«قِيلَ لِأُسَامَةَ: لَوْ أَتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ: إِنَّكُمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٢٦٧

الحديث رقم ٣٢٦٧ من كتاب «كتاب بدء الخلق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صفة النار وأنها مخلوقة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قيل لأسامة: لو أتيت فلانا فكلمته قال: إنكم…

«قِيلَ لِأُسَامَةَ: لَوْ أَتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ: إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ وَلَا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا: إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ » قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ رَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ.

سند حديث: ٣٢٦٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا…

٣٢٦٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ

شرح مبسّط لحديث: «قيل لأسامة: لو أتيت فلانا فكلمته قال: إنكم…

قيل لأسامة بن زيد رضي الله عنهما: ألا تدخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه فتُكلِّمه فيما وقع من الفتنة بين الناس والسعي في إطفائها برمتها، فأبلغهم أنه كلمه سرًا طلبًا للمصلحة لا تهييجًا للفتنة، وغرضه أنه لا يريد المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ، فتكون سببًا للتطاول على الخليفة، وهو بابُ فتنةٍ وشر لا أكون أول من فتحه.

ثم قال أسامة رضي الله عنهما: بأنه ينصحُ الأمراءَ في السر ولا يداهن أحدًا ولو كان أميرًا، ولا يَتملَّق لهم فيمدحهم في وجوههم بالباطل، وذلك بعدما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أنه يؤتى يوم القيامة برجل، فيُلقى في النار، فتخرج أمعاؤه من بطنه خروجًا سريعًا من شدة الحر وشدة العذاب، فيدور بأمعائه على هذه الحالة في النار كدَوَرَان الحمار حول رَحَاه الذي هو حَجَر الطاحون، فيجتمع حولَه أهلُ النار على هيئة حلقة تحيط به، فيسألونه: يا فلان، ألستَ كنتَ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟!

فيقول: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعلُه، وأنهى عن المنكر وأفعلُه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الأصلُ في النصح لولاة الأمور أن يكون فيما بينهم وبينه، وأن لا يتحدث به الإنسان بين عامة الناس.
  • الوعيد الشديد لمن يخالف قولُه فعلَه.
  • الأدب مع الأمراء والتلطف بهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
  • ذم مداهنة الأمراء في الحق وإظهار ما يبطن خلافه كالمُتملِّق بالباطل.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قيل لأسامة: لو أتيت فلانا فكلمته قال: إنكم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٢٦٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لِأُسَامَةَ: "لَوْ أَتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلاَّ أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ وَلَا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالُوا وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ". رَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الأَعْمَشِ.

[الحديث ٣٢٦٧ - طرفه في: ٧٠٩٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ صِفَةِ النَّارِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ) الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي بَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ: (غَسَّاقًا، يُقَالُ غَسَقَتْ عَيْنُهُ وَيَغْسِقُ الْجُرْحُ) وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ الْحَمِيمُ الْمَاءُ الْحَارُّ، وَالْغَسَّاقُ مَا هُمِيَ وَسَالَ، يُقَالُ: غَسَقْتُ مِنَ الْعَيْنِ وَمِنَ الْجُرْحِ، وَيُقَالُ: عَيْنُهُ تَغْسِقُ أَيْ تَسِيلُ، وَالْمُرَادُ فِي الْآيَةِ مَا سَالَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الصَّدِيدِ، رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ وَمِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: مِنْ دُمُوعِهِمْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ عِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْغَسَّاقُ الْبَارِدُ الَّذِي يُحْرِقُ بِبَرْدِهِ رَوَاهُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: مَنْ قَرَأَهُ بِالتَّشْدِيدِ أَرَادَ السَّائِلَ، وَمَنْ قَرَأَهُ بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ الْبَارِدَ. وَقِيلَ: الْغَسَّاقُ الْمُنْتِنُ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ وَقَالَ: إِنَّهَا بِالطِّخَارِيَّةِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مَرْفُوعًا: لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ إِلَى الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيَا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا: الْغَسَّاقُ الْقَيْحُ الْغَلِيظُ، لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْهُ تُهْرَاقُ بِالْمَغْرِبِ لَأَنْتَنَ أَهْلَ الْمَشْرِقِ.

قَوْلُهُ: (وَكَأَنَّ الْغَسَّاقَ وَالْغَسِيقَ وَاحِدٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْغَسِيقُ بِوَزْنِ فَعِيلٍ، وَلِغَيْرِهِ وَالْغَسَقُ بِفَتْحَتَيْنِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ الْغَاسِقُ: اللَّيْلُ إِذَا لَبِسَ الْأَشْيَاءَ وَغَطَّاهَا، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ هُجُومُهُ عَلَى الْأَشْيَاءِ هُجُومَ السَّيْلِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ السَّائِلُ مِنَ الصَّدِيدِ الْجَامِعِ بَيْنَ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَشِدَّةِ النَّتْنِ، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَقْوَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

قَوْلُهُ: (غِسْلِينٍ كُلُّ شَيْءٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ غِسْلِينٌ، فِعْلِينٌ مِنَ الْغُسْلِ مِنَ الْجُرْحِ وَالدَّبَرِ) كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: الْغِسْلِينُ صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَالدَّبَرُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ هُوَ مَا يُصِيبُ الْإِبِلَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ.

(تَنْبِيهٌ):

قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ يُعَارِضُهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الضَّرِيعَ مِنَ الْغِسْلِينِ، وَهَذَا يَرُدُّهُ مَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الضَّرِيعَ نَبَاتٌ، وَقِيلَ: الِاخْتِلَافُ بِحَسَبِ مَنْ يُطْعَمُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَةِ الْأُولَى فَطَعَامُهُ مِنْ غِسْلِينٍ، وَمَنِ اتَّصَفَ بِالثَّانِيَةِ فَطَعَامُهُ مِنْ ضَرِيعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حَصَبُ جَهَنَّمَ حَطَبٌ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: حَاصِبًا الرِّيحُ الْعَاصِفُ، وَالْحَاصِبُ مَا يَرْمِي

بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ حَصَبُ جَهَنَّمَ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ هُمْ حَصَبُهَا) أَمَّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بِهَذَا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَرَوَى الْفَرَّاءُ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمَا قَرَآهَا حَطَبُ بِالطَّاءِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ: وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمُ الَّذِينَ تُسْجَرُ بِهِمُ النَّارُ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هِيجَتْ بِهِ النَّارُ فَهُوَ حَصَبٌ لَهَا، وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ: فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ أَيْ رِيحًا عَاصِفًا يَحْصِبُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: كُلُّ شَيْءٍ أَلْقَيْتَهُ فِي النَّارِ فَقَدْ حَصَبْتَهَا بِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ: حَصَبُ جَهَنَّمَ قَالَ: تُحْصَبُ بِهِمْ جَهَنَّمُ وَهُوَ الرَّمْيُ، يَقُولُ: يُرْمَى بِهِمْ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ حَصَبَ فِي الْأَرْضِ ذَهَبَ، وَالْحَصَبُ مُشْتَقٌّ مِنْ حَصْبَاءِ الْحِجَارَةِ) رَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ أَبِي جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ قَالَ: مَطَرُ الْحِجَارَةِ.

قَوْلُهُ: (صَدِيدٌ: قَيْحٌ وَدَمٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ قَالَ: الصَّدِيدُ الْقَيْحُ وَالدَّمُ.

قَوْلُهُ: (خَبَتْ: طَفِئَتْ) أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ قَالَ: طَفِئَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَكَنَتْ، وَمِثْلُهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَرَجَحَ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلنَّارِ إِذَا سَكَنَ لَهَبُهَا وَعَلَا الْجَمْرَ رَمَادٌ: خَبَتْ، فَإِنْ طُفِئَ مُعْظَمُ الْجَمْرِ قَالُوا: خَمَدَتْ، فَإِنْ طُفِئَ كُلُّهُ قَالُوا: هَمَدَتْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ نَارَ جَهَنَّمَ لَا تُطْفَأُ.

قَوْلُهُ: (تُورُونَ: تَسْتَخْرِجُونَ، أَوْرَيْتُ: أَوْقَدْتُ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تُورُونَ أَيْ: تَسْتَخْرِجُونَ مِنْ أَوْرَيْتُ، قَالَ: وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ: وَرَيْتُ.

قَوْلُهُ: (لِلْمُقْوِينَ: لِلْمُسَافِرِينَ، وَالْقِيُّ: الْقَفْرُ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِلْمُقْوِينَ لِلْمُسَافِرِينَ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: لِلْمُقْوِينَ أَيِ الْمُسْتَمْتِعِينَ الْمُسَافِرِ وَالْحَاضِرِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ أَيْ مَنْفَعَةً لِلْمُسَافِرِينَ إِذَا نَزَلُوا بِالْأَرْضِ، وَالْأَرْضُ الْقِيُّ - يَعْنِي بِكَسْرِ الْقَافِ وَالتَّشْدِيدِ - الْقَفْرُ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ، وَرَجَّحَ هَذَا الطَّبَرِيُّ وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صِرَاطِ الْجَحِيمِ: سَوَاءِ الْجَحِيمِ وَوَسَطِ الْجَحِيمِ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ قَالَ: فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ: يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ بِالْحَمِيمِ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ الشَّوْبُ الْخَلْطُ وَهُوَ الْمَزْجُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ الْعَرَبُ كُلُّ شَيْءٍ خَلَطْتَهُ بِغَيْرِهِ فَهُوَ مَشُوبٌ.

قَوْلُهُ: (زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ: صَوْتٌ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الزَّفِيرُ فِي الْحَلْقِ وَالشَّهِيقُ فِي الصَّدْرِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: هُوَ كَصَوْتِ الْحِمَارِ أَوَّلُهُ زَفِيرٌ وَآخِرُهُ شَهِيقٌ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ الشَّهِيقُ هُوَ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ الصَّوْتِ الشَّدِيدِ مِنَ الْحِمَارِ.

قَوْلُهُ: (وِرْدًا: عِطَاشًا) رَوَى ابْنُ أبي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قَالَ: عِطَاشًا، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: مُنْقَطِعَةً أَعْنَاقُهُمْ مِنَ الظَّمَإِ، وَقَوْلُهُ: وِرْدًا، هُوَ مَصْدَرُ وَرَدْتُ، وَالتَّقْدِيرُ ذَوِي وِرْدٍ، وَهَذَا يُنَافِي الْعَطَشَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْوُرُودِ عَلَى الْمَاءِ الْوُصُولُ إِلَى تَنَاوُلِهِ، فَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: أَنَّهُمْ يَشْكُونَ الْعَطَشَ فَتَرْفَعُ لَهُمْ جَهَنَّمُ سَرَابَ مَاءٍ فَيُقَالُ: أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيَرِدُونَهَا فَيَتَسَاقَطُونَ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (غَيًّا: خُسْرَانًا) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قَالَ: خُسْرَانًا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ

فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ بَعِيدُ الْقَعْرِ خَبِيثُ الطَّعْمِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُسْجَرُونَ: تُوقَدُ لَهُمُ النَّارُ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ بِهِمْ وَهُوَ أَوْضَحُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَنُحَاسٌ الصُّفْرُ يُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ) أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ قَالَ: قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ حَمْرَاءَ وَنُحَاسٌ، قَالَ: يُذَابُ الصُّفْرُ فَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ ذُوقُوا بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الْفَمِ) لَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَالذَّوْقُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ وَهُوَ ذَوْقُ الْفَمِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الذَّوْقُ الْمَعْنَوِيُّ وَهُوَ الْإِدْرَاكُ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ أَنَّهُ فَسَّرَهُ هُنَا بِمَعْنَى التَّخَيُّلِ، وَجَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلًا وَهُوَ دَقِيقٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ مَرْفُوعًا، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا: لَمْ يَنْزِلْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ آيَةٌ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾

قَوْلُهُ: (مَارِجٌ خَالِصٌ مِنَ النَّارِ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ قَالَ: مِنْ خَالِصِ النَّارِ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُلِقَتِ الْجِنُّ مِنْ مَارِجٍ، وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا الْتَهَبَتْ، وَسَيَأْتِي قَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَارِجُ نَارٌ دُونَ الْحِجَابِ، وَيُرْوَى خَلَقَ السَّمَاءَ مِنْهَا، وَمِنْهَا هَذِهِ الصَّوَاعِقُ.

قَوْلُهُ: (مَرَجَ الْأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ إِذَا خَلَّاهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أَمْرٍ مُلْتَبِسٍ (١) وَمَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ اخْتَلَطَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَمْرٍ مُنْتَشِرٍ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أَيْ: مُخْتَلِطٍ، يُقَالُ: مَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ أَيِ اخْتَلَطَ وَأُهْمِلَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ قَالَ: مُخْتَلِطٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ قَالَ: مُلْتَبِسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: مَنْ تَرَكَ الْحَقَّ مَرَجَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِ دِينُهُ.

قَوْلُهُ: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ: مَرَجْتَ دَابَّتَكَ تَرَكْتَهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا﴾ هُوَ كَقَوْلِكَ مَرَجْتَ دَابَّتَكَ خَلَّيْتَ عَنْهَا وَتَرَكْتَهَا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ قَالَ: أَرْسَلَهُمَا ثُمَّ يَلْتَقِيَانِ بَعْدُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْبَحْرَيْنِ هُنَا بَحْرُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَلْتَقِيَانِ كُلَّ عَامٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ أَبْزَى مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ قَالَ: هُمَا بَحْرَا فَارِسَ وَالرُّومِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ مِنْ أَصْدَافِ بَحْرِ الْأَرْضِ عَنْ قَطْرِ السَّمَاءِ. قُلْتُ: وَفِي هَذَا دَفْعٌ لِمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْبَحْرُ الْحُلْوُ وَالْبَحْرُ الْمِلْحُ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ: مِنْهُمَا مِنْ مَجَازِ التَّغْلِيبِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ، الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ، وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ.

الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ قِصَّةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ.

الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ الْآنَ.

الرَّابِعُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ.

الْخَامِسُ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي ذَلِكَ.

السَّادِسُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ.

السَّابِعُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجَنَّةِ

روى هَذَا التَّعْلِيق مُسْندًا مَوْصُولا فِي كتاب الصّيام فِي: بَاب الريان للصائمين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن معن عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من أنْفق زَوْجَيْنِ فِي سَبِيل الله نُودي من أَبْوَاب الْجنَّة ... الحَدِيث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَفِي الْجِهَاد أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: فَمن كَانَ من أهل الْجِهَاد دعِي من بَاب الْجِهَاد ... الحَدِيث.

فِيهِ عُبادَةُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: فِي هَذَا الْبَاب روى عَن عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ فِي ذكر عِيسَى من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن عبَادَة بن الصَّامِت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من شهد أَن لَا إلاه إلَاّ الله ... الحَدِيث، وَفِيه: أدخلهُ الله من أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية أَيهَا شَاءَ، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) من حَدِيث ابْن سَلام: عَن أبي أُمَامَة عَن عبَادَة بن الصَّامِت وَلَفظه: عَلَيْكُم بِالْجِهَادِ فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة، يُذْهِبُ الله بِهِ الهَمَّ والغَمَّ.

٧٥٢٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حدَّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أبْوَابٍ فِيهَا بابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إلَاّ الصَّائِمُونَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٩٨١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ثَمَانِيَة أَبْوَاب، وَمُحَمّد بن مطرف، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار، والْحَدِيث من أَفْرَاده، قَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا الحَدِيث يبين قَوْله تَعَالَى: {وَفتحت أَبْوَابهَا} (الزمر: ٣٧) . لِأَن الْوَاو إِنَّمَا تَأتي بعد سَبْعَة. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الْوَاو زَائِدَة، وَهُوَ خطأ عِنْد الْبَصرِيين، لِأَن الْوَاو تفِيد معنى الْعَطف. فَلَا يجوز أَن تزاد. قَوْله: (الريان) ، أَصله: الرويان، اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأبدلت الْوَاو يَاء ثمَّ أدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، والريان ضد العطشان، من: رويت من المَاء بِالْكَسْرِ أروى رِياً ورَياً، وَرُوِيَ أَيْضا مثل: رَضِي، ورَويت الحَدِيث، بِالْفَتْح رِوَايَة. قَوْله: (لَا يدْخلهُ إلَاّ الصائمون) مجازاة لَهُم لما كَانَ يصيبهم من الْعَطش من صِيَامهمْ، وَالله أعلم.

٠١ - (بابُ صِفَةِ النَّارِ وأنَّهَا مَخْلُوقَةٌ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة النَّار، يَعْنِي: نَار جَهَنَّم، وَفِي بَيَان أَنَّهَا مخلوقة مَوْجُودَة، وَفِيه رد على الْمُعْتَزلَة، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي: بَاب صفة الْجنَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا ملخصه: إِن النَّسَفِيّ لم يروِ من أول الْبَاب إِلَى أول حَدِيث الْبَاب اللُّغَات الْمَذْكُورَة، وَلم يُوجد فِي نسخته شَيْء من ذَلِك، وأمثال هَذِه مِمَّا سَمعه الْفربرِي عَن البُخَارِيّ عِنْد سَماع الْكتاب، فألحقها هُوَ بِهِ، وَالْأولَى بِوَضْع هَذَا الْجَامِع فقدانها لَا وجدانها، إِذْ مَوْضُوعه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جِهَة أَقْوَاله وأفعاله وأحواله، فَيَنْبَغِي أَن لَا يتَجَاوَز الْبَحْث عَن ذَلِك.

غَسَاقَاً يُقالُ غَسَقَتْ عَيْنُهُ ويَغْسِقُ الْجُرْحُ وكأنَّ الغَسَاقَ والغَسَقَ واحِدٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ حميماً وغسَّاقاً} (النبإ: ٥٢) . قَوْله: (يُقَال: غسقت عينه) إِذا سَالَ مِنْهَا المَاء الْبَارِد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: غسقت عينه إِذا أظلمت، وغسق الْجرْح إِذا سَالَ مِنْهُ مَاء أصفر، وَيُقَال: الغساق المَاء الْبَارِد المنتن يُخَفف ويشدد، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بِالتَّشْدِيدِ، وَالْكسَائِيّ بِالتَّخْفِيفِ، وَقيل: الغساق قيح غليظ، قَالَه عبد الله بن عَمْرو، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ صديدهم تصهرهم النَّار فيجتمع صديدهم فِي حِيَاض فيسقونه، وَقَالَ ابْن فَارس: الغساق مَا يقطر من جُلُود أهل النَّار، وَقيل: بَارِد يحرق كَمَا تحرق النَّار، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ حميماً وغساقاً} (النبإ: ٥٢) . الْحَمِيم: المَاء الْحَار، والغساق مَا همي وسال. وَفِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم عَن أبي سعيد مَرْفُوعا: (لَو أَن دلواً من غساق يهراق إِلَى الدُّنْيَا لأنتن أهل الدُّنْيَا) . قَوْله: (كَأَن الغساق والغسق وَاحِد) ، هَكَذَا

فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: الغسق، بِفتْحَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: الغسيق على وزن: فعيل، وَقد تردد البُخَارِيّ فِي كَون الغساق والغسق وَاحِدًا، وَلَيْسَ بِوَاحِد. فَإِن الغساق مَا ذَكرْنَاهُ من الْمعَانِي، والغسق: الظلمَة، يُقَال: غسق يغسق غسوقاً فَهُوَ غَاسِق: إِذا أظلم، وأغسق مثله.

غِسْلِينٌ كلُّ شَيْءٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهْوَ غِسْلِينٌ فِعْلِينٌ مِن الغَسْلِ مِنَ الْجُرْحِ والدَّبَرِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا طَعَام إلَاّ من غسلين} (الحاقة: ٦٣) . وَقد فسره بقوله: كل شَيْء ... إِلَى آخِره، وَهَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَقد روى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الغسلين صديد أهل النَّار. قَوْله: (فعلين) ، أَي: وزن غسلين فعلين، وَالنُّون وَالْيَاء فِيهِ زائدتان. قَوْله: (والدبر) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ مَا يُصِيب الْإِبِل من الْجِرَاحَات. فَإِن قلت: بَين هَذِه الْآيَة، وَبَين قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ لَهُم طَعَام إلَاّ من ضَرِيع} (الغاشية: ٦) . مُعَارضَة ظَاهرا. قلت: جمع بَينهمَا بِأَن الضريع من الغسلين، أَو هم طَائِفَتَانِ: فطائفة يجازون بِالطَّعَامِ من غسلين بِحَسب استحقاقهم لذَلِك، وَطَائِفَة يجازون بِالطَّعَامِ من ضَرِيع، كَذَلِك، وَالله أعلم.

وقالَ عِكْرِمَةُ حَصَبُ جَهَنَّمَ حَطَبٌ بالحَبَشِيَّةِ: وقالَ غَيرُهُ حاصِبَاً الرِّيحُ الْعاصِفُ والحَاصِبُ مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ ومِنْهُ حَصَبُ جَهَنَّمَ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ هُمْ حَصَبُهَا ويُقَالُ حَصَبَ فِي الأرْضِ ذَهَبَ والحَصَبُ مُشْتَق منْ حَصْبَاءِ الحجَارَةِ

تَعْلِيق عِكْرِمَة وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عبد الْملك بن أبجر: سَمِعت عِكْرِمَة بِهَذَا ... وَأخرجه ابْن أبي عَاصِم عَن ابْني سعيد الْأَشَج: حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عبد الْملك بن أبجر سَمِعت عِكْرِمَة، وَقَالَ ابْن عَرَفَة: إِن كَانَ أَرَادَ بهَا حبشية الأَصْل سَمعتهَا الْعَرَب فتكلمت بهَا فَصَارَت حِينَئِذٍ عَرَبِيَّة، وإلَاّ فَلَيْسَ فِي الْقُرْآن غير الْعَرَبيَّة، وَقَالَ الْخَلِيل: حصب مَا هيء للوقود من الْحَطب، فَإِن لم يهيأ لذَلِك فَلَيْسَ بحصب، وروى الْفراء عَن عَليّ وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قرآها: (حطب) ، بِالطَّاءِ وروى الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَهَا بالضاد الْمُعْجَمَة، قَالَ: وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنهم الَّذين تسجر بهم النَّار، لِأَن كل شَيْء هيجت بِهِ النَّار فَهُوَ حصب. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، أَي: غير عِكْرِمَة: حاصباً، أَي: فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو يُرْسل عَلَيْكُم حاصباً} (الْإِسْرَاء: ٨٦) . هُوَ الرّيح العاصف الشَّديد، كَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: (والحاصب) مَا ترمى بِهِ الرّيح، لِأَن الحصب الرَّمْي، وَمِنْه: حصب جَهَنَّم يرْمى بِهِ فِيهَا، وَيُقَال: الحاصب الْعَذَاب. قَوْله: (هم حصبها) ، أَي: أهل النَّار حصب جَهَنَّم، وَهُوَ مُشْتَقّ من حصبهاء الْحِجَارَة، وَهِي الْحَصَى. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْحَصْبَاء الْحَصَى وحصبت الرجل أحصبه بِالْكَسْرِ، أَي: رميته بالحصباء.

صَدِيدٌ قَيْحٌ ودَمٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ويسقى من مَاء صديد} (إِبْرَاهِيم: ٦١) . وَفَسرهُ: بالقيح وَالدَّم، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة.

خَبَتْ طَفِئَتْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {كلما خبت} (الْإِسْرَاء: ٧٩) . وَفَسرهُ بقوله: طفئت، بِفَتْح الطَّاء وَكسر الْفَاء، يُقَال: طفئت النَّار تطفأ طفأ، وَهُوَ من بَاب: علم يعلم من المهموز، وانطفأت، وَأَنا أطفأتها. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يَقُولُونَ للنار إِذا سكن لهبها وَعلا الْجَمْر رماد: خبت، فَإِن طفىء مُعظم الْجَمْر يُقَال: خمدت، وَإِن طفىء كُله يُقَال: همدت.

تُورُونَ تَسْتَخْرِجُون: أوْرَيْتُ أوْقَدْتُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُم النَّار الَّتِي تورون} (الْوَاقِعَة: ١٧) . وفسرها بقوله: تستخرجون، وَأَصله من: ورى الزند، بِالْفَتْح يري ورياً: إِذا خرجت ناره، وَفِيه لُغَة أُخْرَى: وري الزند يري، بِالْكَسْرِ فيهمَا، وأوريته أَنا، وَكَذَلِكَ: وريته تورية، وأصل

تورون: توريون، نقلت ضمة الْيَاء إِلَى الرَّاء وحذفت الْيَاء لالتقاء الساكنين، فَصَارَ: تورون على وزن: تفعون.

لِلْمُقْوِينَ لِلْمُسَافِرِينَ والْقِيُّ القفرُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تذكرة ومتاعاً للمقوين} (الْوَاقِع: ٣٧) . وَفسّر المقوين بقوله الْمُسَافِرين، واشتقاقه من: أقوى الرجل إِذا نزل الْمنزل القواء، وَهُوَ الْموضع الَّذِي لَا أحد فِيهِ. وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: للمقوين للمسافرين، وَمن طَرِيق الضَّحَّاك وَقَتَادَة مثله، وَمن طَرِيق مُجَاهِد قَالَ: للمقوين، أَي: الْمُسْتَحقّين، أَي: الْمُسَافِر والحاضر، وَيُقَال: المقوين من لَا زَاد لَهُ، وَقيل: المقوي الَّذِي لَهُ مَال، وَقيل: المقوي الَّذِي أَصْحَابه وَإِبِله أقوياء، وَقيل: هُوَ من مَعَه دَابَّة. قَوْله: (والقي) ، بِكَسْر الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء، وَفَسرهُ بقوله: (القفر) بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْفَاء وَفِي آخِره رَاء، وَهُوَ: مفازة لَا نَبَات فِيهَا وَلَا مَاء، وَيجمع على: قفار.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: صِرَاطُ الجَحِيمُ: سَوَاءُ الجَحِيمِ وَوَسَطُ الجَحِيمِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم} (الصافات: ٣٢) . وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {فَاطلع فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم} (الصافات: ٥٥) . قَالَ: فِي وسط الْجَحِيم، وَمن طَرِيق قَتَادَة وَالْحسن مثله.

لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ ويُساطُ بِالحَمِيمِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ إِن لَهُم عَلَيْهَا لشوباً من حميم} (الصافات: ٧٦) . وَفَسرهُ بقوله: يخلط ... إِلَى آخِره، والشوب الْخَلْط. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: تَقول الْعَرَب: كل شَيْء خلطته بِغَيْرِهِ فَهُوَ شوب. قَوْله: (يساط) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: يخلط، وَمِنْه: المسواط، وَهُوَ الْخَشَبَة الَّتِي يُحَرك بهَا مَا فِيهِ التَّخْلِيط، وَهُوَ بِالسِّين الْمُهْملَة.

زَفِيرٌ وشَهِيقٌ صَوْت شَديدٌ وصَوْتٌ ضَعِيفٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَفِي النَّار لَهُم فِيهَا زفير وشهيق} (هود: ٦٠١) . وَفسّر الزَّفِير بالصوف الشَّديد، والشهيق بالصوت الضَّعِيف، وَهَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، أخرجه الطَّبَرِيّ وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَمن طَرِيق أبي الْعَالِيَة قَالَ: الزَّفِير فِي الْحلق والشهيق فِي الصَّدْر، وَمن طَرِيق قَتَادَة: هُوَ كصوت الْحمار أَو لَهُ زفير وَآخره شهيق. وَقَالَ الدَّاودِيّ: الشهيق هُوَ الَّذِي يبْقى بعد الصَّوْت الشَّديد من الْحمار.

وِرْداً عِطاشاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا} (مَرْيَم: ٦٨) . وَفسّر الْورْد بالعطاش، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد: وردا مُنْقَطِعَة أَعْنَاقهم قَالَ أهل اللُّغَة: الْورْد مصدر: ورد، وَالتَّقْدِير عِنْدهم، ذَوي ورد، ويحكى أَنه يُقَال للواردين المَاء: ورد، وَيُقَال: ورد، أَي: وراد، كَمَا يُقَال: قوم زور أَي زوار. فَإِن قلت: الَّذِي يرد المَاء يُنَافِي الْعَطش. قلت: لَا يلْزم من الْوُرُود إِلَى المَاء تنَاوله مِنْهُ، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة أَنهم يَشكونَ الْعَطش فَترفع لَهُم جَهَنَّم سراب مَاء، فَيُقَال: أَلا تردون؟ فيردونها فيتساقطون فِيهَا.

غَيَّاً خُسْرَانَاً

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فسوق يلقون غيّاً} (مَرْيَم: ٩٥) . وَفسّر الغي بالخسران، وَعَن ابْن مَسْعُود: الغي: وادٍ فِي جَهَنَّم، وَالْمعْنَى فسوق يلقون حر الغي، وَعنهُ: وادٍ فِي جَهَنَّم بعيد القعر خَبِيث الطّعْم.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُسْجَرُونَ، تُوقَدُ بِهِمْ النَّارُ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ فِي النَّار يسجرون} (غَافِر: ٢٧) . وَفَسرهُ بقوله: توقد بهم النَّار كَأَنَّهُمْ يصيرون وقود النَّار، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: توقد لَهُم، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بهم، بِالْبَاء.

ونُحَاسٍ الصُّفْرُ يُصَبُّ علَى رُؤُوسِهِمْ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يُرْسل عَلَيْكُمَا شواظ من نَار ونحاس} (الرَّحْمَن: ٥٣) . وَفسّر النّحاس بالصفر يصب على رُؤُوس أهل النَّار من الْكفَّار، وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق مَنْصُور عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {يُرْسل عَلَيْكُمَا شواظ من نَار} (الرَّحْمَن: ٥٣) . قَالَ: قِطْعَة من نَار حَمْرَاء، و: نُحَاس، قَالَ: يذاب الصفر فَيصب على رؤوسهم. قلت: الصفر بِالضَّمِّ النّحاس الْجيد الَّذِي يعْمل مِنْهُ الْآنِية.

ذُوقُوا باشِرُوا وجَرِّبُوا وليْسَ هاذَا مِنْ ذَوْقِ الفَمِ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وذوقوا عَذَاب الْحَرِيق} (الْأَنْفَال: ٥٢ وَالْحج: ٢٢) . وَفَسرهُ بقوله: باشروا ... إِلَى آخِره وغرضه أَن الذَّوْق هُنَا بِمَعْنى الْمُبَاشرَة والتجربة لَا بِمَعْنى ذوق الْفَم، وَهَذَا من الْمجَاز أَن يسْتَعْمل الذَّوْق وَهُوَ مِمَّا يتَعَلَّق بالأجسام فِي الْمعَانِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى أَيْضا: {فذاقوا وبال أَمرهم} (الْحَشْر: ٥١) .

مَارِجٌ خَالِصٌ مِنَ النَّارِ مَرَجَ الأمِيرُ رَعِيَّتَهُ إذَا خَلَاهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ علَى بَعْضٍ مَرِيجٍ مُلْتَبِسٌ مَرِج أمْرُ النَّاسِ اخْتَلَطَ مَرَجَ البَحْرَيْنِ مَرَجْتَ دَابَّتَكَ تَرَكْتَها

أَشَارَ بقوله: مارج، إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَخلق الجان من مارج من نَار} (الرحمان: ٥١) . ثمَّ فسره بقوله: خَالص من النَّار، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَخلق الجان من مارج من نَار} (الرَّحْمَن: ٥١) . مَا من خَالص النَّار، وَمن طَرِيق الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: خلقت الْجِنّ من مارج من نَار، وَهُوَ لِسَان النَّار الَّذِي يكون فِي طرفها إِذا التهب. قَوْله: (مرج الْأَمِير رَعيته) يَعْنِي: تَركهم حَتَّى يظلم بَعضهم بَعْضًا. قَوْله: (مريج) أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فِي أَمر مريج} (قّ: ٥) . وَفَسرهُ بقوله: ملتبس، وَمِنْه قَوْلهم: مرج أَمر النَّاس، بِكَسْر الرَّاء، إِذا اخْتَلَط، وَأما مرج بِالْفَتْح فَمَعْنَاه: ترك وخلي وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ بَينهمَا برزخ لَا يبغيان} (الرَّحْمَن: ٩١ ٠٢) . أَي: خلاهما لَا يلتبس أَحدهمَا بِالْآخرِ، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : مرج الْبَحْرين، يَعْنِي: أرسل الْبَحْرين العذب وَالْملح متجاورين يَلْتَقِيَانِ لَا فضل بَين الماءين فِي مرأى الْعين، بَينهمَا برزخ حاجز وَحَائِل من قدرَة الله تَعَالَى، وحكمته لَا يبغيان لَا يتجاوان حديهما، وَلَا يَبْغِي أَحدهمَا على الآخر بالممازجة، وَلَا يختلطان وَلَا يتغيران. وَقَالَ قَتَادَة: لَا يطغيان على النَّاس بِالْغَرَقِ وَقَالَ الْحسن مرج الْبَحْرين يَعْنِي بَحر الرّوم وبحر الْهِنْد وَقَالَ قَتَادَة بَحر فَارس وَالروم، بَينهمَا برزخ: وَهِي الجزائر، وَقَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك: يَعْنِي بَحر السَّمَاء وبحر الأَرْض يَلْتَقِيَانِ كل عَام. قَوْله: (مرجت دابتك) بِفَتْح الرَّاء مَعْنَاهُ: تركتهَا. وَفِي (الصِّحَاح) : مرجت الدَّابَّة أمرجها بِالضَّمِّ مرجاً: إِذا أرسلتها ترعى.

٨٥٢٣ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُهاجِرٍ أبي الحَسَنِ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وَهْبٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ كانَ النبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ فقَالَ أبْرِدْ ثُمَّ قالَ أبْرِدْ حتَّى فاءَ الْفَيْءُ يَعْنِي لِلتُّلُولِ ثُمَّ قَالَ أبْرِدُوا بالصَّلَاةِ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من فيح جَهَنَّم) وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، و: مهَاجر، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من هَاجر: أَبُو الْحسن الصَّائِغ يعد فِي الْكُوفِيّين، وَزيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الْهَمدَانِي الْكُوفِي، خرج إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقبض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الطَّرِيق، وَأَبُو ذَر جُنْدُب بن جُنَادَة، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْإِبْرَاد بِالظّهْرِ فِي شدَّة الْحر. قَوْله: (حَتَّى فَاء الْفَيْء) يَعْنِي: حَتَّى وَقع الظل تَحت التلول.

٩٥٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ ذَكْوَانَ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبْرِدُوا بالصَّلاةِ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. (انْظُر الحَدِيث ٨٣٥٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من فيح جَهَنَّم) وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش بن سُلَيْمَان، والْحَدِيث مر فِي الصَّلَاة فِي الْبَاب الَّذِي ذَكرْنَاهُ.

٠٦٢٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقولُ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فقالَتْ يَا رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضاً فأذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتاءِ ونفَسٍ فِي الصَّيْفِ فأشَدُّ مَا تَجِدُونَ فِي الحَرِّ وأشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهِرِيرِ. (انْظُر الحَدِيث ٧٣٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: النَّار، فَإِن المُرَاد مِنْهُ جَهَنَّم وَلَيْسَ المُرَاد نفس النَّار، لِأَن جَهَنَّم فِيهَا النَّار وفيهَا الزَّمْهَرِير، وَهُوَ الْبرد الشَّديد، والضدان لَا يَجْتَمِعَانِ، وَلَفظ جَهَنَّم يشملهما، وعَلى غير ذَلِك من أَنْوَاع الْعَذَاب أعاذنا الله من ذَلِك برحمته وَرِجَاله على هَذَا النسق قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث قد مضى فِي الصَّلَاة فِي الْبَاب الْمَذْكُور آنِفا. وَفِيه: دلَالَة على أَن الله تَعَالَى يخلق فِيهَا أدراكاً، وَقيل: إِن الْجنَّة وَالنَّار أسمع الْمَخْلُوقَات، وَأَن الْجنَّة إِذا سَأَلَهَا عبد أمنت على دُعَائِهِ، وَالنَّار إِذا استجار مِنْهَا أحد أمنت على دُعَائِهِ.

١٦٢٣ - حدَّثني عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا أَبُو عامِرٍ هُوَ العَقَدِيُّ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ أبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ قَالَ كُنْتُ أجَالِسُ ابنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ فأخَذَتْنِي الحُمَّى فَقَالَ أبْرُدْها عَنْكَ بِمَاءِ زَمْزَمَ فإنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فأبْرِدُوهَا بالمَاءِ أوْ قَال بِمَاءِ زَمْزَمَ شَكَّ هَمَّامٌ. [/ نه

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من فيح جَهَنَّم) وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ المسندي، وَأَبُو عَامر عبد الْملك الْعَقدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْقَاف، وَهَمَّام: بِالتَّشْدِيدِ: هُوَ ابْن يحيى الْبَصْرِيّ، وَأَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وَالرَّاء: نصر بن عمرَان الضبعِي.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن الْحسن بن إِسْحَاق. (وفيح جَهَنَّم) سطوع حرهَا، قَالَه اللَّيْث، وَيُقَال: فاحت الْقدر إِذا غلت، وَأَصله واوي، وَهَذَا من الطِّبّ النَّبَوِيّ الَّذِي لَا يشك فِي حُصُول الشِّفَاء بِهِ، وَكَلَام الْحَكِيم الَّذِي يُخَالف هَذَا وَأَمْثَاله لَغْو فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ.

٢٦٢٣ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أبِيهِ عنْ عَبَابَةَ بنِ رِفَاعَةَ قَالَ أخْبرَنِي رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ قالَ سَمِعْتُ النَّبِيَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ الحُمَّى منْ فَوْرِ جَهَنَّمَ فأبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ. (الحَدِيث ٢٦٢٣ طرفه فِي: ٦٢٧٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من فَور جَهَنَّم) وَعَمْرو بن عَبَّاس، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة: أَبُو عُثْمَان الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ يروي عَن أَبِيه سعيد بن مَسْرُوق، وعباية: بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة المخففة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف: ابْن رِفَاعَة، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء وبالعين الْمُهْملَة، وَرَافِع بِالْفَاءِ ابْن خديج، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة: الأوسي الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن هناد وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي بكر بن نَافِع وَمُحَمّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن حَاتِم، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبيد الله.

قَوْله: (من فَور جَهَنَّم) أَي: من شدَّة حرهَا، و: فار، أَي: جاش

٤٦٢٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فأبْرِدُوها بالْمَاءِ. (الحَدِيث ٤٦٢٣ طرفه فِي: ٣٢٧٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى، وَفِي هَذَا الْبَاب روى أَبُو نعيم من حَدِيث أبي عُبَيْدَة بن حُذَيْفَة عَن عمته فَاطِمَة، قَالَت: عدت

رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد حم، فَأمر بسقاء يعلق على شَجَرَة ثمَّ اضْطجع بجنبه، فَجعل يقطر المَاء على فُؤَاده، فَقلت: ادْع الله أَن يكْشف عَنْك. فَقَالَ: (إِن أَشد النَّاس بلَاء الْأَنْبِيَاء ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ) . وَعَن طَارق بن شهَاب: سَمِعت أُسَامَة يَقُول: قَالَ لي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ائْتِنِي فِي وَجه الصُّبْح بِمَاء أصبه عَليّ لعَلي أجد خفافاً فَأخْرج إِلَى الصَّلَاة، وروى الْأنْصَارِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن الْحسن الْمَكِّيّ عَن الْحسن عَن سَمُرَة مَرْفُوعا: (الْحمى قِطْعَة من النَّار) ، إِذا حم دَعَا بغرفة من مَاء فأفرغها على قرنه فاغتسل، وَصَححهُ الْحَاكِم، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: الْحمى كير من كير جَهَنَّم فنحوها عَنْكُم بِالْمَاءِ الْبَارِد، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: (إِذا حم أحدكُم فليستق عَلَيْهِ المَاء الْبَارِد من السحر ثَلَاثًا) ، وَصَححهُ الْحَاكِم.

٥٦٢٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أوَيْسٍ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ نارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءَاً مِنْ نارِ جَهَنَّمَ قِيلَ يَا رسولَ الله إنْ كانَتْ لَكافِيَةً قَالَ فُضِّلَتْ علَيْهَا بِتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءاً كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان. والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

قَوْله: (نَاركُمْ) مُبْتَدأ. وَقَوله: (جُزْء من سبعين جُزْءا) خَبره، وَكلمَة: من، فِي (من نَار جَهَنَّم) للتبيين، وَفِي معنى التَّبْعِيض أَيْضا، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (نَاركُمْ جُزْء وَاحِد من سبعين جُزْءا) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: من مائَة جُزْء وَالْجمع بَينهمَا أَن الحكم للزائد وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أنس مَرْفُوعا (نَاركُمْ هَذِه جُزْء من سبعين جُزْءا (من نَار جَهَنَّم، وَلَوْلَا أَنَّهَا اطفئت بِالْمَاءِ مرَّتَيْنِ مَا انتفعتم بهَا، وَأَنَّهَا لتدعو الله عز وَجل، أَن لَا يُعِيدهَا فِيهَا) . وَذكر ابْن عُيَيْنَة فِي (جَامعه) من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (هَذِه النَّار قد ضرب بهَا الْبَحْر سبع مَرَّات، وَلَوْلَا ذَلِك مَا انْتفع بهَا أحد) ، وَعَن ابْن مَسْعُود: (ضرب بهَا الْبَحْر عشر مَرَّات) ، وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَيْضا عَن نَار الدُّنْيَا: مِم خلقت؟ قَالَ: من نَار جَهَنَّم، غير أَنَّهَا طفئت بِالْمَاءِ سبعين مرّة، وَلَوْلَا ذَلِك مَا قربت لِأَنَّهَا من نَار جَهَنَّم، وَمعنى قَوْله: جُزْء من سبعين جُزْءا، أَنه لَو جمع كل مَا فِي الْوُجُود من النَّار الَّتِي يوقدها الآدميون لكَانَتْ جُزْءا من أَجزَاء نَار جَهَنَّم الْمَذْكُورَة، بَيَانه: لَو جمع حطب الدُّنْيَا وأوقد كُله حَتَّى صَارَت نَارا لَكَانَ الْجُزْء الْوَاحِد من أَجزَاء نَار جَهَنَّم الَّذِي هُوَ من سبعين جُزْءا أَشد مِنْهُ. قَوْله: (إِن كَانَت لكَافِيَة) ، كلمة: إِن، هَذِه مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة عِنْد الْبَصرِيين، وَهَذِه اللَاّم هِيَ المفرقة بَين إِن، النافية، وَأَن، المخففة من الثَّقِيلَة، وَالْمعْنَى: إِن نَار الدُّنْيَا كَانَت كَافِيَة لتعذيب الجهنميين، وَهِي عِنْد الْكُوفِيّين بِمَعْنى: مَا، وَاللَّام بِمَعْنى: الا، تَقْدِيره عِنْدهم: مَا كَانَت إلَاّ كَافِيَة. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي جوابهم بِأَن نَار جَهَنَّم (فضِّلت عَلَيْهَا) أَي: على نَار الدُّنْيَا، ويروى: عَلَيْهِنَّ، كَمَا فضلت عَلَيْهَا فِي الْمِقْدَار وَالْعدَد بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْءا فضلت عَلَيْهَا فِي الْحر بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْءا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: فَإِن قلت: كَيفَ طابق لفظ: فضلت وعليهن جَوَابا، وَقد علم هَذَا التَّفْضِيل من كَلَامه السَّابِق؟ قلت: مَعْنَاهُ: الْمَنْع من الْكِفَايَة أَي: لَا بُد من التَّفْضِيل ليتميز عَذَاب الله من عَذَاب الْخلق، وروى ابْن الْمُبَارك عَن معمر عَن مُحَمَّد بن الْمُنْذر قَالَ لما خلقت النَّار فزعت الْمَلَائِكَة وطارت أفئدتهم وَلما خلق آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام سكن ذَلِك عَنْهُم، وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان: لما خلق الله جَهَنَّم أمرهَا فزفرت زفرَة فَلم يبْق فِي السَّمَوَات السَّبع ملك إلَاّ خرَّ على وَجهه، فَقَالَ لَهُم الرب: إرفعوا رؤوسكم، أما علمْتُم أَنِّي خلقتكم للطاعة وَهَذِه خلقتها لأهل الْمعْصِيَة؟ قَالُوا: رَبنَا لَا نأمنها حَتَّى نرى أَهلهَا، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {وهم من خشيَة رَبهم مشفقون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٧٥) . وَعَن عبد الله بن عمر مَرْفُوعا: (إِن تَحت الْبَحْر نَارا) ، قَالَ عبد الله: الْبَحْر طبق جَهَنَّم، ذكره ابْن عبد الْبر وَضَعفه، وَفِي (تَفْسِير ابْن النَّقِيب) فِي قَوْله تَعَالَى: {يَوْم تبدل الأَرْض} (إِبْرَاهِيم: ٨٤) . تجْعَل الأَرْض جَهَنَّم، وَالسَّمَوَات الْجنَّة.

٦٦٢٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ سَمِعَ عَطَاءً يُخْبِرُ عنْ صَفْوَانَ بنِ يَعْلَى عنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقْرَأُ علَى المِنْبَرِ ونَادَو يامالِكُ. .

ذكره هَذَا هُنَا مَعَ أَنه ذكره فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة، لمطابقة قَوْله: يَا مَالك، للتَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، لِأَن المُرَاد من: مَالك، هُوَ خَازِن جَهَنَّم، وَهُنَاكَ أخرجه: عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن عَمْرو إِلَى آخِره، وَقد ذكر هُنَاكَ، وَقَالَ سُفْيَان: وَقَالَ فِي قراء عبد الله: يَا مَال، بالترخيم، كَمَا ذَكرْنَاهُ.

٧٤ - (حَدثنَا عَليّ قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل قَالَ قيل لأسامة لَو أتيت فلَانا فكلمته قَالَ إِنَّكُم لترون أَنِّي لَا ُأكَلِّمهُ إِلَّا أسمعكم إِنِّي ُأكَلِّمهُ فِي السِّرّ دون أَن أفتح بَابا لَا أكون أول من فَتحه وَلَا أَقُول لرجل أَن كَانَ عَليّ أَمِيرا إِنَّه خير النَّاس بعد شَيْء سمعته من رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالُوا وَمَا سمعته يَقُول قَالَ سمعته يَقُول يجاء بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة فَيلقى فِي النَّار فتندلق أقتابه فِي النَّار فيدور كَمَا يَدُور الْحمار برحاه فيجتمع أهل النَّار عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَي فلَان مَا شَأْنك أَلَيْسَ كنت تَأْمُرنَا بِالْمَعْرُوفِ وتنهانا عَن الْمُنكر قَالَ كنت آمركُم بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتيه وأنهاكم عَن الْمُنكر وآتيه) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَدِيث أَن فِيهِ ذكر النَّار الَّتِي هِيَ جَهَنَّم وَعلي هُوَ ابْن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد بن حَارِثَة حب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن بشر بن خَالِد وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر وَابْن نمير وَإِسْحَاق وَأبي كريب خمستهم عَن أبي مُعَاوِيَة وَعَن عُثْمَان عَن جرير (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " لَو أتيت " جَوَاب لَو مَحْذُوف أَو هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب قَوْله " فلَانا " أَرَادَ بِهِ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " فكلمته " أَي فِيمَا يَقع من الْفِتْنَة بَين النَّاس وَالسَّعْي فِي إطفاء نائرتها قَالَه الْكرْمَانِي وَفِي التَّوْضِيح أَرَادَ أَن يكلمهُ فِي شَأْن أَخِيه لأمه الْوَلِيد بن عتبَة لما شهد عَلَيْهِ بِمَا شهد فَقيل لأسامة ذَلِك لكَونه كَانَ من خَواص عُثْمَان قَوْله " إِنَّكُم لترون أَنِّي لَا ُأكَلِّمهُ " اي أَنكُمْ لتظنون أَنِّي لَا ُأكَلِّمهُ قَوْله " إِلَّا أسمعكم " أَي أَنِّي لَا ُأكَلِّمهُ إِلَّا بحضوركم وَأَنْتُم تَسْمَعُونَ وأسمعكم بِضَم الْهمزَة من الإسماع ويروى إِلَّا بسمعكم بِصِيغَة الْمصدر قَوْله " إِنِّي ُأكَلِّمهُ سرا " أَي فِي السِّرّ دون أَن أفتح بَاب من أَبْوَاب الْفِتَن حَاصله ُأكَلِّمهُ طلبا للْمصْلحَة لَا تهييجا للفتنة لِأَن المهاجرة على الْأُمَرَاء بالإنكار يكون فِيهِ نوع الْقيام عَلَيْهِم لِأَن فِيهِ تشنيعا عَلَيْهِم يُؤَدِّي إِلَى افْتِرَاق الْكَلِمَة وتشتيت الْجَمَاعَة قَوْله " لَا أكون أول من فَتحه " أَي أول من فتح بَاب من أَبْوَاب الْفِتْنَة قَوْله " إِن كَانَ " بِفَتْح الْهمزَة أَي لِأَن كَانَ قَوْله " فتندلق أقتابه " أَي تنصب أمعاؤه من جَوْفه وَتخرج من دبره والاندلاق بِالدَّال الْمُهْملَة وَالْقَاف الْخُرُوج بالسرعة وَمِنْه دلق السَّيْف واندلق إِذا خرج من غير سل والأقتاب جمع قتب بِالْكَسْرِ وَهِي الأمعاء والقتب مُؤَنّثَة وتصغيره قُتَيْبَة وَمِنْه سمي الرجل قُتَيْبَة قَوْله " أَي فلَان " يَعْنِي يَا فلَان مَا شَأْنك أَي مَا حالك الَّتِي أَنْت فِيهَا قَوْله " أَلَسْت " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار قَوْله " بِالْمَعْرُوفِ " وَهُوَ اسْم جَامع لكل مَا عرف من طَاعَة الله عز وَجل والتقرب إِلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس وكل مَا ندب إِلَيْهِ الشَّرْع وَنهى عَنهُ من المحسنات والمقبحات وَهُوَ من الصِّفَات الْغَالِبَة أَي أَمر مَعْرُوف بَين النَّاس لَا ينكرونه وَالْمُنكر ضد الْمَعْرُوف وكل مَا قبحه الشَّرْع وَحرمه وَكَرِهَهُ فَهُوَ مُنكر فِيهِ الْأَدَب مَعَ الْأُمَرَاء واللطف بهم ووعظهم سرا وتبليغهم قَول النَّاس فيهم ليكفوا عَنهُ هَذَا كُله إِذا أمكن فَإِن لم يُمكن الْوَعْظ سرا فليجعله عَلَانيَة لِئَلَّا يضيع الْحق لما روى طَارق بن شهَاب قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أفضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر " وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد بِإِسْنَاد حسن قَالَ الطَّبَرِيّ مَعْنَاهُ إِذا أَمن على نَفسه أَو أَن يلْحقهُ من الْبلَاء مَا لَا قبل لَهُ بِهِ رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَهُوَ مَذْهَب أُسَامَة وَقَالَ آخَرُونَ الْوَاجِب على من رأى مُنْكرا من ذِي سُلْطَان أَن يُنكره عَلَانيَة كَيفَ أمكنه رُوِيَ ذَلِك عَن عمر

وَأبي بن كَعْب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَالَ آخَرُونَ الْوَاجِب أَن يُنكر بِقَلْبِه وَيَنْبَغِي لمن أَمر بِمَعْرُوف أَن يكون كَامِل الْخَيْر لَا وصم فِيهِ وَقد قَالَ شُعَيْب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ إِلَّا أَنه يجب عِنْد الْجَمَاعَة أَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر من لَا يفعل ذَيْنك وَقَالَ جمَاعَة من النَّاس يجب على متعاطي الكاس أَن ينْهَى جمَاعَة الْجلاس وَفِيه وصف جَهَنَّم بِأَمْر عَظِيم روى مُسلم عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا " يُؤْتى بجهنم يَوْم الْقِيَامَة لَهَا سَبْعُونَ ألف زِمَام مَعَ كل زِمَام سَبْعُونَ ألف ملك يجرونها " وَلابْن وهب عَن زيد بن أسلم عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَرْفُوعا " فَبَيْنَمَا هم يجرونها إِذْ شَردت عَلَيْهِم شَرْدَةً فلوا أَنهم أدركوها لأحرق من فِي الْجمع "

(رَوَاهُ غنْدر عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش) أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور غنْدر وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْفِتَن -

١١ - (بابُ صِفَةِ إبْلِيسَ وجُنُودِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة إِبْلِيس، وَفِي بَيَان جُنُوده. وَالْكَلَام فِي صفته وَحَقِيقَة أمره على أَنْوَاع:

الأول فِي اسْمه: هَل هُوَ مُشْتَقّ أَو لَا؟ فَقَالَ جمَاعَة: هُوَ اسْم أعجمي، وَلِهَذَا منع من الصّرْف للعلمية والعجمة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: لَو كَانَ عَرَبيا لصرف كإكليل، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِنَّمَا لم يصرف وَإِن كَانَ عَرَبيا لقلَّة نَظِيره فِي كَلَام الْعَرَب، فشبهوه بالعجمي، وَهَذَا فِيهِ نظر، لِأَن كَون قلَّة نَظِيره فِي كَلَام الْعَرَب لَيْسَ عِلّة من الْعِلَل الْمَانِعَة لاسم من الصّرْف، وَقَالَ قوم: هُوَ اسْم عَرَبِيّ مُشْتَقّ من: أبلس، إِذا يئس. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أبلس من رَحْمَة الله إِذا يئس، وَمِنْه سمي إِبْلِيس، وَكَانَ اسْمه: عزازيل، قيل: من ادّعى أَنه عَرَبِيّ فقد غلط وَوَجهه مَا ذَكرْنَاهُ، وَلَكِن روى الطَّبَرِيّ عَن ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ اسْم إِبْلِيس حَيْثُ كَانَ عِنْد الْمَلَائِكَة عزازيل، ثمَّ أبلس بعد، وَهَذَا يُؤَيّد قَول من ادّعى أَنه عَرَبِيّ، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن اسْمه الْحَارِث. وَأما كنيته، فَقيل: كَانَت كنيته أَبَا مرّة، وَقيل: أَبُو الْعُمر، وَقيل: أَبُو كرْدُوس.

النَّوْع الثَّانِي: فِي بَيَان أصل خلقه روى الطَّبَرِيّ من حَدِيث حجاج عَن ابْن جريج عَن صَالح مولى التؤمة وَشريك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِن من الْمَلَائِكَة قَبيلَة من الْجِنّ، وَكَانَ إِبْلِيس مِنْهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس: سمي قَبيلَة الْجِنّ لأَنهم خزان الْجنَّة، وَعَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِبْلِيس حَيّ من أَحيَاء الْمَلَائِكَة، يُقَال لَهُم: الْجِنّ، خلقُوا من نَار السمُوم، وخلقت الْمَلَائِكَة كلهم من النُّور غير هَذَا الْحَيّ. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: إِنَّه من الشَّيَاطِين، وَلم يكن من الْمَلَائِكَة قطّ، وَاحْتج بقوله تَعَالَى: {إلَاّ إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ} (الْكَهْف: ٠٥) . وَقَالَ مقَاتل: لَا من الْمَلَائِكَة وَلَا من الْجِنّ، بل هُوَ خلق مُنْفَردا من النَّار كَمَا خلق آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الطين. وَقَالَ شهر بن حَوْشَب: كَانَ إِبْلِيس من الْجِنّ الَّذين يعْملُونَ فِي الأَرْض الْفساد، فَأسرهُ بعض الْمَلَائِكَة فَذهب بِهِ إِلَى السَّمَاء، وَيُقَال: كَانَ نوع من الْجِنّ سكان الأَرْض، وَكَانَ فيهم الْملك والنبوة وَالدّين والشريعة، فاستمروا على ذَلِك مُدَّة، ثمَّ طغوا وأفسدوا وجحدوا الربوبية وسفكوا الدِّمَاء، فَأرْسل الله إِلَيْهِم جنداً من السَّمَاء فَقَاتلُوا مَعَهم قتالاً شَدِيدا فطردهم إِلَى جزائر الْبَحْر، وأسروا مِنْهُم خلقا كثيرا، وَكَانَ فِيمَن أسر: عزازيل، وَهُوَ إِذْ ذَاك صبي، وَنَشَأ مَعَ الْمَلَائِكَة وَتكلم بكلامهم وَتعلم من علمهمْ، وَأخذ يسوسهم وطالت أَيَّامه حَتَّى صَار رَئِيسا فيهم حَتَّى أَرَادَ الله تَعَالَى خلق آدم، وَاتفقَ لَهُ مَا اتّفق. وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، أَنه قَالَ: إِبْلِيس أصل الجان وَالشَّيَاطِين، وَهُوَ أَبُو الْكل، وروى مُجَاهِد عَنهُ أَنه قَالَ: الجان أَبُو الْجِنّ كلهم، كَمَا أَن آدم أَبُو الْبشر.

النَّوْع الثَّالِث: فِي حَده وَصفته: أما حَده: فَمَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي (تَفْسِيره) هُوَ شخص روحاني خلق من نَار السمُوم، وَهُوَ أَبُو الشَّيَاطِين، وَقد ركبت فيهم الشَّهَوَات، مُشْتَقّ من الإبلاس وَهُوَ الْيَأْس من الْخَيْر. وَأما صفته: فَمَا قَالَه الطَّبَرِيّ: كَانَ الله قد حسن خلقه وشرفه وَكَرمه وَملكه على سَمَاء الدُّنْيَا وَالْأَرْض، وَجعله مَعَ ذَلِك من خَزَائِن الْجنَّة، فاستكبر على الله تَعَالَى وَادّعى الربوبية، ودعا من كَانَ تَحت يَده إِلَى طَاعَته وعبادته، فمسخه الله شَيْطَانا رجيماً، وشوه خلقه وسلبه مَا كَانَ خوله، ولعنه

وطرده عَن سماواته فِي العاجل، ثمَّ جعل مَسْكَنه ومسكن شيعته وَأَتْبَاعه فِي الْآخِرَة نَار جَهَنَّم. انْتهى. وَكَانَ يُقَال لَهُ: طَاوس الْمَلَائِكَة لحسنه، ثمَّ مسخه الله تَعَالَى. وَقَالَ عبد الْملك بن أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ إِبْلِيس يَأْتِي يحيى بن زَكَرِيَّا، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، طَمَعا أَن يفتنه، وَعرف ذَلِك يحيى مِنْهُ، وَكَانَ يَأْتِيهِ فِي صور شَتَّى، فَقَالَ لَهُ: أحب أَن تَأتِينِي فِي صُورَتك الَّتِي أَنْت عَلَيْهَا، فَأَتَاهُ فِيهَا فَإِذا هُوَ مُشَوه الْخلق كريه المنظر، جسده جَسَد خِنْزِير وَوَجهه وَجه قرد وَعَيناهُ مشقوقتان طولا وأسنانه كلهَا عظم وَاحِد وَلَيْسَ لَهُ لحية ويداه فِي مَنْكِبَيْه وَله يدان آخرَانِ فِي جانبيه وأصابعه خلقَة وَاحِدَة وَعَلِيهِ لِبَاس الْمَجُوس وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَفِي وَسطه منْطقَة من جُلُود السبَاع، فِيهَا كيزان معلقَة وَعَلِيهِ جلاجل، وَفِي يَده جرس عَظِيم وعَلى رَأسه بَيْضَة من حَدِيدَة معوجة كالخطاف، فَقَالَ يحيى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَيحك مَا الَّذِي شوه خلقتك؟ فَقَالَ: كنت طَاوس الْمَلَائِكَة فعصيت الله فمسخني فِي أخس صُورَة، وَهِي مَا ترى. قَالَ: فَمَا هَذِه الكيزان؟ قَالَ: شهوات بني آدم. قَالَ: فَمَا هَذِه الجرس؟ قَالَ: صَوت المعازف وَالنوح، قَالَ: فَمَا هَذِه الخطاطيف؟ قَالَ: أخطف بهَا عُقُولهمْ. قَالَ: فَأَيْنَ تسكن؟ قَالَ: فِي صُدُورهمْ وَأجْرِي فِي عروقهم، قَالَ: فَمَا الَّذِي يعصمهم مِنْك؟ قَالَ: بغض الدُّنْيَا وَحب الْآخِرَة.

النَّوْع الرَّابِع: فِي أَوْلَاده وَجُنُوده. وروى مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: بلغنَا أَن لإبليس أَوْلَادًا كثيرين، واعتماده على خَمْسَة مِنْهُم: شبر والأعور ومسوط وداسم وزلنبور، وَقَالَ مقَاتل: لإبليس ألف ولد ينْكح نَفسه ويلد ويبيض كل يَوْم مَا أَرَادَ، وَمن أَوْلَاده: الْمَذْهَب وخنزب وهفاف وَمرَّة والولهان والمتقاضي، وَجعل كل وَاحِد مِنْهُم على أَمر ذكرته فِي (تاريخي الْكَبِير) وَمن ذُريَّته: الأقنص وَهَامة بن الأقنص ويلزون وَهُوَ الْمُوكل بالأسواق وَأمه طرطية، وَيُقَال: بل هِيَ حاضنتهم، ذكره النقاش، قَالُوا: باضت ثَلَاثِينَ بَيْضَة: عشرَة بالشرق، وَعشرَة بالمغرب، وَعشرَة فِي وسط الأَرْض، وَأَنه خرج من كل بيض جنس من الشَّيَاطِين كالعفاريت والغيلان والحيات، وأسماؤهم مُخْتَلفَة كلهم عَدو لبني آدم، أعاذنا الله من شرهم، وَله جنود يرسلهم إِلَى إضلال بني آدم، وَقد روى ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَرْفُوعا، قَالَ: إِذا أصبح إِبْلِيس يبْعَث جُنُوده، فَيَقُول: من أضلّ مُسلما ألبسته التَّاج الحَدِيث، وروى مُسلم من حَدِيث جَابر: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: عرش إِبْلِيس على الْبَحْر، فيبعث سراياه فيفتنون النَّاس، فأعظمهم عِنْده أعظمهم فتْنَة.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُقْذَفُونَ يُرْمَوْنَ: دُحورَاً مَطْرُودِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ويقذفون من كل جَانب دحوراً وَلَهُم عَذَاب واصب} (الصافات: ٨ ٩) . وَفسّر يقذفون بقوله: يرْمونَ، ودحوراً بقوله: مطرودين، كَأَنَّهُ جعل الْمصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول جمعا، وَقد فسره عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد كَذَلِك.

وِاصِبٌ دَائِمٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَهُم عَذَاب واصب} (الصافات: ٩) . وَفسّر الواصب بقوله: دَائِم، وَقد ذكره البُخَارِيّ وَمَا بعده اتِّفَاقًا واستطراداً.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مَدْحُورَاً مَطْرُودَاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتلقى فِي جَهَنَّم ملوماً مَدْحُورًا} (الْإِسْرَاء: ٩٣) . وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، والمدحور مفعول من الدَّحْر، وَهُوَ الدّفع والإبعار من قَوْلك: دحرته أدحره دحراً ودحوراً. وَفِي (تَفْسِير عبد بن حميد) : عَن قَتَادَة: دحوراً: قذفا فِي النَّار.

يُقالُ مَرِيداً مُتَمَرِّدَاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن يدعونَ إلَاّ شَيْطَانا مرِيدا} (النِّسَاء: ٧١١) . وَفسّر مرِيدا بقوله: متمرداً.

بَتَّكَهُ قَطَعَهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ولآمرنَّهُم فليبتكن آذان الْأَنْعَام} (النِّسَاء: ٩١١) . أَي: ليقطعن، وَفسّر: بتكه، بِمَعْنى: قطعه وَقَالَ قَتَادَة: يَعْنِي الْبحيرَة. وَهِي إِذا نتجت خَمْسَة أبطن، وَكَانَ آخرهَا ذكرا شَقوا أذنها، وَلم ينتفعوا بهَا، وَالتَّقْدِير: ولآمرنهم بتبتيك آذانهن، وليبتكنها.

واسْتَفْزِزْ اسْتَخِفَّ بِخَيْلِكَ الفُرْسَانُ والرَّجْلُ الرَّجَّالَّةُ واحِدُها رَاجِلٌ مِثْلُ صاحِب وصَحْبٍ وتاجِرٍ وتَجْر

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك، واجلب عَلَيْهِم بخيلك ورجلك} (الْإِسْرَاء: ٤٦) . وَفسّر قَوْله: استفزز، بقوله: استخف، وَيُرِيد بالصوت الْغناء والمزامير، وَفسّر الْخَيل بالفرسان، وَفسّر الرجل بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْجِيم بالرجالة بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم، ثمَّ قَالَ وَاحِد الرجالة راجل، وَمثله بقوله: صَاحب وَصَحب، فَإِن الصحب جمع صَاحب والتجر، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: جمع تَاجر، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كل خيل سَارَتْ فِي مَعْصِيّة، وكل رجل مشت فِيهَا وكل مَا أُصِيب من حرَام فَهُوَ للشَّيْطَان، وَقَالَ غَيره: مشاركته فِي الْأَمْوَال الْبحيرَة والسائبة، وَفِي الْأَوْلَاد عِنْد الْغَزْو وَعند الحروب.

لأحْتَنِكَنَّ: لأَستَأصِلَنَّ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {لأحتنكن ذُريَّته إلَاّ قَلِيلا} (الْإِسْرَاء: ٢٦) . وَفسّر: لأحتنكنَّ، بقوله: لأستأصلنَّ من الاستئصال.

قَرِينٌ شَيْطَانٌ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَهُوَ لَهُ قرين} (الزخرف: ٦٣) . وَفسّر القرين بالشيطان، وَفَسرهُ مُجَاهِد كَذَلِك.

٨٦٢٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخْبَرَنا عِيسَى عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ سُحِرَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ اللَّيْثُ كَتَبَ إلَيَّ هِشامٌ أنَّهُ سَمِعَهُ ووَعَاهُ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ سُحِرَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حتَّى كانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ حتَّى كانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا ودَعا ثُمَّ قَالَ أشَعَرْتِ أنَّ الله أفْتَانِي فِيما فِيهِ شِفَائِي أتَانِي رَجُلان فَقَعَدَ أحَدُهُمَا عِنْدَ رأسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فقالَ أحَدُهُمَا لِلآخَرِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ مَطْبُوبٌ قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بنُ الأعْصَمِ قَالَ فِيما ذَا قَالَ فِي مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ وجُفَّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ قَالَ فأيْنَ هُوَ قَالَ فِي بِئْرِ ذَرَوانَ فخَرَجَ إلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ نَخْلُهَا كأنَّهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينَ فَقُلْتُ اسْتَخْرَجتْهُ فَقَالَ لَا أمَّا أنَا فَقَدْ شَفَانِي الله وَخَشِيتُ أنْ يُثِيرَ ذَلِكَ علَى النَّاسِ شَرَّاً ثُمَّ دُفِنَتِ الْبِئْرُ. .

وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السحر إِنَّمَا يتم باستعانة الشَّيْطَان على ذَلِك، وَهِي من جملَة صِفَاته القبيحة. وَإِبْرَاهِيم ابْن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير، وَعِيسَى هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، يروي عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن إِبْرَاهِيم ابْن مُوسَى عَن عِيسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عِيسَى بن يُونُس نَحوه.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَقَالَ اللَّيْث) ، هُوَ اللَّيْث بن سعد، رَحمَه الله، هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو بكر عبد الله بن دَاوُد عَن عِيسَى ابْن حَمَّاد النجيبي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث. قَوْله: (ووعاه) ، أَي: حفظه. قَوْله: (يخيل) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من تخيل الشَّيْء

كَذَا وَلَيْسَ كَذَلِك، وَأَصله الظَّن. قَوْله: (ذَات يَوْم) إِنَّمَا لم يتَصَرَّف لِأَن إضافتها من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الِاسْم، لِأَن معنى: كَانَ ذَات يَوْم قِطْعَة من الزَّمَان ذَات يَوْم، أَي: صَاحِبَة هَذَا الإسم. قَوْله: (أشعرت) أَي: أعلمت. قَوْله: (أفتاني) ، ويروى: أنبأني، أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (مطبوب) ، أَي: مسحور، والطب جَاءَ بِمَعْنى: السحر. قَوْله: (مَن طبه؟) أَي: مَن سحره؟ قَوْله: (فِي مشط ومشاقة) ، الْمشْط فِيهِ لُغَات: ضم الْمِيم وَإِسْكَان الشين وَضمّهَا أَيْضا وَكسر الْمِيم بِإِسْكَان الشين، والمشاقة: بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة وَالْقَاف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا يغزل من الْكَتَّان. قلت: المشاقة مَا يخرج من الْكتاب حِين يمشق، والمشق: جذب الشَّيْء ليمتد وَيطول. قَوْله: (وجف طلعة ذكر) ، الجف، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْفَاء: وَهُوَ وعَاء طلع النّخل، وَهُوَ الغشاء الَّذِي يكون عَلَيْهِ وَيُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَلِهَذَا قَيده بقوله: ذكر، وَهُوَ الَّذِي يدعى بالكفري، وَقَالَ ابْن فَارس: جف الطّلع، وعاؤها، يُقَال: إِنَّه شَيْء ينثر من جُذُوع النّخل، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: ويروى فِي مشط ومشاقة فِي جف طلعة، قَالَ: المشاطة الشّعْر الَّذِي يسْقط من الرَّأْس واللحية عِنْد التسريح بالمشط، قَالَ: وجف طلعة، أَي: فِي جوفها. وَقَوله: (ذكر) ، الذَّكر من النّخل الَّذِي يُؤْخَذ طلعه فَيجْعَل مِنْهُ فِي طلع النَّخْلَة المثمرة فَيصير بذلك تَمرا، وَلَو لم يَجْعَل فِيهِ لَكَانَ شيصاً لَا نوى فِيهِ، وَلَا يكَاد يساغ. قَوْله: (فِي بِئْر ذروان) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء، ويروى: ذِي أروان، وَكِلَاهُمَا صَحِيح مَشْهُور، وَالْأول أصح، وَهِي بِئْر بِالْمَدِينَةِ فِي بُسْتَان بني زُرَيْق، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالقاف، من الْيَهُود. قَوْله: (كَأَنَّهَا رُؤُوس الشَّيَاطِين) ، قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا مستدقة كرؤوس الْحَيَّات، والحية يُقَال لَهَا: الشَّيْطَان. وَالْآخر: أَنَّهَا وحشية المنظر سمجة الأشكال، وَهُوَ مثل فِي استقباح صورتهَا وهول منظرها كصورة الشَّيَاطِين. قَوْله: (أَن يثير ذَلِك على النَّاس شرا) يُرِيد فِي إِظْهَاره، وَقيل: إِنَّمَا امْتنع عَن تعْيين السَّاحر لِئَلَّا تقوم أنفس الْمُسلمين فَيَقَع بَينهم وَبَين قبيل السَّاحر فتْنَة. قَوْله: (ثمَّ دفنت الْبِئْر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول.

وَفِيه: أَن آثَار الْفِعْل الْحَرَام يجب إِزَالَتهَا، وَقد مر الْبَحْث فِي هَذَا مُسْتَوفى فِي: بَاب هَل يُعْفَى عَن الذِّمِّيّ إِذا سحر؟ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد.

٩٦٢٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أُوَيْسٍ قَالَ حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ بنِ بِلَالٍ عنْ يَحْيَى ابنِ سَعِيدٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ علَى قَافِيَةِ رأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نامَ ثَلَاثُ عُقَدٍ يَضْرِبُ علَى كُلِّ عُقْدَةٍ مَكانها علَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فارْقُدْ فإنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فإنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَة فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّها فأصْبَحَ نَشِيِطاً طَيِّبَ النَّفْسِ وإلَاّ أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ. (انْظُر الحَدِيث ٤١١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن عقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحد من أَفعَال الشَّيْطَان وَصِفَاته القبيحة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ فِي: بَاب عقد الشَّيْطَان على قافية الرَّأْس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَهنا أخرجه عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، واسْمه عبد الله الْمدنِي ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَهُوَ يروي عَن أَخِيه عبد الحميد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَمعنى: يعْقد، يتَكَلَّم عَلَيْهِ، والقافية: مُؤخر الرَّأْس، وَمِنْه قافية الشّعْر. قَوْله: (انْحَلَّت عقده) ، وَهُوَ جمع عقدَة، وَلِهَذَا أكده بقوله: كلهَا.

٠٧٢٣ - حدَّثنا عُثُمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي وائِلِ عنْ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَجُلٌ نامَ لَيْلَهُ حتَّى أصْبَحَ قَالَ ذَاكَ رَجُلٌ بالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ أوْ قَالَ فِي أُذُنِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٤٤١١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن بَوْل الشَّيْطَان فِي أذن الرجل النَّائِم كل لَيْلَة من صِفَاته القبيحة، وَأَبُو وَائِل شَقِيق، وَعبد الله

هُوَ ابْن مَسْعُود. وَمضى الحَدِيث فِي كتاب التَّهَجُّد فِي: بَاب إِذا نَام وَلم يصلِّ بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل ... إِلَى آخِره.

١٧٢٣ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سالِمِ بنِ أبِي الجَعْد عنْ كُرَيْبٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أما إنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتَى أهْلَهُ وَقَالَ بِسْمُ الله اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقَتنَا فَرُزِقَا ولَدَاً لَمْ يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن من صِفَات الشَّيْطَان ضَرَره الْعَام للْمُؤْمِنين، وَهُوَ من صِفَاته الذميمة القبيحة. وَرِجَاله قد مروا غير مرّة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب التَّسْمِيَة على كل حَال، وَعند الوقاع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَليّ بن عبد الله عَن جرير عَن مَنْصُور عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن كريب ... الحَدِيث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٢٧٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا طَلَعَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَبْرُزَ وإذَا غَابَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَغِيبَ. وَلَا تَحَيَّنُوا بِصَلَاتِكُمْ طُلوُعَ الشَّمْسِ ولَا غُرُوبها فإنَّها تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أوِ الشَّيْطَانِ لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قَالَ هِشامٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِنَّهَا تطلع بَين قَرْني الشَّيْطَان) . مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام، قَالَه أَبُو نعيم، وَأَبُو عَليّ، وَعَبدَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان. والْحَدِيث مضى فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْفجْر حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (حَتَّى تبرز) ، أَي: حَتَّى تظهر. قَوْله: (وَلَا تَحَيَّنُوا) من التحين، وَهُوَ طلب وَقت مَعْلُوم (وقرنا الشَّيْطَان) جانبا رَأسه. قَوْله: (لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَ هِشَام) ، الْقَائِل بِهَذَا هُوَ عَبدة بن سُلَيْمَان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة.

٨٠ - (حَدثنَا أَبُو معمر قَالَ حَدثنَا عبد الْوَارِث حَدثنَا يُونُس عَن حميد بن هِلَال عَن أبي صَالح عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا مر بَين يَدي أحدكُم شَيْء وَهُوَ يُصَلِّي فليمنعه فَإِن أَبى فليمنعه فَإِن أبي فليقاتله فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان " وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد وَعبد الْوَارِث بن سعيد وَيُونُس هُوَ ابْن عبد الله الْعَبْدي الْبَصْرِيّ وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب يرد الْمصلى من مر بَين يَدَيْهِ

(وَقَالَ عُثْمَان بن الْهَيْثَم حَدثنَا عَوْف عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ وكلني رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِحِفْظ زَكَاة رَمَضَان فَأَتَانِي آتٍ فَجعل يحثو من الطَّعَام فَأَخَذته فَقلت لأرفعنك إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذكر الحَدِيث فَقَالَ إِذا أويت إِلَى فراشك فاقرأ آيَة الْكُرْسِيّ لن يزَال من الله حَافظ وَلَا يقربك شَيْطَان حَتَّى تصبح فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صدقك وَهُوَ كذوب ذَاك الشَّيْطَان) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " ذَاك الشَّيْطَان " وَعُثْمَان بن الْهَيْثَم بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة مُؤذن

الْبَصْرَة وعَوْف الْأَعرَابِي والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْوكَالَة فِي بَاب إِذا وكل رجال بِعَين مَا ذكره هُنَا قَالَ وَقَالَ عُثْمَان بن الْهَيْثَم إِلَى آخِره مطولا وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ -

٦٧٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسوُلُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يأتِي الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ منْ خَلَقَ كذَا مَنْ خَلَقَ كذَا حتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فإذَا بَلَغَهُ فلْيَسْتَعِذِ بِاللَّه ولْيَنْتَهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عبد الْملك بن شُعَيْب وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبد بن حميد وَعَن هَارُون بن مَعْرُوف وَمُحَمّد بن عباد وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن هَارُون بن مَعْرُوف بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور، وَعَن أَحْمد بن سعيد وَعَن هَارُون ابْن سعيد.

قَوْله: (من خلق كَذَا) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يزَال النَّاس يسْأَلُون حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا خلق الله، فَمن خلق الله؟ قَوْله: (فليستعذ باالله) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَلْيقل آمَنت بِاللَّه) . وَلأبي دَاوُد: (فَإِذا قَالُوا ذَلِك فَقولُوا: الله أحد الله الصَّمد الْآيَة، ثمَّ ليتفل عَن يسَاره ثَلَاثًا وليستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم) . وَمعنى: فليستعذ، أَي: قل أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، من الْأَعْرَاض والشبهات الْوَاهِيَة الشيطانية. قَوْله: (ولينته) ، أَي: عَن الاسترسال مَعَه فِي ذَلِك بِإِثْبَات الْبَرَاهِين القاطعة الحقانية، على أَن لَا خَالق لَهُ بِإِبْطَال التسلسل، وَنَحْوه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: لينته أَي: ليترك التفكر فِي هَذَا الخاطر، وليستعذ بِاللَّه من وَسْوَسَة الشَّيْطَان، فَإِن لم يزل التفكر بالاستعاذة فَليقمْ وليشتغل بِأَمْر آخر، وَإِنَّمَا أمره بذلك وَلم يَأْمُرهُ بِالتَّأَمُّلِ والاحتجاج لِأَن الْعلم باستغنائه عَن الموجد أَمر ضَرُورِيّ لَا يقبل المناظرة لَهُ، وَعَلِيهِ، وَلِأَن السَّبَب فِي مثله إحساس الْمَرْء فِي عَالم الْحس، وَمَا دَامَ هُوَ كَذَلِك لَا يزِيد فكره إلَاّ زيغاً عَن الْحق، وَمن كَانَ هَذَا حَاله فَلَا علاج لَهُ إلَاّ اللجاء إِلَى الله تَعَالَى والاعتصام بحوله وقوته. وَقَالَ الْمَازرِيّ: الخواطر على قسمَيْنِ، فالتي لَا تَسْتَقِر وَلَا تجلبها شُبْهَة هِيَ الَّتِي تدفع بالأعراض عَنْهَا، وعَلى هَذَا ينزل الحَدِيث، وعَلى مثلهَا يُطلق اسْم الوسوسة. وَأما الخواطر المستقرة الناشئة عَن الشُّبْهَة فَهِيَ لَا تنْدَفع إلَاّ بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال.

٨٧٢٣ - حدثناالحُمَيْدِيُّ حدَّثَنَا سُفْيانُ حدَّثنا عَمْرٌ وَقَالَ أخْبرني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ ل إبْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ حدَّثنا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إنَّ مُوسَى قَالَ لِفَتاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا قَالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أنْسَانِيهُ إلَاّ الشَّيْطَانُ أنْ أذْكُرَهُ ولَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أمَرَ الله بِهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا أنسانيه إلَاّ الشَّيْطَان) والْحميدِي بن عبد الله بن الزبير بن عِيسَى، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَمْرو بن دِينَار.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِي غَيره أَيْضا وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ.

٩٧٢٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينِارٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُشِيرُ إلَى المَشْرِقِ فَقَالَ هَا إنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا إنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيّطَانِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان) وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (هَا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هَا، حرف وَلم يزدْ على هَذَا شَيْئا. قلت: هُوَ حرف من حُرُوف المعجم، وَمن حُرُوف الزِّيَادَة وَهِي حرف تَنْبِيه. قَوْله: (من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان) ، نسب الطُّلُوع إِلَى قرن الشَّيْطَان مَعَ أَن الطُّلُوع للشمس لكَونه مُقَارنًا لطلوع الشَّمْس، وَالْغَرَض أَن منشأ الْفِتَن هُوَ جِهَة الْمشرق، وَقد كَانَ كَمَا أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٠٨٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَطاءٌ عنْ جَابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا اسْتَجَنحَ اللَّيْلُ أوْ كانَ جُنْحُ اللَّيْلِ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فإذَا ذهَبَ ساعَةٌ مِنَ العَشَاءِ فَخَلُّوهُمْ وأغْلِقْ بابَكَ واذكُرِ اسْمَ الله وَأطْفِىءْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله وأوْكِ سِقَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ الله وخَمِّرْ إنَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ الله وَلَوْ تَعْرُضُ علَيْهِ شَيْئَاً. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن الشَّيَاطِين تَنْتَشِر) . وَيحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَمُحَمّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ من شُيُوخ البُخَارِيّ، وروى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أَحْمد بن عُثْمَان وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا استجنح) أَي: إِذا أظلم، ومادته: جِيم وَنون وحاء، وَقَالَ ابْن سَيّده: جنح اللَّيْل يجنح جنوحاً وجنحاً إِذا أظلم، وَيُقَال: إِذا أقبل ظلامه، والجنح، بِضَم الْجِيم وَكسرهَا لُغَتَانِ: وَهُوَ ظلام اللَّيْل، وأصل الجنح الْميل. وَقيل: جنح اللَّيْل أول مَا يظلم. قَوْله: (أَو كَانَ جنح اللَّيْل) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَو قَالَ: كَانَ جنح اللَّيْل، وَحكى عِيَاض أَنه وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: استجنع، بِالْعينِ الْمُهْملَة بدل الْحَاء، وَهُوَ تَصْحِيف، وَعند الْأصيلِيّ: وَأول اللَّيْل بدل: قَوْله: إِذا كَانَ جنح اللَّيْل، وَكَانَ هَذِه تَامَّة بِمَعْنى وجد أَو حصل. قَوْله: (فكفوا صِبْيَانكُمْ) ، أَي: ضموهم وامنعوهم من الانتشار، وَفِي رِوَايَة: فاكفتوا، ومادته: كَاف وَفَاء وتاء مثناة من فَوق، وَمَعْنَاهُ: ضموهم إِلَيْكُم، وكل من ضممته إِلَى شَيْء فقد كفته، وَفِي رِوَايَة: وَلَا تُرْسِلُوا صِبْيَانكُمْ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِنَّمَا خيف على الصّبيان فِي ذَلِك الْوَقْت لِأَن النَّجَاسَة الَّتِي يلوذ بهَا الشَّيَاطِين مَوْجُودَة مَعَهم غَالِبا. وَالذكر الَّذِي يستعصم بِهِ مَعْدُوم عِنْدهم، وَالشَّيَاطِين عِنْد انتشارهم يتعلقون بِمَا يُمكنهُم التَّعَلُّق بِهِ، فَلذَلِك خيف على الصّبيان فِي ذَلِك الْوَقْت وَالْحكمَة فِي انتشارهم حِينَئِذٍ أَن حركتهم فِي اللَّيْل أمكن مِنْهَا لَهُم فِي النَّهَار، لِأَن الظلام أجمع لَهُم من غَيره، وَكَذَلِكَ كل سَواد، وَيُقَال: إِن الشَّيَاطِين تستعين بالظلمة وَتكره النُّور وتشأم بِهِ. قَوْله: (فخلوهم) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: (وأغلق) من الإغلاق، فَلهَذَا يُقَال: الْبَاب مغلق، وَلَا يُقَال: مغلوق، وَإِنَّمَا قَالَ: فكفوا، بِصِيغَة الْجمع، وَقَالَ: أغلق بِصِيغَة الْإِفْرَاد لِأَن المُرَاد بقوله: أغلق لكل وَاحِد، وَهُوَ عَام بِحَسب الْمَعْنى، أَو هُوَ فِي معنى الْمُفْرد إِذْ مُقَابلَة الْجمع بِالْجمعِ تفِيد التَّوْزِيع، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كف أَنْت صبيك، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ بَعضهم: وَلَا شكّ أَن مُقَابلَة الْمُفْرد بالمفرد تفِيد التَّوْزِيع. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب مَا قَالَه الْكرْمَانِي.

قَوْله: (وأطفىء) أَمر من الإطفاء إِنَّمَا أَمر بذلك لِأَنَّهُ جَاءَ فِي (الصَّحِيح) : أَن الفويسقة جرت الفتيلة فأحرقت أهل الْبَيْت، وَهُوَ عَام يدْخل فِيهِ السراج وَغَيره، وَأما الْقَنَادِيل الْمُعَلقَة فَإِن خيف حريق بِسَبَبِهَا دخلت فِي الْأَمر بالإطفاء، وَإِن أَمن ذَلِك كَمَا هُوَ من الْغَالِب فَالظَّاهِر أَنه لَا بَأْس بهَا لانْتِفَاء الْعلَّة، وَسبب ذَلِك أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى على خمرة فجرت الفتيلة الْفَأْرَة فأحرقت من الْخمْرَة مِقْدَار الدِّرْهَم، فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك نبه عَلَيْهِ ابْن الْعَرَبِيّ وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَت فَأْرَة فَأخذت تجر الفتيلة، فَجَاءَت بهَا وألقتها بَين يَدي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْخمْرَة الَّتِي كَانَ قَاعِدا عَلَيْهَا، فأحرقت مِنْهَا مَوضِع دِرْهَم. قَوْله: (وأوك) أَمر من الإيكاء، وَهُوَ الشد، والوكاء: اسْم مَا يشد بِهِ فَم الْقرْبَة، وَهُوَ مَمْدُود مَهْمُوز، والسقاء بِكَسْر السِّين: اللَّبن، وَالْمَاء، والوطب للبن خَاصَّة، والنحي للسمن، والقربة للْمَاء. قَوْله: (وخمِّر) ، أَمر من التخمير وَهُوَ التغطية، وللتخمير فَوَائِد: صِيَانة من الشَّيَاطِين والنجاسات والحشرات وَغَيرهَا، وَمن الوباء الَّذِي ينزل فِي لَيْلَة من السّنة، وَفِي رِوَايَة أَن فِي السّنة لليلة وَفِي رِوَايَة يَوْمًا ينزل وباء لَا يمر بِإِنَاء لَيْسَ عَلَيْهِ غطاء أَو شَيْء لَيْسَ عَلَيْهِ وكاء إلَاّ نزل فِيهِ ذَلِك الوباء. قَالَ اللَّيْث بن سعد: والأعاجم يَتَّقُونَ ذَلِك فِي كانون الأول. قَوْله: (وَلَو تعرض عَلَيْهِ شَيْئا) بِضَم الرَّاء وَكسرهَا، وَمَعْنَاهُ: إِن لم تقدر أَن تغطي فَلَا أقل من أَن تعرض عَلَيْهِ عوداً، أَي: تعرضه عَلَيْهِ بِالْعرضِ وتمده عَلَيْهِ عرضا، أَي: خلاف الطول. قَوْله: (شَيْئا) ، وَفِي رِوَايَة: عوداً، هَذَا مُطلق فِي الْآنِية الَّتِي فِيهَا شراب أَو طَعَام. قلت: روى مُسلم من حَدِيث جَابر بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: أَخْبرنِي أَبُو حميد السَّاعِدِيّ، قَالَ: أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقدح لبن من النقيع لَيْسَ مخمراً. قَالَ: ألَا خمرته، وَلَو تعرض عَلَيْهِ عوداً قَالَ أَبُو حميد: إِنَّمَا أَمر بالأسقية إِن توكأ لَيْلًا، وبالأبواب أَن تغلق لَيْلًا انْتهى. فَهَذَا أَبُو حميد قيد الإيكاء والإغلاق بِاللَّيْلِ. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَار عِنْد الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن تَفْسِير الصَّحَابِيّ إِذا كَانَ خلاف ظَاهر اللَّفْظ لَيْسَ بِحجَّة، وَلَا يلْزم غَيره من الْمُجْتَهدين مُوَافَقَته على تَفْسِيره. وَأما إِذا كَانَ فِي ظَاهر الحَدِيث مَا يُخَالِفهُ فَإِن كَانَ مُجملا يرجع إِلَى تَأْوِيله، وَيجب الْحمل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مُجملا لَا يحل لَهُ حمله على شَيْء إلَاّ بتوقيف، وَكَذَا لَا يجوز تَخْصِيص الْعُمُوم بِمذهب الرَّاوِي عندنَا، بل يتَمَسَّك بِالْعُمُومِ، وَقد يُقَال: أَبُو حميد قَالَ: أمرنَا، وَهَذَا رِوَايَة لَا تَفْسِير، وَهُوَ مَرْفُوع على الْمُخْتَار، وَلَا تنَافِي بَين رِوَايَة أبي حميد وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي يَوْم، إِذْ لَيْسَ فِي أَحدهمَا نفي للْآخر وهما ثابتان. فَإِن قلت: مَا حكم أوَامِر هَذَا الْبَاب؟ قلت: جَمِيعهَا من بَاب الْإِرْشَاد إِلَى الْمصلحَة الدُّنْيَوِيَّة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {واشهدوا إِذا تبايعتم} (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَلَيْسَ على الْإِيجَاب، وغايته أَن يكون من بَاب النّدب، بل قد جعله كثير من الْأُصُولِيِّينَ قسما مُنْفَردا بِنَفسِهِ عَن الْوُجُوب وَالنَّدْب، وَيَنْبَغِي للمرء أَن يمتثل أمره، فَمن امتثل أمره سلم من الضَّرَر بحول الله وقوته، وَمَتى وَالْعِيَاذ بِاللَّه خَالف إِن كَانَ عناداً خلد فَاعله فِي النَّار، وَإِن كَانَ عَن خطأ أَو غلط فَلَا يحرم شرب مَا فِي الْإِنَاء أَو أكله، وَالله أعلم.

٨٦ - (حَدثنِي مَحْمُود بن غيلَان قَالَ حَدثنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن صَفِيَّة ابْنة حييّ قَالَت كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معتكفا فَأَتَيْته أَزورهُ لَيْلًا فَحَدَّثته ثمَّ قُمْت فَانْقَلَبت فَقَامَ معي لِيقلبنِي وَكَانَ مَسْكَنهَا فِي دَار أُسَامَة بن زيد فَمر رجلَانِ من الْأَنْصَار فَلَمَّا رَأيا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَسْرعَا فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على رِسْلكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّة بنت حييّ فَقَالَا سُبْحَانَ الله يَا رَسُول الله قَالَ إِن الشَّيْطَان يجْرِي من الْإِنْسَان مجْرى الدَّم وَإِنِّي خشيت أَن يقذف فِي قُلُوبكُمَا سوءا أَو قَالَ شَيْئا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله إِن الشَّيْطَان وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم والْحَدِيث مر فِي كتاب الِاعْتِكَاف فِي بَاب هَل يخرج الْمُعْتَكف لحوائجه إِلَى بَاب الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره نَحوه وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله " فَانْقَلَبت " من الانقلاب وَهُوَ الرُّجُوع مُطلقًا وَالْمعْنَى هُنَا

فَرَجَعت فَقَامَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معي لِيقلبنِي أَي لأرجع إِلَى بَيْتِي فَقَامَ معي يصحبني قَوْله " على رِسْلكُمَا " بِكَسْر الرَّاء أَي على هيئتكما فَمَا هُنَا شَيْء تكرهانه قَوْله " إِن الشَّيْطَان يجْرِي " قيل هُوَ على ظَاهره إِن الله جعل لَهُ قُوَّة وقدرة على الجري فِي بَاطِن الْإِنْسَان مجْرى الدَّم وَقيل اسْتِعَارَة لِكَثْرَة وسوسته فَكَأَنَّهُ لَا يُفَارِقهُ كَمَا لَا يُفَارق دَمه وَقيل أَنه يلقِي وسوسته فِي مسام لَطِيفَة من الْبدن بِحَيْثُ يصل إِلَى الْقلب وَفِيه التَّحَرُّز عَن سوء الظَّن بِالنَّاسِ وَفِيه كَمَال شفقته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على أمته لِأَنَّهُ خَافَ أَن يلقِي الشَّيْطَان فِي قلبهما شَيْئا فيهلكان فَإِن ظن السوء بالأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كفر

٨٧ - (حَدثنَا عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن عدي بن ثَابت عَن سُلَيْمَان بن صرد قَالَ كنت جَالِسا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ورجلان يستبان فأحدهما احمر وَجهه وَانْتَفَخَتْ أوداجه فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا ذهب عَنهُ مَا يجد لَو قَالَ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان ذهب عَنهُ مَا يجد فَقَالُوا لَهُ إِن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ تعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان فَقَالَ وَهل بِي جُنُون) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وعبدان تكَرر ذكره وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي الْمروزِي وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَسليمَان بن صرد بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة الْخُزَاعِيّ وَقد مر فِي الْغسْل والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عمر بن حَفْص وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى وَأبي كريب وَعَن نصر بن عَليّ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن هناد وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَوْله " يستبان " أَي يتشاتمان قَوْله " أوداجه " جمع ودج بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ عرق فِي الْحلق فِي المذبح وانتفاخ الْأَوْدَاج كِنَايَة عَن شدَّة الْغَضَب (فَإِن قلت) لكل أحد ودجان وَهنا ذكر الْأَوْدَاج بِالْجمعِ (قلت) هَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى {وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين} أَو لِأَن كل قِطْعَة من الودج يُسمى ودجا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَزجّ الحواجب قَوْله " مَا يجد " من وجد يجد وجدا وموجدة إِذا غضب وَوجد يجد وجدانا إِذا لَقِي مَا يَطْلُبهُ قَوْله " هَل بِي جُنُون " قَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا كَلَام من لم يتفقه فِي دين الله وَلم يتهذب بأنوار الشَّرِيعَة المكرمة وتوهم أَن الِاسْتِعَاذَة مُخْتَصَّة بالمجانين وَلم يعلم أَن الْغَضَب من نزغات الشَّيْطَان وَيحْتَمل أَنه كَانَ من الْمُنَافِقين أَو من جُفَاة الْأَعْرَاب انْتهى والاستعاذة من الشَّيْطَان تذْهب الْغَضَب وَهُوَ أقوى السِّلَاح على دفع كَيده وَفِي حَدِيث عَطِيَّة " الْغَضَب من الشَّيْطَان فَإِن الشَّيْطَان خلق من النَّار وَإِنَّمَا تطفأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذا غضب أحدكُم فَليَتَوَضَّأ " وَعَن أبي الدَّرْدَاء " أقرب مَا يكون العَبْد من غضب الله إِذا غضب " وَقَالَ بكر بن عبد الله " اطفئوا نَار الْغَضَب بِذكر نَار جَهَنَّم " وَفِي بعض الْكتب قَالَ الله تَعَالَى " ابْن آدم اذْكُرْنِي إِذا غضِبت أذكرك إِذا غضِبت " وروى الْجَوْزِيّ فِي ترغيبه عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة قَالَ قَالَ إِبْلِيس أَنا جَمْرَة فِي جَوف ابْن آدم إِذا غضب حميته وَإِذا رَضِي منيته -

٣٨٢٣ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا مَنْصُورٌ عَن سالِمِ بنِ أبِي الجَعْدِ عنْ كُرَيْبٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتَى أهْلَهُ قَالَ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي فَإِن كانَ بَيْنَهُمَا ولَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ ولَمْ يُسَلَّطْ علَيْهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب فَإِنَّهُ أخرجه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن همام بن مَنْصُور إِلَى آخِره. قَوْله: (لم يضرّهُ) يَعْنِي: لم يُسَلط عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ وإلَاّ فَلَا يَخْلُو من الوسوسة.

قَالَ وحدَّثنا الأعْمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ كُرَيْبٍ عنْ ابنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ

أَي: قَالَ شُعْبَة: وَحدثنَا سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن سَالم بن أبي الْجَعْد، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لشعبة شَيْخَانِ فِيهِ.

//

٨٩ - (حَدثنَا مَحْمُود حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه صلى صَلَاة فَقَالَ إِن الشَّيْطَان عرض لي فَشد عَليّ يقطع الصَّلَاة عَليّ فأمكنني الله مِنْهُ فَذكره) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومحمود هُوَ ابْن غيلَان الْمروزِي وشبابة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى مَفْتُوحَة ابْن سوار الْفَزارِيّ الْمروزِي والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب الْأَسير أَو الْغَرِيم يرْبط فِي الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن روح وَمُحَمّد بن جَعْفَر كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِن عفريتا من الْجِنّ تفلت على البارحة أَو كلمة نَحْوهَا ليقطع عَليّ الصَّلَاة فأمكنني الله مِنْهُ وَأَرَدْت أَن أربطه إِلَى سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد حَتَّى تصبحوا أَو تنظروا إِلَيْهِ كلكُمْ فَذكرت قَول أخي سُلَيْمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام {رب اغْفِر لي وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي} قَالَ روح فَرده خاسئا قَوْله " فَذكره " أَي فَذكر الحَدِيث بِتَمَامِهِ وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ

٩٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان وَله ضراط فَإِذا قضي أقبل فَإِذا ثوب بهَا أدبر فَإِذا قضى أقبل حَتَّى يخْطر بَين الْإِنْسَان وَقَلبه فَيَقُول اذكر كَذَا وَكَذَا حَتَّى لَا يدْرِي أَثلَاثًا صلى أم أَرْبعا فَإِذا لم يدر ثَلَاثًا صلى أَو أَرْبعا سجد سَجْدَتي السَّهْو) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو والْحَدِيث قد مر فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة فِي بَاب تفكر الرجل الشَّيْء فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن جَعْفَر عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا أذن بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان إِلَى آخِره

٩١ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كل بني آدم يطعن الشَّيْطَان فِي جَنْبَيْهِ بِأُصْبُعِهِ حِين يُولد غير عِيسَى بن مَرْيَم ذهب يطعن فطعن فِي الْحجاب) الْمُطَابقَة فِي هَذَا وَفِي بَقِيَّة الْأَحَادِيث بَينهَا وَبَين التَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهَؤُلَاء الروَاة قد تكَرر ذكرهم قَوْله " يطعن " بِضَم الْعين يُقَال طعن بِالرُّمْحِ وَمَا أشبهه يطعن بِضَم الْعين من بَاب نصر ينصر وَطعن فِي الْعرض وَالنّسب يطعن بِفَتْح الْعين فيهمَا على الْمَشْهُور وَقيل باللغتين فيهمَا قَوْله " فِي جَنْبَيْهِ " بالتثنية فِي رِوَايَة أبي ذَر والجرجاني وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي جنبه بِالْإِفْرَادِ وَحكى عِيَاض أَن فِي كِتَابه من رِوَايَة الْأصيلِيّ من تَحْتَهُ الَّذِي هُوَ ضد فَوق قَالَ وَهُوَ تَصْحِيف قَوْله " بِأُصْبُعِهِ " بِالْإِفْرَادِ أَو بالتثنية أَيْضا على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْجنب قَوْله " فِي الْحجاب " هُوَ الْجلْدَة الَّتِي فِيهَا الْجَنِين وَتسَمى المشيمة قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ وَقيل الْحجاب الثَّوْب الَّذِي يلف فِيهِ الْمَوْلُود وَفِيه فَضِيلَة ظَاهِرَة لعيسى وَأمه عَلَيْهِمَا السَّلَام وَأَرَادَ الشَّيْطَان التَّمَكُّن من أمه فَمَنعه الله مِنْهَا ببركة أمهَا حنة بنت فاقوذ بن ماثان حَيْثُ قَالَت {وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم} وروى عبد الرَّزَّاق فِي تَفْسِيره عَن الْمُنْذر بن النُّعْمَان الْأَفْطَس سمع وهب بن مُنَبّه يَقُول لما ولد عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَتَت الشَّيَاطِين إِبْلِيس فَقَالُوا أَصبَحت الْأَصْنَام منكسة فَقَالَ هَذَا حَادث مَكَانكُمْ وطار حَتَّى بلغ خافقي الأَرْض فَلم يجد شَيْئا ثمَّ جَاءَ الْبحار فَلم يقدر على شَيْء ثمَّ طَار فَوجدَ عِيسَى قد ولد عِنْد مد ودحمار وَإِذا الْمَلَائِكَة قد حفت بِهِ فَرجع إِلَيْهِم فَقَالَ إِن نَبيا قد ولد البارحة وَلَا حملت أُنْثَى وَلَا وضعت قطّ إِلَّا وَأَنا بحضرتها إِلَّا هَذِه فأيسوا من أَن يعبدوا الْأَصْنَام فِي هَذِه الْبَلدة وَفِي لفظ بعد هَذِه

اللَّيْلَة وَلَكِن ائْتُوا بني آدم بالخفة والعجلة. قَوْله إِلَّا هَذِه يُخَالف مَا فِي الصَّحِيح إِلَّا أَن يؤول وَأَشَارَ القَاضِي إِلَى أَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام يشاركون عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي ذَلِك وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ هُوَ قَول قَتَادَة قَالَ وَإِن لم يكن كَذَلِك بطلت الخصوصية وَلَا يلْزم من نخسه إضلال الممسوس وإغواؤه فَإِن ذَلِك نخس فَاسد فَلم يعرض الشَّيْطَان لخواص الْأَوْلِيَاء بأنواع الإغواء والمفاسد وَمَعَ ذَلِك فقد عصمهم الله بقوله {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} -

٧٨٢٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنِ المُغِيرَةِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأمَ فَقُلْتُ منْ هاهُنَا قالُوا أبُو الدَّرْدَاءَ قَالَ أفِيكُمُ الَّذِي أجارَهُ الله مِنَ الشِّيْطَانِ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .

مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، والمغيرة بن مقسم الضَّبِّيّ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَاسم أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصرا جدا، وَأخرجه بأتم مِنْهُ فِي فضل عمار وَحُذَيْفَة عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل أَيْضا، وَأخرجه أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب على مَا يَجِيء عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب. وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي الْوَلِيد وَعَن يحيى بن جَعْفَر وَعَن يزِيد بن هَارُون وَفِي مَنَاقِب ابْن مَسْعُود عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. قَوْله: (أفيكم؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، أَي: أَفِي الْعرَاق؟ قَوْله: (الَّذِي أجاره الله) ، أَي: مَنعه وحماه من الشَّيْطَان، وَهُوَ عمار بن يَاسر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وسيصرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الَّذِي بعده، وَفِي التَّوْضِيح يجوز أَن يكون قَالَه أَبُو الدَّرْدَاء لقَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَو يكون شهد لَهُ: أَن الله أجاره من الشَّيْطَان.

حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ وَقَالَ الَّذِي أجارَهُ الله علىَ لِسانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي عَمَّارَاً

بِهَذَا بَين البُخَارِيّ أَن المُرَاد من قَول أبي الدَّرْدَاء: أفيكم الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان؟ أَنه عمار بن يَاسر الَّذِي هُوَ من السَّابِقين فِي الْإِسْلَام الْمنزل فِيهِ: {إلَاّ من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (النَّحْل: ٦٠١) . وَقد قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ: مرْحَبًا بالطيب المطيب.

٧٨٢٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنِ المُغِيرَةِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأمَ فَقُلْتُ منْ هاهُنَا قالُوا أبُو الدَّرْدَاءَ قَالَ أفِيكُمُ الَّذِي أجارَهُ الله مِنَ الشِّيْطَانِ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .

مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، والمغيرة بن مقسم الضَّبِّيّ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَاسم أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصرا جدا، وَأخرجه بأتم مِنْهُ فِي فضل عمار وَحُذَيْفَة عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل أَيْضا، وَأخرجه أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب على مَا يَجِيء عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب. وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي الْوَلِيد وَعَن يحيى بن جَعْفَر وَعَن يزِيد بن هَارُون وَفِي مَنَاقِب ابْن مَسْعُود عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. قَوْله: (أفيكم؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، أَي: أَفِي الْعرَاق؟ قَوْله: (الَّذِي أجاره الله) ، أَي: مَنعه وحماه من الشَّيْطَان، وَهُوَ عمار بن يَاسر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وسيصرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الَّذِي بعده، وَفِي التَّوْضِيح يجوز أَن يكون قَالَه أَبُو الدَّرْدَاء لقَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَو يكون شهد لَهُ: أَن الله أجاره من الشَّيْطَان.

حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ وَقَالَ الَّذِي أجارَهُ الله علىَ لِسانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي عَمَّارَاً

بِهَذَا بَين البُخَارِيّ أَن المُرَاد من قَول أبي الدَّرْدَاء: أفيكم الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان؟ أَنه عمار بن يَاسر الَّذِي هُوَ من السَّابِقين فِي الْإِسْلَام الْمنزل فِيهِ: {إلَاّ من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (النَّحْل: ٦٠١) . وَقد قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ: مرْحَبًا بالطيب المطيب.

٨٨٢٣ - قالَ وقالَ اللَّيْثُ حدَّثني خالِدُ بنُ يَزِيدَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي هِلَالٍ أنَّ أبَا الأسْوَدِ أخْبَرَهُ عُرْوَةُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ المَلَائِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ والْعَنَانُ الْغَمَامُ بالأمْرِ يَكُونُ فِي الأرْضِ فتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ فتَقُرُّهَا فِي أُذُنِ الكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ فَيَزِيدُونَ مَعَها مِائَةَ كَذِبَةٍ. .

أورد هَذَا التَّعْلِيق فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم أخبرنَا اللَّيْث حَدثنَا ابْن أبي جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: إِن الْمَلَائِكَة تنزل فِي الْعَنَان وَهُوَ السَّحَاب فَتذكر الْأَمر قضي فِي السَّمَاء فتسترق الشَّيَاطِين السّمع فتوحيه إِلَى الْكُهَّان فيكذبون مَعهَا مائَة كذبة من عِنْد أنفسهم، فَانْظُر بَينهمَا إِلَى التَّفَاوُت فِي الْإِسْنَاد والمتن، وَأَبُو الْأسود فِي الروَاة هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن.

قَوْله: (بِالْأَمر) يتَعَلَّق بقوله: (تَتَحَدَّث) . وَقَوله: (والعنان الْغَمَام) ، جملَة مُعْتَرضَة بَين المتعلِّق والمتعلَّق. قَوْله: (يكون) ، جملَة وَقعت حَالا من قَوْله: (بِالْأَمر) . قَوْله: (فتقرها) ، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء، وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ ابْن التِّين: لما تقرر من أَن كل فعل مضاعف مُتَعَدٍّ يكون بِالضَّمِّ إلَاّ أحرف شواذ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: يُقَال: قررت الْكَلَام فِي أذن الْأَصَم إِذا وضعت فمك على صماخه فتلقيه فِيهِ. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: إِنَّه ترديد الْكَلَام فِي أذن الأبكم حَتَّى يفهم. قَوْله: (كَمَا تقر القارورة) ، يُرِيد بِهِ تطبيق رَأس القارورة

بِرَأْس الْوِعَاء الَّذِي يفرغ مِنْهَا فِيهِ. وَقَالَ الْقَابِسِيّ: مَعْنَاهُ يكون لما يلقيه الكاهن حس كحس القارورة عِنْد تحريكها مَعَ الْيَد أَو على الصفاء، وَفِي التَّوْضِيح: وَيُقَال: بالزاي، وَهُوَ مَا يسمع من حس الزجاجة حِين يحك بهَا على شَيْء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فتقرها، يرْوى من الْإِقْرَار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يلقيها كَمَا يسْتَقرّ الشَّيْء فِي قراره.

٩٨٢٣ - حدَّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا تَثاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فإنَّ أحَدَكُمْ إذَا قَالَ هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ.

عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب أَبُو الْحُسَيْن مولى قريبَة بنت مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق من أهل وَاسِط، وروى البُخَارِيّ عَنهُ فِي مَوَاضِع، وروى عَن مُحَمَّد بن عبد الله عَنهُ فِي الْحُدُود، قَالَ: مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين أَو عشْرين وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ ابْن سعد: مَاتَ بواسط. قلت: هُوَ من الْأَفْرَاد، وروى عَنهُ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه كيسَان عَن أبي هُرَيْرَة.

وَقَالَ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : حَدِيث: التثاؤب من الشَّيْطَان، ثمَّ علم عَلامَة البُخَارِيّ حرف (خَ) ثمَّ قَالَ فِي صفة إِبْلِيس: عَن عَاصِم بن عَليّ عَنهُ بِهِ، ثمَّ علم عَلامَة النَّسَائِيّ (س) ثمَّ قَالَ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة: عَن أَحْمد بن حَرْب إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ غير وَاحِد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَسَيَأْتِي. ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: لما وعده مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، حَدِيث: (إِن الله يحب العطاس وَيكرهُ التثاؤب (خَ)) وَفِي الْأَدَب عَن آدم، وَفِيه وَفِي بَدْء الْخلق عَن عَاصِم بن عَليّ (د) فِي الْأَدَب (ت) فِي الاستيذان جَمِيعًا عَن الْحسن عَليّ (س) فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَمْرو بن عَليّ، ثمَّ قَالَ: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا أصح من حَدِيث ابْن عجلَان، يَعْنِي: عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَاسِم بن يزِيد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة.

قَوْله: (التثاؤب) ، مصدر من تثاءب يتثاءب، وَالِاسْم الثؤباء. قَوْله: (من الشَّيْطَان) ، وَإِنَّمَا جعله من الشَّيْطَان كَرَاهَة لَهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون مَعَ ثقل الْبدن وامتلائه وميله إِلَى الكسل وَالنَّوْم، وأضافه إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَدْعُو إِلَى إِعْطَاء النَّفس شهواتها، وَأَرَادَ بِهِ التحذير من السَّبَب الَّذِي يتَوَلَّد مِنْهُ، وَهُوَ التَّوَسُّع فِي الْمطعم والشبع، فيثقل عَن الطَّاعَات ويكسل عَن الْخيرَات. قَوْله: (فَإِذا تثاءب) هُوَ فعل ماضي من بَاب تفَاعل، وَأَصله من: الثأب، ومادته: ثاء مُثَلّثَة وهمزة وباء مُوَحدَة، وتثاءب بِالْمدِّ وَالتَّخْفِيف، ويروى بِالْوَاو: تثاوب، وَقيل: لَا يُقَال: تثاءب، مخففاً بل تثأب، بِالتَّشْدِيدِ فِي الْهمزَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لَا يُقَال: تثاوب، بِالْوَاو. وَأما حَدِيث التثاوب فَهُوَ النَّفس الَّذِي ينفتح مِنْهُ الْفَم لدفع البخارات المختنقة فِي عضلات الفك، وَهُوَ إِنَّمَا ينشأ من امتلاء الْمعدة وَثقل الْبدن وَيُورث الكسل وَسُوء الْفَهم والغفلة. قَوْله: (فليرده) أَي: ليكظم وليضع يَده على الْفَم لِئَلَّا يبلغ الشَّيْطَان مُرَاده من تَشْوِيه صورته وَدخُول فَمه وضحكه مِنْهُ. قَوْله: (إِذا قَالَ هَا) ، كلمة: هَا، حِكَايَة صَوت المتثاوب، فَإِذا قَالَ: هَا، يَعْنِي: إِذا بَالغ فِي التثاؤب، ضحك الشَّيْطَان فَرحا بذلك، وَلذَلِك قَالُوا: لم يتثاءب نَبِي قطّ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن فتح فَاه وَلم يضمه بَصق فِيهِ وَقَالَ: هَا، ضحك مِنْهُ.

٠٩٢٣ - حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحيَى حدَّثَنا أبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ أخْبَرَنَا عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ فَصاحَ إبْلِيسُ أيْ عِبَادَ الله أُخْرَاكُمْ فرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وأُخْرَاهُمْ فنَظَرَ حُذَيْفَةُ فإذَا هُوَ بِأبِيهِ الْيَمانِ فَقَالَ أَي عِبَادَ الله أَبى أبي فَوَالله مَا احْتَجَزُوا حتَّى قتَلُوهُ فَقال حُذَيْفَةُ غَفَرَ الله لَكُمْ قَالَ عُرْوَةُ فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّه. .

زَكَرِيَّاء بن يحيى بن عمر أبي السكن الطَّائِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي

عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات عَن إِسْحَاق وَفِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد، كِلَاهُمَا عَن أبي أُسَامَة أَيْضا.

قَوْله: (أَي عباد الله) ، يَعْنِي: يَا عباد الله. قَوْله: (أخراكم) أَي: الطَّائِفَة الْمُتَأَخِّرَة، أَي: يَا عباد الله احْذَرُوا الَّذين من وَرَائِكُمْ متأخرين عَنْكُم، أَو اقْتُلُوهُمْ، وَالْخطاب للْمُسلمين، أَرَادَ إِبْلِيس تغليطهم لِيُقَاتل الْمُسلمُونَ بَعضهم بَعْضًا. فَرَجَعت الطَّائِفَة الْمُتَقَدّمَة قَاصِدين لقِتَال الْأُخْرَى ظانين أَنهم من الْمُشْركين. قَوْله: (فاجتلدت هِيَ) ، أَي: الطَّائِفَة الْمُتَقَدّمَة والطائفة الْأُخْرَى، أَي تضاربت الطائفتان، وَيحْتَمل أَن يكون الْخطاب للْكَافِرِينَ، أَي: اقْتُلُوا أخراكم، فَرَجَعت أولاهم فتجالد أولى الْكفَّار، وَأُخْرَى الْمُسلمين. قَوْله: (فَنظر حُذَيْفَة بن الْيَمَان) فَإِذا هُوَ بِأَبِيهِ يَعْنِي: الْيَمَان، بتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون بِلَا يَاء بعْدهَا، وَهُوَ لقب واسْمه: حسيل، مصغر الحسل بالمهملتين: ابْن جَابر الْعَبْسِي، بِالْبَاء الْمُوَحدَة بَين الْمُهْمَلَتَيْنِ، أسلم مَعَ حُذَيْفَة وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة وَشهد أحدا وأصابه الْمُسلمُونَ فِي المعركة فَقَتَلُوهُ يَظُنُّونَهُ من الْمُشْركين، وَحُذَيْفَة يَصِيح وَيَقُول: هُوَ أبي لَا تقتلوه، وَلم يُسمع مِنْهُ. قَوْله: (مَا احتجزوا) ، أَي: مَا امْتَنعُوا مِنْهُ، وَيُقَال لكل من ترك شَيْئا: انحجز عَنهُ. قَوْله: (غفر الله لكم) ، دَعَا لمن قَتَلُوهُ من غير علم، لِأَنَّهُ عذرهمْ، وَتصدق حُذَيْفَة بديته على من أَصَابَهُ، وَيُقَال: إِن الَّذِي قَتله هُوَ عقبَة بن مَسْعُود فعفى عَنهُ. قَوْله: (بَقِيَّة خير) ، بَقِيَّة دُعَاء واستغفار لقَاتل الْيَمَان حَتَّى مَاتَ، وَقَالَ التَّيْمِيّ: مَعْنَاهُ: مَا زَالَ فِي حُذَيْفَة بَقِيَّة حزن على أَبِيه من قتل الْمُسلمين.

١٩٢٣ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الرَّبِيعِ حدَّثنا أبُو الأحْوَصِ عنْ أشْعَثَ عنْ أبِيهِ عنْ مَسْرُوقِ قَالَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا سألتُ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الْتِفاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلاةِ فَقَالَ هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ أحَدِكُمْ. (انْظُر الحَدِيث ١٥٧) .

الْحسن بن الرّبيع بن سُلَيْمَان البَجلِيّ الْكُوفِي، يعرف بالبوراني، وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم الْكُوفِي، وَأَشْعَث، بالشين الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن أبي الشعْثَاء، مؤنث الْأَشْعَث الْمَذْكُور، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص إِلَى آخِره. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٢٩٢٣ - حدَّثنا أبُو المُغِيرَةِ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثنا الوَلِيدُ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي قَتادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الله والْحُلُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا حَلُمَ أحَدُكُمْ حُلُمَاً يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عنْ يَسَارِهِ ولْيَتَعَوَّذْ بِاللَّه مِنْ شَرِّهِمَا فإنَّهَا لَا تَضُرُّهِ. .

أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج، مر فِي: بَاب تَزْوِيج الْمحرم عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة الْحَارِث بن الربعِي الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِي: عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْنه شُرَحْبِيل بن أَيُّوب الدِّمَشْقِي عَن الْوَلِيد بن مُسلم الدِّمَشْقِي عَن الْأَوْزَاعِيّ ... إِلَى آخِره، فالطريق الأولى أَعلَى، وَلَكِن فِي الثَّانِيَة التَّصْرِيح بتحديث عبد الله بن أبي قَتَادَة ليحيى بن أبي كثير. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَة) ، الرُّؤْيَا على وزن: فعلى، بِلَا تَنْوِين، وَجَمعهَا: رؤًى، مثل: رعًى، يُقَال: رأى فِي مَنَامه

رُؤْيا، وَفِي الْيَقَظَة رأى رُؤْيَة، قيل: إِن الرُّؤْيَا أَيْضا تكون فِي الْيَقَظَة، وَعَلِيهِ تَفْسِير الْجُمْهُور فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إلَاّ فتْنَة للنَّاس} (الْإِسْرَاء: ٠٦) . إِن الرُّؤْيَا هَهُنَا فِي الْيَقَظَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الرُّؤْيَا بِمَعْنى: الرُّؤْيَة إلَاّ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَام دون الْيَقَظَة، فَلَا جرم، فرق بَينهمَا بِحرف التَّأْنِيث. وَقَالَ الواحدي: الرُّؤْيَا مصدر كالبُشرى، إلَاّ أَنه لما صَار اسْما لهَذَا المتخيل فِي الْمَنَام جرى مجْرى الْأَسْمَاء، وَقيل: يجوز ترك همزها تَخْفِيفًا. وَقَوله: الصَّالِحَة، إِمَّا صفة مُوضحَة للرؤيا، لِأَن غير الصَّالِحَة تسمى: بالحلم، أَو مخصصة، وَالصَّلَاح إِمَّا بِاعْتِبَار صورتهَا، وَإِمَّا بِاعْتِبَار تعبيرها، وَيُقَال لَهَا: الرُّؤْيَا الصادقة والرؤيا الْحَسَنَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى الصَّالِحَة الْحَسَنَة: وَيحْتَمل أَن تجْرِي على ظَاهرهَا، وَأَن تجْرِي على الصادقة، وَالْمرَاد بهَا صِحَّتهَا وَتَفْسِير رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُبَشِّرَات على الأول ظَاهر، لِأَن الْبشَارَة كل خبر صدق يتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه، واستعمالها فِي الْخَيْر أَكثر، وعَلى الثَّانِي مؤول، أما على التغليب أَو يحمل على أصل اللُّغَة وإضافتها إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة اخْتِصَاص وإكرام لسلامتها من التَّخْلِيط وطهارتها عَن حُضُور الشَّيْطَان. قَوْله: (والحلم من الشَّيْطَان) أَي: الرُّؤْيَا الْغَيْر الصَّالِحَة أَي: الكاذبة، أَو السَّيئَة، وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الشَّيْطَان لِأَن الرُّؤْيَا الكاذبة يُرِيد بهَا الشَّيْطَان ليسيء ظَنّه ويحزنه ويقل حَظه من شكر الله، وَلِهَذَا أمره بالبصق عَن يسَاره. وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ: الرُّؤْيَا والحلم بِمَعْنى وَاحِد، لِأَن الْحلم مَا يرَاهُ الْإِنْسَان فِي نَومه، غير أَن صَاحب الشَّرْع خص الْخَيْر باسم الرُّؤْيَا وَالشَّر باسم الْحلم. قَوْله: (فَإِذا حلم أحدكُم) ، بِفَتْح اللَّام، قَالَ ابْن التِّين: وحلم، بِضَم اللَّام عَنهُ بِمَعْنى: عفى عَنهُ، وحلم بِالْكَسْرِ، يُقَال: حلم الْأَدِيم إِذا شب قبل أَن يدبغ. قَوْله: (حلما) ، مصدر بِضَم اللَاّم وسكونها: وَيجمع على: أَحْلَام فِي الْقلَّة: وحلوم، فِي الْكَثْرَة، وَإِنَّمَا جمع وَإِن كَانَ مصدرا لاخْتِلَاف أَنْوَاعه، وَهُوَ فِي الأَصْل عبارَة عَمَّا يرَاهُ الرَّائِي فِي مَنَامه حسنا كَانَ أَو مَكْرُوها. قَوْله: (يخافه) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: حلماً. قَوْله: (فليبصق) ، دحراً للشَّيْطَان بذلك كرمي الْجمار، كَمَا يتفل عِنْد الشَّيْء القذر يرَاهُ وَلَا شَيْء أقذر من الشَّيْطَان، وَذكر الشمَال لِأَن الْعَرَب عِنْدهَا إتْيَان الشَّرّ كُله من قبل الشمَال، وَلذَلِك سمتها الشؤمى، وَكَانُوا يتشاءمون بِمَا جَاءَ من قبلهَا من الطير، وَأَيْضًا لَيْسَ فِيهَا كثير عمل وَلَا بَطش وَلَا أكل وَلَا شرب. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن الْحلم، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير بِاعْتِبَار أَن الْحلم هُوَ الرُّؤْيَا السَّيئَة الكاذبة الْمَكْرُوهَة، والرؤيا الْمَكْرُوهَة هِيَ الَّتِي تكون عَن حَدِيث النَّفس وشهواتها، وَكَذَلِكَ رُؤْيا التهويل والتخويف يدْخلهُ الشَّيْطَان على الْإِنْسَان ليشوش عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَة، وَهَذَا النَّوْع هُوَ الْمَأْمُور بالاستعاذة مِنْهُ، لِأَنَّهُ من تخيلاته، فَإِذا فعل الْمَأْمُور بِهِ صَادِقا أذهب الله عَنهُ مَا أَصَابَهُ من ذَلِك.

٢٩٢٣ - حدَّثنا أبُو المُغِيرَةِ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثنا الوَلِيدُ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي قَتادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الله والْحُلُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا حَلُمَ أحَدُكُمْ حُلُمَاً يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عنْ يَسَارِهِ ولْيَتَعَوَّذْ بِاللَّه مِنْ شَرِّهِمَا فإنَّهَا لَا تَضُرُّهِ. .

أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج، مر فِي: بَاب تَزْوِيج الْمحرم عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة الْحَارِث بن الربعِي الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِي: عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْنه شُرَحْبِيل بن أَيُّوب الدِّمَشْقِي عَن الْوَلِيد بن مُسلم الدِّمَشْقِي عَن الْأَوْزَاعِيّ ... إِلَى آخِره، فالطريق الأولى أَعلَى، وَلَكِن فِي الثَّانِيَة التَّصْرِيح بتحديث عبد الله بن أبي قَتَادَة ليحيى بن أبي كثير. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَة) ، الرُّؤْيَا على وزن: فعلى، بِلَا تَنْوِين، وَجَمعهَا: رؤًى، مثل: رعًى، يُقَال: رأى فِي مَنَامه رُؤْيا، وَفِي الْيَقَظَة رأى رُؤْيَة، قيل: إِن الرُّؤْيَا أَيْضا تكون فِي الْيَقَظَة، وَعَلِيهِ تَفْسِير الْجُمْهُور فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إلَاّ فتْنَة للنَّاس} (الْإِسْرَاء: ٠٦) . إِن الرُّؤْيَا هَهُنَا فِي الْيَقَظَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الرُّؤْيَا بِمَعْنى: الرُّؤْيَة إلَاّ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَام دون الْيَقَظَة، فَلَا جرم، فرق بَينهمَا بِحرف التَّأْنِيث. وَقَالَ الواحدي: الرُّؤْيَا مصدر كالبُشرى، إلَاّ أَنه لما صَار اسْما لهَذَا المتخيل فِي الْمَنَام جرى مجْرى الْأَسْمَاء، وَقيل: يجوز ترك همزها تَخْفِيفًا. وَقَوله: الصَّالِحَة، إِمَّا صفة مُوضحَة للرؤيا، لِأَن غير الصَّالِحَة تسمى: بالحلم، أَو مخصصة، وَالصَّلَاح إِمَّا بِاعْتِبَار صورتهَا، وَإِمَّا بِاعْتِبَار تعبيرها، وَيُقَال لَهَا: الرُّؤْيَا الصادقة والرؤيا الْحَسَنَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى الصَّالِحَة الْحَسَنَة: وَيحْتَمل أَن تجْرِي على ظَاهرهَا، وَأَن تجْرِي على الصادقة، وَالْمرَاد بهَا صِحَّتهَا وَتَفْسِير رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُبَشِّرَات على الأول ظَاهر، لِأَن الْبشَارَة كل خبر صدق يتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه، واستعمالها فِي الْخَيْر أَكثر، وعَلى الثَّانِي مؤول، أما على التغليب أَو يحمل على أصل اللُّغَة وإضافتها إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة اخْتِصَاص وإكرام لسلامتها من التَّخْلِيط وطهارتها عَن حُضُور الشَّيْطَان. قَوْله: (والحلم من الشَّيْطَان) أَي: الرُّؤْيَا الْغَيْر الصَّالِحَة أَي: الكاذبة، أَو السَّيئَة، وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الشَّيْطَان لِأَن الرُّؤْيَا الكاذبة يُرِيد بهَا الشَّيْطَان ليسيء ظَنّه ويحزنه ويقل حَظه من شكر الله، وَلِهَذَا أمره بالبصق عَن يسَاره. وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ: الرُّؤْيَا والحلم بِمَعْنى وَاحِد، لِأَن الْحلم مَا يرَاهُ الْإِنْسَان فِي نَومه، غير أَن صَاحب الشَّرْع خص الْخَيْر باسم الرُّؤْيَا وَالشَّر باسم الْحلم. قَوْله: (فَإِذا حلم أحدكُم) ، بِفَتْح اللَّام، قَالَ ابْن التِّين: وحلم، بِضَم اللَّام عَنهُ بِمَعْنى: عفى عَنهُ، وحلم بِالْكَسْرِ، يُقَال: حلم الْأَدِيم إِذا شب قبل أَن يدبغ. قَوْله: (حلما) ، مصدر بِضَم اللَاّم وسكونها: وَيجمع على: أَحْلَام فِي الْقلَّة: وحلوم، فِي الْكَثْرَة، وَإِنَّمَا جمع وَإِن كَانَ مصدرا لاخْتِلَاف أَنْوَاعه، وَهُوَ فِي الأَصْل عبارَة عَمَّا يرَاهُ الرَّائِي فِي مَنَامه حسنا كَانَ أَو مَكْرُوها. قَوْله: (يخافه) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: حلماً. قَوْله: (فليبصق) ، دحراً للشَّيْطَان بذلك كرمي الْجمار، كَمَا يتفل عِنْد الشَّيْء القذر يرَاهُ وَلَا شَيْء أقذر من الشَّيْطَان، وَذكر الشمَال لِأَن الْعَرَب عِنْدهَا إتْيَان الشَّرّ كُله من قبل الشمَال، وَلذَلِك سمتها الشؤمى، وَكَانُوا يتشاءمون بِمَا جَاءَ من قبلهَا من الطير، وَأَيْضًا لَيْسَ فِيهَا كثير عمل وَلَا بَطش وَلَا أكل وَلَا شرب. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن الْحلم، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير بِاعْتِبَار أَن الْحلم هُوَ الرُّؤْيَا السَّيئَة الكاذبة الْمَكْرُوهَة، والرؤيا الْمَكْرُوهَة هِيَ الَّتِي تكون عَن حَدِيث النَّفس وشهواتها، وَكَذَلِكَ رُؤْيا التهويل والتخويف يدْخلهُ الشَّيْطَان على الْإِنْسَان ليشوش عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَة، وَهَذَا النَّوْع هُوَ الْمَأْمُور بالاستعاذة مِنْهُ، لِأَنَّهُ من تخيلاته، فَإِذا فعل الْمَأْمُور بِهِ صَادِقا أذهب الله عَنهُ مَا أَصَابَهُ من ذَلِك.

٣٩٢٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبرنا مالِكٌ عنْ سُمَيُ مَوْلَى أبي بَكْرٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ قَالَ لَا إلاهَ إلَاّ الله وحْدَهُ لَا شَرِيِكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهْوَ علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنةٍ ومُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وكانَتُ لَهُ حِرْزَاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حتَّى يُمْسِي ولَمْ يَأتِ أحَدٌ بِأفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَاّ أحَدٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. (الحَدِيث ٣٩٢٣ طرفه فِي: ٣٠٤٦) .

سمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة الْقرشِي المَخْزُومِي الْمدنِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الدَّعْوَات عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي ثَوَاب التَّسْبِيح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (عدل) ، بِفَتْح الْعين، أَي: مثل ثَوَاب إِعْتَاق عشر رِقَاب. قَوْله: (حرْزا) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ الْموضع الْحصين وَيُسمى التعويذ أَيْضا حرْزا. قَوْله: (يَوْمه) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى الْيَوْم الَّذِي دَعَا فِيهِ بِهَذَا الْكَلَام الْمُشْتَمل على الِاعْتِرَاف بالوحدانية، وعَلى الشُّكْر لله وَالْإِقْرَار بقدرته على كل شَيْء. قَوْله: (عمل) ، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لقَوْله: أحد. قَوْله: (من ذَلِك) ، أَي: من الْعَمَل الَّذِي عمله الأول.

٤٩٢٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا أبِي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَميدِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنَ زَيْدٍ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ أخْبَرَهُ أنَّ أبَاه سَعْدَ بنَ أبِي وَقَّاصٍ قَالَ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ علَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعِنْدَهُ نِساءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ ويَسْتَكْثِرْنَهُ عالِيَةً أصْوَاتُهُنَّ فلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الحِجَابَ فأذِنَ لَهُ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَضْحَكُ فَقَالَ عُمَرُ أضُحَكَ الله سِنَّكَ يَا رسُولَ الله قَالَ عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاءِ اللَاّتِي كُنَّ عِنْدِي فلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجَابَ قَالَ عُمَرُ فأنْتَ يَا رسولَ الله كُنْتُ أحَقَّ أنْ يَهَبْنَ ثُمَّ قَالَ أَي عَدُوَّاتِ أنْفُسِهِنَّ أتَهَبْنَنِي ولَا تَهَبْنَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قُلْنَ نَعَمْ أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سالِكَاً فَجَّاً إلَاّ سَلَكَ فَجَّاً غَيْرَ فَجِّكَ.

على بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل عمر عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله فرقهما، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم وَعَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم وَفِيه أَرْبَعَة من التَّابِعين وهم صَالح وَمن بعده.

قَوْله: (يكلمنه) ، أَي: يكلمن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ويستكثرنه) ، أَي: يطلبن كثيرا من كَلَامه وَجَوَابه، وَيحْتَمل أَن يكون من الْعَطاء، وَيُؤَيِّدهُ أَنه ورد فِي رِوَايَة أَنَّهُنَّ يردن النَّفَقَة. قَوْله: (عالية أصواتهن) ، هَذِه الْجُمْلَة وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي: يكلمنه، وأصواتهن، بِالرَّفْع لِأَن اسْم الْفَاعِل يعْمل عمله فعله، وعلو أصواتهن يحمل على أَنه كَانَ قبل النَّهْي عَن رفع الصَّوْت، أَو يحمل على أَنه لاجتماعهن، حصل لغط من كلامهن أَو يكون فِيهِنَّ من هِيَ جهيرة الصَّوْت أَو يحمل على أَنَّهُنَّ لما علِمْنَ عَفوه وصفحه سمحن فِي رفع الصَّوْت. قَوْله: (يبتدرون) ، أَي: يتسارعن، وَالْجُمْلَة حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: قُلْنَ. قَوْله: (وَرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضْحك) ، جملَة حَالية. قَوْله: (أضْحك الله سنك) ، لَيْسَ دُعَاء بِكَثْرَة الضحك حَتَّى يُعَارضهُ قَوْله تَعَالَى: {فليضحكوا قَلِيلا} (التَّوْبَة: ٢٨) . بل المُرَاد لَازمه وَهُوَ السرُور، أَو الْآيَة لَيست عَامَّة شَامِلَة لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه الْكرْمَانِي. وَفِيه نظر، وَالْوَجْه هُوَ الأول. قَوْله: (يهين) بِفَتْح الْهَاء من: الهيبة. قَوْله: (أَي: عدوات) ، أَي: يَا عدوات. قَوْله: (أفظ وَأَغْلظ) ، والفظاظة والغلظ بِمَعْنى وَاحِد، هِيَ عبارَة عَن شدَّة الْخلق وخشونة الْجَانِب. فَإِن قلت: الأفظ والأغلظ يَقْتَضِي الشّركَة فِي أصل الْفِعْل، فَيلْزم أَن يكون رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فظاً غليظاً، وَقد نفى الله عَنهُ ذَلِك بقوله: {وَلَو كنت فظاً غليظ الْقلب لانفضوا من حولك} (آل عمرَان: ٩٥١) . قلت: لَا يلْزم مِنْهُ إلَاّ نفس الفظاظة والغلظ، وَهُوَ أَعم من كَونه فظاً غليظاً، لِأَنَّهُمَا صفة مشبهة يدلان على الثُّبُوت وَالْعَام لَا يسْتَلْزم الْخَاص أَو الْأَفْضَل لَيْسَ بِمَعْنى الزِّيَادَة، لقَوْله تَعَالَى: {هُوَ أعلم بكم إِذْ أنشأكم من الأَرْض} (النَّجْم: ٢٣) . هَذَا كُله كَلَام الْكرْمَانِي، وَفِي النَّفس مِنْهُ قلق، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِنَّه على المفاضلة، وَإِن الْقدر الَّذِي بَينهمَا فِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ مَا كَانَ إغلاظه على الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ، قَالَ الله تَعَالَى: {جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأَغْلظ عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٧، وَالتَّحْرِيم: ٩) . قَوْله: (فجاً) بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الْجِيم هُوَ: الطَّرِيق الْوَاسِع، وَقيل: هُوَ الطَّرِيق بَين الجبلين، وَقَالَ عِيَاض: يحْتَمل أَنه ضرب مثلا لبعد الشَّيْطَان وأعوانه من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَنه لَا سَبِيل لَهُم عَلَيْهِم، أَي: إِنَّك إِذا سلكت فِي أَمر بِمَعْرُوف أَو نهي عَن مُنكر تنفذ فِيهِ وَلَا تتركه فييأس الشَّيْطَان من أَن يوسوس فِيهِ فتتركه وتسلك غَيره، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الطَّرِيق على الْحَقِيقَة، لِأَن الله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) . فَلَا يخافه إِذا فِي فج لِأَنَّهُ لَا يرَاهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَيلْزم من ذَلِك أَن يكون عمر أفضل من أَيُّوب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ قَالَ: {مسنى الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب} (ص: ١٤) . قلت: لَا، إِذْ التَّرْكِيب لَا يدل إلَاّ على الزَّمَان الْمَاضِي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٢٦٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لِأُسَامَةَ: "لَوْ أَتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلاَّ أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ وَلَا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالُوا وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ". رَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الأَعْمَشِ.

[الحديث ٣٢٦٧ - طرفه في: ٧٠٩٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ صِفَةِ النَّارِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ) الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي بَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ: (غَسَّاقًا، يُقَالُ غَسَقَتْ عَيْنُهُ وَيَغْسِقُ الْجُرْحُ) وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ الْحَمِيمُ الْمَاءُ الْحَارُّ، وَالْغَسَّاقُ مَا هُمِيَ وَسَالَ، يُقَالُ: غَسَقْتُ مِنَ الْعَيْنِ وَمِنَ الْجُرْحِ، وَيُقَالُ: عَيْنُهُ تَغْسِقُ أَيْ تَسِيلُ، وَالْمُرَادُ فِي الْآيَةِ مَا سَالَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الصَّدِيدِ، رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ وَمِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: مِنْ دُمُوعِهِمْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ عِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْغَسَّاقُ الْبَارِدُ الَّذِي يُحْرِقُ بِبَرْدِهِ رَوَاهُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: مَنْ قَرَأَهُ بِالتَّشْدِيدِ أَرَادَ السَّائِلَ، وَمَنْ قَرَأَهُ بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ الْبَارِدَ. وَقِيلَ: الْغَسَّاقُ الْمُنْتِنُ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ وَقَالَ: إِنَّهَا بِالطِّخَارِيَّةِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مَرْفُوعًا: لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ إِلَى الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيَا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا: الْغَسَّاقُ الْقَيْحُ الْغَلِيظُ، لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْهُ تُهْرَاقُ بِالْمَغْرِبِ لَأَنْتَنَ أَهْلَ الْمَشْرِقِ.

قَوْلُهُ: (وَكَأَنَّ الْغَسَّاقَ وَالْغَسِيقَ وَاحِدٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْغَسِيقُ بِوَزْنِ فَعِيلٍ، وَلِغَيْرِهِ وَالْغَسَقُ بِفَتْحَتَيْنِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ الْغَاسِقُ: اللَّيْلُ إِذَا لَبِسَ الْأَشْيَاءَ وَغَطَّاهَا، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ هُجُومُهُ عَلَى الْأَشْيَاءِ هُجُومَ السَّيْلِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ السَّائِلُ مِنَ الصَّدِيدِ الْجَامِعِ بَيْنَ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَشِدَّةِ النَّتْنِ، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَقْوَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

قَوْلُهُ: (غِسْلِينٍ كُلُّ شَيْءٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ غِسْلِينٌ، فِعْلِينٌ مِنَ الْغُسْلِ مِنَ الْجُرْحِ وَالدَّبَرِ) كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: الْغِسْلِينُ صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَالدَّبَرُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ هُوَ مَا يُصِيبُ الْإِبِلَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ.

(تَنْبِيهٌ):

قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ يُعَارِضُهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الضَّرِيعَ مِنَ الْغِسْلِينِ، وَهَذَا يَرُدُّهُ مَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الضَّرِيعَ نَبَاتٌ، وَقِيلَ: الِاخْتِلَافُ بِحَسَبِ مَنْ يُطْعَمُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَةِ الْأُولَى فَطَعَامُهُ مِنْ غِسْلِينٍ، وَمَنِ اتَّصَفَ بِالثَّانِيَةِ فَطَعَامُهُ مِنْ ضَرِيعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حَصَبُ جَهَنَّمَ حَطَبٌ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: حَاصِبًا الرِّيحُ الْعَاصِفُ، وَالْحَاصِبُ مَا يَرْمِي

بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ حَصَبُ جَهَنَّمَ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ هُمْ حَصَبُهَا) أَمَّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بِهَذَا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَرَوَى الْفَرَّاءُ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمَا قَرَآهَا حَطَبُ بِالطَّاءِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ: وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمُ الَّذِينَ تُسْجَرُ بِهِمُ النَّارُ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هِيجَتْ بِهِ النَّارُ فَهُوَ حَصَبٌ لَهَا، وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ: فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ أَيْ رِيحًا عَاصِفًا يَحْصِبُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: كُلُّ شَيْءٍ أَلْقَيْتَهُ فِي النَّارِ فَقَدْ حَصَبْتَهَا بِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ: حَصَبُ جَهَنَّمَ قَالَ: تُحْصَبُ بِهِمْ جَهَنَّمُ وَهُوَ الرَّمْيُ، يَقُولُ: يُرْمَى بِهِمْ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ حَصَبَ فِي الْأَرْضِ ذَهَبَ، وَالْحَصَبُ مُشْتَقٌّ مِنْ حَصْبَاءِ الْحِجَارَةِ) رَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ أَبِي جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ قَالَ: مَطَرُ الْحِجَارَةِ.

قَوْلُهُ: (صَدِيدٌ: قَيْحٌ وَدَمٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ قَالَ: الصَّدِيدُ الْقَيْحُ وَالدَّمُ.

قَوْلُهُ: (خَبَتْ: طَفِئَتْ) أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ قَالَ: طَفِئَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَكَنَتْ، وَمِثْلُهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَرَجَحَ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلنَّارِ إِذَا سَكَنَ لَهَبُهَا وَعَلَا الْجَمْرَ رَمَادٌ: خَبَتْ، فَإِنْ طُفِئَ مُعْظَمُ الْجَمْرِ قَالُوا: خَمَدَتْ، فَإِنْ طُفِئَ كُلُّهُ قَالُوا: هَمَدَتْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ نَارَ جَهَنَّمَ لَا تُطْفَأُ.

قَوْلُهُ: (تُورُونَ: تَسْتَخْرِجُونَ، أَوْرَيْتُ: أَوْقَدْتُ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تُورُونَ أَيْ: تَسْتَخْرِجُونَ مِنْ أَوْرَيْتُ، قَالَ: وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ: وَرَيْتُ.

قَوْلُهُ: (لِلْمُقْوِينَ: لِلْمُسَافِرِينَ، وَالْقِيُّ: الْقَفْرُ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِلْمُقْوِينَ لِلْمُسَافِرِينَ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: لِلْمُقْوِينَ أَيِ الْمُسْتَمْتِعِينَ الْمُسَافِرِ وَالْحَاضِرِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ أَيْ مَنْفَعَةً لِلْمُسَافِرِينَ إِذَا نَزَلُوا بِالْأَرْضِ، وَالْأَرْضُ الْقِيُّ - يَعْنِي بِكَسْرِ الْقَافِ وَالتَّشْدِيدِ - الْقَفْرُ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ، وَرَجَّحَ هَذَا الطَّبَرِيُّ وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صِرَاطِ الْجَحِيمِ: سَوَاءِ الْجَحِيمِ وَوَسَطِ الْجَحِيمِ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ قَالَ: فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ: يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ بِالْحَمِيمِ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ الشَّوْبُ الْخَلْطُ وَهُوَ الْمَزْجُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ الْعَرَبُ كُلُّ شَيْءٍ خَلَطْتَهُ بِغَيْرِهِ فَهُوَ مَشُوبٌ.

قَوْلُهُ: (زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ: صَوْتٌ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الزَّفِيرُ فِي الْحَلْقِ وَالشَّهِيقُ فِي الصَّدْرِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: هُوَ كَصَوْتِ الْحِمَارِ أَوَّلُهُ زَفِيرٌ وَآخِرُهُ شَهِيقٌ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ الشَّهِيقُ هُوَ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ الصَّوْتِ الشَّدِيدِ مِنَ الْحِمَارِ.

قَوْلُهُ: (وِرْدًا: عِطَاشًا) رَوَى ابْنُ أبي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قَالَ: عِطَاشًا، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: مُنْقَطِعَةً أَعْنَاقُهُمْ مِنَ الظَّمَإِ، وَقَوْلُهُ: وِرْدًا، هُوَ مَصْدَرُ وَرَدْتُ، وَالتَّقْدِيرُ ذَوِي وِرْدٍ، وَهَذَا يُنَافِي الْعَطَشَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْوُرُودِ عَلَى الْمَاءِ الْوُصُولُ إِلَى تَنَاوُلِهِ، فَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: أَنَّهُمْ يَشْكُونَ الْعَطَشَ فَتَرْفَعُ لَهُمْ جَهَنَّمُ سَرَابَ مَاءٍ فَيُقَالُ: أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيَرِدُونَهَا فَيَتَسَاقَطُونَ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (غَيًّا: خُسْرَانًا) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قَالَ: خُسْرَانًا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ

فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ بَعِيدُ الْقَعْرِ خَبِيثُ الطَّعْمِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُسْجَرُونَ: تُوقَدُ لَهُمُ النَّارُ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ بِهِمْ وَهُوَ أَوْضَحُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَنُحَاسٌ الصُّفْرُ يُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ) أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ قَالَ: قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ حَمْرَاءَ وَنُحَاسٌ، قَالَ: يُذَابُ الصُّفْرُ فَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ ذُوقُوا بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الْفَمِ) لَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَالذَّوْقُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ وَهُوَ ذَوْقُ الْفَمِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الذَّوْقُ الْمَعْنَوِيُّ وَهُوَ الْإِدْرَاكُ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ أَنَّهُ فَسَّرَهُ هُنَا بِمَعْنَى التَّخَيُّلِ، وَجَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلًا وَهُوَ دَقِيقٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ مَرْفُوعًا، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا: لَمْ يَنْزِلْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ آيَةٌ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾

قَوْلُهُ: (مَارِجٌ خَالِصٌ مِنَ النَّارِ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ قَالَ: مِنْ خَالِصِ النَّارِ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُلِقَتِ الْجِنُّ مِنْ مَارِجٍ، وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا الْتَهَبَتْ، وَسَيَأْتِي قَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَارِجُ نَارٌ دُونَ الْحِجَابِ، وَيُرْوَى خَلَقَ السَّمَاءَ مِنْهَا، وَمِنْهَا هَذِهِ الصَّوَاعِقُ.

قَوْلُهُ: (مَرَجَ الْأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ إِذَا خَلَّاهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أَمْرٍ مُلْتَبِسٍ (١) وَمَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ اخْتَلَطَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَمْرٍ مُنْتَشِرٍ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أَيْ: مُخْتَلِطٍ، يُقَالُ: مَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ أَيِ اخْتَلَطَ وَأُهْمِلَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ قَالَ: مُخْتَلِطٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ قَالَ: مُلْتَبِسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: مَنْ تَرَكَ الْحَقَّ مَرَجَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِ دِينُهُ.

قَوْلُهُ: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ: مَرَجْتَ دَابَّتَكَ تَرَكْتَهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا﴾ هُوَ كَقَوْلِكَ مَرَجْتَ دَابَّتَكَ خَلَّيْتَ عَنْهَا وَتَرَكْتَهَا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ قَالَ: أَرْسَلَهُمَا ثُمَّ يَلْتَقِيَانِ بَعْدُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْبَحْرَيْنِ هُنَا بَحْرُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَلْتَقِيَانِ كُلَّ عَامٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ أَبْزَى مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ قَالَ: هُمَا بَحْرَا فَارِسَ وَالرُّومِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ مِنْ أَصْدَافِ بَحْرِ الْأَرْضِ عَنْ قَطْرِ السَّمَاءِ. قُلْتُ: وَفِي هَذَا دَفْعٌ لِمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْبَحْرُ الْحُلْوُ وَالْبَحْرُ الْمِلْحُ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ: مِنْهُمَا مِنْ مَجَازِ التَّغْلِيبِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ، الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ، وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ.

الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ قِصَّةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ.

الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ الْآنَ.

الرَّابِعُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ.

الْخَامِسُ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي ذَلِكَ.

السَّادِسُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ.

السَّابِعُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجَنَّةِ

روى هَذَا التَّعْلِيق مُسْندًا مَوْصُولا فِي كتاب الصّيام فِي: بَاب الريان للصائمين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن معن عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من أنْفق زَوْجَيْنِ فِي سَبِيل الله نُودي من أَبْوَاب الْجنَّة ... الحَدِيث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَفِي الْجِهَاد أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: فَمن كَانَ من أهل الْجِهَاد دعِي من بَاب الْجِهَاد ... الحَدِيث.

فِيهِ عُبادَةُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: فِي هَذَا الْبَاب روى عَن عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ فِي ذكر عِيسَى من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن عبَادَة بن الصَّامِت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من شهد أَن لَا إلاه إلَاّ الله ... الحَدِيث، وَفِيه: أدخلهُ الله من أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية أَيهَا شَاءَ، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) من حَدِيث ابْن سَلام: عَن أبي أُمَامَة عَن عبَادَة بن الصَّامِت وَلَفظه: عَلَيْكُم بِالْجِهَادِ فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة، يُذْهِبُ الله بِهِ الهَمَّ والغَمَّ.

٧٥٢٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حدَّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أبْوَابٍ فِيهَا بابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إلَاّ الصَّائِمُونَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٩٨١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ثَمَانِيَة أَبْوَاب، وَمُحَمّد بن مطرف، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار، والْحَدِيث من أَفْرَاده، قَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا الحَدِيث يبين قَوْله تَعَالَى: {وَفتحت أَبْوَابهَا} (الزمر: ٣٧) . لِأَن الْوَاو إِنَّمَا تَأتي بعد سَبْعَة. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الْوَاو زَائِدَة، وَهُوَ خطأ عِنْد الْبَصرِيين، لِأَن الْوَاو تفِيد معنى الْعَطف. فَلَا يجوز أَن تزاد. قَوْله: (الريان) ، أَصله: الرويان، اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأبدلت الْوَاو يَاء ثمَّ أدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، والريان ضد العطشان، من: رويت من المَاء بِالْكَسْرِ أروى رِياً ورَياً، وَرُوِيَ أَيْضا مثل: رَضِي، ورَويت الحَدِيث، بِالْفَتْح رِوَايَة. قَوْله: (لَا يدْخلهُ إلَاّ الصائمون) مجازاة لَهُم لما كَانَ يصيبهم من الْعَطش من صِيَامهمْ، وَالله أعلم.

٠١ - (بابُ صِفَةِ النَّارِ وأنَّهَا مَخْلُوقَةٌ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة النَّار، يَعْنِي: نَار جَهَنَّم، وَفِي بَيَان أَنَّهَا مخلوقة مَوْجُودَة، وَفِيه رد على الْمُعْتَزلَة، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي: بَاب صفة الْجنَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا ملخصه: إِن النَّسَفِيّ لم يروِ من أول الْبَاب إِلَى أول حَدِيث الْبَاب اللُّغَات الْمَذْكُورَة، وَلم يُوجد فِي نسخته شَيْء من ذَلِك، وأمثال هَذِه مِمَّا سَمعه الْفربرِي عَن البُخَارِيّ عِنْد سَماع الْكتاب، فألحقها هُوَ بِهِ، وَالْأولَى بِوَضْع هَذَا الْجَامِع فقدانها لَا وجدانها، إِذْ مَوْضُوعه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جِهَة أَقْوَاله وأفعاله وأحواله، فَيَنْبَغِي أَن لَا يتَجَاوَز الْبَحْث عَن ذَلِك.

غَسَاقَاً يُقالُ غَسَقَتْ عَيْنُهُ ويَغْسِقُ الْجُرْحُ وكأنَّ الغَسَاقَ والغَسَقَ واحِدٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ حميماً وغسَّاقاً} (النبإ: ٥٢) . قَوْله: (يُقَال: غسقت عينه) إِذا سَالَ مِنْهَا المَاء الْبَارِد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: غسقت عينه إِذا أظلمت، وغسق الْجرْح إِذا سَالَ مِنْهُ مَاء أصفر، وَيُقَال: الغساق المَاء الْبَارِد المنتن يُخَفف ويشدد، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بِالتَّشْدِيدِ، وَالْكسَائِيّ بِالتَّخْفِيفِ، وَقيل: الغساق قيح غليظ، قَالَه عبد الله بن عَمْرو، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ صديدهم تصهرهم النَّار فيجتمع صديدهم فِي حِيَاض فيسقونه، وَقَالَ ابْن فَارس: الغساق مَا يقطر من جُلُود أهل النَّار، وَقيل: بَارِد يحرق كَمَا تحرق النَّار، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ حميماً وغساقاً} (النبإ: ٥٢) . الْحَمِيم: المَاء الْحَار، والغساق مَا همي وسال. وَفِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم عَن أبي سعيد مَرْفُوعا: (لَو أَن دلواً من غساق يهراق إِلَى الدُّنْيَا لأنتن أهل الدُّنْيَا) . قَوْله: (كَأَن الغساق والغسق وَاحِد) ، هَكَذَا

فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: الغسق، بِفتْحَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: الغسيق على وزن: فعيل، وَقد تردد البُخَارِيّ فِي كَون الغساق والغسق وَاحِدًا، وَلَيْسَ بِوَاحِد. فَإِن الغساق مَا ذَكرْنَاهُ من الْمعَانِي، والغسق: الظلمَة، يُقَال: غسق يغسق غسوقاً فَهُوَ غَاسِق: إِذا أظلم، وأغسق مثله.

غِسْلِينٌ كلُّ شَيْءٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهْوَ غِسْلِينٌ فِعْلِينٌ مِن الغَسْلِ مِنَ الْجُرْحِ والدَّبَرِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا طَعَام إلَاّ من غسلين} (الحاقة: ٦٣) . وَقد فسره بقوله: كل شَيْء ... إِلَى آخِره، وَهَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَقد روى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الغسلين صديد أهل النَّار. قَوْله: (فعلين) ، أَي: وزن غسلين فعلين، وَالنُّون وَالْيَاء فِيهِ زائدتان. قَوْله: (والدبر) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ مَا يُصِيب الْإِبِل من الْجِرَاحَات. فَإِن قلت: بَين هَذِه الْآيَة، وَبَين قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ لَهُم طَعَام إلَاّ من ضَرِيع} (الغاشية: ٦) . مُعَارضَة ظَاهرا. قلت: جمع بَينهمَا بِأَن الضريع من الغسلين، أَو هم طَائِفَتَانِ: فطائفة يجازون بِالطَّعَامِ من غسلين بِحَسب استحقاقهم لذَلِك، وَطَائِفَة يجازون بِالطَّعَامِ من ضَرِيع، كَذَلِك، وَالله أعلم.

وقالَ عِكْرِمَةُ حَصَبُ جَهَنَّمَ حَطَبٌ بالحَبَشِيَّةِ: وقالَ غَيرُهُ حاصِبَاً الرِّيحُ الْعاصِفُ والحَاصِبُ مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ ومِنْهُ حَصَبُ جَهَنَّمَ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ هُمْ حَصَبُهَا ويُقَالُ حَصَبَ فِي الأرْضِ ذَهَبَ والحَصَبُ مُشْتَق منْ حَصْبَاءِ الحجَارَةِ

تَعْلِيق عِكْرِمَة وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عبد الْملك بن أبجر: سَمِعت عِكْرِمَة بِهَذَا ... وَأخرجه ابْن أبي عَاصِم عَن ابْني سعيد الْأَشَج: حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عبد الْملك بن أبجر سَمِعت عِكْرِمَة، وَقَالَ ابْن عَرَفَة: إِن كَانَ أَرَادَ بهَا حبشية الأَصْل سَمعتهَا الْعَرَب فتكلمت بهَا فَصَارَت حِينَئِذٍ عَرَبِيَّة، وإلَاّ فَلَيْسَ فِي الْقُرْآن غير الْعَرَبيَّة، وَقَالَ الْخَلِيل: حصب مَا هيء للوقود من الْحَطب، فَإِن لم يهيأ لذَلِك فَلَيْسَ بحصب، وروى الْفراء عَن عَليّ وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قرآها: (حطب) ، بِالطَّاءِ وروى الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَهَا بالضاد الْمُعْجَمَة، قَالَ: وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنهم الَّذين تسجر بهم النَّار، لِأَن كل شَيْء هيجت بِهِ النَّار فَهُوَ حصب. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، أَي: غير عِكْرِمَة: حاصباً، أَي: فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو يُرْسل عَلَيْكُم حاصباً} (الْإِسْرَاء: ٨٦) . هُوَ الرّيح العاصف الشَّديد، كَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: (والحاصب) مَا ترمى بِهِ الرّيح، لِأَن الحصب الرَّمْي، وَمِنْه: حصب جَهَنَّم يرْمى بِهِ فِيهَا، وَيُقَال: الحاصب الْعَذَاب. قَوْله: (هم حصبها) ، أَي: أهل النَّار حصب جَهَنَّم، وَهُوَ مُشْتَقّ من حصبهاء الْحِجَارَة، وَهِي الْحَصَى. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْحَصْبَاء الْحَصَى وحصبت الرجل أحصبه بِالْكَسْرِ، أَي: رميته بالحصباء.

صَدِيدٌ قَيْحٌ ودَمٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ويسقى من مَاء صديد} (إِبْرَاهِيم: ٦١) . وَفَسرهُ: بالقيح وَالدَّم، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة.

خَبَتْ طَفِئَتْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {كلما خبت} (الْإِسْرَاء: ٧٩) . وَفَسرهُ بقوله: طفئت، بِفَتْح الطَّاء وَكسر الْفَاء، يُقَال: طفئت النَّار تطفأ طفأ، وَهُوَ من بَاب: علم يعلم من المهموز، وانطفأت، وَأَنا أطفأتها. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يَقُولُونَ للنار إِذا سكن لهبها وَعلا الْجَمْر رماد: خبت، فَإِن طفىء مُعظم الْجَمْر يُقَال: خمدت، وَإِن طفىء كُله يُقَال: همدت.

تُورُونَ تَسْتَخْرِجُون: أوْرَيْتُ أوْقَدْتُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُم النَّار الَّتِي تورون} (الْوَاقِعَة: ١٧) . وفسرها بقوله: تستخرجون، وَأَصله من: ورى الزند، بِالْفَتْح يري ورياً: إِذا خرجت ناره، وَفِيه لُغَة أُخْرَى: وري الزند يري، بِالْكَسْرِ فيهمَا، وأوريته أَنا، وَكَذَلِكَ: وريته تورية، وأصل

تورون: توريون، نقلت ضمة الْيَاء إِلَى الرَّاء وحذفت الْيَاء لالتقاء الساكنين، فَصَارَ: تورون على وزن: تفعون.

لِلْمُقْوِينَ لِلْمُسَافِرِينَ والْقِيُّ القفرُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {تذكرة ومتاعاً للمقوين} (الْوَاقِع: ٣٧) . وَفسّر المقوين بقوله الْمُسَافِرين، واشتقاقه من: أقوى الرجل إِذا نزل الْمنزل القواء، وَهُوَ الْموضع الَّذِي لَا أحد فِيهِ. وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: للمقوين للمسافرين، وَمن طَرِيق الضَّحَّاك وَقَتَادَة مثله، وَمن طَرِيق مُجَاهِد قَالَ: للمقوين، أَي: الْمُسْتَحقّين، أَي: الْمُسَافِر والحاضر، وَيُقَال: المقوين من لَا زَاد لَهُ، وَقيل: المقوي الَّذِي لَهُ مَال، وَقيل: المقوي الَّذِي أَصْحَابه وَإِبِله أقوياء، وَقيل: هُوَ من مَعَه دَابَّة. قَوْله: (والقي) ، بِكَسْر الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء، وَفَسرهُ بقوله: (القفر) بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْفَاء وَفِي آخِره رَاء، وَهُوَ: مفازة لَا نَبَات فِيهَا وَلَا مَاء، وَيجمع على: قفار.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: صِرَاطُ الجَحِيمُ: سَوَاءُ الجَحِيمِ وَوَسَطُ الجَحِيمِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم} (الصافات: ٣٢) . وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {فَاطلع فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم} (الصافات: ٥٥) . قَالَ: فِي وسط الْجَحِيم، وَمن طَرِيق قَتَادَة وَالْحسن مثله.

لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ ويُساطُ بِالحَمِيمِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ إِن لَهُم عَلَيْهَا لشوباً من حميم} (الصافات: ٧٦) . وَفَسرهُ بقوله: يخلط ... إِلَى آخِره، والشوب الْخَلْط. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: تَقول الْعَرَب: كل شَيْء خلطته بِغَيْرِهِ فَهُوَ شوب. قَوْله: (يساط) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: يخلط، وَمِنْه: المسواط، وَهُوَ الْخَشَبَة الَّتِي يُحَرك بهَا مَا فِيهِ التَّخْلِيط، وَهُوَ بِالسِّين الْمُهْملَة.

زَفِيرٌ وشَهِيقٌ صَوْت شَديدٌ وصَوْتٌ ضَعِيفٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَفِي النَّار لَهُم فِيهَا زفير وشهيق} (هود: ٦٠١) . وَفسّر الزَّفِير بالصوف الشَّديد، والشهيق بالصوت الضَّعِيف، وَهَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، أخرجه الطَّبَرِيّ وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَمن طَرِيق أبي الْعَالِيَة قَالَ: الزَّفِير فِي الْحلق والشهيق فِي الصَّدْر، وَمن طَرِيق قَتَادَة: هُوَ كصوت الْحمار أَو لَهُ زفير وَآخره شهيق. وَقَالَ الدَّاودِيّ: الشهيق هُوَ الَّذِي يبْقى بعد الصَّوْت الشَّديد من الْحمار.

وِرْداً عِطاشاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا} (مَرْيَم: ٦٨) . وَفسّر الْورْد بالعطاش، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد: وردا مُنْقَطِعَة أَعْنَاقهم قَالَ أهل اللُّغَة: الْورْد مصدر: ورد، وَالتَّقْدِير عِنْدهم، ذَوي ورد، ويحكى أَنه يُقَال للواردين المَاء: ورد، وَيُقَال: ورد، أَي: وراد، كَمَا يُقَال: قوم زور أَي زوار. فَإِن قلت: الَّذِي يرد المَاء يُنَافِي الْعَطش. قلت: لَا يلْزم من الْوُرُود إِلَى المَاء تنَاوله مِنْهُ، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة أَنهم يَشكونَ الْعَطش فَترفع لَهُم جَهَنَّم سراب مَاء، فَيُقَال: أَلا تردون؟ فيردونها فيتساقطون فِيهَا.

غَيَّاً خُسْرَانَاً

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فسوق يلقون غيّاً} (مَرْيَم: ٩٥) . وَفسّر الغي بالخسران، وَعَن ابْن مَسْعُود: الغي: وادٍ فِي جَهَنَّم، وَالْمعْنَى فسوق يلقون حر الغي، وَعنهُ: وادٍ فِي جَهَنَّم بعيد القعر خَبِيث الطّعْم.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُسْجَرُونَ، تُوقَدُ بِهِمْ النَّارُ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ فِي النَّار يسجرون} (غَافِر: ٢٧) . وَفَسرهُ بقوله: توقد بهم النَّار كَأَنَّهُمْ يصيرون وقود النَّار، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: توقد لَهُم، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بهم، بِالْبَاء.

ونُحَاسٍ الصُّفْرُ يُصَبُّ علَى رُؤُوسِهِمْ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يُرْسل عَلَيْكُمَا شواظ من نَار ونحاس} (الرَّحْمَن: ٥٣) . وَفسّر النّحاس بالصفر يصب على رُؤُوس أهل النَّار من الْكفَّار، وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق مَنْصُور عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {يُرْسل عَلَيْكُمَا شواظ من نَار} (الرَّحْمَن: ٥٣) . قَالَ: قِطْعَة من نَار حَمْرَاء، و: نُحَاس، قَالَ: يذاب الصفر فَيصب على رؤوسهم. قلت: الصفر بِالضَّمِّ النّحاس الْجيد الَّذِي يعْمل مِنْهُ الْآنِية.

ذُوقُوا باشِرُوا وجَرِّبُوا وليْسَ هاذَا مِنْ ذَوْقِ الفَمِ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وذوقوا عَذَاب الْحَرِيق} (الْأَنْفَال: ٥٢ وَالْحج: ٢٢) . وَفَسرهُ بقوله: باشروا ... إِلَى آخِره وغرضه أَن الذَّوْق هُنَا بِمَعْنى الْمُبَاشرَة والتجربة لَا بِمَعْنى ذوق الْفَم، وَهَذَا من الْمجَاز أَن يسْتَعْمل الذَّوْق وَهُوَ مِمَّا يتَعَلَّق بالأجسام فِي الْمعَانِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى أَيْضا: {فذاقوا وبال أَمرهم} (الْحَشْر: ٥١) .

مَارِجٌ خَالِصٌ مِنَ النَّارِ مَرَجَ الأمِيرُ رَعِيَّتَهُ إذَا خَلَاهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ علَى بَعْضٍ مَرِيجٍ مُلْتَبِسٌ مَرِج أمْرُ النَّاسِ اخْتَلَطَ مَرَجَ البَحْرَيْنِ مَرَجْتَ دَابَّتَكَ تَرَكْتَها

أَشَارَ بقوله: مارج، إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَخلق الجان من مارج من نَار} (الرحمان: ٥١) . ثمَّ فسره بقوله: خَالص من النَّار، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَخلق الجان من مارج من نَار} (الرَّحْمَن: ٥١) . مَا من خَالص النَّار، وَمن طَرِيق الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: خلقت الْجِنّ من مارج من نَار، وَهُوَ لِسَان النَّار الَّذِي يكون فِي طرفها إِذا التهب. قَوْله: (مرج الْأَمِير رَعيته) يَعْنِي: تَركهم حَتَّى يظلم بَعضهم بَعْضًا. قَوْله: (مريج) أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فِي أَمر مريج} (قّ: ٥) . وَفَسرهُ بقوله: ملتبس، وَمِنْه قَوْلهم: مرج أَمر النَّاس، بِكَسْر الرَّاء، إِذا اخْتَلَط، وَأما مرج بِالْفَتْح فَمَعْنَاه: ترك وخلي وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ بَينهمَا برزخ لَا يبغيان} (الرَّحْمَن: ٩١ ٠٢) . أَي: خلاهما لَا يلتبس أَحدهمَا بِالْآخرِ، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : مرج الْبَحْرين، يَعْنِي: أرسل الْبَحْرين العذب وَالْملح متجاورين يَلْتَقِيَانِ لَا فضل بَين الماءين فِي مرأى الْعين، بَينهمَا برزخ حاجز وَحَائِل من قدرَة الله تَعَالَى، وحكمته لَا يبغيان لَا يتجاوان حديهما، وَلَا يَبْغِي أَحدهمَا على الآخر بالممازجة، وَلَا يختلطان وَلَا يتغيران. وَقَالَ قَتَادَة: لَا يطغيان على النَّاس بِالْغَرَقِ وَقَالَ الْحسن مرج الْبَحْرين يَعْنِي بَحر الرّوم وبحر الْهِنْد وَقَالَ قَتَادَة بَحر فَارس وَالروم، بَينهمَا برزخ: وَهِي الجزائر، وَقَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك: يَعْنِي بَحر السَّمَاء وبحر الأَرْض يَلْتَقِيَانِ كل عَام. قَوْله: (مرجت دابتك) بِفَتْح الرَّاء مَعْنَاهُ: تركتهَا. وَفِي (الصِّحَاح) : مرجت الدَّابَّة أمرجها بِالضَّمِّ مرجاً: إِذا أرسلتها ترعى.

٨٥٢٣ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُهاجِرٍ أبي الحَسَنِ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وَهْبٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ كانَ النبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ فقَالَ أبْرِدْ ثُمَّ قالَ أبْرِدْ حتَّى فاءَ الْفَيْءُ يَعْنِي لِلتُّلُولِ ثُمَّ قَالَ أبْرِدُوا بالصَّلَاةِ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من فيح جَهَنَّم) وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، و: مهَاجر، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من هَاجر: أَبُو الْحسن الصَّائِغ يعد فِي الْكُوفِيّين، وَزيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الْهَمدَانِي الْكُوفِي، خرج إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقبض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الطَّرِيق، وَأَبُو ذَر جُنْدُب بن جُنَادَة، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْإِبْرَاد بِالظّهْرِ فِي شدَّة الْحر. قَوْله: (حَتَّى فَاء الْفَيْء) يَعْنِي: حَتَّى وَقع الظل تَحت التلول.

٩٥٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ ذَكْوَانَ عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبْرِدُوا بالصَّلاةِ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. (انْظُر الحَدِيث ٨٣٥٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من فيح جَهَنَّم) وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش بن سُلَيْمَان، والْحَدِيث مر فِي الصَّلَاة فِي الْبَاب الَّذِي ذَكرْنَاهُ.

٠٦٢٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقولُ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فقالَتْ يَا رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضاً فأذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتاءِ ونفَسٍ فِي الصَّيْفِ فأشَدُّ مَا تَجِدُونَ فِي الحَرِّ وأشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهِرِيرِ. (انْظُر الحَدِيث ٧٣٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: النَّار، فَإِن المُرَاد مِنْهُ جَهَنَّم وَلَيْسَ المُرَاد نفس النَّار، لِأَن جَهَنَّم فِيهَا النَّار وفيهَا الزَّمْهَرِير، وَهُوَ الْبرد الشَّديد، والضدان لَا يَجْتَمِعَانِ، وَلَفظ جَهَنَّم يشملهما، وعَلى غير ذَلِك من أَنْوَاع الْعَذَاب أعاذنا الله من ذَلِك برحمته وَرِجَاله على هَذَا النسق قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث قد مضى فِي الصَّلَاة فِي الْبَاب الْمَذْكُور آنِفا. وَفِيه: دلَالَة على أَن الله تَعَالَى يخلق فِيهَا أدراكاً، وَقيل: إِن الْجنَّة وَالنَّار أسمع الْمَخْلُوقَات، وَأَن الْجنَّة إِذا سَأَلَهَا عبد أمنت على دُعَائِهِ، وَالنَّار إِذا استجار مِنْهَا أحد أمنت على دُعَائِهِ.

١٦٢٣ - حدَّثني عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا أَبُو عامِرٍ هُوَ العَقَدِيُّ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ أبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ قَالَ كُنْتُ أجَالِسُ ابنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ فأخَذَتْنِي الحُمَّى فَقَالَ أبْرُدْها عَنْكَ بِمَاءِ زَمْزَمَ فإنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فأبْرِدُوهَا بالمَاءِ أوْ قَال بِمَاءِ زَمْزَمَ شَكَّ هَمَّامٌ. [/ نه

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من فيح جَهَنَّم) وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ المسندي، وَأَبُو عَامر عبد الْملك الْعَقدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْقَاف، وَهَمَّام: بِالتَّشْدِيدِ: هُوَ ابْن يحيى الْبَصْرِيّ، وَأَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وَالرَّاء: نصر بن عمرَان الضبعِي.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن الْحسن بن إِسْحَاق. (وفيح جَهَنَّم) سطوع حرهَا، قَالَه اللَّيْث، وَيُقَال: فاحت الْقدر إِذا غلت، وَأَصله واوي، وَهَذَا من الطِّبّ النَّبَوِيّ الَّذِي لَا يشك فِي حُصُول الشِّفَاء بِهِ، وَكَلَام الْحَكِيم الَّذِي يُخَالف هَذَا وَأَمْثَاله لَغْو فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ.

٢٦٢٣ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أبِيهِ عنْ عَبَابَةَ بنِ رِفَاعَةَ قَالَ أخْبرَنِي رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ قالَ سَمِعْتُ النَّبِيَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ الحُمَّى منْ فَوْرِ جَهَنَّمَ فأبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ. (الحَدِيث ٢٦٢٣ طرفه فِي: ٦٢٧٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من فَور جَهَنَّم) وَعَمْرو بن عَبَّاس، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة: أَبُو عُثْمَان الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ يروي عَن أَبِيه سعيد بن مَسْرُوق، وعباية: بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة المخففة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف: ابْن رِفَاعَة، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء وبالعين الْمُهْملَة، وَرَافِع بِالْفَاءِ ابْن خديج، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة: الأوسي الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن هناد وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي بكر بن نَافِع وَمُحَمّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن حَاتِم، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبيد الله.

قَوْله: (من فَور جَهَنَّم) أَي: من شدَّة حرهَا، و: فار، أَي: جاش

٤٦٢٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فأبْرِدُوها بالْمَاءِ. (الحَدِيث ٤٦٢٣ طرفه فِي: ٣٢٧٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى، وَفِي هَذَا الْبَاب روى أَبُو نعيم من حَدِيث أبي عُبَيْدَة بن حُذَيْفَة عَن عمته فَاطِمَة، قَالَت: عدت

رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد حم، فَأمر بسقاء يعلق على شَجَرَة ثمَّ اضْطجع بجنبه، فَجعل يقطر المَاء على فُؤَاده، فَقلت: ادْع الله أَن يكْشف عَنْك. فَقَالَ: (إِن أَشد النَّاس بلَاء الْأَنْبِيَاء ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ) . وَعَن طَارق بن شهَاب: سَمِعت أُسَامَة يَقُول: قَالَ لي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ائْتِنِي فِي وَجه الصُّبْح بِمَاء أصبه عَليّ لعَلي أجد خفافاً فَأخْرج إِلَى الصَّلَاة، وروى الْأنْصَارِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن الْحسن الْمَكِّيّ عَن الْحسن عَن سَمُرَة مَرْفُوعا: (الْحمى قِطْعَة من النَّار) ، إِذا حم دَعَا بغرفة من مَاء فأفرغها على قرنه فاغتسل، وَصَححهُ الْحَاكِم، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: الْحمى كير من كير جَهَنَّم فنحوها عَنْكُم بِالْمَاءِ الْبَارِد، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: (إِذا حم أحدكُم فليستق عَلَيْهِ المَاء الْبَارِد من السحر ثَلَاثًا) ، وَصَححهُ الْحَاكِم.

٥٦٢٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أوَيْسٍ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ نارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءَاً مِنْ نارِ جَهَنَّمَ قِيلَ يَا رسولَ الله إنْ كانَتْ لَكافِيَةً قَالَ فُضِّلَتْ علَيْهَا بِتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءاً كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان. والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

قَوْله: (نَاركُمْ) مُبْتَدأ. وَقَوله: (جُزْء من سبعين جُزْءا) خَبره، وَكلمَة: من، فِي (من نَار جَهَنَّم) للتبيين، وَفِي معنى التَّبْعِيض أَيْضا، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (نَاركُمْ جُزْء وَاحِد من سبعين جُزْءا) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: من مائَة جُزْء وَالْجمع بَينهمَا أَن الحكم للزائد وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أنس مَرْفُوعا (نَاركُمْ هَذِه جُزْء من سبعين جُزْءا (من نَار جَهَنَّم، وَلَوْلَا أَنَّهَا اطفئت بِالْمَاءِ مرَّتَيْنِ مَا انتفعتم بهَا، وَأَنَّهَا لتدعو الله عز وَجل، أَن لَا يُعِيدهَا فِيهَا) . وَذكر ابْن عُيَيْنَة فِي (جَامعه) من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (هَذِه النَّار قد ضرب بهَا الْبَحْر سبع مَرَّات، وَلَوْلَا ذَلِك مَا انْتفع بهَا أحد) ، وَعَن ابْن مَسْعُود: (ضرب بهَا الْبَحْر عشر مَرَّات) ، وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَيْضا عَن نَار الدُّنْيَا: مِم خلقت؟ قَالَ: من نَار جَهَنَّم، غير أَنَّهَا طفئت بِالْمَاءِ سبعين مرّة، وَلَوْلَا ذَلِك مَا قربت لِأَنَّهَا من نَار جَهَنَّم، وَمعنى قَوْله: جُزْء من سبعين جُزْءا، أَنه لَو جمع كل مَا فِي الْوُجُود من النَّار الَّتِي يوقدها الآدميون لكَانَتْ جُزْءا من أَجزَاء نَار جَهَنَّم الْمَذْكُورَة، بَيَانه: لَو جمع حطب الدُّنْيَا وأوقد كُله حَتَّى صَارَت نَارا لَكَانَ الْجُزْء الْوَاحِد من أَجزَاء نَار جَهَنَّم الَّذِي هُوَ من سبعين جُزْءا أَشد مِنْهُ. قَوْله: (إِن كَانَت لكَافِيَة) ، كلمة: إِن، هَذِه مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة عِنْد الْبَصرِيين، وَهَذِه اللَاّم هِيَ المفرقة بَين إِن، النافية، وَأَن، المخففة من الثَّقِيلَة، وَالْمعْنَى: إِن نَار الدُّنْيَا كَانَت كَافِيَة لتعذيب الجهنميين، وَهِي عِنْد الْكُوفِيّين بِمَعْنى: مَا، وَاللَّام بِمَعْنى: الا، تَقْدِيره عِنْدهم: مَا كَانَت إلَاّ كَافِيَة. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي جوابهم بِأَن نَار جَهَنَّم (فضِّلت عَلَيْهَا) أَي: على نَار الدُّنْيَا، ويروى: عَلَيْهِنَّ، كَمَا فضلت عَلَيْهَا فِي الْمِقْدَار وَالْعدَد بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْءا فضلت عَلَيْهَا فِي الْحر بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْءا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: فَإِن قلت: كَيفَ طابق لفظ: فضلت وعليهن جَوَابا، وَقد علم هَذَا التَّفْضِيل من كَلَامه السَّابِق؟ قلت: مَعْنَاهُ: الْمَنْع من الْكِفَايَة أَي: لَا بُد من التَّفْضِيل ليتميز عَذَاب الله من عَذَاب الْخلق، وروى ابْن الْمُبَارك عَن معمر عَن مُحَمَّد بن الْمُنْذر قَالَ لما خلقت النَّار فزعت الْمَلَائِكَة وطارت أفئدتهم وَلما خلق آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام سكن ذَلِك عَنْهُم، وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان: لما خلق الله جَهَنَّم أمرهَا فزفرت زفرَة فَلم يبْق فِي السَّمَوَات السَّبع ملك إلَاّ خرَّ على وَجهه، فَقَالَ لَهُم الرب: إرفعوا رؤوسكم، أما علمْتُم أَنِّي خلقتكم للطاعة وَهَذِه خلقتها لأهل الْمعْصِيَة؟ قَالُوا: رَبنَا لَا نأمنها حَتَّى نرى أَهلهَا، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {وهم من خشيَة رَبهم مشفقون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٧٥) . وَعَن عبد الله بن عمر مَرْفُوعا: (إِن تَحت الْبَحْر نَارا) ، قَالَ عبد الله: الْبَحْر طبق جَهَنَّم، ذكره ابْن عبد الْبر وَضَعفه، وَفِي (تَفْسِير ابْن النَّقِيب) فِي قَوْله تَعَالَى: {يَوْم تبدل الأَرْض} (إِبْرَاهِيم: ٨٤) . تجْعَل الأَرْض جَهَنَّم، وَالسَّمَوَات الْجنَّة.

٦٦٢٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ سَمِعَ عَطَاءً يُخْبِرُ عنْ صَفْوَانَ بنِ يَعْلَى عنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقْرَأُ علَى المِنْبَرِ ونَادَو يامالِكُ. .

ذكره هَذَا هُنَا مَعَ أَنه ذكره فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة، لمطابقة قَوْله: يَا مَالك، للتَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، لِأَن المُرَاد من: مَالك، هُوَ خَازِن جَهَنَّم، وَهُنَاكَ أخرجه: عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن عَمْرو إِلَى آخِره، وَقد ذكر هُنَاكَ، وَقَالَ سُفْيَان: وَقَالَ فِي قراء عبد الله: يَا مَال، بالترخيم، كَمَا ذَكرْنَاهُ.

٧٤ - (حَدثنَا عَليّ قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل قَالَ قيل لأسامة لَو أتيت فلَانا فكلمته قَالَ إِنَّكُم لترون أَنِّي لَا ُأكَلِّمهُ إِلَّا أسمعكم إِنِّي ُأكَلِّمهُ فِي السِّرّ دون أَن أفتح بَابا لَا أكون أول من فَتحه وَلَا أَقُول لرجل أَن كَانَ عَليّ أَمِيرا إِنَّه خير النَّاس بعد شَيْء سمعته من رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالُوا وَمَا سمعته يَقُول قَالَ سمعته يَقُول يجاء بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة فَيلقى فِي النَّار فتندلق أقتابه فِي النَّار فيدور كَمَا يَدُور الْحمار برحاه فيجتمع أهل النَّار عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَي فلَان مَا شَأْنك أَلَيْسَ كنت تَأْمُرنَا بِالْمَعْرُوفِ وتنهانا عَن الْمُنكر قَالَ كنت آمركُم بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتيه وأنهاكم عَن الْمُنكر وآتيه) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَدِيث أَن فِيهِ ذكر النَّار الَّتِي هِيَ جَهَنَّم وَعلي هُوَ ابْن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد بن حَارِثَة حب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن بشر بن خَالِد وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر وَابْن نمير وَإِسْحَاق وَأبي كريب خمستهم عَن أبي مُعَاوِيَة وَعَن عُثْمَان عَن جرير (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " لَو أتيت " جَوَاب لَو مَحْذُوف أَو هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب قَوْله " فلَانا " أَرَادَ بِهِ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " فكلمته " أَي فِيمَا يَقع من الْفِتْنَة بَين النَّاس وَالسَّعْي فِي إطفاء نائرتها قَالَه الْكرْمَانِي وَفِي التَّوْضِيح أَرَادَ أَن يكلمهُ فِي شَأْن أَخِيه لأمه الْوَلِيد بن عتبَة لما شهد عَلَيْهِ بِمَا شهد فَقيل لأسامة ذَلِك لكَونه كَانَ من خَواص عُثْمَان قَوْله " إِنَّكُم لترون أَنِّي لَا ُأكَلِّمهُ " اي أَنكُمْ لتظنون أَنِّي لَا ُأكَلِّمهُ قَوْله " إِلَّا أسمعكم " أَي أَنِّي لَا ُأكَلِّمهُ إِلَّا بحضوركم وَأَنْتُم تَسْمَعُونَ وأسمعكم بِضَم الْهمزَة من الإسماع ويروى إِلَّا بسمعكم بِصِيغَة الْمصدر قَوْله " إِنِّي ُأكَلِّمهُ سرا " أَي فِي السِّرّ دون أَن أفتح بَاب من أَبْوَاب الْفِتَن حَاصله ُأكَلِّمهُ طلبا للْمصْلحَة لَا تهييجا للفتنة لِأَن المهاجرة على الْأُمَرَاء بالإنكار يكون فِيهِ نوع الْقيام عَلَيْهِم لِأَن فِيهِ تشنيعا عَلَيْهِم يُؤَدِّي إِلَى افْتِرَاق الْكَلِمَة وتشتيت الْجَمَاعَة قَوْله " لَا أكون أول من فَتحه " أَي أول من فتح بَاب من أَبْوَاب الْفِتْنَة قَوْله " إِن كَانَ " بِفَتْح الْهمزَة أَي لِأَن كَانَ قَوْله " فتندلق أقتابه " أَي تنصب أمعاؤه من جَوْفه وَتخرج من دبره والاندلاق بِالدَّال الْمُهْملَة وَالْقَاف الْخُرُوج بالسرعة وَمِنْه دلق السَّيْف واندلق إِذا خرج من غير سل والأقتاب جمع قتب بِالْكَسْرِ وَهِي الأمعاء والقتب مُؤَنّثَة وتصغيره قُتَيْبَة وَمِنْه سمي الرجل قُتَيْبَة قَوْله " أَي فلَان " يَعْنِي يَا فلَان مَا شَأْنك أَي مَا حالك الَّتِي أَنْت فِيهَا قَوْله " أَلَسْت " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار قَوْله " بِالْمَعْرُوفِ " وَهُوَ اسْم جَامع لكل مَا عرف من طَاعَة الله عز وَجل والتقرب إِلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس وكل مَا ندب إِلَيْهِ الشَّرْع وَنهى عَنهُ من المحسنات والمقبحات وَهُوَ من الصِّفَات الْغَالِبَة أَي أَمر مَعْرُوف بَين النَّاس لَا ينكرونه وَالْمُنكر ضد الْمَعْرُوف وكل مَا قبحه الشَّرْع وَحرمه وَكَرِهَهُ فَهُوَ مُنكر فِيهِ الْأَدَب مَعَ الْأُمَرَاء واللطف بهم ووعظهم سرا وتبليغهم قَول النَّاس فيهم ليكفوا عَنهُ هَذَا كُله إِذا أمكن فَإِن لم يُمكن الْوَعْظ سرا فليجعله عَلَانيَة لِئَلَّا يضيع الْحق لما روى طَارق بن شهَاب قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أفضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر " وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد بِإِسْنَاد حسن قَالَ الطَّبَرِيّ مَعْنَاهُ إِذا أَمن على نَفسه أَو أَن يلْحقهُ من الْبلَاء مَا لَا قبل لَهُ بِهِ رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَهُوَ مَذْهَب أُسَامَة وَقَالَ آخَرُونَ الْوَاجِب على من رأى مُنْكرا من ذِي سُلْطَان أَن يُنكره عَلَانيَة كَيفَ أمكنه رُوِيَ ذَلِك عَن عمر

وَأبي بن كَعْب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَالَ آخَرُونَ الْوَاجِب أَن يُنكر بِقَلْبِه وَيَنْبَغِي لمن أَمر بِمَعْرُوف أَن يكون كَامِل الْخَيْر لَا وصم فِيهِ وَقد قَالَ شُعَيْب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ إِلَّا أَنه يجب عِنْد الْجَمَاعَة أَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر من لَا يفعل ذَيْنك وَقَالَ جمَاعَة من النَّاس يجب على متعاطي الكاس أَن ينْهَى جمَاعَة الْجلاس وَفِيه وصف جَهَنَّم بِأَمْر عَظِيم روى مُسلم عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا " يُؤْتى بجهنم يَوْم الْقِيَامَة لَهَا سَبْعُونَ ألف زِمَام مَعَ كل زِمَام سَبْعُونَ ألف ملك يجرونها " وَلابْن وهب عَن زيد بن أسلم عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَرْفُوعا " فَبَيْنَمَا هم يجرونها إِذْ شَردت عَلَيْهِم شَرْدَةً فلوا أَنهم أدركوها لأحرق من فِي الْجمع "

(رَوَاهُ غنْدر عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش) أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور غنْدر وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْفِتَن -

١١ - (بابُ صِفَةِ إبْلِيسَ وجُنُودِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة إِبْلِيس، وَفِي بَيَان جُنُوده. وَالْكَلَام فِي صفته وَحَقِيقَة أمره على أَنْوَاع:

الأول فِي اسْمه: هَل هُوَ مُشْتَقّ أَو لَا؟ فَقَالَ جمَاعَة: هُوَ اسْم أعجمي، وَلِهَذَا منع من الصّرْف للعلمية والعجمة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: لَو كَانَ عَرَبيا لصرف كإكليل، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِنَّمَا لم يصرف وَإِن كَانَ عَرَبيا لقلَّة نَظِيره فِي كَلَام الْعَرَب، فشبهوه بالعجمي، وَهَذَا فِيهِ نظر، لِأَن كَون قلَّة نَظِيره فِي كَلَام الْعَرَب لَيْسَ عِلّة من الْعِلَل الْمَانِعَة لاسم من الصّرْف، وَقَالَ قوم: هُوَ اسْم عَرَبِيّ مُشْتَقّ من: أبلس، إِذا يئس. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أبلس من رَحْمَة الله إِذا يئس، وَمِنْه سمي إِبْلِيس، وَكَانَ اسْمه: عزازيل، قيل: من ادّعى أَنه عَرَبِيّ فقد غلط وَوَجهه مَا ذَكرْنَاهُ، وَلَكِن روى الطَّبَرِيّ عَن ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ اسْم إِبْلِيس حَيْثُ كَانَ عِنْد الْمَلَائِكَة عزازيل، ثمَّ أبلس بعد، وَهَذَا يُؤَيّد قَول من ادّعى أَنه عَرَبِيّ، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن اسْمه الْحَارِث. وَأما كنيته، فَقيل: كَانَت كنيته أَبَا مرّة، وَقيل: أَبُو الْعُمر، وَقيل: أَبُو كرْدُوس.

النَّوْع الثَّانِي: فِي بَيَان أصل خلقه روى الطَّبَرِيّ من حَدِيث حجاج عَن ابْن جريج عَن صَالح مولى التؤمة وَشريك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِن من الْمَلَائِكَة قَبيلَة من الْجِنّ، وَكَانَ إِبْلِيس مِنْهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس: سمي قَبيلَة الْجِنّ لأَنهم خزان الْجنَّة، وَعَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِبْلِيس حَيّ من أَحيَاء الْمَلَائِكَة، يُقَال لَهُم: الْجِنّ، خلقُوا من نَار السمُوم، وخلقت الْمَلَائِكَة كلهم من النُّور غير هَذَا الْحَيّ. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: إِنَّه من الشَّيَاطِين، وَلم يكن من الْمَلَائِكَة قطّ، وَاحْتج بقوله تَعَالَى: {إلَاّ إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ} (الْكَهْف: ٠٥) . وَقَالَ مقَاتل: لَا من الْمَلَائِكَة وَلَا من الْجِنّ، بل هُوَ خلق مُنْفَردا من النَّار كَمَا خلق آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الطين. وَقَالَ شهر بن حَوْشَب: كَانَ إِبْلِيس من الْجِنّ الَّذين يعْملُونَ فِي الأَرْض الْفساد، فَأسرهُ بعض الْمَلَائِكَة فَذهب بِهِ إِلَى السَّمَاء، وَيُقَال: كَانَ نوع من الْجِنّ سكان الأَرْض، وَكَانَ فيهم الْملك والنبوة وَالدّين والشريعة، فاستمروا على ذَلِك مُدَّة، ثمَّ طغوا وأفسدوا وجحدوا الربوبية وسفكوا الدِّمَاء، فَأرْسل الله إِلَيْهِم جنداً من السَّمَاء فَقَاتلُوا مَعَهم قتالاً شَدِيدا فطردهم إِلَى جزائر الْبَحْر، وأسروا مِنْهُم خلقا كثيرا، وَكَانَ فِيمَن أسر: عزازيل، وَهُوَ إِذْ ذَاك صبي، وَنَشَأ مَعَ الْمَلَائِكَة وَتكلم بكلامهم وَتعلم من علمهمْ، وَأخذ يسوسهم وطالت أَيَّامه حَتَّى صَار رَئِيسا فيهم حَتَّى أَرَادَ الله تَعَالَى خلق آدم، وَاتفقَ لَهُ مَا اتّفق. وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، أَنه قَالَ: إِبْلِيس أصل الجان وَالشَّيَاطِين، وَهُوَ أَبُو الْكل، وروى مُجَاهِد عَنهُ أَنه قَالَ: الجان أَبُو الْجِنّ كلهم، كَمَا أَن آدم أَبُو الْبشر.

النَّوْع الثَّالِث: فِي حَده وَصفته: أما حَده: فَمَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي (تَفْسِيره) هُوَ شخص روحاني خلق من نَار السمُوم، وَهُوَ أَبُو الشَّيَاطِين، وَقد ركبت فيهم الشَّهَوَات، مُشْتَقّ من الإبلاس وَهُوَ الْيَأْس من الْخَيْر. وَأما صفته: فَمَا قَالَه الطَّبَرِيّ: كَانَ الله قد حسن خلقه وشرفه وَكَرمه وَملكه على سَمَاء الدُّنْيَا وَالْأَرْض، وَجعله مَعَ ذَلِك من خَزَائِن الْجنَّة، فاستكبر على الله تَعَالَى وَادّعى الربوبية، ودعا من كَانَ تَحت يَده إِلَى طَاعَته وعبادته، فمسخه الله شَيْطَانا رجيماً، وشوه خلقه وسلبه مَا كَانَ خوله، ولعنه

وطرده عَن سماواته فِي العاجل، ثمَّ جعل مَسْكَنه ومسكن شيعته وَأَتْبَاعه فِي الْآخِرَة نَار جَهَنَّم. انْتهى. وَكَانَ يُقَال لَهُ: طَاوس الْمَلَائِكَة لحسنه، ثمَّ مسخه الله تَعَالَى. وَقَالَ عبد الْملك بن أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ إِبْلِيس يَأْتِي يحيى بن زَكَرِيَّا، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، طَمَعا أَن يفتنه، وَعرف ذَلِك يحيى مِنْهُ، وَكَانَ يَأْتِيهِ فِي صور شَتَّى، فَقَالَ لَهُ: أحب أَن تَأتِينِي فِي صُورَتك الَّتِي أَنْت عَلَيْهَا، فَأَتَاهُ فِيهَا فَإِذا هُوَ مُشَوه الْخلق كريه المنظر، جسده جَسَد خِنْزِير وَوَجهه وَجه قرد وَعَيناهُ مشقوقتان طولا وأسنانه كلهَا عظم وَاحِد وَلَيْسَ لَهُ لحية ويداه فِي مَنْكِبَيْه وَله يدان آخرَانِ فِي جانبيه وأصابعه خلقَة وَاحِدَة وَعَلِيهِ لِبَاس الْمَجُوس وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَفِي وَسطه منْطقَة من جُلُود السبَاع، فِيهَا كيزان معلقَة وَعَلِيهِ جلاجل، وَفِي يَده جرس عَظِيم وعَلى رَأسه بَيْضَة من حَدِيدَة معوجة كالخطاف، فَقَالَ يحيى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَيحك مَا الَّذِي شوه خلقتك؟ فَقَالَ: كنت طَاوس الْمَلَائِكَة فعصيت الله فمسخني فِي أخس صُورَة، وَهِي مَا ترى. قَالَ: فَمَا هَذِه الكيزان؟ قَالَ: شهوات بني آدم. قَالَ: فَمَا هَذِه الجرس؟ قَالَ: صَوت المعازف وَالنوح، قَالَ: فَمَا هَذِه الخطاطيف؟ قَالَ: أخطف بهَا عُقُولهمْ. قَالَ: فَأَيْنَ تسكن؟ قَالَ: فِي صُدُورهمْ وَأجْرِي فِي عروقهم، قَالَ: فَمَا الَّذِي يعصمهم مِنْك؟ قَالَ: بغض الدُّنْيَا وَحب الْآخِرَة.

النَّوْع الرَّابِع: فِي أَوْلَاده وَجُنُوده. وروى مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: بلغنَا أَن لإبليس أَوْلَادًا كثيرين، واعتماده على خَمْسَة مِنْهُم: شبر والأعور ومسوط وداسم وزلنبور، وَقَالَ مقَاتل: لإبليس ألف ولد ينْكح نَفسه ويلد ويبيض كل يَوْم مَا أَرَادَ، وَمن أَوْلَاده: الْمَذْهَب وخنزب وهفاف وَمرَّة والولهان والمتقاضي، وَجعل كل وَاحِد مِنْهُم على أَمر ذكرته فِي (تاريخي الْكَبِير) وَمن ذُريَّته: الأقنص وَهَامة بن الأقنص ويلزون وَهُوَ الْمُوكل بالأسواق وَأمه طرطية، وَيُقَال: بل هِيَ حاضنتهم، ذكره النقاش، قَالُوا: باضت ثَلَاثِينَ بَيْضَة: عشرَة بالشرق، وَعشرَة بالمغرب، وَعشرَة فِي وسط الأَرْض، وَأَنه خرج من كل بيض جنس من الشَّيَاطِين كالعفاريت والغيلان والحيات، وأسماؤهم مُخْتَلفَة كلهم عَدو لبني آدم، أعاذنا الله من شرهم، وَله جنود يرسلهم إِلَى إضلال بني آدم، وَقد روى ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَرْفُوعا، قَالَ: إِذا أصبح إِبْلِيس يبْعَث جُنُوده، فَيَقُول: من أضلّ مُسلما ألبسته التَّاج الحَدِيث، وروى مُسلم من حَدِيث جَابر: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: عرش إِبْلِيس على الْبَحْر، فيبعث سراياه فيفتنون النَّاس، فأعظمهم عِنْده أعظمهم فتْنَة.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُقْذَفُونَ يُرْمَوْنَ: دُحورَاً مَطْرُودِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ويقذفون من كل جَانب دحوراً وَلَهُم عَذَاب واصب} (الصافات: ٨ ٩) . وَفسّر يقذفون بقوله: يرْمونَ، ودحوراً بقوله: مطرودين، كَأَنَّهُ جعل الْمصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول جمعا، وَقد فسره عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد كَذَلِك.

وِاصِبٌ دَائِمٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَهُم عَذَاب واصب} (الصافات: ٩) . وَفسّر الواصب بقوله: دَائِم، وَقد ذكره البُخَارِيّ وَمَا بعده اتِّفَاقًا واستطراداً.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مَدْحُورَاً مَطْرُودَاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتلقى فِي جَهَنَّم ملوماً مَدْحُورًا} (الْإِسْرَاء: ٩٣) . وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، والمدحور مفعول من الدَّحْر، وَهُوَ الدّفع والإبعار من قَوْلك: دحرته أدحره دحراً ودحوراً. وَفِي (تَفْسِير عبد بن حميد) : عَن قَتَادَة: دحوراً: قذفا فِي النَّار.

يُقالُ مَرِيداً مُتَمَرِّدَاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن يدعونَ إلَاّ شَيْطَانا مرِيدا} (النِّسَاء: ٧١١) . وَفسّر مرِيدا بقوله: متمرداً.

بَتَّكَهُ قَطَعَهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ولآمرنَّهُم فليبتكن آذان الْأَنْعَام} (النِّسَاء: ٩١١) . أَي: ليقطعن، وَفسّر: بتكه، بِمَعْنى: قطعه وَقَالَ قَتَادَة: يَعْنِي الْبحيرَة. وَهِي إِذا نتجت خَمْسَة أبطن، وَكَانَ آخرهَا ذكرا شَقوا أذنها، وَلم ينتفعوا بهَا، وَالتَّقْدِير: ولآمرنهم بتبتيك آذانهن، وليبتكنها.

واسْتَفْزِزْ اسْتَخِفَّ بِخَيْلِكَ الفُرْسَانُ والرَّجْلُ الرَّجَّالَّةُ واحِدُها رَاجِلٌ مِثْلُ صاحِب وصَحْبٍ وتاجِرٍ وتَجْر

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك، واجلب عَلَيْهِم بخيلك ورجلك} (الْإِسْرَاء: ٤٦) . وَفسّر قَوْله: استفزز، بقوله: استخف، وَيُرِيد بالصوت الْغناء والمزامير، وَفسّر الْخَيل بالفرسان، وَفسّر الرجل بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْجِيم بالرجالة بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم، ثمَّ قَالَ وَاحِد الرجالة راجل، وَمثله بقوله: صَاحب وَصَحب، فَإِن الصحب جمع صَاحب والتجر، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: جمع تَاجر، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كل خيل سَارَتْ فِي مَعْصِيّة، وكل رجل مشت فِيهَا وكل مَا أُصِيب من حرَام فَهُوَ للشَّيْطَان، وَقَالَ غَيره: مشاركته فِي الْأَمْوَال الْبحيرَة والسائبة، وَفِي الْأَوْلَاد عِنْد الْغَزْو وَعند الحروب.

لأحْتَنِكَنَّ: لأَستَأصِلَنَّ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {لأحتنكن ذُريَّته إلَاّ قَلِيلا} (الْإِسْرَاء: ٢٦) . وَفسّر: لأحتنكنَّ، بقوله: لأستأصلنَّ من الاستئصال.

قَرِينٌ شَيْطَانٌ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَهُوَ لَهُ قرين} (الزخرف: ٦٣) . وَفسّر القرين بالشيطان، وَفَسرهُ مُجَاهِد كَذَلِك.

٨٦٢٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخْبَرَنا عِيسَى عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ سُحِرَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ اللَّيْثُ كَتَبَ إلَيَّ هِشامٌ أنَّهُ سَمِعَهُ ووَعَاهُ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ سُحِرَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حتَّى كانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ حتَّى كانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا ودَعا ثُمَّ قَالَ أشَعَرْتِ أنَّ الله أفْتَانِي فِيما فِيهِ شِفَائِي أتَانِي رَجُلان فَقَعَدَ أحَدُهُمَا عِنْدَ رأسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فقالَ أحَدُهُمَا لِلآخَرِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ مَطْبُوبٌ قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بنُ الأعْصَمِ قَالَ فِيما ذَا قَالَ فِي مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ وجُفَّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ قَالَ فأيْنَ هُوَ قَالَ فِي بِئْرِ ذَرَوانَ فخَرَجَ إلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ نَخْلُهَا كأنَّهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينَ فَقُلْتُ اسْتَخْرَجتْهُ فَقَالَ لَا أمَّا أنَا فَقَدْ شَفَانِي الله وَخَشِيتُ أنْ يُثِيرَ ذَلِكَ علَى النَّاسِ شَرَّاً ثُمَّ دُفِنَتِ الْبِئْرُ. .

وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السحر إِنَّمَا يتم باستعانة الشَّيْطَان على ذَلِك، وَهِي من جملَة صِفَاته القبيحة. وَإِبْرَاهِيم ابْن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير، وَعِيسَى هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، يروي عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن إِبْرَاهِيم ابْن مُوسَى عَن عِيسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عِيسَى بن يُونُس نَحوه.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَقَالَ اللَّيْث) ، هُوَ اللَّيْث بن سعد، رَحمَه الله، هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو بكر عبد الله بن دَاوُد عَن عِيسَى ابْن حَمَّاد النجيبي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث. قَوْله: (ووعاه) ، أَي: حفظه. قَوْله: (يخيل) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من تخيل الشَّيْء

كَذَا وَلَيْسَ كَذَلِك، وَأَصله الظَّن. قَوْله: (ذَات يَوْم) إِنَّمَا لم يتَصَرَّف لِأَن إضافتها من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الِاسْم، لِأَن معنى: كَانَ ذَات يَوْم قِطْعَة من الزَّمَان ذَات يَوْم، أَي: صَاحِبَة هَذَا الإسم. قَوْله: (أشعرت) أَي: أعلمت. قَوْله: (أفتاني) ، ويروى: أنبأني، أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (مطبوب) ، أَي: مسحور، والطب جَاءَ بِمَعْنى: السحر. قَوْله: (مَن طبه؟) أَي: مَن سحره؟ قَوْله: (فِي مشط ومشاقة) ، الْمشْط فِيهِ لُغَات: ضم الْمِيم وَإِسْكَان الشين وَضمّهَا أَيْضا وَكسر الْمِيم بِإِسْكَان الشين، والمشاقة: بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة وَالْقَاف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا يغزل من الْكَتَّان. قلت: المشاقة مَا يخرج من الْكتاب حِين يمشق، والمشق: جذب الشَّيْء ليمتد وَيطول. قَوْله: (وجف طلعة ذكر) ، الجف، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْفَاء: وَهُوَ وعَاء طلع النّخل، وَهُوَ الغشاء الَّذِي يكون عَلَيْهِ وَيُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَلِهَذَا قَيده بقوله: ذكر، وَهُوَ الَّذِي يدعى بالكفري، وَقَالَ ابْن فَارس: جف الطّلع، وعاؤها، يُقَال: إِنَّه شَيْء ينثر من جُذُوع النّخل، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: ويروى فِي مشط ومشاقة فِي جف طلعة، قَالَ: المشاطة الشّعْر الَّذِي يسْقط من الرَّأْس واللحية عِنْد التسريح بالمشط، قَالَ: وجف طلعة، أَي: فِي جوفها. وَقَوله: (ذكر) ، الذَّكر من النّخل الَّذِي يُؤْخَذ طلعه فَيجْعَل مِنْهُ فِي طلع النَّخْلَة المثمرة فَيصير بذلك تَمرا، وَلَو لم يَجْعَل فِيهِ لَكَانَ شيصاً لَا نوى فِيهِ، وَلَا يكَاد يساغ. قَوْله: (فِي بِئْر ذروان) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء، ويروى: ذِي أروان، وَكِلَاهُمَا صَحِيح مَشْهُور، وَالْأول أصح، وَهِي بِئْر بِالْمَدِينَةِ فِي بُسْتَان بني زُرَيْق، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالقاف، من الْيَهُود. قَوْله: (كَأَنَّهَا رُؤُوس الشَّيَاطِين) ، قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا مستدقة كرؤوس الْحَيَّات، والحية يُقَال لَهَا: الشَّيْطَان. وَالْآخر: أَنَّهَا وحشية المنظر سمجة الأشكال، وَهُوَ مثل فِي استقباح صورتهَا وهول منظرها كصورة الشَّيَاطِين. قَوْله: (أَن يثير ذَلِك على النَّاس شرا) يُرِيد فِي إِظْهَاره، وَقيل: إِنَّمَا امْتنع عَن تعْيين السَّاحر لِئَلَّا تقوم أنفس الْمُسلمين فَيَقَع بَينهم وَبَين قبيل السَّاحر فتْنَة. قَوْله: (ثمَّ دفنت الْبِئْر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول.

وَفِيه: أَن آثَار الْفِعْل الْحَرَام يجب إِزَالَتهَا، وَقد مر الْبَحْث فِي هَذَا مُسْتَوفى فِي: بَاب هَل يُعْفَى عَن الذِّمِّيّ إِذا سحر؟ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد.

٩٦٢٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أُوَيْسٍ قَالَ حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ بنِ بِلَالٍ عنْ يَحْيَى ابنِ سَعِيدٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ علَى قَافِيَةِ رأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نامَ ثَلَاثُ عُقَدٍ يَضْرِبُ علَى كُلِّ عُقْدَةٍ مَكانها علَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فارْقُدْ فإنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فإنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَة فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّها فأصْبَحَ نَشِيِطاً طَيِّبَ النَّفْسِ وإلَاّ أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ. (انْظُر الحَدِيث ٤١١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن عقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحد من أَفعَال الشَّيْطَان وَصِفَاته القبيحة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ فِي: بَاب عقد الشَّيْطَان على قافية الرَّأْس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَهنا أخرجه عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، واسْمه عبد الله الْمدنِي ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَهُوَ يروي عَن أَخِيه عبد الحميد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَمعنى: يعْقد، يتَكَلَّم عَلَيْهِ، والقافية: مُؤخر الرَّأْس، وَمِنْه قافية الشّعْر. قَوْله: (انْحَلَّت عقده) ، وَهُوَ جمع عقدَة، وَلِهَذَا أكده بقوله: كلهَا.

٠٧٢٣ - حدَّثنا عُثُمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي وائِلِ عنْ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَجُلٌ نامَ لَيْلَهُ حتَّى أصْبَحَ قَالَ ذَاكَ رَجُلٌ بالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ أوْ قَالَ فِي أُذُنِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٤٤١١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن بَوْل الشَّيْطَان فِي أذن الرجل النَّائِم كل لَيْلَة من صِفَاته القبيحة، وَأَبُو وَائِل شَقِيق، وَعبد الله

هُوَ ابْن مَسْعُود. وَمضى الحَدِيث فِي كتاب التَّهَجُّد فِي: بَاب إِذا نَام وَلم يصلِّ بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل ... إِلَى آخِره.

١٧٢٣ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سالِمِ بنِ أبِي الجَعْد عنْ كُرَيْبٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أما إنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتَى أهْلَهُ وَقَالَ بِسْمُ الله اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقَتنَا فَرُزِقَا ولَدَاً لَمْ يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن من صِفَات الشَّيْطَان ضَرَره الْعَام للْمُؤْمِنين، وَهُوَ من صِفَاته الذميمة القبيحة. وَرِجَاله قد مروا غير مرّة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب التَّسْمِيَة على كل حَال، وَعند الوقاع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَليّ بن عبد الله عَن جرير عَن مَنْصُور عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن كريب ... الحَدِيث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٢٧٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا طَلَعَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَبْرُزَ وإذَا غَابَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَغِيبَ. وَلَا تَحَيَّنُوا بِصَلَاتِكُمْ طُلوُعَ الشَّمْسِ ولَا غُرُوبها فإنَّها تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أوِ الشَّيْطَانِ لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قَالَ هِشامٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِنَّهَا تطلع بَين قَرْني الشَّيْطَان) . مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام، قَالَه أَبُو نعيم، وَأَبُو عَليّ، وَعَبدَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان. والْحَدِيث مضى فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْفجْر حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (حَتَّى تبرز) ، أَي: حَتَّى تظهر. قَوْله: (وَلَا تَحَيَّنُوا) من التحين، وَهُوَ طلب وَقت مَعْلُوم (وقرنا الشَّيْطَان) جانبا رَأسه. قَوْله: (لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَ هِشَام) ، الْقَائِل بِهَذَا هُوَ عَبدة بن سُلَيْمَان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة.

٨٠ - (حَدثنَا أَبُو معمر قَالَ حَدثنَا عبد الْوَارِث حَدثنَا يُونُس عَن حميد بن هِلَال عَن أبي صَالح عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا مر بَين يَدي أحدكُم شَيْء وَهُوَ يُصَلِّي فليمنعه فَإِن أَبى فليمنعه فَإِن أبي فليقاتله فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان " وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد وَعبد الْوَارِث بن سعيد وَيُونُس هُوَ ابْن عبد الله الْعَبْدي الْبَصْرِيّ وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب يرد الْمصلى من مر بَين يَدَيْهِ

(وَقَالَ عُثْمَان بن الْهَيْثَم حَدثنَا عَوْف عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ وكلني رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِحِفْظ زَكَاة رَمَضَان فَأَتَانِي آتٍ فَجعل يحثو من الطَّعَام فَأَخَذته فَقلت لأرفعنك إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذكر الحَدِيث فَقَالَ إِذا أويت إِلَى فراشك فاقرأ آيَة الْكُرْسِيّ لن يزَال من الله حَافظ وَلَا يقربك شَيْطَان حَتَّى تصبح فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صدقك وَهُوَ كذوب ذَاك الشَّيْطَان) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " ذَاك الشَّيْطَان " وَعُثْمَان بن الْهَيْثَم بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة مُؤذن

الْبَصْرَة وعَوْف الْأَعرَابِي والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْوكَالَة فِي بَاب إِذا وكل رجال بِعَين مَا ذكره هُنَا قَالَ وَقَالَ عُثْمَان بن الْهَيْثَم إِلَى آخِره مطولا وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ -

٦٧٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسوُلُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يأتِي الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ منْ خَلَقَ كذَا مَنْ خَلَقَ كذَا حتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فإذَا بَلَغَهُ فلْيَسْتَعِذِ بِاللَّه ولْيَنْتَهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عبد الْملك بن شُعَيْب وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبد بن حميد وَعَن هَارُون بن مَعْرُوف وَمُحَمّد بن عباد وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن هَارُون بن مَعْرُوف بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور، وَعَن أَحْمد بن سعيد وَعَن هَارُون ابْن سعيد.

قَوْله: (من خلق كَذَا) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يزَال النَّاس يسْأَلُون حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا خلق الله، فَمن خلق الله؟ قَوْله: (فليستعذ باالله) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَلْيقل آمَنت بِاللَّه) . وَلأبي دَاوُد: (فَإِذا قَالُوا ذَلِك فَقولُوا: الله أحد الله الصَّمد الْآيَة، ثمَّ ليتفل عَن يسَاره ثَلَاثًا وليستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم) . وَمعنى: فليستعذ، أَي: قل أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، من الْأَعْرَاض والشبهات الْوَاهِيَة الشيطانية. قَوْله: (ولينته) ، أَي: عَن الاسترسال مَعَه فِي ذَلِك بِإِثْبَات الْبَرَاهِين القاطعة الحقانية، على أَن لَا خَالق لَهُ بِإِبْطَال التسلسل، وَنَحْوه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: لينته أَي: ليترك التفكر فِي هَذَا الخاطر، وليستعذ بِاللَّه من وَسْوَسَة الشَّيْطَان، فَإِن لم يزل التفكر بالاستعاذة فَليقمْ وليشتغل بِأَمْر آخر، وَإِنَّمَا أمره بذلك وَلم يَأْمُرهُ بِالتَّأَمُّلِ والاحتجاج لِأَن الْعلم باستغنائه عَن الموجد أَمر ضَرُورِيّ لَا يقبل المناظرة لَهُ، وَعَلِيهِ، وَلِأَن السَّبَب فِي مثله إحساس الْمَرْء فِي عَالم الْحس، وَمَا دَامَ هُوَ كَذَلِك لَا يزِيد فكره إلَاّ زيغاً عَن الْحق، وَمن كَانَ هَذَا حَاله فَلَا علاج لَهُ إلَاّ اللجاء إِلَى الله تَعَالَى والاعتصام بحوله وقوته. وَقَالَ الْمَازرِيّ: الخواطر على قسمَيْنِ، فالتي لَا تَسْتَقِر وَلَا تجلبها شُبْهَة هِيَ الَّتِي تدفع بالأعراض عَنْهَا، وعَلى هَذَا ينزل الحَدِيث، وعَلى مثلهَا يُطلق اسْم الوسوسة. وَأما الخواطر المستقرة الناشئة عَن الشُّبْهَة فَهِيَ لَا تنْدَفع إلَاّ بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال.

٨٧٢٣ - حدثناالحُمَيْدِيُّ حدَّثَنَا سُفْيانُ حدَّثنا عَمْرٌ وَقَالَ أخْبرني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ ل إبْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ حدَّثنا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إنَّ مُوسَى قَالَ لِفَتاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا قَالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أنْسَانِيهُ إلَاّ الشَّيْطَانُ أنْ أذْكُرَهُ ولَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أمَرَ الله بِهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا أنسانيه إلَاّ الشَّيْطَان) والْحميدِي بن عبد الله بن الزبير بن عِيسَى، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَمْرو بن دِينَار.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِي غَيره أَيْضا وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ.

٩٧٢٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينِارٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُشِيرُ إلَى المَشْرِقِ فَقَالَ هَا إنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا إنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيّطَانِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان) وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (هَا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هَا، حرف وَلم يزدْ على هَذَا شَيْئا. قلت: هُوَ حرف من حُرُوف المعجم، وَمن حُرُوف الزِّيَادَة وَهِي حرف تَنْبِيه. قَوْله: (من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان) ، نسب الطُّلُوع إِلَى قرن الشَّيْطَان مَعَ أَن الطُّلُوع للشمس لكَونه مُقَارنًا لطلوع الشَّمْس، وَالْغَرَض أَن منشأ الْفِتَن هُوَ جِهَة الْمشرق، وَقد كَانَ كَمَا أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٠٨٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَطاءٌ عنْ جَابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا اسْتَجَنحَ اللَّيْلُ أوْ كانَ جُنْحُ اللَّيْلِ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فإذَا ذهَبَ ساعَةٌ مِنَ العَشَاءِ فَخَلُّوهُمْ وأغْلِقْ بابَكَ واذكُرِ اسْمَ الله وَأطْفِىءْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله وأوْكِ سِقَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ الله وخَمِّرْ إنَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ الله وَلَوْ تَعْرُضُ علَيْهِ شَيْئَاً. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن الشَّيَاطِين تَنْتَشِر) . وَيحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَمُحَمّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ من شُيُوخ البُخَارِيّ، وروى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أَحْمد بن عُثْمَان وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا استجنح) أَي: إِذا أظلم، ومادته: جِيم وَنون وحاء، وَقَالَ ابْن سَيّده: جنح اللَّيْل يجنح جنوحاً وجنحاً إِذا أظلم، وَيُقَال: إِذا أقبل ظلامه، والجنح، بِضَم الْجِيم وَكسرهَا لُغَتَانِ: وَهُوَ ظلام اللَّيْل، وأصل الجنح الْميل. وَقيل: جنح اللَّيْل أول مَا يظلم. قَوْله: (أَو كَانَ جنح اللَّيْل) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَو قَالَ: كَانَ جنح اللَّيْل، وَحكى عِيَاض أَنه وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: استجنع، بِالْعينِ الْمُهْملَة بدل الْحَاء، وَهُوَ تَصْحِيف، وَعند الْأصيلِيّ: وَأول اللَّيْل بدل: قَوْله: إِذا كَانَ جنح اللَّيْل، وَكَانَ هَذِه تَامَّة بِمَعْنى وجد أَو حصل. قَوْله: (فكفوا صِبْيَانكُمْ) ، أَي: ضموهم وامنعوهم من الانتشار، وَفِي رِوَايَة: فاكفتوا، ومادته: كَاف وَفَاء وتاء مثناة من فَوق، وَمَعْنَاهُ: ضموهم إِلَيْكُم، وكل من ضممته إِلَى شَيْء فقد كفته، وَفِي رِوَايَة: وَلَا تُرْسِلُوا صِبْيَانكُمْ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِنَّمَا خيف على الصّبيان فِي ذَلِك الْوَقْت لِأَن النَّجَاسَة الَّتِي يلوذ بهَا الشَّيَاطِين مَوْجُودَة مَعَهم غَالِبا. وَالذكر الَّذِي يستعصم بِهِ مَعْدُوم عِنْدهم، وَالشَّيَاطِين عِنْد انتشارهم يتعلقون بِمَا يُمكنهُم التَّعَلُّق بِهِ، فَلذَلِك خيف على الصّبيان فِي ذَلِك الْوَقْت وَالْحكمَة فِي انتشارهم حِينَئِذٍ أَن حركتهم فِي اللَّيْل أمكن مِنْهَا لَهُم فِي النَّهَار، لِأَن الظلام أجمع لَهُم من غَيره، وَكَذَلِكَ كل سَواد، وَيُقَال: إِن الشَّيَاطِين تستعين بالظلمة وَتكره النُّور وتشأم بِهِ. قَوْله: (فخلوهم) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: (وأغلق) من الإغلاق، فَلهَذَا يُقَال: الْبَاب مغلق، وَلَا يُقَال: مغلوق، وَإِنَّمَا قَالَ: فكفوا، بِصِيغَة الْجمع، وَقَالَ: أغلق بِصِيغَة الْإِفْرَاد لِأَن المُرَاد بقوله: أغلق لكل وَاحِد، وَهُوَ عَام بِحَسب الْمَعْنى، أَو هُوَ فِي معنى الْمُفْرد إِذْ مُقَابلَة الْجمع بِالْجمعِ تفِيد التَّوْزِيع، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كف أَنْت صبيك، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ بَعضهم: وَلَا شكّ أَن مُقَابلَة الْمُفْرد بالمفرد تفِيد التَّوْزِيع. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب مَا قَالَه الْكرْمَانِي.

قَوْله: (وأطفىء) أَمر من الإطفاء إِنَّمَا أَمر بذلك لِأَنَّهُ جَاءَ فِي (الصَّحِيح) : أَن الفويسقة جرت الفتيلة فأحرقت أهل الْبَيْت، وَهُوَ عَام يدْخل فِيهِ السراج وَغَيره، وَأما الْقَنَادِيل الْمُعَلقَة فَإِن خيف حريق بِسَبَبِهَا دخلت فِي الْأَمر بالإطفاء، وَإِن أَمن ذَلِك كَمَا هُوَ من الْغَالِب فَالظَّاهِر أَنه لَا بَأْس بهَا لانْتِفَاء الْعلَّة، وَسبب ذَلِك أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى على خمرة فجرت الفتيلة الْفَأْرَة فأحرقت من الْخمْرَة مِقْدَار الدِّرْهَم، فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك نبه عَلَيْهِ ابْن الْعَرَبِيّ وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَت فَأْرَة فَأخذت تجر الفتيلة، فَجَاءَت بهَا وألقتها بَين يَدي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْخمْرَة الَّتِي كَانَ قَاعِدا عَلَيْهَا، فأحرقت مِنْهَا مَوضِع دِرْهَم. قَوْله: (وأوك) أَمر من الإيكاء، وَهُوَ الشد، والوكاء: اسْم مَا يشد بِهِ فَم الْقرْبَة، وَهُوَ مَمْدُود مَهْمُوز، والسقاء بِكَسْر السِّين: اللَّبن، وَالْمَاء، والوطب للبن خَاصَّة، والنحي للسمن، والقربة للْمَاء. قَوْله: (وخمِّر) ، أَمر من التخمير وَهُوَ التغطية، وللتخمير فَوَائِد: صِيَانة من الشَّيَاطِين والنجاسات والحشرات وَغَيرهَا، وَمن الوباء الَّذِي ينزل فِي لَيْلَة من السّنة، وَفِي رِوَايَة أَن فِي السّنة لليلة وَفِي رِوَايَة يَوْمًا ينزل وباء لَا يمر بِإِنَاء لَيْسَ عَلَيْهِ غطاء أَو شَيْء لَيْسَ عَلَيْهِ وكاء إلَاّ نزل فِيهِ ذَلِك الوباء. قَالَ اللَّيْث بن سعد: والأعاجم يَتَّقُونَ ذَلِك فِي كانون الأول. قَوْله: (وَلَو تعرض عَلَيْهِ شَيْئا) بِضَم الرَّاء وَكسرهَا، وَمَعْنَاهُ: إِن لم تقدر أَن تغطي فَلَا أقل من أَن تعرض عَلَيْهِ عوداً، أَي: تعرضه عَلَيْهِ بِالْعرضِ وتمده عَلَيْهِ عرضا، أَي: خلاف الطول. قَوْله: (شَيْئا) ، وَفِي رِوَايَة: عوداً، هَذَا مُطلق فِي الْآنِية الَّتِي فِيهَا شراب أَو طَعَام. قلت: روى مُسلم من حَدِيث جَابر بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: أَخْبرنِي أَبُو حميد السَّاعِدِيّ، قَالَ: أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقدح لبن من النقيع لَيْسَ مخمراً. قَالَ: ألَا خمرته، وَلَو تعرض عَلَيْهِ عوداً قَالَ أَبُو حميد: إِنَّمَا أَمر بالأسقية إِن توكأ لَيْلًا، وبالأبواب أَن تغلق لَيْلًا انْتهى. فَهَذَا أَبُو حميد قيد الإيكاء والإغلاق بِاللَّيْلِ. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَار عِنْد الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن تَفْسِير الصَّحَابِيّ إِذا كَانَ خلاف ظَاهر اللَّفْظ لَيْسَ بِحجَّة، وَلَا يلْزم غَيره من الْمُجْتَهدين مُوَافَقَته على تَفْسِيره. وَأما إِذا كَانَ فِي ظَاهر الحَدِيث مَا يُخَالِفهُ فَإِن كَانَ مُجملا يرجع إِلَى تَأْوِيله، وَيجب الْحمل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مُجملا لَا يحل لَهُ حمله على شَيْء إلَاّ بتوقيف، وَكَذَا لَا يجوز تَخْصِيص الْعُمُوم بِمذهب الرَّاوِي عندنَا، بل يتَمَسَّك بِالْعُمُومِ، وَقد يُقَال: أَبُو حميد قَالَ: أمرنَا، وَهَذَا رِوَايَة لَا تَفْسِير، وَهُوَ مَرْفُوع على الْمُخْتَار، وَلَا تنَافِي بَين رِوَايَة أبي حميد وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي يَوْم، إِذْ لَيْسَ فِي أَحدهمَا نفي للْآخر وهما ثابتان. فَإِن قلت: مَا حكم أوَامِر هَذَا الْبَاب؟ قلت: جَمِيعهَا من بَاب الْإِرْشَاد إِلَى الْمصلحَة الدُّنْيَوِيَّة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {واشهدوا إِذا تبايعتم} (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَلَيْسَ على الْإِيجَاب، وغايته أَن يكون من بَاب النّدب، بل قد جعله كثير من الْأُصُولِيِّينَ قسما مُنْفَردا بِنَفسِهِ عَن الْوُجُوب وَالنَّدْب، وَيَنْبَغِي للمرء أَن يمتثل أمره، فَمن امتثل أمره سلم من الضَّرَر بحول الله وقوته، وَمَتى وَالْعِيَاذ بِاللَّه خَالف إِن كَانَ عناداً خلد فَاعله فِي النَّار، وَإِن كَانَ عَن خطأ أَو غلط فَلَا يحرم شرب مَا فِي الْإِنَاء أَو أكله، وَالله أعلم.

٨٦ - (حَدثنِي مَحْمُود بن غيلَان قَالَ حَدثنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن صَفِيَّة ابْنة حييّ قَالَت كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معتكفا فَأَتَيْته أَزورهُ لَيْلًا فَحَدَّثته ثمَّ قُمْت فَانْقَلَبت فَقَامَ معي لِيقلبنِي وَكَانَ مَسْكَنهَا فِي دَار أُسَامَة بن زيد فَمر رجلَانِ من الْأَنْصَار فَلَمَّا رَأيا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَسْرعَا فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على رِسْلكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّة بنت حييّ فَقَالَا سُبْحَانَ الله يَا رَسُول الله قَالَ إِن الشَّيْطَان يجْرِي من الْإِنْسَان مجْرى الدَّم وَإِنِّي خشيت أَن يقذف فِي قُلُوبكُمَا سوءا أَو قَالَ شَيْئا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله إِن الشَّيْطَان وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم والْحَدِيث مر فِي كتاب الِاعْتِكَاف فِي بَاب هَل يخرج الْمُعْتَكف لحوائجه إِلَى بَاب الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره نَحوه وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله " فَانْقَلَبت " من الانقلاب وَهُوَ الرُّجُوع مُطلقًا وَالْمعْنَى هُنَا

فَرَجَعت فَقَامَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معي لِيقلبنِي أَي لأرجع إِلَى بَيْتِي فَقَامَ معي يصحبني قَوْله " على رِسْلكُمَا " بِكَسْر الرَّاء أَي على هيئتكما فَمَا هُنَا شَيْء تكرهانه قَوْله " إِن الشَّيْطَان يجْرِي " قيل هُوَ على ظَاهره إِن الله جعل لَهُ قُوَّة وقدرة على الجري فِي بَاطِن الْإِنْسَان مجْرى الدَّم وَقيل اسْتِعَارَة لِكَثْرَة وسوسته فَكَأَنَّهُ لَا يُفَارِقهُ كَمَا لَا يُفَارق دَمه وَقيل أَنه يلقِي وسوسته فِي مسام لَطِيفَة من الْبدن بِحَيْثُ يصل إِلَى الْقلب وَفِيه التَّحَرُّز عَن سوء الظَّن بِالنَّاسِ وَفِيه كَمَال شفقته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على أمته لِأَنَّهُ خَافَ أَن يلقِي الشَّيْطَان فِي قلبهما شَيْئا فيهلكان فَإِن ظن السوء بالأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كفر

٨٧ - (حَدثنَا عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن عدي بن ثَابت عَن سُلَيْمَان بن صرد قَالَ كنت جَالِسا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ورجلان يستبان فأحدهما احمر وَجهه وَانْتَفَخَتْ أوداجه فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا ذهب عَنهُ مَا يجد لَو قَالَ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان ذهب عَنهُ مَا يجد فَقَالُوا لَهُ إِن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ تعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان فَقَالَ وَهل بِي جُنُون) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وعبدان تكَرر ذكره وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي الْمروزِي وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَسليمَان بن صرد بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة الْخُزَاعِيّ وَقد مر فِي الْغسْل والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عمر بن حَفْص وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى وَأبي كريب وَعَن نصر بن عَليّ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن هناد وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَوْله " يستبان " أَي يتشاتمان قَوْله " أوداجه " جمع ودج بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ عرق فِي الْحلق فِي المذبح وانتفاخ الْأَوْدَاج كِنَايَة عَن شدَّة الْغَضَب (فَإِن قلت) لكل أحد ودجان وَهنا ذكر الْأَوْدَاج بِالْجمعِ (قلت) هَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى {وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين} أَو لِأَن كل قِطْعَة من الودج يُسمى ودجا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَزجّ الحواجب قَوْله " مَا يجد " من وجد يجد وجدا وموجدة إِذا غضب وَوجد يجد وجدانا إِذا لَقِي مَا يَطْلُبهُ قَوْله " هَل بِي جُنُون " قَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا كَلَام من لم يتفقه فِي دين الله وَلم يتهذب بأنوار الشَّرِيعَة المكرمة وتوهم أَن الِاسْتِعَاذَة مُخْتَصَّة بالمجانين وَلم يعلم أَن الْغَضَب من نزغات الشَّيْطَان وَيحْتَمل أَنه كَانَ من الْمُنَافِقين أَو من جُفَاة الْأَعْرَاب انْتهى والاستعاذة من الشَّيْطَان تذْهب الْغَضَب وَهُوَ أقوى السِّلَاح على دفع كَيده وَفِي حَدِيث عَطِيَّة " الْغَضَب من الشَّيْطَان فَإِن الشَّيْطَان خلق من النَّار وَإِنَّمَا تطفأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذا غضب أحدكُم فَليَتَوَضَّأ " وَعَن أبي الدَّرْدَاء " أقرب مَا يكون العَبْد من غضب الله إِذا غضب " وَقَالَ بكر بن عبد الله " اطفئوا نَار الْغَضَب بِذكر نَار جَهَنَّم " وَفِي بعض الْكتب قَالَ الله تَعَالَى " ابْن آدم اذْكُرْنِي إِذا غضِبت أذكرك إِذا غضِبت " وروى الْجَوْزِيّ فِي ترغيبه عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة قَالَ قَالَ إِبْلِيس أَنا جَمْرَة فِي جَوف ابْن آدم إِذا غضب حميته وَإِذا رَضِي منيته -

٣٨٢٣ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا مَنْصُورٌ عَن سالِمِ بنِ أبِي الجَعْدِ عنْ كُرَيْبٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتَى أهْلَهُ قَالَ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي فَإِن كانَ بَيْنَهُمَا ولَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ ولَمْ يُسَلَّطْ علَيْهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب فَإِنَّهُ أخرجه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن همام بن مَنْصُور إِلَى آخِره. قَوْله: (لم يضرّهُ) يَعْنِي: لم يُسَلط عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ وإلَاّ فَلَا يَخْلُو من الوسوسة.

قَالَ وحدَّثنا الأعْمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ كُرَيْبٍ عنْ ابنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ

أَي: قَالَ شُعْبَة: وَحدثنَا سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن سَالم بن أبي الْجَعْد، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لشعبة شَيْخَانِ فِيهِ.

//

٨٩ - (حَدثنَا مَحْمُود حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه صلى صَلَاة فَقَالَ إِن الشَّيْطَان عرض لي فَشد عَليّ يقطع الصَّلَاة عَليّ فأمكنني الله مِنْهُ فَذكره) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومحمود هُوَ ابْن غيلَان الْمروزِي وشبابة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى مَفْتُوحَة ابْن سوار الْفَزارِيّ الْمروزِي والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب الْأَسير أَو الْغَرِيم يرْبط فِي الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن روح وَمُحَمّد بن جَعْفَر كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِن عفريتا من الْجِنّ تفلت على البارحة أَو كلمة نَحْوهَا ليقطع عَليّ الصَّلَاة فأمكنني الله مِنْهُ وَأَرَدْت أَن أربطه إِلَى سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد حَتَّى تصبحوا أَو تنظروا إِلَيْهِ كلكُمْ فَذكرت قَول أخي سُلَيْمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام {رب اغْفِر لي وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي} قَالَ روح فَرده خاسئا قَوْله " فَذكره " أَي فَذكر الحَدِيث بِتَمَامِهِ وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ

٩٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان وَله ضراط فَإِذا قضي أقبل فَإِذا ثوب بهَا أدبر فَإِذا قضى أقبل حَتَّى يخْطر بَين الْإِنْسَان وَقَلبه فَيَقُول اذكر كَذَا وَكَذَا حَتَّى لَا يدْرِي أَثلَاثًا صلى أم أَرْبعا فَإِذا لم يدر ثَلَاثًا صلى أَو أَرْبعا سجد سَجْدَتي السَّهْو) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو والْحَدِيث قد مر فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة فِي بَاب تفكر الرجل الشَّيْء فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن جَعْفَر عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا أذن بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان إِلَى آخِره

٩١ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كل بني آدم يطعن الشَّيْطَان فِي جَنْبَيْهِ بِأُصْبُعِهِ حِين يُولد غير عِيسَى بن مَرْيَم ذهب يطعن فطعن فِي الْحجاب) الْمُطَابقَة فِي هَذَا وَفِي بَقِيَّة الْأَحَادِيث بَينهَا وَبَين التَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهَؤُلَاء الروَاة قد تكَرر ذكرهم قَوْله " يطعن " بِضَم الْعين يُقَال طعن بِالرُّمْحِ وَمَا أشبهه يطعن بِضَم الْعين من بَاب نصر ينصر وَطعن فِي الْعرض وَالنّسب يطعن بِفَتْح الْعين فيهمَا على الْمَشْهُور وَقيل باللغتين فيهمَا قَوْله " فِي جَنْبَيْهِ " بالتثنية فِي رِوَايَة أبي ذَر والجرجاني وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي جنبه بِالْإِفْرَادِ وَحكى عِيَاض أَن فِي كِتَابه من رِوَايَة الْأصيلِيّ من تَحْتَهُ الَّذِي هُوَ ضد فَوق قَالَ وَهُوَ تَصْحِيف قَوْله " بِأُصْبُعِهِ " بِالْإِفْرَادِ أَو بالتثنية أَيْضا على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْجنب قَوْله " فِي الْحجاب " هُوَ الْجلْدَة الَّتِي فِيهَا الْجَنِين وَتسَمى المشيمة قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ وَقيل الْحجاب الثَّوْب الَّذِي يلف فِيهِ الْمَوْلُود وَفِيه فَضِيلَة ظَاهِرَة لعيسى وَأمه عَلَيْهِمَا السَّلَام وَأَرَادَ الشَّيْطَان التَّمَكُّن من أمه فَمَنعه الله مِنْهَا ببركة أمهَا حنة بنت فاقوذ بن ماثان حَيْثُ قَالَت {وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم} وروى عبد الرَّزَّاق فِي تَفْسِيره عَن الْمُنْذر بن النُّعْمَان الْأَفْطَس سمع وهب بن مُنَبّه يَقُول لما ولد عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَتَت الشَّيَاطِين إِبْلِيس فَقَالُوا أَصبَحت الْأَصْنَام منكسة فَقَالَ هَذَا حَادث مَكَانكُمْ وطار حَتَّى بلغ خافقي الأَرْض فَلم يجد شَيْئا ثمَّ جَاءَ الْبحار فَلم يقدر على شَيْء ثمَّ طَار فَوجدَ عِيسَى قد ولد عِنْد مد ودحمار وَإِذا الْمَلَائِكَة قد حفت بِهِ فَرجع إِلَيْهِم فَقَالَ إِن نَبيا قد ولد البارحة وَلَا حملت أُنْثَى وَلَا وضعت قطّ إِلَّا وَأَنا بحضرتها إِلَّا هَذِه فأيسوا من أَن يعبدوا الْأَصْنَام فِي هَذِه الْبَلدة وَفِي لفظ بعد هَذِه

اللَّيْلَة وَلَكِن ائْتُوا بني آدم بالخفة والعجلة. قَوْله إِلَّا هَذِه يُخَالف مَا فِي الصَّحِيح إِلَّا أَن يؤول وَأَشَارَ القَاضِي إِلَى أَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام يشاركون عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي ذَلِك وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ هُوَ قَول قَتَادَة قَالَ وَإِن لم يكن كَذَلِك بطلت الخصوصية وَلَا يلْزم من نخسه إضلال الممسوس وإغواؤه فَإِن ذَلِك نخس فَاسد فَلم يعرض الشَّيْطَان لخواص الْأَوْلِيَاء بأنواع الإغواء والمفاسد وَمَعَ ذَلِك فقد عصمهم الله بقوله {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} -

٧٨٢٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنِ المُغِيرَةِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأمَ فَقُلْتُ منْ هاهُنَا قالُوا أبُو الدَّرْدَاءَ قَالَ أفِيكُمُ الَّذِي أجارَهُ الله مِنَ الشِّيْطَانِ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .

مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، والمغيرة بن مقسم الضَّبِّيّ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَاسم أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصرا جدا، وَأخرجه بأتم مِنْهُ فِي فضل عمار وَحُذَيْفَة عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل أَيْضا، وَأخرجه أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب على مَا يَجِيء عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب. وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي الْوَلِيد وَعَن يحيى بن جَعْفَر وَعَن يزِيد بن هَارُون وَفِي مَنَاقِب ابْن مَسْعُود عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. قَوْله: (أفيكم؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، أَي: أَفِي الْعرَاق؟ قَوْله: (الَّذِي أجاره الله) ، أَي: مَنعه وحماه من الشَّيْطَان، وَهُوَ عمار بن يَاسر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وسيصرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الَّذِي بعده، وَفِي التَّوْضِيح يجوز أَن يكون قَالَه أَبُو الدَّرْدَاء لقَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَو يكون شهد لَهُ: أَن الله أجاره من الشَّيْطَان.

حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ وَقَالَ الَّذِي أجارَهُ الله علىَ لِسانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي عَمَّارَاً

بِهَذَا بَين البُخَارِيّ أَن المُرَاد من قَول أبي الدَّرْدَاء: أفيكم الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان؟ أَنه عمار بن يَاسر الَّذِي هُوَ من السَّابِقين فِي الْإِسْلَام الْمنزل فِيهِ: {إلَاّ من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (النَّحْل: ٦٠١) . وَقد قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ: مرْحَبًا بالطيب المطيب.

٧٨٢٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنِ المُغِيرَةِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأمَ فَقُلْتُ منْ هاهُنَا قالُوا أبُو الدَّرْدَاءَ قَالَ أفِيكُمُ الَّذِي أجارَهُ الله مِنَ الشِّيْطَانِ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .

مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، والمغيرة بن مقسم الضَّبِّيّ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَاسم أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصرا جدا، وَأخرجه بأتم مِنْهُ فِي فضل عمار وَحُذَيْفَة عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل أَيْضا، وَأخرجه أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب على مَا يَجِيء عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب. وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي الْوَلِيد وَعَن يحيى بن جَعْفَر وَعَن يزِيد بن هَارُون وَفِي مَنَاقِب ابْن مَسْعُود عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. قَوْله: (أفيكم؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، أَي: أَفِي الْعرَاق؟ قَوْله: (الَّذِي أجاره الله) ، أَي: مَنعه وحماه من الشَّيْطَان، وَهُوَ عمار بن يَاسر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وسيصرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الَّذِي بعده، وَفِي التَّوْضِيح يجوز أَن يكون قَالَه أَبُو الدَّرْدَاء لقَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَو يكون شهد لَهُ: أَن الله أجاره من الشَّيْطَان.

حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ وَقَالَ الَّذِي أجارَهُ الله علىَ لِسانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي عَمَّارَاً

بِهَذَا بَين البُخَارِيّ أَن المُرَاد من قَول أبي الدَّرْدَاء: أفيكم الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان؟ أَنه عمار بن يَاسر الَّذِي هُوَ من السَّابِقين فِي الْإِسْلَام الْمنزل فِيهِ: {إلَاّ من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (النَّحْل: ٦٠١) . وَقد قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ: مرْحَبًا بالطيب المطيب.

٨٨٢٣ - قالَ وقالَ اللَّيْثُ حدَّثني خالِدُ بنُ يَزِيدَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي هِلَالٍ أنَّ أبَا الأسْوَدِ أخْبَرَهُ عُرْوَةُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ المَلَائِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ والْعَنَانُ الْغَمَامُ بالأمْرِ يَكُونُ فِي الأرْضِ فتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ فتَقُرُّهَا فِي أُذُنِ الكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ فَيَزِيدُونَ مَعَها مِائَةَ كَذِبَةٍ. .

أورد هَذَا التَّعْلِيق فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم أخبرنَا اللَّيْث حَدثنَا ابْن أبي جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: إِن الْمَلَائِكَة تنزل فِي الْعَنَان وَهُوَ السَّحَاب فَتذكر الْأَمر قضي فِي السَّمَاء فتسترق الشَّيَاطِين السّمع فتوحيه إِلَى الْكُهَّان فيكذبون مَعهَا مائَة كذبة من عِنْد أنفسهم، فَانْظُر بَينهمَا إِلَى التَّفَاوُت فِي الْإِسْنَاد والمتن، وَأَبُو الْأسود فِي الروَاة هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن.

قَوْله: (بِالْأَمر) يتَعَلَّق بقوله: (تَتَحَدَّث) . وَقَوله: (والعنان الْغَمَام) ، جملَة مُعْتَرضَة بَين المتعلِّق والمتعلَّق. قَوْله: (يكون) ، جملَة وَقعت حَالا من قَوْله: (بِالْأَمر) . قَوْله: (فتقرها) ، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء، وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ ابْن التِّين: لما تقرر من أَن كل فعل مضاعف مُتَعَدٍّ يكون بِالضَّمِّ إلَاّ أحرف شواذ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: يُقَال: قررت الْكَلَام فِي أذن الْأَصَم إِذا وضعت فمك على صماخه فتلقيه فِيهِ. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: إِنَّه ترديد الْكَلَام فِي أذن الأبكم حَتَّى يفهم. قَوْله: (كَمَا تقر القارورة) ، يُرِيد بِهِ تطبيق رَأس القارورة

بِرَأْس الْوِعَاء الَّذِي يفرغ مِنْهَا فِيهِ. وَقَالَ الْقَابِسِيّ: مَعْنَاهُ يكون لما يلقيه الكاهن حس كحس القارورة عِنْد تحريكها مَعَ الْيَد أَو على الصفاء، وَفِي التَّوْضِيح: وَيُقَال: بالزاي، وَهُوَ مَا يسمع من حس الزجاجة حِين يحك بهَا على شَيْء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فتقرها، يرْوى من الْإِقْرَار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يلقيها كَمَا يسْتَقرّ الشَّيْء فِي قراره.

٩٨٢٣ - حدَّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا تَثاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فإنَّ أحَدَكُمْ إذَا قَالَ هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ.

عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب أَبُو الْحُسَيْن مولى قريبَة بنت مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق من أهل وَاسِط، وروى البُخَارِيّ عَنهُ فِي مَوَاضِع، وروى عَن مُحَمَّد بن عبد الله عَنهُ فِي الْحُدُود، قَالَ: مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين أَو عشْرين وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ ابْن سعد: مَاتَ بواسط. قلت: هُوَ من الْأَفْرَاد، وروى عَنهُ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه كيسَان عَن أبي هُرَيْرَة.

وَقَالَ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : حَدِيث: التثاؤب من الشَّيْطَان، ثمَّ علم عَلامَة البُخَارِيّ حرف (خَ) ثمَّ قَالَ فِي صفة إِبْلِيس: عَن عَاصِم بن عَليّ عَنهُ بِهِ، ثمَّ علم عَلامَة النَّسَائِيّ (س) ثمَّ قَالَ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة: عَن أَحْمد بن حَرْب إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ غير وَاحِد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَسَيَأْتِي. ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: لما وعده مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، حَدِيث: (إِن الله يحب العطاس وَيكرهُ التثاؤب (خَ)) وَفِي الْأَدَب عَن آدم، وَفِيه وَفِي بَدْء الْخلق عَن عَاصِم بن عَليّ (د) فِي الْأَدَب (ت) فِي الاستيذان جَمِيعًا عَن الْحسن عَليّ (س) فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَمْرو بن عَليّ، ثمَّ قَالَ: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا أصح من حَدِيث ابْن عجلَان، يَعْنِي: عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَاسِم بن يزِيد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة.

قَوْله: (التثاؤب) ، مصدر من تثاءب يتثاءب، وَالِاسْم الثؤباء. قَوْله: (من الشَّيْطَان) ، وَإِنَّمَا جعله من الشَّيْطَان كَرَاهَة لَهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون مَعَ ثقل الْبدن وامتلائه وميله إِلَى الكسل وَالنَّوْم، وأضافه إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَدْعُو إِلَى إِعْطَاء النَّفس شهواتها، وَأَرَادَ بِهِ التحذير من السَّبَب الَّذِي يتَوَلَّد مِنْهُ، وَهُوَ التَّوَسُّع فِي الْمطعم والشبع، فيثقل عَن الطَّاعَات ويكسل عَن الْخيرَات. قَوْله: (فَإِذا تثاءب) هُوَ فعل ماضي من بَاب تفَاعل، وَأَصله من: الثأب، ومادته: ثاء مُثَلّثَة وهمزة وباء مُوَحدَة، وتثاءب بِالْمدِّ وَالتَّخْفِيف، ويروى بِالْوَاو: تثاوب، وَقيل: لَا يُقَال: تثاءب، مخففاً بل تثأب، بِالتَّشْدِيدِ فِي الْهمزَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لَا يُقَال: تثاوب، بِالْوَاو. وَأما حَدِيث التثاوب فَهُوَ النَّفس الَّذِي ينفتح مِنْهُ الْفَم لدفع البخارات المختنقة فِي عضلات الفك، وَهُوَ إِنَّمَا ينشأ من امتلاء الْمعدة وَثقل الْبدن وَيُورث الكسل وَسُوء الْفَهم والغفلة. قَوْله: (فليرده) أَي: ليكظم وليضع يَده على الْفَم لِئَلَّا يبلغ الشَّيْطَان مُرَاده من تَشْوِيه صورته وَدخُول فَمه وضحكه مِنْهُ. قَوْله: (إِذا قَالَ هَا) ، كلمة: هَا، حِكَايَة صَوت المتثاوب، فَإِذا قَالَ: هَا، يَعْنِي: إِذا بَالغ فِي التثاؤب، ضحك الشَّيْطَان فَرحا بذلك، وَلذَلِك قَالُوا: لم يتثاءب نَبِي قطّ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن فتح فَاه وَلم يضمه بَصق فِيهِ وَقَالَ: هَا، ضحك مِنْهُ.

٠٩٢٣ - حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحيَى حدَّثَنا أبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ أخْبَرَنَا عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ فَصاحَ إبْلِيسُ أيْ عِبَادَ الله أُخْرَاكُمْ فرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وأُخْرَاهُمْ فنَظَرَ حُذَيْفَةُ فإذَا هُوَ بِأبِيهِ الْيَمانِ فَقَالَ أَي عِبَادَ الله أَبى أبي فَوَالله مَا احْتَجَزُوا حتَّى قتَلُوهُ فَقال حُذَيْفَةُ غَفَرَ الله لَكُمْ قَالَ عُرْوَةُ فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّه. .

زَكَرِيَّاء بن يحيى بن عمر أبي السكن الطَّائِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي

عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات عَن إِسْحَاق وَفِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد، كِلَاهُمَا عَن أبي أُسَامَة أَيْضا.

قَوْله: (أَي عباد الله) ، يَعْنِي: يَا عباد الله. قَوْله: (أخراكم) أَي: الطَّائِفَة الْمُتَأَخِّرَة، أَي: يَا عباد الله احْذَرُوا الَّذين من وَرَائِكُمْ متأخرين عَنْكُم، أَو اقْتُلُوهُمْ، وَالْخطاب للْمُسلمين، أَرَادَ إِبْلِيس تغليطهم لِيُقَاتل الْمُسلمُونَ بَعضهم بَعْضًا. فَرَجَعت الطَّائِفَة الْمُتَقَدّمَة قَاصِدين لقِتَال الْأُخْرَى ظانين أَنهم من الْمُشْركين. قَوْله: (فاجتلدت هِيَ) ، أَي: الطَّائِفَة الْمُتَقَدّمَة والطائفة الْأُخْرَى، أَي تضاربت الطائفتان، وَيحْتَمل أَن يكون الْخطاب للْكَافِرِينَ، أَي: اقْتُلُوا أخراكم، فَرَجَعت أولاهم فتجالد أولى الْكفَّار، وَأُخْرَى الْمُسلمين. قَوْله: (فَنظر حُذَيْفَة بن الْيَمَان) فَإِذا هُوَ بِأَبِيهِ يَعْنِي: الْيَمَان، بتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون بِلَا يَاء بعْدهَا، وَهُوَ لقب واسْمه: حسيل، مصغر الحسل بالمهملتين: ابْن جَابر الْعَبْسِي، بِالْبَاء الْمُوَحدَة بَين الْمُهْمَلَتَيْنِ، أسلم مَعَ حُذَيْفَة وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة وَشهد أحدا وأصابه الْمُسلمُونَ فِي المعركة فَقَتَلُوهُ يَظُنُّونَهُ من الْمُشْركين، وَحُذَيْفَة يَصِيح وَيَقُول: هُوَ أبي لَا تقتلوه، وَلم يُسمع مِنْهُ. قَوْله: (مَا احتجزوا) ، أَي: مَا امْتَنعُوا مِنْهُ، وَيُقَال لكل من ترك شَيْئا: انحجز عَنهُ. قَوْله: (غفر الله لكم) ، دَعَا لمن قَتَلُوهُ من غير علم، لِأَنَّهُ عذرهمْ، وَتصدق حُذَيْفَة بديته على من أَصَابَهُ، وَيُقَال: إِن الَّذِي قَتله هُوَ عقبَة بن مَسْعُود فعفى عَنهُ. قَوْله: (بَقِيَّة خير) ، بَقِيَّة دُعَاء واستغفار لقَاتل الْيَمَان حَتَّى مَاتَ، وَقَالَ التَّيْمِيّ: مَعْنَاهُ: مَا زَالَ فِي حُذَيْفَة بَقِيَّة حزن على أَبِيه من قتل الْمُسلمين.

١٩٢٣ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الرَّبِيعِ حدَّثنا أبُو الأحْوَصِ عنْ أشْعَثَ عنْ أبِيهِ عنْ مَسْرُوقِ قَالَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا سألتُ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الْتِفاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلاةِ فَقَالَ هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ أحَدِكُمْ. (انْظُر الحَدِيث ١٥٧) .

الْحسن بن الرّبيع بن سُلَيْمَان البَجلِيّ الْكُوفِي، يعرف بالبوراني، وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم الْكُوفِي، وَأَشْعَث، بالشين الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن أبي الشعْثَاء، مؤنث الْأَشْعَث الْمَذْكُور، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص إِلَى آخِره. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٢٩٢٣ - حدَّثنا أبُو المُغِيرَةِ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثنا الوَلِيدُ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي قَتادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الله والْحُلُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا حَلُمَ أحَدُكُمْ حُلُمَاً يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عنْ يَسَارِهِ ولْيَتَعَوَّذْ بِاللَّه مِنْ شَرِّهِمَا فإنَّهَا لَا تَضُرُّهِ. .

أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج، مر فِي: بَاب تَزْوِيج الْمحرم عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة الْحَارِث بن الربعِي الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِي: عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْنه شُرَحْبِيل بن أَيُّوب الدِّمَشْقِي عَن الْوَلِيد بن مُسلم الدِّمَشْقِي عَن الْأَوْزَاعِيّ ... إِلَى آخِره، فالطريق الأولى أَعلَى، وَلَكِن فِي الثَّانِيَة التَّصْرِيح بتحديث عبد الله بن أبي قَتَادَة ليحيى بن أبي كثير. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَة) ، الرُّؤْيَا على وزن: فعلى، بِلَا تَنْوِين، وَجَمعهَا: رؤًى، مثل: رعًى، يُقَال: رأى فِي مَنَامه

رُؤْيا، وَفِي الْيَقَظَة رأى رُؤْيَة، قيل: إِن الرُّؤْيَا أَيْضا تكون فِي الْيَقَظَة، وَعَلِيهِ تَفْسِير الْجُمْهُور فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إلَاّ فتْنَة للنَّاس} (الْإِسْرَاء: ٠٦) . إِن الرُّؤْيَا هَهُنَا فِي الْيَقَظَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الرُّؤْيَا بِمَعْنى: الرُّؤْيَة إلَاّ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَام دون الْيَقَظَة، فَلَا جرم، فرق بَينهمَا بِحرف التَّأْنِيث. وَقَالَ الواحدي: الرُّؤْيَا مصدر كالبُشرى، إلَاّ أَنه لما صَار اسْما لهَذَا المتخيل فِي الْمَنَام جرى مجْرى الْأَسْمَاء، وَقيل: يجوز ترك همزها تَخْفِيفًا. وَقَوله: الصَّالِحَة، إِمَّا صفة مُوضحَة للرؤيا، لِأَن غير الصَّالِحَة تسمى: بالحلم، أَو مخصصة، وَالصَّلَاح إِمَّا بِاعْتِبَار صورتهَا، وَإِمَّا بِاعْتِبَار تعبيرها، وَيُقَال لَهَا: الرُّؤْيَا الصادقة والرؤيا الْحَسَنَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى الصَّالِحَة الْحَسَنَة: وَيحْتَمل أَن تجْرِي على ظَاهرهَا، وَأَن تجْرِي على الصادقة، وَالْمرَاد بهَا صِحَّتهَا وَتَفْسِير رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُبَشِّرَات على الأول ظَاهر، لِأَن الْبشَارَة كل خبر صدق يتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه، واستعمالها فِي الْخَيْر أَكثر، وعَلى الثَّانِي مؤول، أما على التغليب أَو يحمل على أصل اللُّغَة وإضافتها إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة اخْتِصَاص وإكرام لسلامتها من التَّخْلِيط وطهارتها عَن حُضُور الشَّيْطَان. قَوْله: (والحلم من الشَّيْطَان) أَي: الرُّؤْيَا الْغَيْر الصَّالِحَة أَي: الكاذبة، أَو السَّيئَة، وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الشَّيْطَان لِأَن الرُّؤْيَا الكاذبة يُرِيد بهَا الشَّيْطَان ليسيء ظَنّه ويحزنه ويقل حَظه من شكر الله، وَلِهَذَا أمره بالبصق عَن يسَاره. وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ: الرُّؤْيَا والحلم بِمَعْنى وَاحِد، لِأَن الْحلم مَا يرَاهُ الْإِنْسَان فِي نَومه، غير أَن صَاحب الشَّرْع خص الْخَيْر باسم الرُّؤْيَا وَالشَّر باسم الْحلم. قَوْله: (فَإِذا حلم أحدكُم) ، بِفَتْح اللَّام، قَالَ ابْن التِّين: وحلم، بِضَم اللَّام عَنهُ بِمَعْنى: عفى عَنهُ، وحلم بِالْكَسْرِ، يُقَال: حلم الْأَدِيم إِذا شب قبل أَن يدبغ. قَوْله: (حلما) ، مصدر بِضَم اللَاّم وسكونها: وَيجمع على: أَحْلَام فِي الْقلَّة: وحلوم، فِي الْكَثْرَة، وَإِنَّمَا جمع وَإِن كَانَ مصدرا لاخْتِلَاف أَنْوَاعه، وَهُوَ فِي الأَصْل عبارَة عَمَّا يرَاهُ الرَّائِي فِي مَنَامه حسنا كَانَ أَو مَكْرُوها. قَوْله: (يخافه) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: حلماً. قَوْله: (فليبصق) ، دحراً للشَّيْطَان بذلك كرمي الْجمار، كَمَا يتفل عِنْد الشَّيْء القذر يرَاهُ وَلَا شَيْء أقذر من الشَّيْطَان، وَذكر الشمَال لِأَن الْعَرَب عِنْدهَا إتْيَان الشَّرّ كُله من قبل الشمَال، وَلذَلِك سمتها الشؤمى، وَكَانُوا يتشاءمون بِمَا جَاءَ من قبلهَا من الطير، وَأَيْضًا لَيْسَ فِيهَا كثير عمل وَلَا بَطش وَلَا أكل وَلَا شرب. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن الْحلم، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير بِاعْتِبَار أَن الْحلم هُوَ الرُّؤْيَا السَّيئَة الكاذبة الْمَكْرُوهَة، والرؤيا الْمَكْرُوهَة هِيَ الَّتِي تكون عَن حَدِيث النَّفس وشهواتها، وَكَذَلِكَ رُؤْيا التهويل والتخويف يدْخلهُ الشَّيْطَان على الْإِنْسَان ليشوش عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَة، وَهَذَا النَّوْع هُوَ الْمَأْمُور بالاستعاذة مِنْهُ، لِأَنَّهُ من تخيلاته، فَإِذا فعل الْمَأْمُور بِهِ صَادِقا أذهب الله عَنهُ مَا أَصَابَهُ من ذَلِك.

٢٩٢٣ - حدَّثنا أبُو المُغِيرَةِ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثنا الوَلِيدُ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي قَتادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الله والْحُلُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا حَلُمَ أحَدُكُمْ حُلُمَاً يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عنْ يَسَارِهِ ولْيَتَعَوَّذْ بِاللَّه مِنْ شَرِّهِمَا فإنَّهَا لَا تَضُرُّهِ. .

أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج، مر فِي: بَاب تَزْوِيج الْمحرم عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة الْحَارِث بن الربعِي الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِي: عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْنه شُرَحْبِيل بن أَيُّوب الدِّمَشْقِي عَن الْوَلِيد بن مُسلم الدِّمَشْقِي عَن الْأَوْزَاعِيّ ... إِلَى آخِره، فالطريق الأولى أَعلَى، وَلَكِن فِي الثَّانِيَة التَّصْرِيح بتحديث عبد الله بن أبي قَتَادَة ليحيى بن أبي كثير. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَة) ، الرُّؤْيَا على وزن: فعلى، بِلَا تَنْوِين، وَجَمعهَا: رؤًى، مثل: رعًى، يُقَال: رأى فِي مَنَامه رُؤْيا، وَفِي الْيَقَظَة رأى رُؤْيَة، قيل: إِن الرُّؤْيَا أَيْضا تكون فِي الْيَقَظَة، وَعَلِيهِ تَفْسِير الْجُمْهُور فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إلَاّ فتْنَة للنَّاس} (الْإِسْرَاء: ٠٦) . إِن الرُّؤْيَا هَهُنَا فِي الْيَقَظَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الرُّؤْيَا بِمَعْنى: الرُّؤْيَة إلَاّ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَام دون الْيَقَظَة، فَلَا جرم، فرق بَينهمَا بِحرف التَّأْنِيث. وَقَالَ الواحدي: الرُّؤْيَا مصدر كالبُشرى، إلَاّ أَنه لما صَار اسْما لهَذَا المتخيل فِي الْمَنَام جرى مجْرى الْأَسْمَاء، وَقيل: يجوز ترك همزها تَخْفِيفًا. وَقَوله: الصَّالِحَة، إِمَّا صفة مُوضحَة للرؤيا، لِأَن غير الصَّالِحَة تسمى: بالحلم، أَو مخصصة، وَالصَّلَاح إِمَّا بِاعْتِبَار صورتهَا، وَإِمَّا بِاعْتِبَار تعبيرها، وَيُقَال لَهَا: الرُّؤْيَا الصادقة والرؤيا الْحَسَنَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى الصَّالِحَة الْحَسَنَة: وَيحْتَمل أَن تجْرِي على ظَاهرهَا، وَأَن تجْرِي على الصادقة، وَالْمرَاد بهَا صِحَّتهَا وَتَفْسِير رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُبَشِّرَات على الأول ظَاهر، لِأَن الْبشَارَة كل خبر صدق يتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه، واستعمالها فِي الْخَيْر أَكثر، وعَلى الثَّانِي مؤول، أما على التغليب أَو يحمل على أصل اللُّغَة وإضافتها إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة اخْتِصَاص وإكرام لسلامتها من التَّخْلِيط وطهارتها عَن حُضُور الشَّيْطَان. قَوْله: (والحلم من الشَّيْطَان) أَي: الرُّؤْيَا الْغَيْر الصَّالِحَة أَي: الكاذبة، أَو السَّيئَة، وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الشَّيْطَان لِأَن الرُّؤْيَا الكاذبة يُرِيد بهَا الشَّيْطَان ليسيء ظَنّه ويحزنه ويقل حَظه من شكر الله، وَلِهَذَا أمره بالبصق عَن يسَاره. وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ: الرُّؤْيَا والحلم بِمَعْنى وَاحِد، لِأَن الْحلم مَا يرَاهُ الْإِنْسَان فِي نَومه، غير أَن صَاحب الشَّرْع خص الْخَيْر باسم الرُّؤْيَا وَالشَّر باسم الْحلم. قَوْله: (فَإِذا حلم أحدكُم) ، بِفَتْح اللَّام، قَالَ ابْن التِّين: وحلم، بِضَم اللَّام عَنهُ بِمَعْنى: عفى عَنهُ، وحلم بِالْكَسْرِ، يُقَال: حلم الْأَدِيم إِذا شب قبل أَن يدبغ. قَوْله: (حلما) ، مصدر بِضَم اللَاّم وسكونها: وَيجمع على: أَحْلَام فِي الْقلَّة: وحلوم، فِي الْكَثْرَة، وَإِنَّمَا جمع وَإِن كَانَ مصدرا لاخْتِلَاف أَنْوَاعه، وَهُوَ فِي الأَصْل عبارَة عَمَّا يرَاهُ الرَّائِي فِي مَنَامه حسنا كَانَ أَو مَكْرُوها. قَوْله: (يخافه) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: حلماً. قَوْله: (فليبصق) ، دحراً للشَّيْطَان بذلك كرمي الْجمار، كَمَا يتفل عِنْد الشَّيْء القذر يرَاهُ وَلَا شَيْء أقذر من الشَّيْطَان، وَذكر الشمَال لِأَن الْعَرَب عِنْدهَا إتْيَان الشَّرّ كُله من قبل الشمَال، وَلذَلِك سمتها الشؤمى، وَكَانُوا يتشاءمون بِمَا جَاءَ من قبلهَا من الطير، وَأَيْضًا لَيْسَ فِيهَا كثير عمل وَلَا بَطش وَلَا أكل وَلَا شرب. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن الْحلم، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير بِاعْتِبَار أَن الْحلم هُوَ الرُّؤْيَا السَّيئَة الكاذبة الْمَكْرُوهَة، والرؤيا الْمَكْرُوهَة هِيَ الَّتِي تكون عَن حَدِيث النَّفس وشهواتها، وَكَذَلِكَ رُؤْيا التهويل والتخويف يدْخلهُ الشَّيْطَان على الْإِنْسَان ليشوش عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَة، وَهَذَا النَّوْع هُوَ الْمَأْمُور بالاستعاذة مِنْهُ، لِأَنَّهُ من تخيلاته، فَإِذا فعل الْمَأْمُور بِهِ صَادِقا أذهب الله عَنهُ مَا أَصَابَهُ من ذَلِك.

٣٩٢٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبرنا مالِكٌ عنْ سُمَيُ مَوْلَى أبي بَكْرٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ قَالَ لَا إلاهَ إلَاّ الله وحْدَهُ لَا شَرِيِكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهْوَ علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنةٍ ومُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وكانَتُ لَهُ حِرْزَاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حتَّى يُمْسِي ولَمْ يَأتِ أحَدٌ بِأفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَاّ أحَدٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. (الحَدِيث ٣٩٢٣ طرفه فِي: ٣٠٤٦) .

سمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة الْقرشِي المَخْزُومِي الْمدنِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الدَّعْوَات عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي ثَوَاب التَّسْبِيح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (عدل) ، بِفَتْح الْعين، أَي: مثل ثَوَاب إِعْتَاق عشر رِقَاب. قَوْله: (حرْزا) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ الْموضع الْحصين وَيُسمى التعويذ أَيْضا حرْزا. قَوْله: (يَوْمه) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى الْيَوْم الَّذِي دَعَا فِيهِ بِهَذَا الْكَلَام الْمُشْتَمل على الِاعْتِرَاف بالوحدانية، وعَلى الشُّكْر لله وَالْإِقْرَار بقدرته على كل شَيْء. قَوْله: (عمل) ، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لقَوْله: أحد. قَوْله: (من ذَلِك) ، أَي: من الْعَمَل الَّذِي عمله الأول.

٤٩٢٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا أبِي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَميدِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنَ زَيْدٍ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ أخْبَرَهُ أنَّ أبَاه سَعْدَ بنَ أبِي وَقَّاصٍ قَالَ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ علَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعِنْدَهُ نِساءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ ويَسْتَكْثِرْنَهُ عالِيَةً أصْوَاتُهُنَّ فلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الحِجَابَ فأذِنَ لَهُ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَضْحَكُ فَقَالَ عُمَرُ أضُحَكَ الله سِنَّكَ يَا رسُولَ الله قَالَ عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاءِ اللَاّتِي كُنَّ عِنْدِي فلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجَابَ قَالَ عُمَرُ فأنْتَ يَا رسولَ الله كُنْتُ أحَقَّ أنْ يَهَبْنَ ثُمَّ قَالَ أَي عَدُوَّاتِ أنْفُسِهِنَّ أتَهَبْنَنِي ولَا تَهَبْنَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قُلْنَ نَعَمْ أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سالِكَاً فَجَّاً إلَاّ سَلَكَ فَجَّاً غَيْرَ فَجِّكَ.

على بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل عمر عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله فرقهما، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم وَعَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم وَفِيه أَرْبَعَة من التَّابِعين وهم صَالح وَمن بعده.

قَوْله: (يكلمنه) ، أَي: يكلمن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ويستكثرنه) ، أَي: يطلبن كثيرا من كَلَامه وَجَوَابه، وَيحْتَمل أَن يكون من الْعَطاء، وَيُؤَيِّدهُ أَنه ورد فِي رِوَايَة أَنَّهُنَّ يردن النَّفَقَة. قَوْله: (عالية أصواتهن) ، هَذِه الْجُمْلَة وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي: يكلمنه، وأصواتهن، بِالرَّفْع لِأَن اسْم الْفَاعِل يعْمل عمله فعله، وعلو أصواتهن يحمل على أَنه كَانَ قبل النَّهْي عَن رفع الصَّوْت، أَو يحمل على أَنه لاجتماعهن، حصل لغط من كلامهن أَو يكون فِيهِنَّ من هِيَ جهيرة الصَّوْت أَو يحمل على أَنَّهُنَّ لما علِمْنَ عَفوه وصفحه سمحن فِي رفع الصَّوْت. قَوْله: (يبتدرون) ، أَي: يتسارعن، وَالْجُمْلَة حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: قُلْنَ. قَوْله: (وَرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضْحك) ، جملَة حَالية. قَوْله: (أضْحك الله سنك) ، لَيْسَ دُعَاء بِكَثْرَة الضحك حَتَّى يُعَارضهُ قَوْله تَعَالَى: {فليضحكوا قَلِيلا} (التَّوْبَة: ٢٨) . بل المُرَاد لَازمه وَهُوَ السرُور، أَو الْآيَة لَيست عَامَّة شَامِلَة لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه الْكرْمَانِي. وَفِيه نظر، وَالْوَجْه هُوَ الأول. قَوْله: (يهين) بِفَتْح الْهَاء من: الهيبة. قَوْله: (أَي: عدوات) ، أَي: يَا عدوات. قَوْله: (أفظ وَأَغْلظ) ، والفظاظة والغلظ بِمَعْنى وَاحِد، هِيَ عبارَة عَن شدَّة الْخلق وخشونة الْجَانِب. فَإِن قلت: الأفظ والأغلظ يَقْتَضِي الشّركَة فِي أصل الْفِعْل، فَيلْزم أَن يكون رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فظاً غليظاً، وَقد نفى الله عَنهُ ذَلِك بقوله: {وَلَو كنت فظاً غليظ الْقلب لانفضوا من حولك} (آل عمرَان: ٩٥١) . قلت: لَا يلْزم مِنْهُ إلَاّ نفس الفظاظة والغلظ، وَهُوَ أَعم من كَونه فظاً غليظاً، لِأَنَّهُمَا صفة مشبهة يدلان على الثُّبُوت وَالْعَام لَا يسْتَلْزم الْخَاص أَو الْأَفْضَل لَيْسَ بِمَعْنى الزِّيَادَة، لقَوْله تَعَالَى: {هُوَ أعلم بكم إِذْ أنشأكم من الأَرْض} (النَّجْم: ٢٣) . هَذَا كُله كَلَام الْكرْمَانِي، وَفِي النَّفس مِنْهُ قلق، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِنَّه على المفاضلة، وَإِن الْقدر الَّذِي بَينهمَا فِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ مَا كَانَ إغلاظه على الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ، قَالَ الله تَعَالَى: {جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأَغْلظ عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٧، وَالتَّحْرِيم: ٩) . قَوْله: (فجاً) بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الْجِيم هُوَ: الطَّرِيق الْوَاسِع، وَقيل: هُوَ الطَّرِيق بَين الجبلين، وَقَالَ عِيَاض: يحْتَمل أَنه ضرب مثلا لبعد الشَّيْطَان وأعوانه من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَنه لَا سَبِيل لَهُم عَلَيْهِم، أَي: إِنَّك إِذا سلكت فِي أَمر بِمَعْرُوف أَو نهي عَن مُنكر تنفذ فِيهِ وَلَا تتركه فييأس الشَّيْطَان من أَن يوسوس فِيهِ فتتركه وتسلك غَيره، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الطَّرِيق على الْحَقِيقَة، لِأَن الله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) . فَلَا يخافه إِذا فِي فج لِأَنَّهُ لَا يرَاهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَيلْزم من ذَلِك أَن يكون عمر أفضل من أَيُّوب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ قَالَ: {مسنى الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب} (ص: ١٤) . قلت: لَا، إِذْ التَّرْكِيب لَا يدل إلَاّ على الزَّمَان الْمَاضِي

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.3 / 29.5
الإضاءة 59%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده