الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٤٨٢
الحديث رقم ٤٤٨٢ من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٢٠⦘
إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا».
قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى * مَثَابَةً﴾ يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ.
٤٤٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ:
يُبَيِّنُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث القُدْسِيِّ أنّ اللهَ عز وجل أَخْبَرَ عن المشركين والكفار أنهم يُكذِّبونه ويَصِفُونه بالنقائص والمعايب، وما كان ينبغي لهم ذلك.
فأما تكذيبُهم لله: فَزَعْمُهم أنَّ الله لن يُعيدَهم بعد موتِهم مرة أخرى كما خلقهم أول مرة من عَدَم، فردَّ عليهم بأن الذي بَدَأ الخَلْقَ مِن العَدَم قادرٌ على إعادتهم بل أهون، وإن كان الأمر بالنسبة لله مستويان الخلق والإعادة، فالله على كل شيء قدير.
وأما شتمهم: فقولهم: إن له ولدًا، فَرَدَّ عليهم بأنه الأحد المُتَفَرِّدُ بجميع الكمالات في أسمائه وصفاته وأفعاله، المُنَزَّه عن كل نقص وعيب، الصمد الذي لا يحتاج إلى أحد، ويحتاج إليه كل أحد، ولم يكن والدًا لأحد، ولم يكن ولدًا لأحد، ولم يكن لي كفؤًا أحدٌ من مثيلٍ أو نظيرٍ سبحانه وتعالى.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
النُّزُولِ كَانَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ جَوَابًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ.
٨ - بَاب ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾
٤٤٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: قَالُوا بِحَذْفِ الْوَاوِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ، وَمَنْ قَالَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْقُدُسِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ) إِنَّمَا سَمَّاهُ شَتْمًا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْقِيصِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ وَالِدَةٍ تَحْمِلُهُ ثُمَّ تَضَعُهُ وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ سَبْقَ النِّكَاحِ، وَالنِّكَاحُ يَسْتَدْعِي بَاعِثًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ.
٩ - بَاب قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى * مَثَابَةً﴾ يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ.
٤٤٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ - أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ، قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ: إِنْ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ قَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنْ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ كَذَا لَهُمْ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْخَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: وَاتَّخِذُوا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ مَنِ اتَّبَعَ إِبْرَاهِيمَ. وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: جَعَلْنَا فَالْكَلَامُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: عَلَى وَإِذْ جَعَلْنَا فَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ إِذْ وَيَكُونُ الْكَلَامُ جُمْلَتَيْنِ، وَقِيلَ: عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَثَابُوا، أَيْ: رَجَعُوا وَاتَّخَذُوا. وَتَوْجِيهُ قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ مَثَابَةً كَأَنَّهُ قَالَ: ثُوبُوا وَاتَّخِذُوا، أَوْ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: وَقُلْنَا اتَّخِذُوا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ.
قَوْلُهُ: (مَثَابَةً
يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَثَابَةً﴾ مَصْدَرُ يَثُوبُونَ أَيْ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ، وَمُرَادُهُ بِالْمَصْدَرِ اسْمُ الْمَصْدَرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ اسْمُ مَكَانٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَثَابَةً﴾ قَالَ: يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهِ لَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَثَابَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْمُقَامِ وَالْمُقَامَةِ. وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ لِمَا كَثُرَ مِنْ يَثُوبُ إِلَيْهِ، كَمَا قَالُوا: سَيَّارَةٌ لِمَنْ يُكْثِرُ السَّيْرَ، وَالْأَصْلُ فِي مَثَابٍ مَثُوبَةٌ فَأُعِلَّ بِالنَّقْلِ وَالْقَلْبِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَتَأْتِي قِصَّةُ الْحِجَابِ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ، وَالتَّخْيِيرِ فِي تَفْسِيرِ التَّحْرِيمِ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى إِحْدَاهُنَّ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ في بَابُ غَيْرَةِ النِّسَاءِ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِ عُمَرَ فَمَرَّ بِهِ عَلَى الْمَقَامِ فَقَالَ لَهُ: هَذَا مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلَا تَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ.
تَكْمِلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنَّمَا طَلَبَ عُمَرُ الِاسْتِنَانَ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ مَعَ النَّهْيِ عَنِ النَّظَرِ فِي كِتَابِ التَّوْرَاةِ لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فَعَلِمَ أَنَّ الِائْتِمَامَ بِإِبْرَاهِيمَ مِنْ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وَلِكَوْنِ الْبَيْتِ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَأَنَّ أَثَرَ قَدَمَيْهِ فِي الْمَقَامِ كَرَقْمِ الْبَانِي فِي الْبِنَاءِ لِيُذْكَرَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَرَأَى الصَّلَاةَ عِنْدَ الْمَقَامِ كَقِرَاءَةِ الطَّائِفِ بِالْبَيْتِ اسْمَ مَنْ بَنَاهُ. انْتَهَى، وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ لَطِيفَةٌ. ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ تَزَلْ آثَارُ قَدَمَيْ إِبْرَاهِيمَ حَاضِرَةً فِي الْمَقَامِ مَعْرُوفَةً عِنْدَ أَهْلِ الْحَرَمِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ:
وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةً … قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ
وَفِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْمَقَامَ فِيهِ أَصَابِعُ إِبْرَاهِيمَ وَأَخْمَصُ قَدَمَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْحُ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ. قَالَ: وَلَقَدْ ذَكَرَ لَنَا مَنْ رَأَى أَثَرَ عَقِبِهِ وَأَصَابِعِهِ فِيهَا فَمَا زَالُوا يَمْسَحُونَهُ حَتَّى اخْلَوْلَقَ وَانْمَحَى. وَكَانَ الْمَقَامُ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ لِزْقَ الْبَيْتِ إِلَى أَنْ أَخَّرَهُ عُمَرُ ﵁ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ وَلَفْظُهُ: أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَرُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الَّذِي حَوَّلَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: كَانَ الْمَقَامُ فِي سَقْعِ الْبَيْتِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَوَّلَهُ عُمَرُ، فَجَاءَ سَيْلٌ فَذَهَبَ بِهِ فَرَدَّهُ عُمَرُ إِلَيْهِ. قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي أَكَانَ لَاصِقًا بِالْبَيْتِ أَمْ لَا. انْتَهَى. وَلَمْ تُنْكِرِ الصَّحَابَةُ فِعْلَ عُمَرَ وَلَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَصَارَ إِجْمَاعًا.
وَكَانَ عُمَرُ رَأَى أَنَّ إِبْقَاءَهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّضْيِيقُ عَلَى الطَّائِفِينَ أَوْ عَلَى الْمُصَلِّينَ فَوَضَعَهُ فِي مَكَانٍ يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَرَجُ، وَتَهَيَّأَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ أَشَارَ بِاتِّخَاذِهِ مُصَلًّى، وَأَوَّلُ مَنْ عَمِلَ عَلَيْهِ الْمَقْصُورَةَ الْمَوْجُودَةَ الْآنَ.
١٠ - بَاب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الْقَوَاعِدُ: أَسَاسُهُ، وَاحِدَتُهَا قَاعِدَةٌ. ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وَاحِدُهَا قَاعِدٌ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الثَّانِيَة وَكسر السِّين الْمُشَدّدَة، وقرىء: وتنسها، بِفَتْح التَّاء للخطاب وَسُكُون النُّون، وقرىء: وتنسها، بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَانَت الْيَهُود طعنوا فِي النّسخ فَقَالُوا: أَفلا ترَوْنَ إِلَى مُحَمَّد؟ يَأْمر أَصْحَابه بِأَمْر ثمَّ ينهاهم عَنهُ وَيَأْمُرهُمْ بِخِلَافِهِ، وَيَقُول الْيَوْم قولا وَيرجع عَنهُ غَدا؟ فَنزلت {مَا ننسخ} (الْبَقَرَة: ١٠٦) الخ.
٤٤٨١ - ح دَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ حدَّثنا يَحْيَى حَدثنَا سُفْيانُ عنْ حَبِيبٍ عنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قَالَ قَالَ عَمرُ رضيَ الله عنهُ أقْرَأُنا أُبَيٌّ وأقْضانا عَلِيٌّ وإنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أبَيّ وذَاكَ أنَّ أبَيًّا يَقُولُ لَا أدَعُ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقَدْ قَالَ الله تَعَالَى مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نَنْسَاها.
مطابقته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة. وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وحبِيب، هُوَ ابْن أبي ثَابت واسْمه قيس بن دِينَار الْكُوفِي.
وَهَذَا حَدِيث مَوْقُوف وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَغَيره من طَرِيق أبي قلَابَة عَن أنس مَرْفُوعا. وَفِيه ذكر جمَاعَة، وأوله: أرْحم أمتِي أَبُو بكر، وَفِيه: وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كَعْب الحَدِيث، وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ غَيره: وَالصَّوَاب إرْسَاله.
قَوْله: (وأقضانا عَليّ) ، أَي: أعلمنَا بِالْقضَاءِ عَليّ بن أبي طَالب، وَقد رُوِيَ هَذَا أَيْضا مَرْفُوعا عَن أنس وَلَفظه: أقضى أمتِي عَليّ بن أبي طَالب، رَوَاهُ الْبَغَوِيّ قَوْله: (وَإِنَّا لندع من قَول أبي) ، أَي: لنترك، وَفِي رِوَايَة صَدَقَة: من لحن أبي، أَي: من لغته، وَفِي رِوَايَة ابْن خَلاد وَإِنَّا لنترك كثيرا من قِرَاءَة أبي، وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى قَول عَمْرو: إِنَّا لندع. قَوْله: (أَن أَبَيَا يَقُول) ، أَي: أَن أَبَيَا يَقُول: (لَا أدع شَيْئا) أَي: لَا أترك شَيْئا (سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَكَانَ لَا يَقُول أبي بنسخ شَيْء من الْقُرْآن، فَرد عمر رَضِي الله عَنهُ ذَلِك بقوله: وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {مَا ننسخ من آيَة} فَإِنَّهُ يدل على ثُبُوت النّسخ فِي الْبَعْض، وَهَذِه الْجُمْلَة، وَإِن كَانَت شَرْطِيَّة، إلَاّ أَنَّهَا لَا تدل على وُقُوع الشَّرْط، فالسياق هُنَا يدل عَلَيْهِ لِأَنَّهَا نزلت بعد وُقُوعه وإنكارهم عَلَيْهِ، وَيمْنَع عدم دلالتها فِي مثل هَذَا لِأَنَّهَا لَيست شَرْطِيَّة مَحْضَة.
٨ - (بابٌ: {وقالُوا اتَّخَذَ الله ولَداً سُبْحانَهُ} (الْبَقَرَة: ١١٦)
أَي: هَذَا بَاب: {قَالُوا} بِالْوَاو قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَقَرَأَ ابْن عَامر: قَالُوا، بِحَذْف الْوَاو، وَاتَّفَقُوا على أَن الْآيَة نزلت فِيمَن زعم أَن لله ولدا من يهود خَيْبَر ونصارى نَجْرَان، وَمن قَالَ من مُشْركي الْعَرَب: الْمَلَائِكَة بَنَات الله، فَرد الله تَعَالَى عَلَيْهِم.
٤٤٨٢ - ح دَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنْ عبْدِ الله بن أبي حُسَيْنٍ حَدثنَا نافِعُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ قَالَ الله كَذَّ بَني ابنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لهُ ذَاكَ وشَتَمَني ولَمْ يَكُنْ لهُ ذالِكَ فأمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فَزَعَمَ أنِّي لَا أقْدِرُ أنْ أُعيدَهُ كَمَا كانَ وأمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي ولَدٌ فَسُبْحانِي أنْ أتخِذ صاحِبَةً أوْ ولَداً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَعبد الله هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن الْقرشِي النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ، وَنَافِع بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مطعم بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف الْقرشِي الْمدنِي.
والْحَدِيث من أَفْرَاده. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَسلف فِي بَدْء الْخلق، قلت: مَا سلف فِي بَدْء الْخلق إلَاّ عَن أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة الْأَعْرَج. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ويروي: قَالَ: قَالَ الله أرَاهُ يَقُول الله شَتَمَنِي ابْن آدمِ الحَدِيث، وَهَذَا من الْأَحَادِيث القدسية. قَوْله: (كَذبَنِي) من التَّكْذِيب وَهُوَ نِسْبَة الْمُتَكَلّم إِلَى أَن خَبره خلاف الْوَاقِع. قَوْله: (ذَلِك) أَي: التَّكْذِيب. قَوْله: (وَشَتَمَنِي) ، من الشتم وَهُوَ توصيف الشَّخْص بِمَا هُوَ أزراً وأنقص فِيهِ، وَإِثْبَات الْوَلَد لَهُ كَذَلِك لِأَن الْوَلَد إِنَّمَا يكون عَن وَالِدَة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
النُّزُولِ كَانَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ جَوَابًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ.
٨ - بَاب ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾
٤٤٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: قَالُوا بِحَذْفِ الْوَاوِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ، وَمَنْ قَالَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْقُدُسِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ) إِنَّمَا سَمَّاهُ شَتْمًا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْقِيصِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ وَالِدَةٍ تَحْمِلُهُ ثُمَّ تَضَعُهُ وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ سَبْقَ النِّكَاحِ، وَالنِّكَاحُ يَسْتَدْعِي بَاعِثًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ.
٩ - بَاب قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى * مَثَابَةً﴾ يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ.
٤٤٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ - أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ، قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ: إِنْ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ قَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنْ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ كَذَا لَهُمْ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْخَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: وَاتَّخِذُوا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ مَنِ اتَّبَعَ إِبْرَاهِيمَ. وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: جَعَلْنَا فَالْكَلَامُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: عَلَى وَإِذْ جَعَلْنَا فَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ إِذْ وَيَكُونُ الْكَلَامُ جُمْلَتَيْنِ، وَقِيلَ: عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَثَابُوا، أَيْ: رَجَعُوا وَاتَّخَذُوا. وَتَوْجِيهُ قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ مَثَابَةً كَأَنَّهُ قَالَ: ثُوبُوا وَاتَّخِذُوا، أَوْ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: وَقُلْنَا اتَّخِذُوا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ.
قَوْلُهُ: (مَثَابَةً
يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَثَابَةً﴾ مَصْدَرُ يَثُوبُونَ أَيْ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ، وَمُرَادُهُ بِالْمَصْدَرِ اسْمُ الْمَصْدَرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ اسْمُ مَكَانٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَثَابَةً﴾ قَالَ: يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهِ لَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَثَابَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْمُقَامِ وَالْمُقَامَةِ. وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ لِمَا كَثُرَ مِنْ يَثُوبُ إِلَيْهِ، كَمَا قَالُوا: سَيَّارَةٌ لِمَنْ يُكْثِرُ السَّيْرَ، وَالْأَصْلُ فِي مَثَابٍ مَثُوبَةٌ فَأُعِلَّ بِالنَّقْلِ وَالْقَلْبِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَتَأْتِي قِصَّةُ الْحِجَابِ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ، وَالتَّخْيِيرِ فِي تَفْسِيرِ التَّحْرِيمِ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى إِحْدَاهُنَّ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ في بَابُ غَيْرَةِ النِّسَاءِ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِ عُمَرَ فَمَرَّ بِهِ عَلَى الْمَقَامِ فَقَالَ لَهُ: هَذَا مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلَا تَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ.
تَكْمِلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنَّمَا طَلَبَ عُمَرُ الِاسْتِنَانَ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ مَعَ النَّهْيِ عَنِ النَّظَرِ فِي كِتَابِ التَّوْرَاةِ لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فَعَلِمَ أَنَّ الِائْتِمَامَ بِإِبْرَاهِيمَ مِنْ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وَلِكَوْنِ الْبَيْتِ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَأَنَّ أَثَرَ قَدَمَيْهِ فِي الْمَقَامِ كَرَقْمِ الْبَانِي فِي الْبِنَاءِ لِيُذْكَرَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَرَأَى الصَّلَاةَ عِنْدَ الْمَقَامِ كَقِرَاءَةِ الطَّائِفِ بِالْبَيْتِ اسْمَ مَنْ بَنَاهُ. انْتَهَى، وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ لَطِيفَةٌ. ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ تَزَلْ آثَارُ قَدَمَيْ إِبْرَاهِيمَ حَاضِرَةً فِي الْمَقَامِ مَعْرُوفَةً عِنْدَ أَهْلِ الْحَرَمِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ:
وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةً … قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ
وَفِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْمَقَامَ فِيهِ أَصَابِعُ إِبْرَاهِيمَ وَأَخْمَصُ قَدَمَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْحُ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ. قَالَ: وَلَقَدْ ذَكَرَ لَنَا مَنْ رَأَى أَثَرَ عَقِبِهِ وَأَصَابِعِهِ فِيهَا فَمَا زَالُوا يَمْسَحُونَهُ حَتَّى اخْلَوْلَقَ وَانْمَحَى. وَكَانَ الْمَقَامُ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ لِزْقَ الْبَيْتِ إِلَى أَنْ أَخَّرَهُ عُمَرُ ﵁ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ وَلَفْظُهُ: أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَرُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الَّذِي حَوَّلَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: كَانَ الْمَقَامُ فِي سَقْعِ الْبَيْتِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَوَّلَهُ عُمَرُ، فَجَاءَ سَيْلٌ فَذَهَبَ بِهِ فَرَدَّهُ عُمَرُ إِلَيْهِ. قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي أَكَانَ لَاصِقًا بِالْبَيْتِ أَمْ لَا. انْتَهَى. وَلَمْ تُنْكِرِ الصَّحَابَةُ فِعْلَ عُمَرَ وَلَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَصَارَ إِجْمَاعًا.
وَكَانَ عُمَرُ رَأَى أَنَّ إِبْقَاءَهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّضْيِيقُ عَلَى الطَّائِفِينَ أَوْ عَلَى الْمُصَلِّينَ فَوَضَعَهُ فِي مَكَانٍ يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَرَجُ، وَتَهَيَّأَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ أَشَارَ بِاتِّخَاذِهِ مُصَلًّى، وَأَوَّلُ مَنْ عَمِلَ عَلَيْهِ الْمَقْصُورَةَ الْمَوْجُودَةَ الْآنَ.
١٠ - بَاب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الْقَوَاعِدُ: أَسَاسُهُ، وَاحِدَتُهَا قَاعِدَةٌ. ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وَاحِدُهَا قَاعِدٌ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الثَّانِيَة وَكسر السِّين الْمُشَدّدَة، وقرىء: وتنسها، بِفَتْح التَّاء للخطاب وَسُكُون النُّون، وقرىء: وتنسها، بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَانَت الْيَهُود طعنوا فِي النّسخ فَقَالُوا: أَفلا ترَوْنَ إِلَى مُحَمَّد؟ يَأْمر أَصْحَابه بِأَمْر ثمَّ ينهاهم عَنهُ وَيَأْمُرهُمْ بِخِلَافِهِ، وَيَقُول الْيَوْم قولا وَيرجع عَنهُ غَدا؟ فَنزلت {مَا ننسخ} (الْبَقَرَة: ١٠٦) الخ.
٤٤٨١ - ح دَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ حدَّثنا يَحْيَى حَدثنَا سُفْيانُ عنْ حَبِيبٍ عنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قَالَ قَالَ عَمرُ رضيَ الله عنهُ أقْرَأُنا أُبَيٌّ وأقْضانا عَلِيٌّ وإنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أبَيّ وذَاكَ أنَّ أبَيًّا يَقُولُ لَا أدَعُ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقَدْ قَالَ الله تَعَالَى مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نَنْسَاها.
مطابقته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة. وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وحبِيب، هُوَ ابْن أبي ثَابت واسْمه قيس بن دِينَار الْكُوفِي.
وَهَذَا حَدِيث مَوْقُوف وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَغَيره من طَرِيق أبي قلَابَة عَن أنس مَرْفُوعا. وَفِيه ذكر جمَاعَة، وأوله: أرْحم أمتِي أَبُو بكر، وَفِيه: وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كَعْب الحَدِيث، وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ غَيره: وَالصَّوَاب إرْسَاله.
قَوْله: (وأقضانا عَليّ) ، أَي: أعلمنَا بِالْقضَاءِ عَليّ بن أبي طَالب، وَقد رُوِيَ هَذَا أَيْضا مَرْفُوعا عَن أنس وَلَفظه: أقضى أمتِي عَليّ بن أبي طَالب، رَوَاهُ الْبَغَوِيّ قَوْله: (وَإِنَّا لندع من قَول أبي) ، أَي: لنترك، وَفِي رِوَايَة صَدَقَة: من لحن أبي، أَي: من لغته، وَفِي رِوَايَة ابْن خَلاد وَإِنَّا لنترك كثيرا من قِرَاءَة أبي، وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى قَول عَمْرو: إِنَّا لندع. قَوْله: (أَن أَبَيَا يَقُول) ، أَي: أَن أَبَيَا يَقُول: (لَا أدع شَيْئا) أَي: لَا أترك شَيْئا (سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَكَانَ لَا يَقُول أبي بنسخ شَيْء من الْقُرْآن، فَرد عمر رَضِي الله عَنهُ ذَلِك بقوله: وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {مَا ننسخ من آيَة} فَإِنَّهُ يدل على ثُبُوت النّسخ فِي الْبَعْض، وَهَذِه الْجُمْلَة، وَإِن كَانَت شَرْطِيَّة، إلَاّ أَنَّهَا لَا تدل على وُقُوع الشَّرْط، فالسياق هُنَا يدل عَلَيْهِ لِأَنَّهَا نزلت بعد وُقُوعه وإنكارهم عَلَيْهِ، وَيمْنَع عدم دلالتها فِي مثل هَذَا لِأَنَّهَا لَيست شَرْطِيَّة مَحْضَة.
٨ - (بابٌ: {وقالُوا اتَّخَذَ الله ولَداً سُبْحانَهُ} (الْبَقَرَة: ١١٦)
أَي: هَذَا بَاب: {قَالُوا} بِالْوَاو قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَقَرَأَ ابْن عَامر: قَالُوا، بِحَذْف الْوَاو، وَاتَّفَقُوا على أَن الْآيَة نزلت فِيمَن زعم أَن لله ولدا من يهود خَيْبَر ونصارى نَجْرَان، وَمن قَالَ من مُشْركي الْعَرَب: الْمَلَائِكَة بَنَات الله، فَرد الله تَعَالَى عَلَيْهِم.
٤٤٨٢ - ح دَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنْ عبْدِ الله بن أبي حُسَيْنٍ حَدثنَا نافِعُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ قَالَ الله كَذَّ بَني ابنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لهُ ذَاكَ وشَتَمَني ولَمْ يَكُنْ لهُ ذالِكَ فأمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فَزَعَمَ أنِّي لَا أقْدِرُ أنْ أُعيدَهُ كَمَا كانَ وأمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي ولَدٌ فَسُبْحانِي أنْ أتخِذ صاحِبَةً أوْ ولَداً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَعبد الله هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن الْقرشِي النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ، وَنَافِع بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مطعم بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف الْقرشِي الْمدنِي.
والْحَدِيث من أَفْرَاده. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَسلف فِي بَدْء الْخلق، قلت: مَا سلف فِي بَدْء الْخلق إلَاّ عَن أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة الْأَعْرَج. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ويروي: قَالَ: قَالَ الله أرَاهُ يَقُول الله شَتَمَنِي ابْن آدمِ الحَدِيث، وَهَذَا من الْأَحَادِيث القدسية. قَوْله: (كَذبَنِي) من التَّكْذِيب وَهُوَ نِسْبَة الْمُتَكَلّم إِلَى أَن خَبره خلاف الْوَاقِع. قَوْله: (ذَلِك) أَي: التَّكْذِيب. قَوْله: (وَشَتَمَنِي) ، من الشتم وَهُوَ توصيف الشَّخْص بِمَا هُوَ أزراً وأنقص فِيهِ، وَإِثْبَات الْوَلَد لَهُ كَذَلِك لِأَن الْوَلَد إِنَّمَا يكون عَن وَالِدَة