«إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٨

الحديث رقم ٦٠٨ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فضل التأذين.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٠٨ في صحيح البخاري

«إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى».

بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا

إسناد حديث البخاري رقم ٦٠٨

٦٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٠٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُ لِأَيُّوبَ فَقَالَ: إِلَّا الْإِقَامَةَ.

قَوْله: (بَابُ الْإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: خَالَفَ الْبُخَارِيُّ لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي التَّرْجَمَةِ فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَاحِدَةٌ لِأَنَّ لَفْظَ الْوِتْرِ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ فِي الْمَرَّةِ فَعَدَلَ عَنْ لَفْظٍ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ إِلَى مَا لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ.

قُلْتُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي الْبَابِ الْمَاضِي وَلَفْظُهُ: الْأَذَانُ مَثْنَى وَالْإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ فِي حَدِيثٍ لِأَبِي مَحْذُورَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً.

قَوْله: (إِلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) هُوَ لَفْظُ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ كَمَا تَقَدَّمَ، قِيلَ: وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ إِيرَادَ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى مِنْ إِيرَادِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ رَفْعَ تَوَهُّمِ مَنْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَيُّوبَ لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَقْطُوعًا لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ.

قَوْله: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هُوَ الْحَذَّاءُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْله: (قَالَ إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَلَيْسَ هُوَ مُعَلَّقًا.

قَوْله: (فَذَكَرْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ فَذَكَرْتُهُ أَيْ حَدِيثَ خَالِدٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِقَامَةَ مَثْنَى مِثْلَ الْأَذَانِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِدَعْوَى النَّسْخِ، وَأَنَّ إِفْرَادَ الْإِقَامَةِ كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ، يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَفِيهِ تَثْنِيَةُ الْإِقَامَةِ، وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَيَكُونُ نَاسِخًا. وَعُورِضَ بِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ الْمُحَسَّنَةِ التَّرْبِيعُ وَالتَّرْجِيعُ فَكَانَ يَلْزَمُهُمُ الْقَوْلُ بِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ عَلَى مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ رَجَعَ بَعْدَ الْفَتْحِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ وَعَلِمَهُ سَعْدٌ الْقَرَظُ فَأَذَّنَ بِهِ بَعْدَهُ كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَدَاوُدُ، وَابْنُ جَرِيرٍ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، فَإِنْ رَبَّعَ التَّكْبِيرَ الْأَوَّلَ فِي الْأَذَانِ، أَوْ ثَنَّاهُ، أَوْ رَجَّعَ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ لَمْ يُرَجِّعْ، أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَةَ أَوْ أَفْرَدَهَا كُلَّهَا أَوْ إِلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ فَالْجَمِيعُ جَائِزٌ. وَعَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ إِنْ رَبَّعَ الْأَذَانَ وَرَجَّعَ فِيهِ ثَنَّى الْإِقَامَةَ وَإِلَّا أَفْرَدَهَا، وَقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِهَذَا التَّفْصِيلِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَائِدَةٌ): قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَثْنِيَةِ الْأَذَانِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ أَنَّ الْأَذَانَ لِإِعْلَامِ الْغَائِبِينَ فَيُكَرَّرُ لِيَكُونَ أَوْصَلَ إِلَيْهِمْ، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهَا لِلْحَاضِرِينِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ فِي مَكَانٍ عَالٍ بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الصَّوْتُ فِي الْأَذَانِ أَرْفَعَ مِنْهُ فِي الْإِقَامَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ مُرَتَّلًا وَالْإِقَامَةُ مُسَرَّعَةً، وَكُرِّرَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالذَّاتِ.

قُلْتُ: تَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: لَوْ سَوَّى بَيْنَهُمَا لَاشْتَبَهَ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَصَارَ لِأَنْ يَفُوتَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْأَذَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ لِتَشْتَرِكَ الْأَسْمَاعُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ، وَتُؤْخَذُ حِكْمَةُ التَّرْجِيعِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا اخْتُصَّ بِالتَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤ - بَاب فَضْلِ التَّأْذِينِ

٦٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا

ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى.

[الحديث ٦٠٨ - أطرافه في: ٣٢٨٥، ١٢٣٣، ١٢٣١، ١٢٢٢]

قَوْله: (بَابُ فَضْلِ التَّأْذِينِ) رَاعَى الْمُصَنِّفُ لَفْظَ التَّأْذِينِ لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: التَّأْذِينُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَهَيْئَةٍ، وَحَقِيقَةُ الْأَذَانِ تُعْقَلُ بِدُونِ ذَلِكَ، كَذَا قَالَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّأْذِينَ هُنَا أُطْلِقَ بِمَعْنَى الْأَذَانِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ فَالتَّقْيِيدُ بِالسَّمَاعِ لَا يَدُلُّ عَلَى فِعْلٍ وَلَا عَلَى هَيْئَةٍ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمَصْدَرِ.

قَوْله: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) وَلِلنَّسَائِيِّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ: بِالصَّلَاةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُمَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.

قَوْله: (لَهُ ضُرَاطٌ) جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَقَعَتْ حَالًا بِدُونِ وَاوٍ لِحُصُولِ الِارْتِبَاطِ بِالضَّمِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: وَلَهُ ضُرَاطٌ وَهِيَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، قَالَ عِيَاضٌ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ جِسْمٌ مُتَغَذٍّ يَصِحُّ مِنْهُ خُرُوجُ الرِّيحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ نِفَارِهِ، وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ: لَهُ حُصَاصٌ بِمُهْمَلَاتٍ مَضْمُومُ الْأَوَّلِ فَقَدْ فَسَّرَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ بِشِدَّةِ الْعَدْوِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ شُغْلَ الشَّيْطَانِ نَفْسَهُ عَنْ سَمَاعِ الْأَذَانِ بِالصَّوْتِ الَّذِي يَمْلَأُ السَّمْعَ وَيَمْنَعُهُ عَنْ سَمَاعِ غَيْرِهِ، ثُمَّ سَمَّاهُ ضُرَاطًا تَقْبِيحًا لَهُ. (تَنْبِيهٌ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْطَانِ إِبْلِيسُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ كَثِيرٍ مِنَ الشُّرَّاحِ كَمَا سَيَأْتِي، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الشَّيْطَانِ وَهُوَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا شَيْطَانُ الْجِنِّ خَاصَّةً.

قَوْله: (حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ إِخْرَاجَ ذَلِكَ إِمَّا لِيَشْتَغِلَ بِسَمَاعِ الصَّوْتِ الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْ سَمَاعِ الْمُؤَذِّنِ، أَوْ يَصْنَعُ ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا كَمَا يَفْعَلُهُ السُّفَهَاءُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ بَلْ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ شِدَّةُ خَوْفٍ يُحْدِثُ لَهُ ذَلِكَ الصَّوْتَ بِسَبَبِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ لِيُقَابِلَ مَا يُنَاسِبُ الصَّلَاةَ مِنَ الطَّهَارَةِ بِالْحَدَثِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: حَتَّى لَا يَسْمَعَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَبْعُدُ إِلَى غَايَةٍ يَنْتَفِي فِيهَا سَمَاعُهُ لِلصَّوْتِ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ الْغَايَةِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فَقَالَ: حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ وَحَكَى الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ رَاوِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالرَّوْحَاءِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ مِيلًا، هَذِهِ رِوَايَةُ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ جَرِيرٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَلَفْظُ إِسْحَاقَ فِي مُسْنَدِهِ: حَتَّى يَكُونَ بِالرَّوْحَاءِ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَدْرَجَهُ فِي الْخَبَرِ، وَالْمُعْتَمَدُ رِوَايَةُ قُتَيْبَةَ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي فَضْلِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ بَعْدَهُ.

قَوْله (قُضِيَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ الْفَرَاغُ أَوِ الِانْتِهَاءُ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ الْفَاعِلِ، وَالْمُرَادُ الْمُنَادَى، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَصْلٌ، خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ فِي إِدْرَاكِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَنْ يَنْطَبِقَ أَوَّلُ التَّكْبِيرِ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ.

قَوْله: (إِذَا ثُوِّبَ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ قِيلَ: هُوَ مِنْ ثَابَ إِذَا رَجَعَ، وَقِيلَ: مِنْ ثَوَّبَ إِذَا أَشَارَ بِثَوْبِهِ عِنْدَ الْفَرَاغِ لِإِعْلَامِ غَيْرِهِ، قَالَ الْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ بِالتَّثْوِيبِ هُنَا الْإِقَامَةُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْخَطَّابِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ إِذَا أُقِيمَتْ، وَأَصْلُهُ: أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى مَا يُشْبِهُ الْأَذَانَ، وَكُلُّ مَنْ رَدَّدَ صَوْتًا فَهُوَ مُثَوِّبٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ وَزَعَمَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّثْوِيبِ قَوْلُ الْمُؤَذِّنِ

بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ وَحَكَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ، لَكِنْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ التَّثْوِيبَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ سَلَفًا فِي الْجُمْلَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْقَوْلُ الْخَاصُّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا يَعْرِفُ الْعَامَّةُ التَّثْوِيبَ إِلَّا قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ فِي الْأَذَانِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِقَامَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْله: (أَقْبَلَ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوَسْوَسَ.

