«إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4729

الحديث رقم 4729 من كتاب «سورة الكهف» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم الآية.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة…

«إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. وَقَالَ: اقْرَؤُوا ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾».

وَعَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ مِثْلَهُ.

﴿كهيعص﴾

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَبْصِرْ بِهِمْ وَأَسْمِعْ، اللهُ يَقُولُهُ وَهُمُ الْيَوْمَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ الْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ، ﴿لأَرْجُمَنَّكَ﴾ لَأَشْتِمَنَّكَ، ﴿وَرِئْيًا﴾ مَنْظَرًا.

وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِدًّا﴾ عِوَجًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وِرْدًا﴾ عِطَاشًا، ﴿أَثَاثًا﴾ مَالًا، ﴿إِدًّا﴾ قَوْلًا عَظِيمًا، ﴿رِكْزًا﴾ صَوْتًا، ﴿غَيًّا﴾ خُسْرَانًا، بُكِيًّا جَمَاعَةُ بَاكٍ، ﴿صُلِيًّا﴾ صَلِيَ يَصْلَى، ﴿نَدِيًّا﴾ وَالنَّادِي مَجْلِسًا.

﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾

سند حديث: ٤٧٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ…

٤٧٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُصْعَبٍ قَالَ: هُمْ عُبَّادُ النَّصَارَى قَالُوا: لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ.

قَوْلُهُ: (وَالْحَرُورِيَّةُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ إِلَخْ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَالْحَرُورِيَّةُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ - إِلَى - الْفَاسِقِينَ قَالَ يَزِيدُ: هَكَذَا حَفِظْتُ. قُلْتُ: وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ حَفِظَهُ عَنْهُ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَالصَّوَابُ الْخَاسِرُونَ وَوَقَعَ عَلَى الصَّوَابِ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الْفَاسِقِينَ) لَعَلَّ هَذَا السَّبَبَ فِي الْغَلَطِ الْمَذْكُورِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ الْخَوَارِجُ قَوْمٌ زَاغُوا فَأَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي آخِرُهَا الْفَاسِقِينَ فَلَعَلَّ الِاخْتِصَارَ اقْتَضَى ذَلِكَ الْغَلَطَ، وَكَأَنَّ سَعْدًا ذَكَرَ الْآيَتَيْنِ مَعًا الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَالَّتِي فِي الصَّفِّ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ مُصْعَبٍ قَالَ: نَظَرَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ إِلَى سَعْدٍ فَقَالَ: هَذَا مِنْ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: كَذَبْتَ، أَنَا قَاتَلْتَ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ. فَقَالَ لَهُ آخَرُ: هَذَا مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: كَذَبْتَ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ الْآيَةَ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَجْهُ خُسْرَانِهِمْ أَنَّهُمْ تَعَبَّدُوا عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، فَابْتَدَعُوا، فَخَسِرُوا الْأَعْمَارَ وَالْأَعْمَالَ

٦ - بَاب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الْآيَةَ

٤٧٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. وَقَالَ: اقْرَءُوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. . . مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ الْآيَةَ) تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الَّذِي قَبْلَهُ بَيَانُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الذُّهْلِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّ أَبِيهِ، وَقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ هُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، أَكْثَرَ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا.

قَوْلُهُ: (الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الطَّوِيلُ الْعَظِيمُ الْأَكُولُ الشَّرُوبُ.

قَوْلُهُ: وَقَالَ: اقْرَءُوا ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ الْقَائِلُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيُّ، أَوْ هُوَ مَرْفُوعٌ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَالتَّقْدِيرُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، نُسِبَ لِجَدِّهِ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، وَرُبَّمَا أُدْخِلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ كَهَذَا، وَجَوَّزَ غَيْرُ أَبِي مَسْعُودٍ أَنْ تَكُونَ طَرِيقُ يَحْيَى هَذِهِ مُعَلَّقَةً، وَقَدْ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيِّ عَنْهُ.

١٩ - كهيعص

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ اللَّهُ يَقُولُهُ، وَهُمْ الْيَوْمَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ. ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ الْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ. ﴿لأَرْجُمَنَّكَ﴾ لَأَشْتِمَنَّكَ، ﴿وَرِئْيًا﴾

مَنْظَرًا. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِدًّا﴾ عِوَجًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وِرْدًا﴾ عِطَاشًا. ﴿أَثَاثًا﴾ مَالًا. ﴿إِدًّا﴾ قَوْلًا عَظِيمًا. ﴿رِكْزًا﴾ صَوْتًا. ﴿غَيًّا﴾ خُسْرَانًا. بُكِيًّا: جَمَاعَةُ بَاكٍ. ﴿صِلِيًّا﴾ صَلِيَ يَصْلَى. ﴿نَدِيًّا﴾ وَالنَّادِي وَاحِدٌ: مَجْلِسًا.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - سُورَةُ كهيعص) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهِيَ لَهُ بَعْدَ التَّرْجَمَةِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْكَافُ مِنْ كَرِيمٍ، وَالْهَاءُ مِنْ هَادِي، وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيمٍ، وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ، وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ: يَمِينُ بَدَلَ حَكِيمٍ، وَعَزِيزٌ بَدَلَ عَلِيمٍ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ: الْكَافُ مِنَ كَبِيرِ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ من طَرِيقَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كهيعص قَسَمٌ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ وَمِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ قَالَتْ: كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يَا كهيعص اغْفِرْ لِي وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: هِيَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ اللَّهُ يَقُولُهُ، وَهُمُ الْيَوْمُ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ يَعْنِي قَوْله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ الْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ قَتَادَةَ ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. زَادَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعُوا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ السَّمْعُ، وَأَبْصَرُوا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ الْبَصَرُ.

قَوْلُهُ: ﴿لأَرْجُمَنَّكَ﴾ لَأَشْتُمَنَّكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرَّجْمُ الْكَلَامُ.

قَوْلُهُ: (وَرِئْيًا مَنْظَرًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَثَاثُ الْمَتَاعُ، وَالرِّئْيُ الْمَنْظَرُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: الثِّيَابُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: الصُّوَرُ. وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ عَنْ قَتَادَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا) كَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَمِثْلُهُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ أَبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ قَالَ: تُغْرِيهِمْ إِغْرَاءً. وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ: تُطْغِيهِمْ طُغْيَانًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِدًّا﴾ عِوَجًا) سَقَطَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وِرْدًا﴾ عِطَاشًا) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَثَاثًا﴾ مَالًا، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا قَالَ: أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَحْسَنُ صُوَرًا.

قَوْلُهُ: ﴿إِدًّا﴾ قَوْلًا عَظِيمًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿غَيًّا﴾ خُسْرَانًا) ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْغَيُّ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ بَعِيدُ الْقَعْرِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالطَّبَرِيُّ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ وَأَتَمَّ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: ﴿رِكْزًا﴾ صَوْتًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الرِّكْزُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: بُكِيًّا جَمَاعَةُ بَاكٍ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قِيَاسَ جَمْعِ بَاكٍ مِثْلُ قَاضٍ وَقُضَاةٍ، وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ أَصْلَهُ بُكُوًّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله الذُّهليُّ، نسبه إلى جدِّه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) شيخُ المؤلِّف -روى عنه هنا بالواسطة- قال: (أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحِزاميُّ، بالحاء المهملة المكسورة والزاي، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن عبد الرَّحمن» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرَّحمن بنِ هُرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِنَّهُ (١) لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ) في الطول أو في الجاه (السَّمِينُ) ولابن مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁: «الطويل العظيم الأكول الشروب» (يَوْمَ القِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) وعند ابن أبي حاتمٍ من طريق صالحٍ مولى التوأمة عن أبي هريرةَ مرفوعًا «فيُوزن بحبَّةٍ فلا يَزِنُها» (وَقَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ أو أبو هريرة: (اقْرَؤُوْا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾) أي: لا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا، أو لا نضع لهم ميزانًا تُوزن به أعمالهم؛ لأنَّ الميزان إنَّما يُنْصَبُ للذين خَلَطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا، أو لا نقيم لأعمالهم وزنًا لحقارتِها، وفي هذه الآية من أنواع البديع التجنيس المغاير، وفيها أيضًا الاستعارة، فاستعار إقامَة الوزن الذي هو (٢) حقيقةٌ في اعتداله لعدم الالتفات إليهم وإعراض الله عنهم، كما استعار الحُبُوط في قوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الذي هو حقيقة في البطلان لذهاب جزاء أعمالهم الصالحة، والحذف في ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أي: ثمرات أعمالهم؛ إذ ليس

لهمٌ عمل فنُقيم لهم وزنًا، واستدل به على أنَّ الكفَّار لا يُحاسبون؛ لأنَّه إنَّما يُحاسبُ مَن له حسناتٌ وسيئات، والكافر ليس له في الآخرة حسناتٌ (١) فتوزن، ثم عطف المؤلِّف على سعيد ابن أبي مريم فقال:

(وَعَنْ يَحْيَى ابْنِ (٢) بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا، ونسبه إلى جدِّه، واسمُ أبيه عبد الله، وهو شيخ المؤلِّف أيضًا، روى عنه بالواسطة، والتقدير: حدَّثنا محمَّد بن عبد الله عن سعيد ابن أبي مريم وعن يحيى بن (٣) بكير (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحِزاميِّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبدِ الله ابنِ ذكوان (مِثْلَهُ) أي: الحديثَ السابق.

وهذا الحديث قد أخرجه مسلمٌ في «التوبة» و «ذكر المنافقين».

(((١٩))) باب سورة مريم (كهيعص) مكِّيَّة، وقال مقاتل: إلَّا آية السجدة فمدنيَّة، وهي ثمان وتسعون آية، واختُلف في معناها، فقيل: الكاف من «كريم»، والهاء من «هادي»، والياء من «حكيم»،

والعين من «عليم»، والصاد من «صادق» قاله ابن عبَّاس فيما رواه الحاكم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه، وروى الطَّبريُّ عنه: «أنَّ ﴿كهيعص﴾ من أسماء الله» وعن عليٍّ أنَّه كان يقول: «يا كهيعص اغفر لي» وعن قَتادة: اسم من أسماء القرآن، رواه عبد الرَّزَّاق، وسأل رجلٌ محمَّد بن علي المرتضى عن تفسيرها فقال: لو أخبرتُك بتفسيرها لمشيتَ على الماء لا يواري قدميك، ولأبي ذَرٍّ: «سورة كهيعص» وفي نسخة بفرع «اليونينية» كأصلها (١): «باب سورة مريم».

(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذرٍّ بعد التَّرجمة، وسقطت لغيره.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما ممَّا وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]) ولأبي ذر: «أَبْصِرْ بِهِم وِأَسْمِعْ» على التقديم والتأخير، والأوَّلُ هو الموافق للفظ التنزيل (اللهُ يَقُولُهُ) جملةٌ اسميَّةٌ (وَهُمُ) أي: الكفَّار (﴿الْيَوْمَ﴾) نصب على الظَّرفيَّة، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «القوم» بالقاف (لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ ﴿فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾) هو معنى قوله: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] قال في «الأنوار»: أوقع الظالمين موقع الضمير -أي: لكنهم اليوم- إشعارًا بأنَّهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم (يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ الكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ) أي: يوم القيامة (أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ) حين لا ينفعهم ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقول الزَّركشيِّ في «التنقيح»: يريد أنَّ قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أمرٌ بمعنى الخبر، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٢) [البقرة: ١٨] تعقَّبه في «المصابيح»

فقال: أظنُّه لم يفهم كلامَ ابن عبَّاس، ولذلك ساقه على هذا الوجه، وكونه أمرًا بمعنى الخبر لا يقتضي انتفاء سماعهم (١) وإبصارهم، بل يقتضي ثبوتَه، ثم هو ليس أمرًا بمعنى الخبر، بل هو لإنشاء التعجُّب، أي: ما أسمعهم وما أبصرهم، والأمرُ المفهوم منه بحسب الظاهر غير مراد، بل انمحى الأمر فيه (٢) وصار متمحِّضًا لإنشاء التعجُّب، ومرادُ ابن عبَّاسٍ أنَّ المعنى: ما أسمع الكفَّار وأبصرهم في الدار الآخرة، وإنْ كانوا في دار الدنيا لا يسمعون ولا يبصرون؛ ولذا (٣) قال: الكفَّارُ يومئذٍ أسمعُ شيءٍ وأبصرُه. انتهى. وأصحُّ الأعاريب فيه -كما في «الدر» - أنَّ فاعله هو المجرور بالباء، والباء زائدة، وزيادتُها لازمةٌ إصلاحًا للفظ؛ لأنَّ «أَفْعِل» أمرًا لا يكون فاعله إلَّا ضميرًا مستترًا، ولا يجوزُ حذف هذه الباء إلَّا مع «أنْ» و «أنَّ»، فالمجرور مرفوعُ المحلِّ، ولا ضمير في «أَفْعِل»، وقيل: بل هو أمرٌ حقيقةً، والمأمورُ هو رسولُ الله ﷺ، والمعنى: أسمِعِ الناسَ وأبصِرْ بهم وبحديثهم ماذا يُصنَع بهم مِنَ العذاب؟ وهو منقولٌ عن أبي العالية.

(﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾) في قوله: ﴿يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] أي: (لَأَشْتِمَنَّكَ) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، قاله ابن عبَّاس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا.

(﴿وَرِئْيًا﴾) في قوله تعالى: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] قال ابن عبَّاس -فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ عنه- أي: (مَنْظَرًا) بفتح المعجمة (وَقَالَ أَبُو وَائلٍ) شقيقُ ابنُ سَلَمَةَ في قوله حكاية عن مريم: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]: (عَلِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ) بضمِّ النون وسكون الهاء وفتح التحتيَّة، أي: صاحبُ عقلٍ وانتهاءٍ عن

فعل القبيح (حَتَّى قَالَتْ) إذ رأتْ جبريلَ ﵊: (﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]) وهذا وصله عبدُ بن حُميد من طريق عاصم، وسقط لغير الحَمُّويي، وذكره المؤلِّف في «باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾» [مريم: ١٦] من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٦٠/ ٤٨ - ٥٢٧٣].

(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان فيما ذكره في «تفسيره» في قوله: (﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]) أي: (تُزْعِجُهُمْ) أي: الشياطينُ (إِلَى المَعَاصِي إِزْعَاجًا) وقيل: تُغريهم عليها بالتسويلات وتحبيبِ الشهوات.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ: (﴿إِدًّا﴾) في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩] أي: (عِوَجًا) بكسر العين وفتح الواو، وفي نسخة: «عُوْجًا» بضمِّ العين وسكون الواو، وفي أخرى: «لُدًّا» باللَّام المضمومة بدل الهمزة المكسورة، وقال ابن عبَّاسٍ وقَتادة: ﴿إِدًّا﴾: عظيمًا، وهذا ساقطٌ لأبي ذَرٍّ.

(قَالَ (١) ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وِرْدًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] أي: (عِطَاشًا) فإنَّ مَن يَرِدِ الماء لا يَرِدُه إلَّا لعطشٍ، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ.

(﴿أَثَاثًا﴾ [مريم: ٧٤]) أي: (مَالًا).

(﴿إِدًّا﴾) أي: (قَوْلًا عَظِيمًا) وقد مرَّ ذِكْرُه، لكنَّه فسَّره بغير الأوَّل، وقد مرَّ أنَّه عن ابن عبَّاسٍ وقَتادة.

(﴿رِكْزًا﴾) في قوله: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] أي: (صَوْتًا) أي: خفيًّا، لا مطلق الصوت.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ، وسقط ذلك لغير أبي ذر (﴿غَيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أي: (خُسْرَانًا) وقيل: وادٍ في جهنَّم تستعيذُ منه أوديتُها، وقيل: (٢) شرًّا وكلَّ خسران (٣)، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ.

(﴿وَبُكِيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] (جَمَاعَةُ بَاكٍ) قاله أبو عُبيدة، وأصله: «بُكُوي» على وزن «فُعُول» بواو وياء، كـ «قُعود» جمع قاعد، فاجتمعت الواو والياء

وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، فصار «بُكُيًّا» هكذا، ثم كسرت ضمة الكاف لمجانسة الياء بعدها، وهذا ليس بقياسه بل قياس جمعه على «فعلة» كقاض وقضاة، وغزاة ورماة، وقيل: ليس بجمع، وإنَّما هو مصدرٌ على «فُعول» نحو: جلس جلوسًا، وقعد قعودًا، والمعنى: إذا سمعوا كلام الله خرُّوا ساجدين لعظمته، باكين من خشيته، روى ابن ماجه من حديث سعيد مرفوعًا: «نزل القرآن بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»، وقال صالح المُرِّي: -بالراء المهملة المشدَّدة بعد ضمِّ الميم- قرأت القرآن على رسول الله ﷺ في المنام، فقال لي: يا صالح، هذه القراءة، فأين البكاء؟ ويروى (١): أنَّه كان إذا قصَّ قال: هات جونة المسك والترياق المجرب؛ يعني: القرآن، ولا يزال يقرأ ويدعو ويبكي حتى ينصرف.

(﴿صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠]) في قوله: ﴿أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ أي: هو مصدر (صَلِيَ) بكسر اللام (يَصْلَى) قاله أبو عُبيدة، والمعنى: احترق احتراقًا.

(﴿نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] وَالنَّادِي) يريد قوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وأن معناهما (وَاحِدٌ) أي (مَجْلِسًا) ومجتمعًا، وثبت «واحد» لأبي ذرٍّ (٢).

(١) ﴿وَأَنذِرْهُمْ﴾ ولأبي ذرٍّ: «باب قوله» ﷿: (﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]) هو من أسماء يوم القيامة، كما قاله ابن عبَّاسٍ وغيرُه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَلد، يُقَال: رجل أَلد إِذا كَانَ من عَادَته مخاصمة النَّاس، وَعَن مُجَاهِد: ألالد الظَّالِم الَّذِي لَا يَسْتَقِيم، وَعَن أبي عُبَيْدَة: ألالد الَّذِي لَا يقبل الْحق وَيَدعِي الْبَاطِل، وَتَعْلِيق مُجَاهِد رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة: حَدثنَا زيد حَدثنَا ابْن ثَوْر عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد.

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وِرْداً عِطاشاً

أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا} (مَرْيَم: ٦٨) وَفسّر: (وردا) بقوله: (عطاشاً) ، والورد جمَاعَة يردون المَاء إسم على لفظ الْمصدر، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: عطاشاً مشَاة على أَرجُلهم قد تقطعت أَعْنَاقهم من الْعَطش.

أثاثاً مَالا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {هم أحسن أثاثاً ورئياً} (مَرْيَم: ٤٧) وَفسّر: (أثاثاً) بقوله: (مَالا) وَعَن ابْن عَبَّاس: هَيْئَة، وَعَن مقَاتل: ثيابًا، وَقيل: مَتَاعا.

إداً قَوْلاً عَظِيماً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا لقد جئْتُمْ شَيْئا إداً} (مَرْيَم: ٩٨) وَفسّر: (إداً) ، بقوله: (قولا عَظِيما) ، وَهُوَ اتخاذهم لله ولدا، وَرُوِيَ هَكَذَا عَن ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.

رِكْزاً صَوْتاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو تسمع لَهُم ركزاً} (مَرْيَم: ٨٩) وَفسّر: (ركزاً) بقوله: (صَوتا) ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَا روى عبد الرَّزَّاق عَن قَتَادَة مثله، قَالَ الطَّبَرِيّ: الركز فِي كَلَام الْعَرَب الصَّوْت الْخَفي.

غَيًّا خُسْرَاناً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا} . وَفسّر (غياً) بقوله: (خسراناً) لم يثبت هَذَا لأبي ذَر، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس مثله، وَعَن ابْن مَسْعُود: الغي وادٍ فِي جَهَنَّم بعيد القعر، أخرجه الْحَاكِم، وَعنهُ: الغي نهر فِي جَهَنَّم، وَعَن عَطاء: الغي وَاد فِي جَهَنَّم يسيل قَيْحا ودماً، وَعَن كَعْب: هُوَ وَاد فِي جَهَنَّم أبعدها قعراً وأشدها حرا فِيهِ بِئْر يُسمى الهيم، كلما خبت جَهَنَّم فتح الله تِلْكَ الْبِئْر فتسعر بهَا جَهَنَّم.

بُكيا جَماعَةُ باكٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {خروا سجدا وبُكياً} (مَرْيَم: ٨٥) وَقَالَ: (بكيا) جمع (باك) وَكَذَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة قلت: أَصله بكوى، على وزن فعول كقعود جمع قَاعد اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت يَاء ثمَّ أدغمت الْيَاء فِي الْيَاء ثمَّ أبدلت ضمة الْكَاف كسرة لأجل الْيَاء، فَافْهَم. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: هَذِه الْآيَة نزلت فِي مؤمني أهل الْكتاب عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه.

صُلِّيا صَلِيَ يَصْلَى

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ لنَحْنُ أعلم بالذين هم أولى بهَا صلياً} (مَرْيَم: ٠٧) وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: صلياً. مصدر صلى يُصَلِّي من بَاب: علم يعلم، كلقى يلقى لقيا، يُقَال: صلى فلَان النَّار أَي: دَخلهَا وَاحْتَرَقَ.

نَدِيًّا والنَّادِي واحِدٌ مَجْلِساً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَي الْفَرِيقَيْنِ خير مقَاما وَأحسن ندياً} (مَرْيَم: ٣٧) وَأَن ندياً والنادي وَاحِد، ثمَّ فسر (ندياً) بقوله: (مَجْلِسا) ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الندي والنادي وَاحِد، وَالْجمع أندية، وَفسّر قَوْله تَعَالَى: ندياً، أَي: مَجْلِسا، والندي مجْلِس الْقَوْم ومجتمعهم، وَقيل: أَخذ من الندى وَهُوَ الْكَرم لِأَن الكرماء يَجْتَمعُونَ فِيهِ.

١ - (بابُ قَوْلِهِ: {وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ} (مَرْيَم: ٩٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر وهم فِي غَفلَة وهم لَا يُؤمنُونَ} أَي: أنذر كفار مَكَّة يَوْم الْحَسْرَة يَوْم الْقِيَامَة يَوْم يتحسر الْمُسِيء هلا أحسن الْعَمَل، والمحسن هلا ازْدَادَ من الْإِحْسَان، وَأكْثر الْمُفَسّرين يَوْم الْحَسْرَة حِين يذبح الْمَوْت. قَوْله: (إِذْ قضى الْأَمر) ، أَي: فرغ من الْحساب، وَقيل: ذبح الْمَوْت وهم فِي غَفلَة فِي الدُّنْيَا وهم

لَا يُؤمنُونَ بِمَا يكون فِي الْآخِرَة، وَكلمَة: إِذْ، بدل من الْحَسْرَة، أَو مَنْصُوب بالحسرة.

٠٣٧٤ - حدَّثنا عُمَرِ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حدّثنا أبُو صالِحٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُؤْتَى بالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أمْلَح فَيُنَادِي مُنادٍ يَا أهْلَ الجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هاذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هاذَا المَوْتُ وكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنادِي يَا أهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هاذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هاذَا المَوْتُ وكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أهْلَ الجَنَّة خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ثُمَّ قَرَأ: {وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهاؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أهْلُ الدُّنْيا وهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (مَرْيَم: ٩٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان السمان، وَأَبُو سعيد اسْمه سعد بن مَالك.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن المنيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن هناد بن العوسى.

قَوْله: (يُؤْتى بِالْمَوْتِ كَهَيئَةِ كَبْش أَمْلَح) ، والأملح الَّذِي فِيهِ بَيَاض كثير سَواد، قَالَه الْكسَائي، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ الْأَبْيَض الْخَالِص، وَالْحكمَة فِي كَونه على هَيْئَة كَبْش أَبيض لِأَنَّهُ جَاءَ: أَن ملك الْمَوْت أَتَى آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح قد نشر من أجنحته أَرْبَعَة آلَاف جنَاح، وَالْحكمَة فِي كَون الْكَبْش أَمْلَح أَبيض وأسود، أَن الْبيَاض من جِهَة الْجنَّة والسواد من جِهَة النَّار، قَالَه عَليّ بن حَمْزَة. قَوْله: (فَيَشْرَئِبُّونَ) ، من الإشريباب، يُقَال: اشرأب إِذا مد عُنُقه لينْظر، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: إِذا رفع رَأسه. قَوْله: (فَيَقُولُونَ نعم) فَإِن قلت: من أَيْن عرفُوا ذَلِك حَتَّى يَقُولُونَ نعم؟ قلت: لأَنهم يعاينون ملك الْمَوْت فِي هَذِه الصُّورَة عِنْد قبض أَرْوَاحهم. قَوْله: (فَيذْبَح) ، أَي: بَين الْجنَّة وَالنَّار، فَيذْبَح، الحَدِيث. وَقيل: يذبح على الصِّرَاط على مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: يجاء بِالْمَوْتِ فَيُوقف على الصِّرَاط، فَيُقَال: يَا أهل الْجنَّة فيطلعون خَائِفين أَن يخرجُوا من مكانهم، ثمَّ يُقَال: يَا أهل النَّار فيطلعون مستبشرين فرحين أَن يخرجُوا من النَّار، هَذَا الْمَوْت فَيُؤْمَر بِهِ فَيذْبَح على الصِّرَاط، وَقيل: يذبح على السُّور الَّذِي بَين الْجنَّة وَالنَّار، وَأخرج التِّرْمِذِيّ هَذَا، فَيَقُولُونَ: نعم هَذَا الْمَوْت، ثمَّ قَالَ: حسن صَحِيح. فَإِن قلت: الْمَوْت عرض بِنَا فِي الْحَيَاة أَو هُوَ عدم الْحَيَاة، فَكيف يذبح؟ قلت: يَجعله الله مجسماً حَيَوَانا مثل الْكَبْش أَو الْمَقْصُود مِنْهُ التَّمْثِيل، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُقَاتِل والكلبي، أَن الْمَوْت والحياة جسمان، فالموت فِي هَيْئَة كَبْش لَا يمر بِشَيْء وَلَا يجد رِيحه شَيْء إلَاّ مَاتَ، وَخلق الْحَيَاة على صُورَة فرس أُنْثَى بلقاء وَهِي الَّتِي كَانَ جِبْرِيل والأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، يركبونها خطوها مد الْبَصَر فَوق الْحمار وَدون الْبَغْل لَا يمر بِشَيْء وَلَا يجدر رِيحهَا إلَاّ حيى، وَهُوَ الَّذِي أَخذ السامري من أَثَرهَا فَأَلْقَاهُ على الْعجل، فَإِن قلت: من الذَّابِح للْمَوْت؟ قلت: يذبحه يحيى بن زَكَرِيَّا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقيل: الَّذِي يذبحه جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ذكره الْقُرْطُبِيّ فِي (التَّذْكِرَة) . قَوْله: (خُلُود لَا موت) ، لفظ: خُلُود إِمَّا مصدر، وَإِمَّا جمع خَالِد. قَالَ الْكرْمَانِي: وَلم يبين مَا وَرَاء ذَلِك. قلت: إِذا كَانَ مصدرا يكون تَقْدِيره: أَنْتُم خُلُود وصف بِالْمَصْدَرِ للْمُبَالَغَة، كَمَا تَقول: رجل عدل وَإِذا كَانَ جمعا يكون تَقْدِيره: أَنْتُم خَالدُونَ، وَهَذَا أَيْضا يدل على الخلود لأهل الدَّاريْنِ لَا إِلَى أمد وَغَايَة، وَمن قَالَ: إِنَّهُم يخرجُون مِنْهَا وَإِن النَّار تبقى خَالِيَة وَإِنَّهَا تفنى وتزول فقد خرج عَن مُقْتَضى الْعُقُول وَخَالف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَمَا أجمع عَلَيْهِ أهل السّنة والعدول، وَإِنَّمَا تخلى جَهَنَّم وَهِي الطَّبَقَة الْعليا الَّتِي فِيهَا عصاة أهل التَّوْحِيد، وَهِي الَّتِي ينْبت على شفيرها الجرجير، وَقد بَين ذَلِك مَوْقُوفا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: يَأْتِي على النَّار زمَان تخفق الرِّيَاح أَبْوَابهَا لَيْسَ فِيهَا أحد من الْمُوَحِّدين، وَهَذَا، وَإِن كَانَ مَوْقُوفا فَإِن مثله لَا يُقَال بِالرَّأْيِ قَوْله: (وهم فِي غَفلَة) ، فسر بهؤلاء ليشير إِلَيْهِم بَيَانا لكَوْنهم أهل الدُّنْيَا إِذْ الْآخِرَة لَيست دَار غَفلَة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُصْعَبٍ قَالَ: هُمْ عُبَّادُ النَّصَارَى قَالُوا: لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ.

قَوْلُهُ: (وَالْحَرُورِيَّةُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ إِلَخْ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَالْحَرُورِيَّةُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ - إِلَى - الْفَاسِقِينَ قَالَ يَزِيدُ: هَكَذَا حَفِظْتُ. قُلْتُ: وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ حَفِظَهُ عَنْهُ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَالصَّوَابُ الْخَاسِرُونَ وَوَقَعَ عَلَى الصَّوَابِ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الْفَاسِقِينَ) لَعَلَّ هَذَا السَّبَبَ فِي الْغَلَطِ الْمَذْكُورِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ الْخَوَارِجُ قَوْمٌ زَاغُوا فَأَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي آخِرُهَا الْفَاسِقِينَ فَلَعَلَّ الِاخْتِصَارَ اقْتَضَى ذَلِكَ الْغَلَطَ، وَكَأَنَّ سَعْدًا ذَكَرَ الْآيَتَيْنِ مَعًا الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَالَّتِي فِي الصَّفِّ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ مُصْعَبٍ قَالَ: نَظَرَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ إِلَى سَعْدٍ فَقَالَ: هَذَا مِنْ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: كَذَبْتَ، أَنَا قَاتَلْتَ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ. فَقَالَ لَهُ آخَرُ: هَذَا مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: كَذَبْتَ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ الْآيَةَ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَجْهُ خُسْرَانِهِمْ أَنَّهُمْ تَعَبَّدُوا عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، فَابْتَدَعُوا، فَخَسِرُوا الْأَعْمَارَ وَالْأَعْمَالَ

٦ - بَاب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الْآيَةَ

٤٧٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. وَقَالَ: اقْرَءُوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. . . مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ الْآيَةَ) تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الَّذِي قَبْلَهُ بَيَانُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الذُّهْلِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّ أَبِيهِ، وَقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ هُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، أَكْثَرَ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا.

قَوْلُهُ: (الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الطَّوِيلُ الْعَظِيمُ الْأَكُولُ الشَّرُوبُ.

قَوْلُهُ: وَقَالَ: اقْرَءُوا ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ الْقَائِلُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيُّ، أَوْ هُوَ مَرْفُوعٌ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَالتَّقْدِيرُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، نُسِبَ لِجَدِّهِ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، وَرُبَّمَا أُدْخِلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ كَهَذَا، وَجَوَّزَ غَيْرُ أَبِي مَسْعُودٍ أَنْ تَكُونَ طَرِيقُ يَحْيَى هَذِهِ مُعَلَّقَةً، وَقَدْ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيِّ عَنْهُ.

١٩ - كهيعص

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ اللَّهُ يَقُولُهُ، وَهُمْ الْيَوْمَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ. ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ الْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ. ﴿لأَرْجُمَنَّكَ﴾ لَأَشْتِمَنَّكَ، ﴿وَرِئْيًا﴾

مَنْظَرًا. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِدًّا﴾ عِوَجًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وِرْدًا﴾ عِطَاشًا. ﴿أَثَاثًا﴾ مَالًا. ﴿إِدًّا﴾ قَوْلًا عَظِيمًا. ﴿رِكْزًا﴾ صَوْتًا. ﴿غَيًّا﴾ خُسْرَانًا. بُكِيًّا: جَمَاعَةُ بَاكٍ. ﴿صِلِيًّا﴾ صَلِيَ يَصْلَى. ﴿نَدِيًّا﴾ وَالنَّادِي وَاحِدٌ: مَجْلِسًا.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - سُورَةُ كهيعص) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهِيَ لَهُ بَعْدَ التَّرْجَمَةِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْكَافُ مِنْ كَرِيمٍ، وَالْهَاءُ مِنْ هَادِي، وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيمٍ، وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ، وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ: يَمِينُ بَدَلَ حَكِيمٍ، وَعَزِيزٌ بَدَلَ عَلِيمٍ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ: الْكَافُ مِنَ كَبِيرِ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ من طَرِيقَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كهيعص قَسَمٌ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ وَمِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ قَالَتْ: كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يَا كهيعص اغْفِرْ لِي وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: هِيَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ اللَّهُ يَقُولُهُ، وَهُمُ الْيَوْمُ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ يَعْنِي قَوْله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ الْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ قَتَادَةَ ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. زَادَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعُوا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ السَّمْعُ، وَأَبْصَرُوا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ الْبَصَرُ.

قَوْلُهُ: ﴿لأَرْجُمَنَّكَ﴾ لَأَشْتُمَنَّكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرَّجْمُ الْكَلَامُ.

قَوْلُهُ: (وَرِئْيًا مَنْظَرًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَثَاثُ الْمَتَاعُ، وَالرِّئْيُ الْمَنْظَرُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: الثِّيَابُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: الصُّوَرُ. وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ عَنْ قَتَادَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا) كَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَمِثْلُهُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ أَبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ قَالَ: تُغْرِيهِمْ إِغْرَاءً. وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ: تُطْغِيهِمْ طُغْيَانًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِدًّا﴾ عِوَجًا) سَقَطَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وِرْدًا﴾ عِطَاشًا) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَثَاثًا﴾ مَالًا، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا قَالَ: أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَحْسَنُ صُوَرًا.

قَوْلُهُ: ﴿إِدًّا﴾ قَوْلًا عَظِيمًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿غَيًّا﴾ خُسْرَانًا) ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْغَيُّ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ بَعِيدُ الْقَعْرِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالطَّبَرِيُّ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ وَأَتَمَّ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: ﴿رِكْزًا﴾ صَوْتًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الرِّكْزُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: بُكِيًّا جَمَاعَةُ بَاكٍ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قِيَاسَ جَمْعِ بَاكٍ مِثْلُ قَاضٍ وَقُضَاةٍ، وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ أَصْلَهُ بُكُوًّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله الذُّهليُّ، نسبه إلى جدِّه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) شيخُ المؤلِّف -روى عنه هنا بالواسطة- قال: (أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحِزاميُّ، بالحاء المهملة المكسورة والزاي، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن عبد الرَّحمن» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرَّحمن بنِ هُرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِنَّهُ (١) لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ) في الطول أو في الجاه (السَّمِينُ) ولابن مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁: «الطويل العظيم الأكول الشروب» (يَوْمَ القِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) وعند ابن أبي حاتمٍ من طريق صالحٍ مولى التوأمة عن أبي هريرةَ مرفوعًا «فيُوزن بحبَّةٍ فلا يَزِنُها» (وَقَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ أو أبو هريرة: (اقْرَؤُوْا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾) أي: لا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا، أو لا نضع لهم ميزانًا تُوزن به أعمالهم؛ لأنَّ الميزان إنَّما يُنْصَبُ للذين خَلَطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا، أو لا نقيم لأعمالهم وزنًا لحقارتِها، وفي هذه الآية من أنواع البديع التجنيس المغاير، وفيها أيضًا الاستعارة، فاستعار إقامَة الوزن الذي هو (٢) حقيقةٌ في اعتداله لعدم الالتفات إليهم وإعراض الله عنهم، كما استعار الحُبُوط في قوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الذي هو حقيقة في البطلان لذهاب جزاء أعمالهم الصالحة، والحذف في ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أي: ثمرات أعمالهم؛ إذ ليس

لهمٌ عمل فنُقيم لهم وزنًا، واستدل به على أنَّ الكفَّار لا يُحاسبون؛ لأنَّه إنَّما يُحاسبُ مَن له حسناتٌ وسيئات، والكافر ليس له في الآخرة حسناتٌ (١) فتوزن، ثم عطف المؤلِّف على سعيد ابن أبي مريم فقال:

(وَعَنْ يَحْيَى ابْنِ (٢) بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا، ونسبه إلى جدِّه، واسمُ أبيه عبد الله، وهو شيخ المؤلِّف أيضًا، روى عنه بالواسطة، والتقدير: حدَّثنا محمَّد بن عبد الله عن سعيد ابن أبي مريم وعن يحيى بن (٣) بكير (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحِزاميِّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبدِ الله ابنِ ذكوان (مِثْلَهُ) أي: الحديثَ السابق.

وهذا الحديث قد أخرجه مسلمٌ في «التوبة» و «ذكر المنافقين».

(((١٩))) باب سورة مريم (كهيعص) مكِّيَّة، وقال مقاتل: إلَّا آية السجدة فمدنيَّة، وهي ثمان وتسعون آية، واختُلف في معناها، فقيل: الكاف من «كريم»، والهاء من «هادي»، والياء من «حكيم»،

والعين من «عليم»، والصاد من «صادق» قاله ابن عبَّاس فيما رواه الحاكم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه، وروى الطَّبريُّ عنه: «أنَّ ﴿كهيعص﴾ من أسماء الله» وعن عليٍّ أنَّه كان يقول: «يا كهيعص اغفر لي» وعن قَتادة: اسم من أسماء القرآن، رواه عبد الرَّزَّاق، وسأل رجلٌ محمَّد بن علي المرتضى عن تفسيرها فقال: لو أخبرتُك بتفسيرها لمشيتَ على الماء لا يواري قدميك، ولأبي ذَرٍّ: «سورة كهيعص» وفي نسخة بفرع «اليونينية» كأصلها (١): «باب سورة مريم».

(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذرٍّ بعد التَّرجمة، وسقطت لغيره.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما ممَّا وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]) ولأبي ذر: «أَبْصِرْ بِهِم وِأَسْمِعْ» على التقديم والتأخير، والأوَّلُ هو الموافق للفظ التنزيل (اللهُ يَقُولُهُ) جملةٌ اسميَّةٌ (وَهُمُ) أي: الكفَّار (﴿الْيَوْمَ﴾) نصب على الظَّرفيَّة، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «القوم» بالقاف (لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ ﴿فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾) هو معنى قوله: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] قال في «الأنوار»: أوقع الظالمين موقع الضمير -أي: لكنهم اليوم- إشعارًا بأنَّهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم (يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ الكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ) أي: يوم القيامة (أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ) حين لا ينفعهم ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقول الزَّركشيِّ في «التنقيح»: يريد أنَّ قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أمرٌ بمعنى الخبر، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٢) [البقرة: ١٨] تعقَّبه في «المصابيح»

فقال: أظنُّه لم يفهم كلامَ ابن عبَّاس، ولذلك ساقه على هذا الوجه، وكونه أمرًا بمعنى الخبر لا يقتضي انتفاء سماعهم (١) وإبصارهم، بل يقتضي ثبوتَه، ثم هو ليس أمرًا بمعنى الخبر، بل هو لإنشاء التعجُّب، أي: ما أسمعهم وما أبصرهم، والأمرُ المفهوم منه بحسب الظاهر غير مراد، بل انمحى الأمر فيه (٢) وصار متمحِّضًا لإنشاء التعجُّب، ومرادُ ابن عبَّاسٍ أنَّ المعنى: ما أسمع الكفَّار وأبصرهم في الدار الآخرة، وإنْ كانوا في دار الدنيا لا يسمعون ولا يبصرون؛ ولذا (٣) قال: الكفَّارُ يومئذٍ أسمعُ شيءٍ وأبصرُه. انتهى. وأصحُّ الأعاريب فيه -كما في «الدر» - أنَّ فاعله هو المجرور بالباء، والباء زائدة، وزيادتُها لازمةٌ إصلاحًا للفظ؛ لأنَّ «أَفْعِل» أمرًا لا يكون فاعله إلَّا ضميرًا مستترًا، ولا يجوزُ حذف هذه الباء إلَّا مع «أنْ» و «أنَّ»، فالمجرور مرفوعُ المحلِّ، ولا ضمير في «أَفْعِل»، وقيل: بل هو أمرٌ حقيقةً، والمأمورُ هو رسولُ الله ﷺ، والمعنى: أسمِعِ الناسَ وأبصِرْ بهم وبحديثهم ماذا يُصنَع بهم مِنَ العذاب؟ وهو منقولٌ عن أبي العالية.

(﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾) في قوله: ﴿يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] أي: (لَأَشْتِمَنَّكَ) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، قاله ابن عبَّاس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا.

(﴿وَرِئْيًا﴾) في قوله تعالى: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] قال ابن عبَّاس -فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ عنه- أي: (مَنْظَرًا) بفتح المعجمة (وَقَالَ أَبُو وَائلٍ) شقيقُ ابنُ سَلَمَةَ في قوله حكاية عن مريم: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]: (عَلِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ) بضمِّ النون وسكون الهاء وفتح التحتيَّة، أي: صاحبُ عقلٍ وانتهاءٍ عن

فعل القبيح (حَتَّى قَالَتْ) إذ رأتْ جبريلَ ﵊: (﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]) وهذا وصله عبدُ بن حُميد من طريق عاصم، وسقط لغير الحَمُّويي، وذكره المؤلِّف في «باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾» [مريم: ١٦] من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٦٠/ ٤٨ - ٥٢٧٣].

(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان فيما ذكره في «تفسيره» في قوله: (﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]) أي: (تُزْعِجُهُمْ) أي: الشياطينُ (إِلَى المَعَاصِي إِزْعَاجًا) وقيل: تُغريهم عليها بالتسويلات وتحبيبِ الشهوات.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ: (﴿إِدًّا﴾) في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩] أي: (عِوَجًا) بكسر العين وفتح الواو، وفي نسخة: «عُوْجًا» بضمِّ العين وسكون الواو، وفي أخرى: «لُدًّا» باللَّام المضمومة بدل الهمزة المكسورة، وقال ابن عبَّاسٍ وقَتادة: ﴿إِدًّا﴾: عظيمًا، وهذا ساقطٌ لأبي ذَرٍّ.

(قَالَ (١) ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وِرْدًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] أي: (عِطَاشًا) فإنَّ مَن يَرِدِ الماء لا يَرِدُه إلَّا لعطشٍ، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ.

(﴿أَثَاثًا﴾ [مريم: ٧٤]) أي: (مَالًا).

(﴿إِدًّا﴾) أي: (قَوْلًا عَظِيمًا) وقد مرَّ ذِكْرُه، لكنَّه فسَّره بغير الأوَّل، وقد مرَّ أنَّه عن ابن عبَّاسٍ وقَتادة.

(﴿رِكْزًا﴾) في قوله: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] أي: (صَوْتًا) أي: خفيًّا، لا مطلق الصوت.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ، وسقط ذلك لغير أبي ذر (﴿غَيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أي: (خُسْرَانًا) وقيل: وادٍ في جهنَّم تستعيذُ منه أوديتُها، وقيل: (٢) شرًّا وكلَّ خسران (٣)، وهذا ساقط لأبي ذرٍّ.

(﴿وَبُكِيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] (جَمَاعَةُ بَاكٍ) قاله أبو عُبيدة، وأصله: «بُكُوي» على وزن «فُعُول» بواو وياء، كـ «قُعود» جمع قاعد، فاجتمعت الواو والياء

وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، فصار «بُكُيًّا» هكذا، ثم كسرت ضمة الكاف لمجانسة الياء بعدها، وهذا ليس بقياسه بل قياس جمعه على «فعلة» كقاض وقضاة، وغزاة ورماة، وقيل: ليس بجمع، وإنَّما هو مصدرٌ على «فُعول» نحو: جلس جلوسًا، وقعد قعودًا، والمعنى: إذا سمعوا كلام الله خرُّوا ساجدين لعظمته، باكين من خشيته، روى ابن ماجه من حديث سعيد مرفوعًا: «نزل القرآن بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»، وقال صالح المُرِّي: -بالراء المهملة المشدَّدة بعد ضمِّ الميم- قرأت القرآن على رسول الله ﷺ في المنام، فقال لي: يا صالح، هذه القراءة، فأين البكاء؟ ويروى (١): أنَّه كان إذا قصَّ قال: هات جونة المسك والترياق المجرب؛ يعني: القرآن، ولا يزال يقرأ ويدعو ويبكي حتى ينصرف.

(﴿صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠]) في قوله: ﴿أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ أي: هو مصدر (صَلِيَ) بكسر اللام (يَصْلَى) قاله أبو عُبيدة، والمعنى: احترق احتراقًا.

(﴿نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] وَالنَّادِي) يريد قوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وأن معناهما (وَاحِدٌ) أي (مَجْلِسًا) ومجتمعًا، وثبت «واحد» لأبي ذرٍّ (٢).

(١) ﴿وَأَنذِرْهُمْ﴾ ولأبي ذرٍّ: «باب قوله» ﷿: (﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]) هو من أسماء يوم القيامة، كما قاله ابن عبَّاسٍ وغيرُه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَلد، يُقَال: رجل أَلد إِذا كَانَ من عَادَته مخاصمة النَّاس، وَعَن مُجَاهِد: ألالد الظَّالِم الَّذِي لَا يَسْتَقِيم، وَعَن أبي عُبَيْدَة: ألالد الَّذِي لَا يقبل الْحق وَيَدعِي الْبَاطِل، وَتَعْلِيق مُجَاهِد رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة: حَدثنَا زيد حَدثنَا ابْن ثَوْر عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد.

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وِرْداً عِطاشاً

أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا} (مَرْيَم: ٦٨) وَفسّر: (وردا) بقوله: (عطاشاً) ، والورد جمَاعَة يردون المَاء إسم على لفظ الْمصدر، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: عطاشاً مشَاة على أَرجُلهم قد تقطعت أَعْنَاقهم من الْعَطش.

أثاثاً مَالا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {هم أحسن أثاثاً ورئياً} (مَرْيَم: ٤٧) وَفسّر: (أثاثاً) بقوله: (مَالا) وَعَن ابْن عَبَّاس: هَيْئَة، وَعَن مقَاتل: ثيابًا، وَقيل: مَتَاعا.

إداً قَوْلاً عَظِيماً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا لقد جئْتُمْ شَيْئا إداً} (مَرْيَم: ٩٨) وَفسّر: (إداً) ، بقوله: (قولا عَظِيما) ، وَهُوَ اتخاذهم لله ولدا، وَرُوِيَ هَكَذَا عَن ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.

رِكْزاً صَوْتاً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو تسمع لَهُم ركزاً} (مَرْيَم: ٨٩) وَفسّر: (ركزاً) بقوله: (صَوتا) ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَا روى عبد الرَّزَّاق عَن قَتَادَة مثله، قَالَ الطَّبَرِيّ: الركز فِي كَلَام الْعَرَب الصَّوْت الْخَفي.

غَيًّا خُسْرَاناً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا} . وَفسّر (غياً) بقوله: (خسراناً) لم يثبت هَذَا لأبي ذَر، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس مثله، وَعَن ابْن مَسْعُود: الغي وادٍ فِي جَهَنَّم بعيد القعر، أخرجه الْحَاكِم، وَعنهُ: الغي نهر فِي جَهَنَّم، وَعَن عَطاء: الغي وَاد فِي جَهَنَّم يسيل قَيْحا ودماً، وَعَن كَعْب: هُوَ وَاد فِي جَهَنَّم أبعدها قعراً وأشدها حرا فِيهِ بِئْر يُسمى الهيم، كلما خبت جَهَنَّم فتح الله تِلْكَ الْبِئْر فتسعر بهَا جَهَنَّم.

بُكيا جَماعَةُ باكٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {خروا سجدا وبُكياً} (مَرْيَم: ٨٥) وَقَالَ: (بكيا) جمع (باك) وَكَذَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة قلت: أَصله بكوى، على وزن فعول كقعود جمع قَاعد اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت يَاء ثمَّ أدغمت الْيَاء فِي الْيَاء ثمَّ أبدلت ضمة الْكَاف كسرة لأجل الْيَاء، فَافْهَم. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: هَذِه الْآيَة نزلت فِي مؤمني أهل الْكتاب عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه.

صُلِّيا صَلِيَ يَصْلَى

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ لنَحْنُ أعلم بالذين هم أولى بهَا صلياً} (مَرْيَم: ٠٧) وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: صلياً. مصدر صلى يُصَلِّي من بَاب: علم يعلم، كلقى يلقى لقيا، يُقَال: صلى فلَان النَّار أَي: دَخلهَا وَاحْتَرَقَ.

نَدِيًّا والنَّادِي واحِدٌ مَجْلِساً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَي الْفَرِيقَيْنِ خير مقَاما وَأحسن ندياً} (مَرْيَم: ٣٧) وَأَن ندياً والنادي وَاحِد، ثمَّ فسر (ندياً) بقوله: (مَجْلِسا) ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الندي والنادي وَاحِد، وَالْجمع أندية، وَفسّر قَوْله تَعَالَى: ندياً، أَي: مَجْلِسا، والندي مجْلِس الْقَوْم ومجتمعهم، وَقيل: أَخذ من الندى وَهُوَ الْكَرم لِأَن الكرماء يَجْتَمعُونَ فِيهِ.

١ - (بابُ قَوْلِهِ: {وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ} (مَرْيَم: ٩٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر وهم فِي غَفلَة وهم لَا يُؤمنُونَ} أَي: أنذر كفار مَكَّة يَوْم الْحَسْرَة يَوْم الْقِيَامَة يَوْم يتحسر الْمُسِيء هلا أحسن الْعَمَل، والمحسن هلا ازْدَادَ من الْإِحْسَان، وَأكْثر الْمُفَسّرين يَوْم الْحَسْرَة حِين يذبح الْمَوْت. قَوْله: (إِذْ قضى الْأَمر) ، أَي: فرغ من الْحساب، وَقيل: ذبح الْمَوْت وهم فِي غَفلَة فِي الدُّنْيَا وهم

لَا يُؤمنُونَ بِمَا يكون فِي الْآخِرَة، وَكلمَة: إِذْ، بدل من الْحَسْرَة، أَو مَنْصُوب بالحسرة.

٠٣٧٤ - حدَّثنا عُمَرِ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حدّثنا أبُو صالِحٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُؤْتَى بالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أمْلَح فَيُنَادِي مُنادٍ يَا أهْلَ الجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هاذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هاذَا المَوْتُ وكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنادِي يَا أهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هاذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هاذَا المَوْتُ وكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أهْلَ الجَنَّة خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ثُمَّ قَرَأ: {وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهاؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أهْلُ الدُّنْيا وهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (مَرْيَم: ٩٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان السمان، وَأَبُو سعيد اسْمه سعد بن مَالك.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن المنيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن هناد بن العوسى.

قَوْله: (يُؤْتى بِالْمَوْتِ كَهَيئَةِ كَبْش أَمْلَح) ، والأملح الَّذِي فِيهِ بَيَاض كثير سَواد، قَالَه الْكسَائي، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ الْأَبْيَض الْخَالِص، وَالْحكمَة فِي كَونه على هَيْئَة كَبْش أَبيض لِأَنَّهُ جَاءَ: أَن ملك الْمَوْت أَتَى آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح قد نشر من أجنحته أَرْبَعَة آلَاف جنَاح، وَالْحكمَة فِي كَون الْكَبْش أَمْلَح أَبيض وأسود، أَن الْبيَاض من جِهَة الْجنَّة والسواد من جِهَة النَّار، قَالَه عَليّ بن حَمْزَة. قَوْله: (فَيَشْرَئِبُّونَ) ، من الإشريباب، يُقَال: اشرأب إِذا مد عُنُقه لينْظر، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: إِذا رفع رَأسه. قَوْله: (فَيَقُولُونَ نعم) فَإِن قلت: من أَيْن عرفُوا ذَلِك حَتَّى يَقُولُونَ نعم؟ قلت: لأَنهم يعاينون ملك الْمَوْت فِي هَذِه الصُّورَة عِنْد قبض أَرْوَاحهم. قَوْله: (فَيذْبَح) ، أَي: بَين الْجنَّة وَالنَّار، فَيذْبَح، الحَدِيث. وَقيل: يذبح على الصِّرَاط على مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: يجاء بِالْمَوْتِ فَيُوقف على الصِّرَاط، فَيُقَال: يَا أهل الْجنَّة فيطلعون خَائِفين أَن يخرجُوا من مكانهم، ثمَّ يُقَال: يَا أهل النَّار فيطلعون مستبشرين فرحين أَن يخرجُوا من النَّار، هَذَا الْمَوْت فَيُؤْمَر بِهِ فَيذْبَح على الصِّرَاط، وَقيل: يذبح على السُّور الَّذِي بَين الْجنَّة وَالنَّار، وَأخرج التِّرْمِذِيّ هَذَا، فَيَقُولُونَ: نعم هَذَا الْمَوْت، ثمَّ قَالَ: حسن صَحِيح. فَإِن قلت: الْمَوْت عرض بِنَا فِي الْحَيَاة أَو هُوَ عدم الْحَيَاة، فَكيف يذبح؟ قلت: يَجعله الله مجسماً حَيَوَانا مثل الْكَبْش أَو الْمَقْصُود مِنْهُ التَّمْثِيل، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُقَاتِل والكلبي، أَن الْمَوْت والحياة جسمان، فالموت فِي هَيْئَة كَبْش لَا يمر بِشَيْء وَلَا يجد رِيحه شَيْء إلَاّ مَاتَ، وَخلق الْحَيَاة على صُورَة فرس أُنْثَى بلقاء وَهِي الَّتِي كَانَ جِبْرِيل والأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، يركبونها خطوها مد الْبَصَر فَوق الْحمار وَدون الْبَغْل لَا يمر بِشَيْء وَلَا يجدر رِيحهَا إلَاّ حيى، وَهُوَ الَّذِي أَخذ السامري من أَثَرهَا فَأَلْقَاهُ على الْعجل، فَإِن قلت: من الذَّابِح للْمَوْت؟ قلت: يذبحه يحيى بن زَكَرِيَّا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقيل: الَّذِي يذبحه جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ذكره الْقُرْطُبِيّ فِي (التَّذْكِرَة) . قَوْله: (خُلُود لَا موت) ، لفظ: خُلُود إِمَّا مصدر، وَإِمَّا جمع خَالِد. قَالَ الْكرْمَانِي: وَلم يبين مَا وَرَاء ذَلِك. قلت: إِذا كَانَ مصدرا يكون تَقْدِيره: أَنْتُم خُلُود وصف بِالْمَصْدَرِ للْمُبَالَغَة، كَمَا تَقول: رجل عدل وَإِذا كَانَ جمعا يكون تَقْدِيره: أَنْتُم خَالدُونَ، وَهَذَا أَيْضا يدل على الخلود لأهل الدَّاريْنِ لَا إِلَى أمد وَغَايَة، وَمن قَالَ: إِنَّهُم يخرجُون مِنْهَا وَإِن النَّار تبقى خَالِيَة وَإِنَّهَا تفنى وتزول فقد خرج عَن مُقْتَضى الْعُقُول وَخَالف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَمَا أجمع عَلَيْهِ أهل السّنة والعدول، وَإِنَّمَا تخلى جَهَنَّم وَهِي الطَّبَقَة الْعليا الَّتِي فِيهَا عصاة أهل التَّوْحِيد، وَهِي الَّتِي ينْبت على شفيرها الجرجير، وَقد بَين ذَلِك مَوْقُوفا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: يَأْتِي على النَّار زمَان تخفق الرِّيَاح أَبْوَابهَا لَيْسَ فِيهَا أحد من الْمُوَحِّدين، وَهَذَا، وَإِن كَانَ مَوْقُوفا فَإِن مثله لَا يُقَال بِالرَّأْيِ قَوْله: (وهم فِي غَفلَة) ، فسر بهؤلاء ليشير إِلَيْهِم بَيَانا لكَوْنهم أهل الدُّنْيَا إِذْ الْآخِرَة لَيست دَار غَفلَة.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.9 / 29.5
الإضاءة 66%
البدر بعد 6 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56