«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦٨٩

الحديث رقم ٦٦٨٩ من كتاب «كتاب الأيمان والنذور» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب النية في الأيمان.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٦٨٩ في صحيح البخاري

«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.»

بَابٌ: إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ

إسناد حديث البخاري رقم ٦٦٨٩

٦٦٨٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٦٨٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٦٨٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: بَابُ النِّيَّةِ فِي الْأَيْمَانِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ لِلْجَمِيعِ وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ، قُلْتُ: وَقَرِينَةُ تَرْجَمَةِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ كَافِيَةٌ فِي تَوْهِينِ الْكَسْرِ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْأَعْمَالِ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْوَحْيِ وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْيَمِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَخْصِيصِ الْأَلْفَاظِ بِالنِّيَّةِ زَمَانًا وَمَكَانًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، كَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ زَيْدٍ وَأَرَادَ فِي شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مَثَلًا أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ زَيْدًا مَثَلًا، وَأَرَادَ فِي مَنْزِلِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلَا يَحْنَثُ إِذَا دَخَلَ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ فِي الْأُولَى، وَلَا إِذَا كَلَّمَهُ فِي دَارٍ أُخْرَى فِي الثَّانِيَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُ فِيمَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى عَدَدًا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ، وَكَذَا مَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْتِ بَائِنٌ إِنْ نَوَى ثَلَاثًا بَانَتْ، وَإِنْ نَوَى مَا دُونَهَا وَقَعَ مَا نَوَى رَجْعِيًّا، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةَ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ لَكِنْ فِيمَا عَدَا حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَهِيَ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِالتَّوْرِيَةِ فِي ذَلِكَ إِذَا اقْتَطَعَ بِهَا حَقًّا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا إِذَا تَحَاكَمَا وَمَا فِي غَيْرِ الْمُحَاكَمَةِ، فَقَالَ: الْأَكْثَرُ نِيَّةُ الْحَالِفِ.

وَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ: نِيَّةُ الْمَحْلُوفِ لَهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَنِ ادَّعَى حَقًّا عَلَى رَجُلٍ فَأَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ الْحَاكِمُ وَلَا تَنْفَعُهُ التَّوْرِيَةُ اتِّفَاقًا فَإِنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اسْتِحْلَافِ الْحَاكِمِ نَفَعَتِ التَّوْرِيَةُ إِلَّا أَنَّهُ إِنْ أَبْطَلَ بِهَا حَقًّا أَثِمَ وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا حَلَفَ بِاللَّهِ فَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوِ الْعَتَاقِ نَفَعَتْهُ التَّوْرِيَةُ وَلَوْ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ ; لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بِذَلِكَ كَذَا أَطْلَقَ، وَيَنْبَغِي فِيمَا إِذَا كَانَ الْحَاكِمُ يَرَى جَوَازَ التَّحْلِيفِ بِذَلِكَ أَنْ لَا تَنْفَعَهُ التَّوْرِيَةُ

٢٤ - بَاب إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ

٦٦٩٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بن مالك، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ.

قَوْلُهُ: بَابُ إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ)، كَذَا للْجَمِيعُ إِلَّا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَعِنْدَهُ الْقُرْبَةُ بَدَلُ التَّوْبَةِ، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَقَوْلُهُ أَهْدَى أَيْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ أَوْ جَعَلَهُ هَدِيَّةً لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْبَابُ هُوَ أَوَّلُ أَبْوَابِ النُّذُورِ، وَالنَّذْرُ فِي اللُّغَةِ الْتِزَامُ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَفِي الشَّرْعِ الْتِزَامُ الْمُكَلَّفِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ

مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا، وَهُوَ قِسْمَانِ: نَذْرُ تَبَرُّرٍ وَنَذْرُ لَجَاجٍ، وَنَذْرُ التَّبَرُّرِ قِسْمَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ ابْتِدَاءً كَـ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا، وَيُلْتَحَقُ بِهِ مَا إِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا شُكْرًا عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ مِنْ شِفَاءِ مَرِيضِي مَثَلًا، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُهُمُ الِاتِّفَاقَ عَلَى صِحَّتِهِ وَاسْتِحْبَابِهِ وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ.

وَالثَّانِي: مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِهِ إِذَا حَصَلَ لَهُ كَإِنْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ كَفَانِي شَرَّ عَدُوِّي فَعَلَيَّ صَوْمُ كَذَا مَثَلًا. وَالْمُعَلَّقُ لَازِمٌ اتِّفَاقًا وَكَذَا الْمُنَجَّزُ فِي الرَّاجِحِ.

وَنَذْرُ اللَّجَاجِ قِسْمَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ فِي الرَّاجِحِ إِلَّا إِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ كَانَ فِي فِعْلِهِ مَشَقَّةٌ فَيَلْزَمُهُ وَيُلْتَحَقُ بِهِ مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ.

وَالثَّانِي: مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ خِلَافِ الْأُولَى أَوْ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِ مُسْتَحَبٍّ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ: الْوَفَاءُ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوِ التَّخَيُّيرُ بَيْنَهُمَا، وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَجَزَمَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِي الْجَمِيعِ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا

قَوْلُهُ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ)، هُوَ وَالِدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ سُورَةِ بَرَاءَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ

قَوْلُهُ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، أَيِ: الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَخَلُّفِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَنَهْيِ النَّبِيِّ عَنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ رَفِيقَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ مَعَ شَرْحِهِ فِي الْمَغَازِي لَكِنْ بِوَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.

قَوْلُهُ: فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ، بِنُونٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، أَيْ: أَعْرَى مِنْ مَالِي كَمَا يَعْرَى الْإِنْسَانُ إِذَا خَلَعَ ثَوْبَهُ

قَوْلُهُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. زَادَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا السَّنَدِ: فَقُلْتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلَّهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ صَدَقَةً، قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَنِصْفَهُ، قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَثُلُثَهُ. قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: وَإِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي كُلِّهُ صَدَقَةً، قَالَ: يُجْزِي عَنْكَ الثُّلُثُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى عَشَرَةِ مَذَاهِبَ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَنُوزِعَ فِي أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْرِ وَلَا بِمَعْنَاهُ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَجَّزَ النَّذْرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَهُ فَاسْتَأْذَنَ، وَالِانْخِلَاعُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي صُدُورِ النَّذْرِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّدَ أَمْرَ تَوْبَتِهِ بِالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَالِهِ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ.

وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: كَانَ الْأَوْلَى لكَعْبٍ أَنْ يَسْتَشِيرَ وَلَا يَسْتَبِدَّ بِرَأْيِهِ، لَكِنْ كَأَنَّهُ قَامَتْ عِنْدَهُ حَالٌ لِفَرَحِهِ بِتَوْبَتِهِ ظَهَرَ لَهُ فِيهَا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فِي الشُّكْرِ، فَأَوْرَدَ الِاسْتِشَارَةَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ فِي كَوْنِهِ جَزَمَ بِأَنَّ مِنْ تَوْبَتِهِ أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ إِلَّا، أَنَّهُ نَجَّزَ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَبُتَّ كَعْبٌ الِانْخِلَاعَ بَلِ اسْتَشَارَ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا؟ قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَفْهَمَ وَحُذِفَتْ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْكَثِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وُجُوبَ الْوَفَاءِ لِمَنِ الْتَزَمَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْقُرْبَةِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مَلِيًّا لَزِمَهُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ وَوَافَقَهُ ابْنُ وَهْبٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المراد من الحديثِ هنا قوله: «فأمرَ بالخبزِ ففُتَّ وعصرَتْ أمُّ سُلَيمٍ (١) عُكَّةً لها فآدمَتْهُ». وفي حديث أبي داود والتِّرمذيِّ بسندٍ حسنٍ عن يوسفَ بنِ عبد الله بنِ سلام: رأيتُ النَّبيَّ أخذَ كسرةً من خبزِ شعيرٍ فوضعَ عليها تمرةً، وقال: «هذهِ إدامُ هذهِ». قال ابن المُنَيِّر: قصَّة أمِّ سليم هذه ظاهرة المناسبة؛ لأنَّ السَّمن اليسير الَّذي فضلَ في قعرِ العُكَّة لا تصْطَبِغ به الأقراص الَّتي فتَّتْها، وإنَّما غايتهُ أن يصيرَ في الخبر من طعم السَّمن، فأشبهَ ما إذا خالطَ التَّمر عند الأكلِ، ويؤخذُ منه أنَّ كلَّ شيءٍ يُسمَّى (٢) عند الإطلاقِ إدَامًا، فإنَّ الحالفَ أن لا يأتَدِمَ يحنَثُ إذا أكلَه مع الخبزِ، وهذا قولُ الجمهور.

والحديث علمٌ من أعلامِ النُّبوَّة، وفيه منقبةٌ لأمِّ سُليم، وسبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٨].

(٢٣) (باب النِّيَّةِ فِي الأَيْمَانِ) بفتح الهمزة لا بالكسرِ.

٦٦٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيد (٣) الثَّقفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) الأنصاريَّ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (٤) (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميُّ (أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) بالإفراد، وأفردَها؛ لأنَّ المصدر المفرد يقومُ مَقام الجمعِ، وإنَّما يجمعُ لاختلافِ الأنواع، وأصلها:

نِوْيَة، فقُلِبت الواو ياء ثمَّ أُدْغمت في الياء بعدها، وجملةُ «إنَّما» في محلِّ مفعول بالقولِ، وجملة «سمعتُ» مثلها لـ «يقول» (١)، وسمعَ من الأفعال الصَّوتيَّة إن تعلَّق بالأصواتِ تعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وإن تعلَّق بالذَّوات تعدَّى إلى اثنين، الثَّاني: جملةٌ مصدَّرة بفعلٍ مضارعٍ من الأفعالِ الصَّوتيَّة هذا اختيارُ الفارسي ومَن وافقه، واختارَ ابن مالك ومَن وافقهُ أن تكون الجملة الفعليَّة في محلِّ حال إن كان المتقدِّم معرفةً كما وقع هنا، أو صفة إن كان المتقدِّم نكرةً. قالوا: ولا يجوزُ: سمعتُ زيدًا يضربُ أخاكَ، وإن تعدَّى إلى ذاتٍ؛ لعدمِ المسموعِ. نعم قد (٢) يجوزُ بتقدير: سمعتُ صوتَ ضرب زيد، وقد ألممتُ بشيءٍ من هذا المبحثِ أوَّل الكتابِ [خ¦١]، وذكرتُه هنا لبعدِ العهدِ به.

والألف واللَّام في «الأعمال» للعهدِ، أي: العباداتُ المفتقرةُ إلى نيَّةٍ، فيخرجُ من ذلك نحو إزالةِ النَّجاسة والمتروكات (٣) كلِّها، و «الأعمالُ» مبتدأ بتقديرِ مضاف، أي: إنَّما صحَّة الأعمالِ، والخبر والاستقرار الَّذي يتعلَّق به حرف الجرِّ، والباء في «بالنِّيَّة» للتَّسبُّب، أي: إنَّما الأعمال ثابتٌ ثوابُها بسببِ (٤) النِّيَّات، ويحتملُ أن تكون للإلصاقِ؛ لأنَّ كلَّ عملٍ تلتصق (٥) به نيَّته (وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ) رجلٍ أو امرأةٍ (مَا نَوَى) وفي روايةٍ: «لكلِّ امرئ» و «ما» موصولةٌ بمعنى الَّذي، وجملة «نَوَى» صلةٌ لا محلَّ لها، والعائدُ ضمير مفعول محذوفٍ تقديرهُ: ما نَوَاه، وإنَّما حذف؛ لأنَّه ضميرٌ منصوبٌ متَّصلٌ بالفعلِ ليس في الصِّلة ضميرٌ غيره، ويجوزُ أن تكونَ «ما» موصولة (٦)، فيكون التَّقدير: وإنَّما لامرئٍ جزاء شيءٍ نواه، فترجعُ الصِّلة صفة والعائد على حالهِ، ويجوزُ أن تكون مصدريَّة حرفًا على المختارِ، فلا تحتاجُ إلى عائدٍ على الصَّحيح، والتَّقدير: لكلِّ امرئٍ جزاءُ نيَّته، والفاعلُ المقدَّر في «نَوى» ضميرٌ مرفوعٌ متَّصلٌ مستترٌ تقديرُه: لكلِّ امرئٍ الَّذي نواهُ هو.

(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) ولأبي ذرٍّ: «وإلى رسولهِ» «مَنْ» شرطيَّة موضعها (١) رفع بالابتداءِ، وبنيتْ لتضمُّنها معنى حرف الشَّرط، وخبرها في فعلِها، وقيل: في جوابها، وقيل: حيث كان الضَّمير العائد، وقيل: في فعلِها (٢) وجوابها معًا. و «كان» ناقصةٌ، اسمها «هِجْرَتُه» (٣) أي: مَن تبيَّن أو ظهرَ في الوجود أنَّ هجرته لله. و «إِلَى» لانتهاءِ الغاية، أي: إلى رضا الله ورسولهِ (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) ولأبي ذرٍّ: «وإلى رسولِهِ» الفاء سببيَّة وهي جواب الشَّرط، وجواب الشَّرط إذا كان جملةً اسميَّةً فلا بدَّ من الفاءِ أو «إذا» كقوله (٤) تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] وقاعدةُ الشَّرط وجوابه اختلافُهما، فيكون الجزاءُ غير الشَّرط نحو: مَن أطاعَ أُثيب، ومَن عصَى عُوقِبَ، ووقع هنا جملة الشَّرط هي جملةُ الجزاء بعينها (٥) فهي بمثابةِ قولك: مَن أكلَ أكلَ، ومن شربَ شربَ، وذلك غير مفيدٍ؛ لأنَّه من تحصيلِ الحاصلِ. وأُجيب بأنَّه وإن اتَّحدا (٦) في اللَّفظ لم يتَّحدا (٧) في المعنى، والتَّقدير: فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله قصدًا فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا. قال ابنُ مالك: من ذلك قوله في حديث حذيفةَ: «ولو مِتَّ متَّ على غيرِ الفطرةِ» [خ¦٧٩١] وجاز ذلك لتوقُّف الفائدةِ على الفضلةِ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] فلولا قوله في الأول: «على غير الفطرة»، وفي الثَّاني: ﴿لِأَنفُسِكُمْ﴾ ما صحَّ، ولم يكن في الكلامِ فائدة.

(وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) فهجرته جواب الشَّرط، ولم يقلْ: فهجرته إلى دنيا، كما قال في الشَّرط، والجزاء الأوَّل إشارة إلى تحقير الدُّنيا.

قال في «الفتح»: ومناسبةُ ذكر الحديث هنا أنَّ اليمين من جملة الأعمالِ، فيستدلُّ به على

تخصيصِ الألفاظ بالنِّية زمانًا ومكانًا، وإن لم يكن في اللَّفظ ما يقتضِي ذلك، فمَن (١) حلفَ أن لا يدخلَ دار زيدٍ في شهرٍ أو سنةٍ مثلًا، أو حلفَ أن (٢) لا يكلِّم زيدًا مثلًا، وأراد في منزلهِ دون غيرهِ، فلا يحنثُ إذا دخلَ بعد شهرٍ أو سنةٍ في الأُولى، ولا إذا كلَّمه في دارٍ أُخرى في الثَّانية، ولو أحلفهُ الحاكم على حقٍّ (٣) ادَّعى عليهِ به انعقدتْ يمينُه على ما نواهُ الحاكم، ولا تنفعه التَّورية اتِّفاقًا، فإن حلف بغيرِ استحلافِ حاكمٍ نفعتهُ التَّوريةُ، لكنَّه إن أبطلَ بها حقَّ غيره أثمَ وإن لم يحنثْ، ولو حلفَ بالطَّلاق نفعتهُ التَّوريةُ وإن حلَّفه الحاكم؛ لأنَّ الحاكم ليس له أن يحلِّفه بذلك، قاله النَّوويُّ. والحديث سبق في مواضع [خ¦١] [خ¦٥٤] [خ¦٣٨٩٨].

ولمَّا فرغ من ذكرِ الأيمان شرعَ يذكرُ «أبواب النُّذور» (٤) فقال:

(٢٤) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا أَهْدَى) شخص (مَالَهُ) أي: تصدَّق به (عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ) بالمثناة الفوقية والموحدة المفتوحتين بينهما واو ساكنة، وللكُشمِيهنيِّ: «والقُرْبة» بالقاف المضمومة والراء الساكنة بدل الفوقية والواو، والجوابُ محذوفٌ تقديرُه: هل ينفذُ (٦) ذلك إذا نجَّزه (٧) أو علَّقه، والنَّذر: بالذال المعجمةِ، هو لغةً: الوعدُ بشرطٍ، أو التزام ما ليس بلازمٍ، أو الوعد بخيرٍ أو شرٍّ. وشرعًا: التزامُ قُربةٍ لم تتعيَّن. وأركانه: صيغةٌ ومنذورٌ وناذرٌ، وشرطُه في النَّاذر: إسلامٌ واختيارٌ ونفوذ تصرُّف فيما ينذره، فيصحُّ من السَّكران لا من الكافرِ؛ لعدم أهليَّته للقُرْبة، ولا من مُكْرَهٍ، ولا ممَّن لا ينفذُ تصرُّفه.