قَوْله: (أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ) بِضَمِّ الطَّاءِ، قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَضَبَطْنَاهُ عَنِ الْمُتْقِنِينَ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَمَعْنَاهُ يُوَسْوِسُ، وَأَصْلُهُ مِنْ خَطَرَ الْبَعِيرُ بِذَنَبِهِ إِذَا حَرَّكَهُ فَضَرَبَ بِهِ فَخِذَيْهِ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَمِنَ الْمُرُورِ أَيْ يَدْنُو مِنْهُ فَيَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ فَيُشْغِلُهُ، وَضَعَّفَ الْحَجَرِيُّ فِي نَوَادِرِهِ الضَّمَّ مُطْلَقًا وَقَالَ: هُوَ يَخْطِرُ بِالْكَسْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

قَوْله: (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أَيْ قَلْبِهِ، وَكَذَا هُوَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُهُ مِنْ إِقْبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِخْلَاصِهِ فِيهَا. قَوْله: (يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا)) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَاذْكُرْ كَذَا وَهِيَ لِمُسْلِمٍ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي صَلَاةِ السَّهْوِ اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنِ الْأَعْرَجِ فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ.

قَوْله: (لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أَيْ لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى ذِكْرِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَنْبَطَ أَبُو حَنِيفَةَ لِلَّذِي شَكَا إِلَيْهِ أَنَّهُ دَفَنَ مَالًا ثُمَّ لَمْ يَهْتَدِ لِمَكَانِهِ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَحْرِصَ أَنْ لَا يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، فَفَعَلَ، فَذَكَرَ مَكَانَ الْمَالِ فِي الْحَالِ. قِيلَ: خَصَّهُ بِمَا يُعْلَمُ دُونَ مَا لَا يُعْلَمُ لِأَنَّهُ يَمِيلُ لِمَا يُعْلَمُ أَكْثَرَ لِتَحَقُّقِ وُجُودِهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَيُذَكِّرُهُ بِمَا سَبَقَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ لِيَشْتَغِلَ بَالُهُ بِهِ وَبِمَا لَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ لِيُوقِعَهُ فِي الْفِكْرَةِ فِيهِ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا أَوْ فِي أُمُورِ الدِّينِ كَالْعِلْمِ، لَكِنْ هَلْ يَشْمَلُ ذَلِكَ التَّفَكُّرُ فِي مَعَانِي الْآيَاتِ الَّتِي يَتْلُوهَا؟ لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ، لِأَنَّ غَرَضَهُ نَقْصُ خُشُوعِهِ وَإِخْلَاصِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ.

قَوْله: (حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ) كَذَا لِلْجُمْهُورِ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَمَعْنَى يَظَلُّ فِي الْأَصْلِ اتِّصَافُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ بِالْخَبَرِ نَهَارًا لَكِنَّهَا هُنَا بِمَعْنَى يَصِيرُ أَوْ يَبْقَى، وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ يَضِلُّ بِكَسْرِ السَّاقِطَةِ أَيْ يَنْسَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أَوْ بِفَتْحِهَا، أَيْ يُخْطِئُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.

قَوْله: (لَا يُدْرَي) وَفِي رِوَايَةٍ فِي صَلَاةِ السَّهْوِ إِنْ يَدْرِي بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنْ وَهِيَ نَافِيَةٌ بِمَعْنَى لَا، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَكْثَرِ فِي الْمُوَطَّأِ فَتْحَ الْهَمْزَةِ وَوَجَّهَهُ بِمَا تَعَقَّبَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَيْسَتْ رِوَايَةُ الْفَتْحِ لِشَيْءٍ إِلَّا مَعَ رِوَايَةِ الضَّادِ السَّاقِطَةِ فَتَكُونُ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ وَمَفْعُولُ ضَلَّ أَنْ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ أَيْ يَضِلَّ عَنْ دِرَايَتِهِ.

قَوْله: (كَمْ صَلَّى) وَلِلْمُصَنِّفِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى لَا يَدْرِيَ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ السَّهْوِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحِكْمَةِ فِي هُرُوبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ دُونَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ فِي الصَّلَاةِ، فَقِيلَ: يَهْرُبُ حَتَّى لَا يَشْهَدَ لِلْمُؤَذِّنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذّ نِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ كَمَا يَأْتِي بَعْدُ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِإِيرَادِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ وَالْمُرَادُ بِهِ خَاصٌّ، وَأَنَّ الَّذِي يَشْهَدُ مَنْ تَصِحُّ مِنْهُ الشَّهَادَةُ كَمَا سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ فَأَمَّا الْكُفَّارُ فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ شَهَادَةٌ، وَرَدَّهُ لِمَا جَاءَ مِنَ الْآثَارِ بِخِلَافِهِ، وَبَالَغَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ فِي تَقْرِيرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَقَامُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في المواسم وغيرها (١)، ومعهم الحديث الصَّحيح.

(٤) (بابُ فَضْلِ التَّأْذِينِ).

٦٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وبالنُّون الخفيفة، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» ( قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) أي: لأجلها (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) أي: جنس الشَّيطان أو المعهود، هاربًا إلى الرَّوحاء من سماع الأذان حال كونه (وَلَهُ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «له» (ضُرَاطٌ) يشغل به نفسه (حَتَّى) أي: كي (لَا يَسْمَعَ

التَّأْذِينَ) لعظم أمره لِما اشتمل عليه من قواعد الدِّين وإظهار شرائع الإسلام، أو حتَّى لا يشهد للمؤذِّن بما يسمعه إذا استُشهِد يوم القيامة لأنَّه داخلٌ في الجنِّ والإنس (١) والشَّيء (٢) المذكورين في حديث [خ¦٦٠٩]: «لا يسمع مدى صوت المؤذِّن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إِلَّا شهد له يوم القيامة» ودُفِع بأنَّه ليس أهلًا للشَّهادة لأنَّه كافرٌ، والمراد في الحديث مؤمنو الجنِّ، وإنَّما يجيء عند الصَّلاة مع ما فيها من القرآن لأنَّ غالبها سرٌّ ومناجاةٌ، فله تطرُّقٌ إلى إفسادها على فاعلها وإفساد خشوعه، بخلاف الأذان فإنَّه يرى اتِّفاق كلِّ المؤذِّنين على الإعلان به، ونزول الرَّحمة العامَّة عليهم مع يأسه عن (٣) أن يردَّهم عمَّا أعلنوا به، ويوقن بالخيبة بما تفضَّل الله به عليهم من ثواب ذلك، ويذكر معصية الله ومضادَّته (٤) أمره، فلا يملك الحدث لِما (٥) حصل له من الخوف، وقِيلَ: لأنَّه دعاءٌ إلى الصَّلاة الَّتي فيها السُّجود الَّذي امتنع من فعله لمَّا أُمِرَ به، ففيه تصميمه على مخالفة أمر الله واستمراره على معصية الله، فإذا دعا داعي الله فرَّ منه، وللأَصيليِّ:

«وله ضراطٌ» بالواو على الأصل (١) في الجملة الاسميَّة الحاليَّة أن تكون بالواو، وقد تقع بغيرها كما في ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] (فَإِذَا قَضَى) المنادي (النِّدَاءَ) أي: فرغ المؤذِّن من الأذان، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قُضِيَ» بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول «النِّداءُ» بالرَّفع لقيامه مقام الفاعل (أَقْبَلَ) أي: الشَّيطان، زاد مسلمٌ في رواية صالحٍ عن أبي هريرة: «فوسوس» (٢) (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ (٣) أَدْبَرَ) الشَّيطان؛ بضمِّ المُثلَّثة (٤) وكسر الواو المُشدَّدة، من ثُوِّب، أي: أُعِيد الدُّعاء إليها، والمرادُ الإقامةُ، لا قوله في الصُّبح: الصَّلاة خيرٌ من النَّوم لأنَّه خاصٌّ به، ولـ «مسلمٍ»: «فإذا سمع الإقامة ذهب» (حَتَّى إِذَا قَضَى) المثوِّب (التَّثْوِيبَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حتَّى إذا قُضِيَ» بضمِّ القاف، «التَّثويبُ» بالرَّفع كالسَّابق (أَقْبَلَ) أي: الشَّيطان ساعيًا في إبطال الصَّلاة على المصلِّين (حَتَّى يَخْطِرَ) بفتح أوَّله وكسر الطَّاء؛ كما ضبطه عياضٌ عن (٥) المتقنين، وهو الوجه، أي: يوسوس (بَيْنَ المَرْءِ) أي: الإنسان (وَنَفْسِهِ) أي: قلبه، ولأبي ذَرٍّ: «يخطُر» بضمِّ الطَّاء عن أكثر الرُّواة أي: يدنو منه، فيمرُّ بين المرء وبين قلبه فيشغله، ويَحُول بينه وبين ما يريده من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها (يَقُولُ) أي: الشَّيطان للمصلِّي: (اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا) ولكريمة: «اذكر كذا واذكر كذا» بواو العطف، وكذا لـ «مسلمٍ» كالمؤلِّف في «صلاة السَّهو» [خ¦١٢٣١] (لِمَا) أي: لشيءٍ (لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) قبل الصَّلاة (حَتَّى) أي: كي (يَظَلَّ الرَّجُلُ) بفتح الظَّاء المعجمة المُشَالَة أي: يصير، وللأَصيليِّ من غير «اليونينيَّة» (٦): «يَضِلَّ»؛ بكسر الضَّاد السَّاقطة، أي: ينسى الرَّجل (لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى) من الرَّكعات، ولم يذكر في إدبار

الشَّيطان (١) ما ذكره في الأوَّل من الضُّراط اكتفاءً بذكره فيه، أو لأنَّ الشِّدَّة في الأوَّل تأتيه غفلةً فتكون أهول، وفي الحديث فضلُ الأذان وعِظَمُ قدره لأنَّ الشَّيطان يهرب منه، ولا يهرب عند قراءة القرآن في الصَّلاة الَّتي هي أفضل.

ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

(٥) (بابُ) ثواب (رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ) أي: الأذان.

(وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) فيما وصله ابن أبي شيبة بلفظ: «أنَّ مؤذِّنًا أذَّن فطرَّب في أذانه، فقال له (٢) عمر بن عبد العزيز»: (أَذِّنْ) بلفظ الأمر (أَذَانًا سَمْحًا) بسكون الميم، بغير نغماتٍ ولا تطريبٍ (وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا) أي: اترك منصب الأذان، فإن قلت: النَّهي وقع عن التَّطريب،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُ لِأَيُّوبَ فَقَالَ: إِلَّا الْإِقَامَةَ.

قَوْله: (بَابُ الْإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: خَالَفَ الْبُخَارِيُّ لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي التَّرْجَمَةِ فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَاحِدَةٌ لِأَنَّ لَفْظَ الْوِتْرِ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ فِي الْمَرَّةِ فَعَدَلَ عَنْ لَفْظٍ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ إِلَى مَا لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ.

قُلْتُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي الْبَابِ الْمَاضِي وَلَفْظُهُ: الْأَذَانُ مَثْنَى وَالْإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ فِي حَدِيثٍ لِأَبِي مَحْذُورَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً.

قَوْله: (إِلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) هُوَ لَفْظُ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ كَمَا تَقَدَّمَ، قِيلَ: وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ إِيرَادَ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى مِنْ إِيرَادِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ رَفْعَ تَوَهُّمِ مَنْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَيُّوبَ لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَقْطُوعًا لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ.

قَوْله: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هُوَ الْحَذَّاءُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْله: (قَالَ إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَلَيْسَ هُوَ مُعَلَّقًا.

قَوْله: (فَذَكَرْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ فَذَكَرْتُهُ أَيْ حَدِيثَ خَالِدٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِقَامَةَ مَثْنَى مِثْلَ الْأَذَانِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِدَعْوَى النَّسْخِ، وَأَنَّ إِفْرَادَ الْإِقَامَةِ كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ، يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَفِيهِ تَثْنِيَةُ الْإِقَامَةِ، وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَيَكُونُ نَاسِخًا. وَعُورِضَ بِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ الْمُحَسَّنَةِ التَّرْبِيعُ وَالتَّرْجِيعُ فَكَانَ يَلْزَمُهُمُ الْقَوْلُ بِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ عَلَى مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ رَجَعَ بَعْدَ الْفَتْحِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ وَعَلِمَهُ سَعْدٌ الْقَرَظُ فَأَذَّنَ بِهِ بَعْدَهُ كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَدَاوُدُ، وَابْنُ جَرِيرٍ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، فَإِنْ رَبَّعَ التَّكْبِيرَ الْأَوَّلَ فِي الْأَذَانِ، أَوْ ثَنَّاهُ، أَوْ رَجَّعَ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ لَمْ يُرَجِّعْ، أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَةَ أَوْ أَفْرَدَهَا كُلَّهَا أَوْ إِلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ فَالْجَمِيعُ جَائِزٌ. وَعَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ إِنْ رَبَّعَ الْأَذَانَ وَرَجَّعَ فِيهِ ثَنَّى الْإِقَامَةَ وَإِلَّا أَفْرَدَهَا، وَقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِهَذَا التَّفْصِيلِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَائِدَةٌ): قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَثْنِيَةِ الْأَذَانِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ أَنَّ الْأَذَانَ لِإِعْلَامِ الْغَائِبِينَ فَيُكَرَّرُ لِيَكُونَ أَوْصَلَ إِلَيْهِمْ، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهَا لِلْحَاضِرِينِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ فِي مَكَانٍ عَالٍ بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الصَّوْتُ فِي الْأَذَانِ أَرْفَعَ مِنْهُ فِي الْإِقَامَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ مُرَتَّلًا وَالْإِقَامَةُ مُسَرَّعَةً، وَكُرِّرَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالذَّاتِ.

قُلْتُ: تَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: لَوْ سَوَّى بَيْنَهُمَا لَاشْتَبَهَ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَصَارَ لِأَنْ يَفُوتَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْأَذَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ لِتَشْتَرِكَ الْأَسْمَاعُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ، وَتُؤْخَذُ حِكْمَةُ التَّرْجِيعِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا اخْتُصَّ بِالتَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤ - بَاب فَضْلِ التَّأْذِينِ

٦٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا

ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى.

[الحديث ٦٠٨ - أطرافه في: ٣٢٨٥، ١٢٣٣، ١٢٣١، ١٢٢٢]

قَوْله: (بَابُ فَضْلِ التَّأْذِينِ) رَاعَى الْمُصَنِّفُ لَفْظَ التَّأْذِينِ لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: التَّأْذِينُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَهَيْئَةٍ، وَحَقِيقَةُ الْأَذَانِ تُعْقَلُ بِدُونِ ذَلِكَ، كَذَا قَالَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّأْذِينَ هُنَا أُطْلِقَ بِمَعْنَى الْأَذَانِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ فَالتَّقْيِيدُ بِالسَّمَاعِ لَا يَدُلُّ عَلَى فِعْلٍ وَلَا عَلَى هَيْئَةٍ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمَصْدَرِ.

قَوْله: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) وَلِلنَّسَائِيِّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ: بِالصَّلَاةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُمَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.

قَوْله: (لَهُ ضُرَاطٌ) جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَقَعَتْ حَالًا بِدُونِ وَاوٍ لِحُصُولِ الِارْتِبَاطِ بِالضَّمِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: وَلَهُ ضُرَاطٌ وَهِيَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، قَالَ عِيَاضٌ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ جِسْمٌ مُتَغَذٍّ يَصِحُّ مِنْهُ خُرُوجُ الرِّيحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ نِفَارِهِ، وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ: لَهُ حُصَاصٌ بِمُهْمَلَاتٍ مَضْمُومُ الْأَوَّلِ فَقَدْ فَسَّرَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ بِشِدَّةِ الْعَدْوِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ شُغْلَ الشَّيْطَانِ نَفْسَهُ عَنْ سَمَاعِ الْأَذَانِ بِالصَّوْتِ الَّذِي يَمْلَأُ السَّمْعَ وَيَمْنَعُهُ عَنْ سَمَاعِ غَيْرِهِ، ثُمَّ سَمَّاهُ ضُرَاطًا تَقْبِيحًا لَهُ. (تَنْبِيهٌ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْطَانِ إِبْلِيسُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ كَثِيرٍ مِنَ الشُّرَّاحِ كَمَا سَيَأْتِي، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الشَّيْطَانِ وَهُوَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا شَيْطَانُ الْجِنِّ خَاصَّةً.

قَوْله: (حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ إِخْرَاجَ ذَلِكَ إِمَّا لِيَشْتَغِلَ بِسَمَاعِ الصَّوْتِ الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْ سَمَاعِ الْمُؤَذِّنِ، أَوْ يَصْنَعُ ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا كَمَا يَفْعَلُهُ السُّفَهَاءُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ بَلْ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ شِدَّةُ خَوْفٍ يُحْدِثُ لَهُ ذَلِكَ الصَّوْتَ بِسَبَبِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ لِيُقَابِلَ مَا يُنَاسِبُ الصَّلَاةَ مِنَ الطَّهَارَةِ بِالْحَدَثِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: حَتَّى لَا يَسْمَعَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَبْعُدُ إِلَى غَايَةٍ يَنْتَفِي فِيهَا سَمَاعُهُ لِلصَّوْتِ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ الْغَايَةِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فَقَالَ: حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ وَحَكَى الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ رَاوِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالرَّوْحَاءِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ مِيلًا، هَذِهِ رِوَايَةُ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ جَرِيرٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَلَفْظُ إِسْحَاقَ فِي مُسْنَدِهِ: حَتَّى يَكُونَ بِالرَّوْحَاءِ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَدْرَجَهُ فِي الْخَبَرِ، وَالْمُعْتَمَدُ رِوَايَةُ قُتَيْبَةَ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي فَضْلِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ بَعْدَهُ.

قَوْله (قُضِيَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ الْفَرَاغُ أَوِ الِانْتِهَاءُ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ الْفَاعِلِ، وَالْمُرَادُ الْمُنَادَى، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَصْلٌ، خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ فِي إِدْرَاكِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَنْ يَنْطَبِقَ أَوَّلُ التَّكْبِيرِ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ.

قَوْله: (إِذَا ثُوِّبَ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ قِيلَ: هُوَ مِنْ ثَابَ إِذَا رَجَعَ، وَقِيلَ: مِنْ ثَوَّبَ إِذَا أَشَارَ بِثَوْبِهِ عِنْدَ الْفَرَاغِ لِإِعْلَامِ غَيْرِهِ، قَالَ الْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ بِالتَّثْوِيبِ هُنَا الْإِقَامَةُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْخَطَّابِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ إِذَا أُقِيمَتْ، وَأَصْلُهُ: أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى مَا يُشْبِهُ الْأَذَانَ، وَكُلُّ مَنْ رَدَّدَ صَوْتًا فَهُوَ مُثَوِّبٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ وَزَعَمَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّثْوِيبِ قَوْلُ الْمُؤَذِّنِ

بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ وَحَكَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ، لَكِنْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ التَّثْوِيبَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ سَلَفًا فِي الْجُمْلَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْقَوْلُ الْخَاصُّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا يَعْرِفُ الْعَامَّةُ التَّثْوِيبَ إِلَّا قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ فِي الْأَذَانِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِقَامَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْله: (أَقْبَلَ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوَسْوَسَ.

قَوْله: (أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ) بِضَمِّ الطَّاءِ، قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَضَبَطْنَاهُ عَنِ الْمُتْقِنِينَ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَمَعْنَاهُ يُوَسْوِسُ، وَأَصْلُهُ مِنْ خَطَرَ الْبَعِيرُ بِذَنَبِهِ إِذَا حَرَّكَهُ فَضَرَبَ بِهِ فَخِذَيْهِ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَمِنَ الْمُرُورِ أَيْ يَدْنُو مِنْهُ فَيَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ فَيُشْغِلُهُ، وَضَعَّفَ الْحَجَرِيُّ فِي نَوَادِرِهِ الضَّمَّ مُطْلَقًا وَقَالَ: هُوَ يَخْطِرُ بِالْكَسْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

قَوْله: (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أَيْ قَلْبِهِ، وَكَذَا هُوَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُهُ مِنْ إِقْبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِخْلَاصِهِ فِيهَا. قَوْله: (يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا)) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَاذْكُرْ كَذَا وَهِيَ لِمُسْلِمٍ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي صَلَاةِ السَّهْوِ اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنِ الْأَعْرَجِ فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ.

