«جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٤٥

الحديث رقم ٩٤٥ من كتاب «أبواب صلاة الخوف» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاء عمر يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش…

«جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : وَأَنَا وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ. قَالَ: فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا».

سند حديث: ٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا…

٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جاء عمر يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش…

جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بعد أن غربت الشمس وهو يسب كفار قريش؛ لأنهم شغلوه عن صلاة العصر؛ فلم يصلها حتى قربت الشمس من الغروب، فأقسم النبي صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق- أنه لم يصلها حتى الآن؛ ليطمئن عمر رضي الله عنه الذي شقَّ عليه الأمر.
ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ وتوضأ معه الصحابة، فصلى العصر بعد أن غربت الشمس، وبعد صلاة العصر، صلى المغرب.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الظاهر أن تأخير الصلاة في هذه القضية كان اشتغالًا بالقتال، قبل أن تشرع صلاة الخوف كما رجحه العلماء.
  • جواز الدعاء على الظالم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينكر ذلك.
  • جواز حلف الصادق، ولو لم يُستحلف.
  • عدم كراهية قول القائل: "ما صلينا".
  • مشروعية تهوين المصائب على المصابين.
  • وجوب قضاء الفوائت من الصلوات الخمس.
  • دليل على تقديم الغائبة على الحاضرة في القضاء ما لم يضق وقت الحاضرة، فعند ذلك تقدم؛ كيلا تكثر الفوائت.
  • مشروعية الجماعة في قضاء الفوائت.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جاء عمر يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنَ التَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ، وَسَيَأْتِي عَنْ بَعْضِهِمْ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ أَسْهَلُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: قَصْرُ الْخَوْفِ قَصْرُ هَيْئَةٍ لَا قَصْرُ عَدَدٍ، وَتَأَوَّلُوا رِوَايَةَ مُجَاهِدٍ هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الثَّانِيَةِ، وَقَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لَمْ يَقْضُوا أَيْ لَمْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ بَعْدَ الْأَمْنِ (١) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَائِدَةٌ): لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ تَعَرُّضٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا قَصْرٌ، وَاخْتَلَفُوا هَلِ الْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأُولَى ثِنْتَيْنِ وَالثَّانِيَةِ وَاحِدَةً أَوِ الْعَكْسُ.

٤ - بَاب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ.

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ، أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ لَا يُجْزِئُهُمْ التَّكْبِيرُ، وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا. وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أَنَسُ: حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى. فَفُتِحَ لَنَا. وَقَالَ أَنَسُ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.

٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ، قَالَ: فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ) أَيْ عِنْدَ إِمْكَانِ فَتْحِهَا، وَغَلَبَةِ الظَّنِّ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَلِقَاءُ الْعَدُوِّ) وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ خَصَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لِاجْتِمَاعِ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، فَإِنَّ الْخَوْفَ يَقْتَضِي مَشْرُوعِيَّةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ بِحُصُولِ الظَّفَرِ يَقْتَضِي اغْتِفَارَ التَّأْخِيرِ لِأَجْلِ اسْتِكْمَالِ مَصْلَحَةِ الْفَتْحِ، فَلِهَذَا خَالَفَ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْحُكْمَ فِي غَيْرِهَا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَخْ) كَذَا ذَكَرَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ.

قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ) أَيْ تَمَكَّنَ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ إِنْ كَانَ بِهَا الْفَتْحُ بِمُوَحَّدَةٍ وَهَاءِ الضَّمِيرِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ) قِيلَ: فِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنِ الْإِيمَاءِ لَا يَتَعَذَّرُ مَعَ حُصُولِ الْعَقْلِ، إِلَّا أَنْ تَقَعَ دَهْشَةٌ فَيَعْزُبُ اسْتِحْضَارُهُ ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مَنْ بَاشَرَ الْحَرْبَ وَاشْتِغَالَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ إِذَا اشْتَغَلَتْ عَرَفَ كَيْفَ يَتَعَذَّرُ الْإِيمَاءُ، وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ لِلِاشْتِغَالِ بِالْقِتَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ كَانَ يَرَى اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ شَرْطًا فِي الْإِيمَاءِ فَيُتَصَوَّرُ الْعَجْزُ عَنِ الْإِيمَاءِ إِلَيْهَا حِينَئِذٍ.

قَوْلُهُ: (فَلَا يُجْزِيهِمُ التَّكْبِيرُ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى

خِلَافِ مَنْ قَالَ يُجْزِئُ كَالثَّوْرِيِّ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الْبُخْتُرِيِّ فِي آخَرِينَ قَالُوا: إِذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَتِلْكَ صَلَاتُهُمْ بِلَا إِعَادَةٍ وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَكَمِ: إِذَا كَانَ عِنْدَ الطِّرَادِ وَالْمُسَابَقَةِ (١) يُجْزِئُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الرَّجُلِ تَكْبِيرًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ أَجْزَأَتْهُ أَيْنَ كَانَ وَجْهُهُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: يُجْزِئُ عِنْدَ الْمُسَابَقَةِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ يُومِئُ بِهَا إِيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَسَجْدَةٌ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَتَكْبِيرَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَّةً مِنْ كَلَامِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَعْلِيقِ الْبُخَارِيِّ. انْتَهَى. وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ (٢) الْأَوْزَاعِيِّ بِلَفْظِ إِذَا لَمْ يَقْدِرِ الْقَوْمُ عَلَى أَنْ يُصَلُّوا عَلَى الْأَرْضِ صَلَّوْا عَلَى ظَهْرِ الدَّوَابِّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَرَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا بِالْأَرْضِ.

(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ ابْنُ رَشِيدٌ أَنَّ سِيَاقَ الْبُخَارِيِّ لِكَلَامِ الْأَوْزَاعِيِّ مُشَوَّشٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ الْإِيمَاءَ مَشْرُوطًا بِتَعَذُّرِ الْقُدْرَةِ، وَالتَّأْخِيرَ مَشْرُوطًا بِتَعَذُّرِ الْإِيمَاءِ، وَجَعَلَ غَايَةَ التَّأْخِيرِ انْكِشَافَ الْقِتَالِ، ثُمَّ قَالَ: أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فَجَعَلَ الْأَمْنَ قَسِيمَ الِانْكِشَافِ يَحْصُلُ الْأَمْنُ فَكَيْفَ يَكُونُ قَسِيمَهُ؟ وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الِانْكِشَافَ قَدْ يَحْصُلُ وَلَا يَحْصُلُ الْأَمْنُ لِخَوْفِ الْمُعَاوَدَةِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْنَ يَحْصُلُ بِزِيَادَةِ الْقُوَّةِ وَاتِّصَالِ الْمَدَدِ بِغَيْرِ انْكِشَافٍ، فَعَلَى هَذَا فَالْأَمْنُ قَسِيمُ الِانْكِشَافِ أَيُّهُمَا حَصَلَ اقْتَضَى صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَمَعْنَاهُ عَلَى صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ فَوَاحِدَةً وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا أَخَّرُوا أَيْ حَتَّى يَحْصُلَ الْأَمْنُ التَّامُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ) وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْهُ، وَذَكَرَهُ خَلِيفَةُ فِي تَارِيخِهِ وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْبَصْرَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، وَلَفْظُ عُمَرَ سَأَلَ قَتَادَةَ عَنِ الصَّلَاةِ إِذَا حَضَرَ الْقِتَالَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُمْ فَتَحُوا تُسْتَرَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى مُقَدِّمَةِ النَّاسِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ - يَعْنِي أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ - أَمِيرُهُمْ.

قَوْلُهُ: (تُسْتَرُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ أَيْضًا بَلَدٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادِ الْأَهْوَازِ، وَذَكَرَ خَلِيفَةُ أَنَّ فَتْحَهَا كَانَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى كَيْفِيَّتِهِ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (اشْتِعَالُ الْقِتَالِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ عَنِ النُّزُولِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ عَنِ الْإِيمَاءِ أَيْضًا، فَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَجَزَمَ الْأَصِيلِيُّ بِأَنَّ سَبَبَهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا إِلَى الْوُضُوءِ سَبِيلًا مِنْ شِدَّةِ الْقِتَالِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ) فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ.

قَوْلُهُ: (مَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ) أَيْ بَدَلَ تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) فِي رِوَايَةِ خَلِيفَةَ: الدُّنْيَا كُلُّهَا، وَالَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ هَذَا أَنَّ مُرَادَهُ الِاغْتِبَاطُ بِمَا وَقَعَ، فَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ عَلَى هَذَا هِيَ الْمَقْضِيَّةُ الَّتِي وَقَعَتْ، وَوَجْهُ اغْتِبَاطِهِ كَوْنُهُمْ لَمْ يَشْتَغِلُوا عَنِ الْعِبَادَةِ إِلَّا بِعِبَادَةٍ أَهَمَّ مِنْهَا عِنْدَهُمْ (٣)، ثُمَّ تَدَارَكُوا مَا فَاتَهُمْ مِنْهَا فَقَضَوْهُ، وَهُوَ كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَوْ طَلَعْتَ لَمْ تَجِدْنَا غَافِلِينَ وَقِيلَ: مُرَادُ أَنَسٍ الْأَسَفُ عَلَى التَّفْوِيتِ الَّذِي وَقَعَ لَهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْفَائِتَةِ وَمَعْنَاهُ: لَوْ كَانَتْ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فوقيَّتين أولاهما مضمومةٌ والثَّانية مفتوحةٌ بينهما سينٌ (١) مُهمَلةٌ ساكنةٌ آخره راءٌ مُهمَلةٌ، مدينةٌ مشهورةٌ من كور الأهواز، فُتِحت سنة عشرين في خلافة عمر (عِنْدَ إِضَاءَةِ الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ) بالعين المهملة، وتشبيه القتال بالنَّار استعارةٌ بالكناية (فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ) لعجزهم عن النُّزول، أو عن الإيماء، فيوافق السَّابق عن الأوزاعيِّ، أو أنَّهم لم يجدوا إلى الوضوء سبيلًا من شدَّة القتال، وبه جزم الأَصيليُّ (فَلَمْ نُصَلِّ (٢) إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ) في رواية عمر (٣) بن شَبَّة: حتَّى انتصف النَّهار (فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (فَفُتِحَ لَنَا) الحصن. (وَقَالَ) وللأَصيليِّ: «فقال» ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قال» (أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ: (وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ) أي: بدل تلك الصَّلاة ومقابلها (٤)، فالباء للبدليَّة كقوله:

فليتَ لِي بهم قَومًا إذا رَكِبُوا .....................

وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من تلك الصَّلاة» (الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا).

٩٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي كما في فرع «اليونينيَّة»: «يحيى بن

جعفرٍ البخاريُّ» البيكنديُّ، وهو من أفراد البخاريِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف (عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ) ولابن عساكر: «ابن المبارك» (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، ابن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (قَالَ: جَاءَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (يَوْمَ) حفر (الخَنْدَقِ) لمَّا تحزبت الأحزاب سنة أربعٍ (فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ) لتسبُّبهم في اشتغال المؤمنين بالحفر عن الصَّلاة حتَّى فاتت (وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ) فيه: دخول «أنْ» على خبر «كاد»، والأكثر تجريده منها كما في رواية أبي ذَرٍّ: «حتَّى كادت الشَّمس تغيب» وظاهره أنَّه صلَّى قبل الغروب، لكن (١) قد يُمنَع ذلك بأنَّه إنَّما يقتضي أنَّ كيدودته كانت عند كيدودتها، ولا يلزم منه وقوع الصَّلاة فيها، بل يلزم أ لَّا تقع الصَّلاة فيها، إذ حاصله عرفًا: ما صلَّيت حتَّى غربت الشَّمس (فَقَالَ النَّبِيُّ ) تطييبًا لقلب عمر لمَّا شقَّ عليه تأخيرها (٢): (وَأَنَا -وَاللهِ- مَا صَلَّيْتُهَا) أي: العصرَ (بَعْدُ. قَالَ) جابرٌ: (فَنَزَلَ) (إِلَى بُطْحَانَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون المُهمَلة غير منصرفٍ، كذا يرويه المحدِّثون، وعند اللُّغويِّين بفتح المُوحَّدة وكسر الطَّاء (فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ) وهذا التَّأخير كان (٣) قبل صلاة الخوف ثمَّ نُسِخَ، أو كان

نسيانًا، أو عمدًا لتعذُّر الطَّهارة، أو للشُّغل بالقتال، وإليه ذهب البخاريُّ هنا (١)، ونزَّل عليه الآثار الَّتي (٢) ترجم لها (٣) بالشُّروط المذكورة، وهو موضع الجزء الثَّاني من التَّرجمة، وهو (٤) لقاء العدوِّ، ومن جملة أحكامه المذكورة: تأخير الصَّلاة إلى وقت الأمن، وكذا في الحديث: أخَّر الصَّلاة حتَّى نزل بُطْحان (ثُمَّ صَلَّى) (المَغْرِبَ بَعْدَهَا) أي: بعد العصر.

وسبق الحديث بمباحثه في «باب من صلَّى بالنَّاس جماعةً بعد ذهاب الوقت» [خ¦٥٩٦].

(٥) (بابُ صَلَاةِ الطَّالِبِ وَ) صلاة (المَطْلُوبِ) حال كونه (رَاكِبًا وَإِيمَاءً) مصدر «أومأ»، كذا لأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «إيماءً» ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن الحَمُّويي: «وقائمًا» بالقاف من القيام (٥)، وفي روايةٍ: «أو قائمًا» وقد (٦) اتَّفقوا على صلاة المطلوب راكبًا، واختلفوا في الطَّالب، فمنعه الشَّافعيُّ وأحمد رحمهما الله، وقال مالكٌ: يصلِّي راكبًا حيث توجَّه إذا خاف فوت العدوِّ إن نزل.

(وَقَالَ الوَلِيدُ) بن مسلمٍ القرشيُّ الأمويُّ: (ذَكَرْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ) بضمِّ الشِّين المُعجَمة وفتح الرَّاء وسكون الحاء المُهمَلة وكسر المُوحَّدة في الأوَّل، وكسر السِّين المهملة وسكون الميم في الثَّاني كذا في الفرع، وضبطه ابن الأثير بفتحٍ ثمَّ كسرٍ كـ «كَتِفٍ»، الكنديِّ، المُختلَف في صحبته، وليس له في «البخاريِّ» غير هذا الموضع (وَ) صلاة (أَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، فَقَالَ) أي: الأوزاعيُّ، ولابن عساكر: «قال»: (كَذَلِكَ الأَمْرُ) أي: أداء (١) الصَّلاة على ظهر الدَّابَّة بالإيماء هو الشَّأن والحكم (عِنْدَنَا إِذَا تَُخَُوَِّّفَ) الرَّجل (الفَوْتَُ) بفتح أوَّل «تَخوَّف» مبنيًّا للفاعل، و «الفَوْتَ»: نُصِب على المفعوليَّة، ويجوز -كما في الفرع وأصله- ضبطه بالبناء للمفعول، ورفع «الفوت» نائبًا عن الفاعل، زاد المُستملي فيما ذكره في «الفتح»: «في الوقت» (وَاحْتَجَّ الوَلِيدُ) لمذهب الأوزاعيِّ في مسألة الطَّالب (بِقَوْلِ النَّبِيِّ ) الآتي [خ¦٩٤٦]: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) لأنَّه لم يعنِّف على تأخيرها عن وقتها المفترض، وحينئذٍ فصلاة من لا يفوِّت الوقت بالإيماء، أو بما يمكن، أولى من تأخيرها حتَّى يخرج وقتها. وقد أخرج أبو داود في «صلاة الطَّالب» حديث عبد الله بن أُنَيْسٍ؛ إذ بعثه النَّبيُّ إلى سفيان الهُذَلِيِّ،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَبَّاس إِذا كَانَ الْعَدو فِي الْقبْلَة أَن يُصَلِّي على هَذِه الصّفة وَهُوَ مَذْهَب ابْن أبي ليلى وَحكى ابْن الْقصار عَن الشَّافِعِي نَحوه وَقَالَ الطَّحَاوِيّ ذهب أَبُو يُوسُف إِلَى أَن الْعَدو إِذا كَانَ فِي الْقبْلَة فَالصَّلَاة هَكَذَا وَإِذا فِي غَيرهَا فَالصَّلَاة كَمَا روى ابْن عمر وَغَيره قَالَ وَبِهَذَا تتفق الْأَحَادِيث قَالَ وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَاف التَّنْزِيل لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون قَوْله (ولتأت طَائِفَة أُخْرَى لم يصلوا فليصلوا مَعَك) إِذا كَانَ الْعَدو فِي غير الْقبْلَة ثمَّ أُوحِي إِلَيْهِ بعد ذَلِك كَيفَ حكم الصَّلَاة إِذا كَانُوا فِي الْقبْلَة فَفعل الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا كَمَا جَاءَ الخبران وَترك مَالك وَأَبُو حنيفَة الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث لمُخَالفَته لِلْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله {ولتأت طَائِفَة أُخْرَى} الْآيَة وَالْقُرْآن يدل على مَا جَاءَت بِهِ الرِّوَايَات فِي صَلَاة الْخَوْف عَن ابْن عمر وَغَيره من دُخُول الطَّائِفَة الثَّانِيَة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَلم يَكُونُوا صلوا قبل ذَلِك وَقَالَ أَشهب وَسَحْنُون إِذا كَانَ الْعَدو فِي الْقبْلَة لَا أحب أَن يصلى بالجيش أجمع لِأَنَّهُ يتَعَرَّض أَن يفتنه الْعَدو ويشغلوه وَيصلى بطائفتين شبه صَلَاة الْخَوْف وَالله تَعَالَى أعلم -

٤ - (بابُ الصَّلاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الحُصُونِ وَلِقَاءِ العَدُوِّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة عِنْد مناهضة الْحُصُون. يُقَال: ناهضته أَي: قاومته، وتناهض الْقَوْم فِي الْحَرْب: إِذا نَهَضَ كل فريق إِلَى صَاحبه، وثلاثيه من بَاب: فعل يفعل بِالْفَتْح فيهم، يُقَال: نَهَضَ ينْهض نهضا ونهوضا ونهوا أَي: قَامَ، وأنهضته أَنا فانتهض واستنهضته لأمر كَذَا، إِذا أَمرته بالنهوض. والحصون جمع: حصن، بِكَسْر الْحَاء، وَقد فسر الْجَوْهَرِي: القلعة بالحصن، حَيْثُ قَالَ: القلعة الْحصن على الْجَبَل، وَالظَّاهِر أَن بَينهمَا فرق بِاعْتِبَار الْعرف، فَإِن القلعة تكون أكبر من الْحصن، وَتَكون على الْجَبَل والسهل، والحصن غَالِبا يكون على الْجَبَل وألطف من القلعة. وأصل معنى الْحصن: الْمَنْع، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يمْنَع من فِيهِ مِمَّن يَقْصِدهُ. قَوْله: (ولقاء الْعَدو) أَي: وَالصَّلَاة عِنْد لِقَاء الْعَدو، واللقاء: الملاقاة، وَهَذَا الْعَطف من عطف الْعَام على الْخَاص.

وَقَالَ الأوْزَاعِيُّ إنْ كانَ تَهَيَّأ الفَتْحَ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صلَّوْا إيمَاءً كْلُّ امْرِىءٍ لِنَفْسِهِ فإنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإيمَاءِ أخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ أوْ يأمَنُوا فَيُصَلُّوًّ رَكْعَتَيْنِ فإنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلُّوْا رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَلَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ ويُؤَخِّرُوها حَتَّى يَأْمَنُوا

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَذْهَب عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ أَنه إِن كَانَ تهَيَّأ الْفَتْح، أَي: تمكن فتح الْحصن. وَالْحَال أَنهم لم يقدروا على الصَّلَاة، أَي: على إِتْمَامهَا أفعالاً وأركانا. وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: إِن كَانَ بهَا الْفَتْح، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وهاء الضَّمِير، قيل: إِنَّه تَصْحِيف. قَوْله: (صلوا إِيمَاء) أَي: صلوا مومئين إِيمَاء. قَوْله: (كل امرىء لنَفسِهِ) أَي: كل شخص يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ مُنْفَردا بِدُونِ الْجَمَاعَة. قَوْله: (لنَفسِهِ) أَي: لأجل نَفسه دون غَيره بِأَن لَا يكون أماما لغيره. قَوْله: (فَإِن لم يقدروا على الْإِيمَاء) أَي: بِسَبَب اشْتِغَال الْقلب والجوارح، لِأَن الْحَرْب إِذا اشْتَدَّ غَايَة الاشتداد لَا يبْقى قلب الْمقَاتل وجوارحه إلاّ عِنْد الْقِتَال، ويتعذر عَلَيْهِ الْإِيمَاء. وَقيل: يحْتَمل أَن الْأَوْزَاعِيّ كَانَ يرى اسْتِقْبَال الْقبْلَة شرطا فِي الْإِيمَاء، فيعجز عَن الْإِيمَاء إِلَى جِهَة الْقبْلَة. فَإِن قلت: كَيفَ يتَعَذَّر الْإِيمَاء مَعَ حُصُول الْعقل؟ قلت: عِنْد وُقُوع الدهشة يُغلب الْعقل فَلَا يعْمل عمله. قَوْله: (أَو يأمنوا) اسْتشْكل فِيهِ ابْن رشيد بِأَنَّهُ جعل الْأَمْن قسيم الانكشاف، وَبِه يحصل الْأَمْن فَكيف يكون قسيمه؟ وَأجَاب الْكرْمَانِي عَن هَذَا فَقَالَ: قد ينْكَشف وَلَا يحصل الْأَمْن لخوف المعاودة، وَقد يَأْمَن لزِيَادَة الْقُوَّة وإيصال المدد مثلا، وَلم يكن منكشفا بعد. قَوْله: (فَإِن لم يقدروا) يَعْنِي: على صَلَاة رَكْعَتَيْنِ صلوا رَكْعَة وسجدتين، فَإِن لم يقدروا على صَلَاة رَكْعَة وسجدتين يؤخرون الصَّلَاة، فَلَا يجزيهم التَّكْبِير. وَقَالَ الثَّوْريّ: يجزيهم التَّكْبِير، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَطاء وَسَعِيد بن جُبَير وَأبي البخْترِي فِي آخَرين، قَالُوا: إِذا التقى الزحفان وَحَضَرت الصَّلَاة فَقَالُوا: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إلاّ الله وَالله أكبر، فَتلك صلَاتهم بِلَا إِعَادَة. وَعَن مُجَاهِد وَالْحكم: إِذا كَانَ عِنْد الطراد والمسايفة يجزىء أَن تكون صَلَاة الرجل تَكْبِيرا، فَإِن لم يُمكن إلاّ تَكْبِيرَة أَجْزَأته ايْنَ كَانَ وَجهه. وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: تجزىء عِنْد المسايفة رَكْعَة وَاحِدَة يومىء بهَا إِيمَاء فَإِن لم يقدر فسجدة، فَإِن لم يقدر فتكبيرة. قَوْله: (حَتَّى يأمنوا) أَي: حَتَّى يحصل لَهُم الْأَمْن التَّام، وَحجَّة الْأَوْزَاعِيّ فِيمَا قَالَه حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى

عَنهُ: إِن لم يقدر على الْإِيمَاء أخر الصَّلَاة حَتَّى يُصليهَا كَامِلَة، وَلَا يجزىء عَنْهَا تَسْبِيح وَلَا تهليل، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أَخّرهَا يَوْم الخَنْدَق. وَهَذَا اسْتِدْلَال ضَعِيف، لِأَن آيَة صَلَاة الْخَوْف لم تكن نزلت قبل ذَلِك.

وبِهِ قالَ مَكْحُولٌ

أَي: بقول الْأَوْزَاعِيّ قَالَ مَكْحُول أَبُو عبد الله الدِّمَشْقِي فَقِيه أهل الشَّام التَّابِعِيّ، ولد مَكْحُول بكابل لِأَنَّهُ من سبيه، فَرفع إِلَى سعيد بن الْعَاصِ فوهب لأِمرأة من هُذَيْل فأعتقته، وَقيل غير ذَلِك. وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة. قَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ ثِقَة، وروى لَهُ البُخَارِيّ فِي (كتاب الْأَدَب) و (الْقِرَاءَة خلف الإِمَام) وروى لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: وَبِه قَالَ مَكْحُول، يحْتَمل أَن يكون من تَتِمَّة كَلَام الْأَوْزَاعِيّ، وَأَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ؟ قلت: الظَّاهِر أَنه تَعْلِيق وَصله عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) عَنهُ من غير طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ بِلَفْظ: إِذا لم يقدر الْقَوْم على أَن يصلوا على الأَرْض صلوا على ظهر الدَّوَابّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِن لم يقدروا فركعة وسجدتين، فَإِن لم يقدروا أخروا الصَّلَاة حَتَّى يأمنوا فيصلوا بِالْأَرْضِ.

وَقَالَ أنَسٌ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إضَاءَةِ الفَجْرِ واشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ نُصَلِّ إلاّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاها مَعَ أبِي مُوسى فَفُتِحَ لَنَا. وقالَ أنَسٌ وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا

هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة عَنهُ، وَقَالَ خَليفَة بن خياط فِي (تَارِيخه) : حَدثنَا ابْن زُرَيْع عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ: لم نصل يَوْمئِذٍ الْغَدَاة حَتَّى انتصف النَّهَار. قَالَ خَليفَة: وَذَلِكَ فِي سنة عشْرين. قَوْله: (تستر) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الثَّانِيَة وَفِي آخِره رَاء: وَهِي مَدِينَة مَشْهُورَة من كور الأهوار بخورستان، وَهِي بِلِسَان الْعَامَّة: ششتر، بشينين أولاهما مَضْمُومَة وَالثَّانيَِة سَاكِنة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. إعلم أَن تستر فتحت مرَّتَيْنِ الأولى: صلحا، وَالثَّانيَِة عنْوَة. قَالَ ابْن جرير: كَانَ ذَلِك فِي سنة سبع عشرَة فِي قَول سيف، وَقَالَ غَيره: سنة سِتّ عشرَة، وَقيل: فِي سنة تسع عشرَة. قَالَ الْوَاقِدِيّ: لما فرغ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ من فتح السوس صَار إِلَى تستر فَنزل عَلَيْهَا وَبهَا يَوْمئِذٍ الهرمزان، وَفتحت على يَدَيْهِ، ومسك الهرمزان وَأرْسل بِهِ إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَلم يقدروا على الصَّلَاة) إِمَّا للعجز عَن النُّزُول أَو عَن الإيما، وَجزم الْأصيلِيّ بِأَن سَببه أَنهم لم يَجدوا إِلَى الْوضُوء سَبِيلا من شدَّة الْقِتَال. قَوْله: (إِلَّا بعد ارْتِفَاع النَّهَار) وَفِي رِوَايَة عمر بن أبي شيبَة: (حَتَّى انتصف النَّهَار) . قَوْله: (مَا يسرني بِتِلْكَ الصَّلَاة) الْبَاء فِيهَا للمقابلة والبدلية، أَي: بدل تِلْكَ الصَّلَاة ومقابلتها. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من تِلْكَ الصَّلَاة. قَوْله: (الدُّنْيَا) فَاعل: (مَا يسرني) ، وَقيل: مَعْنَاهُ لَو كَانَت فِي وَقتهَا كَانَت أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَفِي رِوَايَة خَليفَة: (الدُّنْيَا كلهَا) بدل: (الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) .

٩٤٥ - حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا وَكِيعٌ عنْ عَلِيِّ بنِ المُبَارَكِ عنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ جاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ فجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ ويَقُولُ يَا رسُولَ الله مَا صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كادَت الشَّمْسُ أنْ تَغِيبَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا وَالله مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ قالَ فنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتوَضَّأَ وصَلَّى العَصْرَ بَعْدما غَابَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى المغْرِبَ بَعْدَهَا. .

مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة. وَهُوَ قَوْله: (ولقاء الْعَدو) ، وَكَانَ الحكم فِيهِ من جملَة الْأَحْكَام الَّتِي ذَكرنَاهَا تَأْخِير الصَّلَاة إِلَى وَقت الْأَمْن. وَفِي هَذَا الحَدِيث أَيْضا: أخرت الصَّلَاة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن عمر وَغَيرهمَا: حَتَّى نزلُوا إِلَى بطحان، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: وادٍ بِالْمَدِينَةِ، فصلواها فِيهِ. وَصرح هَهُنَا بِأَن الْفَائِتَة هِيَ صَلَاة الْعَصْر، وَفِي (الْمُوَطَّأ) : الظّهْر وَالْعصر. وَفِي النَّسَائِيّ: الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء. وَفِي التِّرْمِذِيّ: أَربع صلوَات. وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث

من سَائِر الْوُجُوه فِي: بَاب من صلى بِالنَّاسِ جمَاعَة بعد ذهَاب الْوَقْت، لِأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن معَاذ بن فضَالة عَن هِشَام عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن جَابر، وَهَهُنَا أخرجه: عَن يحيى بن جَعْفَر، والنسخ مُخْتَلفَة فِيهِ فَفِي أَكثر الرِّوَايَات: حَدثنَا يحيى حَدثنَا وَكِيع، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: يحيى بن مُوسَى، وَوَقع فِي نُسْخَة صَحِيحَة بعلامة الْمُسْتَمْلِي: يحيى بن جَعْفَر، وَوَقع فِي بعض النّسخ: يحيى ابْن مُوسَى بن جَعْفَر، وَهُوَ غلط. وَالنُّسْخَة الْمُعْتَمد عَلَيْهَا: يحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ يحيى البيكندي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَأما يحيى بن مُوسَى بن عبد ربه بن سَالم فَهُوَ الملقب: بخت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ أَيْضا من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَهُوَ أَيْضا من أَفْرَاده، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْبيُوع وَالْحج ومواضع، وَقَالَ: مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ.

ثمَّ اخْتلفُوا فِي سَبَب تَأْخِير الصَّلَاة يَوْم الخَنْدَق، فَقَالَ بَعضهم: اخْتلفُوا هَل كَانَ نِسْيَانا أَو عمدا، وعَلى الثَّانِي: هَل كَانَ للشغل بِالْقِتَالِ أَو لتعذر الطَّهَارَة؟ أَو قبل نزُول آيَة الْخَوْف؟ انْتهى. قلت: الْأَحْسَن فِي ذَلِك مَعَ مُرَاعَاة الْأَدَب هُوَ الَّذِي قَالَه الطَّحَاوِيّ: وَقد يجوز أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يصل يَوْمئِذٍ يَعْنِي: يَوْم الخَنْدَق لِأَنَّهُ كَانَ يُقَاتل، فالقتال عمل وَالصَّلَاة لَا يكون فِيهَا عمل، وَقد يجوز أَن يكون: لم يصل يَوْمئِذٍ لِأَنَّهُ لم يكن أَمر حِينَئِذٍ أَن يُصَلِّي رَاكِبًا. وَأما الْقِتَال فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يبطل الصَّلَاة عندنَا، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يبطل، وَالله تَعَالَى أعلم.

٥ - (بابُ صَلَاةِ الطَّالِبِ والمَطْلُوبِ رَاكبا وَإيمَاءً)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الطَّالِب وَصَلَاة الْمَطْلُوب. قَوْله: (رَاكِبًا) حَال. قَوْله: (وَقَائِمًا) عطف عَلَيْهِ، وَفِي بعض النّسخ: أَو قَائِما، من الْقيام بِالْقَافِ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (رَاكِبًا وإيماء) أَي: حَال كَونه موميا.

وقالَ الوَلِيدُ ذَكَرْتُ لِلأوزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بنِ السِّمْطِ وأصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ كذالِكَ الأمْرُ عِنْدَنَا إذَا تُخُوِّفَ الفَوْتَ واحْتَجَّ الوَلِيدُ بِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلاّ فِي بَنِي قرَيْظَةَ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن شُرَحْبِيل وَمن مَعَه كَانُوا ركبانا، وَالْإِجْمَاع على أَن الْمَطْلُوب لَا يُصَلِّي إلاّ رَاكِبًا، فَكَانُوا مطلوبين راكبين، وَلَو كَانُوا طَالِبين أَيْضا فالمطابقة حَاصِلَة، والوليد، بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ ابْن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي يكنى أَبَا الْعَبَّاس،، وَقَالَ كَاتب الْوَاقِدِيّ: حج سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. ثمَّ انْصَرف فَمَاتَ فِي الطَّرِيق قبل أَن يصل إِلَى دمشق، وَالْأَوْزَاعِيّ: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وشرحبيل، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن السمط، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْمِيم، على وزن: الْكَتف، قَالَه الغساني. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: بِكَسْر السِّين وَسُكُون الْمِيم: ابْن الْأسود بن جبلة بن عدي بن ربيعَة بن مُعَاوِيَة الأكرمين بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن ثَوْر بن مرتع بن كِنْدَة الْكِنْدِيّ أَبُو يزِيد، وَيُقَال: أَبُو السمط الشَّامي، مُخْتَلف فِي صحبته، ذكره فِي (الْكَمَال) من التَّابِعين. وَقَالَ: وَيُقَال: لَهُ صُحْبَة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَيُقَال: لَا صُحْبَة لَهُ، وَذكره مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَة الرَّابِعَة: وَقَالَ: جاهلي إسلامي، وَفد إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأسلم، وَقد شهد الْقَادِسِيَّة وَولي حمص، وَهُوَ الَّذِي افتتحها وَقسمهَا منَازِل، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْبَغْدَادِيّ صَاحب (تَارِيخ الحمصيين) : توفّي بسلمية سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ، وَيُقَال: سنة أَرْبَعِينَ، وَيُقَال: مَاتَ بصفين، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ فِي غير هَذَا الْموضع، وَهُوَ تَعْلِيق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن عبد الْبر من وَجه آخر: (عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: قَالَ شُرَحْبِيل بن السمط لأَصْحَابه: لَا تصلوا الصُّبْح إلاّ على ظهر، فَنزل الأشتر يَعْنِي: النَّخعِيّ فصلى على الأَرْض، فَقَالَ شُرَحْبِيل: مُخَالف خَالف الله بِهِ) . وروى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع: حَدثنَا ابْن عون (عَن رَجَاء بن حَيْوَة الْكِنْدِيّ، قَالَ: كَانَ ثَابت بن السمط أَو السمط بن ثَابت فِي مسير فِي خوف، فَحَضَرت الصَّلَاة فصلوا ركبانا، فَنزل الأشتر، فَقَالَ مَاله؟ فَقَالُوا: نزل يُصَلِّي. قَالَ: مَاله خَالف؟ خُولِفَ بِهِ) انْتهى. وَذكر ابْن حبَان أَن ثَابت بن السمط أَخُو شُرَحْبِيل بن السمط، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيُشبه أَن يَكُونَا كَانَا فِي ذَلِك الْجَيْش فنسب إِلَى كل مِنْهُمَا، وَقد ذكر شُرَحْبِيل جمَاعَة فِي الصَّحَابَة، وثابتا فِي التَّابِعين، وَقَالَ ابْن بطال: طلبت قصَّة شُرَحْبِيل بن السمط بِتَمَامِهَا

لأتبيّن هَل كَانُوا طَالِبين أم لَا؟ فَذكر الْفَزارِيّ فِي (السّنَن) عَن ابْن عون: (عَن رَجَاء عَن ثَابت بن السمط أَو السمط بن ثَابت قَالَ: كَانُوا فِي السّفر فِي خوف فصلوا ركبانا، فَالْتَفت فَرَأى الأشتر قد نزل للصَّلَاة، فَقَالَ: خَالف خُولِفَ بِهِ، فجرح الأشتر فِي الْفِتْنَة) . قَالَ: فَبَان بِهَذَا الْخَبَر أَنهم كَانُوا حِين صلوا ركبانا لِأَن الْإِجْمَاع حَاصِل على أَن الْمَطْلُوب لَا يُصَلِّي إلاّ رَاكِبًا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الطَّالِب فَقَالَ ابْن التِّين: صَلَاة ابْن السمط ظَاهرهَا إِنَّهَا كَانَت فِي الْوَقْت، وَهُوَ من قَوْله تَعَالَى: {رجَالًا أَو ركبانا} (الْبَقَرَة: ٢٣٩) [/ ح.

قَوْله: (كَذَلِك الْأَمر) أَي: أَدَاء الصَّلَاة على ظهر الدَّابَّة بِالْإِيمَاءِ، وَهُوَ الشان وَالْحكم عِنْد خوف فَوَات الْوَقْت أَو فَوَات الْعَدو أَو فَوَات النَّفس. قَوْله: (وَاحْتج الْوَلِيد) أَي: الْوَلِيد الْمَذْكُور، وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أَن الْوَلِيد قوى مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ فِي مَسْأَلَة الطَّالِب بِهَذِهِ الْقِصَّة. قلت: لَا يفهم من احتجاج الْوَلِيد بِالْحَدِيثِ تَقْوِيَة مَا ذهب إِلَيْهِ الْأَوْزَاعِيّ صَرِيحًا وَإِنَّمَا وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ بطرِيق الْأَوْلَوِيَّة، لِأَن الَّذين أخروا الصَّلَاة حَتَّى وصلوا إِلَى بني قُرَيْظَة لم يعنفهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ كَونهم فوتوا الْوَقْت، فَصَلَاة من لَا يفوت الْوَقْت بِالْإِيمَاءِ أَو كَيفَ مَا تمكن، أولى من تَأْخِير الصَّلَاة حَتَّى يخرج وَقتهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: احتجاج الْوَلِيد بِحَدِيث بني قُرَيْظَة لَيْسَ فِيهِ حجَّة، لِأَنَّهُ قبل نزُول صَلَاة الْخَوْف قَالَ: وَقيل: إِنَّمَا صلى شُرَحْبِيل على ظهر الدَّابَّة لِأَنَّهُ طمع فِي فتح الْحصن، فصلى إِيمَاء ثمَّ فَتحه. وَقَالَ ابْن بطال: وَأما اسْتِدْلَال الْوَلِيد بِقصَّة بني قُرَيْظَة على صَلَاة الطَّالِب رَاكِبًا، فَلَو وجد فِي بعض طرق الحَدِيث أَن الَّذين صلوا فِي الطَّرِيق صلوا ركبانا لَكَانَ بَينا، وَلما لم يُوجد ذَلِك احْتمل أَن يُقَال: إِنَّه يسْتَدلّ بِأَنَّهُ كَمَا سَاغَ للَّذين صلوا فِي بني قُرَيْظَة مَعَ ترك الْوَقْت، وَهُوَ فرض، كَذَلِك سَاغَ للطَّالِب أَن يُصَلِّي فِي الْوَقْت رَاكِبًا بِالْإِيمَاءِ، وَيكون تَركه للرُّكُوع وَالسُّجُود كَتَرْكِ الْوَقْت وَيُقَال: لَا حجَّة فِي حَدِيث بني قُرَيْظَة لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أَرَادَ سرعَة سيرهم، وَلم يَجْعَل لَهُم بني قُرَيْظَة موضعا للصَّلَاة، ومذاهب الْفُقَهَاء فِي هَذَا الْبَاب، فَعِنْدَ أبي حنيفَة: إِذا كَانَ الرجل مَطْلُوبا فَلَا بَأْس بِصَلَاتِهِ سائرا، وَإِن كَانَ طَالبا فَلَا. وَقَالَ مَالك وَجَمَاعَة من أَصْحَابه: هما سَوَاء، كل وَاحِد مِنْهُمَا يُصَلِّي على دَابَّته. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين كَقَوْل أبي حنيفَة، وَهُوَ قَول عَطاء وَالْحسن وَالثَّوْري وَأحمد وَأبي ثَوْر وَعَن الشَّافِعِي: إِن خَافَ الطَّالِب فَوت الْمَطْلُوب أَوْمَأ وإلاّ فَلَا.

٦٩ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء قَالَ حَدثنَا جوَيْرِية عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لنا لما رَجَعَ من الْأَحْزَاب لَا يصلين أحد الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة فَأدْرك بَعضهم الْعَصْر فِي الطَّرِيق فَقَالَ بَعضهم لَا نصلي حَتَّى نأتيها. وَقَالَ بَعضهم بل نصلي لم يرد منا ذَلِك فَذكر للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلم يعنف وَاحِدًا مِنْهُم) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يدل على أَن الْمَطْلُوب إِذا صلى فِي الْوَقْت بِالْإِيمَاءِ جَازَ كَمَا أَن الَّذين صلوا فِي بني قُرَيْظَة مَعَ ترك الْوَقْت جَازَ لَهُم ذَلِك وَلِهَذَا لم يعنفهم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فعلى هَذَا فالجواز فِي الْمَطْلُوب أقوى (فَإِن قلت) فِيهِ ترك الرُّكُوع وَالسُّجُود وهما فرضان (قلت) كَذَلِك فِي صلَاتهم فِي بني قُرَيْظَة ترك الْوَقْت وَالْوَقْت فرض وَلما ذكر البُخَارِيّ احتجاج الْوَلِيد بِحَدِيث قصَّة بني قُرَيْظَة ذكره مُسْندًا عَقِيبه ليعلم صِحَة الحَدِيث عِنْده وَصِحَّة الِاسْتِدْلَال بِهِ فَافْهَم. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء بن عبيد بن مُخَارق الضبعِي الْبَصْرِيّ ابْن أخي جوَيْرِية الْمَذْكُور وَهُوَ مصغر جَارِيَة بِالْجِيم ابْن أَسمَاء روى عَنهُ مُسلم أَيْضا مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي جوَيْرِية بن أَسمَاء يكنى أَبَا مِخْرَاق الْبَصْرِيّ. الثَّالِث نَافِع مولى ابْن عمر. الرَّابِع عبد الله بن عمر. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن النّصْف الأول من الروَاة بصريان وَالنّصف الثَّانِي مدنيان وَفِيه رِوَايَة الرجل عَن عَمه وَفِيه اسْم أحد الروَاة بِالتَّصْغِيرِ وَالْحَال أَن أصل وَضعه للْأُنْثَى. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن شيخ البُخَارِيّ عَن جوَيْرِية بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " من الْأَحْزَاب " هِيَ غَزْوَة الخَنْدَق وَقد أنزل الله فِيهَا سُورَة الْأَحْزَاب وَكَانَت فِي شَوَّال

سنة خمس من الْهِجْرَة نَص على ذَلِك ابْن إِسْحَاق وَعُرْوَة بن الزبير وَقَتَادَة وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ ثمَّ كَانَت الْأَحْزَاب فِي شَوَّال سنة أَربع وَكَذَلِكَ قَالَ مَالك بن أنس فِيمَا رَوَاهُ أَحْمد عَن مُوسَى بن دَاوُد عَنهُ وَالْجُمْهُور على قَول ابْن إِسْحَق وَسميت بالأحزاب لِأَن الْكفَّار تألفوا من قبائل الْعَرَب وهم عشرَة آلَاف نفس وَكَانُوا ثَلَاثَة عَسَاكِر وَجَنَاح الْأَمر إِلَى أبي سُفْيَان وَسميت أَيْضا بغزوة الخَنْدَق لِأَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما سمع بهم وَمَا جمعُوا لَهُ من الْأَمر ضرب الخَنْدَق على الْمَدِينَة قَالَ ابْن هِشَام يُقَال أَن الَّذِي أَشَارَ بِهِ سلمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ الطَّبَرِيّ والسهيلي أول من حفر الْخَنَادِق منوجهر بن أيرج وَكَانَ فِي زمن مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَذكر ابْن إِسْحَق لما انْصَرف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن الخَنْدَق رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة والمسلمون قد وضعُوا السِّلَاح فَلَمَّا كَانَ الظّهْر أَتَى جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ لَهُ مَا وضعت الْمَلَائِكَة السِّلَاح بعد وَإِن الله يَأْمُرك أَن تسير إِلَى بني قُرَيْظَة فَإِنِّي عَائِد إِلَيْهِم فَأمر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِلَالًا فَأذن فِي النَّاس من كَانَ سَامِعًا مُطيعًا فَلَا يصلين الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة قَالَ ابْن سعد ثمَّ سَار إِلَيْهِم وهم ثَلَاثَة آلَاف وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء لتسْع بَقينَ من ذِي الْقعدَة عقيب الخَنْدَق قَوْله " لَا يصلين " بالنُّون الثَّقِيلَة الْمُؤَكّدَة قَوْله " فِي بني قُرَيْظَة " بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره هَاء وهم فرقة من الْيَهُود وَقُرَيْظَة وَالنضير والنحام وَعَمْرو وَهُوَ هدل بَين الْخَزْرَج بن الصَّرِيح بن نومان بن السمط يَنْتَهِي إِلَى إِسْرَائِيل بن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ ابْن دُرَيْد الْقرظ ضرب من الشّجر يدبغ بِهِ يُقَال أَدِيم مقروظ وتصغيره قُرَيْظَة وَبِه سمي الْبَطن من الْيَهُود وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ التَّنْصِيص على الْعَصْر وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْعَصْر وَفِي صَحِيح مُسلم التَّنْصِيص على الظّهْر وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن حبَان ومستخرج أبي نعيم قبل التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ إِن هَذَا الْأَمر كَانَ بعد دُخُول وَقت الظّهْر وَقد صلى الظّهْر بَعضهم دون بعض فَقيل للَّذين لم يصلوا الظّهْر لَا تصلوا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وللذين صلوها بِالْمَدِينَةِ لَا تصلوا الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَقيل يحْتَمل أَنه قَالَ للْجَمِيع لَا تصلوا الْعَصْر وَلَا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَقيل يحْتَمل أَنه قيل للَّذين ذَهَبُوا أَولا لَا تصلوا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وللذين ذَهَبُوا بعدهمْ لَا تصلوا الْعَصْر إِلَّا بهَا قَوْله " فَأدْرك بَعضهم " الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى لفظ أحد وَفِي بَعضهم الثَّانِي وَالثَّالِث إِلَى الْبَعْض قَوْله " لم يرد منا " على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع أَي المُرَاد من قَوْله " لَا يصلين أحد " لَازمه وَهُوَ الاستعجال فِي الذّهاب إِلَى بني قُرَيْظَة لَا حَقِيقَة ترك الصَّلَاة أصلا وَلم يُعِنْهُمْ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على مُخَالفَة النَّهْي لأَنهم فَهموا مِنْهُ الْكِنَايَة عَن العجلة وَلَا التاركين للصَّلَاة المؤخرين عَن أول وَقتهَا لحملهم النَّهْي على ظَاهره (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) من ذَلِك مَا استنبط مِنْهُ ابْن حبَان معنى حسنا حَيْثُ قَالَ لَو كَانَ تَأْخِير الْمَرْء للصَّلَاة عَن وَقتهَا إِلَى أَن يدْخل وَقت الصَّلَاة الْأُخْرَى يلْزمه بذلك اسْم الْكفْر لما أَمر الْمُصْطَفى بذلك. وَمِنْه مَا قَالَه السُّهيْلي فِيهِ دَلِيل على أَن كل مُخْتَلفين فِي الْفُرُوع من الْمُجْتَهدين مُصِيب إِذْ لَا يَسْتَحِيل أَن يكون الشَّيْء صَوَابا فِي حق إِنْسَان خطأ فِي حق غَيره فَيكون من اجْتهد فِي مَسْأَلَة فأداه اجْتِهَاده إِلَى الْحل مصيبا فِي حلهَا وَكَذَا الْحُرْمَة وَإِنَّمَا الْمحَال أَن يحكم فِي النَّازِلَة بحكمين متضادين فِي حق شخص وَاحِد وَإِنَّمَا عسر فهم هَذَا الأَصْل على طائفتين الظَّاهِرِيَّة والمعتزلة أما الظَّاهِرِيَّة فَإِنَّهُم عَلقُوا الْأَحْكَام بالنصوص فاستحال عِنْدهم أَن يكون النَّص يَأْتِي بحظر وَإِبَاحَة مَعًا إِلَّا على وَجه النّسخ وَأما الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم عَلقُوا الْأَحْكَام بتقبيح الْعقل وتحسينه فَصَارَ حسن الْفِعْل عِنْدهم أَو قبحه صفة عين فاستحال عِنْدهم أَن يَتَّصِف فعل بالْحسنِ فِي حق زيد والقبح فِي حق عَمْرو كَمَا يَسْتَحِيل ذَلِك فِي الألوان وَغَيرهَا من الصِّفَات الْقَائِمَة بالذوات وَأما مَا عدا هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ فَلَيْسَ الْحَظْر عِنْدهم وَالْإِبَاحَة بِصِفَات أَعْيَان وَإِنَّمَا هِيَ صِفَات أَحْكَام وَزعم الْخطابِيّ أَن قَول الْقَائِل فِي هَذَا كل مُجْتَهد مُصِيب لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ ظَاهر خطاب خص بِنَوْع من الدَّلِيل أَلا ترَاهُ قَالَ بل نصلي لم يرد منا ذَلِك يُرِيد أَن طَاعَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيمَا أمره بِهِ من إِقَامَة الصَّلَاة فِي بني قُرَيْظَة لَا يُوجب تَأْخِيرهَا عَن وَقتهَا على عُمُوم الْأَحْوَال وَإِنَّمَا هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ صلوا فِي بني قُرَيْظَة إِلَّا أَن يدرككم وَقتهَا قبل أَن تصلوا إِلَيْهَا وَكَذَا الطَّائِفَة الْأُخْرَى فِي تأخيرهم الصَّلَاة كَأَنَّهُ قيل لَهُم صلوا الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا إِلَّا أَن يكون لكم عذر فأخروها إِلَى آخر وَقتهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى لَا احتجاج فِيهِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنَ التَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ، وَسَيَأْتِي عَنْ بَعْضِهِمْ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ أَسْهَلُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: قَصْرُ الْخَوْفِ قَصْرُ هَيْئَةٍ لَا قَصْرُ عَدَدٍ، وَتَأَوَّلُوا رِوَايَةَ مُجَاهِدٍ هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الثَّانِيَةِ، وَقَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لَمْ يَقْضُوا أَيْ لَمْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ بَعْدَ الْأَمْنِ (١) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَائِدَةٌ): لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ تَعَرُّضٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا قَصْرٌ، وَاخْتَلَفُوا هَلِ الْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأُولَى ثِنْتَيْنِ وَالثَّانِيَةِ وَاحِدَةً أَوِ الْعَكْسُ.

