«مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ تَوَكَّلْتُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6807

الحديث رقم 6807 من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل من ترك الفواحش.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «من توكل لي ما بين رجليه وما بين لحييه توكلت…

«مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ تَوَكَّلْتُ لَهُ بِالْجَنَّةِ.»

بَابُ إِثْمِ الزُّنَاةِ

قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾

سند حديث: ٦٨٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي…

٦٨٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ وَحَدَّثَنِي خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ : قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:

رواة الحديث

شرح حديث: «من توكل لي ما بين رجليه وما بين لحييه توكلت…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٨٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ. ح. وَحَدَّثَنِي خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ تَوَكَّلْتُ لَهُ بِالْجَنَّةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الْفَوَاحِشَ) جَمْعُ فَاحِشَةٍ، وَهِيَ كُلُّ مَا اشْتَدَّ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا، وَكَذَا الْفَحْشَاءُ وَالْفُحْشُ وَمِنْهُ الْكَلَامُ الْفَاحِشُ، وَيُطْلَقُ غَالِبًا عَلَى الزِّنَا فَاحِشَةً وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ وَأُطْلِقَتْ عَلَى اللِّوَاطِ بِاللَّامِ الْعَهْدِيَّةِ فِي قَوْلِ لُوطٍ ﵇ لِقَوْمِهِ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حَدُّهُ حَدَّ الزَّانِي عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَزَعَمَ الْحَلِيمِيُّ أَنَّ الْفَاحِشَةَ أَشَدُّ مِنَ الْكَبِيرَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:

أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ مَنْ وَقَعَ لَهُ نَحْوُهَا كَالَّذِي دَعَا شَابًّا جَمِيلًا لِأَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَةً لَهُ جَمِيلَةً كَثِيرَةَ الْجِهَازِ جِدًّا لِيَنَالَ مِنْهُ الْفَاحِشَةَ، فَعَفَا الشَّابُّ عَنْ ذَلِكَ، وَتَرَكَ الْمَالَ وَالْجَمَالَ؛ وَقَدْ شَاهَدْتُ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ، مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ مُقَاتِلٍ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ.

قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ الْخَاصُّ عِنْدَ ابْنِ سَلَّامٍ، وَالَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْغَسَّانِيُّ قَاعِدَةً فِي تَفْسِيرِ مَنْ أُبْهِمَ وَاسْتَمَرَّ إِبْهَامُهُ، فَيَكُونُ كَثْرَةُ أَخْذِهِ وَمُلَازَمَتِهِ قَرِينَةً فِي تَعْيِينِهِ، أَمَّا إِذَا أَوْرَدَ التَّنْصِيصَ عَلَيْهِ فَلَا. وَقَدْ صَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَأَبِي الْوَقْتِ.

الحديث الثاني: قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ مُقَدَّمٍ بِوَزْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ عَمُّ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الرَّاوِي عَنْهُ، وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِالتَّدْلِيسِ لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الرِّقَاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَحْدَهُ، وَقَرَنَهُ هُنَا بِخَلِيفَةَ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ خَلِيفَةَ.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَوَكَّلَ لِي) أَيْ تَكَفَّلَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الرِّقَاقِ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: تَكَفَّلَ، وَبِلَفْظِ: حَفِظَ، وَهُوَ هُنَاكَ بِلَفْظِ: تَضَمَّنَ، وَأَصْلُ التَّوَكُّلِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْوُثُوقُ بِهِ، وَقَوْلُهُ: تَوَكَّلْتُ لَهُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ، وَقَوْلُهُ: مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَيْ فَرْجِهِ وَلَحْيَيْهِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ مَنْبَتُ اللِّحْيَةِ وَالْأَسْنَانِ، وَيَجُوزُ كَسْرُ اللَّامِ، وَثُنِّيَ لِأَنَّ لَهُ أَعْلَى وَأَسْفَلَ، وَالْمُرَادُ بِهِ اللِّسَانُ، وَقِيلَ: النُّطْقُ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الرِّقَاقِ حِفْظَ اللِّسَانِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ.

وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ لَهُ بِالْجَنَّةِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ بِحَذْفِ الْبَاءِ، وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَوْ كَأَنَّهُ ضَمَّنَ تَوَكَّلْتُ مَعْنَى ضَمِنْتُ.

٢٠ - بَاب إِثْمِ الزُّنَاةِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾

٦٨٠٨ - حدثنا دَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَنَسٌ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ - وَإِمَّا قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ - أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المقدّميُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) بضم عين الأول عمُّ محمَّد الرَّاوي عنه، وهو مدلِّسٌ لكنَّه صرَّحَ بالتَّحديث.

(ح) (١) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (خَلِيفَةُ) بن خيَّاط، واللَّفظُ له قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ ابْنُ عَلِيٍّ) بضم عين عُمر قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) سلمة بنُ دينار الأعرجُ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين فيهما (السَّاعِدِيِّ) ﵁ أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ تَوَكَّلَ) أي: من تكفَّلَ (لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ) فرجَهُ (وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة، منبت اللِّحية والأسنان، وثُنِّيَ باعتبار أنَّ له أعلى وأسفل، أي: لسانَهُ (٢) إذ أكثر بلاء الإنسان (٣) من الفرجِ واللِّسان (تَوَكَّلْتُ) تكفَّلت (لَهُ بِالجَنَّةِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «الجنَّة» بإسقاط حرف الجرِّ، أي: ضمنتُ له الجنَّة (٤).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث (٥) إنَّ من حفظَ لسانَه وفرجَه يكون له فضلُ من تَركَ الفواحشَ. وأخرجه (٦) التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.

(٢٠) (بابُ إِثْمِ الزُّنَاةِ) بضم الزاي، جمع: زانٍ، كعُصَاة جمع: عاصٍ (قَوْلُ اللهِ) بالرَّفع على الاستئنافِ، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله» (تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق في سورة الفرقان: (﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) وأوَّلها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ قال القاضي ناصر الدِّين: نفى عنهم أمَّهات المعاصِي بعدما أثبتَ لهم أصول الطَّاعات إظهارًا لكمالِ إيمانهم، وإشعارًا بأنَّ الأجر المذكور موعودٌ للجامعِ بين ذلك، وتعريضًا للكفرةِ بأضدادهِ، وقول الله تعالى في سورة الإسراء: (﴿وَلَا تَقْرَبُواْ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٩١ - (بابُ فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الفَواحِشَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من ترك الْفَوَاحِش جمع فَاحِشَة وَهِي كل مَا اشْتَدَّ قبحه من الذُّنُوب فعلا أَو قولا، وَكَذَا الْفَحْشَاء وَالْفُحْش، وَمِنْه الْكَلَام الْفَاحِش، وَيُطلق غَالِبا على الزِّنَا وَمِنْه قَوْله عز وَجل: {وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة} (الْإِسْرَاء: ٢٣) .

٦٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامِ أخبرنَا عَبْدُ الله عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ خُبَيْبِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ حَفْصٍ بنِ عاصِمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله يَوْمَ القِيامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلاّ ظِلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأ فِي عِبادَةِ الله، ورَجُلٌ ذَكَرَ الله فِي خَلاءِ فَفاضَتْ عَيْناهُ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسْجِدِ، ورَجُلانِ تَحابَّا فِي الله، ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمالٍ إِلَى نَفْسِها، قَالَ: إِنِّي أخافُ الله، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفاها حتَّى لَا تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة) إِلَى قَوْله: (وَرجل تصدق) وَلَا يخفى فضل هَذَا، عِنْد الله تَعَالَى.

قَوْله: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام ويروى حَدثنِي مُحَمَّد بن سَلام، وَقد وَقع فِي غَالب النّسخ: مُحَمَّد، غير مَنْسُوب فَقَالَ أَبُو عَليّ الغساني: وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ مُحَمَّد بن مقَاتل، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ مُحَمَّد بن سَلام. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْأول هُوَ الصَّوَاب.

قلت: لِأَنَّهُ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد أخبرنَا عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك وَمُحَمّد بن مقَاتل مَشْهُور بالرواية عَنهُ وَكِلَاهُمَا مروزيان، وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ بَاء مُوَحدَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن خبيب الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَحَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة عَن مُسَدّد، وَفِي الصَّلَاة وَفِي الرقَاق عَن مُحَمَّد بن بشار، ومضي الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (إلَاّ ظله) إِضَافَة الظل إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة تشريف إِذْ الظل الْحَقِيقِيّ هُوَ منزه عَنهُ لِأَنَّهُ من خَواص الْأَجْسَام، وَقيل: ثمَّة مَحْذُوف أَي: ظلّ عَرْشه، وَقيل: المُرَاد مِنْهُ الكنف من المكاره فِي ذَلِك الْموقف الَّذِي تَدْنُو الشَّمْس مِنْهُم ويشتد عَلَيْهِم الْحر ويأخذهم الْعرق، يُقَال: فلَان فِي ظلّ فلَان أَي: فِي كنفه وحمايته. قَوْله: (عَادل) هُوَ الْوَاضِع كل شَيْء فِي مَوْضِعه. قَوْله: (وشاب) قيل: لم يقل: رجل، لِأَن الْعِبَادَة فِي الشَّاب أشق وَأَشد لغَلَبَة الشَّهَوَات. قَوْله: (فِي خلاء) أَي: فِي مَوضِع هُوَ وَحده إِذْ لَا يكون فِيهِ شَائِبَة الرِّيَاء. قَوْله: (فَفَاضَتْ عَيناهُ) قيل: الْعين لَا تقبض بل الدمع. وَأجِيب: أَنه أسْند الْفَيْض إِلَيْهَا مُبَالغَة كَقَوْلِه تَعَالَى: {ترى أَعينهم تفيض من الدمع} (الْمَائِدَة: ٣٨) قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) أَي: بِالْمَسْجِدِ، وَمَعْنَاهُ شَدِيد الْمُلَازمَة للْجَمَاعَة فِيهِ. قَوْله: (تحابا) أَصله: تحابيا أدغمت الْبَاء فِي الْبَاء قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ نَحْو تبَاعد، إِلَّا نَحْو: تجاهلا، قَوْله: (فِي الله) أَي: بِسَبَبِهِ كَمَا ورد: فِي النَّفس المؤمنة مائَة من إبل أَي: بِسَبَبِهَا أَي: لَا تكون الْمحبَّة لغَرَض دُنْيَوِيّ. قَوْله: (ذَات منصب) أَي: ذَات حسب وَنسب وخصصها بِالذكر لِكَثْرَة الرَّغْبَة فِيهَا. قَوْله: (لَا تعلم) يجوز بِالرَّفْع وَالنّصب وَذكر الْيَمين وَالشمَال مُبَالغَة فِي الْإخْفَاء أَي: لَو قدرت الشمَال رجلا متيقظاً لما علم صَدَقَة الْيَمين لمبالغته فِي الْإِسْرَار وَهَذَا فِي صَدَقَة التَّطَوُّع.