قَوْله: (لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أَيْ لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى ذِكْرِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَنْبَطَ أَبُو حَنِيفَةَ لِلَّذِي شَكَا إِلَيْهِ أَنَّهُ دَفَنَ مَالًا ثُمَّ لَمْ يَهْتَدِ لِمَكَانِهِ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَحْرِصَ أَنْ لَا يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، فَفَعَلَ، فَذَكَرَ مَكَانَ الْمَالِ فِي الْحَالِ. قِيلَ: خَصَّهُ بِمَا يُعْلَمُ دُونَ مَا لَا يُعْلَمُ لِأَنَّهُ يَمِيلُ لِمَا يُعْلَمُ أَكْثَرَ لِتَحَقُّقِ وُجُودِهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَيُذَكِّرُهُ بِمَا سَبَقَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ لِيَشْتَغِلَ بَالُهُ بِهِ وَبِمَا لَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ لِيُوقِعَهُ فِي الْفِكْرَةِ فِيهِ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا أَوْ فِي أُمُورِ الدِّينِ كَالْعِلْمِ، لَكِنْ هَلْ يَشْمَلُ ذَلِكَ التَّفَكُّرُ فِي مَعَانِي الْآيَاتِ الَّتِي يَتْلُوهَا؟ لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ، لِأَنَّ غَرَضَهُ نَقْصُ خُشُوعِهِ وَإِخْلَاصِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ.

قَوْله: (حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ) كَذَا لِلْجُمْهُورِ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَمَعْنَى يَظَلُّ فِي الْأَصْلِ اتِّصَافُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ بِالْخَبَرِ نَهَارًا لَكِنَّهَا هُنَا بِمَعْنَى يَصِيرُ أَوْ يَبْقَى، وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ يَضِلُّ بِكَسْرِ السَّاقِطَةِ أَيْ يَنْسَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أَوْ بِفَتْحِهَا، أَيْ يُخْطِئُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.

قَوْله: (لَا يُدْرَي) وَفِي رِوَايَةٍ فِي صَلَاةِ السَّهْوِ إِنْ يَدْرِي بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنْ وَهِيَ نَافِيَةٌ بِمَعْنَى لَا، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَكْثَرِ فِي الْمُوَطَّأِ فَتْحَ الْهَمْزَةِ وَوَجَّهَهُ بِمَا تَعَقَّبَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَيْسَتْ رِوَايَةُ الْفَتْحِ لِشَيْءٍ إِلَّا مَعَ رِوَايَةِ الضَّادِ السَّاقِطَةِ فَتَكُونُ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ وَمَفْعُولُ ضَلَّ أَنْ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ أَيْ يَضِلَّ عَنْ دِرَايَتِهِ.

قَوْله: (كَمْ صَلَّى) وَلِلْمُصَنِّفِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى لَا يَدْرِيَ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ السَّهْوِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحِكْمَةِ فِي هُرُوبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ دُونَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ فِي الصَّلَاةِ، فَقِيلَ: يَهْرُبُ حَتَّى لَا يَشْهَدَ لِلْمُؤَذِّنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذّ نِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ كَمَا يَأْتِي بَعْدُ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِإِيرَادِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ وَالْمُرَادُ بِهِ خَاصٌّ، وَأَنَّ الَّذِي يَشْهَدُ مَنْ تَصِحُّ مِنْهُ الشَّهَادَةُ كَمَا سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ فَأَمَّا الْكُفَّارُ فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ شَهَادَةٌ، وَرَدَّهُ لِمَا جَاءَ مِنَ الْآثَارِ بِخِلَافِهِ، وَبَالَغَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ فِي تَقْرِيرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَقَامُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في المواسم وغيرها (١)، ومعهم الحديث الصَّحيح.

(٤) (بابُ فَضْلِ التَّأْذِينِ).

٦٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وبالنُّون الخفيفة، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» ( قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) أي: لأجلها (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) أي: جنس الشَّيطان أو المعهود، هاربًا إلى الرَّوحاء من سماع الأذان حال كونه (وَلَهُ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «له» (ضُرَاطٌ) يشغل به نفسه (حَتَّى) أي: كي (لَا يَسْمَعَ

التَّأْذِينَ) لعظم أمره لِما اشتمل عليه من قواعد الدِّين وإظهار شرائع الإسلام، أو حتَّى لا يشهد للمؤذِّن بما يسمعه إذا استُشهِد يوم القيامة لأنَّه داخلٌ في الجنِّ والإنس (١) والشَّيء (٢) المذكورين في حديث [خ¦٦٠٩]: «لا يسمع مدى صوت المؤذِّن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إِلَّا شهد له يوم القيامة» ودُفِع بأنَّه ليس أهلًا للشَّهادة لأنَّه كافرٌ، والمراد في الحديث مؤمنو الجنِّ، وإنَّما يجيء عند الصَّلاة مع ما فيها من القرآن لأنَّ غالبها سرٌّ ومناجاةٌ، فله تطرُّقٌ إلى إفسادها على فاعلها وإفساد خشوعه، بخلاف الأذان فإنَّه يرى اتِّفاق كلِّ المؤذِّنين على الإعلان به، ونزول الرَّحمة العامَّة عليهم مع يأسه عن (٣) أن يردَّهم عمَّا أعلنوا به، ويوقن بالخيبة بما تفضَّل الله به عليهم من ثواب ذلك، ويذكر معصية الله ومضادَّته (٤) أمره، فلا يملك الحدث لِما (٥) حصل له من الخوف، وقِيلَ: لأنَّه دعاءٌ إلى الصَّلاة الَّتي فيها السُّجود الَّذي امتنع من فعله لمَّا أُمِرَ به، ففيه تصميمه على مخالفة أمر الله واستمراره على معصية الله، فإذا دعا داعي الله فرَّ منه، وللأَصيليِّ:

«وله ضراطٌ» بالواو على الأصل (١) في الجملة الاسميَّة الحاليَّة أن تكون بالواو، وقد تقع بغيرها كما في ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] (فَإِذَا قَضَى) المنادي (النِّدَاءَ) أي: فرغ المؤذِّن من الأذان، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قُضِيَ» بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول «النِّداءُ» بالرَّفع لقيامه مقام الفاعل (أَقْبَلَ) أي: الشَّيطان، زاد مسلمٌ في رواية صالحٍ عن أبي هريرة: «فوسوس» (٢) (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ (٣) أَدْبَرَ) الشَّيطان؛ بضمِّ المُثلَّثة (٤) وكسر الواو المُشدَّدة، من ثُوِّب، أي: أُعِيد الدُّعاء إليها، والمرادُ الإقامةُ، لا قوله في الصُّبح: الصَّلاة خيرٌ من النَّوم لأنَّه خاصٌّ به، ولـ «مسلمٍ»: «فإذا سمع الإقامة ذهب» (حَتَّى إِذَا قَضَى) المثوِّب (التَّثْوِيبَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حتَّى إذا قُضِيَ» بضمِّ القاف، «التَّثويبُ» بالرَّفع كالسَّابق (أَقْبَلَ) أي: الشَّيطان ساعيًا في إبطال الصَّلاة على المصلِّين (حَتَّى يَخْطِرَ) بفتح أوَّله وكسر الطَّاء؛ كما ضبطه عياضٌ عن (٥) المتقنين، وهو الوجه، أي: يوسوس (بَيْنَ المَرْءِ) أي: الإنسان (وَنَفْسِهِ) أي: قلبه، ولأبي ذَرٍّ: «يخطُر» بضمِّ الطَّاء عن أكثر الرُّواة أي: يدنو منه، فيمرُّ بين المرء وبين قلبه فيشغله، ويَحُول بينه وبين ما يريده من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها (يَقُولُ) أي: الشَّيطان للمصلِّي: (اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا) ولكريمة: «اذكر كذا واذكر كذا» بواو العطف، وكذا لـ «مسلمٍ» كالمؤلِّف في «صلاة السَّهو» [خ¦١٢٣١] (لِمَا) أي: لشيءٍ (لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) قبل الصَّلاة (حَتَّى) أي: كي (يَظَلَّ الرَّجُلُ) بفتح الظَّاء المعجمة المُشَالَة أي: يصير، وللأَصيليِّ من غير «اليونينيَّة» (٦): «يَضِلَّ»؛ بكسر الضَّاد السَّاقطة، أي: ينسى الرَّجل (لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى) من الرَّكعات، ولم يذكر في إدبار

الشَّيطان (١) ما ذكره في الأوَّل من الضُّراط اكتفاءً بذكره فيه، أو لأنَّ الشِّدَّة في الأوَّل تأتيه غفلةً فتكون أهول، وفي الحديث فضلُ الأذان وعِظَمُ قدره لأنَّ الشَّيطان يهرب منه، ولا يهرب عند قراءة القرآن في الصَّلاة الَّتي هي أفضل.

ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

(٥) (بابُ) ثواب (رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ) أي: الأذان.

(وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) فيما وصله ابن أبي شيبة بلفظ: «أنَّ مؤذِّنًا أذَّن فطرَّب في أذانه، فقال له (٢) عمر بن عبد العزيز»: (أَذِّنْ) بلفظ الأمر (أَذَانًا سَمْحًا) بسكون الميم، بغير نغماتٍ ولا تطريبٍ (وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا) أي: اترك منصب الأذان، فإن قلت: النَّهي وقع عن التَّطريب،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله