الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4769
الحديث رقم 4769 من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة الشعراء.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ أَلِنْ جَانِبَكَ.
٤٧٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه أبيه آزر ظلمة وسواد كالدخان، بسبب كفره، فيقول له إبراهيم عليه السلام: ألم أقل لك لا تعصني، وأطعني في عبادة الله، فيقول أبوه: فأنا اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني ألا تهينني ولا تذلني يوم يُبعث الخلق، فأيُّ ذُلٍّ أذلُّ من أبي الأبعد من رحمة الله، وعبّر بالأبعد لأن الفاسق بعيد، والكافر أبعد منه، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، وإن أباك كافر فهي حرام عليه، ثم يقال له: يا إبراهيم ما الذي تحت رجليك؟ فينظر، فيرى ذكر ضبع متلطخ بالرجيع أو بالدم، وكان من قبل قد حملته الرأفة على الشفاعة له، فظهر له في هذه الصورة المستبشعة ليتبرأ منه، فيؤخذ بأطرافه فيُلقى في النار.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قوله: «الغبرة هي القترة» (١)، وهذا من تفسير المؤلِّف، أخذَه مِن كلام أبي عُبيدة حيث قال في سورة يونس: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] القتر: الغبار، قال السفاقسيُّ: وعلى هذا: فقوله في عبس: ﴿غَبَرَةٌ. تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١] تأكيدٌ لفظيٌّ، كأنَّه قال: غبرة فوقها غبرة، وقيل: القترة شدة الغبرة بحيث يسودُّ الوجه، وقيل: القترة (٢) سوادُ الدُّخَان.
٤٧٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أُويس، واسمُه عبدُ الله الأصبحيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (أَخِي) عبدُ الحميد (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ) ﵊ (أَبَاهُ) آزر (٣) زاد في «أحاديث الأنبياء» (٤) [خ¦٣٣٥٠] «يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرةٌ وغَبَرةٌ، فيقول له إبراهيمُ ﵊: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك» (فَيَقُولُ) إبراهيمُ: (يَا رَبِّ؛ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي) ولأبي ذرٍّ: «أن لا تخزيني» (٥) (يَوْمَ يُبْعَثُونَ) زاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٠] أيضًا (٦): «فأي خزي أخزى من أبي الأبعد» (فَيَقُولُ اللهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ) وزاد في «أحاديث الأنبياء» أيضًا (٧): «فيقال: يا إبراهيم؛ ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا بذِيخٍ
مُلتَطِخٍ، فيُؤخذُ بقوائمه فيُلقى في النَّار»، وفي رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عند الحاكم: «فيمسخُ اللهُ أباه ضبعًا، فيأخذ بأنفه فيقول: يا عبدي، أبوك هو؟»، وفي حديث أبي سعيدٍ عند البزَّار والحاكم: «فيحوَّل في صورةٍ قبيحة وريحٍ منتنة في صورة ضبعان»، زاد ابن المنذر من هذا الوجه: «فإذا رآه كذلك؛ تبرأ منه قال: لست أبي»، وكان تبرُّؤُه منه في الدنيا حين مات مشركًا، فقطع (١) الاستغفار (٢) له، كما أخرجه الطبريُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس، وقيل: تبرَّأ منه يوم القيامة لمَّا أيس منه حين مسخ، كما صرح به ابن المنذر في روايته، وقد يجمع بينهما بأنه تبرأ منه في الدنيا لمَّا مات مشركًا فترك الاستغفار له، فلمَّا رآه في الآخرة رقَّ (٣) له، فسأل الله فيه، فلمَّا مُسِخَ أَيِسَ منه حينئذٍ، وتبرَّؤًا منه تبرُّأً أبديًّا، قيل: والحكمةُ في مَسْخِهِ؛ لينفرَ إبراهيمُ منه، ولئلَّا يبقى في النار على صورتِه؛ فيكونُ فيه غضاضةٌ على الخليل ﷺ.