٧٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ حدّثنا عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ.

(ح) وحدّثني خَلِيفَةُ حدّثنا عُمَرُ بنُ عَليٍّ حدّثنا أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ تَوَكَّلْتُ لهُ بالجَنَّةِ) . (انْظُر الحَدِيث ٤٧٤٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من حفظ لِسَانه وفرجه يكون لَهُ فضل من ترك الْفَوَاحِش.

وَمُحَمّد بن أبي بكر الْمقدمِي بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول من التَّقْدِيم، يروي عَن عَمه عمر بن عَليّ وَهُوَ مَوْصُوف بالتدليس، لكنه صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذِه

الرِّوَايَة، وَقد أوردهُ فِي الرقَاق عَن مُحَمَّد بن أبي بكر وَحده وقرنه هُنَا بخليفة بن خياط. وسَاق الحَدِيث على لفظ خَليفَة وَهُوَ أَيْضا من مشايخه، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي واسْمه سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب.

قَوْله: (من توكل) أَي: من تكفل، وأصل التَّوْكِيل الِاعْتِمَاد على الشَّيْء والوثوق بِهِ. قَوْله: (مَا بَين رجلَيْهِ) أَي: فرجه. قَوْله: (وَمَا بَين لحييْهِ) أَي: لِسَانه، وَقيل: نطقه ولحييه بفت اللَّام وَهُوَ مبنت اللِّحْيَة والأسنان وَيجوز كسر اللَّام، وَإِنَّمَا ثنى لِأَن لَهُ أَعلَى وأسفل، وَأكْثر بلَاء الْإِنْسَان من هذَيْن العضوين، فَمن سلم من ضررهما فقد سلم من الْعَذَاب. قَوْله: (لَهُ بِالْجنَّةِ) ، بِالْبَاء عِنْد الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي بِحَذْف الْبَاء.

٠٢ - (بابُ إثْمِ الزُّناةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم الزناة، وَهُوَ جمع زانٍ كعصاة جمع عَاص، وَتعلق هَذَا الْبَاب بِالْكتاب ارْتِكَاب مَا حرم الله وَهُوَ دَاخل فِي محاربة الله وَرَسُوله.

وقَوْلِ الله تَعَالَى: {وَلَا يزنون} (الْفرْقَان: ٨٦) {وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة وساء سَبِيلا} (الْإِسْرَاء: ٢٣)

وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على إِثْم الزناة. قَوْله: {وَلَا يزنون} من الْآيَة الَّتِي فِي الْفرْقَان وأولها: {وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إلاّ بِالْحَقِّ وَلَا يزنون} ... الْآيَة وَعَن ابْن عَبَّاس أَن نَاسا من أهل الشّرك قد قتلوا فَأَكْثرُوا وزنوا فَأَكْثرُوا ثمَّ أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالُوا: إِن الَّذِي تَقول وتدعونا إِلَيْهِ لحسن لَو تخبرنا أَن لما عَمِلْنَاهُ كَفَّارَة، فَنزلت: {وَالَّذين لَا يدعونَ} الْآيَة وَقيل: نزلت فِي وَحشِي غُلَام بن مطعم. قَوْله: {وَلَا تقربُوا} الْآيَة بِالْقصرِ على الْأَكْثَر والمدلغة، وَالْمرَاد مِنْهُ النَّهْي عَن مُقَدمَات الزِّنَا كالمس والتقبيل وَنَحْوهمَا، وَلَو كَانَ المُرَاد مِنْهُ نفس الزِّنَا لقَالَ: لَا تَزْنُوا.

٩٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى أخبرنَا إسْحاقُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا الفُضَيْلُ بنُ غَزْوانَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَزْنِي العَبْدُ حِينَ يَزْنِي وهْوَ مُؤْمنٌ،

وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ حينَ يَشْرَبُ وهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ وهْوَ مُؤْمِنٌ) . (انْظُر الحَدِيث ٢٨٧٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي أول الحَدِيث وَإِسْحَاق بن يُوسُف الوَاسِطِيّ الْمَعْرُوف بالأزرق، والفضيل مصغر فضل بالضاد الْمُعْجَمَة ابْن غَزوَان بِفَتْح الْعين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الزَّاي.

والْحَدِيث مر فِي أول كتاب الْحُدُود وَهُنَاكَ فِيهِ: قَضِيَّة النهبة، وَهنا قَوْله: وَلَا يقتل وَهُوَ مُؤمن وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الإيمانُ مِنْهُ؟ قَالَ: هاكَذَا، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ثُمَّ أخْرَجَها، فإنْ تابَ عادَ إلَيْهِ هاكَذا، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ.

قَوْله: (قَالَ عِكْرِمَة) ، مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (كَيفَ ينْزع الْإِيمَان مِنْهُ؟) يَعْنِي: عِنْد ارْتِكَاب إِحْدَى هَذِه الْأُمُور الْمَذْكُورَة وَهِي الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر وَقتل النَّفس الْمُحرمَة. قَوْله: (فَإِن تَابَ) أَي: المرتكب من هَذِه الْأُمُور عَاد أَي الْإِيمَان إِلَيْهِ.

٠١٨٦ - حدّثنا آدَمُ حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ ذَكْوَان عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُ وهْوَ مُؤْمِنٌ، والتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن) .

وآدَم هوابن أبي إِيَاس يروي عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن ذكْوَان بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة هُوَ أَبُو صَالح الزيات.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان، وَالنَّسَائِيّ فِي الْقطع وهما جَمِيعًا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى.

قَوْله: (وَالتَّوْبَة معروضة بعد) أَي: معروضة على فاعلها بعد ذَلِك، يَعْنِي: بَاب التَّوْبَة مَفْتُوح عَلَيْهِ بعد فعلهَا.

١١٨٦ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَليٍّ حَدثنَا يَحْيَاى حَدثنَا سُفْيانُ قَالَ: حدّثني مَنْصُورٌ وسُلَيْمانُ عنْ أبي وائِلٍ عنْ أبي مَيْسَرَةَ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رسُولَ الله {أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قَالَ: قَوْله: (أنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وهْوَ خَلَقَكَ) قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: (أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أجْلِ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: (أنْ تُزَانِيَ حَليلَةَ جارِكَ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَن تُزَانِي حَلِيلَة جَارك) . وَعَمْرو بِالْوَاو ابْن عَليّ هُوَ الفلاس، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَسليمَان هُوَ ابْن مهْرَان الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو ميسرَة ضد الميمنة اسْمه عمر بن شُرَحْبِيل، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

قَوْله: (أَي الذَّنب أعظم؟) هَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَقع فِي رِوَايَة عَاصِم عَن أبي وَائِل عَن عبد الله: أعظم الذَّنب عِنْد الله. وَفِي رِوَايَة أبي عُبَيْدَة بن معن عَن الْأَعْمَش: أَي الذُّنُوب أكبر عِنْد الله؟ وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عِنْد أَحْمد وَغَيره: أَي الذَّنب أكبر؟ وَفِي رِوَايَة الْحُسَيْن بن عبد الله عَن وَائِل: أكبر الْكَبَائِر.

والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير عَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة. وَفِيه أَيْضا: عَن مُسَدّد وَفِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن كثير وَسَيَجِيءُ فِي التَّوْحِيد عَن قُتَيْبَة.

قَوْله: (من أجل) فِي كثير من النّسخ: أجل، بِدُونِ كلمة: من، بِفَتْح اللَّام وَفَسرهُ الشُّرَّاح بِمن أجل فَحذف الْجَار وانتصب، وَذكر الْأكل لِأَنَّهُ كَانَ الْأَغْلَب من حَال الْعَرَب. قَوْله: (أَن تُزَانِي) ويروى: أَن تَزني بحليلة جَارك قَوْله: (حَلِيلَة جَارك) أَي: امْرَأَة جَارك، وَالرجل حليل لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يحل على صَاحبه. وَقيل: حَلِيلَة بِمَعْنى محللة من الْحَلَال، وَإِنَّمَا عظم الزِّنَا بحليلة جَاره وَإِن كَانَ الزِّنَا كُله عَظِيما لِأَن الْجَار لَهُ من الْحُرْمَة وَالْحق مَا لَيْسَ لغيره، وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يُؤمن من لم يَأْمَن جَاره بوائقه) .

قَالَ يَحْيَاى وحدّثنا سُفْيانُ حدّثني واصلٌ عنْ أبي وائِلٍ عنْ عَبْدِ الله قلْتُ: يَا رسولَ الله} ... مِثْلهُ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٨٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ. ح. وَحَدَّثَنِي خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ تَوَكَّلْتُ لَهُ بِالْجَنَّةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الْفَوَاحِشَ) جَمْعُ فَاحِشَةٍ، وَهِيَ كُلُّ مَا اشْتَدَّ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا، وَكَذَا الْفَحْشَاءُ وَالْفُحْشُ وَمِنْهُ الْكَلَامُ الْفَاحِشُ، وَيُطْلَقُ غَالِبًا عَلَى الزِّنَا فَاحِشَةً وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ وَأُطْلِقَتْ عَلَى اللِّوَاطِ بِاللَّامِ الْعَهْدِيَّةِ فِي قَوْلِ لُوطٍ ﵇ لِقَوْمِهِ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حَدُّهُ حَدَّ الزَّانِي عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَزَعَمَ الْحَلِيمِيُّ أَنَّ الْفَاحِشَةَ أَشَدُّ مِنَ الْكَبِيرَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:

أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ مَنْ وَقَعَ لَهُ نَحْوُهَا كَالَّذِي دَعَا شَابًّا جَمِيلًا لِأَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَةً لَهُ جَمِيلَةً كَثِيرَةَ الْجِهَازِ جِدًّا لِيَنَالَ مِنْهُ الْفَاحِشَةَ، فَعَفَا الشَّابُّ عَنْ ذَلِكَ، وَتَرَكَ الْمَالَ وَالْجَمَالَ؛ وَقَدْ شَاهَدْتُ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ، مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ مُقَاتِلٍ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ.

قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ الْخَاصُّ عِنْدَ ابْنِ سَلَّامٍ، وَالَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْغَسَّانِيُّ قَاعِدَةً فِي تَفْسِيرِ مَنْ أُبْهِمَ وَاسْتَمَرَّ إِبْهَامُهُ، فَيَكُونُ كَثْرَةُ أَخْذِهِ وَمُلَازَمَتِهِ قَرِينَةً فِي تَعْيِينِهِ، أَمَّا إِذَا أَوْرَدَ التَّنْصِيصَ عَلَيْهِ فَلَا. وَقَدْ صَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَأَبِي الْوَقْتِ.

الحديث الثاني: قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ مُقَدَّمٍ بِوَزْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ عَمُّ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الرَّاوِي عَنْهُ، وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِالتَّدْلِيسِ لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الرِّقَاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَحْدَهُ، وَقَرَنَهُ هُنَا بِخَلِيفَةَ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ خَلِيفَةَ.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَوَكَّلَ لِي) أَيْ تَكَفَّلَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الرِّقَاقِ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: تَكَفَّلَ، وَبِلَفْظِ: حَفِظَ، وَهُوَ هُنَاكَ بِلَفْظِ: تَضَمَّنَ، وَأَصْلُ التَّوَكُّلِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْوُثُوقُ بِهِ، وَقَوْلُهُ: تَوَكَّلْتُ لَهُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ، وَقَوْلُهُ: مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَيْ فَرْجِهِ وَلَحْيَيْهِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ مَنْبَتُ اللِّحْيَةِ وَالْأَسْنَانِ، وَيَجُوزُ كَسْرُ اللَّامِ، وَثُنِّيَ لِأَنَّ لَهُ أَعْلَى وَأَسْفَلَ، وَالْمُرَادُ بِهِ اللِّسَانُ، وَقِيلَ: النُّطْقُ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الرِّقَاقِ حِفْظَ اللِّسَانِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ.

وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ لَهُ بِالْجَنَّةِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ بِحَذْفِ الْبَاءِ، وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَوْ كَأَنَّهُ ضَمَّنَ تَوَكَّلْتُ مَعْنَى ضَمِنْتُ.

٢٠ - بَاب إِثْمِ الزُّنَاةِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾

٦٨٠٨ - حدثنا دَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَنَسٌ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ - وَإِمَّا قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ - أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المقدّميُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) بضم عين الأول عمُّ محمَّد الرَّاوي عنه، وهو مدلِّسٌ لكنَّه صرَّحَ بالتَّحديث.

(ح) (١) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (خَلِيفَةُ) بن خيَّاط، واللَّفظُ له قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ ابْنُ عَلِيٍّ) بضم عين عُمر قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) سلمة بنُ دينار الأعرجُ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين فيهما (السَّاعِدِيِّ) ﵁ أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ تَوَكَّلَ) أي: من تكفَّلَ (لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ) فرجَهُ (وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة، منبت اللِّحية والأسنان، وثُنِّيَ باعتبار أنَّ له أعلى وأسفل، أي: لسانَهُ (٢) إذ أكثر بلاء الإنسان (٣) من الفرجِ واللِّسان (تَوَكَّلْتُ) تكفَّلت (لَهُ بِالجَنَّةِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «الجنَّة» بإسقاط حرف الجرِّ، أي: ضمنتُ له الجنَّة (٤).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث (٥) إنَّ من حفظَ لسانَه وفرجَه يكون له فضلُ من تَركَ الفواحشَ. وأخرجه (٦) التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.

(٢٠) (بابُ إِثْمِ الزُّنَاةِ) بضم الزاي، جمع: زانٍ، كعُصَاة جمع: عاصٍ (قَوْلُ اللهِ) بالرَّفع على الاستئنافِ، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله» (تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق في سورة الفرقان: (﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) وأوَّلها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ قال القاضي ناصر الدِّين: نفى عنهم أمَّهات المعاصِي بعدما أثبتَ لهم أصول الطَّاعات إظهارًا لكمالِ إيمانهم، وإشعارًا بأنَّ الأجر المذكور موعودٌ للجامعِ بين ذلك، وتعريضًا للكفرةِ بأضدادهِ، وقول الله تعالى في سورة الإسراء: (﴿وَلَا تَقْرَبُواْ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٩١ - (بابُ فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الفَواحِشَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من ترك الْفَوَاحِش جمع فَاحِشَة وَهِي كل مَا اشْتَدَّ قبحه من الذُّنُوب فعلا أَو قولا، وَكَذَا الْفَحْشَاء وَالْفُحْش، وَمِنْه الْكَلَام الْفَاحِش، وَيُطلق غَالِبا على الزِّنَا وَمِنْه قَوْله عز وَجل: {وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة} (الْإِسْرَاء: ٢٣) .

٦٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامِ أخبرنَا عَبْدُ الله عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ خُبَيْبِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ حَفْصٍ بنِ عاصِمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله يَوْمَ القِيامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلاّ ظِلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأ فِي عِبادَةِ الله، ورَجُلٌ ذَكَرَ الله فِي خَلاءِ فَفاضَتْ عَيْناهُ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسْجِدِ، ورَجُلانِ تَحابَّا فِي الله، ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمالٍ إِلَى نَفْسِها، قَالَ: إِنِّي أخافُ الله، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفاها حتَّى لَا تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة) إِلَى قَوْله: (وَرجل تصدق) وَلَا يخفى فضل هَذَا، عِنْد الله تَعَالَى.

قَوْله: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام ويروى حَدثنِي مُحَمَّد بن سَلام، وَقد وَقع فِي غَالب النّسخ: مُحَمَّد، غير مَنْسُوب فَقَالَ أَبُو عَليّ الغساني: وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ مُحَمَّد بن مقَاتل، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ مُحَمَّد بن سَلام. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْأول هُوَ الصَّوَاب.

قلت: لِأَنَّهُ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد أخبرنَا عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك وَمُحَمّد بن مقَاتل مَشْهُور بالرواية عَنهُ وَكِلَاهُمَا مروزيان، وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ بَاء مُوَحدَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن خبيب الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَحَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة عَن مُسَدّد، وَفِي الصَّلَاة وَفِي الرقَاق عَن مُحَمَّد بن بشار، ومضي الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (إلَاّ ظله) إِضَافَة الظل إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة تشريف إِذْ الظل الْحَقِيقِيّ هُوَ منزه عَنهُ لِأَنَّهُ من خَواص الْأَجْسَام، وَقيل: ثمَّة مَحْذُوف أَي: ظلّ عَرْشه، وَقيل: المُرَاد مِنْهُ الكنف من المكاره فِي ذَلِك الْموقف الَّذِي تَدْنُو الشَّمْس مِنْهُم ويشتد عَلَيْهِم الْحر ويأخذهم الْعرق، يُقَال: فلَان فِي ظلّ فلَان أَي: فِي كنفه وحمايته. قَوْله: (عَادل) هُوَ الْوَاضِع كل شَيْء فِي مَوْضِعه. قَوْله: (وشاب) قيل: لم يقل: رجل، لِأَن الْعِبَادَة فِي الشَّاب أشق وَأَشد لغَلَبَة الشَّهَوَات. قَوْله: (فِي خلاء) أَي: فِي مَوضِع هُوَ وَحده إِذْ لَا يكون فِيهِ شَائِبَة الرِّيَاء. قَوْله: (فَفَاضَتْ عَيناهُ) قيل: الْعين لَا تقبض بل الدمع. وَأجِيب: أَنه أسْند الْفَيْض إِلَيْهَا مُبَالغَة كَقَوْلِه تَعَالَى: {ترى أَعينهم تفيض من الدمع} (الْمَائِدَة: ٣٨) قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) أَي: بِالْمَسْجِدِ، وَمَعْنَاهُ شَدِيد الْمُلَازمَة للْجَمَاعَة فِيهِ. قَوْله: (تحابا) أَصله: تحابيا أدغمت الْبَاء فِي الْبَاء قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ نَحْو تبَاعد، إِلَّا نَحْو: تجاهلا، قَوْله: (فِي الله) أَي: بِسَبَبِهِ كَمَا ورد: فِي النَّفس المؤمنة مائَة من إبل أَي: بِسَبَبِهَا أَي: لَا تكون الْمحبَّة لغَرَض دُنْيَوِيّ. قَوْله: (ذَات منصب) أَي: ذَات حسب وَنسب وخصصها بِالذكر لِكَثْرَة الرَّغْبَة فِيهَا. قَوْله: (لَا تعلم) يجوز بِالرَّفْع وَالنّصب وَذكر الْيَمين وَالشمَال مُبَالغَة فِي الْإخْفَاء أَي: لَو قدرت الشمَال رجلا متيقظاً لما علم صَدَقَة الْيَمين لمبالغته فِي الْإِسْرَار وَهَذَا فِي صَدَقَة التَّطَوُّع.

