«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْكَبَائِرِ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٥٣

الحديث رقم ٢٦٥٣ من كتاب «كتاب الشهادات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما قيل في شهادة الزور.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٦٥٣ في صحيح البخاري

«سُئِلَ النَّبِيُّ عَنِ الْكَبَائِرِ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ»

تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عَامِرٍ وَبَهْزٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ شُعْبَةَ.

إسناد حديث البخاري رقم ٢٦٥٣

٢٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ: سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي

⦗١٧٢⦘

بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٦٥٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَرَّعُونَ وَيَسْتَهِينُونَ بِأَمْرِ الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَلِفَ فِي الشَّهَادَةِ يُبْطِلُهَا، قَالَ: وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي: مَنْ قَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ; لِأَنَّهُ حَلِفٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ خِلَافُهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ إِلَخْ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ.

قَوْلُهُ: (كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ) زَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي أَوَّلِ الْفَضَائِلِ وَنَحْنُ صِغَارٌ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ كَانُوا يَنْهَوْنَنا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ عَنِ الْعَهْدِ وَالشَّهَادَاتِ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ نَحْوَهُ وَكَانَ أَصْحَابُنَا يَنْهَوْنَنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ عَنِ الشَّهَادَةِ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ عِنْدَهُمُ النَّهْيُ عَنْ مُبَادَرَةِ الرَّجُلِ بِقَوْلِهِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، وَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا كَانُوا يَضْرِبُونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَصِيرَ لَهُمْ بِهِ عَادَةٌ فَيَحْلِفُوا فِي كُلِّ مَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ.

قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ تَعَاطِي الشَّهَادَاتِ وَالتَّصَدِّي لَهَا، لِمَا فِي تَحَمُّلِهَا مِنَ الْحَرَجِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ أَدَائِهَا ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مُعَرَّضٌ لِلنِّسْيَانِ وَالسَّهْوِ، وَلَا سِيَّمَا وَهُمْ إِذْ ذَاكَ غَالِبًا لَا يَكْتُبُونَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّهْي عَنِ الْعَهْدِ الدُّخُولَ فِي الْوَصِيَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَالْوَصِيَّةُ تُسَمَّى الْعَهْدَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِهَذَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٠ - باب مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ، لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، ﴿تَلْوُوا﴾ أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ

٢٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ عَنْ الْكَبَائِرِ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ. تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عَامِرٍ وَبَهْزٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ.

[الحديث ٢٦٥٣ - طرفاه في: ٥٩٧٧، ٦٨٧١]

٢٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قال النبي : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ "ثَلَاثًا قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ -: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ. قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ". وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ

[الحديث ٢٦٥٤ - أطرافه في: ٥٩٧٦، ٦٢٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ) أَيْ مِنَ التَّغْلِيظِ وَالْوَعِيدِ.

قَوْلُهُ: (لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ فِي ذَمِّ مُتَعَاطِي شَهَادَةِ الزُّورِ، وَهُوَ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِأَحَدِ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالزُّورِ هُنَا الشِّرْكُ وَقِيلَ الْغِنَاءُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَصْلُ الزُّورِ تَحْسِينُ الشَّيْءِ وَوَصْفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ، حَتَّى يُخَيَّلَ لِمَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ قَالَ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَدْحُ مَنْ لَا يَشْهَدُ شَيْئًا مِنَ

الْبَاطِلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ، أَيْ وَمَا قِيلَ فِي كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ مِنَ الْوَعِيدِ.

قَوْلُهُ: (ولِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿عَلِيمٌ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾

قَوْلُهُ: (تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ أَيْ تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا، وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: تَلْوِي لِسَانَكَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهِيَ اللَّجْلَجَةُ فَلَا تُقِيمُ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا التَّرْكُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ طُرُقٍ حَاصِلُهَا أَنَّهُ فَسَّرَ اللَّيَّ بِالتَّحْرِيفِ، وَالْإِعْرَاضَ بِالتَّرْكِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِنَظْمِ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ مَعَ شَهَادَةِ الزُّورِ إِلَى هَذَا الْأَثَرِ، وَإِلَى أَنَّ تَحْرِيمَ شَهَادَةِ الزُّورِ لِكَوْنِهَا سَبَبًا لِإِبْطَالِ الْحَقِّ، فَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ أَيْضًا سَبَبٌ لِإِبْطَالِ الْحَقِّ، وَإِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ - فَذَكَرَ أَشْيَاءَ ثُمَّ قَالَ - وَظُهُورَ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَكِتْمَانَ شَهَادَةِ الْحَقِّ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَيْنِ أحدهما:

قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْآتِيَةِ فِي الْأَدَبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْكَبَائِرِ) زَادَ بَهْزٌ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَوْ ذَكَرَهَا وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ذَكَرَ الْكَبَائِرَ أَوْ سُئِلَ عَنْهَا وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَبَائِرِ أَكْبَرُهَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي يَلِيهِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ شُعْبَةَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ حَصْرَ الْكَبَائِرِ فِيمَا ذَكَرَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَعْرِيفِهَا، وَالْإِشَارَةُ إِلَى تَعْيِينِهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ وَهُوَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَصَايَا.

قَوْلُهُ: (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ غُنْدَرٌ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَذْكُورُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو عَامِرٍ، وَبَهْزٌ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ) أَمَّا رِوَايَةُ أَبِي عَامِرٍ وَهُوَ الْعَقْدِيُ فَوَصَلَهَا أَبُو سَعِيدٍ النَّقَّاشُ فِي كِتَابِ الشُّهُودِ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْأيمَانِ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ الْحَدِيثَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ.

وَأَمَّا رِوَايَةُ بَهْزٍ وَهُوَ ابْنُ أَسَدٍ الْمَذْكُورِ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ عَنْهُ. وأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الصَّمَدِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الدِّيَاتِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ عَلَّقَهَا الْمُصَنِّفُ آخِرَ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) هَذَا يُقَوِّي - إِنْ كَانَ الْمَجْلِسُ مُتَّحِدًا - أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ مِمَّا شَكَّ فِيهِ شُعْبَةُ: هَلْ قَالَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً أَوْ لَمَّا سُئِلَ؟ وَقَدْ نَظَمَ كُل مِنَ الْعُقُوقِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ بِالشِّرْكِ فِي آيَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ثَانِيهِمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾

قَوْلُهُ: (ثَلَاثًا) أَيْ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِيَنْتَبِهَ السَّامِعُ عَلَى إِحْضَارِ فَهْمِهِ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ عَدَدُ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِلْمِ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ وَذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْلِيقًا.

قَوْلُهُ: (الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) يَحْتَمِلُ مُطْلَقَ الْكُفْرِ وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِغَلَبَتِهِ فِي الْوُجُودِ، وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، فَذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ

خُصُوصِيَّتُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ قُبْحًا مِنَ الْإِشْرَاكِ وَهُوَ التَّعْطِيلُ ; لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُطْلَقٌ وَالْإِشْرَاكُ إِثْبَاتٌ مُقَيَّدٌ، فَيَتَرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَبِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَى الْكَبَائِرِ، وَضَابِطِهَا وَبَيَانِ مَا قِيلَ فِي عَدَدِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اهْتَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّكِئًا، وَيُفِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمَ قُبْحِهِ، وَسَبَبُ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ الزُّورِ أَوْ شَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلَ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ، وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ، فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ، وَالْعُقُوقَ يَصْرِفُ عَنْهُ الطَّبْعُ، وَأَمَّا الزُّورُ فَالْحَوَامِلُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا، فَاحْتِيجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الْإِشْرَاكِ قَطْعًا، بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَةِ الزُّورِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى غَيْرِ الشَّاهِدِ، بِخِلَافِ الشِّرْكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِبًا.

قَوْلُهُ: (أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ) فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ شَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ بِالْوَاوِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّأْكِيدِ، فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا الْقَوْلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَزِمَ أَنْ يكُونَ الْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ مُطْلَقًا كَبِيرَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ عِظَمَ الْكَذِبِ وَمَرَاتِبَهُ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾

قَوْلُهُ: (فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ. وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ فِي كِتَابِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، وَفِي الْحَدِيثِ انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إِلَى كَبِيرٍ وَأَكْبَرَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ الصَّغَائِرِ ; لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا أَكْبَرُ مِنْهَا ; وَالِاخْتِلَافُ فِي ثُبُوتِ الصَّغَائِرِ مَشْهُورٌ، وَأَكْثَرُ مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي الذُّنُوبِ صَغِيرَةٌ كَوْنُهُ نَظَرَ إِلَى عِظَمِ الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، فَالْمُخَالَفَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَالِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ، لَكِنْ لِمَنْ أَثْبَتَ الصَّغَائِرَ أَنْ يَقُولَ وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَوْقَهَا صَغِيرَةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَقَدْ فُهِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مِنْ مَدَارِكِ الشَّرْعِ، وَسَبَقَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مَا يُكَفِّرُ الْخَطَايَا مَا لَمْ تَكُنْ كَبَائِرَ، فَثَبَتَ بِهِ أَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يُكَفَّرُ بِالطَّاعَاتِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُكَفَّرُ، وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ الْمُدَّعَى، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنْكَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ لَا يَلِيقُ بِالْفَقِيهِ. ثُمَّ إِنَّ مَرَاتِبَ كُلٍّ مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَا كَانَ زُورًا مِنْ تَعَاطِي الْمَرْءِ مَا لَيْسَ لَهُ أَهْلًا.

١١ - باب شَهَادَةِ الْأَعْمَى وَأَمْرِهِ وَنِكَاحِهِ وَإِنْكَاحِهِ وَمُبَايَعَتِهِ وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ وَمَا يُعْرَفُ بِالْأَصْوَاتِ، وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا. وَقَالَ الْحَكَمُ: رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ؟ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلًا إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ أَفْطَرَ. وَيَسْأَلُ عَنْ الْفَجْرِ فَإِذَا قِيلَ لَهُ: طَلَعَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي قَالَتْ: سُلَيْمَانُ؟ ادْخُلْ فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ. وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

طريق العوفيِّ قال: تلوي لسانك بغير الحقِّ وهي اللَّجلجة، فلا تقيم الشَّهادة على وجهها، والَّليُّ هو التَّحريف وتعمُّد الكذب، وأتى المؤلِّف بكلمة مفردة من التَّنزيل في معرضِ الاحتجاج، ولم يقل: وقوله: ﴿وَإِن﴾ ولم يفصل بين الكلمة القرآنية وتفسيرها.

٢٦٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون آخره راء، أبو عبد الرَّحمن المروزيُّ الزَّاهد، أنَّه (سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ) هو ابن حازم الأزديّ (وَعَبْدَ المَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ) مولى بني عبد الدَّار القرشيَّ (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ) بتصغير عبد (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) هو ابن مالك () أنَّه (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ عَنِ الكَبَائِرِ) جمع كبيرة واختُلِف فيها، والأقربُ أنَّها كلُّ ذنب رتَّب الشَّارع عليه حدًّا أو صرَّح بالوعيد فيه (قَالَ) : الكبائر: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) رفع خبرًا عن المبتدأ المقدَّر (وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) بأن يفعل الولد ما يتأذَّى به تأذِّيًا ليس بالهيِّن مع كونه ليس من الأفعال الواجبة (وَقَتْلُ النَّفْسِ) أي: بغير حقٍّ. قال تعالى ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الاية [النساء: ٩٣] (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) الواو في الثَّلاثة للعطف على السَّابق، وليس المراد حصر الكبائر فيما ذكر، بل اقتصر على أكبرها، والشِّرك أعظمُها.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٥٩٧٧] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٧١]، ومسلم في «الأيمان»، والتِّرمذيُّ في «البيوع» و «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «القضاء» و «القصاص» و «التَّفسير».

(تَابَعَهُ) أي: تابع وَهْب بن جَرير في روايته عن شُعْبة (غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر (وَأَبُو عَامِرٍ) عبد الملك العقديُّ، فيما وصله أبو سعيد النَّقَّاش في «كتاب الشُّهود» وابن مَنْده في «كتاب الإيمان» (وَبَهْزٌ) بفتح الموحَّدة، وبعد الهاء السَّاكنة زايٌ، ابن أسد العمِّيُّ فيما وصله أحمد

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَرَّعُونَ وَيَسْتَهِينُونَ بِأَمْرِ الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَلِفَ فِي الشَّهَادَةِ يُبْطِلُهَا، قَالَ: وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي: مَنْ قَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ; لِأَنَّهُ حَلِفٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ خِلَافُهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ إِلَخْ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ.

قَوْلُهُ: (كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ) زَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي أَوَّلِ الْفَضَائِلِ وَنَحْنُ صِغَارٌ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ كَانُوا يَنْهَوْنَنا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ عَنِ الْعَهْدِ وَالشَّهَادَاتِ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ نَحْوَهُ وَكَانَ أَصْحَابُنَا يَنْهَوْنَنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ عَنِ الشَّهَادَةِ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ عِنْدَهُمُ النَّهْيُ عَنْ مُبَادَرَةِ الرَّجُلِ بِقَوْلِهِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، وَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا كَانُوا يَضْرِبُونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَصِيرَ لَهُمْ بِهِ عَادَةٌ فَيَحْلِفُوا فِي كُلِّ مَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ.

قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ تَعَاطِي الشَّهَادَاتِ وَالتَّصَدِّي لَهَا، لِمَا فِي تَحَمُّلِهَا مِنَ الْحَرَجِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ أَدَائِهَا ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مُعَرَّضٌ لِلنِّسْيَانِ وَالسَّهْوِ، وَلَا سِيَّمَا وَهُمْ إِذْ ذَاكَ غَالِبًا لَا يَكْتُبُونَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّهْي عَنِ الْعَهْدِ الدُّخُولَ فِي الْوَصِيَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَالْوَصِيَّةُ تُسَمَّى الْعَهْدَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِهَذَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٠ - باب مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ، لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، ﴿تَلْوُوا﴾ أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ

٢٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ عَنْ الْكَبَائِرِ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ. تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عَامِرٍ وَبَهْزٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ.

[الحديث ٢٦٥٣ - طرفاه في: ٥٩٧٧، ٦٨٧١]

٢٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قال النبي : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ "ثَلَاثًا قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ -: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ. قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ". وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ

[الحديث ٢٦٥٤ - أطرافه في: ٥٩٧٦، ٦٢٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ) أَيْ مِنَ التَّغْلِيظِ وَالْوَعِيدِ.

قَوْلُهُ: (لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ فِي ذَمِّ مُتَعَاطِي شَهَادَةِ الزُّورِ، وَهُوَ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِأَحَدِ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالزُّورِ هُنَا الشِّرْكُ وَقِيلَ الْغِنَاءُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَصْلُ الزُّورِ تَحْسِينُ الشَّيْءِ وَوَصْفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ، حَتَّى يُخَيَّلَ لِمَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ قَالَ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَدْحُ مَنْ لَا يَشْهَدُ شَيْئًا مِنَ

الْبَاطِلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ، أَيْ وَمَا قِيلَ فِي كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ مِنَ الْوَعِيدِ.

قَوْلُهُ: (ولِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿عَلِيمٌ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾

قَوْلُهُ: (تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ أَيْ تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا، وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: تَلْوِي لِسَانَكَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهِيَ اللَّجْلَجَةُ فَلَا تُقِيمُ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا التَّرْكُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ طُرُقٍ حَاصِلُهَا أَنَّهُ فَسَّرَ اللَّيَّ بِالتَّحْرِيفِ، وَالْإِعْرَاضَ بِالتَّرْكِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِنَظْمِ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ مَعَ شَهَادَةِ الزُّورِ إِلَى هَذَا الْأَثَرِ، وَإِلَى أَنَّ تَحْرِيمَ شَهَادَةِ الزُّورِ لِكَوْنِهَا سَبَبًا لِإِبْطَالِ الْحَقِّ، فَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ أَيْضًا سَبَبٌ لِإِبْطَالِ الْحَقِّ، وَإِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ - فَذَكَرَ أَشْيَاءَ ثُمَّ قَالَ - وَظُهُورَ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَكِتْمَانَ شَهَادَةِ الْحَقِّ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَيْنِ أحدهما:

قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْآتِيَةِ فِي الْأَدَبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْكَبَائِرِ) زَادَ بَهْزٌ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَوْ ذَكَرَهَا وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ذَكَرَ الْكَبَائِرَ أَوْ سُئِلَ عَنْهَا وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَبَائِرِ أَكْبَرُهَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي يَلِيهِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ شُعْبَةَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ حَصْرَ الْكَبَائِرِ فِيمَا ذَكَرَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَعْرِيفِهَا، وَالْإِشَارَةُ إِلَى تَعْيِينِهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ وَهُوَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَصَايَا.

قَوْلُهُ: (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ غُنْدَرٌ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَذْكُورُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو عَامِرٍ، وَبَهْزٌ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ) أَمَّا رِوَايَةُ أَبِي عَامِرٍ وَهُوَ الْعَقْدِيُ فَوَصَلَهَا أَبُو سَعِيدٍ النَّقَّاشُ فِي كِتَابِ الشُّهُودِ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْأيمَانِ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ الْحَدِيثَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ.

وَأَمَّا رِوَايَةُ بَهْزٍ وَهُوَ ابْنُ أَسَدٍ الْمَذْكُورِ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ عَنْهُ. وأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الصَّمَدِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الدِّيَاتِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ عَلَّقَهَا الْمُصَنِّفُ آخِرَ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) هَذَا يُقَوِّي - إِنْ كَانَ الْمَجْلِسُ مُتَّحِدًا - أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ مِمَّا شَكَّ فِيهِ شُعْبَةُ: هَلْ قَالَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً أَوْ لَمَّا سُئِلَ؟ وَقَدْ نَظَمَ كُل مِنَ الْعُقُوقِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ بِالشِّرْكِ فِي آيَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ثَانِيهِمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾

قَوْلُهُ: (ثَلَاثًا) أَيْ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِيَنْتَبِهَ السَّامِعُ عَلَى إِحْضَارِ فَهْمِهِ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ عَدَدُ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِلْمِ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ وَذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْلِيقًا.

قَوْلُهُ: (الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) يَحْتَمِلُ مُطْلَقَ الْكُفْرِ وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِغَلَبَتِهِ فِي الْوُجُودِ، وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، فَذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ

خُصُوصِيَّتُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ قُبْحًا مِنَ الْإِشْرَاكِ وَهُوَ التَّعْطِيلُ ; لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُطْلَقٌ وَالْإِشْرَاكُ إِثْبَاتٌ مُقَيَّدٌ، فَيَتَرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَبِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَى الْكَبَائِرِ، وَضَابِطِهَا وَبَيَانِ مَا قِيلَ فِي عَدَدِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اهْتَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّكِئًا، وَيُفِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمَ قُبْحِهِ، وَسَبَبُ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ الزُّورِ أَوْ شَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلَ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ، وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ، فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ، وَالْعُقُوقَ يَصْرِفُ عَنْهُ الطَّبْعُ، وَأَمَّا الزُّورُ فَالْحَوَامِلُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا، فَاحْتِيجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الْإِشْرَاكِ قَطْعًا، بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَةِ الزُّورِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى غَيْرِ الشَّاهِدِ، بِخِلَافِ الشِّرْكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِبًا.

قَوْلُهُ: (أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ) فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ شَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ بِالْوَاوِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّأْكِيدِ، فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا الْقَوْلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَزِمَ أَنْ يكُونَ الْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ مُطْلَقًا كَبِيرَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ عِظَمَ الْكَذِبِ وَمَرَاتِبَهُ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾

قَوْلُهُ: (فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ. وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ فِي كِتَابِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، وَفِي الْحَدِيثِ انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إِلَى كَبِيرٍ وَأَكْبَرَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ الصَّغَائِرِ ; لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا أَكْبَرُ مِنْهَا ; وَالِاخْتِلَافُ فِي ثُبُوتِ الصَّغَائِرِ مَشْهُورٌ، وَأَكْثَرُ مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي الذُّنُوبِ صَغِيرَةٌ كَوْنُهُ نَظَرَ إِلَى عِظَمِ الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، فَالْمُخَالَفَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَالِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ، لَكِنْ لِمَنْ أَثْبَتَ الصَّغَائِرَ أَنْ يَقُولَ وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَوْقَهَا صَغِيرَةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَقَدْ فُهِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مِنْ مَدَارِكِ الشَّرْعِ، وَسَبَقَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مَا يُكَفِّرُ الْخَطَايَا مَا لَمْ تَكُنْ كَبَائِرَ، فَثَبَتَ بِهِ أَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يُكَفَّرُ بِالطَّاعَاتِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُكَفَّرُ، وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ الْمُدَّعَى، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنْكَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ لَا يَلِيقُ بِالْفَقِيهِ. ثُمَّ إِنَّ مَرَاتِبَ كُلٍّ مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَا كَانَ زُورًا مِنْ تَعَاطِي الْمَرْءِ مَا لَيْسَ لَهُ أَهْلًا.

١١ - باب شَهَادَةِ الْأَعْمَى وَأَمْرِهِ وَنِكَاحِهِ وَإِنْكَاحِهِ وَمُبَايَعَتِهِ وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ وَمَا يُعْرَفُ بِالْأَصْوَاتِ، وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا. وَقَالَ الْحَكَمُ: رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ؟ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلًا إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ أَفْطَرَ. وَيَسْأَلُ عَنْ الْفَجْرِ فَإِذَا قِيلَ لَهُ: طَلَعَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي قَالَتْ: سُلَيْمَانُ؟ ادْخُلْ فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ. وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

طريق العوفيِّ قال: تلوي لسانك بغير الحقِّ وهي اللَّجلجة، فلا تقيم الشَّهادة على وجهها، والَّليُّ هو التَّحريف وتعمُّد الكذب، وأتى المؤلِّف بكلمة مفردة من التَّنزيل في معرضِ الاحتجاج، ولم يقل: وقوله: ﴿وَإِن﴾ ولم يفصل بين الكلمة القرآنية وتفسيرها.

٢٦٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون آخره راء، أبو عبد الرَّحمن المروزيُّ الزَّاهد، أنَّه (سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ) هو ابن حازم الأزديّ (وَعَبْدَ المَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ) مولى بني عبد الدَّار القرشيَّ (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ) بتصغير عبد (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) هو ابن مالك () أنَّه (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ عَنِ الكَبَائِرِ) جمع كبيرة واختُلِف فيها، والأقربُ أنَّها كلُّ ذنب رتَّب الشَّارع عليه حدًّا أو صرَّح بالوعيد فيه (قَالَ) : الكبائر: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) رفع خبرًا عن المبتدأ المقدَّر (وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) بأن يفعل الولد ما يتأذَّى به تأذِّيًا ليس بالهيِّن مع كونه ليس من الأفعال الواجبة (وَقَتْلُ النَّفْسِ) أي: بغير حقٍّ. قال تعالى ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الاية [النساء: ٩٣] (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) الواو في الثَّلاثة للعطف على السَّابق، وليس المراد حصر الكبائر فيما ذكر، بل اقتصر على أكبرها، والشِّرك أعظمُها.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٥٩٧٧] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٧١]، ومسلم في «الأيمان»، والتِّرمذيُّ في «البيوع» و «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «القضاء» و «القصاص» و «التَّفسير».

(تَابَعَهُ) أي: تابع وَهْب بن جَرير في روايته عن شُعْبة (غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر (وَأَبُو عَامِرٍ) عبد الملك العقديُّ، فيما وصله أبو سعيد النَّقَّاش في «كتاب الشُّهود» وابن مَنْده في «كتاب الإيمان» (وَبَهْزٌ) بفتح الموحَّدة، وبعد الهاء السَّاكنة زايٌ، ابن أسد العمِّيُّ فيما وصله أحمد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله