«انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، يَأْتِيَانِ النَّخْلَ الَّذِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٠٥٦

الحديث رقم ٣٠٥٦ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كيف يعرض الإسلام على الصبي.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «انطلق النبي ﷺ وأبي بن كعب، يأتيان النخل…

«انْطَلَقَ النَّبِيُّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، يَأْتِيَانِ النَّخْلَ الَّذِي فِيهِ ابْنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ النَّخْلَ، طَفِقَ النَّبِيُّ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهْوَ يَخْتِلُ ابْنَ صَيَّادٍ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ وَهْوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لِابْنِ صَيَّادٍ: أَيْ صَافِ، وَهْوَ اسْمُهُ، فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ»

سند حديث: ٣٠٥٦ - قَالَ ابْنُ عُمَرَ :

٣٠٥٦ - قَالَ ابْنُ عُمَرَ :

رواة الحديث

شرح حديث: «انطلق النبي ﷺ وأبي بن كعب، يأتيان النخل…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ مَعَ النَّبِيِّ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ صَيَّادٍ يَحْتَلِمُ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. قَالَ النَّبِيُّ : مَاذَا تَرَى؟ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. قَالَ النَّبِيُّ : خُلِطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ. قَالَ النَّبِيُّ : إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ. قَالَ النَّبِيُّ : اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ؛ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ النَّبِيُّ : إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ.

٣٠٥٦ - قَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، يَأْتِيَانِ النَّخْلَ الَّذِي فِيهِ ابْنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ النَّخْلَ طَفِقَ النَّبِيُّ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ صَيَّادٍ النَّبِيَّ ، وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لِابْنِ صَيَّادٍ: أَيْ صَافِ - وَهُوَ اسْمُهُ - فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ.

٣٠٥٧ - وَقَالَ سَالِمٌ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ؛ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ.

[الحديث ٣٠٥٧ - أطرافه في ٣٣٣٧، ٣٤٣٩، ٤٤٠٢، ٦١٧٥، ٧١٢٣، ٧١٢٧، ٨٤٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي (بَابِ هَلْ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ) فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَوَجْهُ مَشْرُوعِيَّةِ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّبِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ لِابْنِ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَحْتَلِمْ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعِي، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَقُبِلَ لِأَنَّهُ فَائِدَةُ الْعَرْضِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ إِلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ثَلَاثُ قِصَصٍ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ تَامَّةً: فِي الْجَنَائِزِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، وَهُنَا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، وَفِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، وَاقْتَصَرَ فِي الشَّهَادَاتِ عَلَى الثَّانِيَةِ، وَذَكَرَهَا أَيْضًا فِيمَا مَضَى مِنَ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَاقْتَصَرَ فِي الْفِتَنِ عَلَى الثَّالِثَةِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ أَكْثَرِ مُفْرَدَاتِهِ فِي الْجَنَائِزِ. وَقَوْلُهُ: قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: إِلَى جِهَتِهِ، وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ يَحْتَلِمُ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَشُعَيْبٍ: وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَاعْتَرَضَ بِهِ، فَقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غُلَامًا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحْتَلِمْ.

قَوْلُهُ: (أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ

الْأُمِّيِّينَ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ مِنْهُمْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِبَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، لَكِنْ يَدَّعُونَ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِالْعَرَبِ، وَفَسَادُ حُجَّتِهِمْ وَاضِحٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا أَقَرُّوا بِأَنَّهُ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولُهُ إِلَى الْعَرَبِ وَإِلَى غَيْرِهَا تَعَيَّنَ صِدْقُهُ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟) فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَهُ النَّبِيُّ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) وَلِلْمُسْتَمْلِي: وَرَسُولِهِ بِالْإِفْرَادِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ، إِنَّمَا عَرَضَ النَّبِيُّ الْإِسْلَامَ عَلَى ابْنِ صَيَّادٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الدَّجَّالَ الْمُحَذَّرَ مِنْهُ. قُلْتُ: وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَمْرَهُ كَانَ مُحْتَمَلًا، فَأَرَادَ اخْتِبَارَهُ بِذَلِكَ فَإِنْ أَجَابَ غَلَبَ تَرْجِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ تَمَادَى الِاحْتِمَالُ، أَوْ أَرَادَ بِاسْتِنْطَاقِهِ إِظْهَارَ كَذِبِهِ الْمُنَافِي لِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ أَجَابَهُ بِجَوَابٍ مُنْصِفٍ، فَقَالَ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْكَهَنَةِ، يُخْبِرُ بِالْخَبَرِ فَيَصِحُّ تَارَةً وَيَفْسُدُ أُخْرَى، فَشَاعَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْزِلْ فِي شَأْنِهِ وَحْيٌ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ سُلُوكَ طَرِيقَةٍ يَخْتَبِرُ حَالَهُ بِهَا، أَيْ: فَهُوَ السَّبَبُ فِي انْطِلَاقِ النَّبِيِّ إِلَيْهِ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: وَلَدَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ غُلَامًا مَمْسُوحَةٌ عَيْنُهُ، وَالْأُخْرَى طَالِعَةٌ نَاتِئَةٌ، فَأَشْفَقَ النَّبِيُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ الدَّجَّالُ.

وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا: يَمْكُثُ أَبُو الدَّجَّالِ وَأُمُّهُ ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَهُمَا، ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَضَرُّ شَيْءٍ، وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، قَالَ: وَنَعَتَهُمَا، فَقَالَ: أَمَّا أَبُوهُ فَطَوِيلٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ كَأَنَّ أَنْفَهُ مِنْقَارٌ، وَأَمَّا أُمُّهُ ففَرْضَاخَةٌ - أَيْ: بِفَاءِ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ سَاكِنَةٍ وَبِمُعْجَمَتَيْنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا ضَخْمَةٌ طَوِيلَةُ الْيَدَيْنِ - قَالَ: فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ - يَعْنِي ابْنَ صَيَّادٍ - فَإِذَا هُمَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَلِأَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَ: سَلْهَا كَمْ حَمَلَتْ بِهِ؟ فَقَالَتْ: حَمَلْتُ بِهِ اثَّنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمَّا وَقَعَ صَاحَ صِيَاحَ الصَّبِيِّ ابْنِ شَهْرٍ انْتَهَى، فَكَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ فِي إِرَادَةِ اسْتِكْشَافِ أَمْرِهِ.

قَوْلُهُ: (مَاذَا تَرَى؟ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَنَحْوِهِ لِمُسْلِمٍ: فَقَالَ: أَرَى حَقًّا وَبَاطِلًا، وَأَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَهُ: أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا وَلِأَحْمَدَ أَرَى عَرْشًا عَلَى الْبَحْرِ حَوْلَهُ الْحِيتَانُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لُبِسَ) بِضَمِّ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، أَيْ: خُلِطَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ عِنْدَ أَحْمَدَ فَقَالَ: تَعُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا.

قَوْلُهُ: (إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خِبْئًا) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَبِفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزٌ، وَبِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَمْزٌ، أَيْ: أَخْفَيْتُ لَكَ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (هُوَ الدُّخُّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحْكَمِ الْفَتْحَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ الزَّخُّ بِفَتْحِ الزَّايِ بَدَلَ الدَّالِّ وَفَسَّرَهُ بِالْجِمَاعِ، وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَغْلِيظِهِ فِي ذَلِكَ، وَيَرُدُّهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورِ: فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: الدُّخَانَ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَالَ: الدُّخُّ، وَلِلْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ خَبَّأَ لَهُ سُورَةَ الدُّخَانِ، وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ السُّورَةَ، وَأَرَادَ بَعْضَهَا؛ فَإِنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: وَخَبَّأْتُ لَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وَأَمَّا جَوَابُ ابْنِ صَيَّادٍ بِالدُّخِّ، فَقِيلَ: إِنَّهُ انْدَهَشَ فَلَمْ يَقَعْ مِنْ لَفْظِ الدُّخَانِ إِلَّا عَلَى بَعْضِهِ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْآيَةَ حِينَئِذٍ كَانَتْ مَكْتُوبَةً فِي يَدِ النَّبِيِّ ، فَلَمْ يَهْتَدِ ابْنُ صَيَّادٍ مِنْهَا إِلَّا لِهَذَا الْقَدْرِ النَّاقِصِ عَلَى طَرِيقَةِ الْكَهَنَةِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ : لَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ أَيْ: قَدْرَ مِثْلِكَ مِنَ الْكُهَّانِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مِنْ إِلْقَاءِ شَيَاطِينِهِمْ مَا يَحْفَظُونَهُ مُخْتَلَطًا صِدْقُهُ بِكَذِبِهِ.

وَحَكَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ أَنَّ السِّرَّ فِي

امْتِحَانِ النَّبِيِّ لَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يَقْتُلُ الدَّجَّالَ بِجَبَلِ الدُّخَانِ، فَأَرَادَ التَّعْرِيضَ لِابْنِ الصَّيَّادِ بِذَلِكَ، وَاسْتَبْعَدَ الْخَطَّابِيُّ مَا تَقَدَّمَ، وَصَوَّبَ أَنَّهُ أَخَبَأَ لَهُ الدُّخَّ، وَهُوَ نَبْتٌ يَكُونُ بَيْنَ الْبَسَاتِينِ، وَسَبَبُ اسْتِبْعَادِهِ لَهُ أَنَّ الدُّخَانَ لَا يُخَبَّأُ فِي الْيَدِ وَلَا الْكُمِّ. ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَبَّأَ لَهُ اسْمَ الدُّخَانِ فِي ضَمِيرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: كَيْفَ اطَّلَعَ ابْنُ صَيَّادٍ أَوْ شَيْطَانُهُ عَلَى مَا فِي الضَّمِيرِ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ تَحَدَّثَ مَعَ نَفْسِهِ أَوْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَبِرَهُ، فَاسْتَرَقَ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ.

قَوْلُهُ: (اخْسَأْ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

قَوْلُهُ: (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) أَيْ: لَنْ تُجَاوِزَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ فِيكَ، أَوْ مِقْدَارَ أَمْثَالِكَ مِنَ الْكُهَّانِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: اسْتَكْشَفَ النَّبِيُّ أَمْرَهُ؛ لِيُبَيِّنَ لِأَصْحَابِهِ تَمْوِيهَهُ؛ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ حَالُهُ عَلَى ضَعِيفٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي الْإِسْلَامِ، وَمُحَصَّلُ مَا أَجَابَ بِهِ النَّبِيُّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِ وَالتَّنَزُّلِ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ الرِّسَالَةَ وَلَمْ يَخْتَلِطْ عَلَيْكَ الْأَمْرُ آمَنْتُ بِكَ. وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا وَخُلِّطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ فَلَا. وَقَدْ ظَهَرَ كَذِبُكَ وَالْتِبَاسُ الْأَمْرِ عَلَيْكَ، فَلَا تَعْدُو قَدْرَكَ.

قَوْلُهُ: (إِنْ يَكُنْ هُوَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: إِنْ يَكُنْهُ عَلَى وَصْلِ الضَّمِيرِ، وَاخْتَارَ ابْنُ مَالِكٍ جَوَازَهُ، ثُمَّ الضَّمِيرُ لِغَيْرٍ مَذْكُورٍ لَفْظًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي تَخَافُ فَلَنْ تَسْتَطِيعَهُ وَفِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ: أَنْ يَكُنْ هُوَ الدَّجَّالُ.

قَوْلُهُ: (فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَسْتَ بِصَاحِبِهِ، إِنَّمَا صَاحِبُهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ يَأْذَنِ النَّبِيُّ فِي قَتْلِهِ مَعَ ادِّعَائِهِ النُّبُوَّةَ بِحَضْرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ، وَلِأَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْعَهْدِ، قُلْتُ: الثَّانِي هُوَ الْمُتَعَيِّنُ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ: فَلَا يَحِلُّ لَكَ قَتْلُهُ ثُمَّ إِنَّ فِي السُّؤَالِ عِنْدِي نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَإِنَّمَا أَوْهَمَ أَنَّهُ يَدَّعِي الرِّسَالَةَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ دَعْوَى الرِّسَالَةِ دَعْوَى النُّبُوَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ هُوَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) هَذِهِ هِيَ الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ أَفْرَدَهَا أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَنَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَأَنَا مَعَهُمْ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ شَرْحُ مَا فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنَ الْمُفْرَدَاتِ، وَبَيَانُ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ. وَقَوْلُهُ: طَفِقَ أَيْ: جَعَلَ وَيَتَّقِي أَيْ: يَسْتَتِرُ وَيَخْتِلُ أَيْ: يَسْمَعُ فِي خُفْيَةٍ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: رَجَاءَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ كَلَامِهِ شَيْئًا؛ لِيَعْلَمَ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ.

قَوْلُهُ: (أَيْ: صَافٍ) بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ وَزْنُ بَاغٍ، زَادَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ: هَذَا مُحَمَّدٌ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو الْقَاسِمِ قَدْ جَاءَ وَكَأَنَّ الرَّاوِيَ عَبَّرَ بِاسْمِهِ الَّذِي تَسَمَّى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا اسْمُهُ الْأَوَّلُ فَهُوَ صَافٍ.

قَوْلُهُ: (لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ) أَيْ: أَظْهَرَ لَنَا مِنْ حَالِهِ مَا نَطَّلِعُ بِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالضَّمِيرُ لِأُمِّ ابْنِ صَيَّادٍ، أَيْ: لَوْ لَمْ تُعْلِمْهُ بِمَجِيئِنَا لَتَمَادَى عَلَى مَا كَانَ فِيهِ، فَسَمِعْنَا مَا يُسْتَكْشَفُ بِهِ أَمْرُهُ. وَغَفَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَجَعَلَ الضَّمِيرَ لِلزَّمْزَمَةِ، أَيْ: لَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَا لِفَهْمِنَا كَلَامَهُ، لَكِنَّ عَدَمَ فَهْمِنَا لِمَا يَقُولُ كَوْنُهُ يُهَمْهِمُ، كَذَا قَالَ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَالِمٌ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ) هَذِهِ هِيَ الْقِصَّةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ مَوْصُولَةٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَفْرَدَهَا أَحْمَدُ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْفِتَنِ. وَفِي قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ اهْتِمَامُ الْإِمَامِ بِالْأُمُورِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا الْفَسَادُ وَالتَّنْقِيبِ عَلَيْهَا، وَإِظْهَارُ كَذِبِ الْمُدَّعِي الْبَاطِلَ وَامْتِحَانُهُ بِمَا يَكْشِفُ حَالَهُ، وَالتَّجَسُّسُ عَلَى أَهْلِ الرَّيْبِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَجْتَهِدُ فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَمْرِ ابْنِ صَيَّادٍ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ مَعَ النَّبِيِّ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ صَيَّادٍ يَحْتَلِمُ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. قَالَ النَّبِيُّ : مَاذَا تَرَى؟ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. قَالَ النَّبِيُّ : خُلِطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ. قَالَ النَّبِيُّ : إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ. قَالَ النَّبِيُّ : اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ؛ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ النَّبِيُّ : إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ.

٣٠٥٦ - قَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، يَأْتِيَانِ النَّخْلَ الَّذِي فِيهِ ابْنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ النَّخْلَ طَفِقَ النَّبِيُّ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ صَيَّادٍ النَّبِيَّ ، وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لِابْنِ صَيَّادٍ: أَيْ صَافِ - وَهُوَ اسْمُهُ - فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ.

٣٠٥٧ - وَقَالَ سَالِمٌ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ؛ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ.

[الحديث ٣٠٥٧ - أطرافه في ٣٣٣٧، ٣٤٣٩، ٤٤٠٢، ٦١٧٥، ٧١٢٣، ٧١٢٧، ٨٤٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي (بَابِ هَلْ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ) فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَوَجْهُ مَشْرُوعِيَّةِ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّبِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ لِابْنِ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَحْتَلِمْ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعِي، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَقُبِلَ لِأَنَّهُ فَائِدَةُ الْعَرْضِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ إِلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ثَلَاثُ قِصَصٍ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ تَامَّةً: فِي الْجَنَائِزِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، وَهُنَا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، وَفِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، وَاقْتَصَرَ فِي الشَّهَادَاتِ عَلَى الثَّانِيَةِ، وَذَكَرَهَا أَيْضًا فِيمَا مَضَى مِنَ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَاقْتَصَرَ فِي الْفِتَنِ عَلَى الثَّالِثَةِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ أَكْثَرِ مُفْرَدَاتِهِ فِي الْجَنَائِزِ. وَقَوْلُهُ: قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: إِلَى جِهَتِهِ، وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ يَحْتَلِمُ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَشُعَيْبٍ: وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَاعْتَرَضَ بِهِ، فَقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غُلَامًا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحْتَلِمْ.

قَوْلُهُ: (أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ

الْأُمِّيِّينَ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ مِنْهُمْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِبَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، لَكِنْ يَدَّعُونَ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِالْعَرَبِ، وَفَسَادُ حُجَّتِهِمْ وَاضِحٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا أَقَرُّوا بِأَنَّهُ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولُهُ إِلَى الْعَرَبِ وَإِلَى غَيْرِهَا تَعَيَّنَ صِدْقُهُ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟) فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَهُ النَّبِيُّ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) وَلِلْمُسْتَمْلِي: وَرَسُولِهِ بِالْإِفْرَادِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ، إِنَّمَا عَرَضَ النَّبِيُّ الْإِسْلَامَ عَلَى ابْنِ صَيَّادٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الدَّجَّالَ الْمُحَذَّرَ مِنْهُ. قُلْتُ: وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَمْرَهُ كَانَ مُحْتَمَلًا، فَأَرَادَ اخْتِبَارَهُ بِذَلِكَ فَإِنْ أَجَابَ غَلَبَ تَرْجِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ تَمَادَى الِاحْتِمَالُ، أَوْ أَرَادَ بِاسْتِنْطَاقِهِ إِظْهَارَ كَذِبِهِ الْمُنَافِي لِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ أَجَابَهُ بِجَوَابٍ مُنْصِفٍ، فَقَالَ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْكَهَنَةِ، يُخْبِرُ بِالْخَبَرِ فَيَصِحُّ تَارَةً وَيَفْسُدُ أُخْرَى، فَشَاعَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْزِلْ فِي شَأْنِهِ وَحْيٌ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ سُلُوكَ طَرِيقَةٍ يَخْتَبِرُ حَالَهُ بِهَا، أَيْ: فَهُوَ السَّبَبُ فِي انْطِلَاقِ النَّبِيِّ إِلَيْهِ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: وَلَدَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ غُلَامًا مَمْسُوحَةٌ عَيْنُهُ، وَالْأُخْرَى طَالِعَةٌ نَاتِئَةٌ، فَأَشْفَقَ النَّبِيُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ الدَّجَّالُ.

وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا: يَمْكُثُ أَبُو الدَّجَّالِ وَأُمُّهُ ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَهُمَا، ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَضَرُّ شَيْءٍ، وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، قَالَ: وَنَعَتَهُمَا، فَقَالَ: أَمَّا أَبُوهُ فَطَوِيلٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ كَأَنَّ أَنْفَهُ مِنْقَارٌ، وَأَمَّا أُمُّهُ ففَرْضَاخَةٌ - أَيْ: بِفَاءِ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ سَاكِنَةٍ وَبِمُعْجَمَتَيْنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا ضَخْمَةٌ طَوِيلَةُ الْيَدَيْنِ - قَالَ: فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ - يَعْنِي ابْنَ صَيَّادٍ - فَإِذَا هُمَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَلِأَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَ: سَلْهَا كَمْ حَمَلَتْ بِهِ؟ فَقَالَتْ: حَمَلْتُ بِهِ اثَّنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمَّا وَقَعَ صَاحَ صِيَاحَ الصَّبِيِّ ابْنِ شَهْرٍ انْتَهَى، فَكَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ فِي إِرَادَةِ اسْتِكْشَافِ أَمْرِهِ.

قَوْلُهُ: (مَاذَا تَرَى؟ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَنَحْوِهِ لِمُسْلِمٍ: فَقَالَ: أَرَى حَقًّا وَبَاطِلًا، وَأَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَهُ: أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا وَلِأَحْمَدَ أَرَى عَرْشًا عَلَى الْبَحْرِ حَوْلَهُ الْحِيتَانُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لُبِسَ) بِضَمِّ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، أَيْ: خُلِطَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ عِنْدَ أَحْمَدَ فَقَالَ: تَعُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا.

قَوْلُهُ: (إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خِبْئًا) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَبِفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزٌ، وَبِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَمْزٌ، أَيْ: أَخْفَيْتُ لَكَ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (هُوَ الدُّخُّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحْكَمِ الْفَتْحَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ الزَّخُّ بِفَتْحِ الزَّايِ بَدَلَ الدَّالِّ وَفَسَّرَهُ بِالْجِمَاعِ، وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَغْلِيظِهِ فِي ذَلِكَ، وَيَرُدُّهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورِ: فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: الدُّخَانَ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَالَ: الدُّخُّ، وَلِلْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ خَبَّأَ لَهُ سُورَةَ الدُّخَانِ، وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ السُّورَةَ، وَأَرَادَ بَعْضَهَا؛ فَإِنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: وَخَبَّأْتُ لَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وَأَمَّا جَوَابُ ابْنِ صَيَّادٍ بِالدُّخِّ، فَقِيلَ: إِنَّهُ انْدَهَشَ فَلَمْ يَقَعْ مِنْ لَفْظِ الدُّخَانِ إِلَّا عَلَى بَعْضِهِ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْآيَةَ حِينَئِذٍ كَانَتْ مَكْتُوبَةً فِي يَدِ النَّبِيِّ ، فَلَمْ يَهْتَدِ ابْنُ صَيَّادٍ مِنْهَا إِلَّا لِهَذَا الْقَدْرِ النَّاقِصِ عَلَى طَرِيقَةِ الْكَهَنَةِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ : لَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ أَيْ: قَدْرَ مِثْلِكَ مِنَ الْكُهَّانِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مِنْ إِلْقَاءِ شَيَاطِينِهِمْ مَا يَحْفَظُونَهُ مُخْتَلَطًا صِدْقُهُ بِكَذِبِهِ.

وَحَكَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ أَنَّ السِّرَّ فِي

امْتِحَانِ النَّبِيِّ لَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يَقْتُلُ الدَّجَّالَ بِجَبَلِ الدُّخَانِ، فَأَرَادَ التَّعْرِيضَ لِابْنِ الصَّيَّادِ بِذَلِكَ، وَاسْتَبْعَدَ الْخَطَّابِيُّ مَا تَقَدَّمَ، وَصَوَّبَ أَنَّهُ أَخَبَأَ لَهُ الدُّخَّ، وَهُوَ نَبْتٌ يَكُونُ بَيْنَ الْبَسَاتِينِ، وَسَبَبُ اسْتِبْعَادِهِ لَهُ أَنَّ الدُّخَانَ لَا يُخَبَّأُ فِي الْيَدِ وَلَا الْكُمِّ. ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَبَّأَ لَهُ اسْمَ الدُّخَانِ فِي ضَمِيرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: كَيْفَ اطَّلَعَ ابْنُ صَيَّادٍ أَوْ شَيْطَانُهُ عَلَى مَا فِي الضَّمِيرِ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ تَحَدَّثَ مَعَ نَفْسِهِ أَوْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَبِرَهُ، فَاسْتَرَقَ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ.

قَوْلُهُ: (اخْسَأْ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

قَوْلُهُ: (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) أَيْ: لَنْ تُجَاوِزَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ فِيكَ، أَوْ مِقْدَارَ أَمْثَالِكَ مِنَ الْكُهَّانِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: اسْتَكْشَفَ النَّبِيُّ أَمْرَهُ؛ لِيُبَيِّنَ لِأَصْحَابِهِ تَمْوِيهَهُ؛ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ حَالُهُ عَلَى ضَعِيفٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي الْإِسْلَامِ، وَمُحَصَّلُ مَا أَجَابَ بِهِ النَّبِيُّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِ وَالتَّنَزُّلِ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ الرِّسَالَةَ وَلَمْ يَخْتَلِطْ عَلَيْكَ الْأَمْرُ آمَنْتُ بِكَ. وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا وَخُلِّطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ فَلَا. وَقَدْ ظَهَرَ كَذِبُكَ وَالْتِبَاسُ الْأَمْرِ عَلَيْكَ، فَلَا تَعْدُو قَدْرَكَ.