وفي الصِّيغة لفظٌ يُشعر بالالتزامِ كَـ: لِلَّهِ عليَّ كذا، أو عليَّ كذا، كعتقٍ وصومٍ وصلاةٍ، فلا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٦٨٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: بَابُ النِّيَّةِ فِي الْأَيْمَانِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ لِلْجَمِيعِ وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ، قُلْتُ: وَقَرِينَةُ تَرْجَمَةِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ كَافِيَةٌ فِي تَوْهِينِ الْكَسْرِ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْأَعْمَالِ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْوَحْيِ وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْيَمِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَخْصِيصِ الْأَلْفَاظِ بِالنِّيَّةِ زَمَانًا وَمَكَانًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، كَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ زَيْدٍ وَأَرَادَ فِي شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مَثَلًا أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ زَيْدًا مَثَلًا، وَأَرَادَ فِي مَنْزِلِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلَا يَحْنَثُ إِذَا دَخَلَ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ فِي الْأُولَى، وَلَا إِذَا كَلَّمَهُ فِي دَارٍ أُخْرَى فِي الثَّانِيَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُ فِيمَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى عَدَدًا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ، وَكَذَا مَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْتِ بَائِنٌ إِنْ نَوَى ثَلَاثًا بَانَتْ، وَإِنْ نَوَى مَا دُونَهَا وَقَعَ مَا نَوَى رَجْعِيًّا، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةَ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ لَكِنْ فِيمَا عَدَا حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَهِيَ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِالتَّوْرِيَةِ فِي ذَلِكَ إِذَا اقْتَطَعَ بِهَا حَقًّا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا إِذَا تَحَاكَمَا وَمَا فِي غَيْرِ الْمُحَاكَمَةِ، فَقَالَ: الْأَكْثَرُ نِيَّةُ الْحَالِفِ.

وَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ: نِيَّةُ الْمَحْلُوفِ لَهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَنِ ادَّعَى حَقًّا عَلَى رَجُلٍ فَأَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ الْحَاكِمُ وَلَا تَنْفَعُهُ التَّوْرِيَةُ اتِّفَاقًا فَإِنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اسْتِحْلَافِ الْحَاكِمِ نَفَعَتِ التَّوْرِيَةُ إِلَّا أَنَّهُ إِنْ أَبْطَلَ بِهَا حَقًّا أَثِمَ وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا حَلَفَ بِاللَّهِ فَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوِ الْعَتَاقِ نَفَعَتْهُ التَّوْرِيَةُ وَلَوْ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ ; لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بِذَلِكَ كَذَا أَطْلَقَ، وَيَنْبَغِي فِيمَا إِذَا كَانَ الْحَاكِمُ يَرَى جَوَازَ التَّحْلِيفِ بِذَلِكَ أَنْ لَا تَنْفَعَهُ التَّوْرِيَةُ

٢٤ - بَاب إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ

٦٦٩٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بن مالك، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ.

قَوْلُهُ: بَابُ إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ)، كَذَا للْجَمِيعُ إِلَّا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَعِنْدَهُ الْقُرْبَةُ بَدَلُ التَّوْبَةِ، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَقَوْلُهُ أَهْدَى أَيْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ أَوْ جَعَلَهُ هَدِيَّةً لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْبَابُ هُوَ أَوَّلُ أَبْوَابِ النُّذُورِ، وَالنَّذْرُ فِي اللُّغَةِ الْتِزَامُ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَفِي الشَّرْعِ الْتِزَامُ الْمُكَلَّفِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ

مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا، وَهُوَ قِسْمَانِ: نَذْرُ تَبَرُّرٍ وَنَذْرُ لَجَاجٍ، وَنَذْرُ التَّبَرُّرِ قِسْمَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ ابْتِدَاءً كَـ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا، وَيُلْتَحَقُ بِهِ مَا إِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا شُكْرًا عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ مِنْ شِفَاءِ مَرِيضِي مَثَلًا، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُهُمُ الِاتِّفَاقَ عَلَى صِحَّتِهِ وَاسْتِحْبَابِهِ وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ.

وَالثَّانِي: مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِهِ إِذَا حَصَلَ لَهُ كَإِنْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ كَفَانِي شَرَّ عَدُوِّي فَعَلَيَّ صَوْمُ كَذَا مَثَلًا. وَالْمُعَلَّقُ لَازِمٌ اتِّفَاقًا وَكَذَا الْمُنَجَّزُ فِي الرَّاجِحِ.

وَنَذْرُ اللَّجَاجِ قِسْمَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ فِي الرَّاجِحِ إِلَّا إِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ كَانَ فِي فِعْلِهِ مَشَقَّةٌ فَيَلْزَمُهُ وَيُلْتَحَقُ بِهِ مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ.

وَالثَّانِي: مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ خِلَافِ الْأُولَى أَوْ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِ مُسْتَحَبٍّ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ: الْوَفَاءُ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوِ التَّخَيُّيرُ بَيْنَهُمَا، وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَجَزَمَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِي الْجَمِيعِ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا

قَوْلُهُ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ)، هُوَ وَالِدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ سُورَةِ بَرَاءَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ

قَوْلُهُ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، أَيِ: الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَخَلُّفِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَنَهْيِ النَّبِيِّ عَنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ رَفِيقَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ مَعَ شَرْحِهِ فِي الْمَغَازِي لَكِنْ بِوَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.

قَوْلُهُ: فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ، بِنُونٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، أَيْ: أَعْرَى مِنْ مَالِي كَمَا يَعْرَى الْإِنْسَانُ إِذَا خَلَعَ ثَوْبَهُ

قَوْلُهُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. زَادَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا السَّنَدِ: فَقُلْتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلَّهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ صَدَقَةً، قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَنِصْفَهُ، قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَثُلُثَهُ. قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: وَإِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي كُلِّهُ صَدَقَةً، قَالَ: يُجْزِي عَنْكَ الثُّلُثُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى عَشَرَةِ مَذَاهِبَ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَنُوزِعَ فِي أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْرِ وَلَا بِمَعْنَاهُ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَجَّزَ النَّذْرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَهُ فَاسْتَأْذَنَ، وَالِانْخِلَاعُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي صُدُورِ النَّذْرِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّدَ أَمْرَ تَوْبَتِهِ بِالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَالِهِ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ.

وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: كَانَ الْأَوْلَى لكَعْبٍ أَنْ يَسْتَشِيرَ وَلَا يَسْتَبِدَّ بِرَأْيِهِ، لَكِنْ كَأَنَّهُ قَامَتْ عِنْدَهُ حَالٌ لِفَرَحِهِ بِتَوْبَتِهِ ظَهَرَ لَهُ فِيهَا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فِي الشُّكْرِ، فَأَوْرَدَ الِاسْتِشَارَةَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ فِي كَوْنِهِ جَزَمَ بِأَنَّ مِنْ تَوْبَتِهِ أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ إِلَّا، أَنَّهُ نَجَّزَ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَبُتَّ كَعْبٌ الِانْخِلَاعَ بَلِ اسْتَشَارَ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا؟ قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَفْهَمَ وَحُذِفَتْ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْكَثِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وُجُوبَ الْوَفَاءِ لِمَنِ الْتَزَمَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْقُرْبَةِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مَلِيًّا لَزِمَهُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ وَوَافَقَهُ ابْنُ وَهْبٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المراد من الحديثِ هنا قوله: «فأمرَ بالخبزِ ففُتَّ وعصرَتْ أمُّ سُلَيمٍ (١) عُكَّةً لها فآدمَتْهُ». وفي حديث أبي داود والتِّرمذيِّ بسندٍ حسنٍ عن يوسفَ بنِ عبد الله بنِ سلام: رأيتُ النَّبيَّ أخذَ كسرةً من خبزِ شعيرٍ فوضعَ عليها تمرةً، وقال: «هذهِ إدامُ هذهِ». قال ابن المُنَيِّر: قصَّة أمِّ سليم هذه ظاهرة المناسبة؛ لأنَّ السَّمن اليسير الَّذي فضلَ في قعرِ العُكَّة لا تصْطَبِغ به الأقراص الَّتي فتَّتْها، وإنَّما غايتهُ أن يصيرَ في الخبر من طعم السَّمن، فأشبهَ ما إذا خالطَ التَّمر عند الأكلِ، ويؤخذُ منه أنَّ كلَّ شيءٍ يُسمَّى (٢) عند الإطلاقِ إدَامًا، فإنَّ الحالفَ أن لا يأتَدِمَ يحنَثُ إذا أكلَه مع الخبزِ، وهذا قولُ الجمهور.

والحديث علمٌ من أعلامِ النُّبوَّة، وفيه منقبةٌ لأمِّ سُليم، وسبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٨].

(٢٣) (باب النِّيَّةِ فِي الأَيْمَانِ) بفتح الهمزة لا بالكسرِ.

٦٦٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيد (٣) الثَّقفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) الأنصاريَّ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (٤) (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميُّ (أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) بالإفراد، وأفردَها؛ لأنَّ المصدر المفرد يقومُ مَقام الجمعِ، وإنَّما يجمعُ لاختلافِ الأنواع، وأصلها:

نِوْيَة، فقُلِبت الواو ياء ثمَّ أُدْغمت في الياء بعدها، وجملةُ «إنَّما» في محلِّ مفعول بالقولِ، وجملة «سمعتُ» مثلها لـ «يقول» (١)، وسمعَ من الأفعال الصَّوتيَّة إن تعلَّق بالأصواتِ تعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وإن تعلَّق بالذَّوات تعدَّى إلى اثنين، الثَّاني: جملةٌ مصدَّرة بفعلٍ مضارعٍ من الأفعالِ الصَّوتيَّة هذا اختيارُ الفارسي ومَن وافقه، واختارَ ابن مالك ومَن وافقهُ أن تكون الجملة الفعليَّة في محلِّ حال إن كان المتقدِّم معرفةً كما وقع هنا، أو صفة إن كان المتقدِّم نكرةً. قالوا: ولا يجوزُ: سمعتُ زيدًا يضربُ أخاكَ، وإن تعدَّى إلى ذاتٍ؛ لعدمِ المسموعِ. نعم قد (٢) يجوزُ بتقدير: سمعتُ صوتَ ضرب زيد، وقد ألممتُ بشيءٍ من هذا المبحثِ أوَّل الكتابِ [خ¦١]، وذكرتُه هنا لبعدِ العهدِ به.

والألف واللَّام في «الأعمال» للعهدِ، أي: العباداتُ المفتقرةُ إلى نيَّةٍ، فيخرجُ من ذلك نحو إزالةِ النَّجاسة والمتروكات (٣) كلِّها، و «الأعمالُ» مبتدأ بتقديرِ مضاف، أي: إنَّما صحَّة الأعمالِ، والخبر والاستقرار الَّذي يتعلَّق به حرف الجرِّ، والباء في «بالنِّيَّة» للتَّسبُّب، أي: إنَّما الأعمال ثابتٌ ثوابُها بسببِ (٤) النِّيَّات، ويحتملُ أن تكون للإلصاقِ؛ لأنَّ كلَّ عملٍ تلتصق (٥) به نيَّته (وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ) رجلٍ أو امرأةٍ (مَا نَوَى) وفي روايةٍ: «لكلِّ امرئ» و «ما» موصولةٌ بمعنى الَّذي، وجملة «نَوَى» صلةٌ لا محلَّ لها، والعائدُ ضمير مفعول محذوفٍ تقديرهُ: ما نَوَاه، وإنَّما حذف؛ لأنَّه ضميرٌ منصوبٌ متَّصلٌ بالفعلِ ليس في الصِّلة ضميرٌ غيره، ويجوزُ أن تكونَ «ما» موصولة (٦)، فيكون التَّقدير: وإنَّما لامرئٍ جزاء شيءٍ نواه، فترجعُ الصِّلة صفة والعائد على حالهِ، ويجوزُ أن تكون مصدريَّة حرفًا على المختارِ، فلا تحتاجُ إلى عائدٍ على الصَّحيح، والتَّقدير: لكلِّ امرئٍ جزاءُ نيَّته، والفاعلُ المقدَّر في «نَوى» ضميرٌ مرفوعٌ متَّصلٌ مستترٌ تقديرُه: لكلِّ امرئٍ الَّذي نواهُ هو.

(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) ولأبي ذرٍّ: «وإلى رسولهِ» «مَنْ» شرطيَّة موضعها (١) رفع بالابتداءِ، وبنيتْ لتضمُّنها معنى حرف الشَّرط، وخبرها في فعلِها، وقيل: في جوابها، وقيل: حيث كان الضَّمير العائد، وقيل: في فعلِها (٢) وجوابها معًا. و «كان» ناقصةٌ، اسمها «هِجْرَتُه» (٣) أي: مَن تبيَّن أو ظهرَ في الوجود أنَّ هجرته لله. و «إِلَى» لانتهاءِ الغاية، أي: إلى رضا الله ورسولهِ (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) ولأبي ذرٍّ: «وإلى رسولِهِ» الفاء سببيَّة وهي جواب الشَّرط، وجواب الشَّرط إذا كان جملةً اسميَّةً فلا بدَّ من الفاءِ أو «إذا» كقوله (٤) تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] وقاعدةُ الشَّرط وجوابه اختلافُهما، فيكون الجزاءُ غير الشَّرط نحو: مَن أطاعَ أُثيب، ومَن عصَى عُوقِبَ، ووقع هنا جملة الشَّرط هي جملةُ الجزاء بعينها (٥) فهي بمثابةِ قولك: مَن أكلَ أكلَ، ومن شربَ شربَ، وذلك غير مفيدٍ؛ لأنَّه من تحصيلِ الحاصلِ. وأُجيب بأنَّه وإن اتَّحدا (٦) في اللَّفظ لم يتَّحدا (٧) في المعنى، والتَّقدير: فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله قصدًا فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا. قال ابنُ مالك: من ذلك قوله في حديث حذيفةَ: «ولو مِتَّ متَّ على غيرِ الفطرةِ» [خ¦٧٩١] وجاز ذلك لتوقُّف الفائدةِ على الفضلةِ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] فلولا قوله في الأول: «على غير الفطرة»، وفي الثَّاني: ﴿لِأَنفُسِكُمْ﴾ ما صحَّ، ولم يكن في الكلامِ فائدة.

(وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) فهجرته جواب الشَّرط، ولم يقلْ: فهجرته إلى دنيا، كما قال في الشَّرط، والجزاء الأوَّل إشارة إلى تحقير الدُّنيا.

قال في «الفتح»: ومناسبةُ ذكر الحديث هنا أنَّ اليمين من جملة الأعمالِ، فيستدلُّ به على

تخصيصِ الألفاظ بالنِّية زمانًا ومكانًا، وإن لم يكن في اللَّفظ ما يقتضِي ذلك، فمَن (١) حلفَ أن لا يدخلَ دار زيدٍ في شهرٍ أو سنةٍ مثلًا، أو حلفَ أن (٢) لا يكلِّم زيدًا مثلًا، وأراد في منزلهِ دون غيرهِ، فلا يحنثُ إذا دخلَ بعد شهرٍ أو سنةٍ في الأُولى، ولا إذا كلَّمه في دارٍ أُخرى في الثَّانية، ولو أحلفهُ الحاكم على حقٍّ (٣) ادَّعى عليهِ به انعقدتْ يمينُه على ما نواهُ الحاكم، ولا تنفعه التَّورية اتِّفاقًا، فإن حلف بغيرِ استحلافِ حاكمٍ نفعتهُ التَّوريةُ، لكنَّه إن أبطلَ بها حقَّ غيره أثمَ وإن لم يحنثْ، ولو حلفَ بالطَّلاق نفعتهُ التَّوريةُ وإن حلَّفه الحاكم؛ لأنَّ الحاكم ليس له أن يحلِّفه بذلك، قاله النَّوويُّ. والحديث سبق في مواضع [خ¦١] [خ¦٥٤] [خ¦٣٨٩٨].

ولمَّا فرغ من ذكرِ الأيمان شرعَ يذكرُ «أبواب النُّذور» (٤) فقال:

(٢٤) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا أَهْدَى) شخص (مَالَهُ) أي: تصدَّق به (عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ) بالمثناة الفوقية والموحدة المفتوحتين بينهما واو ساكنة، وللكُشمِيهنيِّ: «والقُرْبة» بالقاف المضمومة والراء الساكنة بدل الفوقية والواو، والجوابُ محذوفٌ تقديرُه: هل ينفذُ (٦) ذلك إذا نجَّزه (٧) أو علَّقه، والنَّذر: بالذال المعجمةِ، هو لغةً: الوعدُ بشرطٍ، أو التزام ما ليس بلازمٍ، أو الوعد بخيرٍ أو شرٍّ. وشرعًا: التزامُ قُربةٍ لم تتعيَّن. وأركانه: صيغةٌ ومنذورٌ وناذرٌ، وشرطُه في النَّاذر: إسلامٌ واختيارٌ ونفوذ تصرُّف فيما ينذره، فيصحُّ من السَّكران لا من الكافرِ؛ لعدم أهليَّته للقُرْبة، ولا من مُكْرَهٍ، ولا ممَّن لا ينفذُ تصرُّفه.

وفي الصِّيغة لفظٌ يُشعر بالالتزامِ كَـ: لِلَّهِ عليَّ كذا، أو عليَّ كذا، كعتقٍ وصومٍ وصلاةٍ، فلا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله