«أَنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ ﵁ أَرِنِي النَّبِيَّ ﷺ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٣٦

الحديث رقم ١٥٣٦ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن يعلى قال لعمر ﵁ أرني النبي ﷺ حين يوحى…

«أَنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ أَرِنِي النَّبِيَّ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ بِالْجِعْرَانَةِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَسَكَتَ النَّبِيُّ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى فَجَاءَ يَعْلَى وَعَلَى رَسُولِ اللهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ وَهْوَ يَغِطُّ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ: اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ» قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَرَادَ الْإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ نَعَمْ.

سند حديث: ١٥٣٦ - قَالَ أَبُو عَاصِمٍ : أَخْبَرَنَا…

١٥٣٦ - قَالَ أَبُو عَاصِمٍ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن يعلى قال لعمر ﵁ أرني النبي ﷺ حين يوحى…

قال يعلى بن أمية لعمر رضي الله عنهما : أخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الوحي لأراه في أثناء ذلك وأتعرف على كيفية نزوله عليه. فبينما النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة -وهو موضع بين مكة والطائف، يحرم منه مريد العمرة لمن كان بمكة- إذ جاءه رجل فأخبره أنه أحرم بعمرة وهو متلطخ بالطيب في ثوبه وبدنه فماذا يفعل؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن إجابته، ولم يجبه فورًا بعد سؤاله، فجاءه الوحي فأشار عمر بيده ليعلى لكي يحضر عند النبي صلى الله عليه وسلم ويرى كيفية نزول الوحي عليه، فجاء يعلى وكان على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب قد أُظِل به، فأدخل رأسه من تحت الثوب، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمر الوجه، تتردد أنفاسه بصوت مسموع، ثم انقطع عنه نزول الوحي فهدأت نفسه. فقال للرجل: كرر غسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، فأمره بإزالة أثر الطيب عن بدنه وثوبه، وأمره بخلع الجبة لأنها مخيط، وأن يصنع في عمرته كما يصنع في حجته من اجتناب الطيب وغيره؛ لأن محظورات الحج والعمرة واحدة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تحريم التطيب عند الإحرام بالنسبة إلى الثياب، بكل ما يبقى أثره لونًا أو رائحةً، أما الطيب على البدن عند الإحرام فالجمهور على أنه لا يكره، بل يستحب.
  • من لبس مخيطًا أو أصاب طيبًا وهو محرم ناسيًا أو جاهلًا، ثم بادر بإزالته لا فدية عليه، وكذلك المحظورات الأخرى.
  • أنّ محظورات الحج والعمرة واحدة.
  • أن السنة وحي من الله -تعالى-.
  • ما كان يحصل للنبي -صلى الله عليه وسلم- من الشدة أثناء نزول الوحي.
  • أن المفتي إذا لم يعلم حكم المسألة أمسك عن جوابها حتى يعلمه.
  • جواز نظر الرجل إلى غيره وهو مغطى بشيء وإدخال رأسه في غطائه إذا علم أنه لا يكره ذلك منه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن يعلى قال لعمر ﵁ أرني النبي ﷺ حين يوحى…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْوَحْدَةَ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْفِعْلِ الْوَاقِعِ مِنَ الْقِرَانِ إِذْ ذَاكَ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ بِلَفْظِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الْعَقِيقِ كَفَضْلِ الْمَدِينَةِ وَفَضْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ نُزُولِ الْحَاجِّ فِي مَنْزِلَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْبَلَدِ وَمَبِيتِهِمْ بِهَا لِيَجْتَمِعَ إِلَيْهِمْ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ مِمَّنْ أَرَادَ مُرَافَقَتَهُمْ، وَلِيَسْتَدْرِكَ حَاجَتَهُ مَنْ نَسِيَهَا مَثَلًا فَيَرْجِعَ إِلَيْهَا مِنْ قَرِيبٍ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ أُرِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ فِي الْمَنَامِ. وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: رُؤيَ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ؛ أَيْ رَآهُ غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُعَرَّسٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي مُعَرَّسٍ بِالتَّنْوِينِ، وَقَوْلُهُ: بِبَطْنِ الْوَادِي تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّهُ وَادِي الْعَقِيقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ) هُوَ مَقُولُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: يَتَوَخَّى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَقْصِدُ، وَالْمُنَاخُ بِضَمِّ الْمِيمِ الْمَبْرَكُ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَسْفَلَ) بِالنَّصْبِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. وَقَوْلُهُ: بَيْنَهُ أَيْ بَيْنَ الْمُعَرَّسِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ: بَيْنَهُمْ؛ أَيْ بَيْنَ النَّازِلِينَ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ، وَقَوْلُهُ: وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ بَطْنِ الْوَادِي وَبَيْنَ الطَّرِيقِ، وَعِنْدَ أَبِي ذَرٍّ: وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ بِالنَّصْبِ.

١٧ - بَاب غَسْلِ الْخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ الثِّيَابِ

١٥٣٦ - قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ : أَرِنِي النَّبِيَّ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ بِالْجِعْرَانَةِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَعْلَى - وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ - فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ وَهُوَ يَغِطُّ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنْ الْعُمْرَةِ؟ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقَالَ: اغْسِلْ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَادَ الْإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.

[الحديث ١٥٣٦ - أطرافه في: ١٧٨٩، ١٨٤٧، ٤٣٢٩، ٤٩٨٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الْخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ) الْخَلُوقُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ مُرَكَّبٌ فِيهِ زَعْفَرَانٌ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَاصِمٍ) هُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ أَرَهُ عَنْهُ إِلَّا بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَا خَبَرٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فَقَالَ: ذُكِرَهُ بِلَا رِوَايَةٍ. وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَعْمَرٍ أَوِ ابْنُ بَشَّارٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْمَتْنِ ذِكْرُ الْخَلُوقِ وَإِنَّمَا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهُوَ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ بِلَفْظِ: وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْخَلُوقِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ يَعْلَى) هُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ التَّمِيمِيُّ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُنْيَةَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَقِيلَ: جَدَّتُهُ، وَهُوَ وَالِدُ صَفْوَانَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ، وَلَيْسَتْ رِوَايَةُ صَفْوَانَ عَنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِوَاضِحَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: إِنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ يَعْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ، فَإِنْ يَكُنْ صَفْوَانُ حَضَرَ مُرَاجَعَتَهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: عَنْ صَفْوَانِ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (جَاءهَ رَجُلٌ) سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ

بِلَفْظِ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ فَتْحُونٍ فِي الذَّيْلِ عَنْ تَفْسِيرِ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّ اسْمَهُ عَطَاءُ بْنُ مُنْيَةَ، قَالَ ابْنُ فَتْحُونٍ: إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ أَخُو يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ رَاوِي الْخَبَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَطَأٌ مِنَ اسْمِ الرَّاوِي، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ عَطَاءٍ، وَيَعْلَى أَحَدًا، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ مَا نَصُّهُ: هَذَا الرَّجُلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَمْرَو بْنَ سَوَادٍ؛ إِذْ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَأَنَا مُتَخَلِّقٌ، فَقَالَ: وَرْسٌ وَرْسٌ، حُطَّ حُطَّ، وَغَشِيَنِي بِقَضِيبٍ بِيَدِهِ فِي بَطْنِي فَأَوْجَعَنِي، الْحَدِيثَ. فَقَالَ شَيْخُنَا: لَكِنْ عَمْرٌو هَذَا لَا يُدْرَكُ ذَا، فَإِنَّهُ صَاحِبُ ابْنِ وَهْبٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَهُوَ مُعْتَرَضٌ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَمَّا أَوَّلًا فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ شَبِيهَةً بِهَذِهِ الْقِصَّةِ حَتَّى يُفَسَّرَ صَاحِبُهَا بِهَا، وَأَمَّا ثَانِيًا فَفِي الِاسْتِدْرَاكِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ، لَا يُتَخَيَّلُ فِيهِ أَنَّهُ صَاحِبُ ابْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ، بَلْ إِنْ ثَبَتَ فَهُوَ آخَرُ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَهُ وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِيهِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ عَلَى شَيْخِنَا، وإِنَّمَا الَّذِي فِي الشِّفَاءِ سَوَادُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ: سَوَادَةُ بْنُ عَمْرٍو، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْمَذْكُورَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ وَالْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَفْصِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ يَعْلَى أَنَّهُ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ وَهُوَ مُتَخَلِّقٌ، فَقَالَ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ. فَقَدْ يَتَوَهَّمُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ هُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ الثَّقَفِيُّ، وَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ قِصَّةِ صَاحِبِ الْإِحْرَامِ. نَعَمْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ زِيَادٍ الْوَضَّاحِيُّ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ يَنْزِعَهَا. قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: إِنَّمَا كُنَّا نَرَى أَنْ نَشُقَّهَا، فَقَالَ عَطَاءٌ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.

قَوْلُهُ: (قَدْ أُظِلَّ بِهِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ جُعِلَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ حِينَئِذٍ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ - وَهُوَ الْإِتْمَامُ - يَسْتَدْعِي وُجُوبَ اجْتِنَابِ مَا يَقَعُ فِي الْعُمْرَةِ.

قَوْلُهُ: (يَغِطُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ يَنْفُخُ. وَالْغَطِيطُ صَوْتُ النَّفْسِ الْمُتَرَدِّدِ مِنَ النَّائِمِ أَوِ الْمُغْمَى، وَسَبَبُ ذَلِكَ شِدَّةُ ثِقَلِ الْوَحْيِ، وَكَانَ سَبَبُ إِدْخَالِ يَعْلَى رَأْسَهُ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ لَوْ رَآهُ فِي حَالَةِ نُزُولِ الْوَحْيِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ حِينَئِذٍ: تَعَالَ فَانْظُرْ، وَكَأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَشُقُّ عَلَى النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (سُرِّيَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ؛ أَيْ كُشِفَ عَنْهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

قَوْلُهُ: (اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ) هُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَمَا تَصْنَعُ وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ بِلَفْظِ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ: وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ. وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَعْمَالَ الْحَجِّ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كَأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَخْلَعُونَ الثِّيَابَ وَيَجْتَنِبُونَ الطِّيبَ فِي الْإِحْرَامِ إِذَا حَجُّوا، وَكَانُوا يَتَسَاهَلُونَ فِي ذَلِكَ فِي الْعُمْرَةِ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ أَنَّ مَجْرَاهُمَا وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: قَوْلُهُ واصْنَعْ مَعْنَاهُ اتْرُكْ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ؛ وَهِيَ أَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: أَرَادَ الْأَدْعِيَةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التُّرُوكَ مُشْتَرَكَةٌ بِخِلَافِ الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ فِي الْحَجِّ أَشْيَاءَ زَائِدةً عَلَى الْعُمْرَةِ، كَالْوُقُوفِ

وَمَا بَعْدَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ كَمَا قَالَ ابنُ بَطَّالٍ، وَزَادَ: وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْأَعْمَالِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْحَجُّ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْمَأْمُورُ بِهِ غَيْرُ نَزْعِ الثَّوْبِ وَغَسْلِ الْخَلُوقِ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ لَهُ بِهِمَا فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْفِدْيَةُ.

كَذَا قَالَ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْحَصْرِ، بَلِ الَّذِي تَبَيَّنَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْغَسْلُ وَالنَّزْعُ، وَذَلِكَ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ عَطَاءٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟ قَالَ: أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ الثِّيَابَ وَأَغْسِلُ عَنِّي هَذَا الْخَلُوقَ. فَقَالَ: مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ، وَأَنَّهُ أَعَادَ لَفْظَةَ اغْسِلْهُ مَرَّةً ثُمَّ مَرَّةً عَلَى عَادَتِهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثا لِتُفْهَمَ عَنْهُ، نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْخَلُوقَ كَانَ عَلَى الثَّوْبِ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُتَضَمِّخًا. وَقَوْلُهُ لَهُ: اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ، يُوَضِّحُ أَنَّ الطِّيبَ لَمْ يَكُنْ فِي ثَوْبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْجُبَّةِ لَكَانَ فِي نَزْعِهَا كِفَايَةٌ مِنْ جِهَةِ الْإِحْرَامِ اهـ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ عَلَى عَادَتِهِ يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ، وَسَيَأْتِي فِي محُرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: عَلَيْهِ قَمِيصٌ فِيهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ. وَالْخَلُوقُ فِي الْعَادَةِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الثَّوْبِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ بِلَفْظِ: رَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ جُبَّةٌ عَلَيْهَا أَثَرُ خَلُوقٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ رَبَاحِ بْنِ أَبِي مَعْرُوفٍ، عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَمَنْصُورٌ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ وَعَلَيَّ جُبَّتِي هَذِهِ. وَعَلَى جُبَّتِهِ رَدْغٌ مِنْ خَلُوقٍ، الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَقَالَ: اخْلَعْ هَذِهِ الْجُبَّةَ وَاغْسلْ هَذَا الزَّعْفَرَانَ.

وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ يَعْلَى عَلَى مَنْعِ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لِلْأَمْرِ بِغَسْلِ أَثَرِهِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ قِصَّةَ يَعْلَى كَانَتْ بِالْجِعِرَّانَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهِيَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ بِلَا خِلَافٍ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَيَّبَتْ رَسُولَ اللَّهِ بِيَدَيْهَا عِنْدَ إِحْرَامِهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الَّذِي بَعْدَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنَ الْأَمْرِ، وَبِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِغَسْلِهِ فِي قِصَّةِ يَعْلَى إِنَّمَا هُوَ الْخَلُوقُ لَا مُطْلَقُ الطِّيبِ، فَلَعَلَّ عِلَّةَ الْأَمْرِ فِيهِ مَا خَالَطَهُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ. وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ تَزَعْفُرِ الرَّجُلِ مُطْلَقًا مُحْرِمًا وَغَيْرَ مُحْرِمٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي قَرِيبًا: وَلَا يَلْبَسُ - أَيِ الْمُحْرِمُ - مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَعْفَرَان. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي أَيْضًا: وَلَمْ يَنْهَ إِلَّا عَنِ الثِّيَابِ الْمُزَعْفَرَةِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي ذَلِكَ في الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ طِيبٌ فِي إِحْرَامِهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَ فَبَادَرَ إِلَى إِزَالَتِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ: يَجِبُ مُطْلَقًا، وَعَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا صَارَ عَلَيْهِ الْمَخِيطُ نَزَعَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ تَمْزِيقُهُ وَلَا شَقُّهُ خِلَافًا لِلنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ؛ حَيْثُ قَالَا: لَا يَنْزِعُهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَصِيرَ مُغَطِّيًا لِرَأْسِهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا.

وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَكَذَا عَنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي قِلَابَةَ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، فَخَلَعَهَا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ. وَعَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ وَالْحَاكِمَ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْحُكْمَ يُمْسِكُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ، وَعَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ ثَبَتَ بِالْوَحْيِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُتْلَى، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَعَلَى أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَكُنْ يَحْكُمْ بِالِاجْتِهَادِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَحْضُرْهُ الْوَحْيُ.

١٨ - بَاب الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَمَا يَلْبَسُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَتَرَجَّلَ وَيَدَّهِنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«وسطًا» بعد قوله: «بين» وإن كان معلومًا منه ليبيِّن أنَّه (١) في حاقِّ الوسط من غير قربٍ لأحد الجانبين.

(١٧) (بابُ غَسْلِ الخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ) بفتح الخاء وضمِّ اللَّام مُخفَّفةً وآخره قافٌ: ضربٌ من الطِّيب يُعمَل فيه زعفرانٌ.

١٥٣٦ - وبالسَّند قال: (قَالَ أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل، كذا أورده (٢) بصيغة التَّعليق، وبه جزم الإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ، وقِيلَ: إنَّه وقع في نسخةٍ أو روايةٍ: «حدَّثنا أبو عاصمٍ» قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ: (أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (يَعْلَى) يعني: ابن أميَّة التَّميميَّ، المعروف بابن مُنْيَة؛ بضمِّ الميم وسكون النُّون

وفتح التَّحتيَّة وهي أمُّه، وقيل: جدَّته (قَالَ لِعُمَرَ) بن الخطَّاب (: أَرِنِي النَّبِيَّ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ بِالجِعِْرَانَةِ) بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الرَّاء، كما ضبطه جماعةٌ من اللُّغويِّين ومحقِّقي المحدِّثين، ومنهم من ضبطه بكسر العين وتشديد الرَّاء، وعليه أكثر المحدِّثين، قال صاحب «المطالع»: أكثر المحدِّثين يشدِّدونها، وأهل الأدب يخطِّئونهم ويخفِّفونها، وكلاهما صوابٌ (وَمَعَهُ) (نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) جماعةٌ منهم، والواو للحال، وكان ذلك في سنة ثمانٍ، وجواب «بينما» قوله: (جَاءَهُ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرف اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في «الذَّيل» عن «تفسير الطُّرطوشيِّ» أنَّ اسمَه: عطاءُ ابن منية، قال ابن فتحون: فإن ثبت ذلك فهو أخو يعلى الرَّاوي (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهْوَ مُتَضَمِّخٌ) بالضَّاد والخاء المعجمتين، أي: متلطِّخٌ (١) (بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَعْلَى وَعَلَى رَسُولِ اللهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ) بضمِّ الهمزة وكسر الظَّاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، والنَّائب عن الفاعل ضميرٌ يعود على النَّبيِّ ، أي: جُعِل الثَّوب له كالظُّلَّة يستظلُّ به (٢) (فَأَدْخَلَ) يعلى (رَأْسَه) ليراه حال نزول الوحي، وهو محمولٌ على أنَّ عمر ويعلى عَلِمَا أنَّه لا يكره الاطِّلاع عليه في ذلك الوقت لأنَّ فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حال الوحي الكريم (فَإِذَا رَسُولُ اللهِ مُحْمَرُّ الوَجْهِ وَهُوَ يَغِطُّ) بغينٍ معجمةٍ مكسورةٍ وطاءٍ مهملةٍ مُشدَّدةٍ من الغطيط؛ وهو صوت النَّفَس المتردِّد من النَّائم من شدَّة ثقل الوحي (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) ؛ بسينٍ مهملةٍ مضمومةٍ وراءٍ مُشدَّدةٍ، أي: كُشِف عنه شيئًا فشيئًا، ورُوِي بتخفيف الرَّاء، أي: كُشِف عنه ما يتغشَّاه من ثقل الوحي، يُقال: سروتُ الثَّوب وسَرَيْتُه: نزعته، والتَّشديد أكثر لإفادة التَّدريج (فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ) : (اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) استُدِلَّ به على منع استدامة الطِّيب بعد الإحرام، للأمر بغسل أثره من

الثَّوب والبدن لعموم قوله: «اغسل الطِّيب الذي بك» وهو قول مالكٍ ومحمَّد بن الحسن، وأجاب الجمهور بأنَّ قصَّة يعلى كانت بالجعرانة سنة ثمانٍ بلا خلافٍ -كما مرَّ- وقد ثبت عن عائشة [خ¦٥٩٣٠]: أنَّها طيَّبته بيدها في حجَّة الوداع سنة عشرٍ بلا خلافٍ، وإنَّما يؤخذ بالآخِر فالآخر من الأمر، والظَّاهر أنَّ العامل في «ثلاثَ مرَّاتٍ» أقرب الفعلين إليه وهو «اغسل»، وعليه فيكون قوله: «ثلاثَ مرَّاتٍ» من جملة مقول النَّبيِّ ، وهو نصٌّ في تكرار (١) الغسل، ويحتمل أن يكون العامل فيه «قال» أي: قال له النَّبيُّ : ثلاث مرَّاتٍ اغسل الثَّوب (٢)، فلا يكون فيه تنصيصٌ على أمره بثلاث غسلاتٍ؛ إذ ليس في قوله: «اغسل الطِّيب» تصريحٌ بالغسلات الثَّلاث لاحتمال كون المأمور به غسلةً واحدةً، لكنَّه أكَّد في شأنها، وعلى الأوَّل فهمه ابن المُنيِّر، فإنَّه قال: في الحديث ما يدلُّ على أنَّ المعتبرَ في هذا الباب ذهابُ الجرم الظَّاهر لا الأثر بالكلِّيَّة لأنَّ الصِّباغ لا يزول لونه ولا رائحته بالكلِّيَّة بثلاث مرَّاتٍ، فعلى هذا من غسل الدَّم من ثوبه لم يضرَّه بقاء طبعه. انتهى. لكن لو كان في الحديث ما يدلُّ على أنَّ الخلوق كان في الثَّوب أمكن ما قاله، ولكنَّ ظاهره أنَّ الخلوق كان في بدنه لا في ثيابه لقوله: «وهو متضمِّخٌ بطيبٍ»، وإذا كان الخلوق في البدن أمكن أن تزول رائحته ولونه بالكلِّيَّة بغسله ثلاث مرَّاتٍ؛ لأنَّ علوق الطِّيب بالبدن أخفُّ من علوقه بالثَّوب، قاله في «المصابيح».

(وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما تصنع في حجِّك» بإسقاط كاف «كما» وتاء «حجَّتك»، وفيه: دلالةٌ على أنَّه كان يعرف أعمال (٣) الحجِّ قبل ذلك، وعند مسلمٍ والنَّسائيِّ من طريق سفيان عن عمرو بن دينارٍ عن عطاءٍ في هذا الحديث، فقال: «ما كنتَ صانعًا في حجِّك؟ قال: أنزع عنِّي هذه الثِّياب، وأغسل عنِّي هذا الخلوق، فقال: ما كنت صانعًا في حجِّك فاصنعه في عمرتك» أي: فلمَّا ظنَّ أنَّ العمرة ليست كالحجِّ قال له: إنَّها كالحجِّ في ذلك، وقد تبيَّن (٤) أنَّ المأمور به في قوله: «اصنع» الغسلُ والنَّزعُ.

قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَادَ) (الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ) (أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ

مَرَّاتٍ، قَالَ: نَعَمْ) أراد الإنقاء، وهو يؤيِّد الاحتمال الأوَّل، وهو أن يكون (١) «ثلاث مرَّاتٍ» معمولًا لـ «اغسل»، وأنَّه من كلام النَّبيِّ ، وقال الإسماعيليُّ: ليس في الخبر أنَّ الخلوق كان على الثَّوب كما في التَّرجمة، وإنَّما فيه أنَّ الرَّجل كان متضمِّخًا، ولا يُقال لمن طيَّب ثوبه أو صبغه به: متضمِّخٌ (٢)، وقوله : «اغسل الطِّيب الذي بك» يبيِّن أنَّ الطِّيب لم يكن في ثوبه، ولو كان على الجبَّة لكان في نزعها كفايةٌ من جهة الإحرام. انتهى. يعني: فليس بين (٣) الحديث والتَّرجمة مطابقةٌ، وأُجيب بأنَّ المؤلِّف جرى على عادته أن يشير إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده، وقد أورده في «محرَّمات الإحرام» (٤) [خ¦١٨٤٧] من وجهٍ آخر بلفظ: «عليه قميصٌ فيه أثر صُفْرَةٍ» والخلوق في العادة إنَّما يكون في الثَّوب، ولأبي داود الطَّيالسيِّ في «مُسنَده» عن شعبة عن قتادة عن عطاءٍ: رأى النَّبيُّ (٥) رجلًا عليه جبَّةٌ، عليها أثر خلوقٍ، ولـ «مسلمٍ» مثله من طريق رباح بن أبي معروفٍ عن عطاءٍ.

ورواة حديث الباب مكِّيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف عاصم النَّبيل فبصريٌّ، وفي سنده (٦) انقطاعٌ إلَّا إن كان صفوان حضر مراجعة يعلى وعمر، فيكون متَّصلًا؛ لأنَّه قال: «أنَّ يعلى» ولم يقل: إنَّ يعلى أخبره أنَّه قال لعمر.

وأخرجه أيضًا في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٥] و «المغازي» [خ¦٤٣٢٩]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

(١٨) (بابُ) استحباب استعمال (الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ) في البدن والثَّوب ولو للنِّساء (وَمَا يَلْبَسُ)

الشَّخص (إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَتَرَجَّلَُ) بتشديد الجيم والرَّفع عطفًا على قوله: «وما يلبس» وبالنَّصب بـ «أنَّ» مُقدَّرةً، وهو الذي في «اليونينيَّة» لا غير؛ كقوله:

ولُبْسُ عباءةٍ وتَقرَّ عيني ......................

أي: ويسرِّح شعره بالمشط (وَيَدَّهِنَُ) بكسر الهاء مع تشديد الدَّال من الافتعال، معطوفٌ على سابقه، أي: يطلي بالدُّهن.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) فيما وصله سعيد بن منصورٍ: (يَشَُمُّ المُحْرِمُ الرَّيْحَانَ) بفتح شين «يشَُمُّ» على المشهور، وحُكِي ضمُّها (١)، وروى الدَّارقطنيُّ عنه (٢) بسندٍ صحيحٍ: المحرم يشمُّ الرَّيحان، ويدخل الحمَّام، وينزع ضرسه، ويفقأ القرحة، وإن انكسر ظفره أماط عنه الأذى، ومذهب الشَّافعيَّة أنَّه يحرم شمُّ الرَّيحان الفارسيِّ، وهو الضَّيْمُران (٣) -بفتح المعجمة وضمِّ الميم- بالقياس على تحريم شمِّ الطِّيب للمُحْرِم لأنَّ معظم الغرض منه رائحته الطَّيِّبة، وكرهه مالكٌ والحنفيَّة، وتوقَّف أحمد.

وقال (٤) أيضًا ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (وَيَنْظُرُ فِي المِرْآةِ) بكسر الميم وسكون الرَّاء بوزن «مِفْعَالٍ»، ونُقلِ كراهته عن القاسم بن محمَّدٍ، وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتَِ وَالسَّمْنَِ) بالجرِّ فيهما، وصحَّح عليه ابن مالكٍ بدلًا من الموصول المجرور بالباء، وبالنَّصب، قال الزَّركشيُّ وغيره: إنَّه المشهور، وليس المعنى عليه، فإنَّ الذي يأكل هو الآكل لا المأكول. انتهى. قال في «المصابيح»: لِمَ لا يجوز على النَّصب أن يكون بدلًا من العائد إلى «ما» الموصولة (٥)؟ أي: بما يأكله الزَّيت والسَّمن، فالذي

يأكله حينئذٍ هو المأكول لا الآكل، ثمَّ قال: فإن قلت: يلزم عليه حذف المُبدَل منه، وأجاب بأنَّه قد قِيلَ به في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ﴾ [النحل: ١١٦] فقال قومٌ: إنَّ «الكذب» بدلٌ من مفعول «تصف» المحذوف، أي: لما تصفه، وقِيلَ به أيضًا في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١] أي: كما أرسلناه، و «رسولًا» بدلٌ من الضَّمير المحذوف، قال: والزَّركشيُّ ظنَّ أنَّ «الزَّيت» مفعول «أكل»، فقال: إنَّ الذي يأكل الزَّيت مثلًا عبارةٌ عن الآكل لا المأكول، والمطلوب هو جواز التَّداوي بالمأكول، فلا يتأتَّى المعنى المراد، وقد استبان لك تأتِّيه بما قلناه (١). انتهى.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (يَتَخَتَّمُ) أي: يلبس الخاتم (وَيَلْبَسُ الهِمْيَانَ) بكسر الهاء وسكون الميم، قال القزَّاز (٢): فارسيٌّ مُعرَّبٌ يشبه تِكَّة السَّراويل، تُجعَل فيه الدَّراهم، ويُشَدُّ على الوسط.

(وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ ) ممَّا وصله الإمام الشَّافعيُّ من طريق طاوسٍ (وَهُوَ مُحْرِمٌ) الواو للحال (وَقَدْ حَزَمَ) بفتح الحاء المهملة والزَّاي، أي: شدَّ (عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ، وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ ) فيما (٣) وصله سعيد بن منصورٍ (بِالتُّبَّانِ بَأْسًا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد المُوحَّدة: سراويل قصيرٌ يستر العورة المُغلَّظة، يلبسه الملَّاحون ونحوهم (لِلَّذِينَ يُرَحِّلُونَ) بضمِّ أوَّله وفتح الرَّاء وتشديد الحاء المهملة المكسورة، وفي نسخةٍ: «يَرْحَلون» بفتح الياء والحاء والرَّاء ساكنةٌ، قال الجوهريُّ: رَحَلْتُ البعيرَ أَرْحَلَهُ -بفتح أوَّله- رَحْلًا، واستشهد البخاريُّ في «التَّفسير» [خ¦٦٥ - ٦٧٤٠] بقول الشَّاعر:

إذا ما قمتُ أَرْحَلُها بليلٍ .......................

قال في «الفتح»: وعلى هذا فوهم من ضبطه هنا: بتشديد الحاء المهملة وكسرها،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الطَّرِيقِ وسَطٌ مِنْ ذالِكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّك ببطحاء مباركة) .

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن أبي بكر عَليّ بن عَطاء بن مقدم أَبُو عبد الله الْمَعْرُوف بالمقدمي. الثَّانِي: فُضَيْل بن سُلَيْمَان النميري. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي. الرَّابِع: سَالم بن عبد الله. الْخَامِس:: أَبوهُ عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه ذكر فِي: بَاب الْمَسَاجِد الَّتِي على طرق الْمَدِينَة! وَقد ذكرنَا لطائفة هُنَاكَ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك، وَفِي الْمُزَارعَة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بكار، وَشُرَيْح بن يُونُس وَعَن مُحَمَّد بن عباد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَبدة ابْن عبد الله عَن سُوَيْد بن عَمْرو.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّه رُئي) ، بِضَم الرَّاء وَكسر الْهمزَة أَي: رَآهُ غَيره، هَذِه رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة غَيرهَا: أرِي بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: رأى بِلَفْظ الْمَاضِي الْمَعْرُوف من الرُّؤْيَا، وَفِي بَعْضهَا: ورؤي، بِلَفْظ الْمَجْهُول من الإراءة مقلوبا وَغير مقلوب. قلت: فِي رِوَايَة مُسلم: أَتَى: (فِي معرس) قَوْله: (وَهُوَ معرس) ، جملَة حَالية، ومعرس، بِكَسْر الرَّاء على لفظ إسم الْفَاعِل من التَّعْرِيس، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَهُوَ فِي معرسه، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم: وَهُوَ فِي معرسه من ذِي الحليفة فِي بطن الْوَادي، وَهنا الرَّاء مَفْتُوحَة لِأَنَّهُ اسْم مَكَان من التَّعْرِيس. قَوْله: (وَقد أَنَاخَ بِنَا سَالم مقول مُوسَى بن عقبَة الرَّاوِي عَنهُ قَوْله (يتوخى) جملَة حَالية أَي يتحَرَّى ويقصد قَوْله بالمناخ بِضَم الْمِيم وَهُوَ المبرك قَوْله ينيخ من أَنَاخَ إناخة أَي: يبرك بعيره. قَوْله: (يتحرَّى) جملَة حَالية أَي: يقْصد. قَوْله: (مرس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِفَتْح الرَّاء لِأَنَّهُ اسْم مَكَان من التَّعْرِيس. قَوْله: (وَهُوَ أَسْفَل) لَفْظَة: هُوَ، مُبْتَدأ، و: أَسْفَل، خَبره. وَقَوله: (بَينه وَبَين الطَّرِيق) خبر ثَان، قَوْله: (وسط) خبر ثَالِث، وَيجوز أَن يكون بَدَلا. وَقَوله: (بَينه) أَي: بَين المعرس بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ بإفراد الضَّمِير رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (بَينهم) ، أَي: بَين المعرسين، بِكَسْر الرَّاء جمع المعرس. قَوْله: (وسط) بِفَتْح السِّين أَي: متوسط بَين بطن الْوَادي وَبَين الطَّرِيق. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وسطا من ذَلِك، بِالنّصب، وَوَجهه أَن يكون حَالا بِمَعْنى: متوسطا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا فَائِدَة الثَّالِث: يَعْنِي قَوْله: وسط، وَهُوَ مَعْلُوم من الثَّانِي يَعْنِي: من قَوْله بَينه وَبَين الطَّرِيق؟ قلت: بَيَان أَنه فِي حلق الواسط لَا قرب لَهُ إِلَى أحد الْجَانِبَيْنِ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُور من الْفرق بَين الْوسط، بتحريك السِّين، وَالْوسط بسكونها.

٧١ - (بابُ غَسْلِ الخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بيانِ غسل الخلوق، وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضم اللَّام المخففة، وبالقاف ضرب من الطّيب يعْمل فِيهِ الزَّعْفَرَان.

حدَّثنا قَالَ أبُو عَاصِمٍ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ أَخْبرنِي عَطَاءٌ عَنْ صَفْوَانَ بنَ يَعْلَى أخْبَرَهُ أنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أرِنِي النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ يُوحى إليهِ قَالَ فَبَيْنَما النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالجِعْرَانَةِ ومعَهُ نَفَرٌ مَنْ أصْحَابِهِ جاءَهُ رَجلٌ فقالَ يَا رسولَ الله كيفَ تَرى فِي رَجلٍ أحْرَمَ بِعُمُرَةٍ وهْوَ مُتَضَمِّخٌ بِطيبٍ فسَكتَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ساعَةً فجَاءَهُ الوَحْيُ فأشارَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ إلَى يَعْلَى فجاءَ يَعْلَى وعَلى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ فأدْخَلَ رَأسَهُ فإذَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْمَرُّ الوَجْهِ وَهْوَ يَغِطُّ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ أينَ الَّذي سألَ عنِ العُمْرَةِ فأُتِيَ بِرجُلٍ فَقَالَ اغْسِلْ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثلاثَ مَرَّاتٍ وَانْزَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حجَّتِكَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ أرَادَ الإنْقَاءَ حِينَ أمَرَهُ أنْ يَغْسِلَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَ نَعَمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اغسل الطّيب الَّذِي بك ثَلَاث مَرَّات) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب أَن الخلوق كَانَ على الثَّوَاب، كَمَا فِي التَّرْجَمَة، وَإِنَّمَا فِيهِ أَن الرجل ان متضمخا. وَقَوله لَهُ: (اغسل الطّيب الَّذِي بك) يُوضح أَن الطّيب لم يكن فِي ثَوْبه، وَإِنَّمَا كَانَ على بدنه، وَلَو كَانَ على الْجُبَّة لَكَانَ فِي نَزعهَا كِفَايَة من جِهَة الْإِحْرَام. انْتهى. قلت: قَوْله: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب أَن الخلوق كَانَ على الثَّوْب، كَمَا فِي التَّرْجَمَة، غير مُسلم، لِأَن فِي الحَدِيث: وَهُوَ متضمخ بِطيب، أَعم من أَن يكون على بدنه أَو على ثَوْبه، وَكَذَلِكَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اغسل الطّيب الَّذِي بك) أَعم من أَن يكون على بدنه أَو على ثَوْبه، على أَن الخلوق فِي الْعَادة يكون فِي الثَّوْب، وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَا مَا سَيَأْتِي فِي مُحرمَات الْإِحْرَام من وَجه آخر: بِلَفْظ: عَلَيْهِ قَمِيص فِيهِ أثر صفرَة، وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن عَطاء بِلَفْظ: رأى رجلا عَلَيْهِ جُبَّة عَلَيْهَا أثر خلوق، وروى مُسلم: حَدثنِي إِسْحَاق بن مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ عبيد الله بن عبد الْمجِيد حَدثنَا رَبَاح بن أبي مَعْرُوف، قَالَ: سَمِعت عَطاء، قَالَ: أَخْبرنِي صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَتَاهُ رجل عَلَيْهِ جُبَّة بهَا أثر من خلوق، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي أَحرمت بِعُمْرَة، فَكيف أفعل؟ فَسكت عَنهُ فَلم يرجع إِلَيْهِ، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يستره إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي، يظله، فَقلت لعمر: إِنِّي أحب إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي أَن أَدخل رَأْسِي مَعَه فِي الثَّوْب، فَجِئْته فأدخلت رَأْسِي مَعَه فِي الثَّوْب فَنَظَرت إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا سري عَنهُ قَالَ: أَيْن السَّائِل آنِفا عَن الْعمرَة؟ فَقَامَ إِلَيْهِ الرجل، فَقَالَ: إنزع عَنْك جبتك واغسل أثر الخلوق الَّذِي بك وَافْعل فِي عمرتك مَا كنت فَاعِلا فِي حجك، وَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن أثر الخلوق كَانَ على ثوب الرجل، وَلم يكن على بدنه، وَفِي رِوَايَة أبي عَليّ الطوسي: عَلَيْهِ جُبَّة فِيهَا ردع من زعفران ... الحَدِيث، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن عَطاء عَن يعلى مَرْفُوعا: رأى رجلا عَلَيْهِ جُبَّة عَلَيْهَا أثر خلوق أَو صفرَة فَقَالَ: إخلعها عَنْك وَاجعَل فِي عمرتك مَا تجْعَل فِي حجك. قَالَ قَتَادَة: فَقلت لعطاء: كُنَّا نسْمع أَنه قَالَ: شقها، قَالَ: هَذَا فَسَاد، وَالله لَا يحب الْفساد. وَعند أبي دَاوُد: فَأمره أَن يَنْزِعهَا نزعا ويغسلها مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. وَعِنْده: فخلعها من رَأسه، وَقَالَ سعيد بن مَنْصُور: حَدثنَا هشيم أخبرنَا عبد الْملك وَمَنْصُور وَغَيرهمَا عَن عَطاء عَن يعلى بن أُميَّة أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي أَحرمت وَعلي جبتي هَذِه، وعَلى جبته درع من خلوق ... الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ: إخلع هَذِه الْجُبَّة واغسل هَذَا الزَّعْفَرَان، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث كلهَا ترد على الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن الطّيب لم يكن على ثَوْبه، وَإِنَّمَا كَانَ على بدنه، فَإِن قلت: سلمنَا هَذَا كُله، وَكَيف تُوجد الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة وفيهَا لفظ الخلوق وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب إِلَّا لفظ الطّيب؟ قلت: جرت عَادَة البُخَارِيّ أَن يبوب بِمَا يَقع فِي بعض طرق الحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ، وَإِن لم يُخرجهُ وَهُوَ أَبْوَاب الْعمرَة بِلَفْظ: وَعَلِيهِ أثر الخلوق، على أَن الخلوق ضرب من الطّيب كَمَا ذكرنَا.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم النَّبِيل، واسْمه الضَّحَّاك بن مخلد وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده، وَهَذَا بِصُورَة التَّعْلِيق، وَبِذَلِك جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: ذكره عَن أبي عَاصِم بِلَا خبر. وَقَالَ أَبُو نعيم: ذكره بِلَا روية، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ العراقية: حَدثنَا مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم. فَهُوَ إِمَّا مُحَمَّد بن الْمثنى الْمَعْرُوف بالزمن، وَإِمَّا مُحَمَّد ابْن معمر البحراني، وَإِمَّا مُحَمَّد بن بشار، بإعجام الشين. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث: عَطاء بن أبي رَبَاح كَذَلِك. الرَّابِع: صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة، ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وروى لَهُ الْجَمَاعَة سوى ابْن مَاجَه. الْخَامِس: أَبوهُ يعلى بن أُميَّة بن أبي عُبَيْدَة التَّمِيمِي أَبُو خلف، وَأَبُو خَالِد أَو أَبُو صَفْوَان، وَهُوَ الْمَعْرُوف بيعلى بن منية، بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَيُقَال: منية جدته وَهِي: منية بنت غَزوَان أُخْت عتبَة بنت غَزوَان، وَيُقَال: منية بنت جَابر، أسلم يَوْم الْفَتْح وَشهد الطَّائِف وحنينا وتبوك مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وروى عَنهُ وَعَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تِسْعَة عشر حَدِيثا، قتل بصفين.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: قَالَ أَبُو عَاصِم، وَهُوَ تَعْلِيق. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن أَبَا عَاصِم بَصرِي والبقية مكيون، وَهَذَا الْإِسْنَاد مُنْقَطع لِأَنَّهُ قَالَ: إِن يعلى قَالَ لعمر، وَلم يقل إِن يعلى أخبرهُ أَنه قَالَ لعمر، أللهم إلَاّ إِذا كَانَ صَفْوَان حضر مراجعتهما، فَيكون مُتَّصِلا. وَقَالَ ابْن عَسَاكِر: رَوَاهُ عَبَّاس بن الْوَلِيد النَّرْسِي عَن دَاوُد الْعَطَّار عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن يعلى بن أُميَّة، أَو صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة: أَن رجلا أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يقل

عَن أَبِيه، وَرَوَاهُ قيس عَن عَطاء عَن صَفْوَان عَن أَبِيه: أَن رجلا أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ بالجعرانة قد أهل بِالْعُمْرَةِ هُوَ مصفر لجبته وَرَأسه وَعَلِيهِ جُبَّة، وَفِي رِوَايَة همام عَن عَطاء عَن صَفْوَان عَن أَبِيه ... الحَدِيث، وَفِيه: جُبَّة عَلَيْهَا خلوق أَو أثر صفرَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي الْوَلِيد فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن أبي نعيم وَفِي الْمَغَازِي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن أَيْضا عَن مُسَدّد، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن شَيبَان بن فروخ، وَعَن زُهَيْر ابْن حَرْب وَعَن عبد بن حميد وَعَن عَليّ بن حشرم وَعَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن عقبَة بن مكرم وَمُحَمّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عقبَة بن مكرم وَعَن مُحَمَّد بن كثير وَعَن مُحَمَّد بن عِيسَى وَعَن يزِيد بن خَالِد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي عمر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن روح بن حبيب وَعَن حبيب وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعبد الْجَبَّار وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن عِيسَى بن حَمَّاد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: أَرِنِي) من الإراءة، يَقْتَضِي مفعولين أَحدهمَا هُوَ نون الْمُتَكَلّم، وَالْآخر هُوَ قَوْله: النَّبِي. قَوْله: (بَيْنَمَا النَّبِي) قد مر غير مرّة أَن أصل: بَيْنَمَا، بَين زيدت فِيهِ الْمِيم وَالْألف، وَهُوَ ظرف زمَان بِمَعْنى المفاجأة، وَكَذَلِكَ: بَينا، بِدُونِ الْمِيم ويضافان إِلَى جملَة من فعل وفاعل أَو مُبْتَدأ أَو خبر، ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، وَهنا الْجُمْلَة مُبْتَدأ وَخبر، وهما قَوْله: (النَّبِي بالجعرانة) ، وَقَوله: (جَاءَ رجل) جَوَابه، و: الْجِعِرَّانَة، بِكَسْر الْجِيم وَالْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، قَالَ الْبكْرِيّ: كَذَا يَقُول الْعِرَاقِيُّونَ، وَمِنْهُم من يُخَفف الرَّاء ويسكن الْعين، وَكَذَا الْخلاف فِي الْحُدَيْبِيَة، وهما بَين الطَّائِف وَمَكَّة وَهِي إِلَى مَكَّة أدنى. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَهِي قريب من مَكَّة، وَهِي فِي الْحل وميقات الْإِحْرَام. وَقَالَ ياقوت: هِيَ غير الْجِعِرَّانَة الَّتِي بِأَرْض الْعرَاق. قَالَ سيف بن عمر: نزلها الْمُسلمُونَ لقِتَال الْفرس، وَقَالَ يُوسُف بن مَاهك. اعْتَمر بهَا ثَلَاثمِائَة نَبِي، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَعْنِي: بالجعرانة الَّتِي بِقرب مَكَّة. قَوْله: (وَمَعَهُ نفر من أَصْحَابه) الْوَاو فِيهِ للْحَال، أَي: مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمَاعَة من أَصْحَابه وَكَانَ هَذَا بالجعرانة كَمَا ثَبت هُنَا، وَفِي غَيره: فِي مُنْصَرفه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة حنين، وَفِي ذَلِك الْموضع قسم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غنائمها، وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَان كَمَا ذكره ابْن حزم وَغَيره، وهما موضعان متقاربان. قَوْله: (جَاءَهُ رجل) وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ سَيَأْتِي: جَاءَهُ أَعْرَابِي، وَلم يعرف اسْمه. وَنقل بَعضهم فِي (الذيل) عَن (تَفْسِير الطرطوشي) : أَن اسْمه عَطاء بن مُنَبّه. فَقَالَ: إِن ثَبت هَذَا فَهُوَ أَخُو يعلى رَاوِي الْخَبَر، قيل: يجوز أَن يكون خطأ من اسْم الرَّاوِي، فَإِنَّهُ من رِوَايَة عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى بن مُنَبّه عَن أَبِيه، وَمِنْهُم من لم يذكر بَين عَطاء ويعلى أحدا. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الرجل يحوز أَن يكون: عَمْرو بن سَواد، إِذْ فِي (كتاب الشِّفَاء) للْقَاضِي عِيَاض، عَنهُ قَالَ: أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا متخلق) ، فَقَالَ: ورس ورس حط حط، وغشيني بقضيب بِيَدِهِ فِي بَطْني فأوجعني ... الحَدِيث. لَكِن عَمْرو هَذَا لَا يدْرك ذَا، فَإِنَّهُ صَاحب ابْن وهب، انْتهى. وَاعْترض بعض تلامذته عَلَيْهِ من وَجْهَيْن: أما أَولا: فَلَيْسَتْ هَذِه الْقَضِيَّة شَبيهَة بِهَذِهِ الْقَضِيَّة حَتَّى يُفَسر صَاحبهَا بهَا، وَأما ثَانِيًا: فَفِي الِاسْتِدْرَاك غَفلَة عَظِيمَة، لِأَن من يَقُول: أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يتخيل فِيهِ أَنه صَاحب ابْن وهب وَصَاحب مَالك، بل إِن ثَبت فَهُوَ آخر وَافق اسْمه اسْمه، وَاسم أَبِيه، وَالْغَرَض أَنه لم يثبت. قَالَ: لِأَنَّهُ انْقَلب على شَيخنَا، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي (الشِّفَاء) : سَواد بن عَمْرو. انْتهى. قلت: رَأَيْت بِخَط بعض من أَخذ عَنهُ هَذَا الْمُعْتَرض، على هَامِش الورقة الَّتِي فِي هَذَا الْموضع من (كتاب التَّوْضِيح) ، قَالَ: فَائِدَة الَّذِي فِي الشِّفَاء سَواد بن عَمْرو، وَذكره فِي الْبَاب الثَّانِي من الْقسم الثَّالِث، وَلَفظه: وَأما حَدِيث سَواد بن عَمْرو: أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا متخلق، فَقَالَ: ورس ورس حط حط وغشيني بقضيب فِي يَده فأوجعني، فَقلت: الْقصاص يَا رَسُول الله، فكشف لي عَن بَطْنه، إِنَّمَا ضربه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمنكر رَآهُ، وَلَعَلَّه لم يرد بضربه بالقضيب إلَاّ تنبيهه، فَلَمَّا كَانَ مِنْهُ إيجاع لم يَقْصِدهُ طلب التَّحَلُّل مِنْهُ، وَلما ذكر هَذَا أنكر عَلَيْهِ وَنسبه إِلَى التخبط وَإِلَى كَلَام لَا معنى لَهُ. قَوْله: (وَهُوَ متضمخ بِطيب) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، ومتضمخ، بالضاد والحاء المعجمتين، يُقَال: تضمخ بالطيب إِذا تلطخ بِهِ وتلوث بِهِ. قَوْله: (وعَلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (قد أظل بِهِ) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة، أَي: جعل عَلَيْهِ كالظلة، وَهَذِه الْجُمْلَة حَالية، وَيجوز أَن تكون محلهَا الرّفْع على أَنه صفة لثوب. قَوْله: (فَإِذا رَسُول الله) كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (وَهُوَ يغظ) . الْوَاو فِيهِ للْحَال، ويغط بِفَتْح الْيَاء وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة بعْدهَا طاء مُهْملَة،

أَي ينْفخ، وَهُوَ من الغطيط، وَهُوَ صَوت النَّفس المتردد من النَّائِم. وَيُقَال: الغطيط صَوت بِهِ بحوحة وَهُوَ كغطيط النَّائِم، أَي شخيره وصوته الَّذِي يردده فِي حلقه وَمَعَ نَفسه، وَسبب ذَلِك شدَّة الْوَحْي وَنَقله، وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلاً} (المزمل: ٥) . قَوْله: (ثمَّ سري عَنهُ) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة، أَي: كشف عَنهُ شَيْئا بعد شَيْء بالتدريج. وَقَالَ الْكرْمَانِي: رُوِيَ بتَخْفِيف الرَّاء الْمَكْسُورَة وتشديدها، وَالرِّوَايَة بِالتَّشْدِيدِ أَكثر. قَوْله: (اغسل الطّيب الَّذِي بك) قد قُلْنَا: إِنَّه أَعم من أَن يكون بِثَوْبِهِ أَو بدنه. قَوْله: (ثَلَاث مَرَّات) ، مُبَالغَة فِي الْإِزَالَة، وَلَعَلَّ الطّيب الَّذِي كَانَ على هَذَا الرجل كَانَ كثيرا. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله: (متضمخ) قلت: لِأَن بَاب التفعل وضع للْمُبَالَغَة. قَالَ القَاضِي: يحمل قَوْله: ثَلَاث مَرَّات على قَوْله: فاغسله، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إغسله إغسله إغسله ثَلَاث مَرَّات، يدل على صِحَّته مَا روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كَلَامه أَنه كَانَ إِذا تكلم بِكَلِمَة أَعَادَهَا ثَلَاثًا. انْتهى. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: أمره أَن يَنْزِعهَا نزعا ويغتسل مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. قَوْله: (واصنع فِي عمرتك مَا تصنع فِي حجتك) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (كَمَا تصنع) ، وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ فِي أَبْوَاب الْعمرَة: (كَيفَ تَأْمُرنِي أَن أصنع فِي عمرتي.

وَفِي مُسلم، من طَرِيق قيس بن سعد عَن عَطاء: (وَمَا كنت صانعا فِي حجتك فَاصْنَعْ فِي عمرتك) ، وَيدل هَذَا على أَنه كَانَ يعرف أَعمال الْحَج قبل ذَلِك. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: كَأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يخلعون الثِّيَاب ويجتنبون الطّيب فِي الْإِحْرَام إِذا حجُّوا، وَكَانُوا يتساهلون فِي ذَلِك فِي الْعمرَة، فَأخْبرهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن مجراهما وَاحِد. وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ الْأَدْعِيَة وَغَيرهَا مِمَّا يشْتَرك فِيهِ الْحَج وَالْعمْرَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ، كَمَا قَالَه: وَزَاد: وَيسْتَثْنى من الْأَعْمَال مَا يخْتَص بِهِ الْحَج، وَقَالَ الْبَاجِيّ: الْمَأْجُور غير نزع الثَّوْب وَغسل الخلوق، لِأَنَّهُ صرح لَهُ بهما فَلم يبْق إلَاّ الْفِدْيَة. وَفِيه نظر، لِأَن فِيهِ حصرا وَقد تبين فِيمَا رَوَاهُ مُسلم من أَن الْمَأْمُور بِهِ الْغسْل والنزع، وَذَلِكَ فِي رِوَايَته من طَرِيق سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه قَالَ: أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي: رجلا، وَهُوَ بالجعرانة وَأَنا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَلِيهِ مقطفات، يَعْنِي: جُبَّة وَهُوَ متضمخ بالخلوق، فَقَالَ: أَنِّي أَحرمت بِالْعُمْرَةِ، وعَلى هَذَا: وَأَنا متضمخ بالخلوق، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا كنت صانعا فِي حجك فاصنعه فِي عمرتك. قَوْله: (فَقلت لعطاء) الْقَائِل هُوَ ابْن جريج.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز نظر الرجل إِلَى غَيره وَهُوَ مغطى بِشَيْء وَإِدْخَال رَأسه فِي غطائه إِذا علم أَنه لَا يكره ذَلِك مِنْهُ، فَإِن يعلى أَدخل رَأسه فِيمَا أظل بِهِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ علم أَنه لَا يكره ذَلِك فِي ذَلِك الْوَقْت، لِأَن فِيهِ تَقْوِيَة الْإِيمَان بمشاهدة حَال الْوَحْي الْكَرِيم، وَكَذَلِكَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، علم ذَلِك من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَتَّى قَالَ للرجل: تَعَالَى فَانْظُر. وَفِيه: أَن الْمُفْتِي إِذا لم يعلم حكم الْمَسْأَلَة أمسك عَن جوابها حَتَّى يُعلمهُ. وَفِيه: أَن من الْأَحْكَام الَّتِي لَيست فِي الْقُرْآن مَا هُوَ بِوَحْي لَا يُتْلَى. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَأْمر الرجل بالفدية، فَأخذ بِهِ الشَّافِعِي وَالثَّوْري وَعَطَاء وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَأحمد فِي رِوَايَة، وَقَالُوا: إِن من لبس فِي إِحْرَامه مَا لَيْسَ لَهُ لبسه جَاهِلا، فَلَا فديَة عَلَيْهِ، وَالنَّاسِي فِي مَعْنَاهُ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة والمزني فِي رِوَايَة عَنْهَا: يلْزمه إِذا غطى رَأسه وَوَجهه مُتَعَمدا أَو نَاسِيا يَوْمًا إِلَى اللَّيْل، فَإِن كَانَ أقل من ذَلِك فَعَلَيهِ صَدَقَة يتَصَدَّق بهَا. وَعَن مَالك: يلْزمه إِذا انْتفع بذلك أَو طَال لبسه عَلَيْهِ. وَفِيه: الْمُبَالغَة فِي الإنقاء من الطّيب. وَفِيه: أَن الْمحرم إِذا كَانَ عَلَيْهِ مخيط نَزعه وَلَا يلْزمه تمزيقه وَلَا شقَّه، خلافًا للنخعي وَالشعْبِيّ حَيْثُ قَالَا: لَا يَنْزعهُ من قبل رَأسه لِئَلَّا يصير مغطيا رَأسه، أخرجه ابْن أبي شيبَة عَنْهُمَا، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نَحوه، وَكَذَا عَن الْحسن وَأبي قلَابَة، وَقد وَقع عِنْد أبي دَاوُد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِلَفْظ: (إخلع عَنْك الْجُبَّة، فخلعها من قِبَل رَأسه) . وَعَن أبي صَالح وَسَالم: يخلعه من قبل رجلَيْهِ، وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِذا أحرم وَعَلِيهِ قَمِيص لَا يَنْزعهُ من رَأسه، بل يشقه ثمَّ يخرج مِنْهُ، وَفِيه: اخْتلف الْعلمَاء فِي اسْتِعْمَال الطّيب عِنْد الْإِحْرَام، واستدامته بعده، فكرهه قوم ومنعوه، مِنْهُم مَالك وَمُحَمّد بن الْحسن، ومنعهما عمر وَعُثْمَان وَابْن عمر وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَعَطَاء وَالزهْرِيّ، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَأَجَابُوهُ مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ تمسكا بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (طيبت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بيَدي لحرمه حِين أحرم، ولحله حِين أحل قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ) ، وَلمُسلم: بذريرة فِي حجَّة الْوَدَاع، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ كَمَا سَيَأْتِي: (وطيبته بمنى قبل أَن يفِيض) . وعنها: (كَأَنِّي

أنظر إِلَى وبيص الْمسك فِي مفرق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ محرم) . والوبيص، بالصَّاد الْمُهْملَة: البريق واللمعان. قَالَا: وَحَدِيث يعلى إِنَّمَا أمره بِغسْل مَا عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك الطّيب كَانَ زعفرانا، وَقد نهى الرِّجَال عَن الزَّعْفَرَان، وَجَوَاب آخر بِأَن قصَّة يعلى كَانَت بالجعرانة كَمَا ثَبت فِي هَذَا الحَدِيث، وَهِي فِي سنة ثمانٍ بِلَا خلاف، وَحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشرٍ بِلَا خلاف، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ بِالْآخرِ فالآخر من الْأَمر. فَإِن قلت: إِن ذَلِك الوبيص الَّذِي أبصرته عَائِشَة إِنَّمَا كَانَ بقايا ذَلِك الطّيب وَقد تعذر قلعهَا فَبَقيَ بعد أَن غسل، وَأَيْضًا: كَانَ ذَلِك من خواصه لِأَن الْمحرم، إِنَّمَا منع من الطّيب لِئَلَّا يَدعُوهُ إِلَى الْجِمَاع، والشارع مَعْصُوم. وَأَيْضًا كَانَ مِمَّا لَا تبقى رَائِحَته بعد الْإِحْرَام. قلت: قد ذكرنَا أَن ذَلِك الطّيب كَانَ زعفرانا وَقد نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الزَّعْفَرَان مُطلقًا، سَوَاء كَانَ فِي الْحل أَو الْحُرْمَة، وَدَعوى الخصوصية تحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَقد روى ابْن حزم من طَرِيق حَمَّاد بن يزِيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سَالم بن عبد الله عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: (طيبته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بيَدي) ، وَرُوِيَ: أَنَّهُنَّ كن يضمخن جباههن بالمسك ثمَّ يحرمن ثمَّ يعرقن فيسيل على وجوههن، فَيرى ذَلِك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يُنكره.

٨١ - (بابُ الطِّيبِ عِنْدَ الإحْرَامِ ومَا يَلْبَسُ إذَا أرَادَ أنْ يحْرِمَ ويَتَرَجَّلُ وَيَدَّهِنُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الطّيب عِنْد إِرَادَة الْإِحْرَام، وَجَوَاز مَا يلبس الشَّخْص إِذا أَرَادَ الْإِحْرَام. قَوْله: (ويترجل) بِالرَّفْع، عطف على قَوْله: وَمَا يلبس، ويروى بِالنّصب وَوَجهه أَن يكون مَنْصُوبًا بِأَن، الْمقدرَة كَمَا فِي قَول الشَّاعِر:

(للبسُ عباءة وتقر عَيْني ... أحب إِلَيّ من لبس الشفوفِ)

وَقَوله: (ويترجل) ، من التَّرَجُّل على وزن: التفعل، وَهُوَ أَن يسرح شعره، من: رجلت رَأْسِي: إِذا مشطته بالمشط. قَوْله: (ويدهن) ، بِفَتْح الْهَاء من الثلاثي، يَعْنِي: من دهن يدهن، وبكسرها من ادَّهن على وزن: افتعل، إِذا تطلى بالدهن، وَأَصله يتدهن، فأبدلت التَّاء دَالا وأدغمت الدَّال فِي الدَّال، وَهُوَ عطف أَيْضا على: يلبس، وَقد تكلم الشُّرَّاح هُنَا بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ، فتركناه.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَشَمُّ المُحْرَمْ الرَّيْحَانَ ويَنْظُرُ فِي المِرْآةِ ويَتَداوَى بِمَا يأكُلُ الزَّيْتَ والسَّمْنَ

هَذَا التَّعْلِيق فِي شم الْمحرم الريحان وَصله الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد جيد إِلَى سُفْيَان،: حَدثنَا أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا للْمحرمِ أَن يشم الريحان، وروى الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَد صَحِيح عَنهُ: الْمحرم يشم الريحان وَيدخل الْحمام وَينْزع سنه ويفقأ القرحة، وَإِن انْكَسَرَ ظفره أماط عَنهُ الْأَذَى.

وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي الريحان. فَقَالَ إِسْحَاق: يُبَاح، وَتوقف أَحْمد فِيهِ، وَقَالَ الشَّافِعِي: يحرم، وَكَرِهَهُ مَالك وَالْحَنَفِيَّة. ومنشأ الْخلاف أَن كل مَا يتَّخذ مِنْهُ الطّيب يحرم بِلَا خلاف، وَأما غَيره فَلَا، وروى بن أبي شيبَة عَن جَابر أَنه قَالَ: لَا يشم الْمحرم الريحان، وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يكره شم الريحان للْمحرمِ. وَعَن أبي الزبير: سمع جَابِرا يسْأَل عَن الريحان أيشمه الْمحرم وَالطّيب والدهن؟ فَقَالَ: لَا. وَعَن جَابر: إِذا شم الْمحرم ريحانا أَو مس طيبا إهراق لذَلِك دَمًا. وَعَن إِبْرَاهِيم: فِي الطّيب الْفِدْيَة. وَعَن عَطاء: إِذا شم طيبا كفر، وَعنهُ: إِذا وضع الْمحرم على شَيْء دهنا فِيهِ طيب فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة. وَالريحَان: مَا طَابَ رِيحه من النَّبَات كُله سهلية وجبلية، والواحدة رَيْحَانَة. وَفِي (الْمُحكم) : الريحان أَطْرَاف كل كل بقلة طيبَة الرّيح إِذا خرج عَلَيْهَا أَوَائِل النَّور، والريحانة: طَاقَة من الريحان.

وَأما النّظر فِي الْمرْآة، فَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (جَامعه) : رِوَايَة عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي عَنهُ عَن هِشَام بن حسان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَا بَأْس أَن ينظر فِي الْمرْآة وَهُوَ محرم، وروى ابْن أبي شيبَة عَن لَيْث عَن طَاوُوس: لَا ينظر.

وَأما التَّدَاوِي. قَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر وَعباد بن الْعَوام عَن أَشْعَث عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أَنه كَانَ يَقُول: يتداوى الْمحرم بِمَا يَأْكُل. وَقَالَ أَيْضا: حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِذا تشققت يَد الْمحرم أَو رِجْلَاهُ فليدهنهما بالزيت أَو السّمن. وروى أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر: يتداوى الْمحرم بِأَيّ دَوَاء شَاءَ إلَاّ دَوَاء فِيهِ طيب، وَكَانَ الْأسود يضمد رجله

بالشحم وَهُوَ محرم. وَعَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء: حَدثنِي من سمع أَبَا ذَر يَقُول: لَا بَأْس أَن يتداوى الْمحرم بِمَا يَأْكُل، وَفِي رِوَايَة: حَدثنِي مرّة بن خَالِد عَن أبي ذَر، وَعَن معتب البَجلِيّ قَالَ: أصابني شقَاق وَأَنا محرم فَسَأَلت أَبَا جَعْفَر؟ فَقَالَ: ادهنه بِمَا تَأْكُل. وَكَذَا قَالَه ابْن جُبَير وَإِبْرَاهِيم وَجَابِر بن زيد وَنَافِع وَالْحسن وَعُرْوَة. وَقَالَ أَبُو بكر: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا حَمَّاد عَن فرقد السنجي عَن ابْن جُبَير عَن ابْن عمر أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يدهن بالزيت عِنْد الْإِحْرَام. قَالَ الزُّهْرِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إلَاّ من حَدِيث فرقد، وَلَفظه: بالزيت وَهُوَ محرم غير المقتت. قَالَ أَبُو عِيسَى: المقتت المطيب. قلت: المقتت، بِضَم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَتَشْديد التَّاء الأولى الْمُثَنَّاة من فَوق.

قَوْله: (يشم) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة على الْأَشْهر، وَحكى ضمهَا، وَذكر فِي (الفصيح) بِفَتْح الشين فِي الْمُضَارع وَكسرهَا فِي الْمَاضِي، والعامة تَقول: شممت، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي، وَفِي الْمُسْتَقْبل بِالضَّمِّ وَهُوَ خطأ. وَعَن الْفراء وَابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: شممت أَشمّ، شممت أَشمّ وَالْأولَى أفْصح، وَيُقَال فِي مصدره: الشم والشميم وتشممته تشمما. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقد جَاءَ فِي مصدره: شميمي على وزن: فعيلي كالخطيطي. وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه: معنى الشم استنشاق الرَّائِحَة، وَقد يستعار فِي غير ذَلِك فِي كل مَا قَارب شَيْئا أدنى مِنْهُ. قَوْله: (ويتداوى بِمَا يَأْكُل) أَي: بِالَّذِي يَأْكُل مِنْهُ قَوْله: (الزَّيْت وَالسمن) بِالْجَرِّ فيهمَا. قَالَ الْكرْمَانِي: لِأَنَّهُ بدل أَو بَيَان لما يَأْكُل. وَقَالَ ابْن مَالك: بِالْجَرِّ عطف على: مَا، الموصولة فَإِنَّهَا مجرورة بِالْبَاء أَعنِي: فِي قَوْله بِمَا قيل. وَقع بِالنّصب وَلَيْسَ الْمَعْنى عَلَيْهِ لِأَن الَّذِي يَأْكُل هُوَ الْآكِل لَا الْمَأْكُول. لَكِن يجوز على الاتساع. قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التعسف، بل يكون مَنْصُوبًا على تَقْدِير: أَعنِي الزَّيْت وَالسمن، عطف عَلَيْهِ، وَيجوز الرّفْع فيهمَا على أَن يكون الزَّيْت خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ الزَّيْت وَالسمن، عطف عَلَيْهِ.

وَقَالَ عَطَاءٌ يَتَخَتَّمُ ويَلْبَسُ الهِمْيَانَ

عَطاء: ابْن أبي رَبَاح. قَوْله: (يتختم) أَي: يلبس الْخَاتم، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة، حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا هِشَام بن الْغَاز عَن عَطاء، قَالَ: لَا بَأْس بالخاتم للْمحرمِ. وَحدثنَا الْمحَاربي عَن الْعَلَاء عَن عَطاء، قَالَ: لَا بَأْس بالخاتم للْمحرمِ. وَحدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس بِسَنَد صَحِيح: لَا بَأْس بالخاتم للْمحرمِ. وَعَن أبي الْهَيْثَم عَن النَّخعِيّ وَمُجاهد مثله. وَقَالَ خَالِد بن أبي بكر: رَأَيْت سَالم بن عبد الله يلبس خَاتمه وَهُوَ محرم، وَكَذَا قَالَه إِسْمَاعِيل بن عبد الْملك عَن سعيد بن جُبَير. قَوْله: (ويلبس الْهِمْيَان) ، بِكَسْر الْهَاء معرَّب، هُوَ شبه تكة السَّرَاوِيل تجْعَل فِيهَا الدَّرَاهِم وتشد على الْوسط. وَفِي (المغيث) : قيل هُوَ فعلان من: همى، إِذا سَالَ لِأَنَّهُ إِذا أفرغ همي مَا فِيهِ، وَفسّر ابْن التِّين الْهِمْيَان: بالمنطقة، وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق شريك عَن أبي إِسْحَاق عَن عَطاء. رُبمَا ذكره عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَا بَأْس بالهميان والخاتم للْمحرمِ. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ وَابْن عدي من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَأجْمع عوام أهل الْعلم على أَن للْمحرمِ أَن يشد الْهِمْيَان على وَسطه. وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم وَعَطَاء وطاووس وَالنَّخَعِيّ وَهُوَ قَول مَالك والكوفيين وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر غير إِسْحَاق فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يعقده وَيدخل السيور بَعْضهَا فِي بعض. وسئلت عَائِشَة عَن المنطقة، فَقَالَت: أوثق عَلَيْك نَفَقَتك. وَقَالَ ابْن علية: قد أَجمعُوا على أَن للْمحرمِ أَن يعْقد الْهِمْيَان والإزار على وَسطه وَكَذَلِكَ المنطقة. وَقَول إِسْحَاق لَا يعد خلافًا ولاحظ لَهُ فِي النّظر لِأَن الأَصْل النَّهْي عَن لِبَاس الْمخيط وَلَيْسَ هَذَا مثله، فارتفع أَن يكون لَهُ حكمه. وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا ذَلِك ليَكُون نَفَقَته فِيهَا، وَأما نَفَقَة غَيره فَلَا، وَإِن جعلهَا فِي وَسطه لنفقته ثمَّ نفدت نَفَقَته وَكَانَ مَعهَا وَدِيعَة ردهَا إِلَى صَاحبهَا، فَإِن تَركهَا افتدى، وَإِن كَانَ صَاحبهَا غَابَ بِغَيْر علمه فينفقها وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، ويشد المنطقة من تَحت الثِّيَاب.

وطَافَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وهْوَ محْرِمٌ وقَدْ حَزَمَ عَلَى بطْنِهِ بِثَوْبٍ

الْوَاو فِي: وَهُوَ، وَقد حزم، للْحَال. أَي: شدّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الشَّافِعِي من طَرِيق طَاوُوس، قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يسْعَى وَقد حزم على بَطْنه بِثَوْب. وَعَن سعيد عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة أَن نَافِعًا أخبرهُ أَن ابْن عمر لم يكن عقد الثَّوْب عَلَيْهِ، إِنَّمَا غرز طرفه

على إزَاره. وَعَن ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا ابْن فُضَيْل عَن لَيْث عَن عَطاء وطاووس، قَالَا: رَأينَا ابْن عمر وَهُوَ محرم وَقد شدّ حقْوَيْهِ بعمامة. وَحدثنَا وَكِيع عَن ابْن أبي ذِئْب عَن مُسلم بن جُنْدُب: سَمِعت ابْن عمر يَقُول: لَا تعقد عَلَيْك شَيْئا وَأَنت محرم، وَحدثنَا ابْن علية عَن هِشَام بن حُجَيْر، قَالَ: رأى طَاوُوس ابْن عمر قد يطوف وَقد شدّ حقْوَيْهِ بعمامة. وروى الْحَاكِم بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه مشَاة، فَقَالَ: اربطوا على أوساطكم مآزركم، وامشوا خلط الهرولة. وَفِي (التَّوْضِيح) : اخْتلف فِي الرِّدَاء الَّذِي يلتحف بِهِ على مِئْزَره، فَكَانَ مَالك لَا يرى عقده وَيلْزمهُ الْفِدْيَة إِن انْتفع بِهِ، وَنهى عَنهُ ابْن عمر وَعَطَاء وَعُرْوَة، وَرخّص فِيهِ سعيد بن الْمسيب، وَكَرِهَهُ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو ثَوْر، وَقَالُوا: لَا بَأْس عَلَيْهِ إِن فعل. وَحكي عَن مَالك أَنه رخص لِلْعَامِلِ أَن يحزم الثَّوْب على منطقته، وَكَرِهَهُ لغيره.

ولَمْ تَرَ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بالتُّبَّانِ بَأْسا لِلَّذِينَ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا

التبَّان، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف نون: وَهُوَ سَرَاوِيل قصير جدا وَهُوَ مِقْدَار شبر سَاتِر للعورة الغليظة فَقَط، وَيكون للملاحين والمصارعين قَوْله: (يرحلون) بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول: رحلت الْبَعِير أرحله، بِفَتْح أَوله، رحلاً، إِذا شددت على ظَهره الرحل. قَوْله: (هودجها) ، بِفَتْح الْهَاء وبالجيم، وَهُوَ مركب من مراكب النِّسَاء مقتب وَغير مقتب، وَتَعْلِيق عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: أَنَّهَا حجت وَمَعَهَا غلْمَان لَهَا، وَكَانُوا إِذا شدوا رَحلهَا يَبْدُو مِنْهُم الشَّيْء، فَأَمَرتهمْ أَن يتخذوا التبابين فيلبسوها وهم محرمون. وَأخرجه من وَجه آخر مُخْتَصرا بِلَفْظ: يشدون هودجها، وَفِي هَذَا رد على ابْن التِّين فِي قَوْله: أَرَادَت النِّسَاء، لِأَنَّهُنَّ يلبسن الْمخيط بِخِلَاف الرِّجَال، وَكَأن هَذَا رَأْي رَأَتْهُ عَائِشَة وإلَاّ فالأكثر على أَنه لَا فرق بَين التبَّان والسراويل فِي مَنعه للْمحرمِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : التبَّان لبسه حرَام عندنَا كالقميص والدراعة والخف وَنَحْوهَا، فَإِن لبس شَيْئا من ذَلِك مُخْتَارًا عَامِدًا أَثم وأزاله وافتدى، سَوَاء قصر الزَّمَان أَو طَال.

٧٣٥١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ يُوسُفُ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ فذَكَرْتُهُ لإبْرَاهِيمَ قَالَ مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ. حدَّثني الأسْوَدُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كأنِّي أنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهْوَ مُحْرِمٌ. [/ نه

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن وبيص هَذَا الطّيب كَانَ من الطّيب الَّذِي تطيب بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد إِرَادَة الْإِحْرَام.

ذكر رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة كلهم قد ذكرُوا، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وَالْأسود هُوَ ابْن زيد، وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم كوفيون مَا خلا ابْن عمر.

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح الْبَزَّار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله المخرمي. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من ثَمَانِيَة عشر طَرِيقا عَن الْأسود عَن عَائِشَة مثل رِوَايَة البُخَارِيّ، غير أَن لَفظه: فِي مفرق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْأسود عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: أَنَّهَا كَانَت تطيب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بأطيب مَا تَجِد من الطّيب، قَالَت: حَتَّى أرى وبيض الطّيب فِي رَأسه ولحيته. وَعَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: طيبت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بأطيب مَا أجد. وَعَن الْقَاسِم عَنْهَا، قَالَت: طيبت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بيَدي لإحرامه قبل أَن يحرم. وَعَن ابْن عمر عَنْهَا، قَالَت: كنت أطيب رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالغالية الجيدة عِنْد إِحْرَامه. وَعَن الْقَاسِم عَنْهَا، قَالَت: طيبت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لحرمه حِين أحرم. وَعَن عَطاء، عَنْهَا: طيبت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للْحلّ وَالْإِحْرَام. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَائِشَة، قَالَت:

طيبت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قبل أَن يحرم، وَيَوْم النَّحْر قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ بِطيب فِيهِ مسك. وروى ابْن أبي شيبَة عَن شريك عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأسود عَنْهَا: كَانَ يتطيب قبل أَن يحرم فَيرى أثر الطّيب فِي مفرقه بعد ذَلِك بِثَلَاث. وروى أَيْضا عَن ابْن فُضَيْل عَن عَطاء بن السَّائِب عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَنْهَا: (رَأَيْت وبيص الطّيب فِي مفارق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد ثَلَاث وَهُوَ محرم) وَعند النَّسَائِيّ: (بعد ثَلَاث وَهُوَ محرم) ، وَفِي أُخْرَى: (فِي أصُول شعره) ، وَفِي لفظ: (إِذا أَرَادَ أَن يحرم ادَّهن بأطيب دهن يجده حَتَّى أرى وبيصه فِي رَأسه ولحيته) . وَعند الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عقيل عَن عُرْوَة عَنْهَا: (كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا أَرَادَ أَن يحرم غسل رَأسه بخطمي وأشنان ودهنه بِزَيْت غير كثير) . وَفِي (مُسْند أبي مُحَمَّد الدَّارمِيّ) : (طيبت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لحرمه وطيبته بمنى قبل أَن يفِيض) . وَعند أبي عَليّ الطوسي: (طيبته قبل أَن يحرم وَيَوْم النَّحْر قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ بِطيب فِيهِ مسك) .

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يدهن بالزيت) أَي: عِنْد الْإِحْرَام بِشَرْط أَن لَا يكون مطيبا. وَقَالَ الْكرْمَانِي. (يدهن بالزيت) أَي: لَا يتطيب. وَتقدم فِي: بَاب من تطيب، فِي كتاب الْغسْل أَن ابْن عمر قَالَ: مَا أحب أَن أصبح محرما أنضح طيبا. قَوْله: (فَذَكرته) أَي: قَالَ مَنْصُور: ذكرت امْتنَاع ابْن عمر من التَّطَيُّب لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. قَوْله: (مَا تصنع بقوله؟) أَي: بقول ابْن عمر، أَي: مَاذَا تصنع بقوله حَيْثُ ثَبت مَا يُنَافِيهِ من فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: يجوز أَن يكون الضَّمِير فِي: بقوله، عَائِدًا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: هَذَا فعل الرَّسُول وَتَقْرِيره لَا قَوْله قلت: فعله فِي بَيَان الْجَوَاز، كَقَوْلِه. قَوْله: (كَأَنِّي أنظر) أَرَادَت بذلك قُوَّة تحققها لذَلِك، بِحَيْثُ أَنَّهَا لشدَّة استحضارها لَهُ كَأَنَّهَا ناظرة إِلَيْهِ. قَوْله: (إِلَى وبيص) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره صَاد مُهْملَة، وَهُوَ: البريق، وَالْمرَاد: أثر الطّيب لَا جرمه. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الوبيص زِيَادَة على البريق، وَالْمرَاد بِهِ: التلألؤ، وَهُوَ يدل على وجود عين قَائِمَة، لَا الرِّبْح فَقَط. قَوْله: (فِي مفارق) جمع: مفرق، وَهُوَ وسط الرَّأْس، وَإِنَّمَا جمع تعميما لجوانب الرَّأْس الَّتِي يفرق فِيهَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قَوْلهم للمفرق مفارق كَأَنَّهُمْ جعلُوا كل مَوضِع مِنْهُ مفرقا. قَوْله: (وَهُوَ محرم) ، الْوَاو فِي للْحَال.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَزفر فِي أَن الْمحرم إِذا تطيب قبل إِحْرَامه بِمَا شَاءَ الطّيب مسكا كَانَ أَو غَيره، فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِهِ، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ سَوَاء كَانَ مِمَّا يبْقى عَلَيْهِ بعد إِحْرَامه أَو لَا وَلَا يضرّهُ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَأحمد وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ، وَهُوَ قَول عَائِشَة راوية الحَدِيث، وَسعد بن أبي وَقاص وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير، وَابْن جَعْفَر وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَجَمَاعَة من التَّابِعين بالحجاز وَالْعراق، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : استحبه عِنْد إِرَادَة الْإِحْرَام مُعَاوِيَة وَأم حَبِيبَة وَابْن الْمُنْذر وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَنَقله ابْن أبي شيبَة عَن عُرْوَة بن الزبير عمر بن عبد الْعَزِيز وَإِبْرَاهِيم فِي رِوَايَة، وَذكره ابْن حزم عَن الْبَراء بن عَازِب وَأنس بن مَالك وَأبي ذَر وَالْحُسَيْن بن عَليّ وَابْن الْحَنَفِيَّة وَالْأسود وَالقَاسِم وَسَالم وَهِشَام بن عُرْوَة وخارجة بن زيد وَابْن جريج. وَقَالَ آخَرُونَ، مِنْهُم عَطاء وَالزهْرِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَابْن سِيرِين وَالْحسن: لَا يجوز أَن يتطيب الْمحرم قبل إِحْرَامه بِمَا يبْقى عَلَيْهِ رَائِحَته بعد الْإِحْرَام، وَإِذا أحرم حرم عَلَيْهِ الطّيب حَتَّى يطوف بِالْبَيْتِ، وَإِلَيْهِ ذهب مُحَمَّد بن الْحسن، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ، وَهَذَا مَذْهَب عمر وَعُثْمَان وَابْن عمر وَعُثْمَان بن الْعَاصِ. وَقَالَ الطرطوشي: يكره الطّيب الْمُؤَنَّث كالمسك والزعفران والكافور والغالية وَالْعود وَنَحْوهَا، فَإِن تطيب وَأحرم بِهِ فَعَلَيهِ الْفِدْيَة، فَإِن أكل طَعَاما فِيهِ طيب، فَإِن كَانَت النَّار مسته فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن لم تمسه النَّار فَفِيهِ وَجْهَان، وَأما غير الْمُؤَنَّث مثل الرياحين والياسمين والورد فَلَيْسَ من ذَلِك وَلَا فديَة فِيهِ أصلا، وَالطّيب الْمُؤَنَّث طيب النِّسَاء: كالخلوق والزعفران، قَالَه شمر. وَأما شم الريحان فَفِي (شرح الْمُهَذّب) : الريحان الْفَارِسِي والمرزنجوش واللينوفر والنرجس فِيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا: يجوز شمها لما رُوِيَ عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ عَن الْمحرم يدْخل الْبُسْتَان قَالَ: نعم ويشم الريحان. وَالثَّانِي: لَا يجوز لِأَنَّهُ يُرَاد للرائحة، فَهُوَ كالورد والزعفران، وَالأَصَح تَحْرِيم شمها وَوُجُوب الْفِدْيَة، وَبِه قَالَ ابْن عمر وَجَابِر وَالثَّوْري وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو ثَوْر إلَاّ أَن أَبَا حنيفَة ومالكا يَقُولَانِ: يحرم وَلَا فديَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر

وَاخْتلف فِي الْفِدْيَة عَن عَطاء وَأحمد، وَمِمَّنْ جوزه وَقَالَ: هُوَ حَلَال وَلَا فديَة فِيهِ عُثْمَان وَابْن عَبَّاس وَالْحسن وَمُجاهد وَإِسْحَاق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَ الْعَبدَرِي: وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء، وَفِي (التَّوْضِيح) : الْحِنَّاء عندنَا لَيْسَ طيبا، خلافًا لأبي حنيفَة، وَعند مَالك وَأحمد: فِيهِ الْفِدْيَة. وَقَالَت عَائِشَة: وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكره رِيحه، أخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي (كتاب الخضاب) وَكَانَ يحب الطّيب فَلَو كَانَ طيبا لم يكرههُ. قلت: روى أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: اختضبوا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ طيب الرّيح يسكن الدوخة. وَأما الطّيب بعد رمي الْجَمْرَة فقد رخص فِيهِ ابْن عَبَّاس وَسعد بن أبي وَقاص وَابْن الزبير وَعَائِشَة وَابْن جُبَير وَالنَّخَعِيّ وخارجة بن زيد، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَكَرِهَهُ سَالم وَمَالك، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: وَلَا فديَة لما جَاءَ فِي ذَلِك، وَلما كَانَ الطَّحَاوِيّ مَعَ مُحَمَّد بن الْحسن فِيمَا ذهب إِلَيْهِ أجَاب عَن حَدِيث الْبَاب الَّذِي احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَآخَرُونَ، فَقَالَ: وَكَانَ من الْحجَّة لَهُ أَي: لمُحَمد بن الْحسن فِي ذَلِك أَن مَا ذكر فِي حَدِيث عَائِشَة من تطيب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد الْإِحْرَام إِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا كَانَت تطيبه إِذا أَرَادَ أَن يحرم، فقد يجوز أَن يكون كَانَت تفعل ذَلِك بِهِ ثمَّ يغْتَسل إِذا أَرَادَ أَن يحرم فَيذْهب بِغسْلِهِ عَنهُ مَا كَانَ على بدنه من طيب وَيبقى فِيهِ رِيحه. وَادّعى ابْن الْقصار والمهلب: أَنه كَانَ من خواصه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزَاد الْمُهلب معنى آخر: أَنه خص بِهِ لمباشرته الْمَلَائِكَة بِالْوَحْي وَغَيره، وَقد ذَكرْنَاهُ.

٩٣٥١ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحمان بنِ القَاسمِ عنْ أبيهِ عنْ عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ كُنت أطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأِحرَامهِ حِينَ يُحْرَمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلِ أنْ يَطوفَ بِالبَيْتِ..

وَهَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة. وَقَالَ أَبُو عمر: حَدِيث عَائِشَة هَذَا صَحِيح ثَابت لَا يخْتَلف أهل الْعلم فِي صِحَّته وثبوته، وَقد رُوِيَ عَن عَائِشَة من وُجُوه. قلت: قد ذكرنَا أَن الطَّحَاوِيّ أخرجه من ثَمَانِيَة عشر طَرِيقا. قَوْله: (لإحرامه) أَي: لأجل إِحْرَامه، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ (حِين أَرَادَ أَن يحرم) . قَوْله: (ولحله) أَي: ولتحلله من مَحْظُورَات الْإِحْرَام، وَذَلِكَ بعد أَن يَرْمِي ويحلق. وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ عَن قريب.

وَقيل: اسْتدلَّ بقول عَائِشَة: كنت أطيب ... ، على أَن: كَانَ، لَا تَقْتَضِي التّكْرَار لِأَنَّهَا لم يَقع ذَلِك مِنْهَا إلَاّ مرّة وَاحِدَة، وَقد صرحت فِي رِوَايَة عُرْوَة عَنْهَا بِأَن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع، وَكَذَا اسْتدلَّ بِهِ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) وَاعْترض بِأَن الْمُدعى تكراره إِنَّمَا هُوَ التَّطَيُّب لَا الْإِحْرَام، وَلَا مَانع من أَن يتَكَرَّر التَّطَيُّب لأجل الْإِحْرَام مَعَ كَون الْإِحْرَام مرّة وَاحِدَة. وَقَالَ الإِمَام فَخر الدّين: إِن: كَانَ، لَا تَقْتَضِي التّكْرَار وَلَا الِاسْتِمْرَار، وَجزم ابْن الْحَاجِب بِأَنَّهَا تَقْتَضِيه. وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين، تَقْتَضِي التّكْرَار، وَلَكِن قد تقع قرينَة تدل على عَدمه. قلت: كَانَ، تَقْتَضِي الِاسْتِمْرَار بِخِلَاف: صَار، وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُقَال فِي مَوضِع: كَانَ الله، أَن يُقَال. صَار. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا اللَّفْظ يَعْنِي لفظ: كنت، فِي قَول عَائِشَة: كنت أطيب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم تتفق الروَاة عَنْهَا عَلَيْهَا، فَسَيَأْتِي للْبُخَارِيّ من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم شيخ مَالك فِيهِ هُنَا بِلَفْظ: طيبت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَسَائِر الطّرق لَيْسَ فِيهَا صِيغَة: كَانَ. قلت: فِي رِوَايَة مُسلم عَن الْأسود عَن عَائِشَة: إِنِّي كنت لأنظر إِلَى وبيص الطّيب، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: عَن عُرْوَة عَنْهَا، قَالَت: كنت أطيب ... وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عمر عَنْهَا قَالَت كنت أطيب وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ أَيْضا: عَن الْأسود عَنْهَا: أَنَّهَا كَانَت تطيب ... رَوَاهَا من طَرِيق الْفرْيَابِيّ عَن مَالك بن مغول عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَنْهَا، وَكَذَا روى من طَرِيق إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْأسود عَن أَبِيه عَنْهَا: كَانَت تطيب، وَهَذَا الْقَائِل كَأَنَّهُ لم يطلع على هَذِه الرِّوَايَات، فَلهَذَا ادّعى بقوله: وَسَائِر الطّرق لَيْسَ فِيهَا صِيغَة: كَانَ، وَهَذِه الَّتِي ذَكرنَاهَا فِيهَا صِيغَة: كَانَ وَكنت.

وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّطَيُّب عِنْد إِرَادَة الْإِحْرَام وَجَوَاز استدامته بعد الْإِحْرَام، كَمَا ذَكرْنَاهُ مفصلا، وَعَن مَالك: يحرم، وَعنهُ فِي وجوب الْفِدْيَة قَولَانِ.

واحتجت الْمَالِكِيَّة فِيهِ بأَشْيَاء: مِنْهَا: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اغْتسل بعد أَن تطيب كَمَا فِي حَدِيث إِبْرَاهِيم بن الْمُنْتَشِر الَّذِي تقدم فِي الْغسْل، ثمَّ طَاف على نِسَائِهِ ثمَّ أصبح محرما، وَالْمرَاد من الطّواف: الْجِمَاع، وَكَانَ من عَادَته أَن يغْتَسل عِنْد كل وَاحِدَة، فالضرورة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْوَحْدَةَ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْفِعْلِ الْوَاقِعِ مِنَ الْقِرَانِ إِذْ ذَاكَ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ بِلَفْظِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الْعَقِيقِ كَفَضْلِ الْمَدِينَةِ وَفَضْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ نُزُولِ الْحَاجِّ فِي مَنْزِلَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْبَلَدِ وَمَبِيتِهِمْ بِهَا لِيَجْتَمِعَ إِلَيْهِمْ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ مِمَّنْ أَرَادَ مُرَافَقَتَهُمْ، وَلِيَسْتَدْرِكَ حَاجَتَهُ مَنْ نَسِيَهَا مَثَلًا فَيَرْجِعَ إِلَيْهَا مِنْ قَرِيبٍ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ أُرِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ فِي الْمَنَامِ. وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: رُؤيَ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ؛ أَيْ رَآهُ غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُعَرَّسٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي مُعَرَّسٍ بِالتَّنْوِينِ، وَقَوْلُهُ: بِبَطْنِ الْوَادِي تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّهُ وَادِي الْعَقِيقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ) هُوَ مَقُولُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: يَتَوَخَّى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَقْصِدُ، وَالْمُنَاخُ بِضَمِّ الْمِيمِ الْمَبْرَكُ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَسْفَلَ) بِالنَّصْبِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. وَقَوْلُهُ: بَيْنَهُ أَيْ بَيْنَ الْمُعَرَّسِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ: بَيْنَهُمْ؛ أَيْ بَيْنَ النَّازِلِينَ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ، وَقَوْلُهُ: وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ بَطْنِ الْوَادِي وَبَيْنَ الطَّرِيقِ، وَعِنْدَ أَبِي ذَرٍّ: وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ بِالنَّصْبِ.

١٧ - بَاب غَسْلِ الْخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ الثِّيَابِ

١٥٣٦ - قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ : أَرِنِي النَّبِيَّ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ بِالْجِعْرَانَةِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَعْلَى - وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ - فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ وَهُوَ يَغِطُّ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنْ الْعُمْرَةِ؟ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقَالَ: اغْسِلْ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَادَ الْإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.

[الحديث ١٥٣٦ - أطرافه في: ١٧٨٩، ١٨٤٧، ٤٣٢٩، ٤٩٨٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الْخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ) الْخَلُوقُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ مُرَكَّبٌ فِيهِ زَعْفَرَانٌ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَاصِمٍ) هُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ أَرَهُ عَنْهُ إِلَّا بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَا خَبَرٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فَقَالَ: ذُكِرَهُ بِلَا رِوَايَةٍ. وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَعْمَرٍ أَوِ ابْنُ بَشَّارٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْمَتْنِ ذِكْرُ الْخَلُوقِ وَإِنَّمَا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهُوَ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ بِلَفْظِ: وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْخَلُوقِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ يَعْلَى) هُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ التَّمِيمِيُّ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُنْيَةَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَقِيلَ: جَدَّتُهُ، وَهُوَ وَالِدُ صَفْوَانَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ، وَلَيْسَتْ رِوَايَةُ صَفْوَانَ عَنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِوَاضِحَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: إِنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ يَعْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ، فَإِنْ يَكُنْ صَفْوَانُ حَضَرَ مُرَاجَعَتَهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: عَنْ صَفْوَانِ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (جَاءهَ رَجُلٌ) سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ

بِلَفْظِ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ فَتْحُونٍ فِي الذَّيْلِ عَنْ تَفْسِيرِ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّ اسْمَهُ عَطَاءُ بْنُ مُنْيَةَ، قَالَ ابْنُ فَتْحُونٍ: إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ أَخُو يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ رَاوِي الْخَبَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَطَأٌ مِنَ اسْمِ الرَّاوِي، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ عَطَاءٍ، وَيَعْلَى أَحَدًا، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ مَا نَصُّهُ: هَذَا الرَّجُلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَمْرَو بْنَ سَوَادٍ؛ إِذْ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَأَنَا مُتَخَلِّقٌ، فَقَالَ: وَرْسٌ وَرْسٌ، حُطَّ حُطَّ، وَغَشِيَنِي بِقَضِيبٍ بِيَدِهِ فِي بَطْنِي فَأَوْجَعَنِي، الْحَدِيثَ. فَقَالَ شَيْخُنَا: لَكِنْ عَمْرٌو هَذَا لَا يُدْرَكُ ذَا، فَإِنَّهُ صَاحِبُ ابْنِ وَهْبٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَهُوَ مُعْتَرَضٌ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَمَّا أَوَّلًا فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ شَبِيهَةً بِهَذِهِ الْقِصَّةِ حَتَّى يُفَسَّرَ صَاحِبُهَا بِهَا، وَأَمَّا ثَانِيًا فَفِي الِاسْتِدْرَاكِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ، لَا يُتَخَيَّلُ فِيهِ أَنَّهُ صَاحِبُ ابْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ، بَلْ إِنْ ثَبَتَ فَهُوَ آخَرُ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَهُ وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِيهِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ عَلَى شَيْخِنَا، وإِنَّمَا الَّذِي فِي الشِّفَاءِ سَوَادُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ: سَوَادَةُ بْنُ عَمْرٍو، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْمَذْكُورَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ وَالْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَفْصِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ يَعْلَى أَنَّهُ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ وَهُوَ مُتَخَلِّقٌ، فَقَالَ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ. فَقَدْ يَتَوَهَّمُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ هُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ الثَّقَفِيُّ، وَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ قِصَّةِ صَاحِبِ الْإِحْرَامِ. نَعَمْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ زِيَادٍ الْوَضَّاحِيُّ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ يَنْزِعَهَا. قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: إِنَّمَا كُنَّا نَرَى أَنْ نَشُقَّهَا، فَقَالَ عَطَاءٌ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.

قَوْلُهُ: (قَدْ أُظِلَّ بِهِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ جُعِلَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ حِينَئِذٍ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ - وَهُوَ الْإِتْمَامُ - يَسْتَدْعِي وُجُوبَ اجْتِنَابِ مَا يَقَعُ فِي الْعُمْرَةِ.

قَوْلُهُ: (يَغِطُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ يَنْفُخُ. وَالْغَطِيطُ صَوْتُ النَّفْسِ الْمُتَرَدِّدِ مِنَ النَّائِمِ أَوِ الْمُغْمَى، وَسَبَبُ ذَلِكَ شِدَّةُ ثِقَلِ الْوَحْيِ، وَكَانَ سَبَبُ إِدْخَالِ يَعْلَى رَأْسَهُ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ لَوْ رَآهُ فِي حَالَةِ نُزُولِ الْوَحْيِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ حِينَئِذٍ: تَعَالَ فَانْظُرْ، وَكَأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَشُقُّ عَلَى النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (سُرِّيَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ؛ أَيْ كُشِفَ عَنْهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

قَوْلُهُ: (اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ) هُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَمَا تَصْنَعُ وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ بِلَفْظِ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ: وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ. وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَعْمَالَ الْحَجِّ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كَأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَخْلَعُونَ الثِّيَابَ وَيَجْتَنِبُونَ الطِّيبَ فِي الْإِحْرَامِ إِذَا حَجُّوا، وَكَانُوا يَتَسَاهَلُونَ فِي ذَلِكَ فِي الْعُمْرَةِ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ أَنَّ مَجْرَاهُمَا وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: قَوْلُهُ واصْنَعْ مَعْنَاهُ اتْرُكْ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ؛ وَهِيَ أَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: أَرَادَ الْأَدْعِيَةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التُّرُوكَ مُشْتَرَكَةٌ بِخِلَافِ الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ فِي الْحَجِّ أَشْيَاءَ زَائِدةً عَلَى الْعُمْرَةِ، كَالْوُقُوفِ

وَمَا بَعْدَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ كَمَا قَالَ ابنُ بَطَّالٍ، وَزَادَ: وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْأَعْمَالِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْحَجُّ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْمَأْمُورُ بِهِ غَيْرُ نَزْعِ الثَّوْبِ وَغَسْلِ الْخَلُوقِ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ لَهُ بِهِمَا فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْفِدْيَةُ.

كَذَا قَالَ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْحَصْرِ، بَلِ الَّذِي تَبَيَّنَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْغَسْلُ وَالنَّزْعُ، وَذَلِكَ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ عَطَاءٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟ قَالَ: أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ الثِّيَابَ وَأَغْسِلُ عَنِّي هَذَا الْخَلُوقَ. فَقَالَ: مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ، وَأَنَّهُ أَعَادَ لَفْظَةَ اغْسِلْهُ مَرَّةً ثُمَّ مَرَّةً عَلَى عَادَتِهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثا لِتُفْهَمَ عَنْهُ، نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْخَلُوقَ كَانَ عَلَى الثَّوْبِ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُتَضَمِّخًا. وَقَوْلُهُ لَهُ: اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ، يُوَضِّحُ أَنَّ الطِّيبَ لَمْ يَكُنْ فِي ثَوْبِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْجُبَّةِ لَكَانَ فِي نَزْعِهَا كِفَايَةٌ مِنْ جِهَةِ الْإِحْرَامِ اهـ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ عَلَى عَادَتِهِ يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ، وَسَيَأْتِي فِي محُرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: عَلَيْهِ قَمِيصٌ فِيهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ. وَالْخَلُوقُ فِي الْعَادَةِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الثَّوْبِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ بِلَفْظِ: رَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ جُبَّةٌ عَلَيْهَا أَثَرُ خَلُوقٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ رَبَاحِ بْنِ أَبِي مَعْرُوفٍ، عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَمَنْصُورٌ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ وَعَلَيَّ جُبَّتِي هَذِهِ. وَعَلَى جُبَّتِهِ رَدْغٌ مِنْ خَلُوقٍ، الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَقَالَ: اخْلَعْ هَذِهِ الْجُبَّةَ وَاغْسلْ هَذَا الزَّعْفَرَانَ.

وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ يَعْلَى عَلَى مَنْعِ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لِلْأَمْرِ بِغَسْلِ أَثَرِهِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ قِصَّةَ يَعْلَى كَانَتْ بِالْجِعِرَّانَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهِيَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ بِلَا خِلَافٍ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَيَّبَتْ رَسُولَ اللَّهِ بِيَدَيْهَا عِنْدَ إِحْرَامِهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الَّذِي بَعْدَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنَ الْأَمْرِ، وَبِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِغَسْلِهِ فِي قِصَّةِ يَعْلَى إِنَّمَا هُوَ الْخَلُوقُ لَا مُطْلَقُ الطِّيبِ، فَلَعَلَّ عِلَّةَ الْأَمْرِ فِيهِ مَا خَالَطَهُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ. وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ تَزَعْفُرِ الرَّجُلِ مُطْلَقًا مُحْرِمًا وَغَيْرَ مُحْرِمٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي قَرِيبًا: وَلَا يَلْبَسُ - أَيِ الْمُحْرِمُ - مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَعْفَرَان. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي أَيْضًا: وَلَمْ يَنْهَ إِلَّا عَنِ الثِّيَابِ الْمُزَعْفَرَةِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي ذَلِكَ في الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ طِيبٌ فِي إِحْرَامِهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَ فَبَادَرَ إِلَى إِزَالَتِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ: يَجِبُ مُطْلَقًا، وَعَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا صَارَ عَلَيْهِ الْمَخِيطُ نَزَعَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ تَمْزِيقُهُ وَلَا شَقُّهُ خِلَافًا لِلنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ؛ حَيْثُ قَالَا: لَا يَنْزِعُهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَصِيرَ مُغَطِّيًا لِرَأْسِهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا.

وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَكَذَا عَنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي قِلَابَةَ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، فَخَلَعَهَا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ. وَعَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ وَالْحَاكِمَ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْحُكْمَ يُمْسِكُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ، وَعَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ ثَبَتَ بِالْوَحْيِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُتْلَى، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَعَلَى أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَكُنْ يَحْكُمْ بِالِاجْتِهَادِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَحْضُرْهُ الْوَحْيُ.

١٨ - بَاب الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَمَا يَلْبَسُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَتَرَجَّلَ وَيَدَّهِنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«وسطًا» بعد قوله: «بين» وإن كان معلومًا منه ليبيِّن أنَّه (١) في حاقِّ الوسط من غير قربٍ لأحد الجانبين.

(١٧) (بابُ غَسْلِ الخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ) بفتح الخاء وضمِّ اللَّام مُخفَّفةً وآخره قافٌ: ضربٌ من الطِّيب يُعمَل فيه زعفرانٌ.

١٥٣٦ - وبالسَّند قال: (قَالَ أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل، كذا أورده (٢) بصيغة التَّعليق، وبه جزم الإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ، وقِيلَ: إنَّه وقع في نسخةٍ أو روايةٍ: «حدَّثنا أبو عاصمٍ» قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ: (أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (يَعْلَى) يعني: ابن أميَّة التَّميميَّ، المعروف بابن مُنْيَة؛ بضمِّ الميم وسكون النُّون

وفتح التَّحتيَّة وهي أمُّه، وقيل: جدَّته (قَالَ لِعُمَرَ) بن الخطَّاب (: أَرِنِي النَّبِيَّ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ بِالجِعِْرَانَةِ) بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الرَّاء، كما ضبطه جماعةٌ من اللُّغويِّين ومحقِّقي المحدِّثين، ومنهم من ضبطه بكسر العين وتشديد الرَّاء، وعليه أكثر المحدِّثين، قال صاحب «المطالع»: أكثر المحدِّثين يشدِّدونها، وأهل الأدب يخطِّئونهم ويخفِّفونها، وكلاهما صوابٌ (وَمَعَهُ) (نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) جماعةٌ منهم، والواو للحال، وكان ذلك في سنة ثمانٍ، وجواب «بينما» قوله: (جَاءَهُ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرف اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في «الذَّيل» عن «تفسير الطُّرطوشيِّ» أنَّ اسمَه: عطاءُ ابن منية، قال ابن فتحون: فإن ثبت ذلك فهو أخو يعلى الرَّاوي (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهْوَ مُتَضَمِّخٌ) بالضَّاد والخاء المعجمتين، أي: متلطِّخٌ (١) (بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَعْلَى وَعَلَى رَسُولِ اللهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ) بضمِّ الهمزة وكسر الظَّاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، والنَّائب عن الفاعل ضميرٌ يعود على النَّبيِّ ، أي: جُعِل الثَّوب له كالظُّلَّة يستظلُّ به (٢) (فَأَدْخَلَ) يعلى (رَأْسَه) ليراه حال نزول الوحي، وهو محمولٌ على أنَّ عمر ويعلى عَلِمَا أنَّه لا يكره الاطِّلاع عليه في ذلك الوقت لأنَّ فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حال الوحي الكريم (فَإِذَا رَسُولُ اللهِ مُحْمَرُّ الوَجْهِ وَهُوَ يَغِطُّ) بغينٍ معجمةٍ مكسورةٍ وطاءٍ مهملةٍ مُشدَّدةٍ من الغطيط؛ وهو صوت النَّفَس المتردِّد من النَّائم من شدَّة ثقل الوحي (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) ؛ بسينٍ مهملةٍ مضمومةٍ وراءٍ مُشدَّدةٍ، أي: كُشِف عنه شيئًا فشيئًا، ورُوِي بتخفيف الرَّاء، أي: كُشِف عنه ما يتغشَّاه من ثقل الوحي، يُقال: سروتُ الثَّوب وسَرَيْتُه: نزعته، والتَّشديد أكثر لإفادة التَّدريج (فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ) : (اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) استُدِلَّ به على منع استدامة الطِّيب بعد الإحرام، للأمر بغسل أثره من

الثَّوب والبدن لعموم قوله: «اغسل الطِّيب الذي بك» وهو قول مالكٍ ومحمَّد بن الحسن، وأجاب الجمهور بأنَّ قصَّة يعلى كانت بالجعرانة سنة ثمانٍ بلا خلافٍ -كما مرَّ- وقد ثبت عن عائشة [خ¦٥٩٣٠]: أنَّها طيَّبته بيدها في حجَّة الوداع سنة عشرٍ بلا خلافٍ، وإنَّما يؤخذ بالآخِر فالآخر من الأمر، والظَّاهر أنَّ العامل في «ثلاثَ مرَّاتٍ» أقرب الفعلين إليه وهو «اغسل»، وعليه فيكون قوله: «ثلاثَ مرَّاتٍ» من جملة مقول النَّبيِّ ، وهو نصٌّ في تكرار (١) الغسل، ويحتمل أن يكون العامل فيه «قال» أي: قال له النَّبيُّ : ثلاث مرَّاتٍ اغسل الثَّوب (٢)، فلا يكون فيه تنصيصٌ على أمره بثلاث غسلاتٍ؛ إذ ليس في قوله: «اغسل الطِّيب» تصريحٌ بالغسلات الثَّلاث لاحتمال كون المأمور به غسلةً واحدةً، لكنَّه أكَّد في شأنها، وعلى الأوَّل فهمه ابن المُنيِّر، فإنَّه قال: في الحديث ما يدلُّ على أنَّ المعتبرَ في هذا الباب ذهابُ الجرم الظَّاهر لا الأثر بالكلِّيَّة لأنَّ الصِّباغ لا يزول لونه ولا رائحته بالكلِّيَّة بثلاث مرَّاتٍ، فعلى هذا من غسل الدَّم من ثوبه لم يضرَّه بقاء طبعه. انتهى. لكن لو كان في الحديث ما يدلُّ على أنَّ الخلوق كان في الثَّوب أمكن ما قاله، ولكنَّ ظاهره أنَّ الخلوق كان في بدنه لا في ثيابه لقوله: «وهو متضمِّخٌ بطيبٍ»، وإذا كان الخلوق في البدن أمكن أن تزول رائحته ولونه بالكلِّيَّة بغسله ثلاث مرَّاتٍ؛ لأنَّ علوق الطِّيب بالبدن أخفُّ من علوقه بالثَّوب، قاله في «المصابيح».

(وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما تصنع في حجِّك» بإسقاط كاف «كما» وتاء «حجَّتك»، وفيه: دلالةٌ على أنَّه كان يعرف أعمال (٣) الحجِّ قبل ذلك، وعند مسلمٍ والنَّسائيِّ من طريق سفيان عن عمرو بن دينارٍ عن عطاءٍ في هذا الحديث، فقال: «ما كنتَ صانعًا في حجِّك؟ قال: أنزع عنِّي هذه الثِّياب، وأغسل عنِّي هذا الخلوق، فقال: ما كنت صانعًا في حجِّك فاصنعه في عمرتك» أي: فلمَّا ظنَّ أنَّ العمرة ليست كالحجِّ قال له: إنَّها كالحجِّ في ذلك، وقد تبيَّن (٤) أنَّ المأمور به في قوله: «اصنع» الغسلُ والنَّزعُ.

قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَادَ) (الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ) (أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ

مَرَّاتٍ، قَالَ: نَعَمْ) أراد الإنقاء، وهو يؤيِّد الاحتمال الأوَّل، وهو أن يكون (١) «ثلاث مرَّاتٍ» معمولًا لـ «اغسل»، وأنَّه من كلام النَّبيِّ ، وقال الإسماعيليُّ: ليس في الخبر أنَّ الخلوق كان على الثَّوب كما في التَّرجمة، وإنَّما فيه أنَّ الرَّجل كان متضمِّخًا، ولا يُقال لمن طيَّب ثوبه أو صبغه به: متضمِّخٌ (٢)، وقوله : «اغسل الطِّيب الذي بك» يبيِّن أنَّ الطِّيب لم يكن في ثوبه، ولو كان على الجبَّة لكان في نزعها كفايةٌ من جهة الإحرام. انتهى. يعني: فليس بين (٣) الحديث والتَّرجمة مطابقةٌ، وأُجيب بأنَّ المؤلِّف جرى على عادته أن يشير إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده، وقد أورده في «محرَّمات الإحرام» (٤) [خ¦١٨٤٧] من وجهٍ آخر بلفظ: «عليه قميصٌ فيه أثر صُفْرَةٍ» والخلوق في العادة إنَّما يكون في الثَّوب، ولأبي داود الطَّيالسيِّ في «مُسنَده» عن شعبة عن قتادة عن عطاءٍ: رأى النَّبيُّ (٥) رجلًا عليه جبَّةٌ، عليها أثر خلوقٍ، ولـ «مسلمٍ» مثله من طريق رباح بن أبي معروفٍ عن عطاءٍ.

ورواة حديث الباب مكِّيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف عاصم النَّبيل فبصريٌّ، وفي سنده (٦) انقطاعٌ إلَّا إن كان صفوان حضر مراجعة يعلى وعمر، فيكون متَّصلًا؛ لأنَّه قال: «أنَّ يعلى» ولم يقل: إنَّ يعلى أخبره أنَّه قال لعمر.

وأخرجه أيضًا في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٥] و «المغازي» [خ¦٤٣٢٩]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

(١٨) (بابُ) استحباب استعمال (الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ) في البدن والثَّوب ولو للنِّساء (وَمَا يَلْبَسُ)

الشَّخص (إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَتَرَجَّلَُ) بتشديد الجيم والرَّفع عطفًا على قوله: «وما يلبس» وبالنَّصب بـ «أنَّ» مُقدَّرةً، وهو الذي في «اليونينيَّة» لا غير؛ كقوله:

ولُبْسُ عباءةٍ وتَقرَّ عيني ......................

أي: ويسرِّح شعره بالمشط (وَيَدَّهِنَُ) بكسر الهاء مع تشديد الدَّال من الافتعال، معطوفٌ على سابقه، أي: يطلي بالدُّهن.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) فيما وصله سعيد بن منصورٍ: (يَشَُمُّ المُحْرِمُ الرَّيْحَانَ) بفتح شين «يشَُمُّ» على المشهور، وحُكِي ضمُّها (١)، وروى الدَّارقطنيُّ عنه (٢) بسندٍ صحيحٍ: المحرم يشمُّ الرَّيحان، ويدخل الحمَّام، وينزع ضرسه، ويفقأ القرحة، وإن انكسر ظفره أماط عنه الأذى، ومذهب الشَّافعيَّة أنَّه يحرم شمُّ الرَّيحان الفارسيِّ، وهو الضَّيْمُران (٣) -بفتح المعجمة وضمِّ الميم- بالقياس على تحريم شمِّ الطِّيب للمُحْرِم لأنَّ معظم الغرض منه رائحته الطَّيِّبة، وكرهه مالكٌ والحنفيَّة، وتوقَّف أحمد.

وقال (٤) أيضًا ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (وَيَنْظُرُ فِي المِرْآةِ) بكسر الميم وسكون الرَّاء بوزن «مِفْعَالٍ»، ونُقلِ كراهته عن القاسم بن محمَّدٍ، وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتَِ وَالسَّمْنَِ) بالجرِّ فيهما، وصحَّح عليه ابن مالكٍ بدلًا من الموصول المجرور بالباء، وبالنَّصب، قال الزَّركشيُّ وغيره: إنَّه المشهور، وليس المعنى عليه، فإنَّ الذي يأكل هو الآكل لا المأكول. انتهى. قال في «المصابيح»: لِمَ لا يجوز على النَّصب أن يكون بدلًا من العائد إلى «ما» الموصولة (٥)؟ أي: بما يأكله الزَّيت والسَّمن، فالذي

يأكله حينئذٍ هو المأكول لا الآكل، ثمَّ قال: فإن قلت: يلزم عليه حذف المُبدَل منه، وأجاب بأنَّه قد قِيلَ به في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ﴾ [النحل: ١١٦] فقال قومٌ: إنَّ «الكذب» بدلٌ من مفعول «تصف» المحذوف، أي: لما تصفه، وقِيلَ به أيضًا في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١] أي: كما أرسلناه، و «رسولًا» بدلٌ من الضَّمير المحذوف، قال: والزَّركشيُّ ظنَّ أنَّ «الزَّيت» مفعول «أكل»، فقال: إنَّ الذي يأكل الزَّيت مثلًا عبارةٌ عن الآكل لا المأكول، والمطلوب هو جواز التَّداوي بالمأكول، فلا يتأتَّى المعنى المراد، وقد استبان لك تأتِّيه بما قلناه (١). انتهى.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (يَتَخَتَّمُ) أي: يلبس الخاتم (وَيَلْبَسُ الهِمْيَانَ) بكسر الهاء وسكون الميم، قال القزَّاز (٢): فارسيٌّ مُعرَّبٌ يشبه تِكَّة السَّراويل، تُجعَل فيه الدَّراهم، ويُشَدُّ على الوسط.

(وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ ) ممَّا وصله الإمام الشَّافعيُّ من طريق طاوسٍ (وَهُوَ مُحْرِمٌ) الواو للحال (وَقَدْ حَزَمَ) بفتح الحاء المهملة والزَّاي، أي: شدَّ (عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ، وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ ) فيما (٣) وصله سعيد بن منصورٍ (بِالتُّبَّانِ بَأْسًا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد المُوحَّدة: سراويل قصيرٌ يستر العورة المُغلَّظة، يلبسه الملَّاحون ونحوهم (لِلَّذِينَ يُرَحِّلُونَ) بضمِّ أوَّله وفتح الرَّاء وتشديد الحاء المهملة المكسورة، وفي نسخةٍ: «يَرْحَلون» بفتح الياء والحاء والرَّاء ساكنةٌ، قال الجوهريُّ: رَحَلْتُ البعيرَ أَرْحَلَهُ -بفتح أوَّله- رَحْلًا، واستشهد البخاريُّ في «التَّفسير» [خ¦٦٥ - ٦٧٤٠] بقول الشَّاعر:

إذا ما قمتُ أَرْحَلُها بليلٍ .......................

قال في «الفتح»: وعلى هذا فوهم من ضبطه هنا: بتشديد الحاء المهملة وكسرها،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الطَّرِيقِ وسَطٌ مِنْ ذالِكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّك ببطحاء مباركة) .

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن أبي بكر عَليّ بن عَطاء بن مقدم أَبُو عبد الله الْمَعْرُوف بالمقدمي. الثَّانِي: فُضَيْل بن سُلَيْمَان النميري. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي. الرَّابِع: سَالم بن عبد الله. الْخَامِس:: أَبوهُ عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه ذكر فِي: بَاب الْمَسَاجِد الَّتِي على طرق الْمَدِينَة! وَقد ذكرنَا لطائفة هُنَاكَ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك، وَفِي الْمُزَارعَة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بكار، وَشُرَيْح بن يُونُس وَعَن مُحَمَّد بن عباد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَبدة ابْن عبد الله عَن سُوَيْد بن عَمْرو.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّه رُئي) ، بِضَم الرَّاء وَكسر الْهمزَة أَي: رَآهُ غَيره، هَذِه رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة غَيرهَا: أرِي بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: رأى بِلَفْظ الْمَاضِي الْمَعْرُوف من الرُّؤْيَا، وَفِي بَعْضهَا: ورؤي، بِلَفْظ الْمَجْهُول من الإراءة مقلوبا وَغير مقلوب. قلت: فِي رِوَايَة مُسلم: أَتَى: (فِي معرس) قَوْله: (وَهُوَ معرس) ، جملَة حَالية، ومعرس، بِكَسْر الرَّاء على لفظ إسم الْفَاعِل من التَّعْرِيس، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَهُوَ فِي معرسه، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم: وَهُوَ فِي معرسه من ذِي الحليفة فِي بطن الْوَادي، وَهنا الرَّاء مَفْتُوحَة لِأَنَّهُ اسْم مَكَان من التَّعْرِيس. قَوْله: (وَقد أَنَاخَ بِنَا سَالم مقول مُوسَى بن عقبَة الرَّاوِي عَنهُ قَوْله (يتوخى) جملَة حَالية أَي يتحَرَّى ويقصد قَوْله بالمناخ بِضَم الْمِيم وَهُوَ المبرك قَوْله ينيخ من أَنَاخَ إناخة أَي: يبرك بعيره. قَوْله: (يتحرَّى) جملَة حَالية أَي: يقْصد. قَوْله: (مرس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِفَتْح الرَّاء لِأَنَّهُ اسْم مَكَان من التَّعْرِيس. قَوْله: (وَهُوَ أَسْفَل) لَفْظَة: هُوَ، مُبْتَدأ، و: أَسْفَل، خَبره. وَقَوله: (بَينه وَبَين الطَّرِيق) خبر ثَان، قَوْله: (وسط) خبر ثَالِث، وَيجوز أَن يكون بَدَلا. وَقَوله: (بَينه) أَي: بَين المعرس بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ بإفراد الضَّمِير رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (بَينهم) ، أَي: بَين المعرسين، بِكَسْر الرَّاء جمع المعرس. قَوْله: (وسط) بِفَتْح السِّين أَي: متوسط بَين بطن الْوَادي وَبَين الطَّرِيق. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وسطا من ذَلِك، بِالنّصب، وَوَجهه أَن يكون حَالا بِمَعْنى: متوسطا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا فَائِدَة الثَّالِث: يَعْنِي قَوْله: وسط، وَهُوَ مَعْلُوم من الثَّانِي يَعْنِي: من قَوْله بَينه وَبَين الطَّرِيق؟ قلت: بَيَان أَنه فِي حلق الواسط لَا قرب لَهُ إِلَى أحد الْجَانِبَيْنِ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُور من الْفرق بَين الْوسط، بتحريك السِّين، وَالْوسط بسكونها.

٧١ - (بابُ غَسْلِ الخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بيانِ غسل الخلوق، وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضم اللَّام المخففة، وبالقاف ضرب من الطّيب يعْمل فِيهِ الزَّعْفَرَان.

حدَّثنا قَالَ أبُو عَاصِمٍ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ أَخْبرنِي عَطَاءٌ عَنْ صَفْوَانَ بنَ يَعْلَى أخْبَرَهُ أنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أرِنِي النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ يُوحى إليهِ قَالَ فَبَيْنَما النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالجِعْرَانَةِ ومعَهُ نَفَرٌ مَنْ أصْحَابِهِ جاءَهُ رَجلٌ فقالَ يَا رسولَ الله كيفَ تَرى فِي رَجلٍ أحْرَمَ بِعُمُرَةٍ وهْوَ مُتَضَمِّخٌ بِطيبٍ فسَكتَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ساعَةً فجَاءَهُ الوَحْيُ فأشارَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ إلَى يَعْلَى فجاءَ يَعْلَى وعَلى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ فأدْخَلَ رَأسَهُ فإذَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْمَرُّ الوَجْهِ وَهْوَ يَغِطُّ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ أينَ الَّذي سألَ عنِ العُمْرَةِ فأُتِيَ بِرجُلٍ فَقَالَ اغْسِلْ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثلاثَ مَرَّاتٍ وَانْزَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حجَّتِكَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ أرَادَ الإنْقَاءَ حِينَ أمَرَهُ أنْ يَغْسِلَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَ نَعَمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اغسل الطّيب الَّذِي بك ثَلَاث مَرَّات) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب أَن الخلوق كَانَ على الثَّوَاب، كَمَا فِي التَّرْجَمَة، وَإِنَّمَا فِيهِ أَن الرجل ان متضمخا. وَقَوله لَهُ: (اغسل الطّيب الَّذِي بك) يُوضح أَن الطّيب لم يكن فِي ثَوْبه، وَإِنَّمَا كَانَ على بدنه، وَلَو كَانَ على الْجُبَّة لَكَانَ فِي نَزعهَا كِفَايَة من جِهَة الْإِحْرَام. انْتهى. قلت: قَوْله: لَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب أَن الخلوق كَانَ على الثَّوْب، كَمَا فِي التَّرْجَمَة، غير مُسلم، لِأَن فِي الحَدِيث: وَهُوَ متضمخ بِطيب، أَعم من أَن يكون على بدنه أَو على ثَوْبه، وَكَذَلِكَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اغسل الطّيب الَّذِي بك) أَعم من أَن يكون على بدنه أَو على ثَوْبه، على أَن الخلوق فِي الْعَادة يكون فِي الثَّوْب، وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَا مَا سَيَأْتِي فِي مُحرمَات الْإِحْرَام من وَجه آخر: بِلَفْظ: عَلَيْهِ قَمِيص فِيهِ أثر صفرَة، وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن عَطاء بِلَفْظ: رأى رجلا عَلَيْهِ جُبَّة عَلَيْهَا أثر خلوق، وروى مُسلم: حَدثنِي إِسْحَاق بن مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ عبيد الله بن عبد الْمجِيد حَدثنَا رَبَاح بن أبي مَعْرُوف، قَالَ: سَمِعت عَطاء، قَالَ: أَخْبرنِي صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَتَاهُ رجل عَلَيْهِ جُبَّة بهَا أثر من خلوق، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي أَحرمت بِعُمْرَة، فَكيف أفعل؟ فَسكت عَنهُ فَلم يرجع إِلَيْهِ، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يستره إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي، يظله، فَقلت لعمر: إِنِّي أحب إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي أَن أَدخل رَأْسِي مَعَه فِي الثَّوْب، فَجِئْته فأدخلت رَأْسِي مَعَه فِي الثَّوْب فَنَظَرت إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا سري عَنهُ قَالَ: أَيْن السَّائِل آنِفا عَن الْعمرَة؟ فَقَامَ إِلَيْهِ الرجل، فَقَالَ: إنزع عَنْك جبتك واغسل أثر الخلوق الَّذِي بك وَافْعل فِي عمرتك مَا كنت فَاعِلا فِي حجك، وَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن أثر الخلوق كَانَ على ثوب الرجل، وَلم يكن على بدنه، وَفِي رِوَايَة أبي عَليّ الطوسي: عَلَيْهِ جُبَّة فِيهَا ردع من زعفران ... الحَدِيث، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن عَطاء عَن يعلى مَرْفُوعا: رأى رجلا عَلَيْهِ جُبَّة عَلَيْهَا أثر خلوق أَو صفرَة فَقَالَ: إخلعها عَنْك وَاجعَل فِي عمرتك مَا تجْعَل فِي حجك. قَالَ قَتَادَة: فَقلت لعطاء: كُنَّا نسْمع أَنه قَالَ: شقها، قَالَ: هَذَا فَسَاد، وَالله لَا يحب الْفساد. وَعند أبي دَاوُد: فَأمره أَن يَنْزِعهَا نزعا ويغسلها مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. وَعِنْده: فخلعها من رَأسه، وَقَالَ سعيد بن مَنْصُور: حَدثنَا هشيم أخبرنَا عبد الْملك وَمَنْصُور وَغَيرهمَا عَن عَطاء عَن يعلى بن أُميَّة أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي أَحرمت وَعلي جبتي هَذِه، وعَلى جبته درع من خلوق ... الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ: إخلع هَذِه الْجُبَّة واغسل هَذَا الزَّعْفَرَان، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث كلهَا ترد على الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن الطّيب لم يكن على ثَوْبه، وَإِنَّمَا كَانَ على بدنه، فَإِن قلت: سلمنَا هَذَا كُله، وَكَيف تُوجد الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة وفيهَا لفظ الخلوق وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب إِلَّا لفظ الطّيب؟ قلت: جرت عَادَة البُخَارِيّ أَن يبوب بِمَا يَقع فِي بعض طرق الحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ، وَإِن لم يُخرجهُ وَهُوَ أَبْوَاب الْعمرَة بِلَفْظ: وَعَلِيهِ أثر الخلوق، على أَن الخلوق ضرب من الطّيب كَمَا ذكرنَا.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم النَّبِيل، واسْمه الضَّحَّاك بن مخلد وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده، وَهَذَا بِصُورَة التَّعْلِيق، وَبِذَلِك جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: ذكره عَن أبي عَاصِم بِلَا خبر. وَقَالَ أَبُو نعيم: ذكره بِلَا روية، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ العراقية: حَدثنَا مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم. فَهُوَ إِمَّا مُحَمَّد بن الْمثنى الْمَعْرُوف بالزمن، وَإِمَّا مُحَمَّد ابْن معمر البحراني، وَإِمَّا مُحَمَّد بن بشار، بإعجام الشين. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث: عَطاء بن أبي رَبَاح كَذَلِك. الرَّابِع: صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة، ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وروى لَهُ الْجَمَاعَة سوى ابْن مَاجَه. الْخَامِس: أَبوهُ يعلى بن أُميَّة بن أبي عُبَيْدَة التَّمِيمِي أَبُو خلف، وَأَبُو خَالِد أَو أَبُو صَفْوَان، وَهُوَ الْمَعْرُوف بيعلى بن منية، بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَيُقَال: منية جدته وَهِي: منية بنت غَزوَان أُخْت عتبَة بنت غَزوَان، وَيُقَال: منية بنت جَابر، أسلم يَوْم الْفَتْح وَشهد الطَّائِف وحنينا وتبوك مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وروى عَنهُ وَعَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تِسْعَة عشر حَدِيثا، قتل بصفين.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: قَالَ أَبُو عَاصِم، وَهُوَ تَعْلِيق. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن أَبَا عَاصِم بَصرِي والبقية مكيون، وَهَذَا الْإِسْنَاد مُنْقَطع لِأَنَّهُ قَالَ: إِن يعلى قَالَ لعمر، وَلم يقل إِن يعلى أخبرهُ أَنه قَالَ لعمر، أللهم إلَاّ إِذا كَانَ صَفْوَان حضر مراجعتهما، فَيكون مُتَّصِلا. وَقَالَ ابْن عَسَاكِر: رَوَاهُ عَبَّاس بن الْوَلِيد النَّرْسِي عَن دَاوُد الْعَطَّار عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن يعلى بن أُميَّة، أَو صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة: أَن رجلا أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يقل

عَن أَبِيه، وَرَوَاهُ قيس عَن عَطاء عَن صَفْوَان عَن أَبِيه: أَن رجلا أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ بالجعرانة قد أهل بِالْعُمْرَةِ هُوَ مصفر لجبته وَرَأسه وَعَلِيهِ جُبَّة، وَفِي رِوَايَة همام عَن عَطاء عَن صَفْوَان عَن أَبِيه ... الحَدِيث، وَفِيه: جُبَّة عَلَيْهَا خلوق أَو أثر صفرَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي الْوَلِيد فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن أبي نعيم وَفِي الْمَغَازِي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن أَيْضا عَن مُسَدّد، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن شَيبَان بن فروخ، وَعَن زُهَيْر ابْن حَرْب وَعَن عبد بن حميد وَعَن عَليّ بن حشرم وَعَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن عقبَة بن مكرم وَمُحَمّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عقبَة بن مكرم وَعَن مُحَمَّد بن كثير وَعَن مُحَمَّد بن عِيسَى وَعَن يزِيد بن خَالِد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي عمر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن روح بن حبيب وَعَن حبيب وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعبد الْجَبَّار وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن عِيسَى بن حَمَّاد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: أَرِنِي) من الإراءة، يَقْتَضِي مفعولين أَحدهمَا هُوَ نون الْمُتَكَلّم، وَالْآخر هُوَ قَوْله: النَّبِي. قَوْله: (بَيْنَمَا النَّبِي) قد مر غير مرّة أَن أصل: بَيْنَمَا، بَين زيدت فِيهِ الْمِيم وَالْألف، وَهُوَ ظرف زمَان بِمَعْنى المفاجأة، وَكَذَلِكَ: بَينا، بِدُونِ الْمِيم ويضافان إِلَى جملَة من فعل وفاعل أَو مُبْتَدأ أَو خبر، ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، وَهنا الْجُمْلَة مُبْتَدأ وَخبر، وهما قَوْله: (النَّبِي بالجعرانة) ، وَقَوله: (جَاءَ رجل) جَوَابه، و: الْجِعِرَّانَة، بِكَسْر الْجِيم وَالْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، قَالَ الْبكْرِيّ: كَذَا يَقُول الْعِرَاقِيُّونَ، وَمِنْهُم من يُخَفف الرَّاء ويسكن الْعين، وَكَذَا الْخلاف فِي الْحُدَيْبِيَة، وهما بَين الطَّائِف وَمَكَّة وَهِي إِلَى مَكَّة أدنى. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَهِي قريب من مَكَّة، وَهِي فِي الْحل وميقات الْإِحْرَام. وَقَالَ ياقوت: هِيَ غير الْجِعِرَّانَة الَّتِي بِأَرْض الْعرَاق. قَالَ سيف بن عمر: نزلها الْمُسلمُونَ لقِتَال الْفرس، وَقَالَ يُوسُف بن مَاهك. اعْتَمر بهَا ثَلَاثمِائَة نَبِي، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَعْنِي: بالجعرانة الَّتِي بِقرب مَكَّة. قَوْله: (وَمَعَهُ نفر من أَصْحَابه) الْوَاو فِيهِ للْحَال، أَي: مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمَاعَة من أَصْحَابه وَكَانَ هَذَا بالجعرانة كَمَا ثَبت هُنَا، وَفِي غَيره: فِي مُنْصَرفه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة حنين، وَفِي ذَلِك الْموضع قسم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غنائمها، وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَان كَمَا ذكره ابْن حزم وَغَيره، وهما موضعان متقاربان. قَوْله: (جَاءَهُ رجل) وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ سَيَأْتِي: جَاءَهُ أَعْرَابِي، وَلم يعرف اسْمه. وَنقل بَعضهم فِي (الذيل) عَن (تَفْسِير الطرطوشي) : أَن اسْمه عَطاء بن مُنَبّه. فَقَالَ: إِن ثَبت هَذَا فَهُوَ أَخُو يعلى رَاوِي الْخَبَر، قيل: يجوز أَن يكون خطأ من اسْم الرَّاوِي، فَإِنَّهُ من رِوَايَة عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى بن مُنَبّه عَن أَبِيه، وَمِنْهُم من لم يذكر بَين عَطاء ويعلى أحدا. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الرجل يحوز أَن يكون: عَمْرو بن سَواد، إِذْ فِي (كتاب الشِّفَاء) للْقَاضِي عِيَاض، عَنهُ قَالَ: أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا متخلق) ، فَقَالَ: ورس ورس حط حط، وغشيني بقضيب بِيَدِهِ فِي بَطْني فأوجعني ... الحَدِيث. لَكِن عَمْرو هَذَا لَا يدْرك ذَا، فَإِنَّهُ صَاحب ابْن وهب، انْتهى. وَاعْترض بعض تلامذته عَلَيْهِ من وَجْهَيْن: أما أَولا: فَلَيْسَتْ هَذِه الْقَضِيَّة شَبيهَة بِهَذِهِ الْقَضِيَّة حَتَّى يُفَسر صَاحبهَا بهَا، وَأما ثَانِيًا: فَفِي الِاسْتِدْرَاك غَفلَة عَظِيمَة، لِأَن من يَقُول: أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يتخيل فِيهِ أَنه صَاحب ابْن وهب وَصَاحب مَالك، بل إِن ثَبت فَهُوَ آخر وَافق اسْمه اسْمه، وَاسم أَبِيه، وَالْغَرَض أَنه لم يثبت. قَالَ: لِأَنَّهُ انْقَلب على شَيخنَا، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي (الشِّفَاء) : سَواد بن عَمْرو. انْتهى. قلت: رَأَيْت بِخَط بعض من أَخذ عَنهُ هَذَا الْمُعْتَرض، على هَامِش الورقة الَّتِي فِي هَذَا الْموضع من (كتاب التَّوْضِيح) ، قَالَ: فَائِدَة الَّذِي فِي الشِّفَاء سَواد بن عَمْرو، وَذكره فِي الْبَاب الثَّانِي من الْقسم الثَّالِث، وَلَفظه: وَأما حَدِيث سَواد بن عَمْرو: أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا متخلق، فَقَالَ: ورس ورس حط حط وغشيني بقضيب فِي يَده فأوجعني، فَقلت: الْقصاص يَا رَسُول الله، فكشف لي عَن بَطْنه، إِنَّمَا ضربه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمنكر رَآهُ، وَلَعَلَّه لم يرد بضربه بالقضيب إلَاّ تنبيهه، فَلَمَّا كَانَ مِنْهُ إيجاع لم يَقْصِدهُ طلب التَّحَلُّل مِنْهُ، وَلما ذكر هَذَا أنكر عَلَيْهِ وَنسبه إِلَى التخبط وَإِلَى كَلَام لَا معنى لَهُ. قَوْله: (وَهُوَ متضمخ بِطيب) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، ومتضمخ، بالضاد والحاء المعجمتين، يُقَال: تضمخ بالطيب إِذا تلطخ بِهِ وتلوث بِهِ. قَوْله: (وعَلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (قد أظل بِهِ) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة، أَي: جعل عَلَيْهِ كالظلة، وَهَذِه الْجُمْلَة حَالية، وَيجوز أَن تكون محلهَا الرّفْع على أَنه صفة لثوب. قَوْله: (فَإِذا رَسُول الله) كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (وَهُوَ يغظ) . الْوَاو فِيهِ للْحَال، ويغط بِفَتْح الْيَاء وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة بعْدهَا طاء مُهْملَة،

أَي ينْفخ، وَهُوَ من الغطيط، وَهُوَ صَوت النَّفس المتردد من النَّائِم. وَيُقَال: الغطيط صَوت بِهِ بحوحة وَهُوَ كغطيط النَّائِم، أَي شخيره وصوته الَّذِي يردده فِي حلقه وَمَعَ نَفسه، وَسبب ذَلِك شدَّة الْوَحْي وَنَقله، وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلاً} (المزمل: ٥) . قَوْله: (ثمَّ سري عَنهُ) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة، أَي: كشف عَنهُ شَيْئا بعد شَيْء بالتدريج. وَقَالَ الْكرْمَانِي: رُوِيَ بتَخْفِيف الرَّاء الْمَكْسُورَة وتشديدها، وَالرِّوَايَة بِالتَّشْدِيدِ أَكثر. قَوْله: (اغسل الطّيب الَّذِي بك) قد قُلْنَا: إِنَّه أَعم من أَن يكون بِثَوْبِهِ أَو بدنه. قَوْله: (ثَلَاث مَرَّات) ، مُبَالغَة فِي الْإِزَالَة، وَلَعَلَّ الطّيب الَّذِي كَانَ على هَذَا الرجل كَانَ كثيرا. وَيُؤَيِّدهُ قَوْله: (متضمخ) قلت: لِأَن بَاب التفعل وضع للْمُبَالَغَة. قَالَ القَاضِي: يحمل قَوْله: ثَلَاث مَرَّات على قَوْله: فاغسله، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إغسله إغسله إغسله ثَلَاث مَرَّات، يدل على صِحَّته مَا روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كَلَامه أَنه كَانَ إِذا تكلم بِكَلِمَة أَعَادَهَا ثَلَاثًا. انْتهى. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: أمره أَن يَنْزِعهَا نزعا ويغتسل مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. قَوْله: (واصنع فِي عمرتك مَا تصنع فِي حجتك) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (كَمَا تصنع) ، وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ فِي أَبْوَاب الْعمرَة: (كَيفَ تَأْمُرنِي أَن أصنع فِي عمرتي.

وَفِي مُسلم، من طَرِيق قيس بن سعد عَن عَطاء: (وَمَا كنت صانعا فِي حجتك فَاصْنَعْ فِي عمرتك) ، وَيدل هَذَا على أَنه كَانَ يعرف أَعمال الْحَج قبل ذَلِك. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: كَأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يخلعون الثِّيَاب ويجتنبون الطّيب فِي الْإِحْرَام إِذا حجُّوا، وَكَانُوا يتساهلون فِي ذَلِك فِي الْعمرَة، فَأخْبرهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن مجراهما وَاحِد. وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ الْأَدْعِيَة وَغَيرهَا مِمَّا يشْتَرك فِيهِ الْحَج وَالْعمْرَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ، كَمَا قَالَه: وَزَاد: وَيسْتَثْنى من الْأَعْمَال مَا يخْتَص بِهِ الْحَج، وَقَالَ الْبَاجِيّ: الْمَأْجُور غير نزع الثَّوْب وَغسل الخلوق، لِأَنَّهُ صرح لَهُ بهما فَلم يبْق إلَاّ الْفِدْيَة. وَفِيه نظر، لِأَن فِيهِ حصرا وَقد تبين فِيمَا رَوَاهُ مُسلم من أَن الْمَأْمُور بِهِ الْغسْل والنزع، وَذَلِكَ فِي رِوَايَته من طَرِيق سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه قَالَ: أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي: رجلا، وَهُوَ بالجعرانة وَأَنا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَلِيهِ مقطفات، يَعْنِي: جُبَّة وَهُوَ متضمخ بالخلوق، فَقَالَ: أَنِّي أَحرمت بِالْعُمْرَةِ، وعَلى هَذَا: وَأَنا متضمخ بالخلوق، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا كنت صانعا فِي حجك فاصنعه فِي عمرتك. قَوْله: (فَقلت لعطاء) الْقَائِل هُوَ ابْن جريج.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز نظر الرجل إِلَى غَيره وَهُوَ مغطى بِشَيْء وَإِدْخَال رَأسه فِي غطائه إِذا علم أَنه لَا يكره ذَلِك مِنْهُ، فَإِن يعلى أَدخل رَأسه فِيمَا أظل بِهِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ علم أَنه لَا يكره ذَلِك فِي ذَلِك الْوَقْت، لِأَن فِيهِ تَقْوِيَة الْإِيمَان بمشاهدة حَال الْوَحْي الْكَرِيم، وَكَذَلِكَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، علم ذَلِك من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَتَّى قَالَ للرجل: تَعَالَى فَانْظُر. وَفِيه: أَن الْمُفْتِي إِذا لم يعلم حكم الْمَسْأَلَة أمسك عَن جوابها حَتَّى يُعلمهُ. وَفِيه: أَن من الْأَحْكَام الَّتِي لَيست فِي الْقُرْآن مَا هُوَ بِوَحْي لَا يُتْلَى. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَأْمر الرجل بالفدية، فَأخذ بِهِ الشَّافِعِي وَالثَّوْري وَعَطَاء وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَأحمد فِي رِوَايَة، وَقَالُوا: إِن من لبس فِي إِحْرَامه مَا لَيْسَ لَهُ لبسه جَاهِلا، فَلَا فديَة عَلَيْهِ، وَالنَّاسِي فِي مَعْنَاهُ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة والمزني فِي رِوَايَة عَنْهَا: يلْزمه إِذا غطى رَأسه وَوَجهه مُتَعَمدا أَو نَاسِيا يَوْمًا إِلَى اللَّيْل، فَإِن كَانَ أقل من ذَلِك فَعَلَيهِ صَدَقَة يتَصَدَّق بهَا. وَعَن مَالك: يلْزمه إِذا انْتفع بذلك أَو طَال لبسه عَلَيْهِ. وَفِيه: الْمُبَالغَة فِي الإنقاء من الطّيب. وَفِيه: أَن الْمحرم إِذا كَانَ عَلَيْهِ مخيط نَزعه وَلَا يلْزمه تمزيقه وَلَا شقَّه، خلافًا للنخعي وَالشعْبِيّ حَيْثُ قَالَا: لَا يَنْزعهُ من قبل رَأسه لِئَلَّا يصير مغطيا رَأسه، أخرجه ابْن أبي شيبَة عَنْهُمَا، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نَحوه، وَكَذَا عَن الْحسن وَأبي قلَابَة، وَقد وَقع عِنْد أبي دَاوُد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِلَفْظ: (إخلع عَنْك الْجُبَّة، فخلعها من قِبَل رَأسه) . وَعَن أبي صَالح وَسَالم: يخلعه من قبل رجلَيْهِ، وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِذا أحرم وَعَلِيهِ قَمِيص لَا يَنْزعهُ من رَأسه، بل يشقه ثمَّ يخرج مِنْهُ، وَفِيه: اخْتلف الْعلمَاء فِي اسْتِعْمَال الطّيب عِنْد الْإِحْرَام، واستدامته بعده، فكرهه قوم ومنعوه، مِنْهُم مَالك وَمُحَمّد بن الْحسن، ومنعهما عمر وَعُثْمَان وَابْن عمر وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَعَطَاء وَالزهْرِيّ، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَأَجَابُوهُ مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ تمسكا بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (طيبت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بيَدي لحرمه حِين أحرم، ولحله حِين أحل قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ) ، وَلمُسلم: بذريرة فِي حجَّة الْوَدَاع، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ كَمَا سَيَأْتِي: (وطيبته بمنى قبل أَن يفِيض) . وعنها: (كَأَنِّي

أنظر إِلَى وبيص الْمسك فِي مفرق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ محرم) . والوبيص، بالصَّاد الْمُهْملَة: البريق واللمعان. قَالَا: وَحَدِيث يعلى إِنَّمَا أمره بِغسْل مَا عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك الطّيب كَانَ زعفرانا، وَقد نهى الرِّجَال عَن الزَّعْفَرَان، وَجَوَاب آخر بِأَن قصَّة يعلى كَانَت بالجعرانة كَمَا ثَبت فِي هَذَا الحَدِيث، وَهِي فِي سنة ثمانٍ بِلَا خلاف، وَحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشرٍ بِلَا خلاف، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ بِالْآخرِ فالآخر من الْأَمر. فَإِن قلت: إِن ذَلِك الوبيص الَّذِي أبصرته عَائِشَة إِنَّمَا كَانَ بقايا ذَلِك الطّيب وَقد تعذر قلعهَا فَبَقيَ بعد أَن غسل، وَأَيْضًا: كَانَ ذَلِك من خواصه لِأَن الْمحرم، إِنَّمَا منع من الطّيب لِئَلَّا يَدعُوهُ إِلَى الْجِمَاع، والشارع مَعْصُوم. وَأَيْضًا كَانَ مِمَّا لَا تبقى رَائِحَته بعد الْإِحْرَام. قلت: قد ذكرنَا أَن ذَلِك الطّيب كَانَ زعفرانا وَقد نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الزَّعْفَرَان مُطلقًا، سَوَاء كَانَ فِي الْحل أَو الْحُرْمَة، وَدَعوى الخصوصية تحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَقد روى ابْن حزم من طَرِيق حَمَّاد بن يزِيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سَالم بن عبد الله عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: (طيبته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بيَدي) ، وَرُوِيَ: أَنَّهُنَّ كن يضمخن جباههن بالمسك ثمَّ يحرمن ثمَّ يعرقن فيسيل على وجوههن، فَيرى ذَلِك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يُنكره.

٨١ - (بابُ الطِّيبِ عِنْدَ الإحْرَامِ ومَا يَلْبَسُ إذَا أرَادَ أنْ يحْرِمَ ويَتَرَجَّلُ وَيَدَّهِنُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الطّيب عِنْد إِرَادَة الْإِحْرَام، وَجَوَاز مَا يلبس الشَّخْص إِذا أَرَادَ الْإِحْرَام. قَوْله: (ويترجل) بِالرَّفْع، عطف على قَوْله: وَمَا يلبس، ويروى بِالنّصب وَوَجهه أَن يكون مَنْصُوبًا بِأَن، الْمقدرَة كَمَا فِي قَول الشَّاعِر:

(للبسُ عباءة وتقر عَيْني ... أحب إِلَيّ من لبس الشفوفِ)

وَقَوله: (ويترجل) ، من التَّرَجُّل على وزن: التفعل، وَهُوَ أَن يسرح شعره، من: رجلت رَأْسِي: إِذا مشطته بالمشط. قَوْله: (ويدهن) ، بِفَتْح الْهَاء من الثلاثي، يَعْنِي: من دهن يدهن، وبكسرها من ادَّهن على وزن: افتعل، إِذا تطلى بالدهن، وَأَصله يتدهن، فأبدلت التَّاء دَالا وأدغمت الدَّال فِي الدَّال، وَهُوَ عطف أَيْضا على: يلبس، وَقد تكلم الشُّرَّاح هُنَا بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ، فتركناه.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَشَمُّ المُحْرَمْ الرَّيْحَانَ ويَنْظُرُ فِي المِرْآةِ ويَتَداوَى بِمَا يأكُلُ الزَّيْتَ والسَّمْنَ

هَذَا التَّعْلِيق فِي شم الْمحرم الريحان وَصله الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد جيد إِلَى سُفْيَان،: حَدثنَا أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا للْمحرمِ أَن يشم الريحان، وروى الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَد صَحِيح عَنهُ: الْمحرم يشم الريحان وَيدخل الْحمام وَينْزع سنه ويفقأ القرحة، وَإِن انْكَسَرَ ظفره أماط عَنهُ الْأَذَى.

وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي الريحان. فَقَالَ إِسْحَاق: يُبَاح، وَتوقف أَحْمد فِيهِ، وَقَالَ الشَّافِعِي: يحرم، وَكَرِهَهُ مَالك وَالْحَنَفِيَّة. ومنشأ الْخلاف أَن كل مَا يتَّخذ مِنْهُ الطّيب يحرم بِلَا خلاف، وَأما غَيره فَلَا، وروى بن أبي شيبَة عَن جَابر أَنه قَالَ: لَا يشم الْمحرم الريحان، وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يكره شم الريحان للْمحرمِ. وَعَن أبي الزبير: سمع جَابِرا يسْأَل عَن الريحان أيشمه الْمحرم وَالطّيب والدهن؟ فَقَالَ: لَا. وَعَن جَابر: إِذا شم الْمحرم ريحانا أَو مس طيبا إهراق لذَلِك دَمًا. وَعَن إِبْرَاهِيم: فِي الطّيب الْفِدْيَة. وَعَن عَطاء: إِذا شم طيبا كفر، وَعنهُ: إِذا وضع الْمحرم على شَيْء دهنا فِيهِ طيب فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة. وَالريحَان: مَا طَابَ رِيحه من النَّبَات كُله سهلية وجبلية، والواحدة رَيْحَانَة. وَفِي (الْمُحكم) : الريحان أَطْرَاف كل كل بقلة طيبَة الرّيح إِذا خرج عَلَيْهَا أَوَائِل النَّور، والريحانة: طَاقَة من الريحان.

وَأما النّظر فِي الْمرْآة، فَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (جَامعه) : رِوَايَة عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي عَنهُ عَن هِشَام بن حسان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَا بَأْس أَن ينظر فِي الْمرْآة وَهُوَ محرم، وروى ابْن أبي شيبَة عَن لَيْث عَن طَاوُوس: لَا ينظر.

وَأما التَّدَاوِي. قَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر وَعباد بن الْعَوام عَن أَشْعَث عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أَنه كَانَ يَقُول: يتداوى الْمحرم بِمَا يَأْكُل. وَقَالَ أَيْضا: حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِذا تشققت يَد الْمحرم أَو رِجْلَاهُ فليدهنهما بالزيت أَو السّمن. وروى أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر: يتداوى الْمحرم بِأَيّ دَوَاء شَاءَ إلَاّ دَوَاء فِيهِ طيب، وَكَانَ الْأسود يضمد رجله

بالشحم وَهُوَ محرم. وَعَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء: حَدثنِي من سمع أَبَا ذَر يَقُول: لَا بَأْس أَن يتداوى الْمحرم بِمَا يَأْكُل، وَفِي رِوَايَة: حَدثنِي مرّة بن خَالِد عَن أبي ذَر، وَعَن معتب البَجلِيّ قَالَ: أصابني شقَاق وَأَنا محرم فَسَأَلت أَبَا جَعْفَر؟ فَقَالَ: ادهنه بِمَا تَأْكُل. وَكَذَا قَالَه ابْن جُبَير وَإِبْرَاهِيم وَجَابِر بن زيد وَنَافِع وَالْحسن وَعُرْوَة. وَقَالَ أَبُو بكر: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا حَمَّاد عَن فرقد السنجي عَن ابْن جُبَير عَن ابْن عمر أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يدهن بالزيت عِنْد الْإِحْرَام. قَالَ الزُّهْرِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إلَاّ من حَدِيث فرقد، وَلَفظه: بالزيت وَهُوَ محرم غير المقتت. قَالَ أَبُو عِيسَى: المقتت المطيب. قلت: المقتت، بِضَم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَتَشْديد التَّاء الأولى الْمُثَنَّاة من فَوق.

قَوْله: (يشم) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة على الْأَشْهر، وَحكى ضمهَا، وَذكر فِي (الفصيح) بِفَتْح الشين فِي الْمُضَارع وَكسرهَا فِي الْمَاضِي، والعامة تَقول: شممت، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي، وَفِي الْمُسْتَقْبل بِالضَّمِّ وَهُوَ خطأ. وَعَن الْفراء وَابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: شممت أَشمّ، شممت أَشمّ وَالْأولَى أفْصح، وَيُقَال فِي مصدره: الشم والشميم وتشممته تشمما. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقد جَاءَ فِي مصدره: شميمي على وزن: فعيلي كالخطيطي. وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه: معنى الشم استنشاق الرَّائِحَة، وَقد يستعار فِي غير ذَلِك فِي كل مَا قَارب شَيْئا أدنى مِنْهُ. قَوْله: (ويتداوى بِمَا يَأْكُل) أَي: بِالَّذِي يَأْكُل مِنْهُ قَوْله: (الزَّيْت وَالسمن) بِالْجَرِّ فيهمَا. قَالَ الْكرْمَانِي: لِأَنَّهُ بدل أَو بَيَان لما يَأْكُل. وَقَالَ ابْن مَالك: بِالْجَرِّ عطف على: مَا، الموصولة فَإِنَّهَا مجرورة بِالْبَاء أَعنِي: فِي قَوْله بِمَا قيل. وَقع بِالنّصب وَلَيْسَ الْمَعْنى عَلَيْهِ لِأَن الَّذِي يَأْكُل هُوَ الْآكِل لَا الْمَأْكُول. لَكِن يجوز على الاتساع. قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التعسف، بل يكون مَنْصُوبًا على تَقْدِير: أَعنِي الزَّيْت وَالسمن، عطف عَلَيْهِ، وَيجوز الرّفْع فيهمَا على أَن يكون الزَّيْت خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ الزَّيْت وَالسمن، عطف عَلَيْهِ.

وَقَالَ عَطَاءٌ يَتَخَتَّمُ ويَلْبَسُ الهِمْيَانَ

عَطاء: ابْن أبي رَبَاح. قَوْله: (يتختم) أَي: يلبس الْخَاتم، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة، حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا هِشَام بن الْغَاز عَن عَطاء، قَالَ: لَا بَأْس بالخاتم للْمحرمِ. وَحدثنَا الْمحَاربي عَن الْعَلَاء عَن عَطاء، قَالَ: لَا بَأْس بالخاتم للْمحرمِ. وَحدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس بِسَنَد صَحِيح: لَا بَأْس بالخاتم للْمحرمِ. وَعَن أبي الْهَيْثَم عَن النَّخعِيّ وَمُجاهد مثله. وَقَالَ خَالِد بن أبي بكر: رَأَيْت سَالم بن عبد الله يلبس خَاتمه وَهُوَ محرم، وَكَذَا قَالَه إِسْمَاعِيل بن عبد الْملك عَن سعيد بن جُبَير. قَوْله: (ويلبس الْهِمْيَان) ، بِكَسْر الْهَاء معرَّب، هُوَ شبه تكة السَّرَاوِيل تجْعَل فِيهَا الدَّرَاهِم وتشد على الْوسط. وَفِي (المغيث) : قيل هُوَ فعلان من: همى، إِذا سَالَ لِأَنَّهُ إِذا أفرغ همي مَا فِيهِ، وَفسّر ابْن التِّين الْهِمْيَان: بالمنطقة، وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق شريك عَن أبي إِسْحَاق عَن عَطاء. رُبمَا ذكره عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَا بَأْس بالهميان والخاتم للْمحرمِ. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ وَابْن عدي من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَأجْمع عوام أهل الْعلم على أَن للْمحرمِ أَن يشد الْهِمْيَان على وَسطه. وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم وَعَطَاء وطاووس وَالنَّخَعِيّ وَهُوَ قَول مَالك والكوفيين وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر غير إِسْحَاق فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يعقده وَيدخل السيور بَعْضهَا فِي بعض. وسئلت عَائِشَة عَن المنطقة، فَقَالَت: أوثق عَلَيْك نَفَقَتك. وَقَالَ ابْن علية: قد أَجمعُوا على أَن للْمحرمِ أَن يعْقد الْهِمْيَان والإزار على وَسطه وَكَذَلِكَ المنطقة. وَقَول إِسْحَاق لَا يعد خلافًا ولاحظ لَهُ فِي النّظر لِأَن الأَصْل النَّهْي عَن لِبَاس الْمخيط وَلَيْسَ هَذَا مثله، فارتفع أَن يكون لَهُ حكمه. وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا ذَلِك ليَكُون نَفَقَته فِيهَا، وَأما نَفَقَة غَيره فَلَا، وَإِن جعلهَا فِي وَسطه لنفقته ثمَّ نفدت نَفَقَته وَكَانَ مَعهَا وَدِيعَة ردهَا إِلَى صَاحبهَا، فَإِن تَركهَا افتدى، وَإِن كَانَ صَاحبهَا غَابَ بِغَيْر علمه فينفقها وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، ويشد المنطقة من تَحت الثِّيَاب.

وطَافَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وهْوَ محْرِمٌ وقَدْ حَزَمَ عَلَى بطْنِهِ بِثَوْبٍ

الْوَاو فِي: وَهُوَ، وَقد حزم، للْحَال. أَي: شدّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الشَّافِعِي من طَرِيق طَاوُوس، قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يسْعَى وَقد حزم على بَطْنه بِثَوْب. وَعَن سعيد عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة أَن نَافِعًا أخبرهُ أَن ابْن عمر لم يكن عقد الثَّوْب عَلَيْهِ، إِنَّمَا غرز طرفه

على إزَاره. وَعَن ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا ابْن فُضَيْل عَن لَيْث عَن عَطاء وطاووس، قَالَا: رَأينَا ابْن عمر وَهُوَ محرم وَقد شدّ حقْوَيْهِ بعمامة. وَحدثنَا وَكِيع عَن ابْن أبي ذِئْب عَن مُسلم بن جُنْدُب: سَمِعت ابْن عمر يَقُول: لَا تعقد عَلَيْك شَيْئا وَأَنت محرم، وَحدثنَا ابْن علية عَن هِشَام بن حُجَيْر، قَالَ: رأى طَاوُوس ابْن عمر قد يطوف وَقد شدّ حقْوَيْهِ بعمامة. وروى الْحَاكِم بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه مشَاة، فَقَالَ: اربطوا على أوساطكم مآزركم، وامشوا خلط الهرولة. وَفِي (التَّوْضِيح) : اخْتلف فِي الرِّدَاء الَّذِي يلتحف بِهِ على مِئْزَره، فَكَانَ مَالك لَا يرى عقده وَيلْزمهُ الْفِدْيَة إِن انْتفع بِهِ، وَنهى عَنهُ ابْن عمر وَعَطَاء وَعُرْوَة، وَرخّص فِيهِ سعيد بن الْمسيب، وَكَرِهَهُ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو ثَوْر، وَقَالُوا: لَا بَأْس عَلَيْهِ إِن فعل. وَحكي عَن مَالك أَنه رخص لِلْعَامِلِ أَن يحزم الثَّوْب على منطقته، وَكَرِهَهُ لغيره.

ولَمْ تَرَ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بالتُّبَّانِ بَأْسا لِلَّذِينَ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا

التبَّان، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف نون: وَهُوَ سَرَاوِيل قصير جدا وَهُوَ مِقْدَار شبر سَاتِر للعورة الغليظة فَقَط، وَيكون للملاحين والمصارعين قَوْله: (يرحلون) بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول: رحلت الْبَعِير أرحله، بِفَتْح أَوله، رحلاً، إِذا شددت على ظَهره الرحل. قَوْله: (هودجها) ، بِفَتْح الْهَاء وبالجيم، وَهُوَ مركب من مراكب النِّسَاء مقتب وَغير مقتب، وَتَعْلِيق عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: أَنَّهَا حجت وَمَعَهَا غلْمَان لَهَا، وَكَانُوا إِذا شدوا رَحلهَا يَبْدُو مِنْهُم الشَّيْء، فَأَمَرتهمْ أَن يتخذوا التبابين فيلبسوها وهم محرمون. وَأخرجه من وَجه آخر مُخْتَصرا بِلَفْظ: يشدون هودجها، وَفِي هَذَا رد على ابْن التِّين فِي قَوْله: أَرَادَت النِّسَاء، لِأَنَّهُنَّ يلبسن الْمخيط بِخِلَاف الرِّجَال، وَكَأن هَذَا رَأْي رَأَتْهُ عَائِشَة وإلَاّ فالأكثر على أَنه لَا فرق بَين التبَّان والسراويل فِي مَنعه للْمحرمِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : التبَّان لبسه حرَام عندنَا كالقميص والدراعة والخف وَنَحْوهَا، فَإِن لبس شَيْئا من ذَلِك مُخْتَارًا عَامِدًا أَثم وأزاله وافتدى، سَوَاء قصر الزَّمَان أَو طَال.

٧٣٥١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ يُوسُفُ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ كانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ فذَكَرْتُهُ لإبْرَاهِيمَ قَالَ مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ. حدَّثني الأسْوَدُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كأنِّي أنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهْوَ مُحْرِمٌ. [/ نه

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن وبيص هَذَا الطّيب كَانَ من الطّيب الَّذِي تطيب بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد إِرَادَة الْإِحْرَام.

ذكر رِجَاله: وهم ثَمَانِيَة كلهم قد ذكرُوا، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وَالْأسود هُوَ ابْن زيد، وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم كوفيون مَا خلا ابْن عمر.

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح الْبَزَّار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله المخرمي. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من ثَمَانِيَة عشر طَرِيقا عَن الْأسود عَن عَائِشَة مثل رِوَايَة البُخَارِيّ، غير أَن لَفظه: فِي مفرق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْأسود عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: أَنَّهَا كَانَت تطيب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بأطيب مَا تَجِد من الطّيب، قَالَت: حَتَّى أرى وبيض الطّيب فِي رَأسه ولحيته. وَعَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: طيبت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بأطيب مَا أجد. وَعَن الْقَاسِم عَنْهَا، قَالَت: طيبت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بيَدي لإحرامه قبل أَن يحرم. وَعَن ابْن عمر عَنْهَا، قَالَت: كنت أطيب رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالغالية الجيدة عِنْد إِحْرَامه. وَعَن الْقَاسِم عَنْهَا، قَالَت: طيبت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لحرمه حِين أحرم. وَعَن عَطاء، عَنْهَا: طيبت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للْحلّ وَالْإِحْرَام. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَائِشَة، قَالَت:

طيبت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قبل أَن يحرم، وَيَوْم النَّحْر قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ بِطيب فِيهِ مسك. وروى ابْن أبي شيبَة عَن شريك عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأسود عَنْهَا: كَانَ يتطيب قبل أَن يحرم فَيرى أثر الطّيب فِي مفرقه بعد ذَلِك بِثَلَاث. وروى أَيْضا عَن ابْن فُضَيْل عَن عَطاء بن السَّائِب عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَنْهَا: (رَأَيْت وبيص الطّيب فِي مفارق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد ثَلَاث وَهُوَ محرم) وَعند النَّسَائِيّ: (بعد ثَلَاث وَهُوَ محرم) ، وَفِي أُخْرَى: (فِي أصُول شعره) ، وَفِي لفظ: (إِذا أَرَادَ أَن يحرم ادَّهن بأطيب دهن يجده حَتَّى أرى وبيصه فِي رَأسه ولحيته) . وَعند الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عقيل عَن عُرْوَة عَنْهَا: (كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا أَرَادَ أَن يحرم غسل رَأسه بخطمي وأشنان ودهنه بِزَيْت غير كثير) . وَفِي (مُسْند أبي مُحَمَّد الدَّارمِيّ) : (طيبت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لحرمه وطيبته بمنى قبل أَن يفِيض) . وَعند أبي عَليّ الطوسي: (طيبته قبل أَن يحرم وَيَوْم النَّحْر قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ بِطيب فِيهِ مسك) .

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يدهن بالزيت) أَي: عِنْد الْإِحْرَام بِشَرْط أَن لَا يكون مطيبا. وَقَالَ الْكرْمَانِي. (يدهن بالزيت) أَي: لَا يتطيب. وَتقدم فِي: بَاب من تطيب، فِي كتاب الْغسْل أَن ابْن عمر قَالَ: مَا أحب أَن أصبح محرما أنضح طيبا. قَوْله: (فَذَكرته) أَي: قَالَ مَنْصُور: ذكرت امْتنَاع ابْن عمر من التَّطَيُّب لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. قَوْله: (مَا تصنع بقوله؟) أَي: بقول ابْن عمر، أَي: مَاذَا تصنع بقوله حَيْثُ ثَبت مَا يُنَافِيهِ من فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: يجوز أَن يكون الضَّمِير فِي: بقوله، عَائِدًا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: هَذَا فعل الرَّسُول وَتَقْرِيره لَا قَوْله قلت: فعله فِي بَيَان الْجَوَاز، كَقَوْلِه. قَوْله: (كَأَنِّي أنظر) أَرَادَت بذلك قُوَّة تحققها لذَلِك، بِحَيْثُ أَنَّهَا لشدَّة استحضارها لَهُ كَأَنَّهَا ناظرة إِلَيْهِ. قَوْله: (إِلَى وبيص) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره صَاد مُهْملَة، وَهُوَ: البريق، وَالْمرَاد: أثر الطّيب لَا جرمه. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الوبيص زِيَادَة على البريق، وَالْمرَاد بِهِ: التلألؤ، وَهُوَ يدل على وجود عين قَائِمَة، لَا الرِّبْح فَقَط. قَوْله: (فِي مفارق) جمع: مفرق، وَهُوَ وسط الرَّأْس، وَإِنَّمَا جمع تعميما لجوانب الرَّأْس الَّتِي يفرق فِيهَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قَوْلهم للمفرق مفارق كَأَنَّهُمْ جعلُوا كل مَوضِع مِنْهُ مفرقا. قَوْله: (وَهُوَ محرم) ، الْوَاو فِي للْحَال.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَزفر فِي أَن الْمحرم إِذا تطيب قبل إِحْرَامه بِمَا شَاءَ الطّيب مسكا كَانَ أَو غَيره، فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِهِ، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ سَوَاء كَانَ مِمَّا يبْقى عَلَيْهِ بعد إِحْرَامه أَو لَا وَلَا يضرّهُ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَأحمد وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ، وَهُوَ قَول عَائِشَة راوية الحَدِيث، وَسعد بن أبي وَقاص وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير، وَابْن جَعْفَر وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَجَمَاعَة من التَّابِعين بالحجاز وَالْعراق، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) : استحبه عِنْد إِرَادَة الْإِحْرَام مُعَاوِيَة وَأم حَبِيبَة وَابْن الْمُنْذر وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَنَقله ابْن أبي شيبَة عَن عُرْوَة بن الزبير عمر بن عبد الْعَزِيز وَإِبْرَاهِيم فِي رِوَايَة، وَذكره ابْن حزم عَن الْبَراء بن عَازِب وَأنس بن مَالك وَأبي ذَر وَالْحُسَيْن بن عَليّ وَابْن الْحَنَفِيَّة وَالْأسود وَالقَاسِم وَسَالم وَهِشَام بن عُرْوَة وخارجة بن زيد وَابْن جريج. وَقَالَ آخَرُونَ، مِنْهُم عَطاء وَالزهْرِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَابْن سِيرِين وَالْحسن: لَا يجوز أَن يتطيب الْمحرم قبل إِحْرَامه بِمَا يبْقى عَلَيْهِ رَائِحَته بعد الْإِحْرَام، وَإِذا أحرم حرم عَلَيْهِ الطّيب حَتَّى يطوف بِالْبَيْتِ، وَإِلَيْهِ ذهب مُحَمَّد بن الْحسن، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ، وَهَذَا مَذْهَب عمر وَعُثْمَان وَابْن عمر وَعُثْمَان بن الْعَاصِ. وَقَالَ الطرطوشي: يكره الطّيب الْمُؤَنَّث كالمسك والزعفران والكافور والغالية وَالْعود وَنَحْوهَا، فَإِن تطيب وَأحرم بِهِ فَعَلَيهِ الْفِدْيَة، فَإِن أكل طَعَاما فِيهِ طيب، فَإِن كَانَت النَّار مسته فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن لم تمسه النَّار فَفِيهِ وَجْهَان، وَأما غير الْمُؤَنَّث مثل الرياحين والياسمين والورد فَلَيْسَ من ذَلِك وَلَا فديَة فِيهِ أصلا، وَالطّيب الْمُؤَنَّث طيب النِّسَاء: كالخلوق والزعفران، قَالَه شمر. وَأما شم الريحان فَفِي (شرح الْمُهَذّب) : الريحان الْفَارِسِي والمرزنجوش واللينوفر والنرجس فِيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا: يجوز شمها لما رُوِيَ عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ عَن الْمحرم يدْخل الْبُسْتَان قَالَ: نعم ويشم الريحان. وَالثَّانِي: لَا يجوز لِأَنَّهُ يُرَاد للرائحة، فَهُوَ كالورد والزعفران، وَالأَصَح تَحْرِيم شمها وَوُجُوب الْفِدْيَة، وَبِه قَالَ ابْن عمر وَجَابِر وَالثَّوْري وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو ثَوْر إلَاّ أَن أَبَا حنيفَة ومالكا يَقُولَانِ: يحرم وَلَا فديَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر

وَاخْتلف فِي الْفِدْيَة عَن عَطاء وَأحمد، وَمِمَّنْ جوزه وَقَالَ: هُوَ حَلَال وَلَا فديَة فِيهِ عُثْمَان وَابْن عَبَّاس وَالْحسن وَمُجاهد وَإِسْحَاق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَ الْعَبدَرِي: وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء، وَفِي (التَّوْضِيح) : الْحِنَّاء عندنَا لَيْسَ طيبا، خلافًا لأبي حنيفَة، وَعند مَالك وَأحمد: فِيهِ الْفِدْيَة. وَقَالَت عَائِشَة: وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكره رِيحه، أخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي (كتاب الخضاب) وَكَانَ يحب الطّيب فَلَو كَانَ طيبا لم يكرههُ. قلت: روى أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: اختضبوا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ طيب الرّيح يسكن الدوخة. وَأما الطّيب بعد رمي الْجَمْرَة فقد رخص فِيهِ ابْن عَبَّاس وَسعد بن أبي وَقاص وَابْن الزبير وَعَائِشَة وَابْن جُبَير وَالنَّخَعِيّ وخارجة بن زيد، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَكَرِهَهُ سَالم وَمَالك، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: وَلَا فديَة لما جَاءَ فِي ذَلِك، وَلما كَانَ الطَّحَاوِيّ مَعَ مُحَمَّد بن الْحسن فِيمَا ذهب إِلَيْهِ أجَاب عَن حَدِيث الْبَاب الَّذِي احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَآخَرُونَ، فَقَالَ: وَكَانَ من الْحجَّة لَهُ أَي: لمُحَمد بن الْحسن فِي ذَلِك أَن مَا ذكر فِي حَدِيث عَائِشَة من تطيب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد الْإِحْرَام إِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا كَانَت تطيبه إِذا أَرَادَ أَن يحرم، فقد يجوز أَن يكون كَانَت تفعل ذَلِك بِهِ ثمَّ يغْتَسل إِذا أَرَادَ أَن يحرم فَيذْهب بِغسْلِهِ عَنهُ مَا كَانَ على بدنه من طيب وَيبقى فِيهِ رِيحه. وَادّعى ابْن الْقصار والمهلب: أَنه كَانَ من خواصه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزَاد الْمُهلب معنى آخر: أَنه خص بِهِ لمباشرته الْمَلَائِكَة بِالْوَحْي وَغَيره، وَقد ذَكرْنَاهُ.

٩٣٥١ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحمان بنِ القَاسمِ عنْ أبيهِ عنْ عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ كُنت أطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأِحرَامهِ حِينَ يُحْرَمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلِ أنْ يَطوفَ بِالبَيْتِ..

وَهَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة. وَقَالَ أَبُو عمر: حَدِيث عَائِشَة هَذَا صَحِيح ثَابت لَا يخْتَلف أهل الْعلم فِي صِحَّته وثبوته، وَقد رُوِيَ عَن عَائِشَة من وُجُوه. قلت: قد ذكرنَا أَن الطَّحَاوِيّ أخرجه من ثَمَانِيَة عشر طَرِيقا. قَوْله: (لإحرامه) أَي: لأجل إِحْرَامه، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ (حِين أَرَادَ أَن يحرم) . قَوْله: (ولحله) أَي: ولتحلله من مَحْظُورَات الْإِحْرَام، وَذَلِكَ بعد أَن يَرْمِي ويحلق. وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ عَن قريب.

وَقيل: اسْتدلَّ بقول عَائِشَة: كنت أطيب ... ، على أَن: كَانَ، لَا تَقْتَضِي التّكْرَار لِأَنَّهَا لم يَقع ذَلِك مِنْهَا إلَاّ مرّة وَاحِدَة، وَقد صرحت فِي رِوَايَة عُرْوَة عَنْهَا بِأَن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع، وَكَذَا اسْتدلَّ بِهِ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) وَاعْترض بِأَن الْمُدعى تكراره إِنَّمَا هُوَ التَّطَيُّب لَا الْإِحْرَام، وَلَا مَانع من أَن يتَكَرَّر التَّطَيُّب لأجل الْإِحْرَام مَعَ كَون الْإِحْرَام مرّة وَاحِدَة. وَقَالَ الإِمَام فَخر الدّين: إِن: كَانَ، لَا تَقْتَضِي التّكْرَار وَلَا الِاسْتِمْرَار، وَجزم ابْن الْحَاجِب بِأَنَّهَا تَقْتَضِيه. وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين، تَقْتَضِي التّكْرَار، وَلَكِن قد تقع قرينَة تدل على عَدمه. قلت: كَانَ، تَقْتَضِي الِاسْتِمْرَار بِخِلَاف: صَار، وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُقَال فِي مَوضِع: كَانَ الله، أَن يُقَال. صَار. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا اللَّفْظ يَعْنِي لفظ: كنت، فِي قَول عَائِشَة: كنت أطيب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم تتفق الروَاة عَنْهَا عَلَيْهَا، فَسَيَأْتِي للْبُخَارِيّ من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم شيخ مَالك فِيهِ هُنَا بِلَفْظ: طيبت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَسَائِر الطّرق لَيْسَ فِيهَا صِيغَة: كَانَ. قلت: فِي رِوَايَة مُسلم عَن الْأسود عَن عَائِشَة: إِنِّي كنت لأنظر إِلَى وبيص الطّيب، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: عَن عُرْوَة عَنْهَا، قَالَت: كنت أطيب ... وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عمر عَنْهَا قَالَت كنت أطيب وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ أَيْضا: عَن الْأسود عَنْهَا: أَنَّهَا كَانَت تطيب ... رَوَاهَا من طَرِيق الْفرْيَابِيّ عَن مَالك بن مغول عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَنْهَا، وَكَذَا روى من طَرِيق إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن ابْن الْأسود عَن أَبِيه عَنْهَا: كَانَت تطيب، وَهَذَا الْقَائِل كَأَنَّهُ لم يطلع على هَذِه الرِّوَايَات، فَلهَذَا ادّعى بقوله: وَسَائِر الطّرق لَيْسَ فِيهَا صِيغَة: كَانَ، وَهَذِه الَّتِي ذَكرنَاهَا فِيهَا صِيغَة: كَانَ وَكنت.

وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّطَيُّب عِنْد إِرَادَة الْإِحْرَام وَجَوَاز استدامته بعد الْإِحْرَام، كَمَا ذَكرْنَاهُ مفصلا، وَعَن مَالك: يحرم، وَعنهُ فِي وجوب الْفِدْيَة قَولَانِ.

واحتجت الْمَالِكِيَّة فِيهِ بأَشْيَاء: مِنْهَا: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اغْتسل بعد أَن تطيب كَمَا فِي حَدِيث إِبْرَاهِيم بن الْمُنْتَشِر الَّذِي تقدم فِي الْغسْل، ثمَّ طَاف على نِسَائِهِ ثمَّ أصبح محرما، وَالْمرَاد من الطّواف: الْجِمَاع، وَكَانَ من عَادَته أَن يغْتَسل عِنْد كل وَاحِدَة، فالضرورة

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر