الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 1143
الحديث رقم 1143 من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابٌ: إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ
١١٤٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
يخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن رؤية رآها في المنام، ثم إنه قَصَّها على أصحابه بعد صلاة الفجر، كما في بعض روايات الحديث.
فيخبر عن نفسه فيقول: أنه أتاني في ليلتي آتِيَان قالا لي: انْطَلق، فانطلقت معهما، فأتوا على رجل مضطجع أو مُسْتَلق على قَفَاه وأخر قائما عليه معه صخرة وهي الحجر الكبيرة فيرمِيه بها حتى يَشَّق رأسه، فيَتَدَحْرجُ الحجر إلى جهة الضارب، فيأخذ الحجر ولا يرجع إلى المضروب حتى يعود رأسه كما كان، فإذا التئم رأسه وعاد على ما كان عليه قبل شقه عاد عليه مرة أخرى، فَفَعل به مِثْل ما فعل في المرَّة الأولى.
قال: قلت لهما متعجبا مما رآه من حال الرجلين: سُبحان الله! ما هذان؟
قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فانْطَلقنا، فأتوا على رجُل مُمتدٍّ على قفاه وآخر قائم عليه يحمل معه حديدة، يضعها على أحد شقَّي وجه الآخر، فيَشق جانبا من وجهه، حتى يَبْلغَ به قَفَاه، ومتى ما فرغ من شق إحدى الجهتين، تَحَول إلى جانب الشق الآخر من الوجه، فَيُفْعَل به ما فعل بالجانب الأول من شقه، وإذا فرغ من شق الجانب الآخر، كان الشق الأول قد التئم وعاد كما كان عليه قبل شقه، فيفعل به كما في المرة الأولى، ثم يعود للشق الثاني وقد التئم، فيفعل به كما فعل به في المرة الأولى وهكذا كلَّما التئم الشق عاد عليه.
قال: قلت: سُبْحان الله! ما هذان؟
قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فانْطَلقْنا، فَأَتَيْنَا على مِثْلِ التَّنُّورِ أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار، ويسمع منه أصوات مختلطة لا تُفهم.
فاطلعوا على ما في التنور فوجدوا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هُمْ يَأتِيِهمْ لَهَبٌ من أسْفَلَ منهم، فإذا أتاهُمْ ضجوا وصاحوا بِمَا لَا يُفهم منه إلا الاستِغاثة مما هم فِيهِ.
قلت: ما هؤلاء؟ قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فانْطَلقنا، فأتينا على نَهْر من دم، رأوا فيه رجلا يسبح وآخر قائم على شَطِّ النهر، قد جُمعت عنده حجارة كثيرة، ثم إن السابح يأتي إلى الرجل القائم على شطِّ النهر، فيفتح له فاه فيرمه بالحجر، فينطلق فيسبح ثم يرجع إليه مرة ثانية وفي كل مرة يرجع إليه يفتح له فاه فَيُلقِمه الحجر، وهكذا.
قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا على رَجُل قبيح المنظر.
فإذا عنده نار يَحُشُّهَا ويَسْعَى حولها يوقدها.
قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انْطَلِق انْطَلِق، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا على رَوضَة خَصْبة فيها من كل الزهور، وإذا في وسطها رجُلٌ طَويل لا أكَادُ أرى رأسه طُولا في السماء وإذا حَول الرجُل أكثر ولدان رَأيْتُهُمْ قَطّ.
قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء؟ قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا على شجرة عظيمة لم أر روضة قط، أعظم منها ولا أحسن منها في جمالها ونظارتها.
قالا لي: اصعد في تلك الشجرة.
فصعدوا في تلك الشجرة، فإذا هُم في مدينة مُشَيَّدة بالذهب والفضة.
فطلبوا من أهل تلك المدينة أن يفتحوا لهم باب المدينة، فَفُتِح لهم فدخلوها.
فَتَلَقَّانَا رِجال نِصف خِلقَتْهم وصورتهم كأجمل صورة تراها العين، والنصف الآخر كأقبح صورة تراها العين. قال لهم الملكان: اذهبوا إلى ذلك النَّهر، فاغتسلوا فيه.
وإذا هو نَهْر مُعْتَرِضٌ يَجري كأن ماءه اللَّبَنُ الخالص غير المُخْتَلطِ بشيء، وشبهه بالبياض الذي هو صفة اللَّبَنُ.
فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فيه، ثم رجَعُوا إلينا وقد زال عنهم ما كان فيهم من القُبْح والبَشَاعة، فصاروا على أجمل صورة.
وأخبراه بأن هذه المدينة هي جنات عدن وأن ذاك منزلك فيها.
فارتفع بصره إلى فوق صلى الله عليه وسلم كثيرا، فرأى قصرًا، مثل السحاب البيضاء، فأطلعاه على منزله.
فدعا لهما وطلب منهما أن يسمحا له بالدخول إلى ذاك المنزل.
فلم يسمحوا له بدخوله؛ لأنه قد بقي له من العُمْر بقية، وأخبروه أنه سيدخل هذا القصر حال استكمال أجله.
وبعد أن انتهوا من عرض بعض صور الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم لهما: إني رأيت أمورا عجيبة، ثم سألهم عنها بقوله: "فما هذا الذي رأيت؟"
قالا لي: أما إنَّا سَنُخْبِرُكَ: أما الرُّجُل الأول الذي رأيته يَشُقُّ رأسه بالحَجر، هو من حفظ القرآن، ثم تركه ولم يعمل به وينام عن الصلاة المكتوبة، ورفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة؛ لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه، فلما رفض أشرف الأشياء وهو القرآن عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس.
وأما الرجل الذي رأيته يقطع جانبا من وجهه، فذاك الذي يَكْذِبُ الكَذْبَة، فتَنْتَشر فِي أطراف الأرض.
وإنما استحق التعذيب لما يَنْشأ عن تلك الكَذْبَة من المفاسد وهو فيها مختار غير مُكْرَه ولا مُلْجَأ.
وأما ما رأيت من الرجال والنساء في ذلك التَّنُّورِ، فهؤلاء الزُّنَاة والزواني.
ومناسبة العُري لهم لاستحقاقهم أن يُفضحوا؛ لأن عادتهم أن يستتروا في الخلوة فعوقبوا بالهتك.
وأما الرَّجل الذي أتيت عليه يَسْبَح في النَّهر، ويُلْقِم الحِجَارة، فإنه آكِل الرِبَا
وأما الرجل الذي رأيته كرِيه المنظر قاعد عند النار يوقدها، فإنه مالك خازن النار.
وإنما كان كرِيه الرؤية؛ لأن في ذلك زيادة في عذاب أهل النار.
وأما الرَّجُل الطَّويل الذي في الرَّوْضَةِ، فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم .
وأما الأولاد الذين رأيتهم حول إبراهيم -عليه السلام- فهم كل من مات على فطرة الإسلام قبل البلوغ أو ولد على فطرة الإسلام، ثم مات قبل البلوغ.
فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن حكم أولاد المشركين في الآخرة، كحكم أولاد المسلمين.
وأما القوم الذين نصفهم حسن والنصف الآخر قبيح، فإنهم جمعوا بين الحسنات والسيئات معا، فظهرت الحسنات في صورتهم الجميلة، وظهرت السيئات في صورتهم القبيحة، عفا الله عنهم، وأدخلهم الجنة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١١٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ) بفتح الميم الثَّانية المشدَّدة، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «إسماعيل ابن عُلَيَّة» بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة، اسم أمِّه، واسم أبيه: إبراهيم بن سهم الأسديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عِمْرَان بن مِلْحان العطارديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَُبٍ) بفتح الدَّال وضمِّها (﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا قَالَ: أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ) بمثلَّثةٍ ساكنةٍ ولامٍ مفتوحةٍ بعدها غينٌ معجمةٌ مبنيًّا للمفعول، أي: يُشقُّ أو يُخدَشُ (فَإِنَّهُ) الرَّجل (يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُِضُهُ) بكسر الفاء وضمِّها وبالضَّاد المعجمة، أي: يترك حفظه والعمل به (وَيَنَامُ) ذاهلًا (عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ) العشاء حتَّى يخرج وقتها، أو الصُّبح؛ لأنَّها الَّتي تفوت بالنَّوم غالبًا.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ) قال في «الفتح»: كذا للمُستملي وحده، ولغيره: «بابٌ» فقط، وهو بمنزلة الفصل من سابقه، وفي «اليونينيَّة»: «باب إذا نام ولم يصلِّ بال الشَّيطان في أذنه»، فليتأمَّل مع ما قبله (١).
١١٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلام بن سليمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا)
ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمِر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصورٍ عن عبد الرَّحمن بن يزيد النَّخَعيِّ عن ابن مسعودٍ ما يُؤخذ منه أنَّه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه: «وايم الله، لقد بال في أذن صاحبكم ليلةً» يعني: نفسَه (فَقِيلَ) أي: قال رجلٌ من الحاضرين: (مَا زَالَ) الرَّجل المذكور (نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) اللَّام للجنس، أو المراد: المكتوبة فتكون للعهد، ويدلُّ له قول سفيان فيما أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه»: «هذا عبدٌ نام عن الفريضة» (فَقَالَ) ﵊: (بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُْنِهِ) بضمِّ الهمزة والذَّال وسكونها، ولا استحالة أن يكون بولُه حقيقةً؛ لأنَّه ثبت أنَّه يأكل ويشرب وينكح، فلا مانع من بوله، أو هو كنايةٌ عن صرفه عن الصَّارخ بما يقرُّه في أذنه حتَّى لا ينتبه، فكأنَّه ألقى في أذنه بولَه، فاعتلَّ سمعه بسبب ذلك، وقال التُّوربشتيُّ: يحتمل أن يقال: إنَّ الشَّيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فأحدث في أذنه وقرًا عن استماع دعوة الحقِّ، وقال في «شرح المشكاة»: خصَّ الأذن بالذِّكر والعينُ أنسب بالنَّوم؛ إشارةً إلى ثقل النَّوم، فإنَّ المسامع هي موارد الانتباه بالأصوات، ونداء: حيَّ على الصَّلاة (١)، قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١١] أي: أنمناهم إنامةً ثقيلةً لا تُنَبِّهُهُم فيها الأصواتُ، وخُصَّ البول من بين الأخبثين؛ لأنَّه مع خباثته أسهل مدخلًا في تجاويف الخروق والعروق ونفوذه فيها، فيورث الكسل في جميع الأعضاء.
ورواة هذا (٢) الحديث كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف في «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٠]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَوْله: (وَأَبُو خَالِد) عطف عَلَيْهِ، أَي: وتابع مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد أَبُو خَالِد سُلَيْمَان بن حبَان الملقب بالأحمر، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، بواو الْعَطف، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون سُلَيْمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحْتَمل أَن تكون الْوَاو زَائِدَة فَإِن أَبَا خالدٍ الْأَحْمَر اسْمه سُلَيْمَان. قلت: هَذَا كَلَام غير موجه، لِأَن زِيَادَة: وَاو، الْعَطف نادرة، بِخِلَاف الأَصْل، سِيمَا الحكم بذلك بِالِاحْتِمَالِ فَلَا يلْزم من كَون اسْم أبي خَالِد سُلَيْمَان أَن يكون سُلَيْمَان الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِيَّاه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: وَأَبُو خَالِد بِالْوَاو، فَلَا بُد أَن يُقَال: سُلَيْمَان الْمَذْكُور غير سُلَيْمَان المكنى بِأبي خَالِد، ولولاه لَكَانَ شخصا وَاحِدًا مَذْكُورا بالإسم والكنية وَالصّفة، أما مُتَابعَة سُلَيْمَان فَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب مَا يذكر من صَوْم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد (عَن أنس أَن أنسا يَقُول: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفْطر من الشَّهْر) الحَدِيث، وَفِي آخِره قَالَ سُلَيْمَان عَن حميد إِنَّه سَأَلَ أنسا فِي الصَّوْم، وَأما مُتَابعَة أبي خَالِد فقد ذكرهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الصّيام، وَنَذْكُر مَا فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٢١ - (بابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قافِيَةِ الرَّأسِ إذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عقد الشَّيْطَان على قافية رَأس النَّائِم إِذا نَام، وَلم يصل، وقافية الرَّأْس: قَفاهُ، وقافية كل شَيْء آخِره، قَالَه الْأَزْهَرِي وَغَيره.
٢٤١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِك عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قافِيةِ رَأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كلَّ عُقْدَةٍ علَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ فإنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحلَّتْ عُقْدَةٌ فانْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فأصْبَحَ نَشِيطا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإلَاّ أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ.
(الحَدِيث ٢٤١١ طرفه فِي: ٩٦٢٣) .
اعْترض بِأَنَّهُ لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الحَدِيث مُطلق والترجمة مُقَيّدَة، وَأجِيب: بِأَن مُرَاده أَن اسْتِدَامَة العقد إِنَّمَا يكون على ترك الصَّلَاة، وَجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعْقد عَلَيْهِ لزوَال أَثَره، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الصَّلَاة المنفية فِي التَّرْجَمَة صَلَاة الْعشَاء، فَيكون التَّقْدِير: إِذا لم يصل الْعشَاء، فَكَأَنَّهُ يرى أَن الشَّيْطَان إِنَّمَا يفعل ذَلِك لمن نَام قبل صَلَاة الْعشَاء، بِخِلَاف من صلاهَا، وَلَا سِيمَا فِي الْجَمَاعَة. انْتهى. قلت: قَوْله: (إِذا لم يصل) أَعم من أَن لَا يُصَلِّي الْعشَاء أَو غَيرهَا من صَلَاة اللَّيْل، وَلَا قرينَة لتقييدها بالعشاء، وَظَاهر الحَدِيث يدل على أَن العقد يكون عِنْد النّوم، سَوَاء صلى قبله أَو لم يصل، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن زَنْجوَيْه فِي كتاب الْفَضَائِل من حَدِيث أبي لَهِيعَة عَن أبي عشانة، سمع عقبَة بن عَامر يَقُول عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يقوم أحدكُم من اللَّيْل يعالج طهوره وَعَلِيهِ عقد، فَإِذا وضأ يَده انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ وَجهه انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا مسح بِرَأْسِهِ انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ رجلَيْهِ انْحَلَّت عقدَة) . وَمن حَدِيث ابْن لَهِيعَة أَيْضا عَن أبي الزبير (عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَيْسَ فِي الأَرْض نفس من ذكر وَأُنْثَى إلاّ وعَلى رَأسه جرير معقدة، فَإِن اسْتَيْقَظَ فَتَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة، وَإِن اسْتَيْقَظَ وَصلى حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يصل وَلم يتَوَضَّأ أَصبَحت العقد كَمَا هِيَ) . والجرير: بِفَتْح الْجِيم: الْحَبل. وَفِي (كتاب الثَّوَاب) لآدَم بن أبي إِيَاس الْعَسْقَلَانِي، من حَدِيث الرّبيع بن صبيح: عَن الْحسن قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد ينَام إلاّ وعَلى رَأسه ثَلَاث عقد، فَإِن هُوَ تعار من اللَّيْل فسبح الله وحمده وَهَلله وَكبره حلت عقدَة، وَإِن عزم الله لَهُ فَقَامَ وَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يفعل شَيْئا من ذَلِك حَتَّى يصبح أصبح وَالْعقد كلهَا كَمَا هِيَ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز،. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يعْقد الشَّيْطَان) الْكَلَام فِي العقد والشيطان. أما العقد فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْحَقِيقَة بِمَعْنى السحر للْإنْسَان، وَمنعه من الْقيام كَمَا يعْقد السَّاحر من سحره، وَأكْثر مَا يَفْعَله النِّسَاء تَأْخُذ إِحْدَاهُنَّ الْخَيط فتعقد مِنْهُ عقدا وتتكلم عَلَيْهَا بالكلمات فيتأثر المسحور عِنْد ذَلِك، كَمَا أخبر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم {وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد} (الفلق: ٤) . فَالَّذِي خذل يعْمل فِيهِ وَالَّذِي وفْق يصرف عَنهُ، وَالدَّلِيل على كَونه على الْحَقِيقَة مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَمُحَمّد بن نصر من طَرِيق صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (على قافية رَأس أحدكُم حَبل فِيهِ ثَلَاث عقد) ، وروى أَحْمد من طَرِيق الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِذا نَام أحدكُم عقد على رَأسه بجرير) ، وروى ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (مَا من ذكر وَلَا أُنْثَى إلاّ على رَأسه جرير مَعْقُود حِين يرقد) ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْمجَاز كَأَنَّهُ شبه فعل الشَّيْطَان بالنائم بِفعل السَّاحر بالمسحور، وَقيل: هُوَ من عقد الْقلب وتصميمه فَكَأَنَّهُ يوسوس بِأَن عَلَيْك لَيْلًا طَويلا فَيتَأَخَّر عَن الْقيام بِاللَّيْلِ، وَقَالَ صَاحب (النِّهَايَة) : المُرَاد مِنْهُ تثقيله فِي النّوم وإطالته، فَكَأَنَّهُ قد سد عَلَيْهِ سدا وَعقد عَلَيْهِ عقدا. وَقَالَ ابْن بطال: قد فسر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، معنى العقد بقوله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) ، فَكَأَنَّهُ يَقُولهَا إِذا أَرَادَ النَّائِم الاستيقاظ. وَقَالَ ابْن بطال أَيْضا: وَرَأَيْت لبَعض من فسر هَذَا الحَدِيث العقد الثَّلَاث هِيَ: الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم. وَقَالَ أَلا يرى أَنه من أَكثر الْأكل وَالشرب أَنه يكثر النّوم لذَلِك؟ واستبعد بَعضهم هَذَا القَوْل لقَوْله فِي الحَدِيث: (إِذا هُوَ نَام) ، فَجعل العقد حِينَئِذٍ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ مثل، واستعاره من عقد بني آدم، وَلَيْسَ المُرَاد العقد نَفسهَا، وَلَكِن لما كَانَ بَنو آدم يمْنَعُونَ بعقدهم ذَلِك تصرف من يحاول فِيمَا عقده كَأَن هَذَا مثله من الشَّيْطَان للنائم الَّذِي لَا يقوم من نَومه إِلَى مَا يحب من ذكر الله تَعَالَى وَالصَّلَاة.
وَأما الشَّيْطَان: فَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس، وَيكون فَاعل ذَلِك القرين أَو غَيره من أعوان الشَّيْطَان. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ رَأس الشَّيَاطِين وَهُوَ إِبْلِيس لَعنه الله. قلت: يُعَكر عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا: أَن النائمين عَن قيام اللَّيْل كثير لَا يُحْصى، فإبليس لَا يلحقهم بذلك إلاّ أَن يكون جَوَاز نِسْبَة ذَلِك إِلَيْهِ لكَونه آمرا لأعوانه بذلك، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَيْهِ وَالْآخر: أَن مَرَدَة الشَّيَاطِين يصفدون فِي شهر رَمَضَان وأكبرهم إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة.
قَوْله: (على قافية رَأس أحدكُم) أَي: مُؤخر عُنُقه، وَقد ذكرنَا أَن قافية كل شَيْء مؤخره، وَمِنْه قافية القصيدة، وَفِي (الْمُحكم) : القافية: هِيَ الْقَفَا، وَقيل: هِيَ وسط الرَّأْس. قَوْله: (إِذا هُوَ نَام) ، أَي: حِين نَام، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا: (إِذا هُوَ نَام) ، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي (إِذا هُوَ نَائِم) على وزن اسْم الْفَاعِل، وَقَالَ بَعضهم: وَالْأول أصوب وَهُوَ الَّذِي فِي (الْمُوَطَّأ) قلت: رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لَا تدل على أَن ذَلِك أصوب، بل الظَّاهِر أَن رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي أصوب لِأَنَّهَا جملَة إسمية وَالْخَبَر فِيهَا إسم. قَوْله: (ثَلَاث عقد) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: (يعْقد) ، وَالْعقد، بِضَم الْعين وَفتح الْقَاف: جمع عقدَة. قَوْله: (يضْرب على كل عقدَة) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (على مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَمعنى يضْرب، يضْرب بِيَدِهِ على كل عقدَة، ذكر هَذَا تَأْكِيدًا وإحكاما لما يَفْعَله، وَقيل: يضْرب بالرقاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف} (الْكَهْف: ١١) . وَمَعْنَاهُ: حجب الْحس عَن النَّائِم حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظ. قَوْله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) أَي: يضْرب قَائِلا: عَلَيْك ليل طَوِيل، وَوَقع فِي جَمِيع رِوَايَات البُخَارِيّ هَكَذَا: (ليل طَوِيل) بِالرَّفْع فيهمَا، فارتفاع: ليل، بِالِابْتِدَاءِ، و: عَلَيْك، خَبره مقدما وارتفاع: طَوِيل، بالوصفية. وَيجوز أَن يكون ارْتِفَاع: ليل، بِفعل مَحْذُوف وَتَقْدِيره: بَقِي عَلَيْك ليل طَوِيل، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل الْمَحْذُوف، أَي: يضْرب كل عقدَة قَائِلا هَذَا الْكَلَام، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي مُصعب فِي (الْمُوَطَّأ) عَن مَالك: (عَلَيْك لَيْلًا طَويلا) ، وَهِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فِي رِوَايَة مُسلم. قَالَ عِيَاض: رِوَايَة الْأَكْثَرين عَن مُسلم بِالنّصب على الإغراء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرّفْع أولى من جِهَة الْمَعْنى لِأَنَّهُ الأمكن فِي الْغرُور من حَيْثُ إِنَّه يُخبرهُ عَن طول اللَّيْل: ثمَّ يَأْمُرهُ بالرقاد بقوله: (فارقد) ، وَإِذا نصب على الإغراء لم يكن فِيهِ إلاّ الْأَمر بملازمة طول الرقاد، وَحِينَئِذٍ يكون قَوْله: (فارقد) ضائعا. قلت: لَا نسلم أَنه يكون ضائعا، بل يكون تَأْكِيدًا ثمَّ إِن مَقْصُود الشَّيْطَان بذلك تسويفه بِالْقيامِ والإلباس عَلَيْهِ. قَوْله (فَذكر الله انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ وَكَذَلِكَ قَوْله: (فَإِن تَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ. وَقَوله: (فَإِن صلى انْحَلَّت عقدَة) بِضَم الْعين بِلَفْظ الْجمع هَذَا الاخلاف فِيهِ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَوَقع لبَعض رُوَاة الْمُوَطَّأ بِالْإِفْرَادِ وَذكر ابْن قرقول انه اخْتلف فِي الْأَخِيرَة مِنْهَا، فَوَقع فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لِابْنِ وضاح
انْحَلَّت عقد) على الْجمع، وَكَذَا ضبطناه فِي البُخَارِيّ وَفِي غَيرهمَا: (عقدَة) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَالْجمع أولى لَا سِيمَا وَقد جَاءَ مُسلم فِي الأولى: عقدَة وَفِي الثَّانِيَة: عقدان، وَفِي الثَّالِثَة: انْحَلَّت العقد. قَوْله: (أصبح نشيطا) أَي: لسروره بِمَا وَفقه الله تَعَالَى من الطَّاعَة وَطيب النَّفس لما بَارك الله لَهُ فِي نَفسه وتصرفه فِي كل أُمُوره، وَبِمَا زَالَ عَنهُ من عقد الشَّيْطَان. قَوْله: (وإلاّ أصبح خَبِيث النَّفس) يَعْنِي: بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اعتاده أَو نَوَاه من فعل الْخَيْر. قَوْله: (كسلان) يَعْنِي: بِبَقَاء أثر تثبيط الشَّيْطَان عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَن مُقْتَضى (وإلَاّ أصبح) أَن من لم يجمع الْأُمُور الثَّلَاثَة: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَهُوَ دَاخل تَحت من يصبح خبيثا كسلان وَإِن أَتَى بِبَعْضِهَا. قلت: فعلى هَذَا تَقْدِير الْكَلَام: وَإِن لم يذكر وَلم يتَوَضَّأ وَلم يصل يصبح خَبِيث النَّفس كسلان.
الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِن أَبَا بكر وَأَبا هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَا يوتران أول اللَّيْل وينامان آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد: الَّذِي ينَام وَلَا نِيَّة لَهُ فِي الْقيام، وَأما من صلى من النَّافِلَة مَا قدر لَهُ ونام بنية الْقيام فَلَا يدْخل فِي ذَلِك، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : بِدَلِيل قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من امرىء يكون لَهُ صَلَاة بلَيْل فغلبه عَلَيْهَا نوم إلَاّ كتب لَهُ أجر صلَاته، وَكَانَ نَومه صَلَاة) . ذكره ابْن التِّين قلت: روى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فِي: بَاب من نوى أَن يُصَلِّي من اللَّيْل، من حَدِيث شُعْبَة، قَالَ أَبُو ذَر وَأَبُو الدَّرْدَاء، شكّ شُعْبَة: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد يحدث نَفسه بِقِيَام سَاعَة من اللَّيْل فينام عَنْهَا إلَاّ كَانَ نَومه صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْهِ وَكتب لَهُ أجر مَا نوى) .
وَمِنْهَا مَا قيل: فِي هَذَا الحَدِيث مَا يُعَارض قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَقُولَن أحدكُم خبثت نَفسِي؟) وَأجِيب: بِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن إِضَافَة الْمَرْء ذَلِك إِلَى نَفسه كَرَاهَة لتِلْك الْكَلِمَة، وَهَذَا الحَدِيث وَقع ذما لفعله، وَلكُل من الْخَبَرَيْنِ وَجه، وَقَالَ الْبَاجِيّ: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين اخْتِلَاف لِأَنَّهُ نهي عَن إِضَافَة ذَلِك إِلَى النَّفس، لكَون الْخبث فَمَعْنَى فَسَاد الدّين، وَوصف بعض الْأَفْعَال بذلك تحذيرا مِنْهَا وتنفيرا.
وَمِنْهَا مَا قيل: مَا فَائِدَة تَقْيِيد العقد بِالثلَاثِ؟ وَأجِيب: بإنه أما تَأْكِيد وَإِمَّا لِأَن مَا ينْحل بِهِ العقد ثَلَاثَة أَشْيَاء: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَكَانَ الشَّيْطَان منع عَن كل وَاحِد مِنْهَا بعقدة عقدهَا على قافيته.
وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه تَخْصِيص قافية الرَّأْس بِضَرْب العقد عَلَيْهَا. وَأجِيب بِأَنَّهَا مَحل الواهمة وَمحل تصرفها، وَهِي أطوع القوى للشَّيْطَان وأسرعها إِجَابَة لدعوته.
وَمِنْهَا مَا قيل: أَنه قد يظنّ أَن بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره أَن قارىء آيَة الْكُرْسِيّ عِنْد نَومه لَا يقربهُ شَيْطَان تعَارض؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد من العقد إِن كَانَ أمرا معنويا، وَمن الْقرب أمرا حسيا أَو بِالْعَكْسِ، فَلَا إِشْكَال، وَإِن كَانَ كِلَاهُمَا معنويا أَو بِالْعَكْسِ فَيكون أَحدهمَا مَخْصُوصًا، وَالْأَقْرَب أَن يكون حَدِيث الْبَاب مَخْصُوصًا بِمن لم يقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ لطرد الشَّيْطَان.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الذّكر يطرد الشَّيْطَان، وَكَذَا الْوضُوء وَالصَّلَاة، وَلَا يتَعَيَّن للذّكر شَيْء مَخْصُوص لَا يجزىء غَيره، بل كل مَا يصدق عَلَيْهِ، ذكر الله تَعَالَى أَجزَأَهُ، وَيدخل فِيهِ تِلَاوَة الْقُرْآن، وَأولى مَا يذكر فِيهِ مَا سَيَجِيءُ فِي: بَاب فضل من تعار من اللَّيْل، إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت: كَيفَ حكم الْجنب؟ فَهَل تحل عقدته بِالْوضُوءِ؟ قلت: لَا تحل إلاّ بالاغتسال وَتَخْصِيص الْوضُوء بِالذكر لكَونه الْغَالِب، وَالتَّيَمُّم يقوم مقامهما عِنْد جَوَازه، وَالله أعلم.
٣٤١١ - حدَّثنا مُؤَمِّلُ بنُ هِشَامٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا عَوفٌ قَالَ حدَّثنا أبُو رَجَاءٍ قَالَ حدَّثَنَا سَمْرَةُ بنُ جُنْدَبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرُّؤيَا قَالَ أمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأسُهُ بِالحَجَرِ فإنَّهُ يَأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنَامُ عنِ الصَّلَاة المَكْتُوبَةِ..
زعم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن حَدِيث سَمُرَة هَذَا لَا يدْخل فِي هَذَا الْبَاب لِأَن رفض الْقُرْآن لَيْسَ ترك الصَّلَاة بِاللَّيْلِ. قلت: حفظ شَيْئا وَغَابَ عَنهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ، فَفِي الحَدِيث: (وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) ، وَالْمرَاد مِنْهَا الْعشَاء الْآخِرَة، فَأَي مُنَاسبَة تطلب بِأَكْثَرَ من هَذَا؟
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُؤَمل، بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول: ابْن هِشَام الْبَصْرِيّ ختن شَيْخه إِسْمَاعِيل بن علية، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام، وَعليَّة اسْم أمه، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم الْأَسدي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث أَو أَربع وَتِسْعين وَمِائَة بِبَغْدَاد. الثَّالِث: عَوْف الْأَعرَابِي، مر فِي: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان. الرَّابِع: أَبُو رَجَاء، بخفة الْجِيم وبالمد: اسْمه عمرَان بن ملْحَان العطاردي.
الْخَامِس: سَمُرَة بن جُنْدُب، بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا، مر فِي آخر كتاب الْحيض.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: الْإِسْنَاد كُله بِصِيغَة التحديث فِي صُورَة الْجمع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم بصريون. وَفِيه: سَمُرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعنعنة. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: إِسْمَاعِيل مَذْكُور باسم أمه. وَفِيه: عَوْف مَذْكُور بِغَيْر نِسْبَة. وَفِيه: أَبُو رَجَاء مَذْكُور بكنيته.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ مقطعا فِي مَوَاضِع، وَتَمَامه يَأْتِي فِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز، وَأخرجه فِي الْبيُوع وَالْجهَاد وبدء الْخلق وَالْأَدب وَأَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي التَّفْسِير وَفِي التَّعْبِير. وَأخرجه مُسلم فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن بشار وَبُنْدَار مُخْتَصرا كَمَا هَهُنَا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُعْتَمر عَن عَوْف بِتَمَامِهِ وَفِي التَّفْسِير عَن جمَاعَة عَن عَوْف بِأَكْثَرَ الحَدِيث.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يثلغ) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح اللَّام وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: يكسر، قَالَ الْجَوْهَرِي: أَي ثلغ رَأسه يثلغه، بِفَتْح اللَّام فيهمَا: ثلغا أَي: شدخه، والشدخ: كسر الشَّيْء الأجوف. قلت: كلمة: أما، لَا بُد لَهَا من قسيم فَمَا هُوَ هَهُنَا؟ قلت: قد قلت لَك أَن البُخَارِيّ قد قطع هَذَا الحَدِيث، وَسَيَأْتِي تَمَامه فِي: بَاب الْجَنَائِز، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (فيرفضه) ، بِضَم الْفَاء وَكسرهَا أَي: يتْرك حفظه وَالْعَمَل بِهِ، وَأما الَّذِي يتْرك حفظ حرفه وَيعْمل بمعاني فَلَيْسَ برافض لَهُ، وَأما الَّذِي يرفض كليهمَا فَذَاك لعقد الشَّيْطَان فِيهِ، فَوَقَعت الْعقُوبَة فِي مَوضِع الْمعْصِيَة. قَوْله: (وينام عَن الصَّلَاة) ، يَعْنِي ذاهلاً عَنْهَا حَتَّى يخرج وَقتهَا وتفوت مِنْهُ. قَوْله: (الْمَكْتُوبَة) أَي: الْمَفْرُوضَة، وَأَرَادَ بهَا: صَلَاة الْعشَاء. وَقيل: أَرَادَ بهَا صَلَاة الصُّبْح لِأَنَّهَا الَّتِي تبطل بِالنَّوْمِ.
٣١ - (بابُ إذَا نامَ ولَمْ يُصَلِّ بالَ الشَّيْطَانُ فِي أذُنِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا نَام ... إِلَى آخِره. وَوَقعت هَذِه التَّرْجَمَة للمستملي وَحده، وللباقين: بَاب، فَقَط من غير ذكر شَيْء، فَكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَة فصل للباب السَّابِق، وتعلقه بِهِ ظَاهر، وَهُوَ فِي قَوْله فِي الحَدِيث السَّابِق: (وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) ، وَهنا فِي قَوْله: مَا زَالَ نَائِما حَتَّى أصبح) .
٤٤١١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الأحْوَصِ قَالَ حدَّثنا مَنْصُورٌ عنْ أبِي وائِلٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قالَ ذُكِرَ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَجُلُ فَقِيلَ مَا زَالَ نائِما حَتَّى أصْبَحَ مَا قامَ إلَى الصَّلَاةِ فقالَ بالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ.
(الحَدِيث ٤٤١١ طرفه فِي: ٠٧٢٣) .
مطابقته للباب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين ظَاهِرَة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي أظهر.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْأَحْوَص: سَلام بن سليم، وَمَنْصُور ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي، وَأَبُو الْأَحْوَص وَمَنْصُور وَأَبُو وَائِل كوفيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة إِبْلِيس عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عُثْمَان وَإِسْحَاق كِلَاهُمَا عَن جرير بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن عبد الْعَزِيز عبد الصَّمد عَنهُ بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن جرير بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَقيل: مَا زَالَ نَائِما) أَي: قَالَ رجل مِمَّن كَانَ فِي الْمجْلس: مَا زَالَ هَذَا الرجل نَائِما حَتَّى أصبح. وَفِي رِوَايَة جرير عَن مَنْصُور فِي بَدْء الْخلق: (رجل نَام لَيْلَة حَتَّى أصبح) . قَوْله: (مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة) ، اللَّام فِيهِ للْجِنْس، وَيجوز أَن تكون للْعهد، وَيُرَاد بهَا الْمَكْتُوبَة، وَهُوَ الظَّاهِر كَمَا قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ حَيْثُ قَالَ: هَذَا عندنَا نَام عَن الْفَرِيضَة. وَأخرج ابْن حبَان من طَرِيق سُفْيَان، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن حَدثنَا عَليّ بن حَرْب أخبرنَا الهاشم بن يزِيد الحرمي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سَلمَة بن كهيل عَن أبي الْأَحْوَص (عَن عبد الله، قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن رجل نَام حَتَّى أصبح
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١١٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ) بفتح الميم الثَّانية المشدَّدة، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «إسماعيل ابن عُلَيَّة» بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة، اسم أمِّه، واسم أبيه: إبراهيم بن سهم الأسديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عِمْرَان بن مِلْحان العطارديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَُبٍ) بفتح الدَّال وضمِّها (﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا قَالَ: أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ) بمثلَّثةٍ ساكنةٍ ولامٍ مفتوحةٍ بعدها غينٌ معجمةٌ مبنيًّا للمفعول، أي: يُشقُّ أو يُخدَشُ (فَإِنَّهُ) الرَّجل (يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُِضُهُ) بكسر الفاء وضمِّها وبالضَّاد المعجمة، أي: يترك حفظه والعمل به (وَيَنَامُ) ذاهلًا (عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ) العشاء حتَّى يخرج وقتها، أو الصُّبح؛ لأنَّها الَّتي تفوت بالنَّوم غالبًا.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ) قال في «الفتح»: كذا للمُستملي وحده، ولغيره: «بابٌ» فقط، وهو بمنزلة الفصل من سابقه، وفي «اليونينيَّة»: «باب إذا نام ولم يصلِّ بال الشَّيطان في أذنه»، فليتأمَّل مع ما قبله (١).
١١٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلام بن سليمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا)
ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمِر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصورٍ عن عبد الرَّحمن بن يزيد النَّخَعيِّ عن ابن مسعودٍ ما يُؤخذ منه أنَّه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه: «وايم الله، لقد بال في أذن صاحبكم ليلةً» يعني: نفسَه (فَقِيلَ) أي: قال رجلٌ من الحاضرين: (مَا زَالَ) الرَّجل المذكور (نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) اللَّام للجنس، أو المراد: المكتوبة فتكون للعهد، ويدلُّ له قول سفيان فيما أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه»: «هذا عبدٌ نام عن الفريضة» (فَقَالَ) ﵊: (بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُْنِهِ) بضمِّ الهمزة والذَّال وسكونها، ولا استحالة أن يكون بولُه حقيقةً؛ لأنَّه ثبت أنَّه يأكل ويشرب وينكح، فلا مانع من بوله، أو هو كنايةٌ عن صرفه عن الصَّارخ بما يقرُّه في أذنه حتَّى لا ينتبه، فكأنَّه ألقى في أذنه بولَه، فاعتلَّ سمعه بسبب ذلك، وقال التُّوربشتيُّ: يحتمل أن يقال: إنَّ الشَّيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فأحدث في أذنه وقرًا عن استماع دعوة الحقِّ، وقال في «شرح المشكاة»: خصَّ الأذن بالذِّكر والعينُ أنسب بالنَّوم؛ إشارةً إلى ثقل النَّوم، فإنَّ المسامع هي موارد الانتباه بالأصوات، ونداء: حيَّ على الصَّلاة (١)، قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١١] أي: أنمناهم إنامةً ثقيلةً لا تُنَبِّهُهُم فيها الأصواتُ، وخُصَّ البول من بين الأخبثين؛ لأنَّه مع خباثته أسهل مدخلًا في تجاويف الخروق والعروق ونفوذه فيها، فيورث الكسل في جميع الأعضاء.
ورواة هذا (٢) الحديث كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف في «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٠]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَوْله: (وَأَبُو خَالِد) عطف عَلَيْهِ، أَي: وتابع مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد أَبُو خَالِد سُلَيْمَان بن حبَان الملقب بالأحمر، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، بواو الْعَطف، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون سُلَيْمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحْتَمل أَن تكون الْوَاو زَائِدَة فَإِن أَبَا خالدٍ الْأَحْمَر اسْمه سُلَيْمَان. قلت: هَذَا كَلَام غير موجه، لِأَن زِيَادَة: وَاو، الْعَطف نادرة، بِخِلَاف الأَصْل، سِيمَا الحكم بذلك بِالِاحْتِمَالِ فَلَا يلْزم من كَون اسْم أبي خَالِد سُلَيْمَان أَن يكون سُلَيْمَان الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِيَّاه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: وَأَبُو خَالِد بِالْوَاو، فَلَا بُد أَن يُقَال: سُلَيْمَان الْمَذْكُور غير سُلَيْمَان المكنى بِأبي خَالِد، ولولاه لَكَانَ شخصا وَاحِدًا مَذْكُورا بالإسم والكنية وَالصّفة، أما مُتَابعَة سُلَيْمَان فَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب مَا يذكر من صَوْم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد (عَن أنس أَن أنسا يَقُول: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفْطر من الشَّهْر) الحَدِيث، وَفِي آخِره قَالَ سُلَيْمَان عَن حميد إِنَّه سَأَلَ أنسا فِي الصَّوْم، وَأما مُتَابعَة أبي خَالِد فقد ذكرهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الصّيام، وَنَذْكُر مَا فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٢١ - (بابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قافِيَةِ الرَّأسِ إذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عقد الشَّيْطَان على قافية رَأس النَّائِم إِذا نَام، وَلم يصل، وقافية الرَّأْس: قَفاهُ، وقافية كل شَيْء آخِره، قَالَه الْأَزْهَرِي وَغَيره.
٢٤١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِك عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قافِيةِ رَأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كلَّ عُقْدَةٍ علَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ فإنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحلَّتْ عُقْدَةٌ فانْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فأصْبَحَ نَشِيطا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإلَاّ أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ.
(الحَدِيث ٢٤١١ طرفه فِي: ٩٦٢٣) .
اعْترض بِأَنَّهُ لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الحَدِيث مُطلق والترجمة مُقَيّدَة، وَأجِيب: بِأَن مُرَاده أَن اسْتِدَامَة العقد إِنَّمَا يكون على ترك الصَّلَاة، وَجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعْقد عَلَيْهِ لزوَال أَثَره، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الصَّلَاة المنفية فِي التَّرْجَمَة صَلَاة الْعشَاء، فَيكون التَّقْدِير: إِذا لم يصل الْعشَاء، فَكَأَنَّهُ يرى أَن الشَّيْطَان إِنَّمَا يفعل ذَلِك لمن نَام قبل صَلَاة الْعشَاء، بِخِلَاف من صلاهَا، وَلَا سِيمَا فِي الْجَمَاعَة. انْتهى. قلت: قَوْله: (إِذا لم يصل) أَعم من أَن لَا يُصَلِّي الْعشَاء أَو غَيرهَا من صَلَاة اللَّيْل، وَلَا قرينَة لتقييدها بالعشاء، وَظَاهر الحَدِيث يدل على أَن العقد يكون عِنْد النّوم، سَوَاء صلى قبله أَو لم يصل، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن زَنْجوَيْه فِي كتاب الْفَضَائِل من حَدِيث أبي لَهِيعَة عَن أبي عشانة، سمع عقبَة بن عَامر يَقُول عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يقوم أحدكُم من اللَّيْل يعالج طهوره وَعَلِيهِ عقد، فَإِذا وضأ يَده انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ وَجهه انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا مسح بِرَأْسِهِ انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ رجلَيْهِ انْحَلَّت عقدَة) . وَمن حَدِيث ابْن لَهِيعَة أَيْضا عَن أبي الزبير (عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَيْسَ فِي الأَرْض نفس من ذكر وَأُنْثَى إلاّ وعَلى رَأسه جرير معقدة، فَإِن اسْتَيْقَظَ فَتَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة، وَإِن اسْتَيْقَظَ وَصلى حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يصل وَلم يتَوَضَّأ أَصبَحت العقد كَمَا هِيَ) . والجرير: بِفَتْح الْجِيم: الْحَبل. وَفِي (كتاب الثَّوَاب) لآدَم بن أبي إِيَاس الْعَسْقَلَانِي، من حَدِيث الرّبيع بن صبيح: عَن الْحسن قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد ينَام إلاّ وعَلى رَأسه ثَلَاث عقد، فَإِن هُوَ تعار من اللَّيْل فسبح الله وحمده وَهَلله وَكبره حلت عقدَة، وَإِن عزم الله لَهُ فَقَامَ وَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يفعل شَيْئا من ذَلِك حَتَّى يصبح أصبح وَالْعقد كلهَا كَمَا هِيَ) .
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز،. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يعْقد الشَّيْطَان) الْكَلَام فِي العقد والشيطان. أما العقد فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْحَقِيقَة بِمَعْنى السحر للْإنْسَان، وَمنعه من الْقيام كَمَا يعْقد السَّاحر من سحره، وَأكْثر مَا يَفْعَله النِّسَاء تَأْخُذ إِحْدَاهُنَّ الْخَيط فتعقد مِنْهُ عقدا وتتكلم عَلَيْهَا بالكلمات فيتأثر المسحور عِنْد ذَلِك، كَمَا أخبر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم {وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد} (الفلق: ٤) . فَالَّذِي خذل يعْمل فِيهِ وَالَّذِي وفْق يصرف عَنهُ، وَالدَّلِيل على كَونه على الْحَقِيقَة مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَمُحَمّد بن نصر من طَرِيق صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (على قافية رَأس أحدكُم حَبل فِيهِ ثَلَاث عقد) ، وروى أَحْمد من طَرِيق الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِذا نَام أحدكُم عقد على رَأسه بجرير) ، وروى ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (مَا من ذكر وَلَا أُنْثَى إلاّ على رَأسه جرير مَعْقُود حِين يرقد) ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْمجَاز كَأَنَّهُ شبه فعل الشَّيْطَان بالنائم بِفعل السَّاحر بالمسحور، وَقيل: هُوَ من عقد الْقلب وتصميمه فَكَأَنَّهُ يوسوس بِأَن عَلَيْك لَيْلًا طَويلا فَيتَأَخَّر عَن الْقيام بِاللَّيْلِ، وَقَالَ صَاحب (النِّهَايَة) : المُرَاد مِنْهُ تثقيله فِي النّوم وإطالته، فَكَأَنَّهُ قد سد عَلَيْهِ سدا وَعقد عَلَيْهِ عقدا. وَقَالَ ابْن بطال: قد فسر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، معنى العقد بقوله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) ، فَكَأَنَّهُ يَقُولهَا إِذا أَرَادَ النَّائِم الاستيقاظ. وَقَالَ ابْن بطال أَيْضا: وَرَأَيْت لبَعض من فسر هَذَا الحَدِيث العقد الثَّلَاث هِيَ: الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم. وَقَالَ أَلا يرى أَنه من أَكثر الْأكل وَالشرب أَنه يكثر النّوم لذَلِك؟ واستبعد بَعضهم هَذَا القَوْل لقَوْله فِي الحَدِيث: (إِذا هُوَ نَام) ، فَجعل العقد حِينَئِذٍ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ مثل، واستعاره من عقد بني آدم، وَلَيْسَ المُرَاد العقد نَفسهَا، وَلَكِن لما كَانَ بَنو آدم يمْنَعُونَ بعقدهم ذَلِك تصرف من يحاول فِيمَا عقده كَأَن هَذَا مثله من الشَّيْطَان للنائم الَّذِي لَا يقوم من نَومه إِلَى مَا يحب من ذكر الله تَعَالَى وَالصَّلَاة.
وَأما الشَّيْطَان: فَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس، وَيكون فَاعل ذَلِك القرين أَو غَيره من أعوان الشَّيْطَان. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ رَأس الشَّيَاطِين وَهُوَ إِبْلِيس لَعنه الله. قلت: يُعَكر عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا: أَن النائمين عَن قيام اللَّيْل كثير لَا يُحْصى، فإبليس لَا يلحقهم بذلك إلاّ أَن يكون جَوَاز نِسْبَة ذَلِك إِلَيْهِ لكَونه آمرا لأعوانه بذلك، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَيْهِ وَالْآخر: أَن مَرَدَة الشَّيَاطِين يصفدون فِي شهر رَمَضَان وأكبرهم إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة.
قَوْله: (على قافية رَأس أحدكُم) أَي: مُؤخر عُنُقه، وَقد ذكرنَا أَن قافية كل شَيْء مؤخره، وَمِنْه قافية القصيدة، وَفِي (الْمُحكم) : القافية: هِيَ الْقَفَا، وَقيل: هِيَ وسط الرَّأْس. قَوْله: (إِذا هُوَ نَام) ، أَي: حِين نَام، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا: (إِذا هُوَ نَام) ، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي (إِذا هُوَ نَائِم) على وزن اسْم الْفَاعِل، وَقَالَ بَعضهم: وَالْأول أصوب وَهُوَ الَّذِي فِي (الْمُوَطَّأ) قلت: رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لَا تدل على أَن ذَلِك أصوب، بل الظَّاهِر أَن رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي أصوب لِأَنَّهَا جملَة إسمية وَالْخَبَر فِيهَا إسم. قَوْله: (ثَلَاث عقد) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: (يعْقد) ، وَالْعقد، بِضَم الْعين وَفتح الْقَاف: جمع عقدَة. قَوْله: (يضْرب على كل عقدَة) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (على مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَمعنى يضْرب، يضْرب بِيَدِهِ على كل عقدَة، ذكر هَذَا تَأْكِيدًا وإحكاما لما يَفْعَله، وَقيل: يضْرب بالرقاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف} (الْكَهْف: ١١) . وَمَعْنَاهُ: حجب الْحس عَن النَّائِم حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظ. قَوْله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) أَي: يضْرب قَائِلا: عَلَيْك ليل طَوِيل، وَوَقع فِي جَمِيع رِوَايَات البُخَارِيّ هَكَذَا: (ليل طَوِيل) بِالرَّفْع فيهمَا، فارتفاع: ليل، بِالِابْتِدَاءِ، و: عَلَيْك، خَبره مقدما وارتفاع: طَوِيل، بالوصفية. وَيجوز أَن يكون ارْتِفَاع: ليل، بِفعل مَحْذُوف وَتَقْدِيره: بَقِي عَلَيْك ليل طَوِيل، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل الْمَحْذُوف، أَي: يضْرب كل عقدَة قَائِلا هَذَا الْكَلَام، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي مُصعب فِي (الْمُوَطَّأ) عَن مَالك: (عَلَيْك لَيْلًا طَويلا) ، وَهِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فِي رِوَايَة مُسلم. قَالَ عِيَاض: رِوَايَة الْأَكْثَرين عَن مُسلم بِالنّصب على الإغراء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرّفْع أولى من جِهَة الْمَعْنى لِأَنَّهُ الأمكن فِي الْغرُور من حَيْثُ إِنَّه يُخبرهُ عَن طول اللَّيْل: ثمَّ يَأْمُرهُ بالرقاد بقوله: (فارقد) ، وَإِذا نصب على الإغراء لم يكن فِيهِ إلاّ الْأَمر بملازمة طول الرقاد، وَحِينَئِذٍ يكون قَوْله: (فارقد) ضائعا. قلت: لَا نسلم أَنه يكون ضائعا، بل يكون تَأْكِيدًا ثمَّ إِن مَقْصُود الشَّيْطَان بذلك تسويفه بِالْقيامِ والإلباس عَلَيْهِ. قَوْله (فَذكر الله انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ وَكَذَلِكَ قَوْله: (فَإِن تَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ. وَقَوله: (فَإِن صلى انْحَلَّت عقدَة) بِضَم الْعين بِلَفْظ الْجمع هَذَا الاخلاف فِيهِ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَوَقع لبَعض رُوَاة الْمُوَطَّأ بِالْإِفْرَادِ وَذكر ابْن قرقول انه اخْتلف فِي الْأَخِيرَة مِنْهَا، فَوَقع فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لِابْنِ وضاح
انْحَلَّت عقد) على الْجمع، وَكَذَا ضبطناه فِي البُخَارِيّ وَفِي غَيرهمَا: (عقدَة) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَالْجمع أولى لَا سِيمَا وَقد جَاءَ مُسلم فِي الأولى: عقدَة وَفِي الثَّانِيَة: عقدان، وَفِي الثَّالِثَة: انْحَلَّت العقد. قَوْله: (أصبح نشيطا) أَي: لسروره بِمَا وَفقه الله تَعَالَى من الطَّاعَة وَطيب النَّفس لما بَارك الله لَهُ فِي نَفسه وتصرفه فِي كل أُمُوره، وَبِمَا زَالَ عَنهُ من عقد الشَّيْطَان. قَوْله: (وإلاّ أصبح خَبِيث النَّفس) يَعْنِي: بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اعتاده أَو نَوَاه من فعل الْخَيْر. قَوْله: (كسلان) يَعْنِي: بِبَقَاء أثر تثبيط الشَّيْطَان عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَن مُقْتَضى (وإلَاّ أصبح) أَن من لم يجمع الْأُمُور الثَّلَاثَة: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَهُوَ دَاخل تَحت من يصبح خبيثا كسلان وَإِن أَتَى بِبَعْضِهَا. قلت: فعلى هَذَا تَقْدِير الْكَلَام: وَإِن لم يذكر وَلم يتَوَضَّأ وَلم يصل يصبح خَبِيث النَّفس كسلان.
الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِن أَبَا بكر وَأَبا هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَا يوتران أول اللَّيْل وينامان آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد: الَّذِي ينَام وَلَا نِيَّة لَهُ فِي الْقيام، وَأما من صلى من النَّافِلَة مَا قدر لَهُ ونام بنية الْقيام فَلَا يدْخل فِي ذَلِك، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : بِدَلِيل قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من امرىء يكون لَهُ صَلَاة بلَيْل فغلبه عَلَيْهَا نوم إلَاّ كتب لَهُ أجر صلَاته، وَكَانَ نَومه صَلَاة) . ذكره ابْن التِّين قلت: روى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فِي: بَاب من نوى أَن يُصَلِّي من اللَّيْل، من حَدِيث شُعْبَة، قَالَ أَبُو ذَر وَأَبُو الدَّرْدَاء، شكّ شُعْبَة: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد يحدث نَفسه بِقِيَام سَاعَة من اللَّيْل فينام عَنْهَا إلَاّ كَانَ نَومه صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْهِ وَكتب لَهُ أجر مَا نوى) .
وَمِنْهَا مَا قيل: فِي هَذَا الحَدِيث مَا يُعَارض قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَقُولَن أحدكُم خبثت نَفسِي؟) وَأجِيب: بِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن إِضَافَة الْمَرْء ذَلِك إِلَى نَفسه كَرَاهَة لتِلْك الْكَلِمَة، وَهَذَا الحَدِيث وَقع ذما لفعله، وَلكُل من الْخَبَرَيْنِ وَجه، وَقَالَ الْبَاجِيّ: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين اخْتِلَاف لِأَنَّهُ نهي عَن إِضَافَة ذَلِك إِلَى النَّفس، لكَون الْخبث فَمَعْنَى فَسَاد الدّين، وَوصف بعض الْأَفْعَال بذلك تحذيرا مِنْهَا وتنفيرا.
وَمِنْهَا مَا قيل: مَا فَائِدَة تَقْيِيد العقد بِالثلَاثِ؟ وَأجِيب: بإنه أما تَأْكِيد وَإِمَّا لِأَن مَا ينْحل بِهِ العقد ثَلَاثَة أَشْيَاء: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَكَانَ الشَّيْطَان منع عَن كل وَاحِد مِنْهَا بعقدة عقدهَا على قافيته.
وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه تَخْصِيص قافية الرَّأْس بِضَرْب العقد عَلَيْهَا. وَأجِيب بِأَنَّهَا مَحل الواهمة وَمحل تصرفها، وَهِي أطوع القوى للشَّيْطَان وأسرعها إِجَابَة لدعوته.
وَمِنْهَا مَا قيل: أَنه قد يظنّ أَن بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره أَن قارىء آيَة الْكُرْسِيّ عِنْد نَومه لَا يقربهُ شَيْطَان تعَارض؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد من العقد إِن كَانَ أمرا معنويا، وَمن الْقرب أمرا حسيا أَو بِالْعَكْسِ، فَلَا إِشْكَال، وَإِن كَانَ كِلَاهُمَا معنويا أَو بِالْعَكْسِ فَيكون أَحدهمَا مَخْصُوصًا، وَالْأَقْرَب أَن يكون حَدِيث الْبَاب مَخْصُوصًا بِمن لم يقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ لطرد الشَّيْطَان.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الذّكر يطرد الشَّيْطَان، وَكَذَا الْوضُوء وَالصَّلَاة، وَلَا يتَعَيَّن للذّكر شَيْء مَخْصُوص لَا يجزىء غَيره، بل كل مَا يصدق عَلَيْهِ، ذكر الله تَعَالَى أَجزَأَهُ، وَيدخل فِيهِ تِلَاوَة الْقُرْآن، وَأولى مَا يذكر فِيهِ مَا سَيَجِيءُ فِي: بَاب فضل من تعار من اللَّيْل، إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت: كَيفَ حكم الْجنب؟ فَهَل تحل عقدته بِالْوضُوءِ؟ قلت: لَا تحل إلاّ بالاغتسال وَتَخْصِيص الْوضُوء بِالذكر لكَونه الْغَالِب، وَالتَّيَمُّم يقوم مقامهما عِنْد جَوَازه، وَالله أعلم.
٣٤١١ - حدَّثنا مُؤَمِّلُ بنُ هِشَامٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا عَوفٌ قَالَ حدَّثنا أبُو رَجَاءٍ قَالَ حدَّثَنَا سَمْرَةُ بنُ جُنْدَبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرُّؤيَا قَالَ أمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأسُهُ بِالحَجَرِ فإنَّهُ يَأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنَامُ عنِ الصَّلَاة المَكْتُوبَةِ..
زعم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن حَدِيث سَمُرَة هَذَا لَا يدْخل فِي هَذَا الْبَاب لِأَن رفض الْقُرْآن لَيْسَ ترك الصَّلَاة بِاللَّيْلِ. قلت: حفظ شَيْئا وَغَابَ عَنهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ، فَفِي الحَدِيث: (وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) ، وَالْمرَاد مِنْهَا الْعشَاء الْآخِرَة، فَأَي مُنَاسبَة تطلب بِأَكْثَرَ من هَذَا؟
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُؤَمل، بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول: ابْن هِشَام الْبَصْرِيّ ختن شَيْخه إِسْمَاعِيل بن علية، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام، وَعليَّة اسْم أمه، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم الْأَسدي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث أَو أَربع وَتِسْعين وَمِائَة بِبَغْدَاد. الثَّالِث: عَوْف الْأَعرَابِي، مر فِي: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان. الرَّابِع: أَبُو رَجَاء، بخفة الْجِيم وبالمد: اسْمه عمرَان بن ملْحَان العطاردي.
الْخَامِس: سَمُرَة بن جُنْدُب، بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا، مر فِي آخر كتاب الْحيض.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: الْإِسْنَاد كُله بِصِيغَة التحديث فِي صُورَة الْجمع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم بصريون. وَفِيه: سَمُرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعنعنة. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: إِسْمَاعِيل مَذْكُور باسم أمه. وَفِيه: عَوْف مَذْكُور بِغَيْر نِسْبَة. وَفِيه: أَبُو رَجَاء مَذْكُور بكنيته.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ مقطعا فِي مَوَاضِع، وَتَمَامه يَأْتِي فِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز، وَأخرجه فِي الْبيُوع وَالْجهَاد وبدء الْخلق وَالْأَدب وَأَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي التَّفْسِير وَفِي التَّعْبِير. وَأخرجه مُسلم فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن بشار وَبُنْدَار مُخْتَصرا كَمَا هَهُنَا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُعْتَمر عَن عَوْف بِتَمَامِهِ وَفِي التَّفْسِير عَن جمَاعَة عَن عَوْف بِأَكْثَرَ الحَدِيث.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يثلغ) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح اللَّام وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: يكسر، قَالَ الْجَوْهَرِي: أَي ثلغ رَأسه يثلغه، بِفَتْح اللَّام فيهمَا: ثلغا أَي: شدخه، والشدخ: كسر الشَّيْء الأجوف. قلت: كلمة: أما، لَا بُد لَهَا من قسيم فَمَا هُوَ هَهُنَا؟ قلت: قد قلت لَك أَن البُخَارِيّ قد قطع هَذَا الحَدِيث، وَسَيَأْتِي تَمَامه فِي: بَاب الْجَنَائِز، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (فيرفضه) ، بِضَم الْفَاء وَكسرهَا أَي: يتْرك حفظه وَالْعَمَل بِهِ، وَأما الَّذِي يتْرك حفظ حرفه وَيعْمل بمعاني فَلَيْسَ برافض لَهُ، وَأما الَّذِي يرفض كليهمَا فَذَاك لعقد الشَّيْطَان فِيهِ، فَوَقَعت الْعقُوبَة فِي مَوضِع الْمعْصِيَة. قَوْله: (وينام عَن الصَّلَاة) ، يَعْنِي ذاهلاً عَنْهَا حَتَّى يخرج وَقتهَا وتفوت مِنْهُ. قَوْله: (الْمَكْتُوبَة) أَي: الْمَفْرُوضَة، وَأَرَادَ بهَا: صَلَاة الْعشَاء. وَقيل: أَرَادَ بهَا صَلَاة الصُّبْح لِأَنَّهَا الَّتِي تبطل بِالنَّوْمِ.
٣١ - (بابُ إذَا نامَ ولَمْ يُصَلِّ بالَ الشَّيْطَانُ فِي أذُنِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا نَام ... إِلَى آخِره. وَوَقعت هَذِه التَّرْجَمَة للمستملي وَحده، وللباقين: بَاب، فَقَط من غير ذكر شَيْء، فَكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَة فصل للباب السَّابِق، وتعلقه بِهِ ظَاهر، وَهُوَ فِي قَوْله فِي الحَدِيث السَّابِق: (وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) ، وَهنا فِي قَوْله: مَا زَالَ نَائِما حَتَّى أصبح) .
٤٤١١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الأحْوَصِ قَالَ حدَّثنا مَنْصُورٌ عنْ أبِي وائِلٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قالَ ذُكِرَ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَجُلُ فَقِيلَ مَا زَالَ نائِما حَتَّى أصْبَحَ مَا قامَ إلَى الصَّلَاةِ فقالَ بالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ.
(الحَدِيث ٤٤١١ طرفه فِي: ٠٧٢٣) .
مطابقته للباب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين ظَاهِرَة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي أظهر.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْأَحْوَص: سَلام بن سليم، وَمَنْصُور ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي، وَأَبُو الْأَحْوَص وَمَنْصُور وَأَبُو وَائِل كوفيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة إِبْلِيس عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عُثْمَان وَإِسْحَاق كِلَاهُمَا عَن جرير بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن عبد الْعَزِيز عبد الصَّمد عَنهُ بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن جرير بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَقيل: مَا زَالَ نَائِما) أَي: قَالَ رجل مِمَّن كَانَ فِي الْمجْلس: مَا زَالَ هَذَا الرجل نَائِما حَتَّى أصبح. وَفِي رِوَايَة جرير عَن مَنْصُور فِي بَدْء الْخلق: (رجل نَام لَيْلَة حَتَّى أصبح) . قَوْله: (مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة) ، اللَّام فِيهِ للْجِنْس، وَيجوز أَن تكون للْعهد، وَيُرَاد بهَا الْمَكْتُوبَة، وَهُوَ الظَّاهِر كَمَا قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ حَيْثُ قَالَ: هَذَا عندنَا نَام عَن الْفَرِيضَة. وَأخرج ابْن حبَان من طَرِيق سُفْيَان، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن حَدثنَا عَليّ بن حَرْب أخبرنَا الهاشم بن يزِيد الحرمي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سَلمَة بن كهيل عَن أبي الْأَحْوَص (عَن عبد الله، قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن رجل نَام حَتَّى أصبح
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56