٤ - بَاب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ.

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ، أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ لَا يُجْزِئُهُمْ التَّكْبِيرُ، وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا. وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أَنَسُ: حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى. فَفُتِحَ لَنَا. وَقَالَ أَنَسُ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.

٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ، قَالَ: فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ) أَيْ عِنْدَ إِمْكَانِ فَتْحِهَا، وَغَلَبَةِ الظَّنِّ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَلِقَاءُ الْعَدُوِّ) وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ خَصَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لِاجْتِمَاعِ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، فَإِنَّ الْخَوْفَ يَقْتَضِي مَشْرُوعِيَّةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ بِحُصُولِ الظَّفَرِ يَقْتَضِي اغْتِفَارَ التَّأْخِيرِ لِأَجْلِ اسْتِكْمَالِ مَصْلَحَةِ الْفَتْحِ، فَلِهَذَا خَالَفَ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْحُكْمَ فِي غَيْرِهَا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَخْ) كَذَا ذَكَرَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ.

قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ) أَيْ تَمَكَّنَ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ إِنْ كَانَ بِهَا الْفَتْحُ بِمُوَحَّدَةٍ وَهَاءِ الضَّمِيرِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ) قِيلَ: فِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنِ الْإِيمَاءِ لَا يَتَعَذَّرُ مَعَ حُصُولِ الْعَقْلِ، إِلَّا أَنْ تَقَعَ دَهْشَةٌ فَيَعْزُبُ اسْتِحْضَارُهُ ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مَنْ بَاشَرَ الْحَرْبَ وَاشْتِغَالَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ إِذَا اشْتَغَلَتْ عَرَفَ كَيْفَ يَتَعَذَّرُ الْإِيمَاءُ، وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ لِلِاشْتِغَالِ بِالْقِتَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ كَانَ يَرَى اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ شَرْطًا فِي الْإِيمَاءِ فَيُتَصَوَّرُ الْعَجْزُ عَنِ الْإِيمَاءِ إِلَيْهَا حِينَئِذٍ.

قَوْلُهُ: (فَلَا يُجْزِيهِمُ التَّكْبِيرُ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى

خِلَافِ مَنْ قَالَ يُجْزِئُ كَالثَّوْرِيِّ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الْبُخْتُرِيِّ فِي آخَرِينَ قَالُوا: إِذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَتِلْكَ صَلَاتُهُمْ بِلَا إِعَادَةٍ وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَكَمِ: إِذَا كَانَ عِنْدَ الطِّرَادِ وَالْمُسَابَقَةِ (١) يُجْزِئُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الرَّجُلِ تَكْبِيرًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ أَجْزَأَتْهُ أَيْنَ كَانَ وَجْهُهُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: يُجْزِئُ عِنْدَ الْمُسَابَقَةِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ يُومِئُ بِهَا إِيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَسَجْدَةٌ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَتَكْبِيرَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَّةً مِنْ كَلَامِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَعْلِيقِ الْبُخَارِيِّ. انْتَهَى. وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ (٢) الْأَوْزَاعِيِّ بِلَفْظِ إِذَا لَمْ يَقْدِرِ الْقَوْمُ عَلَى أَنْ يُصَلُّوا عَلَى الْأَرْضِ صَلَّوْا عَلَى ظَهْرِ الدَّوَابِّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَرَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا بِالْأَرْضِ.

(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ ابْنُ رَشِيدٌ أَنَّ سِيَاقَ الْبُخَارِيِّ لِكَلَامِ الْأَوْزَاعِيِّ مُشَوَّشٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ الْإِيمَاءَ مَشْرُوطًا بِتَعَذُّرِ الْقُدْرَةِ، وَالتَّأْخِيرَ مَشْرُوطًا بِتَعَذُّرِ الْإِيمَاءِ، وَجَعَلَ غَايَةَ التَّأْخِيرِ انْكِشَافَ الْقِتَالِ، ثُمَّ قَالَ: أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فَجَعَلَ الْأَمْنَ قَسِيمَ الِانْكِشَافِ يَحْصُلُ الْأَمْنُ فَكَيْفَ يَكُونُ قَسِيمَهُ؟ وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الِانْكِشَافَ قَدْ يَحْصُلُ وَلَا يَحْصُلُ الْأَمْنُ لِخَوْفِ الْمُعَاوَدَةِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْنَ يَحْصُلُ بِزِيَادَةِ الْقُوَّةِ وَاتِّصَالِ الْمَدَدِ بِغَيْرِ انْكِشَافٍ، فَعَلَى هَذَا فَالْأَمْنُ قَسِيمُ الِانْكِشَافِ أَيُّهُمَا حَصَلَ اقْتَضَى صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَمَعْنَاهُ عَلَى صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ فَوَاحِدَةً وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا أَخَّرُوا أَيْ حَتَّى يَحْصُلَ الْأَمْنُ التَّامُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ) وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْهُ، وَذَكَرَهُ خَلِيفَةُ فِي تَارِيخِهِ وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْبَصْرَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ، وَلَفْظُ عُمَرَ سَأَلَ قَتَادَةَ عَنِ الصَّلَاةِ إِذَا حَضَرَ الْقِتَالَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُمْ فَتَحُوا تُسْتَرَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى مُقَدِّمَةِ النَّاسِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ - يَعْنِي أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ - أَمِيرُهُمْ.

قَوْلُهُ: (تُسْتَرُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ أَيْضًا بَلَدٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادِ الْأَهْوَازِ، وَذَكَرَ خَلِيفَةُ أَنَّ فَتْحَهَا كَانَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى كَيْفِيَّتِهِ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (اشْتِعَالُ الْقِتَالِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ عَنِ النُّزُولِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ عَنِ الْإِيمَاءِ أَيْضًا، فَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَجَزَمَ الْأَصِيلِيُّ بِأَنَّ سَبَبَهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا إِلَى الْوُضُوءِ سَبِيلًا مِنْ شِدَّةِ الْقِتَالِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ) فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ.

قَوْلُهُ: (مَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ) أَيْ بَدَلَ تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) فِي رِوَايَةِ خَلِيفَةَ: الدُّنْيَا كُلُّهَا، وَالَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ هَذَا أَنَّ مُرَادَهُ الِاغْتِبَاطُ بِمَا وَقَعَ، فَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ عَلَى هَذَا هِيَ الْمَقْضِيَّةُ الَّتِي وَقَعَتْ، وَوَجْهُ اغْتِبَاطِهِ كَوْنُهُمْ لَمْ يَشْتَغِلُوا عَنِ الْعِبَادَةِ إِلَّا بِعِبَادَةٍ أَهَمَّ مِنْهَا عِنْدَهُمْ (٣)، ثُمَّ تَدَارَكُوا مَا فَاتَهُمْ مِنْهَا فَقَضَوْهُ، وَهُوَ كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَوْ طَلَعْتَ لَمْ تَجِدْنَا غَافِلِينَ وَقِيلَ: مُرَادُ أَنَسٍ الْأَسَفُ عَلَى التَّفْوِيتِ الَّذِي وَقَعَ لَهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْفَائِتَةِ وَمَعْنَاهُ: لَوْ كَانَتْ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فوقيَّتين أولاهما مضمومةٌ والثَّانية مفتوحةٌ بينهما سينٌ (١) مُهمَلةٌ ساكنةٌ آخره راءٌ مُهمَلةٌ، مدينةٌ مشهورةٌ من كور الأهواز، فُتِحت سنة عشرين في خلافة عمر (عِنْدَ إِضَاءَةِ الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ) بالعين المهملة، وتشبيه القتال بالنَّار استعارةٌ بالكناية (فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ) لعجزهم عن النُّزول، أو عن الإيماء، فيوافق السَّابق عن الأوزاعيِّ، أو أنَّهم لم يجدوا إلى الوضوء سبيلًا من شدَّة القتال، وبه جزم الأَصيليُّ (فَلَمْ نُصَلِّ (٢) إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ) في رواية عمر (٣) بن شَبَّة: حتَّى انتصف النَّهار (فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (فَفُتِحَ لَنَا) الحصن. (وَقَالَ) وللأَصيليِّ: «فقال» ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قال» (أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ: (وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ) أي: بدل تلك الصَّلاة ومقابلها (٤)، فالباء للبدليَّة كقوله:

فليتَ لِي بهم قَومًا إذا رَكِبُوا .....................

وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من تلك الصَّلاة» (الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا).

٩٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي كما في فرع «اليونينيَّة»: «يحيى بن

جعفرٍ البخاريُّ» البيكنديُّ، وهو من أفراد البخاريِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف (عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ) ولابن عساكر: «ابن المبارك» (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، ابن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (قَالَ: جَاءَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (يَوْمَ) حفر (الخَنْدَقِ) لمَّا تحزبت الأحزاب سنة أربعٍ (فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ) لتسبُّبهم في اشتغال المؤمنين بالحفر عن الصَّلاة حتَّى فاتت (وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ) فيه: دخول «أنْ» على خبر «كاد»، والأكثر تجريده منها كما في رواية أبي ذَرٍّ: «حتَّى كادت الشَّمس تغيب» وظاهره أنَّه صلَّى قبل الغروب، لكن (١) قد يُمنَع ذلك بأنَّه إنَّما يقتضي أنَّ كيدودته كانت عند كيدودتها، ولا يلزم منه وقوع الصَّلاة فيها، بل يلزم أ لَّا تقع الصَّلاة فيها، إذ حاصله عرفًا: ما صلَّيت حتَّى غربت الشَّمس (فَقَالَ النَّبِيُّ ) تطييبًا لقلب عمر لمَّا شقَّ عليه تأخيرها (٢): (وَأَنَا -وَاللهِ- مَا صَلَّيْتُهَا) أي: العصرَ (بَعْدُ. قَالَ) جابرٌ: (فَنَزَلَ) (إِلَى بُطْحَانَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون المُهمَلة غير منصرفٍ، كذا يرويه المحدِّثون، وعند اللُّغويِّين بفتح المُوحَّدة وكسر الطَّاء (فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ) وهذا التَّأخير كان (٣) قبل صلاة الخوف ثمَّ نُسِخَ، أو كان

نسيانًا، أو عمدًا لتعذُّر الطَّهارة، أو للشُّغل بالقتال، وإليه ذهب البخاريُّ هنا (١)، ونزَّل عليه الآثار الَّتي (٢) ترجم لها (٣) بالشُّروط المذكورة، وهو موضع الجزء الثَّاني من التَّرجمة، وهو (٤) لقاء العدوِّ، ومن جملة أحكامه المذكورة: تأخير الصَّلاة إلى وقت الأمن، وكذا في الحديث: أخَّر الصَّلاة حتَّى نزل بُطْحان (ثُمَّ صَلَّى) (المَغْرِبَ بَعْدَهَا) أي: بعد العصر.

وسبق الحديث بمباحثه في «باب من صلَّى بالنَّاس جماعةً بعد ذهاب الوقت» [خ¦٥٩٦].

(٥) (بابُ صَلَاةِ الطَّالِبِ وَ) صلاة (المَطْلُوبِ) حال كونه (رَاكِبًا وَإِيمَاءً) مصدر «أومأ»، كذا لأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «إيماءً» ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن الحَمُّويي: «وقائمًا» بالقاف من القيام (٥)، وفي روايةٍ: «أو قائمًا» وقد (٦) اتَّفقوا على صلاة المطلوب راكبًا، واختلفوا في الطَّالب، فمنعه الشَّافعيُّ وأحمد رحمهما الله، وقال مالكٌ: يصلِّي راكبًا حيث توجَّه إذا خاف فوت العدوِّ إن نزل.

(وَقَالَ الوَلِيدُ) بن مسلمٍ القرشيُّ الأمويُّ: (ذَكَرْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ) بضمِّ الشِّين المُعجَمة وفتح الرَّاء وسكون الحاء المُهمَلة وكسر المُوحَّدة في الأوَّل، وكسر السِّين المهملة وسكون الميم في الثَّاني كذا في الفرع، وضبطه ابن الأثير بفتحٍ ثمَّ كسرٍ كـ «كَتِفٍ»، الكنديِّ، المُختلَف في صحبته، وليس له في «البخاريِّ» غير هذا الموضع (وَ) صلاة (أَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، فَقَالَ) أي: الأوزاعيُّ، ولابن عساكر: «قال»: (كَذَلِكَ الأَمْرُ) أي: أداء (١) الصَّلاة على ظهر الدَّابَّة بالإيماء هو الشَّأن والحكم (عِنْدَنَا إِذَا تَُخَُوَِّّفَ) الرَّجل (الفَوْتَُ) بفتح أوَّل «تَخوَّف» مبنيًّا للفاعل، و «الفَوْتَ»: نُصِب على المفعوليَّة، ويجوز -كما في الفرع وأصله- ضبطه بالبناء للمفعول، ورفع «الفوت» نائبًا عن الفاعل، زاد المُستملي فيما ذكره في «الفتح»: «في الوقت» (وَاحْتَجَّ الوَلِيدُ) لمذهب الأوزاعيِّ في مسألة الطَّالب (بِقَوْلِ النَّبِيِّ ) الآتي [خ¦٩٤٦]: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) لأنَّه لم يعنِّف على تأخيرها عن وقتها المفترض، وحينئذٍ فصلاة من لا يفوِّت الوقت بالإيماء، أو بما يمكن، أولى من تأخيرها حتَّى يخرج وقتها. وقد أخرج أبو داود في «صلاة الطَّالب» حديث عبد الله بن أُنَيْسٍ؛ إذ بعثه النَّبيُّ إلى سفيان الهُذَلِيِّ،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَبَّاس إِذا كَانَ الْعَدو فِي الْقبْلَة أَن يُصَلِّي على هَذِه الصّفة وَهُوَ مَذْهَب ابْن أبي ليلى وَحكى ابْن الْقصار عَن الشَّافِعِي نَحوه وَقَالَ الطَّحَاوِيّ ذهب أَبُو يُوسُف إِلَى أَن الْعَدو إِذا كَانَ فِي الْقبْلَة فَالصَّلَاة هَكَذَا وَإِذا فِي غَيرهَا فَالصَّلَاة كَمَا روى ابْن عمر وَغَيره قَالَ وَبِهَذَا تتفق الْأَحَادِيث قَالَ وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَاف التَّنْزِيل لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون قَوْله (ولتأت طَائِفَة أُخْرَى لم يصلوا فليصلوا مَعَك) إِذا كَانَ الْعَدو فِي غير الْقبْلَة ثمَّ أُوحِي إِلَيْهِ بعد ذَلِك كَيفَ حكم الصَّلَاة إِذا كَانُوا فِي الْقبْلَة فَفعل الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا كَمَا جَاءَ الخبران وَترك مَالك وَأَبُو حنيفَة الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث لمُخَالفَته لِلْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله {ولتأت طَائِفَة أُخْرَى} الْآيَة وَالْقُرْآن يدل على مَا جَاءَت بِهِ الرِّوَايَات فِي صَلَاة الْخَوْف عَن ابْن عمر وَغَيره من دُخُول الطَّائِفَة الثَّانِيَة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَلم يَكُونُوا صلوا قبل ذَلِك وَقَالَ أَشهب وَسَحْنُون إِذا كَانَ الْعَدو فِي الْقبْلَة لَا أحب أَن يصلى بالجيش أجمع لِأَنَّهُ يتَعَرَّض أَن يفتنه الْعَدو ويشغلوه وَيصلى بطائفتين شبه صَلَاة الْخَوْف وَالله تَعَالَى أعلم -

٤ - (بابُ الصَّلاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الحُصُونِ وَلِقَاءِ العَدُوِّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة عِنْد مناهضة الْحُصُون. يُقَال: ناهضته أَي: قاومته، وتناهض الْقَوْم فِي الْحَرْب: إِذا نَهَضَ كل فريق إِلَى صَاحبه، وثلاثيه من بَاب: فعل يفعل بِالْفَتْح فيهم، يُقَال: نَهَضَ ينْهض نهضا ونهوضا ونهوا أَي: قَامَ، وأنهضته أَنا فانتهض واستنهضته لأمر كَذَا، إِذا أَمرته بالنهوض. والحصون جمع: حصن، بِكَسْر الْحَاء، وَقد فسر الْجَوْهَرِي: القلعة بالحصن، حَيْثُ قَالَ: القلعة الْحصن على الْجَبَل، وَالظَّاهِر أَن بَينهمَا فرق بِاعْتِبَار الْعرف، فَإِن القلعة تكون أكبر من الْحصن، وَتَكون على الْجَبَل والسهل، والحصن غَالِبا يكون على الْجَبَل وألطف من القلعة. وأصل معنى الْحصن: الْمَنْع، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يمْنَع من فِيهِ مِمَّن يَقْصِدهُ. قَوْله: (ولقاء الْعَدو) أَي: وَالصَّلَاة عِنْد لِقَاء الْعَدو، واللقاء: الملاقاة، وَهَذَا الْعَطف من عطف الْعَام على الْخَاص.

وَقَالَ الأوْزَاعِيُّ إنْ كانَ تَهَيَّأ الفَتْحَ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صلَّوْا إيمَاءً كْلُّ امْرِىءٍ لِنَفْسِهِ فإنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإيمَاءِ أخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ أوْ يأمَنُوا فَيُصَلُّوًّ رَكْعَتَيْنِ فإنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلُّوْا رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ فَإنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَلَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ ويُؤَخِّرُوها حَتَّى يَأْمَنُوا

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَذْهَب عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ أَنه إِن كَانَ تهَيَّأ الْفَتْح، أَي: تمكن فتح الْحصن. وَالْحَال أَنهم لم يقدروا على الصَّلَاة، أَي: على إِتْمَامهَا أفعالاً وأركانا. وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: إِن كَانَ بهَا الْفَتْح، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وهاء الضَّمِير، قيل: إِنَّه تَصْحِيف. قَوْله: (صلوا إِيمَاء) أَي: صلوا مومئين إِيمَاء. قَوْله: (كل امرىء لنَفسِهِ) أَي: كل شخص يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ مُنْفَردا بِدُونِ الْجَمَاعَة. قَوْله: (لنَفسِهِ) أَي: لأجل نَفسه دون غَيره بِأَن لَا يكون أماما لغيره. قَوْله: (فَإِن لم يقدروا على الْإِيمَاء) أَي: بِسَبَب اشْتِغَال الْقلب والجوارح، لِأَن الْحَرْب إِذا اشْتَدَّ غَايَة الاشتداد لَا يبْقى قلب الْمقَاتل وجوارحه إلاّ عِنْد الْقِتَال، ويتعذر عَلَيْهِ الْإِيمَاء. وَقيل: يحْتَمل أَن الْأَوْزَاعِيّ كَانَ يرى اسْتِقْبَال الْقبْلَة شرطا فِي الْإِيمَاء، فيعجز عَن الْإِيمَاء إِلَى جِهَة الْقبْلَة. فَإِن قلت: كَيفَ يتَعَذَّر الْإِيمَاء مَعَ حُصُول الْعقل؟ قلت: عِنْد وُقُوع الدهشة يُغلب الْعقل فَلَا يعْمل عمله. قَوْله: (أَو يأمنوا) اسْتشْكل فِيهِ ابْن رشيد بِأَنَّهُ جعل الْأَمْن قسيم الانكشاف، وَبِه يحصل الْأَمْن فَكيف يكون قسيمه؟ وَأجَاب الْكرْمَانِي عَن هَذَا فَقَالَ: قد ينْكَشف وَلَا يحصل الْأَمْن لخوف المعاودة، وَقد يَأْمَن لزِيَادَة الْقُوَّة وإيصال المدد مثلا، وَلم يكن منكشفا بعد. قَوْله: (فَإِن لم يقدروا) يَعْنِي: على صَلَاة رَكْعَتَيْنِ صلوا رَكْعَة وسجدتين، فَإِن لم يقدروا على صَلَاة رَكْعَة وسجدتين يؤخرون الصَّلَاة، فَلَا يجزيهم التَّكْبِير. وَقَالَ الثَّوْريّ: يجزيهم التَّكْبِير، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَطاء وَسَعِيد بن جُبَير وَأبي البخْترِي فِي آخَرين، قَالُوا: إِذا التقى الزحفان وَحَضَرت الصَّلَاة فَقَالُوا: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إلاّ الله وَالله أكبر، فَتلك صلَاتهم بِلَا إِعَادَة. وَعَن مُجَاهِد وَالْحكم: إِذا كَانَ عِنْد الطراد والمسايفة يجزىء أَن تكون صَلَاة الرجل تَكْبِيرا، فَإِن لم يُمكن إلاّ تَكْبِيرَة أَجْزَأته ايْنَ كَانَ وَجهه. وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: تجزىء عِنْد المسايفة رَكْعَة وَاحِدَة يومىء بهَا إِيمَاء فَإِن لم يقدر فسجدة، فَإِن لم يقدر فتكبيرة. قَوْله: (حَتَّى يأمنوا) أَي: حَتَّى يحصل لَهُم الْأَمْن التَّام، وَحجَّة الْأَوْزَاعِيّ فِيمَا قَالَه حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى

عَنهُ: إِن لم يقدر على الْإِيمَاء أخر الصَّلَاة حَتَّى يُصليهَا كَامِلَة، وَلَا يجزىء عَنْهَا تَسْبِيح وَلَا تهليل، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أَخّرهَا يَوْم الخَنْدَق. وَهَذَا اسْتِدْلَال ضَعِيف، لِأَن آيَة صَلَاة الْخَوْف لم تكن نزلت قبل ذَلِك.

وبِهِ قالَ مَكْحُولٌ

أَي: بقول الْأَوْزَاعِيّ قَالَ مَكْحُول أَبُو عبد الله الدِّمَشْقِي فَقِيه أهل الشَّام التَّابِعِيّ، ولد مَكْحُول بكابل لِأَنَّهُ من سبيه، فَرفع إِلَى سعيد بن الْعَاصِ فوهب لأِمرأة من هُذَيْل فأعتقته، وَقيل غير ذَلِك. وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة. قَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ ثِقَة، وروى لَهُ البُخَارِيّ فِي (كتاب الْأَدَب) و (الْقِرَاءَة خلف الإِمَام) وروى لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: وَبِه قَالَ مَكْحُول، يحْتَمل أَن يكون من تَتِمَّة كَلَام الْأَوْزَاعِيّ، وَأَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ؟ قلت: الظَّاهِر أَنه تَعْلِيق وَصله عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) عَنهُ من غير طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ بِلَفْظ: إِذا لم يقدر الْقَوْم على أَن يصلوا على الأَرْض صلوا على ظهر الدَّوَابّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِن لم يقدروا فركعة وسجدتين، فَإِن لم يقدروا أخروا الصَّلَاة حَتَّى يأمنوا فيصلوا بِالْأَرْضِ.

وَقَالَ أنَسٌ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إضَاءَةِ الفَجْرِ واشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ نُصَلِّ إلاّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاها مَعَ أبِي مُوسى فَفُتِحَ لَنَا. وقالَ أنَسٌ وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا

هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة عَنهُ، وَقَالَ خَليفَة بن خياط فِي (تَارِيخه) : حَدثنَا ابْن زُرَيْع عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ: لم نصل يَوْمئِذٍ الْغَدَاة حَتَّى انتصف النَّهَار. قَالَ خَليفَة: وَذَلِكَ فِي سنة عشْرين. قَوْله: (تستر) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الثَّانِيَة وَفِي آخِره رَاء: وَهِي مَدِينَة مَشْهُورَة من كور الأهوار بخورستان، وَهِي بِلِسَان الْعَامَّة: ششتر، بشينين أولاهما مَضْمُومَة وَالثَّانيَِة سَاكِنة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. إعلم أَن تستر فتحت مرَّتَيْنِ الأولى: صلحا، وَالثَّانيَِة عنْوَة. قَالَ ابْن جرير: كَانَ ذَلِك فِي سنة سبع عشرَة فِي قَول سيف، وَقَالَ غَيره: سنة سِتّ عشرَة، وَقيل: فِي سنة تسع عشرَة. قَالَ الْوَاقِدِيّ: لما فرغ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ من فتح السوس صَار إِلَى تستر فَنزل عَلَيْهَا وَبهَا يَوْمئِذٍ الهرمزان، وَفتحت على يَدَيْهِ، ومسك الهرمزان وَأرْسل بِهِ إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَلم يقدروا على الصَّلَاة) إِمَّا للعجز عَن النُّزُول أَو عَن الإيما، وَجزم الْأصيلِيّ بِأَن سَببه أَنهم لم يَجدوا إِلَى الْوضُوء سَبِيلا من شدَّة الْقِتَال. قَوْله: (إِلَّا بعد ارْتِفَاع النَّهَار) وَفِي رِوَايَة عمر بن أبي شيبَة: (حَتَّى انتصف النَّهَار) . قَوْله: (مَا يسرني بِتِلْكَ الصَّلَاة) الْبَاء فِيهَا للمقابلة والبدلية، أَي: بدل تِلْكَ الصَّلَاة ومقابلتها. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من تِلْكَ الصَّلَاة. قَوْله: (الدُّنْيَا) فَاعل: (مَا يسرني) ، وَقيل: مَعْنَاهُ لَو كَانَت فِي وَقتهَا كَانَت أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَفِي رِوَايَة خَليفَة: (الدُّنْيَا كلهَا) بدل: (الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) .

٩٤٥ - حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا وَكِيعٌ عنْ عَلِيِّ بنِ المُبَارَكِ عنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ جاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ فجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ ويَقُولُ يَا رسُولَ الله مَا صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كادَت الشَّمْسُ أنْ تَغِيبَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا وَالله مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ قالَ فنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتوَضَّأَ وصَلَّى العَصْرَ بَعْدما غَابَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى المغْرِبَ بَعْدَهَا. .

مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة. وَهُوَ قَوْله: (ولقاء الْعَدو) ، وَكَانَ الحكم فِيهِ من جملَة الْأَحْكَام الَّتِي ذَكرنَاهَا تَأْخِير الصَّلَاة إِلَى وَقت الْأَمْن. وَفِي هَذَا الحَدِيث أَيْضا: أخرت الصَّلَاة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن عمر وَغَيرهمَا: حَتَّى نزلُوا إِلَى بطحان، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: وادٍ بِالْمَدِينَةِ، فصلواها فِيهِ. وَصرح هَهُنَا بِأَن الْفَائِتَة هِيَ صَلَاة الْعَصْر، وَفِي (الْمُوَطَّأ) : الظّهْر وَالْعصر. وَفِي النَّسَائِيّ: الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء. وَفِي التِّرْمِذِيّ: أَربع صلوَات. وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث

من سَائِر الْوُجُوه فِي: بَاب من صلى بِالنَّاسِ جمَاعَة بعد ذهَاب الْوَقْت، لِأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن معَاذ بن فضَالة عَن هِشَام عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن جَابر، وَهَهُنَا أخرجه: عَن يحيى بن جَعْفَر، والنسخ مُخْتَلفَة فِيهِ فَفِي أَكثر الرِّوَايَات: حَدثنَا يحيى حَدثنَا وَكِيع، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: يحيى بن مُوسَى، وَوَقع فِي نُسْخَة صَحِيحَة بعلامة الْمُسْتَمْلِي: يحيى بن جَعْفَر، وَوَقع فِي بعض النّسخ: يحيى ابْن مُوسَى بن جَعْفَر، وَهُوَ غلط. وَالنُّسْخَة الْمُعْتَمد عَلَيْهَا: يحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ يحيى البيكندي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَأما يحيى بن مُوسَى بن عبد ربه بن سَالم فَهُوَ الملقب: بخت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ أَيْضا من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَهُوَ أَيْضا من أَفْرَاده، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْبيُوع وَالْحج ومواضع، وَقَالَ: مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ.

ثمَّ اخْتلفُوا فِي سَبَب تَأْخِير الصَّلَاة يَوْم الخَنْدَق، فَقَالَ بَعضهم: اخْتلفُوا هَل كَانَ نِسْيَانا أَو عمدا، وعَلى الثَّانِي: هَل كَانَ للشغل بِالْقِتَالِ أَو لتعذر الطَّهَارَة؟ أَو قبل نزُول آيَة الْخَوْف؟ انْتهى. قلت: الْأَحْسَن فِي ذَلِك مَعَ مُرَاعَاة الْأَدَب هُوَ الَّذِي قَالَه الطَّحَاوِيّ: وَقد يجوز أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يصل يَوْمئِذٍ يَعْنِي: يَوْم الخَنْدَق لِأَنَّهُ كَانَ يُقَاتل، فالقتال عمل وَالصَّلَاة لَا يكون فِيهَا عمل، وَقد يجوز أَن يكون: لم يصل يَوْمئِذٍ لِأَنَّهُ لم يكن أَمر حِينَئِذٍ أَن يُصَلِّي رَاكِبًا. وَأما الْقِتَال فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يبطل الصَّلَاة عندنَا، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يبطل، وَالله تَعَالَى أعلم.

٥ - (بابُ صَلَاةِ الطَّالِبِ والمَطْلُوبِ رَاكبا وَإيمَاءً)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الطَّالِب وَصَلَاة الْمَطْلُوب. قَوْله: (رَاكِبًا) حَال. قَوْله: (وَقَائِمًا) عطف عَلَيْهِ، وَفِي بعض النّسخ: أَو قَائِما، من الْقيام بِالْقَافِ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (رَاكِبًا وإيماء) أَي: حَال كَونه موميا.

وقالَ الوَلِيدُ ذَكَرْتُ لِلأوزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بنِ السِّمْطِ وأصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ كذالِكَ الأمْرُ عِنْدَنَا إذَا تُخُوِّفَ الفَوْتَ واحْتَجَّ الوَلِيدُ بِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلاّ فِي بَنِي قرَيْظَةَ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن شُرَحْبِيل وَمن مَعَه كَانُوا ركبانا، وَالْإِجْمَاع على أَن الْمَطْلُوب لَا يُصَلِّي إلاّ رَاكِبًا، فَكَانُوا مطلوبين راكبين، وَلَو كَانُوا طَالِبين أَيْضا فالمطابقة حَاصِلَة، والوليد، بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ ابْن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي يكنى أَبَا الْعَبَّاس،، وَقَالَ كَاتب الْوَاقِدِيّ: حج سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. ثمَّ انْصَرف فَمَاتَ فِي الطَّرِيق قبل أَن يصل إِلَى دمشق، وَالْأَوْزَاعِيّ: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وشرحبيل، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن السمط، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْمِيم، على وزن: الْكَتف، قَالَه الغساني. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: بِكَسْر السِّين وَسُكُون الْمِيم: ابْن الْأسود بن جبلة بن عدي بن ربيعَة بن مُعَاوِيَة الأكرمين بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن ثَوْر بن مرتع بن كِنْدَة الْكِنْدِيّ أَبُو يزِيد، وَيُقَال: أَبُو السمط الشَّامي، مُخْتَلف فِي صحبته، ذكره فِي (الْكَمَال) من التَّابِعين. وَقَالَ: وَيُقَال: لَهُ صُحْبَة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَيُقَال: لَا صُحْبَة لَهُ، وَذكره مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَة الرَّابِعَة: وَقَالَ: جاهلي إسلامي، وَفد إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأسلم، وَقد شهد الْقَادِسِيَّة وَولي حمص، وَهُوَ الَّذِي افتتحها وَقسمهَا منَازِل، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْبَغْدَادِيّ صَاحب (تَارِيخ الحمصيين) : توفّي بسلمية سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ، وَيُقَال: سنة أَرْبَعِينَ، وَيُقَال: مَاتَ بصفين، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ فِي غير هَذَا الْموضع، وَهُوَ تَعْلِيق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن عبد الْبر من وَجه آخر: (عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: قَالَ شُرَحْبِيل بن السمط لأَصْحَابه: لَا تصلوا الصُّبْح إلاّ على ظهر، فَنزل الأشتر يَعْنِي: النَّخعِيّ فصلى على الأَرْض، فَقَالَ شُرَحْبِيل: مُخَالف خَالف الله بِهِ) . وروى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع: حَدثنَا ابْن عون (عَن رَجَاء بن حَيْوَة الْكِنْدِيّ، قَالَ: كَانَ ثَابت بن السمط أَو السمط بن ثَابت فِي مسير فِي خوف، فَحَضَرت الصَّلَاة فصلوا ركبانا، فَنزل الأشتر، فَقَالَ مَاله؟ فَقَالُوا: نزل يُصَلِّي. قَالَ: مَاله خَالف؟ خُولِفَ بِهِ) انْتهى. وَذكر ابْن حبَان أَن ثَابت بن السمط أَخُو شُرَحْبِيل بن السمط، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيُشبه أَن يَكُونَا كَانَا فِي ذَلِك الْجَيْش فنسب إِلَى كل مِنْهُمَا، وَقد ذكر شُرَحْبِيل جمَاعَة فِي الصَّحَابَة، وثابتا فِي التَّابِعين، وَقَالَ ابْن بطال: طلبت قصَّة شُرَحْبِيل بن السمط بِتَمَامِهَا

لأتبيّن هَل كَانُوا طَالِبين أم لَا؟ فَذكر الْفَزارِيّ فِي (السّنَن) عَن ابْن عون: (عَن رَجَاء عَن ثَابت بن السمط أَو السمط بن ثَابت قَالَ: كَانُوا فِي السّفر فِي خوف فصلوا ركبانا، فَالْتَفت فَرَأى الأشتر قد نزل للصَّلَاة، فَقَالَ: خَالف خُولِفَ بِهِ، فجرح الأشتر فِي الْفِتْنَة) . قَالَ: فَبَان بِهَذَا الْخَبَر أَنهم كَانُوا حِين صلوا ركبانا لِأَن الْإِجْمَاع حَاصِل على أَن الْمَطْلُوب لَا يُصَلِّي إلاّ رَاكِبًا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الطَّالِب فَقَالَ ابْن التِّين: صَلَاة ابْن السمط ظَاهرهَا إِنَّهَا كَانَت فِي الْوَقْت، وَهُوَ من قَوْله تَعَالَى: {رجَالًا أَو ركبانا} (الْبَقَرَة: ٢٣٩) [/ ح.