(٢) هذا (بابٌ) (٤) بالتَّنوين (٥) في قوله جلَّ وعلا: (﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾) أي: الأقربَ منهم فالأقرب، فإنَّ الاهتمام بشأنهم أهم، ولأنَّ الحجَّة إذا قامت عليهم تعدَّت إلى غيرِهم، وإلَّا فكانوا عِلَّة للأبعدين في الامتناع (﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾) أي: (أَلِنْ جَانِبَكَ) ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٥] مستعارٌ مِن خَفَضَ الطَّائرُ جناحَه؛ إذا أراد أن ينحطَّ، و ﴿مِنَ﴾: للتبيين، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ المرادُ بِهِم: الذين لم يؤمنوا بعدُ، بل شارفوا لأَنْ يؤمنوا؛ كالمؤلَّفة، مجازًا باعتبار ما يَؤُولُ إليه (٧)، فكان من اتَّبعك شائعًا فيمَن آمن حقيقةً، ومَن سيؤمن (٨) مجازًا، فبيَّن بقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنَّ المرادَ بهم المشارفون، أي: تواضعْ لهؤلاءِ استمالةً وتأليفًا، أو للتبعيض ويُراد بـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين قالوا: آمنَّا، ومنهم مَن صدَّق واتَّبع، ومنهم مَن صدَّق فقط،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يَوْم بدر قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ، وَقيل: عَذَاب الْقَبْر، وَقَالَ ابْن جرير: عذَابا دَائِما لَازِما وهلاكاً مستمراً.
٧٦٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حدَّثنا الأعْمَشُ حَدثنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوق قَالَ عَبْدُ الله خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخانُ والقَمَرُ والرُّومُ والبَطْشَةُ واللِّزَامُ {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} (الْفرْقَان: ٧٧) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ.
قَوْله: (خمس) أَي: خَمْسَة عَلَامَات (قد مضين) ، أَي وقعن. الأولى: الدُّخان. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين} (الدُّخان: ٠١) . الثَّانِيَة: الْقَمَر، قَالَ الله تَعَالَى: {اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر} (الْقَمَر: ١) . الثَّالِثَة: الرّوم، قَالَ الله تَعَالَى: {ألم غلبت الرّوم} (الرّوم: ١) . الرَّابِعَة: البطشة. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى} (الدُّخان: ٦١) وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي وَقع يَوْم بدر. الْخَامِسَة: للزام {فَسَوف يكون لزاماً} قيل: هُوَ الْقَحْط، وَقيل: هُوَ التصاق الْقَتْلَى بَعضهم بِبَعْض فِي بدر، وَقيل: هُوَ الْأسر فِيهِ، وَقد أسر سَبْعُونَ قرشياً فِيهِ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الاسْتِسْقَاء.
٦٢ - (سورَةُ الشُّعَرَاءِ)
أَي: هَذَا تَفْسِير بعض سُورَة الشُّعَرَاء. مَكِّيَّة كلهَا إِلَّا آيَة وَاحِدَة. {إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا وانتصروا من بَعْدَمَا ظلمُوا} (الشُّعَرَاء: ٧٢٢) نزلت فِي حسان وَعبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك شعراء الْأَنْصَار، وَقَالَ مقَاتل: فِيهَا من الْمدنِي آيتان: {وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٢٢) وَقَوله: {أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل} (الشُّعَرَاء: ٧٩١) وَعند السخاوي: نزلت بعد سُورَة الْوَاقِعَة، وَقبل سُورَة النَّمْل، وَهِي: مِائَتَان وَسبع وَعِشْرُونَ آيَة، وَألف ومائتان وَسبع وَتسْعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَخَمْسمِائة وإثنان وَأَرْبَعُونَ حرفا.
{بِسم الله الرحمان الرَّحِيم}
ثبتَتْ لأبي ذَر
وَقَالَ مُجاِدٌ تَعْبَثُونَ تَبْنُونَ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) وَفسّر تعبثون بقوله: (تبنون) . وصصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله: {أتبنون بِكُل ريع} قَالَ: بِكُل فج (آيَة تعبثون) ، قَالَ: بنياناً. وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع بِكُل شرف، عَن قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل والكلبي: طَرِيق، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن عِكْرِمَة: وَاد، وَعَن مقَاتل: كَانُوا يسافرون وَلَا يَهْتَدُونَ إلَاّ بالنجوم فبنوا على الطّرق أعلاماً طوَالًا عَبَثا ليهتدوا بهَا وَكَانُوا فِي غبة مِنْهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانُوا يبنون بروجاً للحمامات يعبثون بهَا. والريع الْمُرْتَفع من الأَرْض وَالْجمع ريعة بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء، وَأما الأرياع فمفرده: ريعة، بِالْكَسْرِ والسكون.
هَضِيمٌ: يَتَفَتَّتُ إذَا مُسَّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فِي جنَّات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم} (الشُّعَرَاء: ٧٤١ ٨٤١) وَفسّر هضيماً بقوله: (يتفتت إِذا مس) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قَول مُجَاهِد أَيْضا، وَقيل: هُوَ المنظم فِي وعائه قبل أَن يظْهر.
مُسَحَّرِينَ: المَسْحُورِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين} (الشُّعَرَاء: ٣٥١ ٥٨١) وَفَسرهُ بقوله: (المسحورين) أَي: من سحر مرّة بعد مرّة من المخلوقين المعللين بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، وَقَالَ الْفراء: أَي أَنَّك تَأْكُل الطَّعَام وتشرب الشَّرَاب وتسحر بِهِ، وَالْمعْنَى: لست بِملك إِنَّمَا أَنْت بشر مثلهَا لَا تفضلنا فِي شَيْء. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل من أكل فَهُوَ مسحر، وَذَلِكَ أَن لَهُ سحرًا، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء، أَي: رئة، وَقيل: من السحر بِالْكَسْرِ.
واللَّيْكَةُ والأيْكَةُ جَمْعُ أيْكَةٍ وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كذب أصحابُ الأيكة الْمُرْسلين} (الشُّعَرَاء: ٦٧١) والليكة، بِفَتْح اللَّام والأيكة بِفَتْح الْهمزَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: من قَرَأَ أَصْحَاب الأيكة فَهِيَ الغيضة، وَمن قَرَأَ: ليكة، فَهِيَ الْقرْيَة. وَقَالَ: الأيك الشّجر الْكثير الملتف الْوَاحِدَة أيكة. قلت: قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر أَصْحَاب ليكة هُنَا، وَفِي (ص) بِغَيْر همزَة، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ فيهمَا. قَوْله: (جمع أيكة) كَذَا فِي النّسخ وَهُوَ غير صَحِيح، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: والليكة والأيكة مُفْرد أيك، وَيُقَال: جمعهَا أيك، وَالْعجب من بعض الشُّرَّاح حَيْثُ لم يذكر
هُنَا شَيْئا بل قَالَ: الْكَلَام الأول من قَول مُجَاهِد، وَمن جمع أيكة ... الخ من كَلَام أبي عُبَيْدَة، وحاشا من مُجَاهِد وَمن أبي عُبَيْدَة أَن يَقُولَا الأيكة جمع أيكة. قَوْله: (وَهِي جمع شجر) ، كَذَا للأكثرين، وَعند أبي ذَر: وَهِي جمع الشّجر، وَفِي بعض النّسخ وَهِي جمَاعَة الشّجر، وعَلى كل التَّقْدِير: هَذَا فِي نفس الْأَمر تَفْسِير غيضة الَّتِي يُفَسر بهَا الأيكة، لِأَن الغيضة هِيَ جمَاعَة الشّجر، وَإِذا لم يُفَسر الأيكة بالغيضة لَا يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام. فَافْهَم فَإِنَّهُ مَوضِع التَّأَمُّل.
يَوْمِ الظُّلَّةِ أظْلَالُ العَذَابِ إيَّاهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلة} وَفسّر (يَوْم الظلة) بقوله: (إظلال الْعَذَاب إيَّاهُم) ، وَفِي التَّفْسِير معنى الظلة هُنَا: السَّحَاب الَّتِي أظلتهم.
مَوْزُونٍ مَعْلُومٍ
هَذَا غير وَاقع فِي مَحَله فَإِنَّهُ فِي سُورَة الْحجر، وَكَأَنَّهُ من جهل النَّاسِخ لعدم تَمْيِيزه، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وأنبتنا فِيهَا من كل شَيْء مَوْزُون} (الْحجر: ٩١) .
كالطَّوْدِ الجَبَلِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَكَانَ كل فرق كالطود الْعَظِيم} (الشُّعَرَاء: ٣٦) وَفسّر الطود بِالْجَبَلِ، وَوَقع هَذَا لأبي ذَر مَنْسُوبا إِلَى ابْن عَبَّاس، وَلغيره مَنْسُوبا إِلَى مُجَاهِد، وَفِي بعض النّسخ: كالطود الْجَبَل.
الشِّرْذِمَةُ طائِفَةٌ قَلِيلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٥) وَفسّر الشرذمة (بطَائفَة قَليلَة) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أرسل فِرْعَوْن فِي إِثْر مُوسَى لما خرج مَعَ بني إِسْرَائِيل ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف ملك، مَعَ كل ملك ألف فَارس، وَخرج فِرْعَوْن فِي الْكُرْسِيّ الْعَظِيم فَكَانَ فِيهِ ألفا ألف فَارس. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: أتبعه فِرْعَوْن فِي ألفي حصان سوى الْإِنَاث وَكَانَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سِتّمائَة ألف من بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ فِرْعَوْن: إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ، فَكيف التَّوْفِيق بَين الْكَلَامَيْنِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد ابْن عَبَّاس: خَواص فِرْعَوْن الَّذين كَانُوا يلازمونه لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلم يذكر غَيرهم، على أَن الَّذِي ذكره الثَّعْلَبِيّ لَا يَخْلُو عَن نظر، وَقد رُوِيَ عَن عبد الله، قَالَ: كَانُوا سِتّمائَة ألف وَسبعين ألفا.
فِي السَّاجِدِينَ المُصَلِّينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الَّذِي يراك حِين تقوم وتقلبك فِي الساجدين} (الشُّعَرَاء: ٨١٢ ٩١٢) وَفسّر الساجدين بالمصلين، وَكَذَا فسره الْكَلْبِيّ، وَقَالَ: الَّذِي يرى تصرفك مَعَ الْمُصَلِّين فِي أَرْكَان الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة قَائِما وَقَاعِدا وراكعاً وساجداً. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كأنَّكُمْ
أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون} (الشُّعَرَاء: ٩٢١) إِن معنى: لَعَلَّكُمْ كأنكم، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: كأنكم تخلدون، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: {لَعَلَّكُمْ تخلدون} ، وَعَن الواحدي: كل مَا فِي الْقُرْآن: لَعَلَّ، فَهُوَ للتَّعْلِيل إلَاّ هَذَا الْحَرْف فَإِنَّهُ للتشبيه، قيل: فِي الْحصْر نظر لِأَنَّهُ قد قيل مثل ذَلِك فِي قَوْله: {لَعَلَّك باخع نَفسك} (الشُّعَرَاء: ٣) .
الرِّيعُ الأيْفاعُ مِنَ الأرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وأرْياع واحِدَ الرِّيَعَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) . وَقَالَ: (الرّيع الأيفاع من الأَرْض) ، الأيفاع بِفَتْح الْهمزَة جمع يافع وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَمِنْه يُقَال: غُلَام يافع من أَيفع الْغُلَام أَي: ارْتَفع، وَالصَّوَاب: اليفاع من الأَرْض بِفَتْح الْيَاء وَالْفَاء وَهُوَ الْمُرْتَفع مِنْهَا، وَقد فسر الرّيع بِكَسْر الرَّاء بقوله: الايفاع واليفاع من الأَرْض، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: غُلَام يافع ويفع ويفعة وغلمان أيفاع ويفعة أَيْضا، وَقَالَ: والريع بِالْكَسْرِ الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَقَالَ عمَارَة: هُوَ الْجَبَل، والريع أَيْضا: الطَّرِيق. قلت: وَكَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ، وَقيل: الْفَج بَين الجبلين، وَعَن مُجَاهِد: الثَّنية الصَّغِيرَة وَعَن عِكْرِمَة وادٍ، وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع يَعْنِي: بِكُل شرف، والريع بِالْفَتْح النَّمَاء، وَمِنْه ريع الاملاك. قَوْله: (وَجمعه) ، أَي: جمع الرّيع (ريعة) بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قوله: «الغبرة هي القترة» (١)، وهذا من تفسير المؤلِّف، أخذَه مِن كلام أبي عُبيدة حيث قال في سورة يونس: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] القتر: الغبار، قال السفاقسيُّ: وعلى هذا: فقوله في عبس: ﴿غَبَرَةٌ. تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١] تأكيدٌ لفظيٌّ، كأنَّه قال: غبرة فوقها غبرة، وقيل: القترة شدة الغبرة بحيث يسودُّ الوجه، وقيل: القترة (٢) سوادُ الدُّخَان.
٤٧٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أُويس، واسمُه عبدُ الله الأصبحيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (أَخِي) عبدُ الحميد (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ) ﵊ (أَبَاهُ) آزر (٣) زاد في «أحاديث الأنبياء» (٤) [خ¦٣٣٥٠] «يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرةٌ وغَبَرةٌ، فيقول له إبراهيمُ ﵊: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك» (فَيَقُولُ) إبراهيمُ: (يَا رَبِّ؛ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي) ولأبي ذرٍّ: «أن لا تخزيني» (٥) (يَوْمَ يُبْعَثُونَ) زاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٠] أيضًا (٦): «فأي خزي أخزى من أبي الأبعد» (فَيَقُولُ اللهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ) وزاد في «أحاديث الأنبياء» أيضًا (٧): «فيقال: يا إبراهيم؛ ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا بذِيخٍ
مُلتَطِخٍ، فيُؤخذُ بقوائمه فيُلقى في النَّار»، وفي رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عند الحاكم: «فيمسخُ اللهُ أباه ضبعًا، فيأخذ بأنفه فيقول: يا عبدي، أبوك هو؟»، وفي حديث أبي سعيدٍ عند البزَّار والحاكم: «فيحوَّل في صورةٍ قبيحة وريحٍ منتنة في صورة ضبعان»، زاد ابن المنذر من هذا الوجه: «فإذا رآه كذلك؛ تبرأ منه قال: لست أبي»، وكان تبرُّؤُه منه في الدنيا حين مات مشركًا، فقطع (١) الاستغفار (٢) له، كما أخرجه الطبريُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس، وقيل: تبرَّأ منه يوم القيامة لمَّا أيس منه حين مسخ، كما صرح به ابن المنذر في روايته، وقد يجمع بينهما بأنه تبرأ منه في الدنيا لمَّا مات مشركًا فترك الاستغفار له، فلمَّا رآه في الآخرة رقَّ (٣) له، فسأل الله فيه، فلمَّا مُسِخَ أَيِسَ منه حينئذٍ، وتبرَّؤًا منه تبرُّأً أبديًّا، قيل: والحكمةُ في مَسْخِهِ؛ لينفرَ إبراهيمُ منه، ولئلَّا يبقى في النار على صورتِه؛ فيكونُ فيه غضاضةٌ على الخليل ﷺ.
(٢) هذا (بابٌ) (٤) بالتَّنوين (٥) في قوله جلَّ وعلا: (﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾) أي: الأقربَ منهم فالأقرب، فإنَّ الاهتمام بشأنهم أهم، ولأنَّ الحجَّة إذا قامت عليهم تعدَّت إلى غيرِهم، وإلَّا فكانوا عِلَّة للأبعدين في الامتناع (﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾) أي: (أَلِنْ جَانِبَكَ) ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٥] مستعارٌ مِن خَفَضَ الطَّائرُ جناحَه؛ إذا أراد أن ينحطَّ، و ﴿مِنَ﴾: للتبيين، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ المرادُ بِهِم: الذين لم يؤمنوا بعدُ، بل شارفوا لأَنْ يؤمنوا؛ كالمؤلَّفة، مجازًا باعتبار ما يَؤُولُ إليه (٧)، فكان من اتَّبعك شائعًا فيمَن آمن حقيقةً، ومَن سيؤمن (٨) مجازًا، فبيَّن بقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنَّ المرادَ بهم المشارفون، أي: تواضعْ لهؤلاءِ استمالةً وتأليفًا، أو للتبعيض ويُراد بـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين قالوا: آمنَّا، ومنهم مَن صدَّق واتَّبع، ومنهم مَن صدَّق فقط،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يَوْم بدر قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ، وَقيل: عَذَاب الْقَبْر، وَقَالَ ابْن جرير: عذَابا دَائِما لَازِما وهلاكاً مستمراً.
٧٦٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حدَّثنا الأعْمَشُ حَدثنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوق قَالَ عَبْدُ الله خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخانُ والقَمَرُ والرُّومُ والبَطْشَةُ واللِّزَامُ {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} (الْفرْقَان: ٧٧) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ.
قَوْله: (خمس) أَي: خَمْسَة عَلَامَات (قد مضين) ، أَي وقعن. الأولى: الدُّخان. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين} (الدُّخان: ٠١) . الثَّانِيَة: الْقَمَر، قَالَ الله تَعَالَى: {اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر} (الْقَمَر: ١) . الثَّالِثَة: الرّوم، قَالَ الله تَعَالَى: {ألم غلبت الرّوم} (الرّوم: ١) . الرَّابِعَة: البطشة. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى} (الدُّخان: ٦١) وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي وَقع يَوْم بدر. الْخَامِسَة: للزام {فَسَوف يكون لزاماً} قيل: هُوَ الْقَحْط، وَقيل: هُوَ التصاق الْقَتْلَى بَعضهم بِبَعْض فِي بدر، وَقيل: هُوَ الْأسر فِيهِ، وَقد أسر سَبْعُونَ قرشياً فِيهِ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الاسْتِسْقَاء.
٦٢ - (سورَةُ الشُّعَرَاءِ)
أَي: هَذَا تَفْسِير بعض سُورَة الشُّعَرَاء. مَكِّيَّة كلهَا إِلَّا آيَة وَاحِدَة. {إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا وانتصروا من بَعْدَمَا ظلمُوا} (الشُّعَرَاء: ٧٢٢) نزلت فِي حسان وَعبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك شعراء الْأَنْصَار، وَقَالَ مقَاتل: فِيهَا من الْمدنِي آيتان: {وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٢٢) وَقَوله: {أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل} (الشُّعَرَاء: ٧٩١) وَعند السخاوي: نزلت بعد سُورَة الْوَاقِعَة، وَقبل سُورَة النَّمْل، وَهِي: مِائَتَان وَسبع وَعِشْرُونَ آيَة، وَألف ومائتان وَسبع وَتسْعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَخَمْسمِائة وإثنان وَأَرْبَعُونَ حرفا.
{بِسم الله الرحمان الرَّحِيم}
ثبتَتْ لأبي ذَر
وَقَالَ مُجاِدٌ تَعْبَثُونَ تَبْنُونَ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) وَفسّر تعبثون بقوله: (تبنون) . وصصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله: {أتبنون بِكُل ريع} قَالَ: بِكُل فج (آيَة تعبثون) ، قَالَ: بنياناً. وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع بِكُل شرف، عَن قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل والكلبي: طَرِيق، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن عِكْرِمَة: وَاد، وَعَن مقَاتل: كَانُوا يسافرون وَلَا يَهْتَدُونَ إلَاّ بالنجوم فبنوا على الطّرق أعلاماً طوَالًا عَبَثا ليهتدوا بهَا وَكَانُوا فِي غبة مِنْهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانُوا يبنون بروجاً للحمامات يعبثون بهَا. والريع الْمُرْتَفع من الأَرْض وَالْجمع ريعة بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء، وَأما الأرياع فمفرده: ريعة، بِالْكَسْرِ والسكون.
هَضِيمٌ: يَتَفَتَّتُ إذَا مُسَّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فِي جنَّات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم} (الشُّعَرَاء: ٧٤١ ٨٤١) وَفسّر هضيماً بقوله: (يتفتت إِذا مس) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قَول مُجَاهِد أَيْضا، وَقيل: هُوَ المنظم فِي وعائه قبل أَن يظْهر.
مُسَحَّرِينَ: المَسْحُورِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين} (الشُّعَرَاء: ٣٥١ ٥٨١) وَفَسرهُ بقوله: (المسحورين) أَي: من سحر مرّة بعد مرّة من المخلوقين المعللين بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، وَقَالَ الْفراء: أَي أَنَّك تَأْكُل الطَّعَام وتشرب الشَّرَاب وتسحر بِهِ، وَالْمعْنَى: لست بِملك إِنَّمَا أَنْت بشر مثلهَا لَا تفضلنا فِي شَيْء. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل من أكل فَهُوَ مسحر، وَذَلِكَ أَن لَهُ سحرًا، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء، أَي: رئة، وَقيل: من السحر بِالْكَسْرِ.
واللَّيْكَةُ والأيْكَةُ جَمْعُ أيْكَةٍ وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كذب أصحابُ الأيكة الْمُرْسلين} (الشُّعَرَاء: ٦٧١) والليكة، بِفَتْح اللَّام والأيكة بِفَتْح الْهمزَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: من قَرَأَ أَصْحَاب الأيكة فَهِيَ الغيضة، وَمن قَرَأَ: ليكة، فَهِيَ الْقرْيَة. وَقَالَ: الأيك الشّجر الْكثير الملتف الْوَاحِدَة أيكة. قلت: قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر أَصْحَاب ليكة هُنَا، وَفِي (ص) بِغَيْر همزَة، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ فيهمَا. قَوْله: (جمع أيكة) كَذَا فِي النّسخ وَهُوَ غير صَحِيح، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: والليكة والأيكة مُفْرد أيك، وَيُقَال: جمعهَا أيك، وَالْعجب من بعض الشُّرَّاح حَيْثُ لم يذكر
هُنَا شَيْئا بل قَالَ: الْكَلَام الأول من قَول مُجَاهِد، وَمن جمع أيكة ... الخ من كَلَام أبي عُبَيْدَة، وحاشا من مُجَاهِد وَمن أبي عُبَيْدَة أَن يَقُولَا الأيكة جمع أيكة. قَوْله: (وَهِي جمع شجر) ، كَذَا للأكثرين، وَعند أبي ذَر: وَهِي جمع الشّجر، وَفِي بعض النّسخ وَهِي جمَاعَة الشّجر، وعَلى كل التَّقْدِير: هَذَا فِي نفس الْأَمر تَفْسِير غيضة الَّتِي يُفَسر بهَا الأيكة، لِأَن الغيضة هِيَ جمَاعَة الشّجر، وَإِذا لم يُفَسر الأيكة بالغيضة لَا يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام. فَافْهَم فَإِنَّهُ مَوضِع التَّأَمُّل.
يَوْمِ الظُّلَّةِ أظْلَالُ العَذَابِ إيَّاهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلة} وَفسّر (يَوْم الظلة) بقوله: (إظلال الْعَذَاب إيَّاهُم) ، وَفِي التَّفْسِير معنى الظلة هُنَا: السَّحَاب الَّتِي أظلتهم.
مَوْزُونٍ مَعْلُومٍ
هَذَا غير وَاقع فِي مَحَله فَإِنَّهُ فِي سُورَة الْحجر، وَكَأَنَّهُ من جهل النَّاسِخ لعدم تَمْيِيزه، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وأنبتنا فِيهَا من كل شَيْء مَوْزُون} (الْحجر: ٩١) .
كالطَّوْدِ الجَبَلِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَكَانَ كل فرق كالطود الْعَظِيم} (الشُّعَرَاء: ٣٦) وَفسّر الطود بِالْجَبَلِ، وَوَقع هَذَا لأبي ذَر مَنْسُوبا إِلَى ابْن عَبَّاس، وَلغيره مَنْسُوبا إِلَى مُجَاهِد، وَفِي بعض النّسخ: كالطود الْجَبَل.
الشِّرْذِمَةُ طائِفَةٌ قَلِيلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٥) وَفسّر الشرذمة (بطَائفَة قَليلَة) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أرسل فِرْعَوْن فِي إِثْر مُوسَى لما خرج مَعَ بني إِسْرَائِيل ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف ملك، مَعَ كل ملك ألف فَارس، وَخرج فِرْعَوْن فِي الْكُرْسِيّ الْعَظِيم فَكَانَ فِيهِ ألفا ألف فَارس. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: أتبعه فِرْعَوْن فِي ألفي حصان سوى الْإِنَاث وَكَانَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سِتّمائَة ألف من بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ فِرْعَوْن: إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ، فَكيف التَّوْفِيق بَين الْكَلَامَيْنِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد ابْن عَبَّاس: خَواص فِرْعَوْن الَّذين كَانُوا يلازمونه لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلم يذكر غَيرهم، على أَن الَّذِي ذكره الثَّعْلَبِيّ لَا يَخْلُو عَن نظر، وَقد رُوِيَ عَن عبد الله، قَالَ: كَانُوا سِتّمائَة ألف وَسبعين ألفا.
فِي السَّاجِدِينَ المُصَلِّينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الَّذِي يراك حِين تقوم وتقلبك فِي الساجدين} (الشُّعَرَاء: ٨١٢ ٩١٢) وَفسّر الساجدين بالمصلين، وَكَذَا فسره الْكَلْبِيّ، وَقَالَ: الَّذِي يرى تصرفك مَعَ الْمُصَلِّين فِي أَرْكَان الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة قَائِما وَقَاعِدا وراكعاً وساجداً. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كأنَّكُمْ
أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون} (الشُّعَرَاء: ٩٢١) إِن معنى: لَعَلَّكُمْ كأنكم، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: كأنكم تخلدون، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: {لَعَلَّكُمْ تخلدون} ، وَعَن الواحدي: كل مَا فِي الْقُرْآن: لَعَلَّ، فَهُوَ للتَّعْلِيل إلَاّ هَذَا الْحَرْف فَإِنَّهُ للتشبيه، قيل: فِي الْحصْر نظر لِأَنَّهُ قد قيل مثل ذَلِك فِي قَوْله: {لَعَلَّك باخع نَفسك} (الشُّعَرَاء: ٣) .
الرِّيعُ الأيْفاعُ مِنَ الأرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وأرْياع واحِدَ الرِّيَعَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) . وَقَالَ: (الرّيع الأيفاع من الأَرْض) ، الأيفاع بِفَتْح الْهمزَة جمع يافع وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَمِنْه يُقَال: غُلَام يافع من أَيفع الْغُلَام أَي: ارْتَفع، وَالصَّوَاب: اليفاع من الأَرْض بِفَتْح الْيَاء وَالْفَاء وَهُوَ الْمُرْتَفع مِنْهَا، وَقد فسر الرّيع بِكَسْر الرَّاء بقوله: الايفاع واليفاع من الأَرْض، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: غُلَام يافع ويفع ويفعة وغلمان أيفاع ويفعة أَيْضا، وَقَالَ: والريع بِالْكَسْرِ الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَقَالَ عمَارَة: هُوَ الْجَبَل، والريع أَيْضا: الطَّرِيق. قلت: وَكَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ، وَقيل: الْفَج بَين الجبلين، وَعَن مُجَاهِد: الثَّنية الصَّغِيرَة وَعَن عِكْرِمَة وادٍ، وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع يَعْنِي: بِكُل شرف، والريع بِالْفَتْح النَّمَاء، وَمِنْه ريع الاملاك. قَوْله: (وَجمعه) ، أَي: جمع الرّيع (ريعة) بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56