفتح الميم وكسر الظاء كما في «المصباح» (المواضع التي يظن وجوده فيها) أي ظناً قوياً يقرب أن يلحق بالعلم، ففي «المصباح» المظنة
بالكسر: العلم وهو حيث يعلم الشيء «قال النابغة: فإن مظنة الجهل الشباب» .
وقال ابن فارس مظنة الشيء موضعه ومآلفه اهـ (والغنيمة بضم الغين) المعجمة وسكت عن باقي ضبطه الذي ذكرناه لدلالة ما ذكره عليه عند العارف بصيغ التصغير (تصغير الغنم) بفتح أوليه، قال في «المصباح» : وتدخله الهاء إذا صغر فيقال غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين وصغرت فالتأنيث لازم لها (والشعفة بفتح الشين) أي المعجمة (والعين) أي المهملة، وكان الظاهر ذكر هذا الضبط عند ذكر الشعف أولاً وإحالة ما هنا عليه ولعل المصنف تركه ثمة نسياناً وذكر هنا استدراكاً (وهي أعلى الجبل) والله أعلم.
٧٠ - باب فضل الاختلاط بالناس
أي عند السلامة مما ذكر في الباب قبله، والناس اسم جنس محلي بأل، فهو من صيغ العموم فيحتمل بقاؤه على عمومه ويكون الشرط مقدراً في الكلام بدليل السياق «بالوحدة» ويحتمل أن يراد به الخصوص: أي الذين ينبغي الاختلاط بهم (وحضور جمعهم) بضم ففتح جمع جمعة بضم فسكون أو فتح (وجماعاتهم) جمع جماعة: أي في الصلوات المكتوبات (ومشاهد الخير) من الأعياد (ومجالس العلم) والتذكير بالله تعالى (ومجالس الذكر معهم) الظرف متعلق بحضور: أي حضوره ما ذكر مع المسلمين وفي جملتهم ليندرج معهم في ثوابهم ولتعود بركة الفالح على غيره (وعيادة مريضهم) وسيأتي أنها مندوبة (وحضور جنائزهم) وهي مندوبة إن حصل الكفاية من نقله إلى المقبرة
بسواء لسقوط الطلب عنه حينئذ، وهل يثاب عليه ثواب الفرض كما يثاب المصلي على جنازة صلى عليها قبل أو يفرق؟ كل محتمل والله أعلم (ومواساة محتاجهم) وتقدم أنها فرض كفاية على مياسير المسلمين (وإرشاد جاهلهم) وهو فرض كفاية بذلاً للنصيحة الواجبة لعامة المسلمين بعضهم على بعض (وغير ذلك من مصالحهم) التي يتمكن منها بالاجتماع بالناس (لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عى المنكر وقمح نفسه عن الإيذاء والصبر على الأذى) اللام تنازعها المصادر المذكورة فكل يطلبها معمولة له والأولى جعله معمولاً للأخير كما هو مذهب البصريين وحذف معمول العوامل السوابق عليه، لأنه فضلة وحذفه في مثل ما ذكر جائز بل واجب، ولو أعربته معمول الأول لوجب إضمار مثله في كل من المذكورات بعده خلافاً لمن أجاز الحذف في ذلك كما أشار إليه ابن هشام في توضيحه، ويؤخذ من هذا أن من لم يقدر على ما ذكر فيه فالاعتزال أفضل له لما تقدم، فإن أشكل الأمر عليه قال المصنف: فالعزلة أولى.
(اعلم) أيها الصالح للخطاب (أن الاختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته) أي من شهود خيرهم دون شرهم وسلامتهم من شره (هو المختار الذي كان عليه رسول الله) إذ كان يجمع الناس ويقيم لهم أعمالهم ويبين لهم أحوالهم (وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) أي وباقي الأنبياء فيكون من عطف المغاير، أو وجميع الأنبياء بناء على أن سائر يجيء بمعنى الجميع، وهو ما ذكره الجوهري ووافقه عليه الجواليقي أول شرح آداب الكتاب واستشهد له. قال المصنف: وإذا اتفق هذان الإمامان على نقل ذلك فهو لغة. وحينئذ فيكون من عطف العام على الخاص، وذكر ذلك بعد ما قبله إيماء إلى أن هذا سنن قديم ونهج مستقيم وسيأتي دليل استحباب الصلاة والتسليم على سائر الأنبياء في كتاب الصلاة على النبيّ (وكذلك) أي وكالمذكور من الأنبياء (الخلفاء الراشدون) هم الأربعة الذي تمت بهم مدة الخلافة المشار إليها في حديث «الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً» (ومن بعدهم من الصحابة) أفرد الخلفاء بالذكر لمزيد فضلهم وكمال علمهم ولمزيد ملازمتهم المصطفى وباقي الصحابة رضي الله عنهم لا يساوونهم في ذلك، والصحابة بفتح الصاد وبالحاء المهملة، قال في المصباح: جمع صاحب وكذا يجمع على صحب وأصحاب اهـ. والذي عليه سيبويه أن صحبا اسم جمع لا جمع وما جرى عليه في المصباح هو قول الأخفش: والمراد من الصاحب هنا الصحابى
وهو من اجتمع مؤمناً بنبينا حال حياته ولو لحظة ومات على الإيمان (والتابعين) جمع تابعي، وهو من اجتمع بالصحابى؟ وهل يكتفي بأدنى مدة كما في الصحابى أولاً ويفرق والراجح الثاني كما تقرر في كتب أصول الفقه (ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم) جمع خير بالتشديد أو بالتخفيف مشددا منه كأموات جمع ميت مخفف ميت كأقوال جمع قول كما قاله السمين، دفعا لما قيل من أن قياس جمع ميت ميائت كسيد وسيائد، لكن تعقبه شيخنا بأنه على ما ذكره لا يستقيم له مراده لأن أفعالاً إنما تنقاس
جمعيته لما كان ثلاثياً، وإذ كان ميت مخفف ميت فهو رباعي لا محالة، فيكون جمعه على أموات كجمع ميت عليه على خلاف القياس (هو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم) أي من أتباع التابعين المشهود لقرونهم الثلاثة بالخيرية، وذكر هذا ثانيا لبيان أنه مذهب اقتضاه الدليل وأولاً لبيان أنه عمهم.d وفيه إيماء إلى أن بعض التابعين ومن بعدهم كان يرى الانفراد أفضل ولكنه يعمل بخلافه لحكم الوقت عليه بذلك (وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء) أي من أئمة المذاهب الذين هم الأسوة وفيهم القدوة (رضي الله عنهم أجمعين) وقال الحافظ في فتح الباري بعد نقل اختيار المصنف المذكور: وقال غيره يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتعين عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح له وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأوقات، فمنهم من يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه إما عينيا وإما كفائيا بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي من يأمن على نفسه لكن يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا تكون فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة لما ينشأ عنها غالباً من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها كما قال تعالى:
{واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ويؤيد التفضيل حديث أبي سعيد «خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَبْلُغُ الْعَبدُ أنْ يَكُونَ منَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأسَ بِهِ، حَذَراً لِمَّا بِهِ بَأسٌ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
أي: لا يصل إلى درجة الموصوفين بكمال التقوى حتى يترك ما لا شبهة فيه خشية وقوعه في المكروه والحرام.
[٦٩- باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان]
أَو الخوف من فتنة في الدين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مبِينٌ} [الذاريات (٥٠) ] .
قال البغوي: ففروا إلى الله: فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإِيمان والطاعة. قال ابن عباس: فروا منه إليه وعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله.
وقال ابن كثير: ففروا إلى الله، أي: الجئوا إليه، واعتمدوا في أُموركم عليه.
قال الشارح: فجمعت لفظة «ففروا» التحذير والاستدعاء. ويُنظر إلى هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» .
قال الحسين بن الفضل: من فر إلى غير الله لم يمتنع من الله.
[٥٩٧] وعن سعد بن أَبي وقاص - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ الله يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيّ الْخَفِيَّ» . رواه مسلم.
والمُرَادُ بـ «الغَنِيّ» غَنِيُّ النَّفْسِ، كَمَا سَبَقَ في الحديث الصحيح.
الخفي: الخامل المشتغل بعبادة ربِّه وأُمور نفسه.
[٥٩٨] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أيُّ النَّاسِ أفْضَلُ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبيلِ اللهِ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ» .
وفي رواية: «يَتَّقِي اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: فضل العزلة عند خوف الفتنة، ولا ينافيه حديث: «خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه» . ونحوه، لأَن هذا يختلف بحسب الأوقات، والأشخاص، والأحوال.
[٥٩٩] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ، وَمَواقعَ الْقَطْر يَفِرُّ بِدينِهِ مِنَ الفِتَنِ» . رواه البخاري.
و «شَعَفُ الجِبَالِ» : أعْلَاهَا.
في هذا الحديث: أيضًا دليلٌ على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه.
[٦٠٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً إلا رَعَى الْغَنَمَ» فَقَالَ أصْحَابُهُ: وأنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ» . رواه البخاري.
المراد بالقيراط هنا: جزء من الدينار والدرهم.
وفيه: تواضعه - صلى الله عليه وسلم - واعترافه بنعمة الله عليه، والحكمة في رعي الأَنبياء الغنم ليتمرَّنوا بذلك على سياسة الأُمة.
[٦٠١] وعنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لهم رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ في سَبيلِ الله، يَطيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزعَةً، طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي القَتْلَ، أَوْ المَوْتَ مَظَانَّه، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيمَةٍ ... في رَأسِ شَعَفَةٍ مِنْ هذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطنِ وَادٍ مِنْ هذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يأتِيَهُ اليَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إلا فِي خَيْرٍ» . رواه مسلم.
«يَطِيرُ» : أيْ يُسْرعُ. وَ «مَتْنُهُ» : ظَهْرُهُ. وَ «الهَيْعَةُ» : الصوتُ للحربِ. وَ «الفَزعَةُ» : نحوه. وَ «مَظَانُّ الشَيْءِ» : المواضعُ الَّتي يُظَنُّ وجودُهُ فِيهَا. وَ «الغُنَيْمَة» بضم الغين: تصغير الغنم. وَ «الشَّعَفَةُ» بفتح الشين والعين: هي أعلى الجَبَل.
فيه: فضيلة القتل أو الموت في سبيل الله، قال الله تعالى: {وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران (١٥٧) ] .
وفيه: فضيلة اعتزال الناس عند وقوع الفتنة.
[٧٠- باب فضل الاختلاط بالناس]
وحضور جُمَعِهم وجماعاتهم، ومشاهد الخير،
ومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء وصبر عَلَى الأذى
اعْلم أنَّ الاختلاط بالنَّاسِ عَلَى الوجهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ المختارُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسائر الأنبياء صلواتُ اللهِ وسلامه
عَلَيْهِمْ، وكذلك الخُلفاءُ الرَّاشدون، ومن بعدَهُم مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ومن بَعدَهُم من عُلَماءِ المُسلمين وأَخْيَارِهم، وَهُوَ مَذْهَبُ أكثَرِ التَّابِعينَ وَمَنْ بَعدَهُمْ، وبه قَالَ الشافعيُّ وأحمدُ وأكثَرُ الفقهاءِ رضي اللهُ عنهم أجمعين. ... قَالَ الله تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة (٢) ] .
ففي الاختلاط: الاجتماع للتعاون على البر، أي: فعل المأمورات، كالجمعة والجماعات وإقامة الشرائع، وفيه التعاون على التقوى عن المنهيات وترك المحرمات.
والآيات في معنى مَا ذكرته كثيرة معلومة.
كقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران (١٠٤) ] ،
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف (٤) ] .
[٧١- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين]
قَالَ الله تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} ... [الشعراء (٢١٥) ] .
أي: ألن جانبك للمؤمنين وارفق بهم.
وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ} ... [المائدة (٥٤) ] .
وقد ارتد قبائل من العرب في عهده - صلى الله عليه وسلم - وفي خلافة أبي بكر فقاتلهم أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم. ولما نزلت: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}
[المائدة (٥٤) ] ، أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي موسى الأشعري وقال: «هم هذا وقومه» . يعني أهل اليمن.
وقال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات ... (١٣) ] .
الشَّعْب: رأس القبائل، كمضر، والقبيلة: كتميم، أي: جعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا لا لتفاخروا.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم منسأة في الأجل» .
وقال تَعَالَى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم (٣٢) ] .
أي: لا تمدحوها ولا تفخروا بأعمالكم.
وفي الحديث الصحيح: «إذا كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا كذا، وكذا، والله حسيبه. ولا أُزكِّي على الله أحدًا» .
وقال تَعَالَى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عنكم جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} ... [الأعراف (٤٨، ٤٩) ] .
الأعراف: السُّوْرُ المضروب بين الجنة والنار، وأصحابه رجال تساوت حسناتهم وسيآتهم يقولون لأهل النار: ما أغنى عنكم مالكم ولا تكبركم، ولا منعكم ذلك عن دخول النار، وهؤلاء الضعفاء الذين كنتم تسخرون منهم
وتحقرونهم في الدنيا وأقسمتم أن الله لا يُدخلهم الجنة، أدخلهم الله إيَّاها برحمته.
[٦٠٢] وعن عِيَاضِ بنِ حمارٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ، وَلا يَبْغِي أحَدٌ عَلَى أحَدٍ» . رواه مسلم.
التواضع: الانكسار والتذلُّل، وضده: التكبر والرَّفع، ومَنْ تواضع لله رفع الله قدره، وطيَّب ذِكْرَه، ورفع درجته في الآخرة.
[٦٠٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زادَ اللهُ عَبْداً بعَفْوٍ إلا عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إلا رَفَعَهُ اللهُ» . رواه مسلم.
[٦٠٤] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّهُ مَرَّ عَلَى صبيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كَانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يفعله. متفقٌ عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: تدريب الصبيان على أداب الشريعة، وطرح رداء الكبر والتواضع، ولين الجانب.
[٦٠٥] وعنه قَالَ: إن كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إمَاءِ المَدينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءتْ. رواه البخاري.
في الحديث: مزيد تواضعه - صلى الله عليه وسلم -، والتحريض على ذلك.
[٦٠٦] وعن الأَسْوَدِ بن يَزيدَ، قَالَ: سَأَلْتُ عائشةُ رضي الله عنها مَا كَانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قالت: كَانَ يَكُون في مِهْنَةِ أهْلِهِ - يعني: خِدمَة أهلِه - فإذا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. رواه البخاري.
جاء ذلك مفسرًا في بعض الروايات: كان في بيته في مهنة أَهله يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعلِّف ناضحه، ويعقل البعير، ويأكل مع الخادم ويحمل بضاعته إلى السوق. ففي ذلك مزيد فضله، وكمال تواضعه - صلى الله عليه وسلم -.
[٦٠٧] وعن أَبي رِفَاعَةَ تَميم بن أُسَيْدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يخطب، فقلت: يَا رسول الله، رَجُلٌ غَريبٌ جَاءَ يَسْألُ عن دِينهِ لا يَدْرِي مَا دِينُهُ؟ فَأقْبَلَ عَليَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسيٍّ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأتَمَّ آخِرَهَا. رواه مسلم.
في هذا الحديث: استحباب تلطف السائل.
وفيه: كمال تواضعه - صلى الله عليه وسلم - ورفقه بالمسلمين وشفقته عليهم.
[٦٠٨] وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا أكَلَ طَعَاماً، لَعِقَ أصَابِعَهُ الثَّلَاثَ. قَالَ: وقال: «إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِط عنها الأَذى، وليَأكُلْها وَلا يَدَعْها لِلشَّيْطان» وأُمِرْنا أن نُسْلُتَ
القَصْعَةُ، قَالَ: «فإنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أيِّ طَعَامِكُمُ البَرَكَة» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: رد على من كره لعق الأصابع استقذارًا. قال الخطابي: عاف قَوْمٌ - أَفْسد قلوبهم - الرَّفه لعقها، وزعموا أَنه مستقبح، كأنهم لم يعلموا أَن الطعام الذي علق بالأَصابع جزءٌ ما أَكلوه وليس فيه أَكثر من مصها بباطن الشفة. انتهى.
قلت: إنما يستقذر اللعق أَثناء الأَكل.
وفيه: استحباب أَكل لقمته الساقطة كسرًا لنفسه، وتواضعًا لربه، والتماسًا للبركة.
[٦٠٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا بَعَثَ الله نَبِيّاً إلا رَعَى الغَنَمَ» قَالَ أصْحَابُهُ: وَأنْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ» . رواه البخاري.
في هذا الحديث: تنبيه على التواضع. وأَن تعاطي الكامل ما فيه كسر النفس لا يخل بمروءته.
[٦١٠] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُراعٍ أَوْ ذِرَاعٍ لأَجَبْتُ، ولو أُهْدِيَ إِلَيَّ ذراعٌ أَوْ كُراعٌ لَقَبِلْتُ» . رواه البخاري.
قال الحافظ: خصَّ الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الخطير والحقير، لأَن الذراع كانت أَحب إِليه من غيرها، والكراع لا قيمة لَهُ.
وقال ابن بطال: أَشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إِلى الحض على قبول الهدية وإن قلَّت، لئلا يمتنع الباعث من الهدية لاحتقار الشيء، فحض على ذلك لما فيه من التآلف.