قَوْله: (كَذَلِك الْأَمر) أَي: أَدَاء الصَّلَاة على ظهر الدَّابَّة بِالْإِيمَاءِ، وَهُوَ الشان وَالْحكم عِنْد خوف فَوَات الْوَقْت أَو فَوَات الْعَدو أَو فَوَات النَّفس. قَوْله: (وَاحْتج الْوَلِيد) أَي: الْوَلِيد الْمَذْكُور، وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أَن الْوَلِيد قوى مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ فِي مَسْأَلَة الطَّالِب بِهَذِهِ الْقِصَّة. قلت: لَا يفهم من احتجاج الْوَلِيد بِالْحَدِيثِ تَقْوِيَة مَا ذهب إِلَيْهِ الْأَوْزَاعِيّ صَرِيحًا وَإِنَّمَا وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ بطرِيق الْأَوْلَوِيَّة، لِأَن الَّذين أخروا الصَّلَاة حَتَّى وصلوا إِلَى بني قُرَيْظَة لم يعنفهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ كَونهم فوتوا الْوَقْت، فَصَلَاة من لَا يفوت الْوَقْت بِالْإِيمَاءِ أَو كَيفَ مَا تمكن، أولى من تَأْخِير الصَّلَاة حَتَّى يخرج وَقتهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: احتجاج الْوَلِيد بِحَدِيث بني قُرَيْظَة لَيْسَ فِيهِ حجَّة، لِأَنَّهُ قبل نزُول صَلَاة الْخَوْف قَالَ: وَقيل: إِنَّمَا صلى شُرَحْبِيل على ظهر الدَّابَّة لِأَنَّهُ طمع فِي فتح الْحصن، فصلى إِيمَاء ثمَّ فَتحه. وَقَالَ ابْن بطال: وَأما اسْتِدْلَال الْوَلِيد بِقصَّة بني قُرَيْظَة على صَلَاة الطَّالِب رَاكِبًا، فَلَو وجد فِي بعض طرق الحَدِيث أَن الَّذين صلوا فِي الطَّرِيق صلوا ركبانا لَكَانَ بَينا، وَلما لم يُوجد ذَلِك احْتمل أَن يُقَال: إِنَّه يسْتَدلّ بِأَنَّهُ كَمَا سَاغَ للَّذين صلوا فِي بني قُرَيْظَة مَعَ ترك الْوَقْت، وَهُوَ فرض، كَذَلِك سَاغَ للطَّالِب أَن يُصَلِّي فِي الْوَقْت رَاكِبًا بِالْإِيمَاءِ، وَيكون تَركه للرُّكُوع وَالسُّجُود كَتَرْكِ الْوَقْت وَيُقَال: لَا حجَّة فِي حَدِيث بني قُرَيْظَة لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أَرَادَ سرعَة سيرهم، وَلم يَجْعَل لَهُم بني قُرَيْظَة موضعا للصَّلَاة، ومذاهب الْفُقَهَاء فِي هَذَا الْبَاب، فَعِنْدَ أبي حنيفَة: إِذا كَانَ الرجل مَطْلُوبا فَلَا بَأْس بِصَلَاتِهِ سائرا، وَإِن كَانَ طَالبا فَلَا. وَقَالَ مَالك وَجَمَاعَة من أَصْحَابه: هما سَوَاء، كل وَاحِد مِنْهُمَا يُصَلِّي على دَابَّته. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين كَقَوْل أبي حنيفَة، وَهُوَ قَول عَطاء وَالْحسن وَالثَّوْري وَأحمد وَأبي ثَوْر وَعَن الشَّافِعِي: إِن خَافَ الطَّالِب فَوت الْمَطْلُوب أَوْمَأ وإلاّ فَلَا.

٦٩ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء قَالَ حَدثنَا جوَيْرِية عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لنا لما رَجَعَ من الْأَحْزَاب لَا يصلين أحد الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة فَأدْرك بَعضهم الْعَصْر فِي الطَّرِيق فَقَالَ بَعضهم لَا نصلي حَتَّى نأتيها. وَقَالَ بَعضهم بل نصلي لم يرد منا ذَلِك فَذكر للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلم يعنف وَاحِدًا مِنْهُم) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يدل على أَن الْمَطْلُوب إِذا صلى فِي الْوَقْت بِالْإِيمَاءِ جَازَ كَمَا أَن الَّذين صلوا فِي بني قُرَيْظَة مَعَ ترك الْوَقْت جَازَ لَهُم ذَلِك وَلِهَذَا لم يعنفهم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فعلى هَذَا فالجواز فِي الْمَطْلُوب أقوى (فَإِن قلت) فِيهِ ترك الرُّكُوع وَالسُّجُود وهما فرضان (قلت) كَذَلِك فِي صلَاتهم فِي بني قُرَيْظَة ترك الْوَقْت وَالْوَقْت فرض وَلما ذكر البُخَارِيّ احتجاج الْوَلِيد بِحَدِيث قصَّة بني قُرَيْظَة ذكره مُسْندًا عَقِيبه ليعلم صِحَة الحَدِيث عِنْده وَصِحَّة الِاسْتِدْلَال بِهِ فَافْهَم. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء بن عبيد بن مُخَارق الضبعِي الْبَصْرِيّ ابْن أخي جوَيْرِية الْمَذْكُور وَهُوَ مصغر جَارِيَة بِالْجِيم ابْن أَسمَاء روى عَنهُ مُسلم أَيْضا مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي جوَيْرِية بن أَسمَاء يكنى أَبَا مِخْرَاق الْبَصْرِيّ. الثَّالِث نَافِع مولى ابْن عمر. الرَّابِع عبد الله بن عمر. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن النّصْف الأول من الروَاة بصريان وَالنّصف الثَّانِي مدنيان وَفِيه رِوَايَة الرجل عَن عَمه وَفِيه اسْم أحد الروَاة بِالتَّصْغِيرِ وَالْحَال أَن أصل وَضعه للْأُنْثَى. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن شيخ البُخَارِيّ عَن جوَيْرِية بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " من الْأَحْزَاب " هِيَ غَزْوَة الخَنْدَق وَقد أنزل الله فِيهَا سُورَة الْأَحْزَاب وَكَانَت فِي شَوَّال

سنة خمس من الْهِجْرَة نَص على ذَلِك ابْن إِسْحَاق وَعُرْوَة بن الزبير وَقَتَادَة وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ ثمَّ كَانَت الْأَحْزَاب فِي شَوَّال سنة أَربع وَكَذَلِكَ قَالَ مَالك بن أنس فِيمَا رَوَاهُ أَحْمد عَن مُوسَى بن دَاوُد عَنهُ وَالْجُمْهُور على قَول ابْن إِسْحَق وَسميت بالأحزاب لِأَن الْكفَّار تألفوا من قبائل الْعَرَب وهم عشرَة آلَاف نفس وَكَانُوا ثَلَاثَة عَسَاكِر وَجَنَاح الْأَمر إِلَى أبي سُفْيَان وَسميت أَيْضا بغزوة الخَنْدَق لِأَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما سمع بهم وَمَا جمعُوا لَهُ من الْأَمر ضرب الخَنْدَق على الْمَدِينَة قَالَ ابْن هِشَام يُقَال أَن الَّذِي أَشَارَ بِهِ سلمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ الطَّبَرِيّ والسهيلي أول من حفر الْخَنَادِق منوجهر بن أيرج وَكَانَ فِي زمن مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَذكر ابْن إِسْحَق لما انْصَرف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن الخَنْدَق رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة والمسلمون قد وضعُوا السِّلَاح فَلَمَّا كَانَ الظّهْر أَتَى جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ لَهُ مَا وضعت الْمَلَائِكَة السِّلَاح بعد وَإِن الله يَأْمُرك أَن تسير إِلَى بني قُرَيْظَة فَإِنِّي عَائِد إِلَيْهِم فَأمر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِلَالًا فَأذن فِي النَّاس من كَانَ سَامِعًا مُطيعًا فَلَا يصلين الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة قَالَ ابْن سعد ثمَّ سَار إِلَيْهِم وهم ثَلَاثَة آلَاف وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء لتسْع بَقينَ من ذِي الْقعدَة عقيب الخَنْدَق قَوْله " لَا يصلين " بالنُّون الثَّقِيلَة الْمُؤَكّدَة قَوْله " فِي بني قُرَيْظَة " بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره هَاء وهم فرقة من الْيَهُود وَقُرَيْظَة وَالنضير والنحام وَعَمْرو وَهُوَ هدل بَين الْخَزْرَج بن الصَّرِيح بن نومان بن السمط يَنْتَهِي إِلَى إِسْرَائِيل بن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ ابْن دُرَيْد الْقرظ ضرب من الشّجر يدبغ بِهِ يُقَال أَدِيم مقروظ وتصغيره قُرَيْظَة وَبِه سمي الْبَطن من الْيَهُود وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ التَّنْصِيص على الْعَصْر وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْعَصْر وَفِي صَحِيح مُسلم التَّنْصِيص على الظّهْر وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن حبَان ومستخرج أبي نعيم قبل التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ إِن هَذَا الْأَمر كَانَ بعد دُخُول وَقت الظّهْر وَقد صلى الظّهْر بَعضهم دون بعض فَقيل للَّذين لم يصلوا الظّهْر لَا تصلوا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وللذين صلوها بِالْمَدِينَةِ لَا تصلوا الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَقيل يحْتَمل أَنه قَالَ للْجَمِيع لَا تصلوا الْعَصْر وَلَا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَقيل يحْتَمل أَنه قيل للَّذين ذَهَبُوا أَولا لَا تصلوا الظّهْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وللذين ذَهَبُوا بعدهمْ لَا تصلوا الْعَصْر إِلَّا بهَا قَوْله " فَأدْرك بَعضهم " الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى لفظ أحد وَفِي بَعضهم الثَّانِي وَالثَّالِث إِلَى الْبَعْض قَوْله " لم يرد منا " على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع أَي المُرَاد من قَوْله " لَا يصلين أحد " لَازمه وَهُوَ الاستعجال فِي الذّهاب إِلَى بني قُرَيْظَة لَا حَقِيقَة ترك الصَّلَاة أصلا وَلم يُعِنْهُمْ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على مُخَالفَة النَّهْي لأَنهم فَهموا مِنْهُ الْكِنَايَة عَن العجلة وَلَا التاركين للصَّلَاة المؤخرين عَن أول وَقتهَا لحملهم النَّهْي على ظَاهره (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) من ذَلِك مَا استنبط مِنْهُ ابْن حبَان معنى حسنا حَيْثُ قَالَ لَو كَانَ تَأْخِير الْمَرْء للصَّلَاة عَن وَقتهَا إِلَى أَن يدْخل وَقت الصَّلَاة الْأُخْرَى يلْزمه بذلك اسْم الْكفْر لما أَمر الْمُصْطَفى بذلك. وَمِنْه مَا قَالَه السُّهيْلي فِيهِ دَلِيل على أَن كل مُخْتَلفين فِي الْفُرُوع من الْمُجْتَهدين مُصِيب إِذْ لَا يَسْتَحِيل أَن يكون الشَّيْء صَوَابا فِي حق إِنْسَان خطأ فِي حق غَيره فَيكون من اجْتهد فِي مَسْأَلَة فأداه اجْتِهَاده إِلَى الْحل مصيبا فِي حلهَا وَكَذَا الْحُرْمَة وَإِنَّمَا الْمحَال أَن يحكم فِي النَّازِلَة بحكمين متضادين فِي حق شخص وَاحِد وَإِنَّمَا عسر فهم هَذَا الأَصْل على طائفتين الظَّاهِرِيَّة والمعتزلة أما الظَّاهِرِيَّة فَإِنَّهُم عَلقُوا الْأَحْكَام بالنصوص فاستحال عِنْدهم أَن يكون النَّص يَأْتِي بحظر وَإِبَاحَة مَعًا إِلَّا على وَجه النّسخ وَأما الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم عَلقُوا الْأَحْكَام بتقبيح الْعقل وتحسينه فَصَارَ حسن الْفِعْل عِنْدهم أَو قبحه صفة عين فاستحال عِنْدهم أَن يَتَّصِف فعل بالْحسنِ فِي حق زيد والقبح فِي حق عَمْرو كَمَا يَسْتَحِيل ذَلِك فِي الألوان وَغَيرهَا من الصِّفَات الْقَائِمَة بالذوات وَأما مَا عدا هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ فَلَيْسَ الْحَظْر عِنْدهم وَالْإِبَاحَة بِصِفَات أَعْيَان وَإِنَّمَا هِيَ صِفَات أَحْكَام وَزعم الْخطابِيّ أَن قَول الْقَائِل فِي هَذَا كل مُجْتَهد مُصِيب لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ ظَاهر خطاب خص بِنَوْع من الدَّلِيل أَلا ترَاهُ قَالَ بل نصلي لم يرد منا ذَلِك يُرِيد أَن طَاعَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيمَا أمره بِهِ من إِقَامَة الصَّلَاة فِي بني قُرَيْظَة لَا يُوجب تَأْخِيرهَا عَن وَقتهَا على عُمُوم الْأَحْوَال وَإِنَّمَا هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ صلوا فِي بني قُرَيْظَة إِلَّا أَن يدرككم وَقتهَا قبل أَن تصلوا إِلَيْهَا وَكَذَا الطَّائِفَة الْأُخْرَى فِي تأخيرهم الصَّلَاة كَأَنَّهُ قيل لَهُم صلوا الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا إِلَّا أَن يكون لكم عذر فأخروها إِلَى آخر وَقتهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى لَا احتجاج فِيهِ

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد