«مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٦٢

الحديث رقم ٢٢٦٢ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب رعي الغنم على قراريط.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٢٦٢ في صحيح البخاري

«مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ، فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ.»

بَابُ اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَعَامَلَ النَّبِيُّ يَهُودَ خَيْبَرَ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٢٦٢

٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٢٦٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَلِذَلِكَ قَالَ : لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ مَنْعُ تَوْلِيَةِ مَنْ يَحْرِصُ عَلَى الْوِلَايَةِ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ، وَإِلَى التَّحْرِيمِ جَنَحَ الْقُرْطُبِيُّ، وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.

٢ - بَاب رَعْيِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ

٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ رَعْيِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ) عَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ وَهِيَ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوِ الْمُعَارِضَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا هُنَا لِلظَّرْفِيَّةِ كَمَا سَنُبَيِّنُ.

قَوْلُهُ: (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ) وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلَّا رَاعَى الْغَنَمَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: كُنْتُ أَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْمَنِيعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، قَالَ سُوَيْدٌ أَحَدُ رُوَاتِهِ: يَعْنِي: كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ، يَعْنِي: الْقِيرَاطَ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: قَرَارِيطُ اسْمُ مَوْضِعٍ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُرِدِ الْقَرَارِيطَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ تَبَعًا لِابْنِ نَاصِرٍ وَخَطَّأَ سُوَيْدًا فِي تَفْسِيرِهِ، لَكِنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا يَعْرِفُونَ بِهَا مَكَانًا يُقَالُ لَهُ: قَرَارِيطُ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا نُونٌ قَالَ: افْتَخَرَ أَهْلُ الْإِبِلِ وَأَهْلُ الْغَنَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثَ دَاوُدُ وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثْتُ وَأَنَا أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي بِجِيَادٍ فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِيهِ رَدًّا لِتَأْوِيلِ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَرْعَى بِالْأُجْرَةِ لِأَهْلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَكَانَ فَعَبَّرَ تَارَةً بِجِيَادٍ وَتَارَةً بِقَرَارِيطَ. وَلَيْسَ الرَّدُّ بِجَيِّدٍ إِذْ لَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ أَنْ يَرْعَى لِأَهْلِهِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ وَلِغَيْرِهِمْ بِأُجْرَةٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَهْلِي أَهْلُ مَكَّةَ فَيَتَّحِدُ الْخَبَرَانِ وَيَكُونُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ بَيَّنَ الْأُجْرَةَ وَفِي الْآخَرِ بَيَّنَ الْمَكَانَ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ الْقِيرَاطَ الَّذِي هُوَ مِنَ النَّقْدِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: يَسْتَفْتِحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، وَلَيْسَ الِاسْتِدْلَالُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ نَفْيِ الْمَعْرِفَةِ بِوَاضِحٍ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي إِلْهَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رَعْيِ الْغَنَمِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمُ التَّمَرُّنُ بِرَعْيِهَا عَلَى مَا يُكَلَّفُونَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَمْرِ أُمَّتِهِمْ، وَلِأَنَّ فِي مُخَالَطَتِهَا مَا يُحَصِّلُ لَهُمُ الْحِلْمَ وَالشَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى رَعْيِهَا وَجَمْعِهَا بَعْدَ تَفَرُّقِهَا فِي الْمَرْعَى وَنَقْلِهَا مِنْ مَسْرَحٍ إِلَى مَسْرَحٍ وَدَفْعِ عَدُوِّهَا مِنْ سَبُعٍ وَغَيْرِهِ كَالسَّارِقِ، وَعَلِمُوا اخْتِلَافَ طِبَاعَهَا وَشِدَّةَ تَفَرُّقِهَا مَعَ ضَعْفِهَا وَاحْتِيَاجِهَا إِلَى الْمُعَاهَدَةِ أَلِفُوا مِنْ ذَلِكَ الصَّبْرَ عَلَى الْأُمَّةِ وَعَرَفُوا اخْتِلَافَ طِبَاعَهَا وَتَفَاوُتَ عُقُولِهَا فَجَبَرُوا كَسْرَهَا وَرَفَقُوا بِضَعِيفِهَا وَأَحْسَنُوا التَّعَاهُدَ لَهَا فَيَكُونُ تَحَمُّلُهُمْ لِمَشَقَّةِ ذَلِكَ أَسْهَلَ مِمَّا لَوْ كُلِّفُوا الْقِيَامَ بِذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لِمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ التَّدْرِيجِ عَلَى ذَلِكَ بِرَعْيِ الْغَنَمِ، وَخُصَّتِ الْغَنَمُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا أَضْعَفَ مِنْ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ تَفَرُّقَهَا أَكْثَرُ مِنْ تَفَرُّقِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ لِإِمْكَانِ ضَبْطِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ بِالرَّبْطِ دُونَهَا فِي الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ، وَمَعَ أَكْثَرِيَّةِ تَفَرُّقِهَا فَهِيَ أَسْرَعُ انْقِيَادًا مِنْ غَيْرِهَا.

وَفِي ذِكْرِ النَّبِيِّ لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عُلِمَ كَوْنُهُ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَظِيمِ التَّوَاضُعِ لِرَبِّهِ وَالتَّصْرِيحِ بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ما أطلعاني على ما في أنفُسِهما وما شعرت أنَّهما يطلبان العمل، فكأنِّي أنظر إلى سِواكه تحت شفته قَلَصَتْ، أي: انزوت (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ (١): «قال»: (لَنْ) بالنُّون (أَوْ) قال: (لَا) بالألف، شكٌّ من (٢) الرَّاوي (نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ) لِمَا فيه من التُّهمة بسبب حرصه، ولأنَّ من سأل الولاية وُكِلَ إليها ولا يُعان عليها، وفي نسخة الميدوميِّ: «إنَّا لا نستعمل»، وذكر السَّفاقسيُّ: أنَّ في بعض النُّسخ: «لن أُوَلِّي نستعمل» بضمِّ الهمزة وفتح الواو وتشديد اللَّام مع كسرها، فعلٌ مستقبلٌ، من الولاية، قال القطب الحلبيُّ: فعلى هذه الرِّواية يكون لفظ «نستعمل» زائدًا، ويكون تقدير الكلام: لن أولِّي على عملنا، وقد وقع هذا الحديث في «الأحكام» [خ¦٧١٤٩] من طريق بُرَيد (٣) بن عبد الله عن (٤) أبي بردة بلفظ: «إنَّا لا نولِّي على عملنا»، وهو يعضد (٥) هذا التَّقدير، قاله ابن حجرٍ، ولمَّا كان في الغالب أنَّ الذي يطلب العمل إنَّما يطلبه لأجرةٍ طابق ذلك ما ترجم له.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الإجارة» [خ¦٢٢٦١] و «الأحكام» [خ¦٧١٤٩] وفي «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٣]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «القضاء».

(٢) (بابُ رَعْيِ الغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ) جمع قيراطٍ، وهو نصف دانقٍ (٦)، أو نصف عشر الدِّينار، أو جزءٌ من أربعةٍ وعشرين جزءًا.

٢٢٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأزرقيُّ القوَّاس (المَكِّيُّ) صاحب «أخبار مكَّة» قال:

(حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ جَدِّهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا راعِيَ الغنم» بألفٍ (١) بعد الرَّاء وكسر العين (فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟) بحذف همزة الاستفهام، أي: أَوَ أنت (٢) أيضا رَعَيْتَها؟ (فَقَالَ) : (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) وفي رواية ابن ماجه عن سُوَيد بن سعيدٍ عن عمرو بن يحيى: كنت أرعاها لأهل مكَّة بالقراريط. وقال سويدٌ شيخ ابن ماجه: يعني: كلَّ شاةٍ بقيراطٍ، يعني: القيراط الذي هو جزءٌ من الدِّينار أو الدِّرهم، وقال أبو إسحاق الحربيُّ: قراريط (٣) اسم موضعٍ بمكَّة، وصحَّحه ابن الجوزيِّ كابن ناصرٍ، وأيَّده مغلطاي: بأنَّ العرب لم تكن تعرف القيراط، قال ابن حجرٍ: لكنَّ الأرجح الأوَّل؛ لأنَّ أهل مكَّة لا تعرف بها مكانًا يُقال له: قراريط. انتهى. وقال بعضهم: لم تكن العرب تعرف (٤) القيراط الذي هو من النَّقد، ولذا قال -كما في «الصَّحيح» -: «تفتحون أرضًا يُذكَر فيها القيراط»، لكن لا يلزم من عدم معرفتهم لهما أن يكون النَّبيُّ لا يعرف ذلك، والحكمة في إلهامهم صلوات الله وسلامه عليهم رعي الغنم قبل النُّبوَّة؛ ليحصل لهم التَّمرُّن برعيها على ما يُكلَّفونه من القيام بأمر أمَّتهم، ولأنَّ في

مخالطتها زيادة الحِلْمِ والشَّفقة؛ لأنَّهم إذا صبروا على مشقَّة الرَّعي، ودفعوا عنها السِّباع الضَّارية والأيدي الخاطفة، وعلموا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، وعرفوا ضعفها واحتياجها إلى النَّقل من مرعًى إلى مرعًى، ومن مسرحٍ إلى مسرحٍ (١)، فرفقوا بضعيفها وأحسنوا تعاهدها، فهو توطئةٌ لتعريفهم سياسة أممهم، وخصَّ الغنم لأنَّها أضعف من غيرها، وفي ذكره لذلك بعد أن علم أنَّه أشرف خلق الله تعالى ما فيه من التَّواضع والتَّصريح بمنَّته عليه.

وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه (٢) في «التِّجارات».

(٣) (بابُ اسْتِئْجَارِ) المسلمين (المُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) أي: عند عدم وجود مسلمٍ (أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الإِسْلَامِ) وفي نسخةٍ: «عند الضَّرورة إذا لم يجد أهل الإسلام» (وَعَامَلَ النَّبِيُّ يَهُودَ خَيْبَرَ) على العمل في أرضها إذا (٣) لم يجد أحدًا من المسلمين ينوب منابهم في ذلك، قال ابن بطَّالٍ: عامَّة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضَّرورة وغيرها؛ لِمَا في ذلك من المذلَّة لهم، وإنَّما الممتنع أن يؤاجر (٤) المسلم نفسه من المشرك؛ لِمَا فيه من إذلاله (٥).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَلِذَلِكَ قَالَ : لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ مَنْعُ تَوْلِيَةِ مَنْ يَحْرِصُ عَلَى الْوِلَايَةِ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ، وَإِلَى التَّحْرِيمِ جَنَحَ الْقُرْطُبِيُّ، وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.

٢ - بَاب رَعْيِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ

٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ رَعْيِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ) عَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ وَهِيَ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوِ الْمُعَارِضَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا هُنَا لِلظَّرْفِيَّةِ كَمَا سَنُبَيِّنُ.

قَوْلُهُ: (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ) وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلَّا رَاعَى الْغَنَمَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: كُنْتُ أَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْمَنِيعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، قَالَ سُوَيْدٌ أَحَدُ رُوَاتِهِ: يَعْنِي: كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ، يَعْنِي: الْقِيرَاطَ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: قَرَارِيطُ اسْمُ مَوْضِعٍ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُرِدِ الْقَرَارِيطَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ تَبَعًا لِابْنِ نَاصِرٍ وَخَطَّأَ سُوَيْدًا فِي تَفْسِيرِهِ، لَكِنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا يَعْرِفُونَ بِهَا مَكَانًا يُقَالُ لَهُ: قَرَارِيطُ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا نُونٌ قَالَ: افْتَخَرَ أَهْلُ الْإِبِلِ وَأَهْلُ الْغَنَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثَ دَاوُدُ وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثْتُ وَأَنَا أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي بِجِيَادٍ فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِيهِ رَدًّا لِتَأْوِيلِ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَرْعَى بِالْأُجْرَةِ لِأَهْلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَكَانَ فَعَبَّرَ تَارَةً بِجِيَادٍ وَتَارَةً بِقَرَارِيطَ. وَلَيْسَ الرَّدُّ بِجَيِّدٍ إِذْ لَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ أَنْ يَرْعَى لِأَهْلِهِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ وَلِغَيْرِهِمْ بِأُجْرَةٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَهْلِي أَهْلُ مَكَّةَ فَيَتَّحِدُ الْخَبَرَانِ وَيَكُونُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ بَيَّنَ الْأُجْرَةَ وَفِي الْآخَرِ بَيَّنَ الْمَكَانَ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ الْقِيرَاطَ الَّذِي هُوَ مِنَ النَّقْدِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: يَسْتَفْتِحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، وَلَيْسَ الِاسْتِدْلَالُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ نَفْيِ الْمَعْرِفَةِ بِوَاضِحٍ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي إِلْهَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رَعْيِ الْغَنَمِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمُ التَّمَرُّنُ بِرَعْيِهَا عَلَى مَا يُكَلَّفُونَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَمْرِ أُمَّتِهِمْ، وَلِأَنَّ فِي مُخَالَطَتِهَا مَا يُحَصِّلُ لَهُمُ الْحِلْمَ وَالشَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى رَعْيِهَا وَجَمْعِهَا بَعْدَ تَفَرُّقِهَا فِي الْمَرْعَى وَنَقْلِهَا مِنْ مَسْرَحٍ إِلَى مَسْرَحٍ وَدَفْعِ عَدُوِّهَا مِنْ سَبُعٍ وَغَيْرِهِ كَالسَّارِقِ، وَعَلِمُوا اخْتِلَافَ طِبَاعَهَا وَشِدَّةَ تَفَرُّقِهَا مَعَ ضَعْفِهَا وَاحْتِيَاجِهَا إِلَى الْمُعَاهَدَةِ أَلِفُوا مِنْ ذَلِكَ الصَّبْرَ عَلَى الْأُمَّةِ وَعَرَفُوا اخْتِلَافَ طِبَاعَهَا وَتَفَاوُتَ عُقُولِهَا فَجَبَرُوا كَسْرَهَا وَرَفَقُوا بِضَعِيفِهَا وَأَحْسَنُوا التَّعَاهُدَ لَهَا فَيَكُونُ تَحَمُّلُهُمْ لِمَشَقَّةِ ذَلِكَ أَسْهَلَ مِمَّا لَوْ كُلِّفُوا الْقِيَامَ بِذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لِمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ التَّدْرِيجِ عَلَى ذَلِكَ بِرَعْيِ الْغَنَمِ، وَخُصَّتِ الْغَنَمُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا أَضْعَفَ مِنْ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ تَفَرُّقَهَا أَكْثَرُ مِنْ تَفَرُّقِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ لِإِمْكَانِ ضَبْطِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ بِالرَّبْطِ دُونَهَا فِي الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ، وَمَعَ أَكْثَرِيَّةِ تَفَرُّقِهَا فَهِيَ أَسْرَعُ انْقِيَادًا مِنْ غَيْرِهَا.

وَفِي ذِكْرِ النَّبِيِّ لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عُلِمَ كَوْنُهُ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَظِيمِ التَّوَاضُعِ لِرَبِّهِ وَالتَّصْرِيحِ بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ما أطلعاني على ما في أنفُسِهما وما شعرت أنَّهما يطلبان العمل، فكأنِّي أنظر إلى سِواكه تحت شفته قَلَصَتْ، أي: انزوت (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ (١): «قال»: (لَنْ) بالنُّون (أَوْ) قال: (لَا) بالألف، شكٌّ من (٢) الرَّاوي (نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ) لِمَا فيه من التُّهمة بسبب حرصه، ولأنَّ من سأل الولاية وُكِلَ إليها ولا يُعان عليها، وفي نسخة الميدوميِّ: «إنَّا لا نستعمل»، وذكر السَّفاقسيُّ: أنَّ في بعض النُّسخ: «لن أُوَلِّي نستعمل» بضمِّ الهمزة وفتح الواو وتشديد اللَّام مع كسرها، فعلٌ مستقبلٌ، من الولاية، قال القطب الحلبيُّ: فعلى هذه الرِّواية يكون لفظ «نستعمل» زائدًا، ويكون تقدير الكلام: لن أولِّي على عملنا، وقد وقع هذا الحديث في «الأحكام» [خ¦٧١٤٩] من طريق بُرَيد (٣) بن عبد الله عن (٤) أبي بردة بلفظ: «إنَّا لا نولِّي على عملنا»، وهو يعضد (٥) هذا التَّقدير، قاله ابن حجرٍ، ولمَّا كان في الغالب أنَّ الذي يطلب العمل إنَّما يطلبه لأجرةٍ طابق ذلك ما ترجم له.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الإجارة» [خ¦٢٢٦١] و «الأحكام» [خ¦٧١٤٩] وفي «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٣]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «القضاء».

(٢) (بابُ رَعْيِ الغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ) جمع قيراطٍ، وهو نصف دانقٍ (٦)، أو نصف عشر الدِّينار، أو جزءٌ من أربعةٍ وعشرين جزءًا.

٢٢٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأزرقيُّ القوَّاس (المَكِّيُّ) صاحب «أخبار مكَّة» قال:

(حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ جَدِّهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا راعِيَ الغنم» بألفٍ (١) بعد الرَّاء وكسر العين (فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟) بحذف همزة الاستفهام، أي: أَوَ أنت (٢) أيضا رَعَيْتَها؟ (فَقَالَ) : (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) وفي رواية ابن ماجه عن سُوَيد بن سعيدٍ عن عمرو بن يحيى: كنت أرعاها لأهل مكَّة بالقراريط. وقال سويدٌ شيخ ابن ماجه: يعني: كلَّ شاةٍ بقيراطٍ، يعني: القيراط الذي هو جزءٌ من الدِّينار أو الدِّرهم، وقال أبو إسحاق الحربيُّ: قراريط (٣) اسم موضعٍ بمكَّة، وصحَّحه ابن الجوزيِّ كابن ناصرٍ، وأيَّده مغلطاي: بأنَّ العرب لم تكن تعرف القيراط، قال ابن حجرٍ: لكنَّ الأرجح الأوَّل؛ لأنَّ أهل مكَّة لا تعرف بها مكانًا يُقال له: قراريط. انتهى. وقال بعضهم: لم تكن العرب تعرف (٤) القيراط الذي هو من النَّقد، ولذا قال -كما في «الصَّحيح» -: «تفتحون أرضًا يُذكَر فيها القيراط»، لكن لا يلزم من عدم معرفتهم لهما أن يكون النَّبيُّ لا يعرف ذلك، والحكمة في إلهامهم صلوات الله وسلامه عليهم رعي الغنم قبل النُّبوَّة؛ ليحصل لهم التَّمرُّن برعيها على ما يُكلَّفونه من القيام بأمر أمَّتهم، ولأنَّ في

مخالطتها زيادة الحِلْمِ والشَّفقة؛ لأنَّهم إذا صبروا على مشقَّة الرَّعي، ودفعوا عنها السِّباع الضَّارية والأيدي الخاطفة، وعلموا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، وعرفوا ضعفها واحتياجها إلى النَّقل من مرعًى إلى مرعًى، ومن مسرحٍ إلى مسرحٍ (١)، فرفقوا بضعيفها وأحسنوا تعاهدها، فهو توطئةٌ لتعريفهم سياسة أممهم، وخصَّ الغنم لأنَّها أضعف من غيرها، وفي ذكره لذلك بعد أن علم أنَّه أشرف خلق الله تعالى ما فيه من التَّواضع والتَّصريح بمنَّته عليه.

وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه (٢) في «التِّجارات».

(٣) (بابُ اسْتِئْجَارِ) المسلمين (المُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) أي: عند عدم وجود مسلمٍ (أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الإِسْلَامِ) وفي نسخةٍ: «عند الضَّرورة إذا لم يجد أهل الإسلام» (وَعَامَلَ النَّبِيُّ يَهُودَ خَيْبَرَ) على العمل في أرضها إذا (٣) لم يجد أحدًا من المسلمين ينوب منابهم في ذلك، قال ابن بطَّالٍ: عامَّة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضَّرورة وغيرها؛ لِمَا في ذلك من المذلَّة لهم، وإنَّما الممتنع أن يؤاجر (٤) المسلم نفسه من المشرك؛ لِمَا فيه من إذلاله (٥).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله