«إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٢٩٦

الحديث رقم ٣٢٩٦ من كتاب «كتاب بدء الخلق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في…

«إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ: لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ » وَقَوْلُ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مَصْرِفًا مَعْدِلًا صَرَفْنَا أَيْ وَجَّهْنَا.

سند حديث: ٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ…

٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في…

عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري -رضي اللّه عنه- قال له: "إني أراك تحب الغنم والبادية"، وهي خلاف الحاضرة، وجمعها بَوَادٍ، "فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة"، أي: أردت الأذان لها، "فارفع صوتك بالنداء"، : بالأذان، "فإنه "لا يسمع غاية، "صوت المؤذن" ونهايته وأقصاه "جن ولا إنس" ولا شيء" قيل: المراد كل شيء يصح منه الشهادة كذلك، وقيل: عام في كل ما يسمع ولو غير عاقل من سائر الحيوانات دون الجماد، "إلا شهد له يوم القيامة"، أي: يشهد له يوم القيامة بأنه من المؤذنين تنويهاً لفضله، وبياناً لثوابه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حرص الصحابة على تعليم الناس السنة.
  • استحباب رفع الصوت بالأذان ليكثر من يشهد له.
  • كل من سمع المؤذن يشهد له يوم القيامة.
  • أذان المنفرد مندوب إليه، ولو كان في صحراء.
  • يستحسن أن يتخذ المسلمون مؤذناً قوي الصوت.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَمْرِ بِالِاسْتِنْثَارِ، وَفِيهِ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ. وَالْخَيْشُومُ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ - هُوَ الْأَنْفُ، وَقِيلَ: الْمَنْخِرُ، وَقَوْلُهُ: فَلْيَسْتَنْثِرْ أَكْثَرُ فَائِدَةً مِنْ قَوْلِهِ: فَلْيَسْتَنْشِقْ لِأَنَّ الِاسْتِنْثَارَ يَقَعُ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ بِغَيْرِ عَكْسٍ، فَقَدْ يَسْتَنْشِقُ وَلَا يَسْتَنْثِرُ، وَالِاسْتِنْثَارُ مِنْ تَمَامِ فَائِدَةِ الِاسْتِنْشَاقِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِنْشَاقِ جَذْبُ الْمَاءِ بِرِيحِ الْأَنْفِ إِلَى أَقْصَاهُ، وَالِاسْتِنْثَارُ إِخْرَاجُ ذَلِكَ الْمَاءِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِنْشَاقِ تَنْظِيفُ دَاخِلِ الْأَنْفِ، وَالِاسْتِنْثَارُ يُخْرِجُ ذَلِكَ الْوَسَخَ مَعَ الْمَاءِ؛ فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الِاسْتِنْشَاقِ، وَقِيلَ: إِنَّ الِاسْتِنْثَارَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّثْرَةِ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ، وَقِيلَ: الْأَنْفُ نَفْسُهُ، فَعَلَى هَذَا فَمَنِ اسْتَنْشَقَ، فَقَدِ اسْتَنْثَرَ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهُ تَنَاوَلَ الْمَاءَ بِأَنْفِهِ أَوْ بِطَرَفِ أَنْفِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.

ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا يَقَعُ لِكُلِّ نَائِمٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَنْ لَمْ يَحْتَرِسْ مِنَ الشَّيْطَانِ بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ قَبْلَ حَدِيثِ سَعْدٍ؛ فَإِنَّ فِيهِ: فَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ وَكَذَلِكَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْقُرْبِ هُنَا أَنَّهُ لَا يَقْرَبُ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِيهِ وَهُوَ الْقَلْبُ، فَيَكُونُ مَبِيتُهُ عَلَى الْأَنْفِ لِيَتَوَصَّلَ مِنْهُ إِلَى الْقَلْبِ إِذَا اسْتَيْقَظَ، فَمَنِ اسْتَنْثَرَ مَنَعَهُ مِنَ التَّوَصُّلِ إِلَى مَا يَقْصِدُ مِنَ الْوَسْوَسَةِ، فَحِينَئِذٍ فَالْحَدِيثُ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مُسْتَيْقِظٍ. ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِنْشَاقَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ اتِّفَاقًا لِكُلِّ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَوْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِوُجُوبِهِ فِي الْغُسْلِ وَطَائِفَةٌ بِوُجُوبِهِ فِي الْوُضُوءِ أَيْضًا، وَهَلْ تَتَأَدَّى السُّنَّةُ بِمُجَرَّدِهِ بِغَيْرِ اسْتِنْثَارٍ أَمْ لَا؟ خِلَافَ، وَهُوَ مَحَلُّ بَحْثٍ وَتَأَمُّلٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ. لِقَوْلِهِ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿بَخْسًا﴾ نَقْصًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ. قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ سَيحْضَرُون لِلْحِسَابِ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عِنْدَ الْحِسَابِ.

٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ الْجِنِّ وَإِلَى كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ، فَأَمَّا إِثْبَاتُ وُجُودِهِمْ فَقَدْ نَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالزَّنَادِقَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا وُجُودَهُمْ رَأْسًا، قَالَ: وَلَا يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْمُشَرِّعِينَ، إِنَّمَا الْعَجَبُ مِنَ الْمُشَرِّعِينَ مَعَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي قَضِيَّةِ الْعَقْلِ مَا يَقْدَحُ فِي إِثْبَاتِهِمْ. قَالَ: وَأَكْثَرُ مَا اسْتَرْوَحَ إِلَيْهِ مَنْ نَفَاهُمْ حُضُورُهُمْ

عِنْدَ الْإِنْسِ بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَهُمْ وَلَوْ شَاءُوا لَأَبْدَوْا أَنْفُسَهُمْ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِعَجَائِبِ الْمَقْدُورَاتِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ وُجُودَهُمْ وَيَنْفُونَهُ الْآنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُهُمْ وَيَنْفِي تَسَلُّطَهُمْ عَلَى الْإِنْسِ. وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ: الدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِهِمُ السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ، إِذْ لَا طَرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِ أَجْسَامٍ غَائِبَةٍ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَعَلُّقٌ، وَلَوْ كَانَ إِثْبَاتُهُمْ بِاضْطِرَارٍ لَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ، إِلَّا أَنَّا قَدْ عَلِمْنَا بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَتَدَيَّنُ بِإِثْبَاتِهِمْ، وَذَلِكَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُتَشَاغَلَ بِإِيرَادِهِ.

وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ صِفَةِ النَّارِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ وَاخْتُلِفَ فِي صِفَتِهِمْ: فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: قَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْجِنُّ أَجْسَادٌ رَقِيقَةٌ بَسِيطَةٌ، قَالَ: وَهَذَا عِنْدَنَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ إِنْ ثَبَتَ بِهِ سَمْعٌ. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ: الْجِنُّ أَجْسَامٌ مُؤَلَّفَةٌ وَأَشْخَاصٌ مُمَثَّلَةٌ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رَقِيقَةً وَأَنْ تَكُونَ كَثِيفَةً خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهَا رَقِيقَةٌ، وَأَنَّ امْتِنَاعَ رُؤْيَتِنَا لَهُمْ مِنْ جِهَةِ رِقَّتِهَا. وَهُوَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الرِّقَّةَ لَيْسَتْ بِمَانِعَةٍ عَنِ الرُّؤْيَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَنْ رُؤْيَتِنَا بَعْضُ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ إِذَا لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِينَا إِدْرَاكَهَا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الرَّبِيعِ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَرَى الْجِنَّ أَبْطَلْنَا شَهَادَتَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. انْتَهَى. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَدَّعِي رُؤْيَتَهُمْ عَلَى صُوَرِهِمُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَرَى شَيْئًا مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَطَوَّرَ عَلَى صُوَرٍ شَتَّى مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْأَخبَارُ بِتَطَوُّرِهِمْ فِي الصُّوَرِ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: هُوَ تَخْيِيلٌ فَقَطْ، وَلَا يَنْتَقِلُ أَحَدٌ عَنْ صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَقِيلَ: بَلْ يَنْتَقِلُونَ، لَكِنْ لَا بِاقْتِدَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ بِضَرْبٍ مِنَ الْفِعْلِ إِذَا فَعَلَهُ انْتَقَلَ كَالسِّحْرِ، وَهَذَا قَدْ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَفِيهِ أَثَرٌ عَنْ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ الْغِيلَانَى ذُكِرُوا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُمْ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَصْلِهِمْ فَقِيلَ: إِنَّ أَصْلَهُمْ مِنْ وَلَدِ إِبْلِيسَ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا سُمِّيَ شَيْطَانًا، وَقِيلَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ خَاصَّةً أَوْلَادُ إِبْلِيسَ، وَمَنْ عَدَاهُمْ لَيْسُوا مِنْ وَلَدِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْجِنِّ يُقَوِّي أَنَّهُمْ نَوْعٌ وَاحِدٌ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَاخْتَلَفَ صِنْفُهُ فَمَنْ كَانَ كَافِرًا سُمِّيَ شَيْطَانًا وَإِلَّا قِيلَ لَهُ جِنِّيٌّ، وَأَمَّا كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْجِنُّ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مُكَلَّفُونَ، وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ، إِلَّا مَا حَكَى زَرْقَانُ عَنْ بَعْضِ الْحَشْوِيَّةِ أَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَى أَفْعَالِهِمْ وَلَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ لِلْجَمَاعَةِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَمِّ الشَّيَاطِينِ وَالتَّحَرُّزِ مِنْ شَرِّهِمْ وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذِهِ الْخِصَالُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ خَالَفَ الْأَمْرَ وَارْتَكَبَ النَّهْيَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَالْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

وَإِذَا تَقَرَّرَ كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ كَانَ فِيهِمْ نَبِيٌّ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ إِثْبَاتَ ذَلِكَ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ الضَّحَّاكِ احْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ رُسُلًا أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ، فَلَوْ جَازَ أَنَّ الْمُرَادَ بِرُسُلِ الْجِنِّ رُسُلُ الْإِنْسِ لَجَازَ عَكْسُهُ، وَهُوَ فَاسِدٌ. انْتَهَى. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ رُسُلَ الْإِنْسِ رُسُلٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَرُسُلُ الْجِنِّ بَثَّهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، فَسَمِعُوا كَلَامَ الرُّسُلِ مِنَ الْإِنْسِ وَبَلَّغُوا قَوْمَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ قَائِلُهُمْ ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ، وَاحْتَجَّ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ قَالَ: وَلَيْسَ الْجِنُّ مِنْ قَوْمِ الْإِنْسِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ أَنْبِيَاءُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَى الْجِنِّ مِنَ الْإِنْسِ نَبِيٌّ إِلَّا نَبِيُّنَا ؛ لِعُمُومِ بَعْثَتِهِ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ بِاتِّفَاقٍ. انْتَهَى، وَقَالَ

ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَهَذَا مِمَّا فُضِّلَ بِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ غَافِرٍ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قَالَ: هُوَ رَسُولُ الْجِنِّ، وَهَذَا ذَكَرَهُ (١).

وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ مَعَ الْعِيسَوِيَّةِ: وَقَدْ عَلِمْنَا ضَرُورَةً أَنَّهُ ادَّعَى كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إِلَى الثَّقَلَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: وَثَبَتَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وَبُعِثْتُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظٍ: وَعَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى الْإِنْسِ فَقَطْ، وَبُعِثَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَإِذَا تَقَرَّرَ كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنَ الْفُرُوعِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ لِمَا ثَبَتَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ وَأَنَّهُمَا زَادُ الْجِنِّ، وَسَيَأْتِي فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي آخِرِهِ: فَقُلْتُ: مَا بَالُ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ؟ قَالَ: هُمَا طَعَامُ الْجِنِّ. . الْحَدِيثَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَنَاوُلِهِمْ لِلرَّوْثِ وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الْإِنْسِ.

وَكَذَلِكَ رَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ خَيْبَرَ فَتَبِعَهُ رَجُلَانِ، وَآخَرُ يَتْلُوهُمَا يَقُولُ: ارْجِعَا. حَتَّى رَدَّهُمَا، ثُمَّ لَحِقَهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَيْنِ شَيْطَانَانِ، فَإِذَا أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَاقْرَأْ ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّا فِي جَمْعِ صَدَقَاتِنَا، وَلَوْ كَانَتْ تَصْلُحُ لَهُ لَبَعَثْنَا بِهَا إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ الرَّجُلُ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَ النَّبِيَّ بِذَلِكَ، فَنَهَى عَنِ الْخَلْوَةِ، أَيِ السَّفَرِ مُنْفَرِدًا.

وَاخْتُلِفَ أَيْضًا: هَلْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ بِالنَّفْيِ، وَقِيلَ بِمُقَابِلِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: أَكْلُهُمْ وَشُرْبُهُمْ تَشَمُّمٌ وَاسْتِرْوَاحٌ لَا مَضْغٌ وَلَا بَلْعٌ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ وَلَمْ يُسَمِّ، ثُمَّ سَمَّى فِي آخِرِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ فَلَمَّا سَمَّى اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبْ بِشِمَالِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ الْجِنَّ أَصْنَافٌ: فَخَالِصُهُمْ رِيحٌ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ، وَجِنْسٌ مِنْهُمْ يَقَعُ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَمِنْهُمُ السَّعَالِي وَالْغُولُ وَالْقُطْرُبُ.

وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ كَانَ جَامِعًا لِلْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الْجِنُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ، وَصِنْفٌ يَحِلُّونَ وَيَظْعَنُونَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ فِي الثَّالِثِ: وَصِنْفٌ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَحَدِ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ قَالَ: مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ إِلَّا وَفِي سَقْفِ بَيْتِهِمْ مِنَ الْجِنِّ، وَإِذَا وُضِعَ الْغَدَاءُ نَزَلُوا فَتَغَدَّوْا مَعَهُمْ وَالْعَشَاءُ كَذَلِكَ.

وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُمْ يَتَنَاكَحُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ وَالدَّلَالَةُ مِنْ ذَلِكَ ظَاهِرَةٌ.

وَاعْتَلَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الْجَانَّ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَفِي النَّارِ مِنَ الْيُبُوسَةِ وَالْخِفَّةِ مَا يَمْنَعُ مَعَهُ التَّوَالُدَ.

وَالْجَوَابُ أَنَّ أَصْلَهُمْ مِنَ النَّارِ كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْآدَمِيِّ مِنَ التُّرَابِ، وَكَمَا أَنَّ الْآدَمِيَّ لَيْسَ طِينًا حَقِيقَةً، كَذَلِكَ الْجِنِّيُّ لَيْسَ نَارًا حَقِيقَةً، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ تَعَرُّضِ الشَّيْطَانِ لِلنَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فَأَخَذْتُهُ فَخَنَقْتُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ رِيقِهِ عَلَى يَدَيَّ. قُلْتُ: وَبِهَذَا الْجَوَابِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنِ اسْتَشْكَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ فَقَالَ كَيْفَ تُحْرِقُ النَّارُ النَّارَ؟

وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَثَوَابُهُمْ

وَعِقَابُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ أَثْبَتَ تَكْلِيفَهُمْ أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ عَلَى الْمَعَاصِي.

