«جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٠٦٦

الحديث رقم ٤٠٦٦ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاء رجل حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من…

«جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقُعُودُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ قَالَ: مَنِ الشَّيْخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدِّثُنِي؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ، أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرُِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَبَّرَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ لِأُخْبِرَكَ وَلِأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ. وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرُِّضْوَانِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ

⦗٩٩⦘

عُثْمَانَ، وَكَانَ بَيْعَةُ الرُِّضْوَانِ بَعْدَمَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ هَذِهِ لِعُثْمَانَ اذْهَبْ بِهَذَا الْآنَ مَعَكَ».

سند حديث: ٤٠٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا…

٤٠٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جاء رجل حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من…

جاء رجلٌ من أهل مصر حاجًّا للبيت الحرام، فرأى جماعة جالسين، فسأل: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء قريش، فسأل: فمن الشيخ فيهم الذي يرجعون إليه؟ قالوا: عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: يا ابن عمر، أريد أن اسألك عن شيء فأجبني، هل تعلم أن عثمان بن عفان هرب يوم غزوة أحد؟ قال عبد الله: نعم، فقال الرجل: هل تعلم أنه تغيّب عن غزوة بدر ولم يحضرها، قال عبد الله: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنه غاب عن بيعة الرضوان ولم يحضرها، قال عبد الله: نعم، قال: الله أكبر، مستحسنًا لجواب ابن عمر؛ لكونه مطابقًا لمعتقده، قال ابن عمر مجيبًا له ليزيل اعتقاده: تعال أُوضح لك، أما فراره يوم أُحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، في قوله: {ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} [آل عمران: 155]، وأما غيابه عن بدر فإنه كانت تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم رقية رضي الله عنها، وكانت مريضة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه، فقد حصل له المقصود الآخروي والدنيوي، وأما عن غيابه في بيعة الرضوان فلو وُجد شخص أعزَّ ببطن مكة من عثمان لبعثه عليه الصلاة والسلام مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان ليُعلم قريشًا أنه إنما جاء معتمرًا لا محاربًا، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فأخذ عليه الصلاة والسلام بيده اليمنى وقال: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده اليسرى، فقال: هذه لعثمان، فغيابه عن بيعة الرضوان لعذر ومع ذلك بايع عنه النبي صلى الله عليه وسلم نيابةً، فقال ابن عمر للرجل: اذهب بهذه الأجوبة التي أجبتك بها الآن معك؛ حتى يزول عنك ما كنت تعتقده من عيب عثمان.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضيلة عظيمة لعثمان عليه الرضوان، وهي أن الله عفا عنه وغفر له وحصل له السهم والأجر وهو غائب، ولم يحصل ذلك لغيره، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى يده اليمنى، وقال: هذه يد عثمان، وهذا فضل عظيم أعطاه الله إياه.
  • فقه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإجابته على الأسئلة بما يزيل الريب والشك والاعتقاد الخاطئ في عثمان رضي الله عنه.
  • وجوب محبة الصحابة وتعظيمهم، والرد على متتبِّع أغلاطهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جاء رجل حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا رَجَعُوا اخْتَلَطُوا بِالْمُشْرِكِينَ وَالْتَبَسَ الْعَسْكَرَانِ فَلَمْ يَتَمَيَّزُوا، فَوَقَعَ الْقَتْلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ: (فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَأَعَادَهَا تَأْكِيدًا، وَإِنَّمَا ضَبَطَهُ لِئَلَّا يُصَحَّفَ بِأُبَيٍّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مَعَ التَّشْدِيدِ، وَأَفَادَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ الَّذِي قَتَلَ الْيَمَانَ خَطَأً عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: كَانَ الْيَمَانُ وَالِدُ حُذَيْفَةَ، وَثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ، فَتَرَكَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَتَذَاكَرَا بَيْنَهُمَا وَرَغِبَا فِي الشَّهَادَةِ، فَأَخَذَا سَيْفَيْهِمَا وَلَحِقَا بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، فَلَمْ يَعْرِفُوا بِهِمَا، فَأَمَّا ثَابِتٌ فَقَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَأَمَّا الْيَمَانُ فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَسْيَافُ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ إِلَخْ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَنَاقِبِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ: قَتَلْتُمْ أَبِي. قَالُوا: وَاللَّهِ مَا عَرَفْنَاهُ. وَصَدَقُوا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَدِيَهُ فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَزَادَهُ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ خَيْرًا وَفِيهِ: تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ التِّينِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ الرَّاوِيَ سَكَتَ فِي قَتْلِ الْيَمَانِ عَمَّا يَجِبُ فِيهِ مِنَ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لَمْ تُفْرَضْ يَوْمَئِذٍ، أَوِ اكْتَفَى بِعِلْمِ السَّامِعِ.

١٩ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

٤٠٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقُعُودُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ، قَالَ: مَنْ الشَّيْخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدِّثُنِي؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ، أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَبَّرَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ لِأُخْبِرَكَ وَلِأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ: أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ. وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ. وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَمَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ، فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَانَ. اذْهَبْ بِهَذَا الْآنَ مَعَكَ.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا يَوْمُ أُحُدٍ. وَغَفَلَ مَنْ قَالَ: يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. نَعَمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ وَهِيَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ حَيْثُ جَاءَ: ﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الْمُرَادُ بِهِ يَوْمُ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ أَيْ: زَيَّنَ لَهُمْ أَنْ يَزِلُّوا، وَقَوْلُهُ: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ قَالَ ابْنُ التِّينِ: يُقَالُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَوَالله مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حتَّى لَحِقَ بِاللَّه. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد الله بن سعيد بن يحيى أَبُو قدامَة الْيَشْكُرِي السَّرخسِيّ، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة.

والْحَدِيث مر فِي: بَاب صفة إِبْلِيس وَجُنُوده، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن أبي أُسَامَة ... الخ نَحوه، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلَكِن نتكلم هُنَا أَيْضا بِمَا فِيهِ لبعد الْعَهْد مِنْهُ.

قَوْله: (أخراكم) أَي: احترزوا من جِهَة أخراكم، وَهِي كلمة تقال لمن يخْشَى أَن يُؤْتى عِنْد الْقِتَال من وَرَائه، وَكَانَ ذَلِك لما ترك الرُّمَاة مكانهم ودخلوا ينتهبون عَسْكَر الْمُشْركين. قَوْله: (فاجتلدت هِيَ) أَي: أولاهم نفرت مَعَ أخراهم. قَوْله: (فَبَصر حُذَيْفَة) أَي: نظر إِلَى أَبِيه وَرَآهُ. وَقَالَ: يَا عباد الله أبي أبي أَي: هَذَا أبي فَلَا تتعرضوا لَهُ واحفظوه، وَإِنَّمَا قَالَ: أبي أبي، بالتكرار حَتَّى لَا يظنّ أَنه: أبي، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (قَالَ: قَالَت) أَي: قَالَ عُرْوَة، قَالَت عَائِشَة: فوَاللَّه مَا احتجزوا أَي: مَا امْتَنعُوا من قَتله حَتَّى قَتَلُوهُ أَي: الْيَمَان وَالِد حُذَيْفَة، وَذكر ابْن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنِي عَاصِم ابْن عمر عَن مَحْمُود بن لبيد، قَالَ: كَانَ الْيَمَان وَالِد حُذَيْفَة وثابت بن وقش شيخين كبيرين فَتَركهُمَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ النِّسَاء وَالصبيان فرغبا فِي الشَّهَادَة فأخذا سيفيهما ولحقا بِالْمُسْلِمين بعد الْهَزِيمَة، فَلم يعرفوا بهما، فَأَما ثَابت فَقتله الْمُشْركُونَ، وَأما الْيَمَان فاختلفت عَلَيْهِ أسياف الْمُسلمين فَقَتَلُوهُ وَلَا يعرفونه، وَقَالَ ابْن سعد: إِن الَّذِي قتل الْيَمَان خطأ عتبَة بن مَسْعُود أَخُو عبد الله بن مَسْعُود، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق، قَالَ حُذَيْفَة: قتلتم أبي قَالُوا: وَالله مَا عَرفْنَاهُ وَصَدقُوا، فَقَالَ حُذَيْفَة: يغْفر الله لكم فَأَرَادَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يَدَيْهِ فَتصدق حُذَيْفَة بديته على الْمُسلمين فزاده ذَلِك عِنْد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خيرا، وَالْعجب من ابْن التِّين حَيْثُ يَقُول: وَلم يذكر فِي الحَدِيث الدِّيَة فِي قتل الْيَمَان وَالْكَفَّارَة، فَأَما لم تفرض حِينَئِذٍ أَو اكْتفى بِعلم السَّامع، وَلَو اطلع على مَا ذكرنَا لما أغرب فِي كَلَامه.

بَصَرْتُ عَلِمْتُ مِنَ البَصِيرَةِ فِي الأمْرِ وأبْصَرْتُ مِنْ بَصَرِ العَيْنِ ويُقالُ بَصُرْتُ وأبْصَرْتُ واحِدٌ

لما كَانَ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور لفظ: بصر، بِفَتْح الْبَاء وَضم الصَّاد، أَشَارَ إِلَى مَعْنَاهُ وَإِلَى الْفرق بَين بصر وَأبْصر، فَقَالَ: معنى بصر علم مَأْخُوذ من البصيرة فِي الْأَمر، فَيكون من الْمعَانِي القلبية، وَقَالَ: أبْصر بِزِيَادَة الْهمزَة فِي أَوله يَعْنِي: نظر لِأَنَّهُ من بصر الْعين، وبصر الْعين حاستها وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْبَصَر الْعلم وبصرت بالشَّيْء عَلمته، وَقَالَ تَعَالَى: {بصرت لما لم يبصروا بِهِ} (طه: ٩٦) . قَوْله: وَيُقَال: بصرت وأبصرت وَاحِد، يَعْنِي: كِلَاهُمَا سَوَاء، كسرعت وأسرعت.

١٩ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالَى {إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ولَقَدْ عفَا الله عنْهُمْ إنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ} (آل عمرَان: ١٥٥) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم} (آل عمرَان: ١٥٥) . الْآيَة. وَاتفقَ أهل الْعلم بِالنَّقْلِ على أَن المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة مَا وَقع فِي أحد، وَقَول من قَالَ: إِنَّهَا فِي يَوْم بدر، غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لم يول أحد من الْمُسلمين يَوْم بدر. قَوْله: {إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم} (آل عمرَان: ١٥٥) . أَي: إِن الَّذين فروا مِنْكُم يَا معشر الْمُسلمين. قَوْله: (يَوْم التقى الْجَمْعَانِ) ، أَي: جمع الْمُسلمين وَجمع الْكفَّار. قَوْله: (إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان) أَي: حملهمْ على الزلل. قَوْله: (بِبَعْض مَا كسبوا) ، أَي: بِبَعْض ذنوبهم السالفة، وَهُوَ تَركهم الْمُشْركين. قَوْله: (وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم) ، أَي: حلم عَلَيْهِم إِذْ لم يعاجلهم بالعقوبة، وَقيل: غفر لَهُم الْخَطِيئَة، وَرُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة قَالَ لأَصْحَابه: هَذِه وقْعَة تشاع فِي الْعَرَب فأطلبوهم حَتَّى يسمعوا أَنا قد طلبناهم، فَخَرجُوا فَلم يدركوا الْقَوْم. قَوْله: (إِن الله غَفُور حَلِيم) ، أَي: يغْفر الذُّنُوب ويحلم على خلقه ويتجاوز عَنْهُم.

١٠٦ - (حَدثنَا عَبْدَانِ أخبرنَا أَبُو حَمْزَة عَن عُثْمَان بن موهب قَالَ جَاءَ رجل حج الْبَيْت فَرَأى قوما جُلُوسًا فَقَالَ من هَؤُلَاءِ الْقعُود قَالُوا هَؤُلَاءِ قُرَيْش قَالَ من الشَّيْخ قَالُوا ابْن عمر فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلك عَن شَيْء أتحدثني قَالَ أنْشدك بِحرْمَة هَذَا الْبَيْت أتعلم أَن عُثْمَان بن

عَفَّان فر يَوْم أحد قَالَ نعم قَالَ فتعلمه تغيب عَن بدر فَلم يشهدها قَالَ نعم قَالَ فتعلم أَنه تخلف عَن بيعَة الرضْوَان فَلم يشهدها قَالَ نعم قَالَ فَكبر قَالَ ابْن عمر تعال لأخبرك ولأبين لَك عَمَّا سَأَلتنِي عَنهُ أما فراره يَوْم أحد فَأشْهد أَن الله عَفا عَنهُ وَأما تغيبه عَن بدر فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بنت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَانَت مَرِيضَة فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِن لَك أجر رجل مِمَّن شهد بَدْرًا وسهمه وَأما تغيبه عَن بيعَة الرضْوَان فَإِنَّهُ لَو كَانَ أحد أعز بِبَطن مَكَّة من عُثْمَان بن عَفَّان لبعثه مَكَانَهُ فَبعث عُثْمَان وَكَانَت بيعَة الرضْوَان بَعْدَمَا ذهب عُثْمَان إِلَى مَكَّة فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِيَدِهِ الْيُمْنَى هَذِه يَد عُثْمَان فَضرب بهَا على يَده فَقَالَ هَذِه لعُثْمَان اذْهَبْ بِهَذَا الْآن مَعَك) مطابقته للتَّرْجَمَة تظهر من حَيْثُ الْمَعْنى وعبدان لقب عبد الله وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي وَعُثْمَان بن موهب بِفَتْح الْمِيم وَالْهَاء الْأَعْرَج الطلحي التَّيْمِيّ الْقرشِي والْحَدِيث مضى بِطُولِهِ فِي مَنَاقِب عُثْمَان وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة عَن عُثْمَان بن موهب إِلَى آخِره قَوْله " أتحدثني " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستعلام وَبعده فِي رِوَايَة أبي نعيم قَالَ " نعم " -

٢٠ - (بابٌ {إذْ تُصْعِدُونَ ولَا تَلْوُونَ علَى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فأثَابَكُمْ غَمَّاً بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا علَى مَا فَاتَكُمْ ولَا مَا أصَابَكُمْ وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (آل عمرَان: ١٥٣) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله تَعَالَى: {إِذْ تصعدون} . قَوْله: (إِذْ) ، نصب بقوله: {ثمَّ صرفكم عَنْهُم} (آل عمرَان: ١٥٢) . أَو بقوله: {ليبتليكم} (آل عمرَان: ١٥٢) . أَو بإضمار: إذكر يَا مُحَمَّد {إِذْ تصعدون} وَهُوَ من الإصعاد، وَهُوَ الذّهاب فِي الأَرْض والإبعاد فِيهِ، يُقَال: صعد فِي الْجَبَل وأصعد فِي الأَرْض، يُقَال: أصعدنا من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَقَرَأَ الْحسن: {تصعدون} بِفَتْح التَّاء يَعْنِي: فِي الْجَبَل، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وتعضد الْقِرَاءَة الأولى قِرَاءَة أبي: {تصعدون} بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد الْعين من تصعد فِي السّلم، وَقَالَ الْمفضل: صعد وأصعد بِمَعْنى. قَوْله: (وَلَا تلوون) أَي: وَلَا تعرجون وَلَا تقيمون، أَي: لَا يلْتَفت بَعْضكُم على بعض هرباً، وَأَصله من لي الْعُنُق فِي الِالْتِفَات، ثمَّ اسْتعْمل فِي ترك التَّصْرِيح، وقر الْحسن: تلون، بواو وَاحِدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء: يصعدون ويلوون، بِالْيَاءِ يَعْنِي: فيهمَا. وَقَوله: (على أحد) قَالَ الْكَلْبِيّ: يَعْنِي مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقِرَاءَة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. على أحد بِضَم الْهمزَة والحاء يَعْنِي: الْجَبَل. قَوْله: (وَالرَّسُول) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (يدعوكم) كَأَنَّهُ يَقُول: إِلَيّ عباد الله إِلَيّ عباد الله، أَنا رَسُول الله من يُكرمهُ فَلهُ الْجنَّة. قَوْله: (فِي أخراكم) أَي: من خلفكم، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِي ساقتكم وجماعتكم الْأُخْرَى، وَهِي الْجَمَاعَة الْمُتَأَخِّرَة. قَوْله: (فأثابكم) عطف على قَوْله: (ثمَّ صرفكم) أَي: فجازاكم الله غما حِين صرفكم عَنْهُم وابتلاكم بِسَبَب غم أذقتموه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعصيانكم لَهُ أَو غماً مضاعفاً بعد غم مُتَّصِلا بغم، من الاغتمام بِمَا أرجف بِهِ من قتل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْجرْح وَالْقَتْل وظفر الْمُشْركين وفوت الْغَنِيمَة والنصر، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْغم الأول: بِسَبَب الْهَزِيمَة، وَحين قيل: قتل مُحَمَّد، وَالثَّانِي: حِين علاهم الْمُشْركُونَ فَوق الْجَبَل، رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه. وروى ابْن أبي حَاتِم: عَن قَتَادَة نَحْو ذَلِك، وَقَالَ السّديّ: الْغم الأول: بِسَبَب مَا فاتهم من الْغَنِيمَة وَالْفَتْح، وَالثَّانِي: بإشراف الْعَدو عَلَيْهِم، وَقيل غير ذَلِك. قَوْله: (لكيلا تحزنوا على مَا فاتكم) مُتَّصِل بقوله: (وَلَقَد عَفا عَنْكُم لكيلا تحزنوا على مَا فاتكم من الْغَنِيمَة وَلَا مَا أَصَابَكُم من الْقَتْل وَالْجرْح، لِأَن عَفوه يذهب ذَلِك كُله، وَقيل: صلَة، فَيكون الْمَعْنى: لكيلا تحزنوا على مَا فاتكم وَلَا مَا أَصَابَكُم عُقُوبَة لكم فِي خلافكم، وَالله خَبِير بعملكم كُله.

٤٠٦٧ - حدَّثني عَمْرُو بنُ خالِدٍ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا أَبُو إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ بنَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا رَجَعُوا اخْتَلَطُوا بِالْمُشْرِكِينَ وَالْتَبَسَ الْعَسْكَرَانِ فَلَمْ يَتَمَيَّزُوا، فَوَقَعَ الْقَتْلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ: (فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَأَعَادَهَا تَأْكِيدًا، وَإِنَّمَا ضَبَطَهُ لِئَلَّا يُصَحَّفَ بِأُبَيٍّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مَعَ التَّشْدِيدِ، وَأَفَادَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ الَّذِي قَتَلَ الْيَمَانَ خَطَأً عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: كَانَ الْيَمَانُ وَالِدُ حُذَيْفَةَ، وَثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ، فَتَرَكَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَتَذَاكَرَا بَيْنَهُمَا وَرَغِبَا فِي الشَّهَادَةِ، فَأَخَذَا سَيْفَيْهِمَا وَلَحِقَا بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، فَلَمْ يَعْرِفُوا بِهِمَا، فَأَمَّا ثَابِتٌ فَقَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَأَمَّا الْيَمَانُ فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَسْيَافُ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ إِلَخْ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَنَاقِبِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ: قَتَلْتُمْ أَبِي. قَالُوا: وَاللَّهِ مَا عَرَفْنَاهُ. وَصَدَقُوا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَدِيَهُ فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَزَادَهُ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ خَيْرًا وَفِيهِ: تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ التِّينِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ الرَّاوِيَ سَكَتَ فِي قَتْلِ الْيَمَانِ عَمَّا يَجِبُ فِيهِ مِنَ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لَمْ تُفْرَضْ يَوْمَئِذٍ، أَوِ اكْتَفَى بِعِلْمِ السَّامِعِ.

١٩ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

٤٠٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقُعُودُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ، قَالَ: مَنْ الشَّيْخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدِّثُنِي؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ، أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَبَّرَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ لِأُخْبِرَكَ وَلِأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ: أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ. وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ. وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَمَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ، فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَانَ. اذْهَبْ بِهَذَا الْآنَ مَعَكَ.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا يَوْمُ أُحُدٍ. وَغَفَلَ مَنْ قَالَ: يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. نَعَمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ وَهِيَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ حَيْثُ جَاءَ: ﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الْمُرَادُ بِهِ يَوْمُ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ أَيْ: زَيَّنَ لَهُمْ أَنْ يَزِلُّوا، وَقَوْلُهُ: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ قَالَ ابْنُ التِّينِ: يُقَالُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَوَالله مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حتَّى لَحِقَ بِاللَّه. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد الله بن سعيد بن يحيى أَبُو قدامَة الْيَشْكُرِي السَّرخسِيّ، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة.

والْحَدِيث مر فِي: بَاب صفة إِبْلِيس وَجُنُوده، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن أبي أُسَامَة ... الخ نَحوه، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلَكِن نتكلم هُنَا أَيْضا بِمَا فِيهِ لبعد الْعَهْد مِنْهُ.

قَوْله: (أخراكم) أَي: احترزوا من جِهَة أخراكم، وَهِي كلمة تقال لمن يخْشَى أَن يُؤْتى عِنْد الْقِتَال من وَرَائه، وَكَانَ ذَلِك لما ترك الرُّمَاة مكانهم ودخلوا ينتهبون عَسْكَر الْمُشْركين. قَوْله: (فاجتلدت هِيَ) أَي: أولاهم نفرت مَعَ أخراهم. قَوْله: (فَبَصر حُذَيْفَة) أَي: نظر إِلَى أَبِيه وَرَآهُ. وَقَالَ: يَا عباد الله أبي أبي أَي: هَذَا أبي فَلَا تتعرضوا لَهُ واحفظوه، وَإِنَّمَا قَالَ: أبي أبي، بالتكرار حَتَّى لَا يظنّ أَنه: أبي، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (قَالَ: قَالَت) أَي: قَالَ عُرْوَة، قَالَت عَائِشَة: فوَاللَّه مَا احتجزوا أَي: مَا امْتَنعُوا من قَتله حَتَّى قَتَلُوهُ أَي: الْيَمَان وَالِد حُذَيْفَة، وَذكر ابْن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنِي عَاصِم ابْن عمر عَن مَحْمُود بن لبيد، قَالَ: كَانَ الْيَمَان وَالِد حُذَيْفَة وثابت بن وقش شيخين كبيرين فَتَركهُمَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ النِّسَاء وَالصبيان فرغبا فِي الشَّهَادَة فأخذا سيفيهما ولحقا بِالْمُسْلِمين بعد الْهَزِيمَة، فَلم يعرفوا بهما، فَأَما ثَابت فَقتله الْمُشْركُونَ، وَأما الْيَمَان فاختلفت عَلَيْهِ أسياف الْمُسلمين فَقَتَلُوهُ وَلَا يعرفونه، وَقَالَ ابْن سعد: إِن الَّذِي قتل الْيَمَان خطأ عتبَة بن مَسْعُود أَخُو عبد الله بن مَسْعُود، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق، قَالَ حُذَيْفَة: قتلتم أبي قَالُوا: وَالله مَا عَرفْنَاهُ وَصَدقُوا، فَقَالَ حُذَيْفَة: يغْفر الله لكم فَأَرَادَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يَدَيْهِ فَتصدق حُذَيْفَة بديته على الْمُسلمين فزاده ذَلِك عِنْد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خيرا، وَالْعجب من ابْن التِّين حَيْثُ يَقُول: وَلم يذكر فِي الحَدِيث الدِّيَة فِي قتل الْيَمَان وَالْكَفَّارَة، فَأَما لم تفرض حِينَئِذٍ أَو اكْتفى بِعلم السَّامع، وَلَو اطلع على مَا ذكرنَا لما أغرب فِي كَلَامه.

بَصَرْتُ عَلِمْتُ مِنَ البَصِيرَةِ فِي الأمْرِ وأبْصَرْتُ مِنْ بَصَرِ العَيْنِ ويُقالُ بَصُرْتُ وأبْصَرْتُ واحِدٌ

لما كَانَ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور لفظ: بصر، بِفَتْح الْبَاء وَضم الصَّاد، أَشَارَ إِلَى مَعْنَاهُ وَإِلَى الْفرق بَين بصر وَأبْصر، فَقَالَ: معنى بصر علم مَأْخُوذ من البصيرة فِي الْأَمر، فَيكون من الْمعَانِي القلبية، وَقَالَ: أبْصر بِزِيَادَة الْهمزَة فِي أَوله يَعْنِي: نظر لِأَنَّهُ من بصر الْعين، وبصر الْعين حاستها وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْبَصَر الْعلم وبصرت بالشَّيْء عَلمته، وَقَالَ تَعَالَى: {بصرت لما لم يبصروا بِهِ} (طه: ٩٦) . قَوْله: وَيُقَال: بصرت وأبصرت وَاحِد، يَعْنِي: كِلَاهُمَا سَوَاء، كسرعت وأسرعت.

١٩ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالَى {إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ولَقَدْ عفَا الله عنْهُمْ إنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ} (آل عمرَان: ١٥٥) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم} (آل عمرَان: ١٥٥) . الْآيَة. وَاتفقَ أهل الْعلم بِالنَّقْلِ على أَن المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة مَا وَقع فِي أحد، وَقَول من قَالَ: إِنَّهَا فِي يَوْم بدر، غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لم يول أحد من الْمُسلمين يَوْم بدر. قَوْله: {إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم} (آل عمرَان: ١٥٥) . أَي: إِن الَّذين فروا مِنْكُم يَا معشر الْمُسلمين. قَوْله: (يَوْم التقى الْجَمْعَانِ) ، أَي: جمع الْمُسلمين وَجمع الْكفَّار. قَوْله: (إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان) أَي: حملهمْ على الزلل. قَوْله: (بِبَعْض مَا كسبوا) ، أَي: بِبَعْض ذنوبهم السالفة، وَهُوَ تَركهم الْمُشْركين. قَوْله: (وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم) ، أَي: حلم عَلَيْهِم إِذْ لم يعاجلهم بالعقوبة، وَقيل: غفر لَهُم الْخَطِيئَة، وَرُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة قَالَ لأَصْحَابه: هَذِه وقْعَة تشاع فِي الْعَرَب فأطلبوهم حَتَّى يسمعوا أَنا قد طلبناهم، فَخَرجُوا فَلم يدركوا الْقَوْم. قَوْله: (إِن الله غَفُور حَلِيم) ، أَي: يغْفر الذُّنُوب ويحلم على خلقه ويتجاوز عَنْهُم.

١٠٦ - (حَدثنَا عَبْدَانِ أخبرنَا أَبُو حَمْزَة عَن عُثْمَان بن موهب قَالَ جَاءَ رجل حج الْبَيْت فَرَأى قوما جُلُوسًا فَقَالَ من هَؤُلَاءِ الْقعُود قَالُوا هَؤُلَاءِ قُرَيْش قَالَ من الشَّيْخ قَالُوا ابْن عمر فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلك عَن شَيْء أتحدثني قَالَ أنْشدك بِحرْمَة هَذَا الْبَيْت أتعلم أَن عُثْمَان بن

عَفَّان فر يَوْم أحد قَالَ نعم قَالَ فتعلمه تغيب عَن بدر فَلم يشهدها قَالَ نعم قَالَ فتعلم أَنه تخلف عَن بيعَة الرضْوَان فَلم يشهدها قَالَ نعم قَالَ فَكبر قَالَ ابْن عمر تعال لأخبرك ولأبين لَك عَمَّا سَأَلتنِي عَنهُ أما فراره يَوْم أحد فَأشْهد أَن الله عَفا عَنهُ وَأما تغيبه عَن بدر فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بنت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَانَت مَرِيضَة فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِن لَك أجر رجل مِمَّن شهد بَدْرًا وسهمه وَأما تغيبه عَن بيعَة الرضْوَان فَإِنَّهُ لَو كَانَ أحد أعز بِبَطن مَكَّة من عُثْمَان بن عَفَّان لبعثه مَكَانَهُ فَبعث عُثْمَان وَكَانَت بيعَة الرضْوَان بَعْدَمَا ذهب عُثْمَان إِلَى مَكَّة فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِيَدِهِ الْيُمْنَى هَذِه يَد عُثْمَان فَضرب بهَا على يَده فَقَالَ هَذِه لعُثْمَان اذْهَبْ بِهَذَا الْآن مَعَك) مطابقته للتَّرْجَمَة تظهر من حَيْثُ الْمَعْنى وعبدان لقب عبد الله وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي وَعُثْمَان بن موهب بِفَتْح الْمِيم وَالْهَاء الْأَعْرَج الطلحي التَّيْمِيّ الْقرشِي والْحَدِيث مضى بِطُولِهِ فِي مَنَاقِب عُثْمَان وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة عَن عُثْمَان بن موهب إِلَى آخِره قَوْله " أتحدثني " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستعلام وَبعده فِي رِوَايَة أبي نعيم قَالَ " نعم " -

٢٠ - (بابٌ {إذْ تُصْعِدُونَ ولَا تَلْوُونَ علَى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فأثَابَكُمْ غَمَّاً بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا علَى مَا فَاتَكُمْ ولَا مَا أصَابَكُمْ وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (آل عمرَان: ١٥٣) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله تَعَالَى: {إِذْ تصعدون} . قَوْله: (إِذْ) ، نصب بقوله: {ثمَّ صرفكم عَنْهُم} (آل عمرَان: ١٥٢) . أَو بقوله: {ليبتليكم} (آل عمرَان: ١٥٢) . أَو بإضمار: إذكر يَا مُحَمَّد {إِذْ تصعدون} وَهُوَ من الإصعاد، وَهُوَ الذّهاب فِي الأَرْض والإبعاد فِيهِ، يُقَال: صعد فِي الْجَبَل وأصعد فِي الأَرْض، يُقَال: أصعدنا من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَقَرَأَ الْحسن: {تصعدون} بِفَتْح التَّاء يَعْنِي: فِي الْجَبَل، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وتعضد الْقِرَاءَة الأولى قِرَاءَة أبي: {تصعدون} بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد الْعين من تصعد فِي السّلم، وَقَالَ الْمفضل: صعد وأصعد بِمَعْنى. قَوْله: (وَلَا تلوون) أَي: وَلَا تعرجون وَلَا تقيمون، أَي: لَا يلْتَفت بَعْضكُم على بعض هرباً، وَأَصله من لي الْعُنُق فِي الِالْتِفَات، ثمَّ اسْتعْمل فِي ترك التَّصْرِيح، وقر الْحسن: تلون، بواو وَاحِدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء: يصعدون ويلوون، بِالْيَاءِ يَعْنِي: فيهمَا. وَقَوله: (على أحد) قَالَ الْكَلْبِيّ: يَعْنِي مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقِرَاءَة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. على أحد بِضَم الْهمزَة والحاء يَعْنِي: الْجَبَل. قَوْله: (وَالرَّسُول) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (يدعوكم) كَأَنَّهُ يَقُول: إِلَيّ عباد الله إِلَيّ عباد الله، أَنا رَسُول الله من يُكرمهُ فَلهُ الْجنَّة. قَوْله: (فِي أخراكم) أَي: من خلفكم، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِي ساقتكم وجماعتكم الْأُخْرَى، وَهِي الْجَمَاعَة الْمُتَأَخِّرَة. قَوْله: (فأثابكم) عطف على قَوْله: (ثمَّ صرفكم) أَي: فجازاكم الله غما حِين صرفكم عَنْهُم وابتلاكم بِسَبَب غم أذقتموه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعصيانكم لَهُ أَو غماً مضاعفاً بعد غم مُتَّصِلا بغم، من الاغتمام بِمَا أرجف بِهِ من قتل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْجرْح وَالْقَتْل وظفر الْمُشْركين وفوت الْغَنِيمَة والنصر، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْغم الأول: بِسَبَب الْهَزِيمَة، وَحين قيل: قتل مُحَمَّد، وَالثَّانِي: حِين علاهم الْمُشْركُونَ فَوق الْجَبَل، رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه. وروى ابْن أبي حَاتِم: عَن قَتَادَة نَحْو ذَلِك، وَقَالَ السّديّ: الْغم الأول: بِسَبَب مَا فاتهم من الْغَنِيمَة وَالْفَتْح، وَالثَّانِي: بإشراف الْعَدو عَلَيْهِم، وَقيل غير ذَلِك. قَوْله: (لكيلا تحزنوا على مَا فاتكم) مُتَّصِل بقوله: (وَلَقَد عَفا عَنْكُم لكيلا تحزنوا على مَا فاتكم من الْغَنِيمَة وَلَا مَا أَصَابَكُم من الْقَتْل وَالْجرْح، لِأَن عَفوه يذهب ذَلِك كُله، وَقيل: صلَة، فَيكون الْمَعْنى: لكيلا تحزنوا على مَا فاتكم وَلَا مَا أَصَابَكُم عُقُوبَة لكم فِي خلافكم، وَالله خَبِير بعملكم كُله.

٤٠٦٧ - حدَّثني عَمْرُو بنُ خالِدٍ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا أَبُو إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ بنَ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 77%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله