الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4942
الحديث رقم 4942 من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة والشمس وضحاها.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٧٠⦘
يَوْمِهِ، ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ، وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟»
وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِالْحُسْنَى﴾ بِالْخَلَفِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَرَدَّى﴾ مَاتَ وَ ﴿تَلَظَّى﴾ تَوَهَّجُ. وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (تَتَلَظَّى)
٤٩٤٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَمْعَةَ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٩٤٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا؛ انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ. وَذَكَرَ النِّسَاءَ فَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ. ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنْ الضَّرْطَةِ، وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ضُحَاهَا﴾؛ ضَوْءُهَا. ﴿إِذَا تَلاهَا﴾ تَبِعَهَا. وَطَحَاهَا: دَحَاهَا. وَدَسَّاهَا: أَغْوَاهَا) ثَبَتَ هَذَا كُلُّهُ لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مُفَرَّقًا إِلَّا قَوْلَهُ: دَسَّاهَا، فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَمِيعَ ذَلِكَ
قَوْلُهُ: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ عُقْبَى أَحَدٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾؛ اللَّهُ لَا يَخَافُ عُقْبَى أَحَدٍ، وَهُوَ مَضْبُوطٌ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ بِالْوَاوِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْفَاءِ: فَلَا يَخَافُ، فَالْوَاوُ صِفَةُ الْعَاقِرِ؛ أَيْ عَقَرَ وَلَمْ يَخَفْ عَاقِبَةَ عَقْرِهَا، أَوِ الْمُرَادُ لَا يَخَافُ اللَّهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ إِهْلَاكِهَا، فَالْفَاءُ عَلَى هَذَا أَجْوَدُ، وَالضَّمِيرُ فِي عُقْبَاهَا لِلدَّمْدَمَةِ أَوْ لِثَمُودَ أَوْ لِلنَّفْسِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا، وَالدَّمْدَمَةُ: الْهَلَاكُ الْعَامُّ.
قَوْلُهُ: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾: مَعَاصِيهَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: مَعْصِيَتِهَا وَهُوَ الْوَجْهُ. وَالطَّغْوَى - بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْقَصْرِ: الطُّغْيَانُ، وَيَحْتَمِلُ فِي الْبَاءِ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعَانَةِ وَلِلسَّبَبِ، أَوِ الْمَعْنَى كَذَّبَتْ بِالْعَذَابِ النَّاشِئِ عَنْ طُغْيَانِهَا.
قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ)؛ أَيِ ابْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، وَأُمُّهُ قَرِيبَةُ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ تَحْتَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ ثَمُودَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ النَّاقَةَ)؛ أَيْ نَاقَةَ صَالِحٍ، وَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَخَطَبَ فَذَكَرَ كَذَا، وَذَكَرَ النَّاقَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالَّذِي عَقَرَ) كَذَا هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِ: عَقَرَهَا؛ أَيِ النَّاقَةَ.
قَوْلُهُ: (إِذِ انْبَعَثَ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ بِلَفْظِ: انْتَدَبَ، تَقُولُ: نَدَبْتُهُ إِلَى كَذَا فَانْتَدَبَ لَهُ؛ أَيْ: أَمَرْتُهُ فَامْتَثَلَ.
قَوْلُهُ: (عَزِيزٌ)؛ أَيْ قَلِيلُ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: (عَارِمٌ) بِمُهْمَلَتَيْنِ؛ أَيْ صَعْبٌ عَلَى مَنْ يَرُومُهُ، كَثِيرُ الشَّهَامَةِ وَالشَّرِّ.
قَوْلُهُ: (مَنِيعٌ)؛ أَيْ: قَوِيٌّ ذُو مَنَعَةٍ، أَيْ رَهْطٍ يَمْنَعُونَهُ مِنَ الضَّيْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ بِلَفْظِ: ذُو مَنَعَةٍ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ وَسَبَبُ عَقْرِهِ النَّاقَةَ.
قَوْلُهُ: (مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ) يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ النِّسَاءَ)؛ أَيْ وَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ النِّسَاءَ اسْتِطْرَادًا إِلَى مَا يَقَعُ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ.
قَوْلُهُ: (يَعْمِدُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي ضَحِكٍ بِالتَّنْوِينِ، وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «سورة» والبسملة لأبي (١) ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]) أي: (ضَوْءهَا).
(﴿إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]) أي: (تَبِعَهَا) طالِعًا عند غروبِها.!! (و ﴿طَحَاهَا﴾ [الشمس: ٦]) أي: (دَحَاهَا).
(﴿دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]) أي: (أَغْوَاهَا) وأصلُه: دسَّسَها، فكثر الأمثالُ فأبدلَ من ثالثها حرف علَّةٍ.
(﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ [الشمس: ٨]) أي: (عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ) وهذا كلُّه ثابتٌ للنَّسفيِّ، ساقطٌ من الفَرْع كأصلهِ (٢).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصلَه الفِريابيُّ: (﴿بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]) أي: (بِمَعَاصِيهَا).
(﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥]) أي: (عُقْبَى أَحَدٍ).
٤٩٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابنُ خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه) عروة بن الزُّبير بن العوَّام: (أنَّه أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَمْعَةَ) بفتح الزاي وسكون الميم وفتحها وبالعين المهملة، وأمُّه قُرَيْبةُ أختِ أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين ﵄: (أنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ) فخطبَ وذكرَ ما قصدَه من الموعظةِ أو غيرها (وَذَكَرَ النَّاقَةَ) المذكورة في هذه السُّورة؛ وهي ناقةُ صالحٍ (وَ) ذكرَ (الَّذِي عَقَرَ) هَا؛ وهو قُدَارُ ابنُ سالفٍ، وهو أحيمرُ
ثمود الَّذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] انْبَعَثَ (١)) قامَ (لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ) شديدٌ قويٌّ (عَارِمٌ) بعين وراء مهملتين: جبَّار صعب مفسدٌ خبيثٌ (مَنِيعٌ) قويٌّ ذو منعة (فِي رَهْطِهِ) قومه (مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ) جدِّ عبدِ الله بن زَمعة المذكور في عزَّته ومنعتِه في قومه، ومات كافرًا بمكَّة (وَذَكَرَ) ﵊ في خطبتهِ (النِّسَاءَ) أي: ما يتعلَّق بهنَّ استطرادًا، فذكر ما يقعُ من أزواجهنَّ (فَقَالَ: يَعْمِدُ) بكسر الميم، أي: يقصِد (أَحَدُكُمْ يَجْلِدُ) ولأبي ذرٍّ: «فيجلد» (امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ، فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ (٢) آخِرِ يَوْمِهِ) أي: يجامعُها (ثُمَّ وَعَظَهُمْ) ﵊ (فِي ضَحِكِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في ضحكٍ» (مِنَ (٣) الضَّرْطَةِ، وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ (٤) مِمَّا يَفْعَلُ؟) وكانُوا في الجاهليَّة إذا وقع ذلك من أحدٍ منهم في مجلسٍ يضحكُون (٥)، فنهاهُم عن ذلك.
(وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بنُ خازمٍ -ممَّا وصله إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَه في «مسنده» -: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ) أي: عمَّه مجازًا؛ لأنَّه الأسودُ بن المطَّلب بن أسدٍ، والعوَّام بن خويلد بن أسدٍ، فنزل ابنُ العمِّ منزلةَ الأخ، فأطلق عليه عمًّا بهذا الاعتبار، كذا جزمَ الدِّمياطيُّ باسم أبي زمعَة هنا، وهو المعتمد. قاله في «فتح الباري».
(((٩٢))) (سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾) مكِّيَّة، وآيُها إحدى وعشرون.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
١٩ - (سُورَةُ: {وَالشَّمْسِ وَضُحاهَا} (الشَّمْس: ١)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَسَبْعَة وَأَرْبَعُونَ حرفا وَأَرْبع وَخَمْسُونَ كلمة وَخمْس عشرَة آيَة.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
لم تثبت البسلمة إلَاّ لأبي ذَر.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ضُحاها ضَوْءَها إذَا تَلاهَا تَبِعَها. وَطحاها دَحَاها دَسَّاهَا أغْوَاهَا.
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} أَي: (ضوءها) يَعْنِي: إِذا أشرقت وَقَامَ سلطانها، وَلذَلِك قيل: وَقت الضُّحَى وَكَانَ وَجهه شمس الضُّحَى، وَقيل: الضحوة ارْتِفَاع النَّهَار وَالضُّحَى فَوق ذَلِك، وَعَن قَتَادَة: هُوَ النَّهَار كُله، وَقَالَ مقَاتل: حرهَا. قَوْله: (إِذا تَلَاهَا) تبعها، يَعْنِي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْقَمَر إِذا تَلَاهَا} (الشَّمْس: ٢) أَي: تبعها فَأخذ من ضوئها وَذَلِكَ فِي النّصْف الأول من الشَّهْر إِذا غربت الشَّمْس تَلَاهَا الْقَمَر طالعا. قَوْله: (وطحاها دحاها) أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْأَرْض وَمَا طحاها} (الشَّمْس: ٦) أَي: وَالَّذِي طحاها أَي: دحاها أَي: بسطها. يُقَال: دحوت الشَّيْء دحوا بسطته، ذكره الْجَوْهَرِي ثمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها} (النازعات: ٠٣) وَقَالَ فِي بَاب الطَّاء: طحوته مثل دحوته أَي: بسطته. قَوْله: (دساها أغواها) ، أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقد خَابَ من دساها} (الشَّمْس: ٠١) أَي: أغواها. أَي: خسرت نفس دساها الله فأخملها وخذلها، وَوضع مِنْهَا وأخفى محلهَا حَتَّى عملت بِالْفُجُورِ وَركبت الْمعاصِي، وَهَذَا كُله ثَبت للنسفي وَحده.
فَألْهَمَها: عَرَّقَها الشقَّاءَ وَالسَّعادَةَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فألهمها فجورها وتقواها} (الشَّمْس: ٨) أَي: فألهم النَّفس فجورها أَي شقاوتها وتقواها أَي: سعادتها. وَعَن ابْن عَبَّاس: بَين لَهَا الْخَيْر وَالشَّر، وَعنهُ أَيْضا وَعلمهَا الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة، وَهَذَا أَيْضا ثَبت للنسفي.
{وَلا يَخافُ عُقْباها} (الشَّمْس: ٥١) عُقْبَى أحَدٍ
قبلهَا قَوْله تَعَالَى: {فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم فسواها وَلَا يخَاف عقباها} (الشَّمْس: ٤١، ٥١) قَالَ: فدمدم عَلَيْهِم، أَي: أهلكهم رَبهم بتكذيبهم رَسُوله وعقرهم نَاقَته. قَوْله: (فسواها) أَي: فسوى الدمدمة عَلَيْهِم جَمِيعًا وعمهم بهَا فَلم يُفلت مِنْهُم أحدا وَقَالَ المؤرج الدمدمة إهلاك باستئصال. قَوْله: (وَلَا يخَاف عقباها) ، قَالَ: عُقبى أحد إِنَّمَا قَالَ عُقبى أحد مَعَ أَن الضَّمِير فِي عقباها مؤنث بِاعْتِبَار النَّفس وَهُوَ مؤنث، وَعبر عَن النَّفس بالأحد. وَفِي بعض النّسخ أَخذنَا بِالْخَاءِ والذال المعجمتين وَهُوَ معنى الدمدمة. أَي: الْهَلَاك الْعَام، وَقَالَ النَّسَفِيّ: عقباها عَاقبَتهَا، وَعَن الْحسن: لَا يخَاف الله من أحد تبعه فِي إهلاكهم، وَقيل: الضَّمِير يرجع إِلَى ثَمُود، وَعَن الضَّحَّاك وَالسُّديّ والكلبي: الضَّمِير فِي لَا يخَاف، يرجع إِلَى العاقر، وَفِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره إِذا انْبَعَثَ أشقاها وَلَا يخَاف عقابها، وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة وَالشَّام فَلَا يخَاف بِالْفَاءِ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مصاحفهم وَالْبَاقُونَ بِالْوَاو، وَهَكَذَا فِي مصاحفهم.
وَقَالَ مُجاهِدٌ: بِطَغْواها بِمعاصيها
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {كذبت ثَمُود بطغواها} (الشَّمْس: ١١) وَقَالَ: (بمعاصيها) وَرَوَاهُ الْفرْيَابِيّ من طَرِيق مُجَاهِد: بمعصيتها، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ الْوَجْه. قلت: لم يبين مَا الْوَجْه بل الْوَجْه بِلَفْظ الْجمع وَلَا يخفى ذَلِك والطغوى والطغيان وَاحِد كِلَاهُمَا مصدران من طَغى.
٢٤٩٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثَنا هِشَامٌ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ أخْبَرَهُ عَبْدُ الله ابنُ زَمْعَةَ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إذَا انُبَعَثَ أشْقَاهَا) (الشَّمْس: ٢١) انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ وَذَكَرَ النِّسَاءِ فَقَالَ يَعْمِدُ أحَدُكُمْ يَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُها مِن آخِرِ يَوْمِهِ ثُمَّ وَعَظَهُمْ
فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ.
مطابقته للسورة الْمَذْكُورَة ظَاهِرَة. ووهيب: مصغر وهب ابْن خَالِد، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام يروي عَن أَبِيه عَن عبد الله بن زَمعَة، بِفَتْح الزَّاي وَالْمِيم وبسكونها وبالعين الْمُهْملَة ابْن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي صَحَابِيّ. مَشْهُور، وَأمه قريبَة أُخْت أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ أَبُو عمر: روى عَنهُ عُرْوَة وَثَلَاثَة أَحَادِيث وَهِي مَجْمُوعَة فِي حَدِيث الْبَاب وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَذكر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، فِي بَاب قَول الله تَعَالَى: {وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا} (الْأَعْرَاف: ٣٧) عَن الْحميدِي بالقصة الأولى، وَذكر فِي الْأَدَب عَن عَليّ بن عبد الله بالقصة الثَّانِيَة، وَفِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن يُوسُف بالقصة الثَّالِثَة.
وَأخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن ابْن أبي شيبَة وَأبي كريب وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن هَارُون بن إِسْحَاق وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع بالقصة الأولى وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور بالقصة الثَّالِثَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهَذِهِ الْقِصَّة.
قَوْله: (وَذكر النَّاقة) ، أَي: نَاقَة صَالح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: فَخَطب وَذكر كَذَا وَكَذَا وَذكر النَّاقة، هَذَا هُوَ الحَدِيث الأول. قَوْله: (وَالَّذِي عقر) ، ذكره بِحَذْف مَفْعُوله وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة وَالَّذِي عقرهَا، وَهُوَ قدار بن سالف وَأمه قديرة وَهُوَ أُحَيْمِر ثَمُود الَّذِي يضْرب الْمثل فِي الشؤم، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ أَحْمَر أشقر أَزْرَق قصير وَذكر ولد زنى، ولد على فرَاش ساف. قَوْله: (إِذا انْبَعَثَ أشقاها) (الشَّمْس: ٢١) يَعْنِي: قَرَأَ هَذِه الْآيَة ثمَّ قَالَ انْبَعَثَ لَهَا رجل أَي: قَامَ لَهَا أَي: للناقة (رجل عَزِيز) أَي: قَلِيل الْمثل. قَوْله: (عَارِم) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي: جَبَّار صَعب شَدِيد مُفسد خَبِيث، وَقيل: جَاهِل شرس. قَوْله: (منيع) ، أَي: قوي ذُو مَنْعَة فِي رهطه أَي: فِي قومه. قَوْله: (مثل أبي زَمعَة) ، وَهُوَ الْأسود الْمَذْكُور جد عبد الله بن زَمعَة، وَكَانَ الْأسود أحد الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَمَات على كفره بِمَكَّة وَقتل ابْنه زَمعَة يَوْم بدر كَافِرًا أَيْضا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَبُو زَمعَة هَذَا يحْتَمل أَن يكون البلوي المبايع تَحت الشَّجَرَة، وَتُوفِّي بإفريقية فِي غَزْوَة ابْن خديج وَدفن بالبلوية بالقيروان. قَالَ: فَإِن كَانَ هُوَ هَذَا فَإِنَّهُ إِنَّمَا شبهه بعاقر النَّاقة فِي أَنه عَزِيز فِي قومه ومنيع على من يُريدهُ من الْكفَّار. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يُرِيد غَيره مِمَّن يُسمى بِأبي زَمعَة من الْكفَّار. قَوْله: (وَذكر النِّسَاء) ، هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور الثَّانِي أَي: وَذكر مَا يتَعَلَّق بِأُمُور النِّسَاء. قَوْله: (يعمد أحدكُم) ، بِكَسْر الْمِيم. أَي: يقْصد. قَوْله: (يجلد) ، ويروى: فيجلد أَي: فَيضْرب، يُقَال: جلدته بِالسَّيْفِ وَالسَّوْط وَنَحْوهمَا إِذا ضَربته. قَوْله: (جلد العَبْد) أَي: كَجلْد العَبْد، وَفِيه الْوَصِيَّة بِالنسَاء والإحجام عَن ضربهن. قَوْله: (فَلَعَلَّهُ) أَي: فَلَعَلَّ الَّذِي يجلدها فِي أول الْيَوْم (يضاجعها) أَي: يَطَؤُهَا من آخر يَوْمه، وَكلمَة من هُنَا بِمَعْنى: فِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} (الْجُمُعَة: ٩) أَي: فِي يَوْم الْجُمُعَة. قَوْله: (ثمَّ وعظهم) إِلَى آخر الحَدِيث الثَّالِث أَي: ثمَّ وعظ الرِّجَال فِي ضحكهم من الضرطة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فِي ضحك بِالتَّنْوِينِ دون الْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وَفِيه الْأَمر بالإغماض والتجاهل والإعراض عَن سَماع صَوت الضراط، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا وَقع من أحدهم ضرطه فِي الْمجْلس يَضْحَكُونَ وَنهى الشَّارِع عَن ذَلِك إِذا وَقع وَأمر بالتغافل عَن ذَلِك والاشتغال بِمَا كَانَ فِيهِ، وَكَانَ هَذَا من جملَة أَفعَال قوم لوط، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَإِنَّهُم كَانُوا يتضارطون فِي الْمجْلس ويتضاحكون.
وَقَالَ أبُو مُعَاوِيَةَ: حدَّثنا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ زَمْعَةَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ.
أَبُو مُعَاوِيَة هُوَ مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين الضَّرِير، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة إِلَى آخر ذكر الحَدِيث بِتَمَامِهِ، وَقَالَ فِي آخِره: (مثل أبي زَمعَة عَم الزبير بن الْعَوام) وَأخرجه أَحْمد أَيْضا عَن أبي مُعَاوِيَة لَكِن لم يقل فِي آخِره عَم الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (عَم الزبير) بطرِيق تَنْزِيل ابْن الْعم منزلَة الْعم لِأَن الْأسود هُوَ ابْن الْمطلب بن أَسد وَالزُّبَيْر بن الْعَوام بن خويلد بن أَسد، وَقَالَ الْكرْمَانِي أعلم أَن بَعضهم استدركوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: أَبُو زَمعَة لَيْسَ عَم الزبير
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٩٤٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا؛ انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ. وَذَكَرَ النِّسَاءَ فَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ. ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنْ الضَّرْطَةِ، وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ضُحَاهَا﴾؛ ضَوْءُهَا. ﴿إِذَا تَلاهَا﴾ تَبِعَهَا. وَطَحَاهَا: دَحَاهَا. وَدَسَّاهَا: أَغْوَاهَا) ثَبَتَ هَذَا كُلُّهُ لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مُفَرَّقًا إِلَّا قَوْلَهُ: دَسَّاهَا، فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَمِيعَ ذَلِكَ
قَوْلُهُ: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ عُقْبَى أَحَدٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾؛ اللَّهُ لَا يَخَافُ عُقْبَى أَحَدٍ، وَهُوَ مَضْبُوطٌ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ: قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ بِالْوَاوِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْفَاءِ: فَلَا يَخَافُ، فَالْوَاوُ صِفَةُ الْعَاقِرِ؛ أَيْ عَقَرَ وَلَمْ يَخَفْ عَاقِبَةَ عَقْرِهَا، أَوِ الْمُرَادُ لَا يَخَافُ اللَّهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ إِهْلَاكِهَا، فَالْفَاءُ عَلَى هَذَا أَجْوَدُ، وَالضَّمِيرُ فِي عُقْبَاهَا لِلدَّمْدَمَةِ أَوْ لِثَمُودَ أَوْ لِلنَّفْسِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا، وَالدَّمْدَمَةُ: الْهَلَاكُ الْعَامُّ.
قَوْلُهُ: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾: مَعَاصِيهَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: مَعْصِيَتِهَا وَهُوَ الْوَجْهُ. وَالطَّغْوَى - بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْقَصْرِ: الطُّغْيَانُ، وَيَحْتَمِلُ فِي الْبَاءِ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعَانَةِ وَلِلسَّبَبِ، أَوِ الْمَعْنَى كَذَّبَتْ بِالْعَذَابِ النَّاشِئِ عَنْ طُغْيَانِهَا.
قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ)؛ أَيِ ابْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، وَأُمُّهُ قَرِيبَةُ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ تَحْتَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ ثَمُودَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ النَّاقَةَ)؛ أَيْ نَاقَةَ صَالِحٍ، وَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَخَطَبَ فَذَكَرَ كَذَا، وَذَكَرَ النَّاقَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالَّذِي عَقَرَ) كَذَا هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِ: عَقَرَهَا؛ أَيِ النَّاقَةَ.
قَوْلُهُ: (إِذِ انْبَعَثَ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ بِلَفْظِ: انْتَدَبَ، تَقُولُ: نَدَبْتُهُ إِلَى كَذَا فَانْتَدَبَ لَهُ؛ أَيْ: أَمَرْتُهُ فَامْتَثَلَ.
قَوْلُهُ: (عَزِيزٌ)؛ أَيْ قَلِيلُ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: (عَارِمٌ) بِمُهْمَلَتَيْنِ؛ أَيْ صَعْبٌ عَلَى مَنْ يَرُومُهُ، كَثِيرُ الشَّهَامَةِ وَالشَّرِّ.
قَوْلُهُ: (مَنِيعٌ)؛ أَيْ: قَوِيٌّ ذُو مَنَعَةٍ، أَيْ رَهْطٍ يَمْنَعُونَهُ مِنَ الضَّيْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ بِلَفْظِ: ذُو مَنَعَةٍ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ وَسَبَبُ عَقْرِهِ النَّاقَةَ.
قَوْلُهُ: (مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ) يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ النِّسَاءَ)؛ أَيْ وَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ النِّسَاءَ اسْتِطْرَادًا إِلَى مَا يَقَعُ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ.
قَوْلُهُ: (يَعْمِدُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي ضَحِكٍ بِالتَّنْوِينِ، وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ: «سورة» والبسملة لأبي (١) ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]) أي: (ضَوْءهَا).
(﴿إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]) أي: (تَبِعَهَا) طالِعًا عند غروبِها.!! (و ﴿طَحَاهَا﴾ [الشمس: ٦]) أي: (دَحَاهَا).
(﴿دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]) أي: (أَغْوَاهَا) وأصلُه: دسَّسَها، فكثر الأمثالُ فأبدلَ من ثالثها حرف علَّةٍ.
(﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ [الشمس: ٨]) أي: (عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ) وهذا كلُّه ثابتٌ للنَّسفيِّ، ساقطٌ من الفَرْع كأصلهِ (٢).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيمَا وصلَه الفِريابيُّ: (﴿بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]) أي: (بِمَعَاصِيهَا).
(﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥]) أي: (عُقْبَى أَحَدٍ).
٤٩٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابنُ خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه) عروة بن الزُّبير بن العوَّام: (أنَّه أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَمْعَةَ) بفتح الزاي وسكون الميم وفتحها وبالعين المهملة، وأمُّه قُرَيْبةُ أختِ أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين ﵄: (أنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ) فخطبَ وذكرَ ما قصدَه من الموعظةِ أو غيرها (وَذَكَرَ النَّاقَةَ) المذكورة في هذه السُّورة؛ وهي ناقةُ صالحٍ (وَ) ذكرَ (الَّذِي عَقَرَ) هَا؛ وهو قُدَارُ ابنُ سالفٍ، وهو أحيمرُ
ثمود الَّذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] انْبَعَثَ (١)) قامَ (لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ) شديدٌ قويٌّ (عَارِمٌ) بعين وراء مهملتين: جبَّار صعب مفسدٌ خبيثٌ (مَنِيعٌ) قويٌّ ذو منعة (فِي رَهْطِهِ) قومه (مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ) جدِّ عبدِ الله بن زَمعة المذكور في عزَّته ومنعتِه في قومه، ومات كافرًا بمكَّة (وَذَكَرَ) ﵊ في خطبتهِ (النِّسَاءَ) أي: ما يتعلَّق بهنَّ استطرادًا، فذكر ما يقعُ من أزواجهنَّ (فَقَالَ: يَعْمِدُ) بكسر الميم، أي: يقصِد (أَحَدُكُمْ يَجْلِدُ) ولأبي ذرٍّ: «فيجلد» (امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ، فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ (٢) آخِرِ يَوْمِهِ) أي: يجامعُها (ثُمَّ وَعَظَهُمْ) ﵊ (فِي ضَحِكِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في ضحكٍ» (مِنَ (٣) الضَّرْطَةِ، وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ (٤) مِمَّا يَفْعَلُ؟) وكانُوا في الجاهليَّة إذا وقع ذلك من أحدٍ منهم في مجلسٍ يضحكُون (٥)، فنهاهُم عن ذلك.
(وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بنُ خازمٍ -ممَّا وصله إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَه في «مسنده» -: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ) أي: عمَّه مجازًا؛ لأنَّه الأسودُ بن المطَّلب بن أسدٍ، والعوَّام بن خويلد بن أسدٍ، فنزل ابنُ العمِّ منزلةَ الأخ، فأطلق عليه عمًّا بهذا الاعتبار، كذا جزمَ الدِّمياطيُّ باسم أبي زمعَة هنا، وهو المعتمد. قاله في «فتح الباري».
(((٩٢))) (سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾) مكِّيَّة، وآيُها إحدى وعشرون.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
١٩ - (سُورَةُ: {وَالشَّمْسِ وَضُحاهَا} (الشَّمْس: ١)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَسَبْعَة وَأَرْبَعُونَ حرفا وَأَرْبع وَخَمْسُونَ كلمة وَخمْس عشرَة آيَة.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
لم تثبت البسلمة إلَاّ لأبي ذَر.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ضُحاها ضَوْءَها إذَا تَلاهَا تَبِعَها. وَطحاها دَحَاها دَسَّاهَا أغْوَاهَا.
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} أَي: (ضوءها) يَعْنِي: إِذا أشرقت وَقَامَ سلطانها، وَلذَلِك قيل: وَقت الضُّحَى وَكَانَ وَجهه شمس الضُّحَى، وَقيل: الضحوة ارْتِفَاع النَّهَار وَالضُّحَى فَوق ذَلِك، وَعَن قَتَادَة: هُوَ النَّهَار كُله، وَقَالَ مقَاتل: حرهَا. قَوْله: (إِذا تَلَاهَا) تبعها، يَعْنِي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْقَمَر إِذا تَلَاهَا} (الشَّمْس: ٢) أَي: تبعها فَأخذ من ضوئها وَذَلِكَ فِي النّصْف الأول من الشَّهْر إِذا غربت الشَّمْس تَلَاهَا الْقَمَر طالعا. قَوْله: (وطحاها دحاها) أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْأَرْض وَمَا طحاها} (الشَّمْس: ٦) أَي: وَالَّذِي طحاها أَي: دحاها أَي: بسطها. يُقَال: دحوت الشَّيْء دحوا بسطته، ذكره الْجَوْهَرِي ثمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها} (النازعات: ٠٣) وَقَالَ فِي بَاب الطَّاء: طحوته مثل دحوته أَي: بسطته. قَوْله: (دساها أغواها) ، أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقد خَابَ من دساها} (الشَّمْس: ٠١) أَي: أغواها. أَي: خسرت نفس دساها الله فأخملها وخذلها، وَوضع مِنْهَا وأخفى محلهَا حَتَّى عملت بِالْفُجُورِ وَركبت الْمعاصِي، وَهَذَا كُله ثَبت للنسفي وَحده.
فَألْهَمَها: عَرَّقَها الشقَّاءَ وَالسَّعادَةَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فألهمها فجورها وتقواها} (الشَّمْس: ٨) أَي: فألهم النَّفس فجورها أَي شقاوتها وتقواها أَي: سعادتها. وَعَن ابْن عَبَّاس: بَين لَهَا الْخَيْر وَالشَّر، وَعنهُ أَيْضا وَعلمهَا الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة، وَهَذَا أَيْضا ثَبت للنسفي.
{وَلا يَخافُ عُقْباها} (الشَّمْس: ٥١) عُقْبَى أحَدٍ
قبلهَا قَوْله تَعَالَى: {فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم فسواها وَلَا يخَاف عقباها} (الشَّمْس: ٤١، ٥١) قَالَ: فدمدم عَلَيْهِم، أَي: أهلكهم رَبهم بتكذيبهم رَسُوله وعقرهم نَاقَته. قَوْله: (فسواها) أَي: فسوى الدمدمة عَلَيْهِم جَمِيعًا وعمهم بهَا فَلم يُفلت مِنْهُم أحدا وَقَالَ المؤرج الدمدمة إهلاك باستئصال. قَوْله: (وَلَا يخَاف عقباها) ، قَالَ: عُقبى أحد إِنَّمَا قَالَ عُقبى أحد مَعَ أَن الضَّمِير فِي عقباها مؤنث بِاعْتِبَار النَّفس وَهُوَ مؤنث، وَعبر عَن النَّفس بالأحد. وَفِي بعض النّسخ أَخذنَا بِالْخَاءِ والذال المعجمتين وَهُوَ معنى الدمدمة. أَي: الْهَلَاك الْعَام، وَقَالَ النَّسَفِيّ: عقباها عَاقبَتهَا، وَعَن الْحسن: لَا يخَاف الله من أحد تبعه فِي إهلاكهم، وَقيل: الضَّمِير يرجع إِلَى ثَمُود، وَعَن الضَّحَّاك وَالسُّديّ والكلبي: الضَّمِير فِي لَا يخَاف، يرجع إِلَى العاقر، وَفِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره إِذا انْبَعَثَ أشقاها وَلَا يخَاف عقابها، وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة وَالشَّام فَلَا يخَاف بِالْفَاءِ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مصاحفهم وَالْبَاقُونَ بِالْوَاو، وَهَكَذَا فِي مصاحفهم.
وَقَالَ مُجاهِدٌ: بِطَغْواها بِمعاصيها
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {كذبت ثَمُود بطغواها} (الشَّمْس: ١١) وَقَالَ: (بمعاصيها) وَرَوَاهُ الْفرْيَابِيّ من طَرِيق مُجَاهِد: بمعصيتها، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ الْوَجْه. قلت: لم يبين مَا الْوَجْه بل الْوَجْه بِلَفْظ الْجمع وَلَا يخفى ذَلِك والطغوى والطغيان وَاحِد كِلَاهُمَا مصدران من طَغى.
٢٤٩٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثَنا هِشَامٌ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ أخْبَرَهُ عَبْدُ الله ابنُ زَمْعَةَ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إذَا انُبَعَثَ أشْقَاهَا) (الشَّمْس: ٢١) انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ وَذَكَرَ النِّسَاءِ فَقَالَ يَعْمِدُ أحَدُكُمْ يَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُها مِن آخِرِ يَوْمِهِ ثُمَّ وَعَظَهُمْ
فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ.
مطابقته للسورة الْمَذْكُورَة ظَاهِرَة. ووهيب: مصغر وهب ابْن خَالِد، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام يروي عَن أَبِيه عَن عبد الله بن زَمعَة، بِفَتْح الزَّاي وَالْمِيم وبسكونها وبالعين الْمُهْملَة ابْن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي صَحَابِيّ. مَشْهُور، وَأمه قريبَة أُخْت أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ أَبُو عمر: روى عَنهُ عُرْوَة وَثَلَاثَة أَحَادِيث وَهِي مَجْمُوعَة فِي حَدِيث الْبَاب وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَذكر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، فِي بَاب قَول الله تَعَالَى: {وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا} (الْأَعْرَاف: ٣٧) عَن الْحميدِي بالقصة الأولى، وَذكر فِي الْأَدَب عَن عَليّ بن عبد الله بالقصة الثَّانِيَة، وَفِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن يُوسُف بالقصة الثَّالِثَة.
وَأخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن ابْن أبي شيبَة وَأبي كريب وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن هَارُون بن إِسْحَاق وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع بالقصة الأولى وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور بالقصة الثَّالِثَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهَذِهِ الْقِصَّة.
قَوْله: (وَذكر النَّاقة) ، أَي: نَاقَة صَالح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: فَخَطب وَذكر كَذَا وَكَذَا وَذكر النَّاقة، هَذَا هُوَ الحَدِيث الأول. قَوْله: (وَالَّذِي عقر) ، ذكره بِحَذْف مَفْعُوله وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة وَالَّذِي عقرهَا، وَهُوَ قدار بن سالف وَأمه قديرة وَهُوَ أُحَيْمِر ثَمُود الَّذِي يضْرب الْمثل فِي الشؤم، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ أَحْمَر أشقر أَزْرَق قصير وَذكر ولد زنى، ولد على فرَاش ساف. قَوْله: (إِذا انْبَعَثَ أشقاها) (الشَّمْس: ٢١) يَعْنِي: قَرَأَ هَذِه الْآيَة ثمَّ قَالَ انْبَعَثَ لَهَا رجل أَي: قَامَ لَهَا أَي: للناقة (رجل عَزِيز) أَي: قَلِيل الْمثل. قَوْله: (عَارِم) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي: جَبَّار صَعب شَدِيد مُفسد خَبِيث، وَقيل: جَاهِل شرس. قَوْله: (منيع) ، أَي: قوي ذُو مَنْعَة فِي رهطه أَي: فِي قومه. قَوْله: (مثل أبي زَمعَة) ، وَهُوَ الْأسود الْمَذْكُور جد عبد الله بن زَمعَة، وَكَانَ الْأسود أحد الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَمَات على كفره بِمَكَّة وَقتل ابْنه زَمعَة يَوْم بدر كَافِرًا أَيْضا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَبُو زَمعَة هَذَا يحْتَمل أَن يكون البلوي المبايع تَحت الشَّجَرَة، وَتُوفِّي بإفريقية فِي غَزْوَة ابْن خديج وَدفن بالبلوية بالقيروان. قَالَ: فَإِن كَانَ هُوَ هَذَا فَإِنَّهُ إِنَّمَا شبهه بعاقر النَّاقة فِي أَنه عَزِيز فِي قومه ومنيع على من يُريدهُ من الْكفَّار. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يُرِيد غَيره مِمَّن يُسمى بِأبي زَمعَة من الْكفَّار. قَوْله: (وَذكر النِّسَاء) ، هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور الثَّانِي أَي: وَذكر مَا يتَعَلَّق بِأُمُور النِّسَاء. قَوْله: (يعمد أحدكُم) ، بِكَسْر الْمِيم. أَي: يقْصد. قَوْله: (يجلد) ، ويروى: فيجلد أَي: فَيضْرب، يُقَال: جلدته بِالسَّيْفِ وَالسَّوْط وَنَحْوهمَا إِذا ضَربته. قَوْله: (جلد العَبْد) أَي: كَجلْد العَبْد، وَفِيه الْوَصِيَّة بِالنسَاء والإحجام عَن ضربهن. قَوْله: (فَلَعَلَّهُ) أَي: فَلَعَلَّ الَّذِي يجلدها فِي أول الْيَوْم (يضاجعها) أَي: يَطَؤُهَا من آخر يَوْمه، وَكلمَة من هُنَا بِمَعْنى: فِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} (الْجُمُعَة: ٩) أَي: فِي يَوْم الْجُمُعَة. قَوْله: (ثمَّ وعظهم) إِلَى آخر الحَدِيث الثَّالِث أَي: ثمَّ وعظ الرِّجَال فِي ضحكهم من الضرطة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فِي ضحك بِالتَّنْوِينِ دون الْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وَفِيه الْأَمر بالإغماض والتجاهل والإعراض عَن سَماع صَوت الضراط، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا وَقع من أحدهم ضرطه فِي الْمجْلس يَضْحَكُونَ وَنهى الشَّارِع عَن ذَلِك إِذا وَقع وَأمر بالتغافل عَن ذَلِك والاشتغال بِمَا كَانَ فِيهِ، وَكَانَ هَذَا من جملَة أَفعَال قوم لوط، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَإِنَّهُم كَانُوا يتضارطون فِي الْمجْلس ويتضاحكون.
وَقَالَ أبُو مُعَاوِيَةَ: حدَّثنا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ زَمْعَةَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ.
أَبُو مُعَاوِيَة هُوَ مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين الضَّرِير، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة إِلَى آخر ذكر الحَدِيث بِتَمَامِهِ، وَقَالَ فِي آخِره: (مثل أبي زَمعَة عَم الزبير بن الْعَوام) وَأخرجه أَحْمد أَيْضا عَن أبي مُعَاوِيَة لَكِن لم يقل فِي آخِره عَم الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (عَم الزبير) بطرِيق تَنْزِيل ابْن الْعم منزلَة الْعم لِأَن الْأسود هُوَ ابْن الْمطلب بن أَسد وَالزُّبَيْر بن الْعَوام بن خويلد بن أَسد، وَقَالَ الْكرْمَانِي أعلم أَن بَعضهم استدركوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: أَبُو زَمعَة لَيْسَ عَم الزبير
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56