وَاخْتُلِفَ: هَلْ يُثَابُونَ؟ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ مَوْقُوفًا. قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، قَالَ اللَّهُ لِمُؤْمِنِ الْجِنِّ وَسَائِرِ الْأُمَمِ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْإِنْسِ: كُونُوا تُرَابًا، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ الْكَافِرُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ قَالَ: ثَوَابُ الْجِنِّ أَنْ يُجَارُوا مِنَ النَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: كُونُوا تُرَابًا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُمْ يُثَابُونَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمْ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَدْخُلُونَ مَدْخَلَ الْإِنْسِ؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَثَانِيهَا: يَكُونُونَ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ، وَرَابِعُهَا: التَّوَقُّفُ عَنِ الْجَوَابِ فِي هَذَا.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فِي هَذَا لَهُمْ ثَوَابٌ، قَالَ: فَوَجَدْنَا مِصْدَاقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ قُلْتُ: وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ قَبْلَهَا: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ يَلِي الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ وَهْبٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ الْآيَةَ، فَإِنَّ الْآيَةَ بَعْدَهَا أَيْضًا: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَسْمَعُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ. وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمُ الْعِقَابَ وَلَهُمُ الثَّوَابَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وَالْخِطَابُ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ثَبَتَ الْمَطْلُوبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (بَخْسًا: نُقْصَانًا) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْجِنِّ: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ قَالَ يَحْيَى الْفَرَّاءُ: الْبَخْسُ: النَّقْصُ، وَالرَّهَقُ: الظُّلْمُ، وَمَفْهُومُ الْآيَةِ: أَنَّ مَنْ يَكْفُرُ فَإِنَّهُ يَخَافُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ تَكْلِيفِهِمْ

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا إِلَخْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ. وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَمَنْ أُمَّهَاتُهُمْ؟ قَالُوا: بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ إِلَخْ وَفِيهِ: قَالَ: عَلِمَتِ الْجِنُّ أَنَّهُمْ سَيَحْضُرُونَ لِلْحِسَابِ قُلْتُ: وَهَذَا الْكَلَامُ الْأَخِيرُ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَسَرَوَاتُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ جَمْعُ سَرِيَّةٍ بِتَحْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ شَرِيفَةٍ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأُمَّهَاتُهُنَّ وَلِغَيْرِهِ وَأُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَوَقَعَ أَيْضًا لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ بِالْإِفْرَادِ، وَرِوَايَتُهُ أَشْبَهُ.

قَوْلُهُ: (جُنْدٌ مُحْضَرُونَ عِنْدَ الْحِسَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْأَذَانِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣ - بَاب قَوْلِ الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿مَصْرِفًا﴾ مَعْدِلًا. ﴿صَرَفْنَا﴾ أَيْ وَجَّهْنَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي تَعْيِينِهِمْ وَتَعْيِينِ بَلَدِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَذَلِكَ أَيْضا مَخْصُوص بِحَال من الْإِسْلَام، فَلَيْسَ على ظَاهره، وَأَيْضًا هُوَ مُقَيّد بِحَال سلوك الطَّرِيق، فَجَاز أَن يلقاه فِي غير تِلْكَ الْحَالة. انْتهى. قلت: الْجَواب الْأَخير موجه، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا أوجه من الْكل وَالله أعلم. وَفِيه فضل لين الْجَانِب والرفق وَفِيه: فضل عمر رَضِي الله عَنهُ وَفِيه حلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَايَة مَا يكون

وَفِيه: لَا يَنْبَغِي الدُّخُول على أحد إلَاّ بعد الاسْتِئْذَان.

٥٩٢٣ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثني ابنُ أبِي حازِمٍ عنْ يَزِيدَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ عِيسَى بنِ طَلْحَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا اسْتَيْقَظَ أُرَاهُ أحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَاً فإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ.

إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: أَبُو إِسْحَاق الزبيرِي الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَابْن أبي حَازِم عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم واسْمه ثَعْلَبَة بن دِينَار، وَيزِيد، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف فِي أَوله: هُوَ يزِيد بن الْهَاد، والهاد أحد أجداده لِأَن يزِيد هَذَا هُوَ ابْن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد، وَيُقَال: يزِيد بن عبد الله بن شَدَّاد بن أُسَامَة بن عَمْرو، وَهُوَ الْهَاد بن عبد الله وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم ابْن الْحَارِث أَبُو عبد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمَدِينِيّ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَة، وَعِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ الْقرشِي، مَاتَ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن بشر بن الحكم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن زنبور الْمَكِّيّ.

قَوْله: (أرَاهُ) أَي: أَظُنهُ. قَوْله: (فليستنثر) ، أَمر من الاستنثار، وَهُوَ نثر مَا فِي الْأنف بِنَفس. قَالَه الْجَوْهَرِي، وَقيل: أَن يستنشق المَاء ثمَّ يسْتَخْرج مَا فِيهِ من أَذَى أَو مخاط، وَكَذَلِكَ الانتنثار، وَقيل: فليستنثر أَكثر فَائِدَة من قَوْله: فليستنشق، لِأَن الاستنثار يَقع على الِاسْتِنْشَاق بِغَيْر عكس، فقد يستنشق وَلَا يستنثر، والاستنثار من تَمام فَائِدَة الِاسْتِنْشَاق، لِأَن حَقِيقَة الِاسْتِنْشَاق جذب المَاء برِيح الْأنف إِلَى أقصاه، والاستنثار إِخْرَاج ذَلِك المَاء. قلت: وَمِمَّا يدل على أَن الاستنثار غير الِاسْتِنْشَاق مَا روى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل المَاء فِي أَنفه ثمَّ ليستنثر، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وروى: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يستنشق ثَلَاثًا فِي كل مرّة يستنثر، وَقد مر فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب الاستنثار فِي الْوضُوء حَدِيث أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة أبي إِدْرِيس عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: من تَوَضَّأ فليستنثر، وَمن استجمر فليوتر، وَفِي: بَاب الِاسْتِجْمَار أَيْضا من رِوَايَة الْأَعْرَج عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل فِي أَنفه مَاء ثمَّ لينتثر. .) الحَدِيث، وَمَرَّتْ زِيَادَة الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (على خيشومه) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم الْمُعْجَمَة، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ أقْصَى الْأنف، وَفِي (التَّوْضِيح) : هُوَ الْأنف. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ المنخران وَالْيَاء فِيهِ زَائِدَة، يُقَال: رجل أخشم إِذا لم يجد رَائِحَة الطّيب، وَقيل: الأخشم منتن الخيشوم، وَقيل: الأخشم الَّذِي لَا يجد ريح الشَّيْء أصلا وَهُوَ الخشام، والخشم مَا يسيل من الخيشوم، ثمَّ ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي أَن هَذَا يَقع لكل نَائِم، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: هَذَا يَقع لمن يحترس من الشَّيْطَان بِشَيْء من الذّكر، فَإِنَّهُ رُوِيَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن فِي ذكر الله حرْزا من الشَّيْطَان.

٢١ - (بابُ ذِكْرِ الجِنِّ وثَوَابِهِمْ وعِقَابِهِمْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجود الْجِنّ، وَفِي بَيَان أَنهم يثابون بِالْخَيرِ ويعاقبون بِالشَّرِّ، وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع:

الأول: فِي وجود الْجِنّ: فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس بن تَيْمِية، رَحمَه الله: لم يُخَالف أحد من طوائف الْمُسلمين فِي وجود الْجِنّ، وَجُمْهُور طوائف الْكفَّار على إِثْبَات الْجِنّ وَإِن وجد فيهم من يُنكر ذَلِك فَكَمَا يُوجد فِي بعض طوائف الْمُسلمين: كالجهمية والمعتزلة، من يُنكر ذَلِك، وَأَن كَانَ جُمْهُور الطَّائِفَة وأئمتها مقرين بذلك، وَهَذَا لِأَن وجود الْجِنّ قد تَوَاتَرَتْ بِهِ أَخْبَار الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، تواتراً مَعْلُوما بالاضطرار، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه (الشَّامِل) : اعلموا، رحمكم الله، إِن كثيرا من الفلاسفة وجماهير الْقَدَرِيَّة وكافة الزَّنَادِقَة أَنْكَرُوا الشَّيَاطِين وَالْجِنّ رَأْسا، وَلَا يبعد لَو أنكر ذَلِك من لَا يتدين وَلَا يتشبث بالشريعة، وَإِنَّمَا الْعجب

من إِنْكَار الْقَدَرِيَّة مَعَ نُصُوص الْقُرْآن وتواتر الْأَخْبَار واستفاضة الْآثَار. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ فِي (شرح الْإِرْشَاد) : وَقد أنكرهم مُعظم الْمُعْتَزلَة وَدلّ إنكارهم إيَّاهُم على قلَّة مبالاتهم وركاكة ديانتهم، فَلَيْسَ فِي إثباتهم مُسْتَحِيل عَقْلِي، وَقد دلّت نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على إثباتهم. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني: وَكثير من الْقَدَرِيَّة يثبتون وجود الْجِنّ قَدِيما، وينفون وجودهم الْآن، وَمِنْهُم من يقر بوجودهم وَيَزْعُم أَنهم لَا يُرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع فِيهَا، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا لَا يُرون لأَنهم لَا ألوان لَهُم. وَقَالَ عبد الْجَبَّار المعتزلي: الدَّلِيل على إثباتهم السّمع دون الْعقل إِذْ لَا طَرِيق إِلَى إِثْبَات أجسام غَائِبَة، لِأَن الشَّيْء لَا يدل على غَيره من غير أَن يكون بَينهمَا تعلق.

النَّوْع الثَّانِي فِي بَيَان ابْتِدَاء خلق الْجِنّ: قَالَ أَبُو حُذَيْفَة إِسْحَاق بن بشر الْقرشِي فِي (الْمُبْتَدَأ) : حَدثنَا عُثْمَان بن الْأَعْمَش عَن بكير بن الْأَخْنَس عَن عبد الرَّحْمَن بن سليط الْقرشِي عَن ابْن عَبَّاس عَن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: خلق الله الْجِنّ قبل آدم بألفي سنة، وَيُقَال: عمروا الأَرْض ألفي سنة، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ الْجِنّ سكان الأَرْض وَالْمَلَائِكَة سكان السَّمَاء وهم عمارها. وَقَالَ إِسْحَاق بن بشر: حَدثنِي جُوَيْبِر وَعُثْمَان بإسنادهما أَن الله تَعَالَى خلق الْجِنّ وَأمرهمْ بعمارة الأَرْض، فَكَانُوا يعْبدُونَ الله تَعَالَى، فطال بهم الأمد فعصوا الله وسفكوا الدِّمَاء، وَكَانَ فيهم ملك يُقَال لَهُ: يُوسُف، فَقَتَلُوهُ فَأرْسل الله عَلَيْهِم جنداً من الْمَلَائِكَة كَانُوا فِي السَّمَاء الدُّنْيَا كَانَ فيهم إِبْلِيس، وَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف، فهبطوا فنفوا بني الجان وأجلوهم عَنْهَا وألحقوهم بجزائر الْبَحْر، وَسكن إِبْلِيس والجند الَّذِي كَانُوا مَعَه الأَرْض فهان عَلَيْهِم الْعَمَل وأحبوا الْمكْث فِيهَا.

النَّوْع الثَّالِث فِي بَيَان خلقهمْ مماذا؟ قَالَ الله تَعَالَى: {وَخلق الجان من مارج من نَار} (الرَّحْمَن: ٥١) . وروى مُسلم من حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خلقت الْمَلَائِكَة من نور وَخلق الجان من مارج من نَار وَخلق آدم مِمَّا وصف لكم) . فَثَبت أَن أصل الْجِنّ النَّار، كَمَا أَن أصل الْإِنْس الطين. وَحكى الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن عَن قَوْله: {خلقتني من نَار} (الْأَعْرَاف: ٢١، وص: ٦٧) . فَهَذَا أَيْضا يدل على أَن أصل الْجِنّ النَّار. فَإِن قلت: يجوز أَن يكذب فِي ذَلِك أَو يَظُنّهُ وَلَا يكون لَهُ علم بِهِ. قلت: لَو لم يكن الْأَمر على مَا قَالَه لأنزل الله تَعَالَى تَكْذِيبه، لِأَن عدم تَكْذِيب الْكَاذِب مِمَّن لَا يجوز عَلَيْهِ الْخَوْف وَالْجهل قَبِيح. فَإِن قلت: فِي النَّار من اليبس مَا لَا يَصح وجود الْحَيَاة فِيهَا والحياة فِي وجودهَا يحْتَاج إِلَى رُطُوبَة. قلت: فَالله قَادر على أَن يفعل رُطُوبَة فِي تِلْكَ النَّار بِمِقْدَار مَا يَصح وجود الْحَيَاة فِيهَا، مَعَ أَن أَبَا هَاشم جوز وجود الْحَيَاة مَعَ عدم التنفس، وَيَقُول: إِن أهل النَّار لَا يتنفسون.

النَّوْع الرَّابِع: فِي أَنهم أجسام وَأَنَّهُمْ على صور مُخْتَلفَة، قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْفراء الْحَنْبَلِيّ: الْجِنّ أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة، وَيجوز أَن تكون رقيقَة وَأَن تكون رقيقَة وَأَن تكون كثيفة خلافًا للمعتزلة فِي قَوْلهم: إِنَّهُم أجسام رقيقَة ولرقتها لَا نراهم قُلْنَا: الرقة لَيْسَ بمانعة عَن الرُّؤْيَة فِي بَاب الرُّؤْيَة، وَيجوز أَن تكون الْأَجْسَام الكثيفة مَوْجُودَة وَلَا نرَاهَا إِذا لم يخلق الله فِينَا الْإِدْرَاك، وَحكى أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ عَن القَاضِي أبي بكر: نَحن نقُول إِنَّمَا رَآهُمْ من رَآهُمْ لِأَن الله خلق لَهُم الرُّؤْيَة، وَأَن من لم يخلق لَهُ الرُّؤْيَة لَا يراهم وَأَنَّهُمْ أجساد مؤلفة وجثث، وَقَالَ كثير من الْمُعْتَزلَة: إِنَّهُم أجساد رقيقَة بسيطة. وَقَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار: أجسام الْجِنّ رقيقَة ولضعف أبصارنا لَا نراهم لَا لعِلَّة أُخْرَى، وَلَو قوى الله أبصارنا أَو كثف أجسامهم لرأيناهم. وَقَالَ السُّهيْلي: الْجِنّ ثَلَاثَة أَصْنَاف، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث: صنف على صور الْحَيَّات، وصنف على صُورَة كلاب سود، وصنف ريح طيارة. أَو قَالَ: هفافة ذُو أَجْنِحَة، وهم يتصورون فِي صور الْحَيَّات والعقارب، وَفِي صور الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير، وَفِي صور الطير، وَفِي صور بني أَدَم. وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: وَلَا قدرَة للشياطين على تَغْيِير خلقهمْ والانتقال فِي الصُّور، وَإِنَّمَا يجوز أَن يعلمهُمْ الله كَلِمَات وَضَربا من ضروب الْأَفْعَال، إِذا فعله وَتكلم بِهِ نَقله من صُورَة إِلَى صور أُخْرَى. وَأما أَن يصور نَفسه فَذَاك محَال.

النَّوْع الْخَامِس: فِي أَن الْجِنّ على أَنْوَاع مِنْهُم: الغول، وَهُوَ العفريت، قَالُوا: إِن الغول حَيَوَان لم تحكمه الطبيعة وَأَنه لما خرج مُنْفَردا توحش وَلم يسْتَأْنس وَطلب القفار، ويتلون فِي ضروب من الصُّور ويتراءى فِي اللَّيْل وَفِي أَوْقَات الخلوات لمن كَانَ مُسَافِرًا وَحده فيتوهم أَنه إِنْسَان ويضل الْمُسَافِر عَن الطَّرِيق، وَمِنْهُم: السعلاة، وَهِي مُغَايرَة للغول، وَأكْثر مَا يُوجد فِي الفيافي إِذا ظَفرت بِإِنْسَان ترقصه وتلعب بِهِ كَمَا تلعب السنور بالفأر، وَمِنْهُم: الغدار، وَهُوَ يُوجد بِأَكْنَافِ الْيمن وَرُبمَا يُوجد فِي أَرض

مصر إِذا عاينه الْإِنْسَان خر مغشياً عَلَيْهِ. وَمِنْهُم: الولهان، يُوجد فِي جزائر الْبَحْر وَهُوَ فِي صُورَة إِنْسَان رَاكب على نعَامَة يَأْكُل النَّاس الَّذين يقذفهم الْبَحْر، وَمِنْهُم: الشق، كَنِصْف آدَمِيّ بالطول زَعَمُوا أَن النسناس مركبه يظْهر للنَّاس فِي أسفارهم. وَمِنْهُم: من يأنس بالآدميين وَلَا يؤذيهم. وَمِنْهُم: من يختطف النِّسَاء الْأَبْكَار. وَمِنْهُم: من هُوَ فِي صُورَة الوزغ. وَمِنْهُم: من هُوَ على صُورَة الْكلاب.

النَّوْع السَّادِس: فِي وَجه تَسْمِيَة الْجِنّ بِهَذَا الإسم: قَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ خلاف الْإِنْس، يُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد: إِذا ستره، وكل شَيْء استتر عَنْك فقد جن عَنْك، وَبِه سميت الْجِنّ، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسمون الْمَلَائِكَة جناً لاستتارهم عَن الْعُيُون، وَالْجِنّ وَالْجنَّة وَاحِد، وَالْجنَّة مَا واراك من سلَاح، قَالَ: والحن بِالْحَاء الْمُهْملَة ضرب من الْجِنّ، قَالَ الراجز:

يلعبن أحوالي من حن وجن

وَقَالَ أَبُو عُمَيْر الزَّاهِد: الحن كلاب الْجِنّ وسفلتهم، وَوَقع فِي كَلَام السُّهيْلي: فِي النتائج أَن الْجِنّ يَشْمَل الْمَلَائِكَة وَغَيرهم مِمَّا اجتن عَن الْأَبْصَار.

النَّوْع السَّابِع: فِي بَيَان أَن الْجِنّ هَل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون؟ وَلِلنَّاسِ فِيهِ أَقْوَال: الأول: أَن جَمِيع الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون، وَهَذَا قَول سَاقِط. الثَّانِي: أَن صنفا مِنْهُم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَصِنْفًا لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون. الثَّالِث: أَن جَمِيعهم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ. وَاخْتلفُوا فِي صفة أكلهم وشربهم، فَقَالَ بَعضهم: أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لَا مضع وَلَا بلع، وَهَذَا قَول لَا يدل عَلَيْهِ دَلِيل، وَقَالَ آخَرُونَ: أكلهم وشربهم مضغ وبلع، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أُميَّة بن محشي، وَفِيه: مَا زَالَ الشَّيْطَان يَأْكُل مَعَه، فَلَمَّا ذكر الله تَعَالَى استقى مَا فِي بَطْنه. وَسُئِلَ وهب بن مُنَبّه عَن الْجِنّ: مَا هم؟ وَهل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون ويموتون؟ فَقَالَ: هم أَجنَاس، فَأَما خَالص الْجِنّ فهم ريح لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَلَا يتناكحون وَلَا يتوالدون، وَمِنْهُم أَجنَاس يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون مِنْهُم: السعالي والغول والقطرب وَغير ذَلِك، رَوَاهُ أَبُو عمر بِإِسْنَادِهِ عَنهُ.

النَّوْع الثَّامِن: فِي بَيَان تَكْلِيف الْجِنّ: قَالَ أَبُو عمر: الْجِنّ عِنْد الْجَمَاعَة مكلفون مخاطبون. لقَوْله تَعَالَى: {يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس} (الْأَنْعَام: ٠٣١، والرحمن: ٣٣) . وَذكر عَن الحشوية أَنهم مضطرون إِلَى أفعالهم وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بمكلفين، وعَلى القَوْل بتكليفهم: هَل لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب أم لَا؟ وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ على قَوْلَيْنِ: فَقيل: لَا ثَوَاب لَهُم إلَاّ النجَاة من النَّار، ثمَّ يُقَال لَهُم: كونُوا تُرَابا مثل الْبَهَائِم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، حَكَاهُ ابْن حزم وَغَيره عَنهُ، وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا: حَدثنَا دَاوُد عَن عمر والضبي حَدثنَا عفيف بن سَالم عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن لَيْث بن أبي سليم، قَالَ: ثَوَاب الْجِنّ أَن يجاروا من النَّار، ثمَّ يُقَال لَهُم: كونُوا تُرَابا. القَوْل الثَّانِي: أَنهم يثابون على الطَّاعَة ويعاقبون على الْمعْصِيَة، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَنقل أَيْضا عَن الشَّافِعِي وَأحمد، وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ: نعم، لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب. وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن كَافِر الْجِنّ يعذب فِي الْآخِرَة لقَوْله تَعَالَى: {النَّار مثواكم} (الْأَنْعَام: ٨٢١) . وَاخْتلفُوا فِي مؤمني الْجِنّ، هَل يدْخلُونَ الْجنَّة؟ على أَرْبَعَة أَقْوَال: وَالْجُمْهُور على أَنهم يدْخلُونَهَا، حَكَاهُ ابْن حزم فِي (الْملَل) عَن ابْن أبي ليلى، وَأبي يُوسُف وَجُمْهُور النَّاس. قَالَ: وَبِه نقُول، ثمَّ اخْتلفُوا هَل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ؟ فروى سُفْيَان الثَّوْريّ فِي (تَفْسِيره) عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك أَنهم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ، وَعَن مُجَاهِد أَنهم يدْخلُونَهَا وَلَكِن لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون ويلهمون من التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس مَا يجده أهل الْجنَّة من لَذَّة الطَّعَام وَالشرَاب، وَذهب الْحَارِث المحاسبي إِلَى أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة، نراهم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يروننا عكس مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. القَوْل الثَّانِي: إِنَّهُم لَا يدْخلُونَ الْجنَّة بل يكونُونَ فِي ربضها يراهم الْإِنْس من حَيْثُ لَا يرونهم، وَهَذَا القَوْل مأثور عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، حَكَاهُ ابْن تَيْمِية، وَهُوَ خلاف مَا حَكَاهُ ابْن حزم. القَوْل الثَّالِث: أَنهم على الْأَعْرَاف. القَوْل الرَّابِع: الْوَقْف. وروى الْحَافِظ أَبُو سعيد عَن عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن الكنجرودي فِي (أَمَالِيهِ) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْحسن عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن مؤمني الْجِنّ لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب) . فسألنا عَن ثوابهم، فَقَالَ: على الْأَعْرَاف، وَلَيْسوا فِي الْجنَّة. فَقَالُوا: مَا الْأَعْرَاف؟ قَالَ: حَائِط الْجنَّة تجْرِي مِنْهُ الْأَنْهَار وتنبت فِيهِ الْأَشْجَار وَالثِّمَار، وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر جدا، ثمَّ إِن مؤمني الْجِنّ إِذا دخلُوا الْجنَّة هَل يرَوْنَ الله تَعَالَى؟ فقد وَقع فِي كَلَام عبد السَّلَام فِي (الْقَوَاعِد الصُّغْرَى) مَا يدل على أَنهم لَا يرَوْنَ الله تَعَالَى. وَأَن الرُّؤْيَة مَخْصُوصَة بمؤمني الْبشر، فَإِنَّهُ صرح بِأَن الْمَلَائِكَة لَا يرَوْنَ الله تَعَالَى فِي الْجنَّة، وَمُقْتَضى هَذَا أَن الْجِنّ لَا يرونه.

النَّوْع التَّاسِع: هَل كَانَ فيهم نَبِي مِنْهُم أَو لَا؟ فروى

الطَّبَرِيّ من طَرِيق الضَّحَّاك بن مُزَاحم، إِثْبَات ذَلِك، وَجُمْهُور الْعلمَاء سلفا وخلفاً على أَنه لم يكن من الْجِنّ نَبِي قطّ وَلَا رَسُول، وَلم تكن الرُّسُل إلَاّ من الْإِنْس، وَنقل هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَابْن جريج وَمُجاهد والكلبي وَأبي عبيد والواحدي، وَذكر إِسْحَاق بن بشر فِي (الْمُبْتَدَأ) : عَن ابْن عَبَّاس أَن الْجِنّ قتلوا نَبيا لَهُم قبل آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، اسْمه يُوسُف، وَأَن الله تَعَالَى بعث إِلَيْهِم رَسُولا وَأمرهمْ بِطَاعَتِهِ. وَمن ذهب إِلَى قَول الضَّحَّاك يسْتَدلّ أَيْضا بقوله تَعَالَى: {يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم ... } (الْأَنْعَام: ٠٣١) . الْآيَة.

النَّوْع الْعَاشِر: فِي بَيَان فِرَقِ الْجِنّ قد أخبر الله تَعَالَى عَن الْجِنّ أَنهم قَالُوا: {وَأَنا منَّا الصالحون ومنَّا دون ذَلِك كُنَّا طرائق قدداً} (الْجِنّ: ١١) . أَي: مَذَاهِب شَتَّى مُسلمُونَ ويهود، وَكَانَ جن نَصِيبين يهوداً. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي (كتاب النَّاسِخ والمنسوخ) : حَدثنَا مطلب بن زِيَاد عَن السّديّ، قَالَ: فِي الْجِنّ قدرية ومرجئة وشيعة، وَحكى السّديّ أَيْضا عَن أشياخه أَن فِي الْجِنّ الْمُؤمن وَالْكَافِر والمعتزلة والجهمية وَجَمِيع الْفرق.

فَوَائِد: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الشَّيَاطِين أَوْلَاد إِبْلِيس لَا يموتون إلَاّ مَعَه، وَالْجِنّ يموتون قبله. وَقَالَ إِسْحَاق: قَالَ أَبُو روق عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما خلق الله شوما أَبَا الْجِنّ، وَهُوَ الَّذِي خلق من مارج من نَار، فَقَالَ تبَارك وَتَعَالَى: تمنَّ. فَقَالَ: أتمنَّى أَن نَرى وَلَا نُرى، وَأَن نغيب فِي الثرى، وَأَن يصير كهلنا شَابًّا. فَأعْطِي ذَلِك، فهم يَرون وَلَا يُرون، وَإِذا مَاتُوا غَيَّبُوا فِي الثرى وَلَا يَمُوت كهلهم حَتَّى يعود شَابًّا، يَعْنِي: مثل الصَّبِي ثمَّ يرد إِلَى أرذل الْعُمر. وَسُئِلَ أَبُو الْبَقَاء العكبري الْحَنْبَلِيّ عَن الْجِنّ: (هَل تصح الصَّلَاة خَلفهم؟ قَالَ: نعم، لأَنهم مكلفون، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل إِلَيْهِم.

لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي} إِلَى قَوْلِهِ {عَمَّا يَعْمَلُون} (الْأَنْعَام: ٠٣١) .

اللَّام فِي: لقَوْله، للتَّعْلِيل للتَّرْجَمَة لأجل الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَجه الِاسْتِدْلَال إِن قَوْله تَعَالَى: ينذرونكم، يدل على الْعقَاب، وَقَوله: {وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا} (الْأَنْعَام: ٢٣١، والأحقاف: ٩١) . يدل على الثَّوَاب، وَتَمام الْآيَة.

بَخْساً نَقْصاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخساً} (الْجِنّ: ٣١) . فسر البخس بقوله: (نقصا) قَالَ الْفراء: البخس: النَّقْص، والرهق: الظُّلم، فدلت الْآيَة أَن من يكفر يخَاف، وَالْخَوْف يدل على كَون الْجِنّ مكلفين لِأَن الْآيَة فيهم.

وقالَ مُجَاهِدٌ {وجعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً} (الصافات: ٨٥١) . قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ المَلَائِكَةُ بَناتُ الله وأُمَّهَاتُهُمْ بَناتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ قَالَ الله: {ولَقَدْ عَلِمْتُ الجِنَّةُ إنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} (الصافات: ٨٥١) . ستُحْضَرُ لِلْحِسابِ {جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} (ي س: ٥٧) . عِنْد الحِسَابِ

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تعال: {وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا} أَن كفار قُرَيْش قَالُوا: إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله وَأُمَّهَات الْمَلَائِكَة هن بَنَات سروات الْجِنّ أَي: ساداتهم، والسروات جمع سراة جمع سري وَهُوَ نَادِر شَاذ، لِأَن فعلات لَا يجمع على فعلة، كَذَا قَالَه صَاحب (التَّوْضِيح) ، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَالصَّوَاب مَا قَالَه الْجَوْهَرِي: السرو سخاء فِي مُرُوءَة، يُقَال: سرا يسرو سري بِالْكَسْرِ يسري سرواً فيهمَا، وسرو يسرو سراوة، أَي: صَار سرياً، وَجمع السّري: سراة، وَهُوَ جمع عَزِيز أَن يجمع فعيل على فعلة، وَلَا يعرف غَيره، وَجمع السراة سراوات، وَأثر مُجَاهِد الْمُعَلق أخرجه ابْن جرير من حَدِيث ابْن أبي نجيح عَنهُ بِزِيَادَة، فَقَالَ أَبُو بكر: فَمن أمهاتهن؟ فَقَالُوا: بَنَات سروات الْجِنّ، يحسبون أَنهم خلقُوا مِمَّا خلق مِنْهُ إِبْلِيس، لَعنه الله. انْتهى. وَوَقع هَهُنَا أمهاتهن، وَالصَّوَاب: أمهاتهم، مثل مَا وَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ. قَوْله قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَقَد علمت الْجنَّة إِنَّهُم لمحضرون} (الصافات: ٨٥١) . وَقَبله: {وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا} (الصافات: ٨٥١) . أَي: جعل مشركو مَكَّة بَينه أَي: بَين الله وَبَين الْجنَّة نسبا، وَهُوَ زعمهم أَن الْمَلَائِكَة بَنَات الله سموا الْمَلَائِكَة جنَّة لاجتنانهم عَن الْأَبْصَار، وَالْمعْنَى: جعلُوا بِمَا قَالُوهُ نِسْبَة بَين الله وَبَين الْمَلَائِكَة، وأثبتوا بذلك جنسية جَامِعَة لله وللملائكة تعال الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: قَالُوا لعنهم الله بل تزوج من الْجِنّ فَخرج مِنْهَا الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُم: الْجِنّ، وَمِنْهُم إِبْلِيس هم بَنَات الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك، وَقَالَ الْحسن: أشركوا الشَّيْطَان فِي عبَادَة الله فَهُوَ النّسَب الَّذِي

حرست السَّمَاء وَرَجَمُوا بِالشُّهُبِ، قَالَ إِبْلِيس: إِن هَذَا الَّذِي حدث فِي السَّمَاء لشَيْء حدث فِي الأَرْض. فَبعث سَرَايَا ليعرف الْخَبَر فَكَانَ أول بعث ركب من أهل نَصِيبين، وهم أَشْرَاف الْجِنّ وساداتهم، فبعثهم إِلَى تهَامَة فاندفعوا حَتَّى بلغُوا وَادي نَخْلَة فوجدوا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُصَلِّي صَلَاة الْغَدَاة وَيَتْلُو الْقُرْآن. فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ قَالُوا: أَنْصتُوا يَعْنِي: اصغوا إِلَى قِرَاءَته. قَوْله: (فَلَمَّا قضى) أَي: فَلَمَّا فرغ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من تِلَاوَته، ولوا أَي: رجعُوا إِلَى قَومهمْ منذرين، أَي: محذرين عَذَاب الله إِن لم يُؤمنُوا. قَوْله: (قَالُوا: يَا قَومنَا) يَعْنِي: قَالُوا لَهُم إِنَّا سمعنَا كتابا أنزل من بعد مُوسَى، ذهب بَعضهم إِلَى أَنهم كَانُوا يهود، وَلِهَذَا قَالُوا: من بعد مُوسَى، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَت الْجِنّ لم تسمع بِأَمْر عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلذَلِك قَالُوا: من بعده مُوسَى. قَوْله: (مُصدقا) صفة لقَوْله: كتابا، يَعْنِي: مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتب. قَوْله: (يهدي إِلَى الْحق) ، صفة للْكتاب بعد صفة، وَكَذَلِكَ قَوْله: إِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم، قَوْله: (قُولُوا) ، يَعْنِي: قَالُوا لقومهم أجِيبُوا دَاعِي الله، أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (ويُجِرْكُم من عَذَاب أَلِيم) أَي: من عَذَاب النَّار، وَقَالُوا أَيْضا: وَمن لَا يجب دَاعِي الله، أَي: الرَّسُول، وَلم يُؤمن بِهِ. قَوْله: (فَلَيْسَ بمعجز فِي الأَرْض) أَي: لَا يُنجي مِنْهُ مهرب وَلَا يسْبق قَضَاءَهُ سَابق. قَوْله: (أَوْلِيَاء) أَي: أنصار يمنعونه مِنْهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس أَن هَؤُلَاءِ الْجِنّ كَانُوا سَبْعَة من جن نَصِيبين فجعلهم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رسلًا إِلَى قَومهمْ، وَقيل: كَانُوا تِسْعَة، وَقيل: كَانُوا اثْنَي عشر ألفا. وَالسورَة الَّتِي كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يقْرؤهَا سُورَة {إقرأ باسم رَبك} (العلق: ١) . وَذكر ابْن دُرَيْد من أَسمَاء هَؤُلَاءِ الْجِنّ خَمْسَة، وهم: سامر ومامر ومنسى وماسي والأحقب، وَذكر ابْن سَلام فِي (تَفْسِيره) عَن ابْن مَسْعُود: وَمِنْهُم: عَمْرو ابْن جَابر، وَذكر ابْن أبي الدُّنْيَا: زَوْبَعَة، وَمِنْهُم: سرق، وَفِي (تَفْسِير عبد بن حميد) : كَانُوا من نِينَوَى، وأتوه بنخلة وَقيل: بشعب الْحجُون.

مَصْرِفاً مَعْدِلاً

أَشَارَ بِهِ إلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلم يَجدوا عَنْهَا مصرفاً} (الْكَهْف: ٣٥) . وَفَسرهُ بقوله: معدلاً، وَبِه فسر أَبُو عُبَيْدَة.

صَرَفْنا أيْ وجَّهْنا

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من قَوْله: {وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ} (الْأَحْقَاف: ٩٢) . وَفسّر: صرفنَا، بقوله: وجهنا، وَقيل: مَعْنَاهُ أملنا إِلَيْك، وَقيل: أَقبلنَا بهم نَحْوك، وَقيل ألجأناهم، وَقيل: وفقناهم بصرفنا إيَّاهُم عَن بِلَادهمْ إِلَيْك، وَالله أعلم.

٤١ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالى {وبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} (الْبَقَرَة: ٤٦١) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله تَعَالَى: {وَبث فِيهَا من كل دَابَّة} (الْبَقَرَة: ٤٦١) .

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الثُّعْبَانُ الحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين} (الْأَعْرَاف: ٧٠١، وَالشعرَاء: ٢٣) . وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه الطَّبَرِيّ فِي (تَفْسِيره) من حَدِيث شهر ابْن حَوْشَب عَنهُ، حَيْثُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين} (الْأَعْرَاف: ٧٠١، وَالشعرَاء: ٢٣) . وَفسّر الثعبان بِأَنَّهُ الْحَيَّة الذّكر، وَقيد بقوله: الذّكر، لِأَن لفظ الْحَيَّة يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَلَيْسَت التَّاء فِيهِ للتأنيث، وَإِنَّمَا هِيَ كتاء تَمْرَة ودجاجة، وَقد رُوِيَ عَن الْعَرَب: رَأَيْت حَيا على حَيَّة، أَي: ذكرا على أُنْثَى.

يُقَالُ: الحَيَّاتُ أجْنَاسٌ الجِنَّانُ والأفَاعِي والأساوِدُ

هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: الْجنان أَجنَاس، وَقَالَ عِيَاض: وَالصَّوَاب هُوَ الأول، والجنان، بِكَسْر الْجِيم وَتَشْديد النُّون وَبعد الْألف نون أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْجنان تكون فِي الْبيُوت وَاحِدهَا جَان وَهُوَ الدَّقِيق الْخَفِيف، والجان: الشَّيْطَان أَيْضا. قَوْله: (والأفاعي) جمع أَفْعَى، وَهُوَ ضرب من الْحَيَّات، وَأهل الْحجاز يَقُولُونَ: أفعو، وَجَاء فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: لَا بَأْس بقتل الأفعو، أَرَادَ: الأفعى، وقلب ألفها واواً فِي الْوَقْف، وَمِنْهُم من يقلب الْألف يَاء فِي الْوَقْف، وَبَعْضهمْ

يشدد الْوَاو وَالْيَاء وهمزته زَائِدَة، والأفوعان، بِالضَّمِّ: ذكر الأفاعي، وكنية الأفعى أَبُو حَيَّان، وَأَبُو يحيى لِأَنَّهُ يعِيش ألف سنة وَهُوَ الشجاع الْأسود الَّذِي يواثب الْإِنْسَان، وَمن صفة الأفعى إِذا فقئت عينهَا عَادَتْ وَلَا تغمض حدقتها الْبَتَّةَ. قَوْله: (والأساود) جمع الْأسود، وَهُوَ الْعَظِيم من الْحَيَّات، وَفِيه سَواد، وَيُقَال: هُوَ أَخبث الْحَيَّات، وَيُقَال لَهُ: أسود سالخ لِأَنَّهُ يسلخ جلده كل عَام، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ) : عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: (أعوذ بِاللَّه من أَسد وأسود) ، وَقيل: الْأسود: حَيَّة رقشاء دقيقة الْعُنُق عريضة الرَّأْس، وَرُبمَا كَانَ ذَا قرنين. وَقَالَ ابْن خالويه: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب أَسمَاء الْجنان وصفاتها إلَاّ مَا أذكرهُ. وعد لَهَا نَحوا من سبعين إسماً مِنْهَا: الشجاع الأرقم الْأسود الأفعى الأبتر الأعيرج الأصلة الصل الجان الْجنان والجرارة والرتيلاء، وَذكر الجاحظ أَيْضا أَنْوَاعهَا، مِنْهَا: المكللة الرَّأْس، طولهَا شبران أَو ثَلَاثَة إِن حَاذَى جحرها طَائِر سقط وَلَا يحس بهَا حَيَوَان إلَاّ هرب فَإِن قرب مِنْهَا حدر وَلم يَتَحَرَّك وَتقتل بصفيرها، وَمن وَقع عَلَيْهِ نظرها مَاتَ، وَمن نهشته ذاب فِي الْحَال، وَمَات كل من قرب من ذَلِك الْمَيِّت من الْحَيَوَان، فَإِن مَسهَا بعصا هلك بِوَاسِطَة الْعَصَا، وَقيل: إِن رجلا طَعنهَا بِرُمْح فَمَاتَ هُوَ ودابته فِي سَاعَة وَاحِدَة قَالَ: وَهَذَا الْجِنْس كثير بِبِلَاد التّرْك.

آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا فِي مِلْكِهِ وسُلْطَانِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا من دَابَّة إلَاّ هُوَ آخذ بناصيتها} (هود: ٦٥) . أَي: فِي ملكه وسلطانه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: فِي قَبضته وَملكه وسلطانه، وَخص الناصية بِالذكر على عَادَة الْعَرَب فِي ذَلِك تَقول: نَاصِيَة فلَان فِي يَد فلَان، إِذا كَانَ فِي طَاعَته، وَمن ثمَّة كَانُوا يجزون نَاصِيَة الْأَسير إِذا أَطْلقُوهُ.

يُقَالُ صافَّاتٍ بُسْطٌ أجْنِحَتَهُنَّ يَقْبِضْنَ يَضْرِبْنَ بِأجْنِحَتِهِنَّ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ألم يرَوا إِلَى الطير فَوْقهم صافات ويقبضن} (الْملك: ٩١) . أَي: باسطات أجنحتهن ضاربات بهَا، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {صافات} قَالَ: بسط أجنحتهن.

٧٩٢٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُف حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَخْطُبُ علَى المِنْبَرِ يَقُولُ اقْتُلُوا الحَيَّاتِ واقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ والأبْتَرَ فإنَّهُمَا يَطْمِسَانِ البَصَرَ ويَسْقِطَانِ الحَبَلَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ذَا الطفيتين من جملَة مَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الدَّابَّة، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان عَن عبد بن حميد.

قَوْله: (ذَا الطفيتين) ، بِضَم الطَّاء وَسُكُون الْفَاء: هُوَ ضرب من الْحَيَّات فِي ظَهره خطان أبيضان، والطفية أَصْلهَا خوص الْمقل، فَشبه الْخط الَّذِي على ظهر هَذِه الْحَيَّة بِهِ، وَرُبمَا قيل: لهَذِهِ الْحَيَّة، طفية على معنى: ذَات طفية، وَقد يُسمى الشَّيْء باسم مَا يجاوره، وَقيل: هما نقطان، حَكَاهُ القَاضِي، قَالَ الْخَلِيل: وَهِي حَيَّة خبيثة. قَوْله: (والأبتر) هُوَ مَقْطُوع الذَّنب. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: هُوَ أَزْرَق اللَّوْن لَا تنظر إِلَيْهِ حَامِل إلَاّ أَلْقَت، وَقيل: الأبتر الْحَيَّة القصيرة الذَّنب. قَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ الأفعى الَّتِي تكون قدر شبر أَو أَكثر قَلِيلا. قَوْله: (يطمسان الْبَصَر) ، يمحوان نوره، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عمر: وَيذْهب الْبَصَر، وَفِي حَدِيث عَائِشَة: فَإِنَّهُ يلْتَمس الْبَصَر. قَوْله: (ويسقطان الْحَبل) ، ويروى (يستسقطان) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ الْجَنِين، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي مليكَة الَّتِي تَأتي بعد أَحَادِيث: فَإِنَّهُ يسْقط الْوَلَد، وَفِي رِوَايَة عَن عَائِشَة ستأتي بعد أَحَادِيث: وتصيب الْحَبل، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْهَا: تذْهب الْحَبل، وَالْكل بِمَعْنى وَاحِد، وَإِنَّمَا أَمر بقتلها لِأَن الْجِنّ. لَا تتمثل بهَا، وَلِهَذَا أَدخل البُخَارِيّ حَدِيث ابْن عمر فِي الْبَاب وَنهى عَن قتل ذَوَات الْبيُوت، لِأَن الْجِنّ تتمثل بهَا، قَالَه الدَّاودِيّ.

(قَالَ عبد الله فَبينا أَنا أطارد حَيَّة لأقتلها فناداني أَبُو لبَابَة لَا تقتلها فَقلت إِن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد أَمر بقتل الْحَيَّات قَالَ إِنَّه نهى بعد ذَلِك عَن ذَوَات الْبيُوت وَهِي العوامر)

أَي قَالَ عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَوْله " أطارد حَيَّة " أَي أطلبها وأتبعها لأقتلها أَي لِأَن أقتلها قَوْله " فناداني أَبُو لبَابَة " بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى واسْمه رِفَاعَة بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء على الْأَصَح ابْن عبد الْمُنْذر الأوسي النَّقِيب قَالَه الْكرْمَانِي وَفِي التَّوْضِيح اسْمه بشير بِفَتْح الْبَاء وَكسر الشين الْمُعْجَمَة ابْن عبد الْمُنْذر بن رِفَاعَة بن زنبور بن أُميَّة بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن أَوْس رده رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من الروحاء حِين خرج إِلَى بدر وَاسْتَعْملهُ على الْمَدِينَة وَضرب لَهُ بِسَهْم وأجره وَتُوفِّي بعد قتل عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأَخُوهُ مُبشر بن عبد الْمُنْذر شهد بَدْرًا وَقتل بهَا وأخوهما رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر شهد الْعقبَة وبدرا وَقتل بِأحد وَلَيْسَ لَهُ عقب ذَلِك كُله ابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَقَالَ أَبُو عمر بشير بن عبد الْمُنْذر أَبُو لبَابَة الْأنْصَارِيّ غلبت عَلَيْهِ كنيته وَاخْتلف فِي اسْمه فَقيل رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر كَذَا قَالَه مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام وَخَلِيفَة وَقَالَ أَحْمد بن زُهَيْر سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين يَقُولَانِ أَبُو لبَابَة اسْمه رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر وَقَالَ ابْن إِسْحَق كَانَ نَقِيبًا شهد الْعقبَة وَشهد بَدْرًا وَزعم قوم أَنه والْحَارث بن حَاطِب خرجا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى بدر فرجعهما وَأمر أَبَا لبَابَة على الْمَدِينَة وَضرب لَهُ بِسَهْم مَعَ أَصْحَاب بدر قَالَ ابْن هِشَام ردهما من الروحاء وَقَالَ أَبُو عمر قد اسْتخْلف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَبَا لبَابَة على الْمَدِينَة أَيْضا حِين خرج إِلَى غَزْوَة السويق وَشهد مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أحدا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد وَكَانَت مَعَه راية بني عَمْرو بن عَوْف فِي غَزْوَة الْفَتْح مَاتَ فِي خلَافَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (قلت) لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح إِلَّا هَذَا الحَدِيث قَوْله " قَالَ إِنَّه نهى بعد ذَلِك " أَي قَالَ أَبُو لبَابَة أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى بعد أمره بقتل الْحَيَّات عَن قتل ذَوَات الْبيُوت أَي الساكنات فِيهَا وَيُقَال لَهَا الْجنان وَهِي حيات طوال بيض قَلما تضر وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن ابْن الْمُبَارك أَنَّهَا الْحَيَّة الَّتِي تكون كَأَنَّهَا فضَّة وَلَا تلتوي فِي مشيتهَا قَوْله " وَهِي العوامر " قيل أَنه من كَلَام الزُّهْرِيّ مدرج فِي الْخَبَر وَقد بَينه معمر فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ فساق الحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره وَقَالَ وَهِي العوامر سميت بهَا لطول عمرها وَقَالَ الْجَوْهَرِي عمار الْبيُوت سكانها من الْجِنّ وَقيل سميت بهَا لطول لبثهن فِي الْبيُوت مَأْخُوذ من الْعُمر بِالْفَتْح وَهُوَ طول الْبَقَاء وروى مُسلم من حَدِيث أبي سعيد مَرْفُوعا أَن لهَذِهِ الْبيُوت عوامر فَإِذا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئا فَخَرجُوا عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِن ذهب وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ وَمعنى فَخَرجُوا عَلَيْهِ أَن يُقَال لَهُ أَنْت فِي حرج أَي ضيق إِن لَبِثت عندنَا أَو ظَهرت لنا أَو عدت إِلَيْنَا وَمعنى ثَلَاثًا أَي ثَلَاث مَرَّات وَقيل ثَلَاثَة أَيَّام وَإِن كَانَت فِي الصحارى والأودية تقتل من غير إيذان لعُمُوم قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " خمس من الفواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم فَذكر مِنْهُنَّ الْحَيَّة وَجَاء فِي حَدِيث آخر " من تركهن مَخَافَة شرهن فَلَيْسَ منا " ثمَّ اعْلَم أَن ظَاهر الحَدِيث التَّعْمِيم فِي الْبيُوت وَعَن مَالك تَخْصِيصه ببيوت أهل الْمَدِينَة وَقيل يخْتَص ببيوت المدن دون غَيرهَا

(وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر فرآني أَبُو لبَابَة أَو زيد بن الْخطاب) عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد أَرَادَ بِهَذَا أَن معمرا روى الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد على الشَّك فِي اسْم الَّذِي لَقِي عبد الله بن عمر أَبُو لبَابَة أَو زيد بن الْخطاب هُوَ أَخُو عمر بن الْخطاب لِأَبِيهِ وَله فِي الصَّحِيح هَذَا الحَدِيث اسْتشْهد بِالْيَمَامَةِ وَرِوَايَة عبد الرَّزَّاق هَذِه رَوَاهَا مُسلم وَلم يسق لَفظهَا وَسَاقه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيقه

(وَتَابعه يُونُس وَابْن عُيَيْنَة وَإِسْحَاق الْكَلْبِيّ والزبيدي) أَي تَابع معمرا يُونُس بن يزِيد على الشَّك فِي اسْم الَّذِي لَقِي عبد الله بن عمر هَل هُوَ أَبُو لبَابَة أَو زيد بن الْخطاب وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا مُسلم وَلم يسق لَفظهَا وَسَاقه أَبُو عوَانَة قَوْله " وَابْن عُيَيْنَة " أَي تَابع معمرا أَيْضا فِي الشَّك سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا مُسلم وَقَالَ حَدثنِي عَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " اقْتُلُوا الْحَيَّات وَذَات الطفيتين والأبتر فَإِنَّهُمَا يستسقطان الْحَبل ويلتمسان الْبَصَر " قَالَ فَكَانَ ابْن عمر يقتل كل حَيَّة وجدهَا فَأَبْصَرَهُ أَبُو لبَابَة بن عبد الْمُنْذر أَو زيد بن الْخطاب وَهُوَ يطارد حَيَّة فَقَالَ إِنَّه قد نهي عَن ذَوَات الْبيُوت قَوْله " وَإِسْحَاق الْكَلْبِيّ أَي تَابع معمرا أَيْضا فِي الشَّك إِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ الْحِمصِي قَوْله " والزبيدي " أَي تَابع معمرا أَيْضا فِي الشَّك مُحَمَّد بن الْوَلِيد

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَمْرِ بِالِاسْتِنْثَارِ، وَفِيهِ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ. وَالْخَيْشُومُ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ - هُوَ الْأَنْفُ، وَقِيلَ: الْمَنْخِرُ، وَقَوْلُهُ: فَلْيَسْتَنْثِرْ أَكْثَرُ فَائِدَةً مِنْ قَوْلِهِ: فَلْيَسْتَنْشِقْ لِأَنَّ الِاسْتِنْثَارَ يَقَعُ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ بِغَيْرِ عَكْسٍ، فَقَدْ يَسْتَنْشِقُ وَلَا يَسْتَنْثِرُ، وَالِاسْتِنْثَارُ مِنْ تَمَامِ فَائِدَةِ الِاسْتِنْشَاقِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِنْشَاقِ جَذْبُ الْمَاءِ بِرِيحِ الْأَنْفِ إِلَى أَقْصَاهُ، وَالِاسْتِنْثَارُ إِخْرَاجُ ذَلِكَ الْمَاءِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِنْشَاقِ تَنْظِيفُ دَاخِلِ الْأَنْفِ، وَالِاسْتِنْثَارُ يُخْرِجُ ذَلِكَ الْوَسَخَ مَعَ الْمَاءِ؛ فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الِاسْتِنْشَاقِ، وَقِيلَ: إِنَّ الِاسْتِنْثَارَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّثْرَةِ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ، وَقِيلَ: الْأَنْفُ نَفْسُهُ، فَعَلَى هَذَا فَمَنِ اسْتَنْشَقَ، فَقَدِ اسْتَنْثَرَ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهُ تَنَاوَلَ الْمَاءَ بِأَنْفِهِ أَوْ بِطَرَفِ أَنْفِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.

ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا يَقَعُ لِكُلِّ نَائِمٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَنْ لَمْ يَحْتَرِسْ مِنَ الشَّيْطَانِ بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ قَبْلَ حَدِيثِ سَعْدٍ؛ فَإِنَّ فِيهِ: فَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ وَكَذَلِكَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْقُرْبِ هُنَا أَنَّهُ لَا يَقْرَبُ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِيهِ وَهُوَ الْقَلْبُ، فَيَكُونُ مَبِيتُهُ عَلَى الْأَنْفِ لِيَتَوَصَّلَ مِنْهُ إِلَى الْقَلْبِ إِذَا اسْتَيْقَظَ، فَمَنِ اسْتَنْثَرَ مَنَعَهُ مِنَ التَّوَصُّلِ إِلَى مَا يَقْصِدُ مِنَ الْوَسْوَسَةِ، فَحِينَئِذٍ فَالْحَدِيثُ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مُسْتَيْقِظٍ. ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِنْشَاقَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ اتِّفَاقًا لِكُلِّ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَوْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِوُجُوبِهِ فِي الْغُسْلِ وَطَائِفَةٌ بِوُجُوبِهِ فِي الْوُضُوءِ أَيْضًا، وَهَلْ تَتَأَدَّى السُّنَّةُ بِمُجَرَّدِهِ بِغَيْرِ اسْتِنْثَارٍ أَمْ لَا؟ خِلَافَ، وَهُوَ مَحَلُّ بَحْثٍ وَتَأَمُّلٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ. لِقَوْلِهِ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿بَخْسًا﴾ نَقْصًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ. قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ سَيحْضَرُون لِلْحِسَابِ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عِنْدَ الْحِسَابِ.

٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ الْجِنِّ وَإِلَى كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ، فَأَمَّا إِثْبَاتُ وُجُودِهِمْ فَقَدْ نَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالزَّنَادِقَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا وُجُودَهُمْ رَأْسًا، قَالَ: وَلَا يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْمُشَرِّعِينَ، إِنَّمَا الْعَجَبُ مِنَ الْمُشَرِّعِينَ مَعَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي قَضِيَّةِ الْعَقْلِ مَا يَقْدَحُ فِي إِثْبَاتِهِمْ. قَالَ: وَأَكْثَرُ مَا اسْتَرْوَحَ إِلَيْهِ مَنْ نَفَاهُمْ حُضُورُهُمْ

عِنْدَ الْإِنْسِ بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَهُمْ وَلَوْ شَاءُوا لَأَبْدَوْا أَنْفُسَهُمْ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِعَجَائِبِ الْمَقْدُورَاتِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ وُجُودَهُمْ وَيَنْفُونَهُ الْآنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُهُمْ وَيَنْفِي تَسَلُّطَهُمْ عَلَى الْإِنْسِ. وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ: الدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِهِمُ السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ، إِذْ لَا طَرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِ أَجْسَامٍ غَائِبَةٍ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَعَلُّقٌ، وَلَوْ كَانَ إِثْبَاتُهُمْ بِاضْطِرَارٍ لَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ، إِلَّا أَنَّا قَدْ عَلِمْنَا بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَتَدَيَّنُ بِإِثْبَاتِهِمْ، وَذَلِكَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُتَشَاغَلَ بِإِيرَادِهِ.

وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ صِفَةِ النَّارِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ وَاخْتُلِفَ فِي صِفَتِهِمْ: فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: قَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْجِنُّ أَجْسَادٌ رَقِيقَةٌ بَسِيطَةٌ، قَالَ: وَهَذَا عِنْدَنَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ إِنْ ثَبَتَ بِهِ سَمْعٌ. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ: الْجِنُّ أَجْسَامٌ مُؤَلَّفَةٌ وَأَشْخَاصٌ مُمَثَّلَةٌ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رَقِيقَةً وَأَنْ تَكُونَ كَثِيفَةً خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهَا رَقِيقَةٌ، وَأَنَّ امْتِنَاعَ رُؤْيَتِنَا لَهُمْ مِنْ جِهَةِ رِقَّتِهَا. وَهُوَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الرِّقَّةَ لَيْسَتْ بِمَانِعَةٍ عَنِ الرُّؤْيَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَنْ رُؤْيَتِنَا بَعْضُ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ إِذَا لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِينَا إِدْرَاكَهَا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الرَّبِيعِ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَرَى الْجِنَّ أَبْطَلْنَا شَهَادَتَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. انْتَهَى. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَدَّعِي رُؤْيَتَهُمْ عَلَى صُوَرِهِمُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَرَى شَيْئًا مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَطَوَّرَ عَلَى صُوَرٍ شَتَّى مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْأَخبَارُ بِتَطَوُّرِهِمْ فِي الصُّوَرِ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: هُوَ تَخْيِيلٌ فَقَطْ، وَلَا يَنْتَقِلُ أَحَدٌ عَنْ صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَقِيلَ: بَلْ يَنْتَقِلُونَ، لَكِنْ لَا بِاقْتِدَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ بِضَرْبٍ مِنَ الْفِعْلِ إِذَا فَعَلَهُ انْتَقَلَ كَالسِّحْرِ، وَهَذَا قَدْ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَفِيهِ أَثَرٌ عَنْ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ الْغِيلَانَى ذُكِرُوا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُمْ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَصْلِهِمْ فَقِيلَ: إِنَّ أَصْلَهُمْ مِنْ وَلَدِ إِبْلِيسَ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا سُمِّيَ شَيْطَانًا، وَقِيلَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ خَاصَّةً أَوْلَادُ إِبْلِيسَ، وَمَنْ عَدَاهُمْ لَيْسُوا مِنْ وَلَدِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْجِنِّ يُقَوِّي أَنَّهُمْ نَوْعٌ وَاحِدٌ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَاخْتَلَفَ صِنْفُهُ فَمَنْ كَانَ كَافِرًا سُمِّيَ شَيْطَانًا وَإِلَّا قِيلَ لَهُ جِنِّيٌّ، وَأَمَّا كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْجِنُّ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مُكَلَّفُونَ، وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ، إِلَّا مَا حَكَى زَرْقَانُ عَنْ بَعْضِ الْحَشْوِيَّةِ أَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَى أَفْعَالِهِمْ وَلَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ لِلْجَمَاعَةِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَمِّ الشَّيَاطِينِ وَالتَّحَرُّزِ مِنْ شَرِّهِمْ وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذِهِ الْخِصَالُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ خَالَفَ الْأَمْرَ وَارْتَكَبَ النَّهْيَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَالْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

وَإِذَا تَقَرَّرَ كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ كَانَ فِيهِمْ نَبِيٌّ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ إِثْبَاتَ ذَلِكَ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ الضَّحَّاكِ احْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ رُسُلًا أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ، فَلَوْ جَازَ أَنَّ الْمُرَادَ بِرُسُلِ الْجِنِّ رُسُلُ الْإِنْسِ لَجَازَ عَكْسُهُ، وَهُوَ فَاسِدٌ. انْتَهَى. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ رُسُلَ الْإِنْسِ رُسُلٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَرُسُلُ الْجِنِّ بَثَّهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، فَسَمِعُوا كَلَامَ الرُّسُلِ مِنَ الْإِنْسِ وَبَلَّغُوا قَوْمَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ قَائِلُهُمْ ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ، وَاحْتَجَّ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ قَالَ: وَلَيْسَ الْجِنُّ مِنْ قَوْمِ الْإِنْسِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ أَنْبِيَاءُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَى الْجِنِّ مِنَ الْإِنْسِ نَبِيٌّ إِلَّا نَبِيُّنَا ؛ لِعُمُومِ بَعْثَتِهِ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ بِاتِّفَاقٍ. انْتَهَى، وَقَالَ

ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَهَذَا مِمَّا فُضِّلَ بِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ غَافِرٍ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قَالَ: هُوَ رَسُولُ الْجِنِّ، وَهَذَا ذَكَرَهُ (١).

وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ مَعَ الْعِيسَوِيَّةِ: وَقَدْ عَلِمْنَا ضَرُورَةً أَنَّهُ ادَّعَى كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إِلَى الثَّقَلَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: وَثَبَتَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وَبُعِثْتُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظٍ: وَعَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى الْإِنْسِ فَقَطْ، وَبُعِثَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَإِذَا تَقَرَّرَ كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنَ الْفُرُوعِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ لِمَا ثَبَتَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ وَأَنَّهُمَا زَادُ الْجِنِّ، وَسَيَأْتِي فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي آخِرِهِ: فَقُلْتُ: مَا بَالُ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ؟ قَالَ: هُمَا طَعَامُ الْجِنِّ. . الْحَدِيثَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَنَاوُلِهِمْ لِلرَّوْثِ وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الْإِنْسِ.

وَكَذَلِكَ رَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ خَيْبَرَ فَتَبِعَهُ رَجُلَانِ، وَآخَرُ يَتْلُوهُمَا يَقُولُ: ارْجِعَا. حَتَّى رَدَّهُمَا، ثُمَّ لَحِقَهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَيْنِ شَيْطَانَانِ، فَإِذَا أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَاقْرَأْ ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّا فِي جَمْعِ صَدَقَاتِنَا، وَلَوْ كَانَتْ تَصْلُحُ لَهُ لَبَعَثْنَا بِهَا إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ الرَّجُلُ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَ النَّبِيَّ بِذَلِكَ، فَنَهَى عَنِ الْخَلْوَةِ، أَيِ السَّفَرِ مُنْفَرِدًا.

وَاخْتُلِفَ أَيْضًا: هَلْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ بِالنَّفْيِ، وَقِيلَ بِمُقَابِلِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: أَكْلُهُمْ وَشُرْبُهُمْ تَشَمُّمٌ وَاسْتِرْوَاحٌ لَا مَضْغٌ وَلَا بَلْعٌ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ وَلَمْ يُسَمِّ، ثُمَّ سَمَّى فِي آخِرِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ فَلَمَّا سَمَّى اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبْ بِشِمَالِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ الْجِنَّ أَصْنَافٌ: فَخَالِصُهُمْ رِيحٌ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ، وَجِنْسٌ مِنْهُمْ يَقَعُ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَمِنْهُمُ السَّعَالِي وَالْغُولُ وَالْقُطْرُبُ.

وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ كَانَ جَامِعًا لِلْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الْجِنُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ، وَصِنْفٌ يَحِلُّونَ وَيَظْعَنُونَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ فِي الثَّالِثِ: وَصِنْفٌ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَحَدِ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ قَالَ: مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ إِلَّا وَفِي سَقْفِ بَيْتِهِمْ مِنَ الْجِنِّ، وَإِذَا وُضِعَ الْغَدَاءُ نَزَلُوا فَتَغَدَّوْا مَعَهُمْ وَالْعَشَاءُ كَذَلِكَ.

وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُمْ يَتَنَاكَحُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ وَالدَّلَالَةُ مِنْ ذَلِكَ ظَاهِرَةٌ.

وَاعْتَلَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الْجَانَّ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَفِي النَّارِ مِنَ الْيُبُوسَةِ وَالْخِفَّةِ مَا يَمْنَعُ مَعَهُ التَّوَالُدَ.

وَالْجَوَابُ أَنَّ أَصْلَهُمْ مِنَ النَّارِ كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْآدَمِيِّ مِنَ التُّرَابِ، وَكَمَا أَنَّ الْآدَمِيَّ لَيْسَ طِينًا حَقِيقَةً، كَذَلِكَ الْجِنِّيُّ لَيْسَ نَارًا حَقِيقَةً، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ تَعَرُّضِ الشَّيْطَانِ لِلنَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فَأَخَذْتُهُ فَخَنَقْتُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ رِيقِهِ عَلَى يَدَيَّ. قُلْتُ: وَبِهَذَا الْجَوَابِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنِ اسْتَشْكَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ فَقَالَ كَيْفَ تُحْرِقُ النَّارُ النَّارَ؟

وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَثَوَابُهُمْ

وَعِقَابُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ أَثْبَتَ تَكْلِيفَهُمْ أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ عَلَى الْمَعَاصِي.

وَاخْتُلِفَ: هَلْ يُثَابُونَ؟ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ مَوْقُوفًا. قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، قَالَ اللَّهُ لِمُؤْمِنِ الْجِنِّ وَسَائِرِ الْأُمَمِ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْإِنْسِ: كُونُوا تُرَابًا، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ الْكَافِرُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ قَالَ: ثَوَابُ الْجِنِّ أَنْ يُجَارُوا مِنَ النَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: كُونُوا تُرَابًا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُمْ يُثَابُونَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمْ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَدْخُلُونَ مَدْخَلَ الْإِنْسِ؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَثَانِيهَا: يَكُونُونَ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ، وَرَابِعُهَا: التَّوَقُّفُ عَنِ الْجَوَابِ فِي هَذَا.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فِي هَذَا لَهُمْ ثَوَابٌ، قَالَ: فَوَجَدْنَا مِصْدَاقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ قُلْتُ: وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ قَبْلَهَا: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ يَلِي الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ وَهْبٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ الْآيَةَ، فَإِنَّ الْآيَةَ بَعْدَهَا أَيْضًا: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَسْمَعُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ. وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمُ الْعِقَابَ وَلَهُمُ الثَّوَابَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وَالْخِطَابُ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ثَبَتَ الْمَطْلُوبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (بَخْسًا: نُقْصَانًا) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْجِنِّ: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ قَالَ يَحْيَى الْفَرَّاءُ: الْبَخْسُ: النَّقْصُ، وَالرَّهَقُ: الظُّلْمُ، وَمَفْهُومُ الْآيَةِ: أَنَّ مَنْ يَكْفُرُ فَإِنَّهُ يَخَافُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ تَكْلِيفِهِمْ

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا إِلَخْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ. وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَمَنْ أُمَّهَاتُهُمْ؟ قَالُوا: بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ إِلَخْ وَفِيهِ: قَالَ: عَلِمَتِ الْجِنُّ أَنَّهُمْ سَيَحْضُرُونَ لِلْحِسَابِ قُلْتُ: وَهَذَا الْكَلَامُ الْأَخِيرُ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَسَرَوَاتُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ جَمْعُ سَرِيَّةٍ بِتَحْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ شَرِيفَةٍ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأُمَّهَاتُهُنَّ وَلِغَيْرِهِ وَأُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَوَقَعَ أَيْضًا لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ بِالْإِفْرَادِ، وَرِوَايَتُهُ أَشْبَهُ.

قَوْلُهُ: (جُنْدٌ مُحْضَرُونَ عِنْدَ الْحِسَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْأَذَانِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣ - بَاب قَوْلِ الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿مَصْرِفًا﴾ مَعْدِلًا. ﴿صَرَفْنَا﴾ أَيْ وَجَّهْنَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي تَعْيِينِهِمْ وَتَعْيِينِ بَلَدِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَذَلِكَ أَيْضا مَخْصُوص بِحَال من الْإِسْلَام، فَلَيْسَ على ظَاهره، وَأَيْضًا هُوَ مُقَيّد بِحَال سلوك الطَّرِيق، فَجَاز أَن يلقاه فِي غير تِلْكَ الْحَالة. انْتهى. قلت: الْجَواب الْأَخير موجه، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا أوجه من الْكل وَالله أعلم. وَفِيه فضل لين الْجَانِب والرفق وَفِيه: فضل عمر رَضِي الله عَنهُ وَفِيه حلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَايَة مَا يكون

وَفِيه: لَا يَنْبَغِي الدُّخُول على أحد إلَاّ بعد الاسْتِئْذَان.

٥٩٢٣ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثني ابنُ أبِي حازِمٍ عنْ يَزِيدَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ عِيسَى بنِ طَلْحَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا اسْتَيْقَظَ أُرَاهُ أحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَاً فإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ.

إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: أَبُو إِسْحَاق الزبيرِي الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَابْن أبي حَازِم عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم واسْمه ثَعْلَبَة بن دِينَار، وَيزِيد، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف فِي أَوله: هُوَ يزِيد بن الْهَاد، والهاد أحد أجداده لِأَن يزِيد هَذَا هُوَ ابْن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد، وَيُقَال: يزِيد بن عبد الله بن شَدَّاد بن أُسَامَة بن عَمْرو، وَهُوَ الْهَاد بن عبد الله وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم ابْن الْحَارِث أَبُو عبد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمَدِينِيّ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَة، وَعِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ الْقرشِي، مَاتَ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن بشر بن الحكم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن زنبور الْمَكِّيّ.

قَوْله: (أرَاهُ) أَي: أَظُنهُ. قَوْله: (فليستنثر) ، أَمر من الاستنثار، وَهُوَ نثر مَا فِي الْأنف بِنَفس. قَالَه الْجَوْهَرِي، وَقيل: أَن يستنشق المَاء ثمَّ يسْتَخْرج مَا فِيهِ من أَذَى أَو مخاط، وَكَذَلِكَ الانتنثار، وَقيل: فليستنثر أَكثر فَائِدَة من قَوْله: فليستنشق، لِأَن الاستنثار يَقع على الِاسْتِنْشَاق بِغَيْر عكس، فقد يستنشق وَلَا يستنثر، والاستنثار من تَمام فَائِدَة الِاسْتِنْشَاق، لِأَن حَقِيقَة الِاسْتِنْشَاق جذب المَاء برِيح الْأنف إِلَى أقصاه، والاستنثار إِخْرَاج ذَلِك المَاء. قلت: وَمِمَّا يدل على أَن الاستنثار غير الِاسْتِنْشَاق مَا روى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل المَاء فِي أَنفه ثمَّ ليستنثر، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وروى: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يستنشق ثَلَاثًا فِي كل مرّة يستنثر، وَقد مر فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب الاستنثار فِي الْوضُوء حَدِيث أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة أبي إِدْرِيس عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: من تَوَضَّأ فليستنثر، وَمن استجمر فليوتر، وَفِي: بَاب الِاسْتِجْمَار أَيْضا من رِوَايَة الْأَعْرَج عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل فِي أَنفه مَاء ثمَّ لينتثر. .) الحَدِيث، وَمَرَّتْ زِيَادَة الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (على خيشومه) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم الْمُعْجَمَة، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ أقْصَى الْأنف، وَفِي (التَّوْضِيح) : هُوَ الْأنف. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ المنخران وَالْيَاء فِيهِ زَائِدَة، يُقَال: رجل أخشم إِذا لم يجد رَائِحَة الطّيب، وَقيل: الأخشم منتن الخيشوم، وَقيل: الأخشم الَّذِي لَا يجد ريح الشَّيْء أصلا وَهُوَ الخشام، والخشم مَا يسيل من الخيشوم، ثمَّ ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي أَن هَذَا يَقع لكل نَائِم، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: هَذَا يَقع لمن يحترس من الشَّيْطَان بِشَيْء من الذّكر، فَإِنَّهُ رُوِيَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن فِي ذكر الله حرْزا من الشَّيْطَان.

٢١ - (بابُ ذِكْرِ الجِنِّ وثَوَابِهِمْ وعِقَابِهِمْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجود الْجِنّ، وَفِي بَيَان أَنهم يثابون بِالْخَيرِ ويعاقبون بِالشَّرِّ، وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع:

الأول: فِي وجود الْجِنّ: فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس بن تَيْمِية، رَحمَه الله: لم يُخَالف أحد من طوائف الْمُسلمين فِي وجود الْجِنّ، وَجُمْهُور طوائف الْكفَّار على إِثْبَات الْجِنّ وَإِن وجد فيهم من يُنكر ذَلِك فَكَمَا يُوجد فِي بعض طوائف الْمُسلمين: كالجهمية والمعتزلة، من يُنكر ذَلِك، وَأَن كَانَ جُمْهُور الطَّائِفَة وأئمتها مقرين بذلك، وَهَذَا لِأَن وجود الْجِنّ قد تَوَاتَرَتْ بِهِ أَخْبَار الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، تواتراً مَعْلُوما بالاضطرار، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه (الشَّامِل) : اعلموا، رحمكم الله، إِن كثيرا من الفلاسفة وجماهير الْقَدَرِيَّة وكافة الزَّنَادِقَة أَنْكَرُوا الشَّيَاطِين وَالْجِنّ رَأْسا، وَلَا يبعد لَو أنكر ذَلِك من لَا يتدين وَلَا يتشبث بالشريعة، وَإِنَّمَا الْعجب

من إِنْكَار الْقَدَرِيَّة مَعَ نُصُوص الْقُرْآن وتواتر الْأَخْبَار واستفاضة الْآثَار. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ فِي (شرح الْإِرْشَاد) : وَقد أنكرهم مُعظم الْمُعْتَزلَة وَدلّ إنكارهم إيَّاهُم على قلَّة مبالاتهم وركاكة ديانتهم، فَلَيْسَ فِي إثباتهم مُسْتَحِيل عَقْلِي، وَقد دلّت نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على إثباتهم. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني: وَكثير من الْقَدَرِيَّة يثبتون وجود الْجِنّ قَدِيما، وينفون وجودهم الْآن، وَمِنْهُم من يقر بوجودهم وَيَزْعُم أَنهم لَا يُرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع فِيهَا، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا لَا يُرون لأَنهم لَا ألوان لَهُم. وَقَالَ عبد الْجَبَّار المعتزلي: الدَّلِيل على إثباتهم السّمع دون الْعقل إِذْ لَا طَرِيق إِلَى إِثْبَات أجسام غَائِبَة، لِأَن الشَّيْء لَا يدل على غَيره من غير أَن يكون بَينهمَا تعلق.

النَّوْع الثَّانِي فِي بَيَان ابْتِدَاء خلق الْجِنّ: قَالَ أَبُو حُذَيْفَة إِسْحَاق بن بشر الْقرشِي فِي (الْمُبْتَدَأ) : حَدثنَا عُثْمَان بن الْأَعْمَش عَن بكير بن الْأَخْنَس عَن عبد الرَّحْمَن بن سليط الْقرشِي عَن ابْن عَبَّاس عَن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: خلق الله الْجِنّ قبل آدم بألفي سنة، وَيُقَال: عمروا الأَرْض ألفي سنة، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ الْجِنّ سكان الأَرْض وَالْمَلَائِكَة سكان السَّمَاء وهم عمارها. وَقَالَ إِسْحَاق بن بشر: حَدثنِي جُوَيْبِر وَعُثْمَان بإسنادهما أَن الله تَعَالَى خلق الْجِنّ وَأمرهمْ بعمارة الأَرْض، فَكَانُوا يعْبدُونَ الله تَعَالَى، فطال بهم الأمد فعصوا الله وسفكوا الدِّمَاء، وَكَانَ فيهم ملك يُقَال لَهُ: يُوسُف، فَقَتَلُوهُ فَأرْسل الله عَلَيْهِم جنداً من الْمَلَائِكَة كَانُوا فِي السَّمَاء الدُّنْيَا كَانَ فيهم إِبْلِيس، وَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف، فهبطوا فنفوا بني الجان وأجلوهم عَنْهَا وألحقوهم بجزائر الْبَحْر، وَسكن إِبْلِيس والجند الَّذِي كَانُوا مَعَه الأَرْض فهان عَلَيْهِم الْعَمَل وأحبوا الْمكْث فِيهَا.

النَّوْع الثَّالِث فِي بَيَان خلقهمْ مماذا؟ قَالَ الله تَعَالَى: {وَخلق الجان من مارج من نَار} (الرَّحْمَن: ٥١) . وروى مُسلم من حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خلقت الْمَلَائِكَة من نور وَخلق الجان من مارج من نَار وَخلق آدم مِمَّا وصف لكم) . فَثَبت أَن أصل الْجِنّ النَّار، كَمَا أَن أصل الْإِنْس الطين. وَحكى الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن عَن قَوْله: {خلقتني من نَار} (الْأَعْرَاف: ٢١، وص: ٦٧) . فَهَذَا أَيْضا يدل على أَن أصل الْجِنّ النَّار. فَإِن قلت: يجوز أَن يكذب فِي ذَلِك أَو يَظُنّهُ وَلَا يكون لَهُ علم بِهِ. قلت: لَو لم يكن الْأَمر على مَا قَالَه لأنزل الله تَعَالَى تَكْذِيبه، لِأَن عدم تَكْذِيب الْكَاذِب مِمَّن لَا يجوز عَلَيْهِ الْخَوْف وَالْجهل قَبِيح. فَإِن قلت: فِي النَّار من اليبس مَا لَا يَصح وجود الْحَيَاة فِيهَا والحياة فِي وجودهَا يحْتَاج إِلَى رُطُوبَة. قلت: فَالله قَادر على أَن يفعل رُطُوبَة فِي تِلْكَ النَّار بِمِقْدَار مَا يَصح وجود الْحَيَاة فِيهَا، مَعَ أَن أَبَا هَاشم جوز وجود الْحَيَاة مَعَ عدم التنفس، وَيَقُول: إِن أهل النَّار لَا يتنفسون.

النَّوْع الرَّابِع: فِي أَنهم أجسام وَأَنَّهُمْ على صور مُخْتَلفَة، قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْفراء الْحَنْبَلِيّ: الْجِنّ أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة، وَيجوز أَن تكون رقيقَة وَأَن تكون رقيقَة وَأَن تكون كثيفة خلافًا للمعتزلة فِي قَوْلهم: إِنَّهُم أجسام رقيقَة ولرقتها لَا نراهم قُلْنَا: الرقة لَيْسَ بمانعة عَن الرُّؤْيَة فِي بَاب الرُّؤْيَة، وَيجوز أَن تكون الْأَجْسَام الكثيفة مَوْجُودَة وَلَا نرَاهَا إِذا لم يخلق الله فِينَا الْإِدْرَاك، وَحكى أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ عَن القَاضِي أبي بكر: نَحن نقُول إِنَّمَا رَآهُمْ من رَآهُمْ لِأَن الله خلق لَهُم الرُّؤْيَة، وَأَن من لم يخلق لَهُ الرُّؤْيَة لَا يراهم وَأَنَّهُمْ أجساد مؤلفة وجثث، وَقَالَ كثير من الْمُعْتَزلَة: إِنَّهُم أجساد رقيقَة بسيطة. وَقَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار: أجسام الْجِنّ رقيقَة ولضعف أبصارنا لَا نراهم لَا لعِلَّة أُخْرَى، وَلَو قوى الله أبصارنا أَو كثف أجسامهم لرأيناهم. وَقَالَ السُّهيْلي: الْجِنّ ثَلَاثَة أَصْنَاف، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث: صنف على صور الْحَيَّات، وصنف على صُورَة كلاب سود، وصنف ريح طيارة. أَو قَالَ: هفافة ذُو أَجْنِحَة، وهم يتصورون فِي صور الْحَيَّات والعقارب، وَفِي صور الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير، وَفِي صور الطير، وَفِي صور بني أَدَم. وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: وَلَا قدرَة للشياطين على تَغْيِير خلقهمْ والانتقال فِي الصُّور، وَإِنَّمَا يجوز أَن يعلمهُمْ الله كَلِمَات وَضَربا من ضروب الْأَفْعَال، إِذا فعله وَتكلم بِهِ نَقله من صُورَة إِلَى صور أُخْرَى. وَأما أَن يصور نَفسه فَذَاك محَال.

النَّوْع الْخَامِس: فِي أَن الْجِنّ على أَنْوَاع مِنْهُم: الغول، وَهُوَ العفريت، قَالُوا: إِن الغول حَيَوَان لم تحكمه الطبيعة وَأَنه لما خرج مُنْفَردا توحش وَلم يسْتَأْنس وَطلب القفار، ويتلون فِي ضروب من الصُّور ويتراءى فِي اللَّيْل وَفِي أَوْقَات الخلوات لمن كَانَ مُسَافِرًا وَحده فيتوهم أَنه إِنْسَان ويضل الْمُسَافِر عَن الطَّرِيق، وَمِنْهُم: السعلاة، وَهِي مُغَايرَة للغول، وَأكْثر مَا يُوجد فِي الفيافي إِذا ظَفرت بِإِنْسَان ترقصه وتلعب بِهِ كَمَا تلعب السنور بالفأر، وَمِنْهُم: الغدار، وَهُوَ يُوجد بِأَكْنَافِ الْيمن وَرُبمَا يُوجد فِي أَرض

مصر إِذا عاينه الْإِنْسَان خر مغشياً عَلَيْهِ. وَمِنْهُم: الولهان، يُوجد فِي جزائر الْبَحْر وَهُوَ فِي صُورَة إِنْسَان رَاكب على نعَامَة يَأْكُل النَّاس الَّذين يقذفهم الْبَحْر، وَمِنْهُم: الشق، كَنِصْف آدَمِيّ بالطول زَعَمُوا أَن النسناس مركبه يظْهر للنَّاس فِي أسفارهم. وَمِنْهُم: من يأنس بالآدميين وَلَا يؤذيهم. وَمِنْهُم: من يختطف النِّسَاء الْأَبْكَار. وَمِنْهُم: من هُوَ فِي صُورَة الوزغ. وَمِنْهُم: من هُوَ على صُورَة الْكلاب.

النَّوْع السَّادِس: فِي وَجه تَسْمِيَة الْجِنّ بِهَذَا الإسم: قَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ خلاف الْإِنْس، يُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد: إِذا ستره، وكل شَيْء استتر عَنْك فقد جن عَنْك، وَبِه سميت الْجِنّ، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسمون الْمَلَائِكَة جناً لاستتارهم عَن الْعُيُون، وَالْجِنّ وَالْجنَّة وَاحِد، وَالْجنَّة مَا واراك من سلَاح، قَالَ: والحن بِالْحَاء الْمُهْملَة ضرب من الْجِنّ، قَالَ الراجز:

يلعبن أحوالي من حن وجن

وَقَالَ أَبُو عُمَيْر الزَّاهِد: الحن كلاب الْجِنّ وسفلتهم، وَوَقع فِي كَلَام السُّهيْلي: فِي النتائج أَن الْجِنّ يَشْمَل الْمَلَائِكَة وَغَيرهم مِمَّا اجتن عَن الْأَبْصَار.

النَّوْع السَّابِع: فِي بَيَان أَن الْجِنّ هَل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون؟ وَلِلنَّاسِ فِيهِ أَقْوَال: الأول: أَن جَمِيع الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون، وَهَذَا قَول سَاقِط. الثَّانِي: أَن صنفا مِنْهُم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَصِنْفًا لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون. الثَّالِث: أَن جَمِيعهم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ. وَاخْتلفُوا فِي صفة أكلهم وشربهم، فَقَالَ بَعضهم: أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لَا مضع وَلَا بلع، وَهَذَا قَول لَا يدل عَلَيْهِ دَلِيل، وَقَالَ آخَرُونَ: أكلهم وشربهم مضغ وبلع، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أُميَّة بن محشي، وَفِيه: مَا زَالَ الشَّيْطَان يَأْكُل مَعَه، فَلَمَّا ذكر الله تَعَالَى استقى مَا فِي بَطْنه. وَسُئِلَ وهب بن مُنَبّه عَن الْجِنّ: مَا هم؟ وَهل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون ويموتون؟ فَقَالَ: هم أَجنَاس، فَأَما خَالص الْجِنّ فهم ريح لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَلَا يتناكحون وَلَا يتوالدون، وَمِنْهُم أَجنَاس يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون مِنْهُم: السعالي والغول والقطرب وَغير ذَلِك، رَوَاهُ أَبُو عمر بِإِسْنَادِهِ عَنهُ.

النَّوْع الثَّامِن: فِي بَيَان تَكْلِيف الْجِنّ: قَالَ أَبُو عمر: الْجِنّ عِنْد الْجَمَاعَة مكلفون مخاطبون. لقَوْله تَعَالَى: {يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس} (الْأَنْعَام: ٠٣١، والرحمن: ٣٣) . وَذكر عَن الحشوية أَنهم مضطرون إِلَى أفعالهم وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بمكلفين، وعَلى القَوْل بتكليفهم: هَل لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب أم لَا؟ وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ على قَوْلَيْنِ: فَقيل: لَا ثَوَاب لَهُم إلَاّ النجَاة من النَّار، ثمَّ يُقَال لَهُم: كونُوا تُرَابا مثل الْبَهَائِم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، حَكَاهُ ابْن حزم وَغَيره عَنهُ، وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا: حَدثنَا دَاوُد عَن عمر والضبي حَدثنَا عفيف بن سَالم عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن لَيْث بن أبي سليم، قَالَ: ثَوَاب الْجِنّ أَن يجاروا من النَّار، ثمَّ يُقَال لَهُم: كونُوا تُرَابا. القَوْل الثَّانِي: أَنهم يثابون على الطَّاعَة ويعاقبون على الْمعْصِيَة، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَنقل أَيْضا عَن الشَّافِعِي وَأحمد، وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ: نعم، لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب. وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن كَافِر الْجِنّ يعذب فِي الْآخِرَة لقَوْله تَعَالَى: {النَّار مثواكم} (الْأَنْعَام: ٨٢١) . وَاخْتلفُوا فِي مؤمني الْجِنّ، هَل يدْخلُونَ الْجنَّة؟ على أَرْبَعَة أَقْوَال: وَالْجُمْهُور على أَنهم يدْخلُونَهَا، حَكَاهُ ابْن حزم فِي (الْملَل) عَن ابْن أبي ليلى، وَأبي يُوسُف وَجُمْهُور النَّاس. قَالَ: وَبِه نقُول، ثمَّ اخْتلفُوا هَل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ؟ فروى سُفْيَان الثَّوْريّ فِي (تَفْسِيره) عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك أَنهم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ، وَعَن مُجَاهِد أَنهم يدْخلُونَهَا وَلَكِن لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون ويلهمون من التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس مَا يجده أهل الْجنَّة من لَذَّة الطَّعَام وَالشرَاب، وَذهب الْحَارِث المحاسبي إِلَى أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة، نراهم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يروننا عكس مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. القَوْل الثَّانِي: إِنَّهُم لَا يدْخلُونَ الْجنَّة بل يكونُونَ فِي ربضها يراهم الْإِنْس من حَيْثُ لَا يرونهم، وَهَذَا القَوْل مأثور عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، حَكَاهُ ابْن تَيْمِية، وَهُوَ خلاف مَا حَكَاهُ ابْن حزم. القَوْل الثَّالِث: أَنهم على الْأَعْرَاف. القَوْل الرَّابِع: الْوَقْف. وروى الْحَافِظ أَبُو سعيد عَن عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن الكنجرودي فِي (أَمَالِيهِ) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْحسن عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن مؤمني الْجِنّ لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب) . فسألنا عَن ثوابهم، فَقَالَ: على الْأَعْرَاف، وَلَيْسوا فِي الْجنَّة. فَقَالُوا: مَا الْأَعْرَاف؟ قَالَ: حَائِط الْجنَّة تجْرِي مِنْهُ الْأَنْهَار وتنبت فِيهِ الْأَشْجَار وَالثِّمَار، وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر جدا، ثمَّ إِن مؤمني الْجِنّ إِذا دخلُوا الْجنَّة هَل يرَوْنَ الله تَعَالَى؟ فقد وَقع فِي كَلَام عبد السَّلَام فِي (الْقَوَاعِد الصُّغْرَى) مَا يدل على أَنهم لَا يرَوْنَ الله تَعَالَى. وَأَن الرُّؤْيَة مَخْصُوصَة بمؤمني الْبشر، فَإِنَّهُ صرح بِأَن الْمَلَائِكَة لَا يرَوْنَ الله تَعَالَى فِي الْجنَّة، وَمُقْتَضى هَذَا أَن الْجِنّ لَا يرونه.

النَّوْع التَّاسِع: هَل كَانَ فيهم نَبِي مِنْهُم أَو لَا؟ فروى

الطَّبَرِيّ من طَرِيق الضَّحَّاك بن مُزَاحم، إِثْبَات ذَلِك، وَجُمْهُور الْعلمَاء سلفا وخلفاً على أَنه لم يكن من الْجِنّ نَبِي قطّ وَلَا رَسُول، وَلم تكن الرُّسُل إلَاّ من الْإِنْس، وَنقل هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَابْن جريج وَمُجاهد والكلبي وَأبي عبيد والواحدي، وَذكر إِسْحَاق بن بشر فِي (الْمُبْتَدَأ) : عَن ابْن عَبَّاس أَن الْجِنّ قتلوا نَبيا لَهُم قبل آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، اسْمه يُوسُف، وَأَن الله تَعَالَى بعث إِلَيْهِم رَسُولا وَأمرهمْ بِطَاعَتِهِ. وَمن ذهب إِلَى قَول الضَّحَّاك يسْتَدلّ أَيْضا بقوله تَعَالَى: {يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم ... } (الْأَنْعَام: ٠٣١) . الْآيَة.

النَّوْع الْعَاشِر: فِي بَيَان فِرَقِ الْجِنّ قد أخبر الله تَعَالَى عَن الْجِنّ أَنهم قَالُوا: {وَأَنا منَّا الصالحون ومنَّا دون ذَلِك كُنَّا طرائق قدداً} (الْجِنّ: ١١) . أَي: مَذَاهِب شَتَّى مُسلمُونَ ويهود، وَكَانَ جن نَصِيبين يهوداً. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي (كتاب النَّاسِخ والمنسوخ) : حَدثنَا مطلب بن زِيَاد عَن السّديّ، قَالَ: فِي الْجِنّ قدرية ومرجئة وشيعة، وَحكى السّديّ أَيْضا عَن أشياخه أَن فِي الْجِنّ الْمُؤمن وَالْكَافِر والمعتزلة والجهمية وَجَمِيع الْفرق.

فَوَائِد: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الشَّيَاطِين أَوْلَاد إِبْلِيس لَا يموتون إلَاّ مَعَه، وَالْجِنّ يموتون قبله. وَقَالَ إِسْحَاق: قَالَ أَبُو روق عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما خلق الله شوما أَبَا الْجِنّ، وَهُوَ الَّذِي خلق من مارج من نَار، فَقَالَ تبَارك وَتَعَالَى: تمنَّ. فَقَالَ: أتمنَّى أَن نَرى وَلَا نُرى، وَأَن نغيب فِي الثرى، وَأَن يصير كهلنا شَابًّا. فَأعْطِي ذَلِك، فهم يَرون وَلَا يُرون، وَإِذا مَاتُوا غَيَّبُوا فِي الثرى وَلَا يَمُوت كهلهم حَتَّى يعود شَابًّا، يَعْنِي: مثل الصَّبِي ثمَّ يرد إِلَى أرذل الْعُمر. وَسُئِلَ أَبُو الْبَقَاء العكبري الْحَنْبَلِيّ عَن الْجِنّ: (هَل تصح الصَّلَاة خَلفهم؟ قَالَ: نعم، لأَنهم مكلفون، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل إِلَيْهِم.

لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي} إِلَى قَوْلِهِ {عَمَّا يَعْمَلُون} (الْأَنْعَام: ٠٣١) .

اللَّام فِي: لقَوْله، للتَّعْلِيل للتَّرْجَمَة لأجل الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَجه الِاسْتِدْلَال إِن قَوْله تَعَالَى: ينذرونكم، يدل على الْعقَاب، وَقَوله: {وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا} (الْأَنْعَام: ٢٣١، والأحقاف: ٩١) . يدل على الثَّوَاب، وَتَمام الْآيَة.

بَخْساً نَقْصاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخساً} (الْجِنّ: ٣١) . فسر البخس بقوله: (نقصا) قَالَ الْفراء: البخس: النَّقْص، والرهق: الظُّلم، فدلت الْآيَة أَن من يكفر يخَاف، وَالْخَوْف يدل على كَون الْجِنّ مكلفين لِأَن الْآيَة فيهم.

وقالَ مُجَاهِدٌ {وجعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً} (الصافات: ٨٥١) . قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ المَلَائِكَةُ بَناتُ الله وأُمَّهَاتُهُمْ بَناتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ قَالَ الله: {ولَقَدْ عَلِمْتُ الجِنَّةُ إنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} (الصافات: ٨٥١) . ستُحْضَرُ لِلْحِسابِ {جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} (ي س: ٥٧) . عِنْد الحِسَابِ

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تعال: {وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا} أَن كفار قُرَيْش قَالُوا: إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله وَأُمَّهَات الْمَلَائِكَة هن بَنَات سروات الْجِنّ أَي: ساداتهم، والسروات جمع سراة جمع سري وَهُوَ نَادِر شَاذ، لِأَن فعلات لَا يجمع على فعلة، كَذَا قَالَه صَاحب (التَّوْضِيح) ، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَالصَّوَاب مَا قَالَه الْجَوْهَرِي: السرو سخاء فِي مُرُوءَة، يُقَال: سرا يسرو سري بِالْكَسْرِ يسري سرواً فيهمَا، وسرو يسرو سراوة، أَي: صَار سرياً، وَجمع السّري: سراة، وَهُوَ جمع عَزِيز أَن يجمع فعيل على فعلة، وَلَا يعرف غَيره، وَجمع السراة سراوات، وَأثر مُجَاهِد الْمُعَلق أخرجه ابْن جرير من حَدِيث ابْن أبي نجيح عَنهُ بِزِيَادَة، فَقَالَ أَبُو بكر: فَمن أمهاتهن؟ فَقَالُوا: بَنَات سروات الْجِنّ، يحسبون أَنهم خلقُوا مِمَّا خلق مِنْهُ إِبْلِيس، لَعنه الله. انْتهى. وَوَقع هَهُنَا أمهاتهن، وَالصَّوَاب: أمهاتهم، مثل مَا وَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ. قَوْله قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَقَد علمت الْجنَّة إِنَّهُم لمحضرون} (الصافات: ٨٥١) . وَقَبله: {وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا} (الصافات: ٨٥١) . أَي: جعل مشركو مَكَّة بَينه أَي: بَين الله وَبَين الْجنَّة نسبا، وَهُوَ زعمهم أَن الْمَلَائِكَة بَنَات الله سموا الْمَلَائِكَة جنَّة لاجتنانهم عَن الْأَبْصَار، وَالْمعْنَى: جعلُوا بِمَا قَالُوهُ نِسْبَة بَين الله وَبَين الْمَلَائِكَة، وأثبتوا بذلك جنسية جَامِعَة لله وللملائكة تعال الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: قَالُوا لعنهم الله بل تزوج من الْجِنّ فَخرج مِنْهَا الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُم: الْجِنّ، وَمِنْهُم إِبْلِيس هم بَنَات الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك، وَقَالَ الْحسن: أشركوا الشَّيْطَان فِي عبَادَة الله فَهُوَ النّسَب الَّذِي

حرست السَّمَاء وَرَجَمُوا بِالشُّهُبِ، قَالَ إِبْلِيس: إِن هَذَا الَّذِي حدث فِي السَّمَاء لشَيْء حدث فِي الأَرْض. فَبعث سَرَايَا ليعرف الْخَبَر فَكَانَ أول بعث ركب من أهل نَصِيبين، وهم أَشْرَاف الْجِنّ وساداتهم، فبعثهم إِلَى تهَامَة فاندفعوا حَتَّى بلغُوا وَادي نَخْلَة فوجدوا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُصَلِّي صَلَاة الْغَدَاة وَيَتْلُو الْقُرْآن. فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ قَالُوا: أَنْصتُوا يَعْنِي: اصغوا إِلَى قِرَاءَته. قَوْله: (فَلَمَّا قضى) أَي: فَلَمَّا فرغ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من تِلَاوَته، ولوا أَي: رجعُوا إِلَى قَومهمْ منذرين، أَي: محذرين عَذَاب الله إِن لم يُؤمنُوا. قَوْله: (قَالُوا: يَا قَومنَا) يَعْنِي: قَالُوا لَهُم إِنَّا سمعنَا كتابا أنزل من بعد مُوسَى، ذهب بَعضهم إِلَى أَنهم كَانُوا يهود، وَلِهَذَا قَالُوا: من بعد مُوسَى، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَت الْجِنّ لم تسمع بِأَمْر عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلذَلِك قَالُوا: من بعده مُوسَى. قَوْله: (مُصدقا) صفة لقَوْله: كتابا، يَعْنِي: مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتب. قَوْله: (يهدي إِلَى الْحق) ، صفة للْكتاب بعد صفة، وَكَذَلِكَ قَوْله: إِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم، قَوْله: (قُولُوا) ، يَعْنِي: قَالُوا لقومهم أجِيبُوا دَاعِي الله، أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (ويُجِرْكُم من عَذَاب أَلِيم) أَي: من عَذَاب النَّار، وَقَالُوا أَيْضا: وَمن لَا يجب دَاعِي الله، أَي: الرَّسُول، وَلم يُؤمن بِهِ. قَوْله: (فَلَيْسَ بمعجز فِي الأَرْض) أَي: لَا يُنجي مِنْهُ مهرب وَلَا يسْبق قَضَاءَهُ سَابق. قَوْله: (أَوْلِيَاء) أَي: أنصار يمنعونه مِنْهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس أَن هَؤُلَاءِ الْجِنّ كَانُوا سَبْعَة من جن نَصِيبين فجعلهم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رسلًا إِلَى قَومهمْ، وَقيل: كَانُوا تِسْعَة، وَقيل: كَانُوا اثْنَي عشر ألفا. وَالسورَة الَّتِي كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يقْرؤهَا سُورَة {إقرأ باسم رَبك} (العلق: ١) . وَذكر ابْن دُرَيْد من أَسمَاء هَؤُلَاءِ الْجِنّ خَمْسَة، وهم: سامر ومامر ومنسى وماسي والأحقب، وَذكر ابْن سَلام فِي (تَفْسِيره) عَن ابْن مَسْعُود: وَمِنْهُم: عَمْرو ابْن جَابر، وَذكر ابْن أبي الدُّنْيَا: زَوْبَعَة، وَمِنْهُم: سرق، وَفِي (تَفْسِير عبد بن حميد) : كَانُوا من نِينَوَى، وأتوه بنخلة وَقيل: بشعب الْحجُون.

مَصْرِفاً مَعْدِلاً

أَشَارَ بِهِ إلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلم يَجدوا عَنْهَا مصرفاً} (الْكَهْف: ٣٥) . وَفَسرهُ بقوله: معدلاً، وَبِه فسر أَبُو عُبَيْدَة.

صَرَفْنا أيْ وجَّهْنا

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من قَوْله: {وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ} (الْأَحْقَاف: ٩٢) . وَفسّر: صرفنَا، بقوله: وجهنا، وَقيل: مَعْنَاهُ أملنا إِلَيْك، وَقيل: أَقبلنَا بهم نَحْوك، وَقيل ألجأناهم، وَقيل: وفقناهم بصرفنا إيَّاهُم عَن بِلَادهمْ إِلَيْك، وَالله أعلم.

٤١ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالى {وبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} (الْبَقَرَة: ٤٦١) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله تَعَالَى: {وَبث فِيهَا من كل دَابَّة} (الْبَقَرَة: ٤٦١) .

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الثُّعْبَانُ الحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين} (الْأَعْرَاف: ٧٠١، وَالشعرَاء: ٢٣) . وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه الطَّبَرِيّ فِي (تَفْسِيره) من حَدِيث شهر ابْن حَوْشَب عَنهُ، حَيْثُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين} (الْأَعْرَاف: ٧٠١، وَالشعرَاء: ٢٣) . وَفسّر الثعبان بِأَنَّهُ الْحَيَّة الذّكر، وَقيد بقوله: الذّكر، لِأَن لفظ الْحَيَّة يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَلَيْسَت التَّاء فِيهِ للتأنيث، وَإِنَّمَا هِيَ كتاء تَمْرَة ودجاجة، وَقد رُوِيَ عَن الْعَرَب: رَأَيْت حَيا على حَيَّة، أَي: ذكرا على أُنْثَى.

يُقَالُ: الحَيَّاتُ أجْنَاسٌ الجِنَّانُ والأفَاعِي والأساوِدُ

هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: الْجنان أَجنَاس، وَقَالَ عِيَاض: وَالصَّوَاب هُوَ الأول، والجنان، بِكَسْر الْجِيم وَتَشْديد النُّون وَبعد الْألف نون أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْجنان تكون فِي الْبيُوت وَاحِدهَا جَان وَهُوَ الدَّقِيق الْخَفِيف، والجان: الشَّيْطَان أَيْضا. قَوْله: (والأفاعي) جمع أَفْعَى، وَهُوَ ضرب من الْحَيَّات، وَأهل الْحجاز يَقُولُونَ: أفعو، وَجَاء فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: لَا بَأْس بقتل الأفعو، أَرَادَ: الأفعى، وقلب ألفها واواً فِي الْوَقْف، وَمِنْهُم من يقلب الْألف يَاء فِي الْوَقْف، وَبَعْضهمْ

يشدد الْوَاو وَالْيَاء وهمزته زَائِدَة، والأفوعان، بِالضَّمِّ: ذكر الأفاعي، وكنية الأفعى أَبُو حَيَّان، وَأَبُو يحيى لِأَنَّهُ يعِيش ألف سنة وَهُوَ الشجاع الْأسود الَّذِي يواثب الْإِنْسَان، وَمن صفة الأفعى إِذا فقئت عينهَا عَادَتْ وَلَا تغمض حدقتها الْبَتَّةَ. قَوْله: (والأساود) جمع الْأسود، وَهُوَ الْعَظِيم من الْحَيَّات، وَفِيه سَواد، وَيُقَال: هُوَ أَخبث الْحَيَّات، وَيُقَال لَهُ: أسود سالخ لِأَنَّهُ يسلخ جلده كل عَام، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ) : عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: (أعوذ بِاللَّه من أَسد وأسود) ، وَقيل: الْأسود: حَيَّة رقشاء دقيقة الْعُنُق عريضة الرَّأْس، وَرُبمَا كَانَ ذَا قرنين. وَقَالَ ابْن خالويه: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب أَسمَاء الْجنان وصفاتها إلَاّ مَا أذكرهُ. وعد لَهَا نَحوا من سبعين إسماً مِنْهَا: الشجاع الأرقم الْأسود الأفعى الأبتر الأعيرج الأصلة الصل الجان الْجنان والجرارة والرتيلاء، وَذكر الجاحظ أَيْضا أَنْوَاعهَا، مِنْهَا: المكللة الرَّأْس، طولهَا شبران أَو ثَلَاثَة إِن حَاذَى جحرها طَائِر سقط وَلَا يحس بهَا حَيَوَان إلَاّ هرب فَإِن قرب مِنْهَا حدر وَلم يَتَحَرَّك وَتقتل بصفيرها، وَمن وَقع عَلَيْهِ نظرها مَاتَ، وَمن نهشته ذاب فِي الْحَال، وَمَات كل من قرب من ذَلِك الْمَيِّت من الْحَيَوَان، فَإِن مَسهَا بعصا هلك بِوَاسِطَة الْعَصَا، وَقيل: إِن رجلا طَعنهَا بِرُمْح فَمَاتَ هُوَ ودابته فِي سَاعَة وَاحِدَة قَالَ: وَهَذَا الْجِنْس كثير بِبِلَاد التّرْك.

آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا فِي مِلْكِهِ وسُلْطَانِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا من دَابَّة إلَاّ هُوَ آخذ بناصيتها} (هود: ٦٥) . أَي: فِي ملكه وسلطانه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: فِي قَبضته وَملكه وسلطانه، وَخص الناصية بِالذكر على عَادَة الْعَرَب فِي ذَلِك تَقول: نَاصِيَة فلَان فِي يَد فلَان، إِذا كَانَ فِي طَاعَته، وَمن ثمَّة كَانُوا يجزون نَاصِيَة الْأَسير إِذا أَطْلقُوهُ.

يُقَالُ صافَّاتٍ بُسْطٌ أجْنِحَتَهُنَّ يَقْبِضْنَ يَضْرِبْنَ بِأجْنِحَتِهِنَّ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ألم يرَوا إِلَى الطير فَوْقهم صافات ويقبضن} (الْملك: ٩١) . أَي: باسطات أجنحتهن ضاربات بهَا، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {صافات} قَالَ: بسط أجنحتهن.

٧٩٢٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُف حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَخْطُبُ علَى المِنْبَرِ يَقُولُ اقْتُلُوا الحَيَّاتِ واقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ والأبْتَرَ فإنَّهُمَا يَطْمِسَانِ البَصَرَ ويَسْقِطَانِ الحَبَلَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ذَا الطفيتين من جملَة مَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الدَّابَّة، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان عَن عبد بن حميد.

قَوْله: (ذَا الطفيتين) ، بِضَم الطَّاء وَسُكُون الْفَاء: هُوَ ضرب من الْحَيَّات فِي ظَهره خطان أبيضان، والطفية أَصْلهَا خوص الْمقل، فَشبه الْخط الَّذِي على ظهر هَذِه الْحَيَّة بِهِ، وَرُبمَا قيل: لهَذِهِ الْحَيَّة، طفية على معنى: ذَات طفية، وَقد يُسمى الشَّيْء باسم مَا يجاوره، وَقيل: هما نقطان، حَكَاهُ القَاضِي، قَالَ الْخَلِيل: وَهِي حَيَّة خبيثة. قَوْله: (والأبتر) هُوَ مَقْطُوع الذَّنب. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: هُوَ أَزْرَق اللَّوْن لَا تنظر إِلَيْهِ حَامِل إلَاّ أَلْقَت، وَقيل: الأبتر الْحَيَّة القصيرة الذَّنب. قَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ الأفعى الَّتِي تكون قدر شبر أَو أَكثر قَلِيلا. قَوْله: (يطمسان الْبَصَر) ، يمحوان نوره، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عمر: وَيذْهب الْبَصَر، وَفِي حَدِيث عَائِشَة: فَإِنَّهُ يلْتَمس الْبَصَر. قَوْله: (ويسقطان الْحَبل) ، ويروى (يستسقطان) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ الْجَنِين، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي مليكَة الَّتِي تَأتي بعد أَحَادِيث: فَإِنَّهُ يسْقط الْوَلَد، وَفِي رِوَايَة عَن عَائِشَة ستأتي بعد أَحَادِيث: وتصيب الْحَبل، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْهَا: تذْهب الْحَبل، وَالْكل بِمَعْنى وَاحِد، وَإِنَّمَا أَمر بقتلها لِأَن الْجِنّ. لَا تتمثل بهَا، وَلِهَذَا أَدخل البُخَارِيّ حَدِيث ابْن عمر فِي الْبَاب وَنهى عَن قتل ذَوَات الْبيُوت، لِأَن الْجِنّ تتمثل بهَا، قَالَه الدَّاودِيّ.

(قَالَ عبد الله فَبينا أَنا أطارد حَيَّة لأقتلها فناداني أَبُو لبَابَة لَا تقتلها فَقلت إِن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد أَمر بقتل الْحَيَّات قَالَ إِنَّه نهى بعد ذَلِك عَن ذَوَات الْبيُوت وَهِي العوامر)

أَي قَالَ عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَوْله " أطارد حَيَّة " أَي أطلبها وأتبعها لأقتلها أَي لِأَن أقتلها قَوْله " فناداني أَبُو لبَابَة " بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى واسْمه رِفَاعَة بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء على الْأَصَح ابْن عبد الْمُنْذر الأوسي النَّقِيب قَالَه الْكرْمَانِي وَفِي التَّوْضِيح اسْمه بشير بِفَتْح الْبَاء وَكسر الشين الْمُعْجَمَة ابْن عبد الْمُنْذر بن رِفَاعَة بن زنبور بن أُميَّة بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن أَوْس رده رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من الروحاء حِين خرج إِلَى بدر وَاسْتَعْملهُ على الْمَدِينَة وَضرب لَهُ بِسَهْم وأجره وَتُوفِّي بعد قتل عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأَخُوهُ مُبشر بن عبد الْمُنْذر شهد بَدْرًا وَقتل بهَا وأخوهما رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر شهد الْعقبَة وبدرا وَقتل بِأحد وَلَيْسَ لَهُ عقب ذَلِك كُله ابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَقَالَ أَبُو عمر بشير بن عبد الْمُنْذر أَبُو لبَابَة الْأنْصَارِيّ غلبت عَلَيْهِ كنيته وَاخْتلف فِي اسْمه فَقيل رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر كَذَا قَالَه مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام وَخَلِيفَة وَقَالَ أَحْمد بن زُهَيْر سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين يَقُولَانِ أَبُو لبَابَة اسْمه رِفَاعَة بن عبد الْمُنْذر وَقَالَ ابْن إِسْحَق كَانَ نَقِيبًا شهد الْعقبَة وَشهد بَدْرًا وَزعم قوم أَنه والْحَارث بن حَاطِب خرجا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى بدر فرجعهما وَأمر أَبَا لبَابَة على الْمَدِينَة وَضرب لَهُ بِسَهْم مَعَ أَصْحَاب بدر قَالَ ابْن هِشَام ردهما من الروحاء وَقَالَ أَبُو عمر قد اسْتخْلف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَبَا لبَابَة على الْمَدِينَة أَيْضا حِين خرج إِلَى غَزْوَة السويق وَشهد مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أحدا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد وَكَانَت مَعَه راية بني عَمْرو بن عَوْف فِي غَزْوَة الْفَتْح مَاتَ فِي خلَافَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (قلت) لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح إِلَّا هَذَا الحَدِيث قَوْله " قَالَ إِنَّه نهى بعد ذَلِك " أَي قَالَ أَبُو لبَابَة أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى بعد أمره بقتل الْحَيَّات عَن قتل ذَوَات الْبيُوت أَي الساكنات فِيهَا وَيُقَال لَهَا الْجنان وَهِي حيات طوال بيض قَلما تضر وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن ابْن الْمُبَارك أَنَّهَا الْحَيَّة الَّتِي تكون كَأَنَّهَا فضَّة وَلَا تلتوي فِي مشيتهَا قَوْله " وَهِي العوامر " قيل أَنه من كَلَام الزُّهْرِيّ مدرج فِي الْخَبَر وَقد بَينه معمر فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ فساق الحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره وَقَالَ وَهِي العوامر سميت بهَا لطول عمرها وَقَالَ الْجَوْهَرِي عمار الْبيُوت سكانها من الْجِنّ وَقيل سميت بهَا لطول لبثهن فِي الْبيُوت مَأْخُوذ من الْعُمر بِالْفَتْح وَهُوَ طول الْبَقَاء وروى مُسلم من حَدِيث أبي سعيد مَرْفُوعا أَن لهَذِهِ الْبيُوت عوامر فَإِذا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئا فَخَرجُوا عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِن ذهب وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ وَمعنى فَخَرجُوا عَلَيْهِ أَن يُقَال لَهُ أَنْت فِي حرج أَي ضيق إِن لَبِثت عندنَا أَو ظَهرت لنا أَو عدت إِلَيْنَا وَمعنى ثَلَاثًا أَي ثَلَاث مَرَّات وَقيل ثَلَاثَة أَيَّام وَإِن كَانَت فِي الصحارى والأودية تقتل من غير إيذان لعُمُوم قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " خمس من الفواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم فَذكر مِنْهُنَّ الْحَيَّة وَجَاء فِي حَدِيث آخر " من تركهن مَخَافَة شرهن فَلَيْسَ منا " ثمَّ اعْلَم أَن ظَاهر الحَدِيث التَّعْمِيم فِي الْبيُوت وَعَن مَالك تَخْصِيصه ببيوت أهل الْمَدِينَة وَقيل يخْتَص ببيوت المدن دون غَيرهَا

(وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر فرآني أَبُو لبَابَة أَو زيد بن الْخطاب) عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد أَرَادَ بِهَذَا أَن معمرا روى الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد على الشَّك فِي اسْم الَّذِي لَقِي عبد الله بن عمر أَبُو لبَابَة أَو زيد بن الْخطاب هُوَ أَخُو عمر بن الْخطاب لِأَبِيهِ وَله فِي الصَّحِيح هَذَا الحَدِيث اسْتشْهد بِالْيَمَامَةِ وَرِوَايَة عبد الرَّزَّاق هَذِه رَوَاهَا مُسلم وَلم يسق لَفظهَا وَسَاقه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيقه

(وَتَابعه يُونُس وَابْن عُيَيْنَة وَإِسْحَاق الْكَلْبِيّ والزبيدي) أَي تَابع معمرا يُونُس بن يزِيد على الشَّك فِي اسْم الَّذِي لَقِي عبد الله بن عمر هَل هُوَ أَبُو لبَابَة أَو زيد بن الْخطاب وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا مُسلم وَلم يسق لَفظهَا وَسَاقه أَبُو عوَانَة قَوْله " وَابْن عُيَيْنَة " أَي تَابع معمرا أَيْضا فِي الشَّك سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا مُسلم وَقَالَ حَدثنِي عَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " اقْتُلُوا الْحَيَّات وَذَات الطفيتين والأبتر فَإِنَّهُمَا يستسقطان الْحَبل ويلتمسان الْبَصَر " قَالَ فَكَانَ ابْن عمر يقتل كل حَيَّة وجدهَا فَأَبْصَرَهُ أَبُو لبَابَة بن عبد الْمُنْذر أَو زيد بن الْخطاب وَهُوَ يطارد حَيَّة فَقَالَ إِنَّه قد نهي عَن ذَوَات الْبيُوت قَوْله " وَإِسْحَاق الْكَلْبِيّ أَي تَابع معمرا أَيْضا فِي الشَّك إِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ الْحِمصِي قَوْله " والزبيدي " أَي تَابع معمرا أَيْضا فِي الشَّك مُحَمَّد بن الْوَلِيد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.3 / 29.5
الإضاءة 59%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
الله أكبر