قَوْلُهُ: (إِنْ يَكُنْ هُوَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: إِنْ يَكُنْهُ عَلَى وَصْلِ الضَّمِيرِ، وَاخْتَارَ ابْنُ مَالِكٍ جَوَازَهُ، ثُمَّ الضَّمِيرُ لِغَيْرٍ مَذْكُورٍ لَفْظًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي تَخَافُ فَلَنْ تَسْتَطِيعَهُ وَفِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ: أَنْ يَكُنْ هُوَ الدَّجَّالُ.

قَوْلُهُ: (فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَسْتَ بِصَاحِبِهِ، إِنَّمَا صَاحِبُهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ يَأْذَنِ النَّبِيُّ فِي قَتْلِهِ مَعَ ادِّعَائِهِ النُّبُوَّةَ بِحَضْرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ، وَلِأَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْعَهْدِ، قُلْتُ: الثَّانِي هُوَ الْمُتَعَيِّنُ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ: فَلَا يَحِلُّ لَكَ قَتْلُهُ ثُمَّ إِنَّ فِي السُّؤَالِ عِنْدِي نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَإِنَّمَا أَوْهَمَ أَنَّهُ يَدَّعِي الرِّسَالَةَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ دَعْوَى الرِّسَالَةِ دَعْوَى النُّبُوَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ هُوَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) هَذِهِ هِيَ الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ أَفْرَدَهَا أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَنَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَأَنَا مَعَهُمْ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ شَرْحُ مَا فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنَ الْمُفْرَدَاتِ، وَبَيَانُ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ. وَقَوْلُهُ: طَفِقَ أَيْ: جَعَلَ وَيَتَّقِي أَيْ: يَسْتَتِرُ وَيَخْتِلُ أَيْ: يَسْمَعُ فِي خُفْيَةٍ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: رَجَاءَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ كَلَامِهِ شَيْئًا؛ لِيَعْلَمَ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ.

قَوْلُهُ: (أَيْ: صَافٍ) بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ وَزْنُ بَاغٍ، زَادَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ: هَذَا مُحَمَّدٌ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو الْقَاسِمِ قَدْ جَاءَ وَكَأَنَّ الرَّاوِيَ عَبَّرَ بِاسْمِهِ الَّذِي تَسَمَّى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا اسْمُهُ الْأَوَّلُ فَهُوَ صَافٍ.

قَوْلُهُ: (لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ) أَيْ: أَظْهَرَ لَنَا مِنْ حَالِهِ مَا نَطَّلِعُ بِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالضَّمِيرُ لِأُمِّ ابْنِ صَيَّادٍ، أَيْ: لَوْ لَمْ تُعْلِمْهُ بِمَجِيئِنَا لَتَمَادَى عَلَى مَا كَانَ فِيهِ، فَسَمِعْنَا مَا يُسْتَكْشَفُ بِهِ أَمْرُهُ. وَغَفَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَجَعَلَ الضَّمِيرَ لِلزَّمْزَمَةِ، أَيْ: لَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَا لِفَهْمِنَا كَلَامَهُ، لَكِنَّ عَدَمَ فَهْمِنَا لِمَا يَقُولُ كَوْنُهُ يُهَمْهِمُ، كَذَا قَالَ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَالِمٌ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ) هَذِهِ هِيَ الْقِصَّةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ مَوْصُولَةٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَفْرَدَهَا أَحْمَدُ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْفِتَنِ. وَفِي قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ اهْتِمَامُ الْإِمَامِ بِالْأُمُورِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا الْفَسَادُ وَالتَّنْقِيبِ عَلَيْهَا، وَإِظْهَارُ كَذِبِ الْمُدَّعِي الْبَاطِلَ وَامْتِحَانُهُ بِمَا يَكْشِفُ حَالَهُ، وَالتَّجَسُّسُ عَلَى أَهْلِ الرَّيْبِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَجْتَهِدُ فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَمْرِ ابْنِ صَيَّادٍ

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 16 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.5 / 29.5
الإضاءة 92%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
لا إله إلا الله