٧٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ حدّثنا عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ.

(ح) وحدّثني خَلِيفَةُ حدّثنا عُمَرُ بنُ عَليٍّ حدّثنا أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ تَوَكَّلْتُ لهُ بالجَنَّةِ) . (انْظُر الحَدِيث ٤٧٤٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من حفظ لِسَانه وفرجه يكون لَهُ فضل من ترك الْفَوَاحِش.

وَمُحَمّد بن أبي بكر الْمقدمِي بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول من التَّقْدِيم، يروي عَن عَمه عمر بن عَليّ وَهُوَ مَوْصُوف بالتدليس، لكنه صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذِه

الرِّوَايَة، وَقد أوردهُ فِي الرقَاق عَن مُحَمَّد بن أبي بكر وَحده وقرنه هُنَا بخليفة بن خياط. وسَاق الحَدِيث على لفظ خَليفَة وَهُوَ أَيْضا من مشايخه، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي واسْمه سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب.

قَوْله: (من توكل) أَي: من تكفل، وأصل التَّوْكِيل الِاعْتِمَاد على الشَّيْء والوثوق بِهِ. قَوْله: (مَا بَين رجلَيْهِ) أَي: فرجه. قَوْله: (وَمَا بَين لحييْهِ) أَي: لِسَانه، وَقيل: نطقه ولحييه بفت اللَّام وَهُوَ مبنت اللِّحْيَة والأسنان وَيجوز كسر اللَّام، وَإِنَّمَا ثنى لِأَن لَهُ أَعلَى وأسفل، وَأكْثر بلَاء الْإِنْسَان من هذَيْن العضوين، فَمن سلم من ضررهما فقد سلم من الْعَذَاب. قَوْله: (لَهُ بِالْجنَّةِ) ، بِالْبَاء عِنْد الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي بِحَذْف الْبَاء.

٠٢ - (بابُ إثْمِ الزُّناةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم الزناة، وَهُوَ جمع زانٍ كعصاة جمع عَاص، وَتعلق هَذَا الْبَاب بِالْكتاب ارْتِكَاب مَا حرم الله وَهُوَ دَاخل فِي محاربة الله وَرَسُوله.

وقَوْلِ الله تَعَالَى: {وَلَا يزنون} (الْفرْقَان: ٨٦) {وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة وساء سَبِيلا} (الْإِسْرَاء: ٢٣)

وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على إِثْم الزناة. قَوْله: {وَلَا يزنون} من الْآيَة الَّتِي فِي الْفرْقَان وأولها: {وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إلاّ بِالْحَقِّ وَلَا يزنون} ... الْآيَة وَعَن ابْن عَبَّاس أَن نَاسا من أهل الشّرك قد قتلوا فَأَكْثرُوا وزنوا فَأَكْثرُوا ثمَّ أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالُوا: إِن الَّذِي تَقول وتدعونا إِلَيْهِ لحسن لَو تخبرنا أَن لما عَمِلْنَاهُ كَفَّارَة، فَنزلت: {وَالَّذين لَا يدعونَ} الْآيَة وَقيل: نزلت فِي وَحشِي غُلَام بن مطعم. قَوْله: {وَلَا تقربُوا} الْآيَة بِالْقصرِ على الْأَكْثَر والمدلغة، وَالْمرَاد مِنْهُ النَّهْي عَن مُقَدمَات الزِّنَا كالمس والتقبيل وَنَحْوهمَا، وَلَو كَانَ المُرَاد مِنْهُ نفس الزِّنَا لقَالَ: لَا تَزْنُوا.

٩٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى أخبرنَا إسْحاقُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا الفُضَيْلُ بنُ غَزْوانَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَزْنِي العَبْدُ حِينَ يَزْنِي وهْوَ مُؤْمنٌ،

وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ حينَ يَشْرَبُ وهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ وهْوَ مُؤْمِنٌ) . (انْظُر الحَدِيث ٢٨٧٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي أول الحَدِيث وَإِسْحَاق بن يُوسُف الوَاسِطِيّ الْمَعْرُوف بالأزرق، والفضيل مصغر فضل بالضاد الْمُعْجَمَة ابْن غَزوَان بِفَتْح الْعين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الزَّاي.

والْحَدِيث مر فِي أول كتاب الْحُدُود وَهُنَاكَ فِيهِ: قَضِيَّة النهبة، وَهنا قَوْله: وَلَا يقتل وَهُوَ مُؤمن وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الإيمانُ مِنْهُ؟ قَالَ: هاكَذَا، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ثُمَّ أخْرَجَها، فإنْ تابَ عادَ إلَيْهِ هاكَذا، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ.

قَوْله: (قَالَ عِكْرِمَة) ، مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (كَيفَ ينْزع الْإِيمَان مِنْهُ؟) يَعْنِي: عِنْد ارْتِكَاب إِحْدَى هَذِه الْأُمُور الْمَذْكُورَة وَهِي الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر وَقتل النَّفس الْمُحرمَة. قَوْله: (فَإِن تَابَ) أَي: المرتكب من هَذِه الْأُمُور عَاد أَي الْإِيمَان إِلَيْهِ.

٠١٨٦ - حدّثنا آدَمُ حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ ذَكْوَان عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُ وهْوَ مُؤْمِنٌ، والتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن) .

وآدَم هوابن أبي إِيَاس يروي عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن ذكْوَان بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة هُوَ أَبُو صَالح الزيات.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان، وَالنَّسَائِيّ فِي الْقطع وهما جَمِيعًا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى.

قَوْله: (وَالتَّوْبَة معروضة بعد) أَي: معروضة على فاعلها بعد ذَلِك، يَعْنِي: بَاب التَّوْبَة مَفْتُوح عَلَيْهِ بعد فعلهَا.

١١٨٦ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَليٍّ حَدثنَا يَحْيَاى حَدثنَا سُفْيانُ قَالَ: حدّثني مَنْصُورٌ وسُلَيْمانُ عنْ أبي وائِلٍ عنْ أبي مَيْسَرَةَ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رسُولَ الله {أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قَالَ: قَوْله: (أنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وهْوَ خَلَقَكَ) قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: (أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أجْلِ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: (أنْ تُزَانِيَ حَليلَةَ جارِكَ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَن تُزَانِي حَلِيلَة جَارك) . وَعَمْرو بِالْوَاو ابْن عَليّ هُوَ الفلاس، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَسليمَان هُوَ ابْن مهْرَان الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو ميسرَة ضد الميمنة اسْمه عمر بن شُرَحْبِيل، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

قَوْله: (أَي الذَّنب أعظم؟) هَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَقع فِي رِوَايَة عَاصِم عَن أبي وَائِل عَن عبد الله: أعظم الذَّنب عِنْد الله. وَفِي رِوَايَة أبي عُبَيْدَة بن معن عَن الْأَعْمَش: أَي الذُّنُوب أكبر عِنْد الله؟ وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عِنْد أَحْمد وَغَيره: أَي الذَّنب أكبر؟ وَفِي رِوَايَة الْحُسَيْن بن عبد الله عَن وَائِل: أكبر الْكَبَائِر.

والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير عَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة. وَفِيه أَيْضا: عَن مُسَدّد وَفِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن كثير وَسَيَجِيءُ فِي التَّوْحِيد عَن قُتَيْبَة.

قَوْله: (من أجل) فِي كثير من النّسخ: أجل، بِدُونِ كلمة: من، بِفَتْح اللَّام وَفَسرهُ الشُّرَّاح بِمن أجل فَحذف الْجَار وانتصب، وَذكر الْأكل لِأَنَّهُ كَانَ الْأَغْلَب من حَال الْعَرَب. قَوْله: (أَن تُزَانِي) ويروى: أَن تَزني بحليلة جَارك قَوْله: (حَلِيلَة جَارك) أَي: امْرَأَة جَارك، وَالرجل حليل لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يحل على صَاحبه. وَقيل: حَلِيلَة بِمَعْنى محللة من الْحَلَال، وَإِنَّمَا عظم الزِّنَا بحليلة جَاره وَإِن كَانَ الزِّنَا كُله عَظِيما لِأَن الْجَار لَهُ من الْحُرْمَة وَالْحق مَا لَيْسَ لغيره، وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يُؤمن من لم يَأْمَن جَاره بوائقه) .

قَالَ يَحْيَاى وحدّثنا سُفْيانُ حدّثني واصلٌ عنْ أبي وائِلٍ عنْ عَبْدِ الله قلْتُ: يَا رسولَ الله} ... مِثْلهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.5 / 29.5
الإضاءة 26%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56