«غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٤٢

الحديث رقم ٩٤٢ من كتاب «أبواب صلاة الخوف» في صحيح البخاري، تحت باب: أبواب صلاة الخوف.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فوازينا العدو…

«غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاؤُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ».

سند حديث: ٩٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ…

٩٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ، يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فوازينا العدو…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٢ - كِتَاب صَلَاةِ الْخَوْفِ

[١ - باب صلاة الخوف]

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء ١٠١ - ١٠٢]

٩٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ، يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.

[الحديث ٩٤٢ - أطرافه في: ٤٥٣٥. ٤١٣٣. ٤١٣٢. ٩٤٣]

قَوْلُهُ: (أَبْوَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ) ثَبَتَ لَفْظُ أَبْوَابٍ لِلْمُسْتَمْلِي، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ بَابٌ بِالْإِفْرَادِ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿ ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ثَبَتَ سِيَاقُ الْآيَتَيْنِ بِلَفْظِهِمَا إِلَى قَوْلِهِ: (مَهِينًا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ عَلَى مَا هُنَا وَقَالَ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ وَأَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَسَاقَ الْأُولَى بِتَمَامِهَا وَمِنَ الثَّانِيَةِ إِلَى قَوْلِهِ: (مَعَكَ) ثُمَّ قَالَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ إثْرَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْخَمْسِ، لَكِنْ خَرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ قِيَاسِ حُكْمِ بَاقِي الصَّلَوَاتِ، وَلَمَّا كَانَ خُرُوجُ الْجُمُعَةِ أَخَفَّ قَدَّمَهُ تِلْوَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَعَقَّبَهُ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ لِكَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَسَاقَ الْآيَتَيْنِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّ خُرُوجَ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَنْ هَيْئَةِ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ قَوْلًا وَبِالسُّنَّةِ فِعْلًا. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَمَّا كَانَتِ الْآيَتَانِ قَدِ اشْتَمَلَتَا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَصْرِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَعَلَى كَيْفِيَّتِهَا سَاقَهُمَا مَعًا وَآثَرَ تَخْرِيجَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِقُوَّةِ شَبَهِ الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهِ بِالْآيَةِ. وَمَعْنَى قولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ أَيْ سَافَرْتُمْ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْقَصْرَ مُخْتَصٌّ بِالسَّفَرِ وَهُوَ كَذَلِكَ.

وَأَمَّا

قَوْلُهُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ فَمَفْهُومُهُ اخْتِصَاصُ الْقَصْرِ بِالْخَوْفِ أَيْضًا، وَقَدْ سَأَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ الصَّحَابِيُّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، فَثَبَتَ الْقَصْرُ فِي الْأَمْنِ بِبَيَانِ السُّنَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ فَمَنَعَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَخْذًا بِالْمَفْهُومِ أَيْضًا وَأَجَازَهُ الْبَاقُونَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فَقَدْ أَخَذَ بِمَفْهُومِهِ أَبُو يُوسُفَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ، وَحُكِيَ عَنِ الْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ وَبِقَوْلِهِ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَعُمُومُ مَنْطُوقِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى ذَلِكَ الْمَفْهُومِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ: شَرْطُ كَوْنِهِ فِيهِمْ إِنَّمَا وَرَدَ لِبَيَانِ الْحُكْمِ لَا لِوُجُودِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: بَيَّنْ لَهُمْ بِفِعْلِكَ لِكَوْنِهِ أَوْضَحَ مِنَ الْقَوْلِ. ثُمَّ إِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ عُذْرٍ طَرَأَ عَلَى الْعِبَادَةِ فَهُوَ عَلَى التَّسَاوِي كَالْقَصْرِ، وَالْكَيْفِيَّةُ وَرَدَتْ لِبَيَانِ الْحَذَرِ مِنَ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ. وَقَالَ الزَّيْنُ الْمُنِيرُ: الشَّرْطُ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجِ التَّعْلِيمِ لَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ كَالْخَوْفِ فِي قولِهِ تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: كَانَ أَبُو يُوسُفَ قَدْ قَالَ مَرَّةً: لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْخَوْفِ بَعْدَ رَسُولِ وَزَعَمَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا صَلَّوْهَا مَعَهُ لِفَضْلِ الصَّلَاةِ مَعَهُ ، قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَدْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ يَعِيبُهُ وَيَقُولُ: إِنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ النَّبِيِّ وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ النَّاسِ جَمِيعًا إِلَّا أَنَّهُ يَقْطَعُهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ خَلْفَ غَيْرِهِ انْتَهَى.

وَسَيَأْتِي سَبَبُ النُّزُولِ وَبَيَانُ أَوَّلِ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ فِي الْخَوْفِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ سَأَلْتُهُ) الْقَائِلُ هُوَ شُعَيْبٌ وَالْمَسْئُولُ هُوَ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ الْقَائِلُ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَوَقَعَ بِخَطِّ بَعْضِ مَنْ نَسَخَ الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ فَأَثْبَتَ قَالَ ظَنًّا أَنَّهَا حُذِفَتْ خَطَأً عَلَى الْعَادَةِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَيَكُونُ حُذِفَ فَاعِلُ قَالَ، لَا أَنَّ الزُّهْرِيَّ هُوَ الَّذِي قَالَ: وَالْمُتَّجَهُ حَذْفُهَا وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةً أَيْ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ حَالَ سُؤَالِي إِيَّاهُ. وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ عَنْ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَزَادَ فِيهِ وَلَفْظُهُ سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ صَلَّاهَا إِنْ كَانَ صَلَّاهَا؟ وَفِي أَيِّ مَغَازِيهِ كَانَ ذَلِكَ؟ فَأَفَادَ بَيَانَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَهُوَ صَلَاةُ الْخَوْفِ.

قَوْلُهُ: (غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ قِبَلَ نَجْدٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ نَجْدٍ، وَنَجْدٌ كُلُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْغَزْوَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنَ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (فَوَازَيْنَا) بِالزَّايِ أَيْ قَابَلْنَا، قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ: يُقَالُ آزَيْتُ، يَعْنِي بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ لَا بِالْوَاوِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَهُ الْهَمْزَةُ فَقُلِبَتْ وَاوًا.

قَوْلُهُ: (فَصَافَفْنَاهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ وَقَوْلِهِ فَصَلَّى لَنَا أَيْ لِأَجْلِنَا أَوْ بِنَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ) أَيْ فَقَامُوا فِي مَكَانِهِمْ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ بَقِيَّةَ الْمَذْكُورَةِ، وَلِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَّلُوا وَلَا يُسَلِّمُونَ وَسَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ.

قَوْلُهُ: (رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ نِصْفِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي قَوْلِهِ مِثْلَ نِصْفِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ غَيْرَ الصُّبْحِ، فَعَلَى هَذَا فَهِيَ رُبَاعِيَّةٌ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتِ الْعَصْرَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ الْمَقْضِيَّةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ لِكُلٍّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ لِلثَّانِيَةِ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ) لَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٩٤٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ) شعيبٌ: (سَأَلْتُهُ) أي: الزُّهريَّ، كذا بإثبات: «قال» ملحقةً بين الأسطر في فرع «اليونينيَّة»، وكذا رأيته فيها ملحقًا (١) بين سطورها، مُصحَّحًا عليه، قال الحافظ ابن حجرٍ : ووقع بخطِّ بعضِ مَنْ نَسَخَ الحديثَ: عن الزُّهريِّ قال: سألته، فأثبت: «قال» ظنًّا منه (٢) أنَّها حُذِفت خطًّا على العادة، وهو مُحْتَمَلٌ، ويكون حُذِفَ فاعل «قال»، لا أنَّ الزُّهريَّ هو الَّذي قال، والمُتَّجَه حذفُها، وتكون الجملة حاليَّةً، أي: أخبرني الزُّهريُّ حال سؤالي إيَّاه: (هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ؟ يَعْنِي: صَلَاةَ الخَوْفِ قَالَ) أي: الزُّهريُّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «فقال»: (أَخْبَرَنِي سَالِمٌ) هو ابن عبد الله بن عمر (أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ( قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «مع النَّبيِّ» ( قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (نَجْدٍ) بأرض غطفان: وهو كلُّ ما ارتفع من بلاد العرب من تهامة إلى العراق، وكانت الغزوة ذات الرِّقاع، وأوَّل ما صُلِّيت صلاة الخوف فيها سنة أربعٍ أو خمسٍ أو ستٍّ أو سبعٍ، وقول الغزاليِّ في «الوسيط» -وتبعه الرَّافعيُّ-: إنَّها آخر الغزوات ليس بصحيحٍ، وقد أنكره عليه ابن الصَّلاح في «مشكل الوسيط». (فَوَازَيْنَا العَدُوَّ)

بالزَّاي (١)، أي: قابلناهم (فَصَافَفْنَا لَهُمْ) باللَّام، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فصاففناهم» (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ يُصَلِّي لَنَا) أي: لأجلنا أو بنا (٢)، بالمُوحَّدة (٣) (فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ) زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ: «تُصَلِّي» أي: إلى حيث لا تبلغهم سهام العدوِّ (وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ، وَرَكَعَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «فركع» (رَسُولُ اللهِ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) ثمَّ ثبت قائمًا (ثُمَّ انْصَرَفُوا) بالنِّيَّة، وهم في حكم الصَّلاة عند قيامه إلى الثَّانية منتصبًا، أو عقب رفعه من السُّجود (مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ) أي: فقاموا في مكانهم (٤) في وجه العدوِ (فَجَاؤُوا) أي: الطَّائفة الأخرى الَّتي كانت تحرس، وهو قائمٌ في الثَّانية، وهو قارئٌ (٥) منتظرٌ لها (فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) (فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) وسيأتي في «المغازي» [خ¦٤١٣٢]-إن شاء الله تعالى- ما يدلُّ على أنَّها كانت العصر. وظاهر قوله: «فقام كلُّ واحدٍ منهم … (٦)» إلى آخره، أنَّهم أتمُّوا في حالةٍ واحدةٍ، ويحتمل أنَّهم أتمُّوا على التَّعاقب، وهو الرَّاجح من حيث المعنى، وإلَّا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وهذه الصُّورة اختارها الحنفيَّة، واختار الشَّافعيَّة في كيفيَّتها: أنَّ الإمام ينتظر الطَّائفة الثَّانية ليسلِّم بها كما في حديث (٧) صالح بن خَوَّاتٍ المرويِّ في «مسلمٍ»، عمَّن شهد مع رسول الله صلاة الخوف يوم ذات الرِّقاع: «أنَّ طائفةً صفَّت

معه، وطائفةٌ وِجَاهَ العدوِّ، فصلَّى بالَّتي معه ركعةً، ثمَّ ثبت قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ انصرفوا فصفُّوا وِجاهَ العدوِّ، وجاءت الطَّائفة الأخرى فصلَّى بهم الرَّكعة الَّتي بقيت من صلاته، ثمَّ ثبت جالسًا وأتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ سلَّم بهم» أي: بالطَّائفة الثَّانية بعد التَّشهُّد، قال مالكٌ: هذا أحسن ما سمعت في صلاة الخوف. وهو دليل المالكيَّة غير قوله: ثمَّ ثبت جالسًا، وإنَّما اختار الشَّافعيَّة هذه الكيفيَّة لسلامتها من كثرة المخالفة، ولأنَّها أحوط لأمر الحرب، فإنَّها أخفُّ على الفريقين، ويُكرَه كون الفرقة المصلِّية معه والَّتي في وجه العدوِّ أقلَّ من ثلاثةٍ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ مع قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فذكرهم بلفظ الجمع، وأقلُّه ثلاثٌة، فأقلُّ الطَّائفة هنا ثلاثٌة، وهذا النَّوع بكيفيَّته حيث يكون العدوُّ في غير القبلة، أو فيها لكن حال دونهم حائلٌ يمنع رؤيتهم لو هجموا، ويجوز للإمام أن يصلِّي مرَّتين، كلَّ مرَّةٍ بفرقةٍ، فتكون الثَّانية له نافلةً، وهذه صلاة رسول الله ببطن نخلٍ، رواها الشَّيخان [خ¦٤١٢٩] [خ¦٤١٣٠] لكنَّ الأولى أفضل من هذه لأنَّها أعدل بين الطَّائفتين، ولسلامتها عمَّا في هذه من اقتداء المفترض بالمتنفِّل المُختلَف فيه، وتتأتَّى في تلك الصَّلاة (١) الجمعةُ بشرط أن يخطب بجميعهم ثمَّ يفرِّقهم فرقتين، أو يخطب بفرقةٍ ثمَّ يجعل منها مع كلٍّ من الفرقتين أربعين، فلو خطب بفرقةٍ وصلَّى بأخرى لم يجز، وكذا لو نقصت الفرقة الأولى عن الأربعين، وإن نقصت الثَّانية فطريقان، أصحُّهما: لا يضرُّ للحاجة والمسامحة في صلاة الخوف، ذكره في «المجموع» وغيره، وأمَّا إن كانوا في (٢) جهة القبلة فيأتي قريبًا في «باب يحرس بعضهم بعضًا» [خ¦٩٤٤] إن شاء الله تعالى. فإن كانت الصَّلاة رباعيَّةً، وهم في الحضر أو في السَّفر وأتمُّوا صلَّى بكلٍّ من الفرقتين ركعتين، وتشهَّد بهما وانتظر الثَّانية في جلوس التَّشهُّد، أو

قيام الثَّالثة، وهو أفضل لأنَّه محلُّ التَّطويل بخلاف جلوس التَّشهُّد الأوَّل، وإن كانت مغربًا فيصلِّي بفرقةٍ ركعتين، وبالثَّانية ركعةً، وهو أفضل من عكسه لسلامته من التَّطويل في عكسه بزيادة تشهُّدٍ في أوَّل الثَّانية، وينتظر الثَّانية في الرَّكعة الثَّالثة، أي: في القيام لها، وهذا كلُّه إذا لم يشتدَّ الخوف، أمَّا إذا اشتدَّ فيأتي حكمه في الباب التَّالي (١) إن شاء الله تعالى.

ورواة هذا الحديث الأربعة (٢) حمصيَّان ومدنيَّان، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسُّؤال والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٣٢]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ.

(٢) (بابُ صَلَاةِ الخَوْفِ) حال كون المصلِّين (رِجَالًا وَرُكْبَانًا) عند الاختلاط وشدَّة الخوف، فلا تسقط الصَّلاة عند العجز عن نزول الدَّابَّة، بل يصلُّون ركبانًا فُرادى يومئون بالرُّكوع والسُّجود إلى أيِّ جهةٍ شاؤوا.

(رَاجِلٌ قَائِمٌ) يريد أنَّ قوله في التَّرجمة: «رجالًا» جمع: «راجلٍ» لا جمع «رجلٍ» (٣)، والمراد به هنا: القائم. وسقط «راجلٌ قائمٌ» عند أبي ذَرٍّ، وثبت ذلك في رواية أبي الهيثم والحَمُّويي وأبي الوقت.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلاهَا عشر مَرَّات، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: صلاهَا أَرْبعا وَعشْرين مرّة وبيّن القَاضِي عِيَاض تِلْكَ المواطن، فَقَالَ: وَفِي حَدِيث ابْن أبي حثْمَة وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر أَنه صلاهَا فِي يَوْم ذَات الرّقاع سنة خمس من الْهِجْرَة، وَفِي حَدِيث أبي عَيَّاش الزرقي أَنه صلاهَا بعسفان وَيَوْم بني سليم، وَفِي حَدِيث جَابر فِي غزَاة جُهَيْنَة وَفِي غزَاة بني محَارب بِنَخْل، وروى أَنه صلاهَا فِي غَزْوَة نجد يَوْم ذَات الرّقاع، وَهِي غَزْوَة نجد وغزوة غطفان. وَقَالَ الْحَاكِم فِي (الإكليل) حِين ذكر غَزْوَة ذَات الرّقاع: وَقد تسمى هَذِه الْغَزْوَة غَزْوَة محَارب، وَيُقَال: غَزْوَة خصفة، وَيُقَال: غَزْوَة ثَعْلَبَة، وَيُقَال: غطفان، وَالَّذِي صَحَّ أَنه صلى بهَا صَلَاة الْخَوْف من الْغَزَوَات: ذَات الرّقاع وَذُو قرد وَعُسْفَان وغزوة الطَّائِف، وَلَيْسَ بعد غَزْوَة الطَّائِف إلاّ تَبُوك وَلَيْسَ فِيهَا لِقَاء الْعَدو، وَالظَّاهِر أَن غَزْوَة نجد مَرَّتَانِ، وَالَّذِي شَهِدَهَا أَبُو مُوسَى وَأَبُو هُرَيْرَة هِيَ غَزْوَة نجد الثَّانِيَة لصِحَّة حديثيهما فِي شهودها.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد من حَدِيث الْبَاب من قَوْله: (طَائِفَة) أَنه لَا فرق بَين أَن تكون إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَكثر من الْأُخْرَى عددا أَو تساوى عددهما، لِأَن الطَّائِفَة تطلق على الْقَلِيل وَالْكثير حَتَّى على الْوَاحِد، فَلَو كَانُوا ثَلَاثَة وَوَقع عَلَيْهِم الْخَوْف جَازَ لأَحَدهم أَن يُصَلِّي بِوَاحِد ويحرس وَاحِد، ثمَّ يُصَلِّي الآخر، وَهُوَ أقل مَا يتَصَوَّر فِي صَلَاة الْخَوْف جمَاعَة، على القَوْل: بِأَن أقل الْجَمَاعَة ثَلَاثَة، لَكِن الشَّافِعِي قَالَ: أكره أَن تكون كل طَائِفَة أقل من ثَلَاثَة، لِأَنَّهُ أعَاد عَلَيْهِم ضمير الْجمع بقوله: (أسلحتهم) ، ذكره النَّوَوِيّ.

وَمن ذَلِك أَنهم كَانُوا مسافرين، فَلَو كَانُوا مقيمين فحكمهم حكم الْمُسَافِرين عِنْد الْخَوْف، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَمَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَعنهُ: لَا تجوز صَلَاة الْخَوْف فِي الْحَضَر. وَقَالَ أَصْحَابه: تجوز خلافًا لِابْنِ الْمَاجشون، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تجوز، وَنقل النَّوَوِيّ عَن مَالك عدم الْجَوَاز فِي الْحَضَر على الْإِطْلَاق غير صَحِيح، لِأَن الْمَشْهُور عَنهُ الْجَوَاز.

٢ - (بابُ صَلَاةِ الخَوْفِ رِجَالاً ورُكْبَانا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَلَاة الْخَوْف حَال كَون الْمُصَلِّين رجَالًا وركبانا، فالرجال جمع: راجل، والركبان جمع: رَاكب، وَذَلِكَ عِنْد الِاخْتِلَاط وَشدَّة الْخَوْف، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الصَّلَاة لَا تسْقط عِنْد الْعَجز عَن النُّزُول عَن الدَّابَّة فَإِنَّهُم يصلونَ ركبانا فُرَادَى يومئون بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود إِلَى أَي جِهَة شاؤا. وَفِي (الذَّخِيرَة) : إِذا اشْتَدَّ الْخَوْف صلوا رجَالًا قيَاما على أَقْدَامهم أَو ركبانا مستقبلي الْقبْلَة وَغير مستقبليها. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (الْإِكْمَال) : لَا يجوز ترك اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِيهَا عِنْد أبي حنيفَة وَهَذَا غير صَحِيح، وَلَا تجوز بِجَمَاعَة عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَابْن أبي لَيْلَة، وَعَن مُحَمَّد: تجوز، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَإِذا لم يقدروا على الصَّلَاة على مَا وَصفنَا أخروها وَلَا يصلونَ صَلَاة غير مَشْرُوعَة، وَعَن مُجَاهِد وطاووس وَالْحسن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك: يصلونَ رَكْعَة وَاحِدَة لَا بإيماء، وَعَن الضَّحَّاك: فَإِن لم يقدروا يكبرُونَ تكبيرتين حَيْثُ كَانَت وُجُوههم، وَقَالَ إِسْحَاق: إِن لم يقدروا على الرَّكْعَة فسجدة وَاحِدَة، وإلاّ فتكبيرة وَاحِدَة.

رَاجِلٌ قائِمٌ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن رجَالًا فِي التَّرْجَمَة جمع: راجل، لَا جمع: رجل. وَالثَّانِي: أَن الراجل بِمَعْنى الْمَاشِي، كَمَا فِي سُورَة الْحَج {يأتوك رجَالًا} (الْحَج: ٢٧) .

٩٤٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيى بنِ سعِيدٍ القُرَشِيُّ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ نَحْوا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إذَا اخْتَلَطُوا قِياما. وزَادَ ابنُ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ فَلْيُصلُّوا قِياما ورُكْبَانا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن الْعَاصِ الْقرشِي، يكنى أَبَا عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ، مَاتَ فِي النّصْف من ذِي الْقعدَة سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبوهُ يحيى بن سعيد الْمَذْكُور، قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنِي سعيد بن يحيى أَنه قَالَ: مَاتَ أبي فِي النّصْف من شعْبَان سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش، مولى الزبير بن الْعَوام، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد بن عمر السابعمجاهد بن جُبَير.

ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَهِي قَوْله: حَدثنِي أبي، ويروى بِصِيغَة الْجمع أَيْضا. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بغدادي وَأَبوهُ كُوفِي وَابْن جريج وَمُجاهد مكيان ومُوسَى وَنَافِع مدنيان. وَفِيه: أَن أحد الروَاة مَنْسُوب إِلَى جده.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَالنَّسَائِيّ عَن عبد الْأَعْلَى بن وَاصل، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن آدم عَن سُفْيَان عَن مُوسَى بن عقبَة، فَذكر صَلَاة الْخَوْف نَحْو سِيَاق الزُّهْرِيّ عَن سَالم، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ ابْن عمر، فَإِذا كَانَ الْخَوْف أَكثر من ذَلِك فَليصل رَاكِبًا أَو قَائِما يومىء إِيمَاء، وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من طَرِيق دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن عَن مُوسَى بن عقبَة مَوْقُوفا، كُله، لَكِن قَالَ فِي آخِره: وَأخْبرنَا نَافِع أَن عبد الله بن عمر كَانَ يخبر بِهَذَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَاقْتضى ذَلِك رَفعه كُله، وَرَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع كَذَلِك، لَكِن قَالَ فِي آخِره: قَالَ نَافِع: لَا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذَلِك إلاّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزَاد فِي آخِره: مستقبلي الْقبْلَة أَو غير مستقبليها.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن نَافِع عَن ابْن عمر نَحوا من قَول مُجَاهِد) أَي: روى نَافِع عَن ابْن عمر مثل قَول مُجَاهِد، وَقَول مُجَاهِد هُوَ قَوْله: إِذا اختلطوا، بيّن ذَلِك الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة حجاج بن مُحَمَّد عَن ابْن مُحَمَّد عَن ابْن جريج عَن عبد الله بن كثير عَن مُجَاهِد: إِذا اختلطوا فَإِنَّمَا الأشارة بِالرَّأْسِ هُوَ الذّكر، وَإِشَارَة الرَّأْس، وكل وَاحِد من قَول ابْن عمر وَقَول مُجَاهِد مَوْقُوف، أما رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر فَإِنَّهَا مَوْقُوفَة على ابْن عمر، وَأما قَول مُجَاهِد فَإِنَّهُ مَوْقُوف على نَفسه، لِأَنَّهُ لم يروه عَن ابْن عمر، وَلَا عَن غَيره، وَقَالَ ابْن بطال: أما صَلَاة الْخَوْف رجَالًا وركبانا فَلَا تكون إلاّ إِذا اشْتَدَّ الْخَوْف واختلطوا فِي الْقِتَال، وَهَذِه الصَّلَاة تسمى: بِصَلَاة المسايفة، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك ابْن عمر، وَإِن كَانَ خوفًا شَدِيدا صلوا قيَاما على أَقْدَامهم أَو ركبانا مستقبلي الْقبْلَة أَو غير مستقبليها، وَهُوَ قَول مُجَاهِد: روى ابْن جريج عَن مُجَاهِد قَالَ: إِذا اختلطوا فَإِنَّمَا هُوَ الذّكر وَالْإِشَارَة بِالرَّأْسِ، فمذهب مُجَاهِد أَنه يجْزِيه الأيماء عِنْد شدَّة الْقِتَال كمذهب ابْن عمر، وَقَول البُخَارِيّ: وَزَاد ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك فليصلوا قيَاما وركبانا) أَرَادَ بِهِ أَن ابْن عمر رَوَاهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ من رَأْيه، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْند، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام، وَلَيْسَ أحد من الشُّرَّاح غير ابْن بطال أعْطى لهَذَا الحَدِيث حَقه. قَوْله: (إِذا اختلطوا قيَاما) أَي: قَائِمين، وانتصابه على الْحَال، وَذُو الْحَال مَحْذُوف تَقْدِيره: يصلونَ قيَاما، وَالْمرَاد من الِاخْتِلَاط: اخْتِلَاط الْمُسلمين بالعدو. قَوْله: (وَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك) أَي: وَإِن كَانَ الْعَدو أَكثر عِنْد اشتداد الْخَوْف. وَقَوله: (من ذَلِك) أَي: من الْخَوْف الَّذِي لَا يُمكن مَعَه الْقيام فِي مَوضِع وَلَا إِقَامَة صف فليصلوا حِينَئِذٍ قيَاما وركبانا. وانتصابهما على الْحَال، وَمعنى: ركبانا أَي: على رواحلهم، لِأَن فرض النُّزُول سقط. وَقَالَ الطخاوي: ذهب قوم إِلَى أَن الرَّاكِب لَا يُصَلِّي الْفَرِيضَة على دَابَّته وَإِن كَانَ فِي حَال لَا يُمكنهُ فِيهَا النُّزُول، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يصل يَوْم الخَنْدَق رَاكِبًا.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن حُذَيْفَة قَالَ: (سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول يَوْم الخَنْدَق: شغلونا عَن صَلَاة الْعَصْر، قَالَ: وَلم يصلها يَوْمئِذٍ حَتَّى غربت الشَّمْس، مَلأ الله قُبُورهم نَارا وَقُلُوبهمْ نَارا وَبُيُوتهمْ نَارا) . هَذَا لفظ الطَّحَاوِيّ. قلت: وَأَرَادَ الطَّحَاوِيّ بالقوم: ابْن أبي ليلى وَالْحكم بن عتيبة وَالْحسن بن حَيّ، وَقَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، وَأَرَادَ بهم: الثَّوْريّ وَأَبا حنيفَة وَأَبا يُوسُف ومحمدا وَزفر ومالكا وَأحمد، فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن كَانَ الرَّاكِب فِي الْحَرْب يُقَاتل لَا يُصَلِّي وَإِن كَانَ رَاكِبًا لَا يُقَاتل وَلَا يُمكنهُ النُّزُول يُصَلِّي، وَعند الشَّافِعِي: يجوز لَهُ أَن يُقَاتل وَهُوَ يُصَلِّي من غير تتَابع الضربات والطعنات، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد يجوز أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يصل يَوْمئِذٍ لِأَنَّهُ لم يكن أَمر حِينَئِذٍ أَن يُصَلِّي رَاكِبًا، دلّ على ذَلِك حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ: حبسنا يَوْم الخَنْدَق حَتَّى كَانَ بعد الْمغرب بهوي من اللَّيْل حَتَّى كفينا، وَذَلِكَ قَول الله عز وَجل: {وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَكَانَ الله قَوِيا عَزِيزًا} (الْأَحْزَاب: ٢٥) . قَالَ: فَدَعَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَالًا فَأَقَامَ الظّهْر فَأحْسن صلَاتهَا كَمَا كَانَ يُصليهَا فِي وَقتهَا، ثمَّ أمره فَأَقَامَ الْعَصْر فَصلاهَا كَذَلِك، ثمَّ أمره فَأَقَامَ الْمغرب فَصلاهَا كَذَلِك، وَذَلِكَ قبل أَن ينزل الله عز وَجل فِي صَلَاة الْخَوْف: {فرجالاً أَو ركبانا} (الْبَقَرَة: ٢٣٩) . فَأخْبر أَبُو سعيد أَن تَركهم للصَّلَاة يَوْمئِذٍ ركبانا إِنَّمَا كَانَ قبل أَن يُبَاح لَهُم ذَلِك، ثمَّ أُبِيح لَهُم بِهَذِهِ الْآيَة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٢ - كِتَاب صَلَاةِ الْخَوْفِ

[١ - باب صلاة الخوف]

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء ١٠١ - ١٠٢]

٩٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ، يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.

[الحديث ٩٤٢ - أطرافه في: ٤٥٣٥. ٤١٣٣. ٤١٣٢. ٩٤٣]

قَوْلُهُ: (أَبْوَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ) ثَبَتَ لَفْظُ أَبْوَابٍ لِلْمُسْتَمْلِي، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ بَابٌ بِالْإِفْرَادِ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿ ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ثَبَتَ سِيَاقُ الْآيَتَيْنِ بِلَفْظِهِمَا إِلَى قَوْلِهِ: (مَهِينًا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ عَلَى مَا هُنَا وَقَالَ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ وَأَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَسَاقَ الْأُولَى بِتَمَامِهَا وَمِنَ الثَّانِيَةِ إِلَى قَوْلِهِ: (مَعَكَ) ثُمَّ قَالَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ إثْرَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْخَمْسِ، لَكِنْ خَرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ قِيَاسِ حُكْمِ بَاقِي الصَّلَوَاتِ، وَلَمَّا كَانَ خُرُوجُ الْجُمُعَةِ أَخَفَّ قَدَّمَهُ تِلْوَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَعَقَّبَهُ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ لِكَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَسَاقَ الْآيَتَيْنِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّ خُرُوجَ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَنْ هَيْئَةِ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ قَوْلًا وَبِالسُّنَّةِ فِعْلًا. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَمَّا كَانَتِ الْآيَتَانِ قَدِ اشْتَمَلَتَا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَصْرِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَعَلَى كَيْفِيَّتِهَا سَاقَهُمَا مَعًا وَآثَرَ تَخْرِيجَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِقُوَّةِ شَبَهِ الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهِ بِالْآيَةِ. وَمَعْنَى قولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ أَيْ سَافَرْتُمْ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْقَصْرَ مُخْتَصٌّ بِالسَّفَرِ وَهُوَ كَذَلِكَ.

وَأَمَّا

قَوْلُهُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ فَمَفْهُومُهُ اخْتِصَاصُ الْقَصْرِ بِالْخَوْفِ أَيْضًا، وَقَدْ سَأَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ الصَّحَابِيُّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، فَثَبَتَ الْقَصْرُ فِي الْأَمْنِ بِبَيَانِ السُّنَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ فَمَنَعَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَخْذًا بِالْمَفْهُومِ أَيْضًا وَأَجَازَهُ الْبَاقُونَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فَقَدْ أَخَذَ بِمَفْهُومِهِ أَبُو يُوسُفَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ، وَحُكِيَ عَنِ الْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ وَبِقَوْلِهِ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَعُمُومُ مَنْطُوقِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى ذَلِكَ الْمَفْهُومِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ: شَرْطُ كَوْنِهِ فِيهِمْ إِنَّمَا وَرَدَ لِبَيَانِ الْحُكْمِ لَا لِوُجُودِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: بَيَّنْ لَهُمْ بِفِعْلِكَ لِكَوْنِهِ أَوْضَحَ مِنَ الْقَوْلِ. ثُمَّ إِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ عُذْرٍ طَرَأَ عَلَى الْعِبَادَةِ فَهُوَ عَلَى التَّسَاوِي كَالْقَصْرِ، وَالْكَيْفِيَّةُ وَرَدَتْ لِبَيَانِ الْحَذَرِ مِنَ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ. وَقَالَ الزَّيْنُ الْمُنِيرُ: الشَّرْطُ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجِ التَّعْلِيمِ لَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ كَالْخَوْفِ فِي قولِهِ تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: كَانَ أَبُو يُوسُفَ قَدْ قَالَ مَرَّةً: لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْخَوْفِ بَعْدَ رَسُولِ وَزَعَمَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا صَلَّوْهَا مَعَهُ لِفَضْلِ الصَّلَاةِ مَعَهُ ، قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَدْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ يَعِيبُهُ وَيَقُولُ: إِنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ النَّبِيِّ وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ النَّاسِ جَمِيعًا إِلَّا أَنَّهُ يَقْطَعُهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ خَلْفَ غَيْرِهِ انْتَهَى.

وَسَيَأْتِي سَبَبُ النُّزُولِ وَبَيَانُ أَوَّلِ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ فِي الْخَوْفِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ سَأَلْتُهُ) الْقَائِلُ هُوَ شُعَيْبٌ وَالْمَسْئُولُ هُوَ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ الْقَائِلُ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَوَقَعَ بِخَطِّ بَعْضِ مَنْ نَسَخَ الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ فَأَثْبَتَ قَالَ ظَنًّا أَنَّهَا حُذِفَتْ خَطَأً عَلَى الْعَادَةِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَيَكُونُ حُذِفَ فَاعِلُ قَالَ، لَا أَنَّ الزُّهْرِيَّ هُوَ الَّذِي قَالَ: وَالْمُتَّجَهُ حَذْفُهَا وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةً أَيْ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ حَالَ سُؤَالِي إِيَّاهُ. وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ عَنْ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَزَادَ فِيهِ وَلَفْظُهُ سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ صَلَّاهَا إِنْ كَانَ صَلَّاهَا؟ وَفِي أَيِّ مَغَازِيهِ كَانَ ذَلِكَ؟ فَأَفَادَ بَيَانَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَهُوَ صَلَاةُ الْخَوْفِ.

قَوْلُهُ: (غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ قِبَلَ نَجْدٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ نَجْدٍ، وَنَجْدٌ كُلُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْغَزْوَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنَ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (فَوَازَيْنَا) بِالزَّايِ أَيْ قَابَلْنَا، قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ: يُقَالُ آزَيْتُ، يَعْنِي بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ لَا بِالْوَاوِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَهُ الْهَمْزَةُ فَقُلِبَتْ وَاوًا.

قَوْلُهُ: (فَصَافَفْنَاهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ وَقَوْلِهِ فَصَلَّى لَنَا أَيْ لِأَجْلِنَا أَوْ بِنَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ) أَيْ فَقَامُوا فِي مَكَانِهِمْ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ بَقِيَّةَ الْمَذْكُورَةِ، وَلِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَّلُوا وَلَا يُسَلِّمُونَ وَسَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ.

قَوْلُهُ: (رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ نِصْفِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي قَوْلِهِ مِثْلَ نِصْفِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ غَيْرَ الصُّبْحِ، فَعَلَى هَذَا فَهِيَ رُبَاعِيَّةٌ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتِ الْعَصْرَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ الْمَقْضِيَّةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ لِكُلٍّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ لِلثَّانِيَةِ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ) لَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٩٤٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ) شعيبٌ: (سَأَلْتُهُ) أي: الزُّهريَّ، كذا بإثبات: «قال» ملحقةً بين الأسطر في فرع «اليونينيَّة»، وكذا رأيته فيها ملحقًا (١) بين سطورها، مُصحَّحًا عليه، قال الحافظ ابن حجرٍ : ووقع بخطِّ بعضِ مَنْ نَسَخَ الحديثَ: عن الزُّهريِّ قال: سألته، فأثبت: «قال» ظنًّا منه (٢) أنَّها حُذِفت خطًّا على العادة، وهو مُحْتَمَلٌ، ويكون حُذِفَ فاعل «قال»، لا أنَّ الزُّهريَّ هو الَّذي قال، والمُتَّجَه حذفُها، وتكون الجملة حاليَّةً، أي: أخبرني الزُّهريُّ حال سؤالي إيَّاه: (هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ؟ يَعْنِي: صَلَاةَ الخَوْفِ قَالَ) أي: الزُّهريُّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «فقال»: (أَخْبَرَنِي سَالِمٌ) هو ابن عبد الله بن عمر (أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ( قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «مع النَّبيِّ» ( قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (نَجْدٍ) بأرض غطفان: وهو كلُّ ما ارتفع من بلاد العرب من تهامة إلى العراق، وكانت الغزوة ذات الرِّقاع، وأوَّل ما صُلِّيت صلاة الخوف فيها سنة أربعٍ أو خمسٍ أو ستٍّ أو سبعٍ، وقول الغزاليِّ في «الوسيط» -وتبعه الرَّافعيُّ-: إنَّها آخر الغزوات ليس بصحيحٍ، وقد أنكره عليه ابن الصَّلاح في «مشكل الوسيط». (فَوَازَيْنَا العَدُوَّ)

بالزَّاي (١)، أي: قابلناهم (فَصَافَفْنَا لَهُمْ) باللَّام، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فصاففناهم» (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ يُصَلِّي لَنَا) أي: لأجلنا أو بنا (٢)، بالمُوحَّدة (٣) (فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ) زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ: «تُصَلِّي» أي: إلى حيث لا تبلغهم سهام العدوِّ (وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ، وَرَكَعَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «فركع» (رَسُولُ اللهِ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) ثمَّ ثبت قائمًا (ثُمَّ انْصَرَفُوا) بالنِّيَّة، وهم في حكم الصَّلاة عند قيامه إلى الثَّانية منتصبًا، أو عقب رفعه من السُّجود (مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ) أي: فقاموا في مكانهم (٤) في وجه العدوِ (فَجَاؤُوا) أي: الطَّائفة الأخرى الَّتي كانت تحرس، وهو قائمٌ في الثَّانية، وهو قارئٌ (٥) منتظرٌ لها (فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) (فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) وسيأتي في «المغازي» [خ¦٤١٣٢]-إن شاء الله تعالى- ما يدلُّ على أنَّها كانت العصر. وظاهر قوله: «فقام كلُّ واحدٍ منهم … (٦)» إلى آخره، أنَّهم أتمُّوا في حالةٍ واحدةٍ، ويحتمل أنَّهم أتمُّوا على التَّعاقب، وهو الرَّاجح من حيث المعنى، وإلَّا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وهذه الصُّورة اختارها الحنفيَّة، واختار الشَّافعيَّة في كيفيَّتها: أنَّ الإمام ينتظر الطَّائفة الثَّانية ليسلِّم بها كما في حديث (٧) صالح بن خَوَّاتٍ المرويِّ في «مسلمٍ»، عمَّن شهد مع رسول الله صلاة الخوف يوم ذات الرِّقاع: «أنَّ طائفةً صفَّت

معه، وطائفةٌ وِجَاهَ العدوِّ، فصلَّى بالَّتي معه ركعةً، ثمَّ ثبت قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ انصرفوا فصفُّوا وِجاهَ العدوِّ، وجاءت الطَّائفة الأخرى فصلَّى بهم الرَّكعة الَّتي بقيت من صلاته، ثمَّ ثبت جالسًا وأتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ سلَّم بهم» أي: بالطَّائفة الثَّانية بعد التَّشهُّد، قال مالكٌ: هذا أحسن ما سمعت في صلاة الخوف. وهو دليل المالكيَّة غير قوله: ثمَّ ثبت جالسًا، وإنَّما اختار الشَّافعيَّة هذه الكيفيَّة لسلامتها من كثرة المخالفة، ولأنَّها أحوط لأمر الحرب، فإنَّها أخفُّ على الفريقين، ويُكرَه كون الفرقة المصلِّية معه والَّتي في وجه العدوِّ أقلَّ من ثلاثةٍ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ مع قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فذكرهم بلفظ الجمع، وأقلُّه ثلاثٌة، فأقلُّ الطَّائفة هنا ثلاثٌة، وهذا النَّوع بكيفيَّته حيث يكون العدوُّ في غير القبلة، أو فيها لكن حال دونهم حائلٌ يمنع رؤيتهم لو هجموا، ويجوز للإمام أن يصلِّي مرَّتين، كلَّ مرَّةٍ بفرقةٍ، فتكون الثَّانية له نافلةً، وهذه صلاة رسول الله ببطن نخلٍ، رواها الشَّيخان [خ¦٤١٢٩] [خ¦٤١٣٠] لكنَّ الأولى أفضل من هذه لأنَّها أعدل بين الطَّائفتين، ولسلامتها عمَّا في هذه من اقتداء المفترض بالمتنفِّل المُختلَف فيه، وتتأتَّى في تلك الصَّلاة (١) الجمعةُ بشرط أن يخطب بجميعهم ثمَّ يفرِّقهم فرقتين، أو يخطب بفرقةٍ ثمَّ يجعل منها مع كلٍّ من الفرقتين أربعين، فلو خطب بفرقةٍ وصلَّى بأخرى لم يجز، وكذا لو نقصت الفرقة الأولى عن الأربعين، وإن نقصت الثَّانية فطريقان، أصحُّهما: لا يضرُّ للحاجة والمسامحة في صلاة الخوف، ذكره في «المجموع» وغيره، وأمَّا إن كانوا في (٢) جهة القبلة فيأتي قريبًا في «باب يحرس بعضهم بعضًا» [خ¦٩٤٤] إن شاء الله تعالى. فإن كانت الصَّلاة رباعيَّةً، وهم في الحضر أو في السَّفر وأتمُّوا صلَّى بكلٍّ من الفرقتين ركعتين، وتشهَّد بهما وانتظر الثَّانية في جلوس التَّشهُّد، أو

قيام الثَّالثة، وهو أفضل لأنَّه محلُّ التَّطويل بخلاف جلوس التَّشهُّد الأوَّل، وإن كانت مغربًا فيصلِّي بفرقةٍ ركعتين، وبالثَّانية ركعةً، وهو أفضل من عكسه لسلامته من التَّطويل في عكسه بزيادة تشهُّدٍ في أوَّل الثَّانية، وينتظر الثَّانية في الرَّكعة الثَّالثة، أي: في القيام لها، وهذا كلُّه إذا لم يشتدَّ الخوف، أمَّا إذا اشتدَّ فيأتي حكمه في الباب التَّالي (١) إن شاء الله تعالى.

ورواة هذا الحديث الأربعة (٢) حمصيَّان ومدنيَّان، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسُّؤال والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤١٣٢]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ.

(٢) (بابُ صَلَاةِ الخَوْفِ) حال كون المصلِّين (رِجَالًا وَرُكْبَانًا) عند الاختلاط وشدَّة الخوف، فلا تسقط الصَّلاة عند العجز عن نزول الدَّابَّة، بل يصلُّون ركبانًا فُرادى يومئون بالرُّكوع والسُّجود إلى أيِّ جهةٍ شاؤوا.

(رَاجِلٌ قَائِمٌ) يريد أنَّ قوله في التَّرجمة: «رجالًا» جمع: «راجلٍ» لا جمع «رجلٍ» (٣)، والمراد به هنا: القائم. وسقط «راجلٌ قائمٌ» عند أبي ذَرٍّ، وثبت ذلك في رواية أبي الهيثم والحَمُّويي وأبي الوقت.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلاهَا عشر مَرَّات، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: صلاهَا أَرْبعا وَعشْرين مرّة وبيّن القَاضِي عِيَاض تِلْكَ المواطن، فَقَالَ: وَفِي حَدِيث ابْن أبي حثْمَة وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر أَنه صلاهَا فِي يَوْم ذَات الرّقاع سنة خمس من الْهِجْرَة، وَفِي حَدِيث أبي عَيَّاش الزرقي أَنه صلاهَا بعسفان وَيَوْم بني سليم، وَفِي حَدِيث جَابر فِي غزَاة جُهَيْنَة وَفِي غزَاة بني محَارب بِنَخْل، وروى أَنه صلاهَا فِي غَزْوَة نجد يَوْم ذَات الرّقاع، وَهِي غَزْوَة نجد وغزوة غطفان. وَقَالَ الْحَاكِم فِي (الإكليل) حِين ذكر غَزْوَة ذَات الرّقاع: وَقد تسمى هَذِه الْغَزْوَة غَزْوَة محَارب، وَيُقَال: غَزْوَة خصفة، وَيُقَال: غَزْوَة ثَعْلَبَة، وَيُقَال: غطفان، وَالَّذِي صَحَّ أَنه صلى بهَا صَلَاة الْخَوْف من الْغَزَوَات: ذَات الرّقاع وَذُو قرد وَعُسْفَان وغزوة الطَّائِف، وَلَيْسَ بعد غَزْوَة الطَّائِف إلاّ تَبُوك وَلَيْسَ فِيهَا لِقَاء الْعَدو، وَالظَّاهِر أَن غَزْوَة نجد مَرَّتَانِ، وَالَّذِي شَهِدَهَا أَبُو مُوسَى وَأَبُو هُرَيْرَة هِيَ غَزْوَة نجد الثَّانِيَة لصِحَّة حديثيهما فِي شهودها.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد من حَدِيث الْبَاب من قَوْله: (طَائِفَة) أَنه لَا فرق بَين أَن تكون إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَكثر من الْأُخْرَى عددا أَو تساوى عددهما، لِأَن الطَّائِفَة تطلق على الْقَلِيل وَالْكثير حَتَّى على الْوَاحِد، فَلَو كَانُوا ثَلَاثَة وَوَقع عَلَيْهِم الْخَوْف جَازَ لأَحَدهم أَن يُصَلِّي بِوَاحِد ويحرس وَاحِد، ثمَّ يُصَلِّي الآخر، وَهُوَ أقل مَا يتَصَوَّر فِي صَلَاة الْخَوْف جمَاعَة، على القَوْل: بِأَن أقل الْجَمَاعَة ثَلَاثَة، لَكِن الشَّافِعِي قَالَ: أكره أَن تكون كل طَائِفَة أقل من ثَلَاثَة، لِأَنَّهُ أعَاد عَلَيْهِم ضمير الْجمع بقوله: (أسلحتهم) ، ذكره النَّوَوِيّ.

وَمن ذَلِك أَنهم كَانُوا مسافرين، فَلَو كَانُوا مقيمين فحكمهم حكم الْمُسَافِرين عِنْد الْخَوْف، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَمَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَعنهُ: لَا تجوز صَلَاة الْخَوْف فِي الْحَضَر. وَقَالَ أَصْحَابه: تجوز خلافًا لِابْنِ الْمَاجشون، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تجوز، وَنقل النَّوَوِيّ عَن مَالك عدم الْجَوَاز فِي الْحَضَر على الْإِطْلَاق غير صَحِيح، لِأَن الْمَشْهُور عَنهُ الْجَوَاز.

٢ - (بابُ صَلَاةِ الخَوْفِ رِجَالاً ورُكْبَانا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَلَاة الْخَوْف حَال كَون الْمُصَلِّين رجَالًا وركبانا، فالرجال جمع: راجل، والركبان جمع: رَاكب، وَذَلِكَ عِنْد الِاخْتِلَاط وَشدَّة الْخَوْف، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الصَّلَاة لَا تسْقط عِنْد الْعَجز عَن النُّزُول عَن الدَّابَّة فَإِنَّهُم يصلونَ ركبانا فُرَادَى يومئون بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود إِلَى أَي جِهَة شاؤا. وَفِي (الذَّخِيرَة) : إِذا اشْتَدَّ الْخَوْف صلوا رجَالًا قيَاما على أَقْدَامهم أَو ركبانا مستقبلي الْقبْلَة وَغير مستقبليها. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (الْإِكْمَال) : لَا يجوز ترك اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِيهَا عِنْد أبي حنيفَة وَهَذَا غير صَحِيح، وَلَا تجوز بِجَمَاعَة عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَابْن أبي لَيْلَة، وَعَن مُحَمَّد: تجوز، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَإِذا لم يقدروا على الصَّلَاة على مَا وَصفنَا أخروها وَلَا يصلونَ صَلَاة غير مَشْرُوعَة، وَعَن مُجَاهِد وطاووس وَالْحسن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك: يصلونَ رَكْعَة وَاحِدَة لَا بإيماء، وَعَن الضَّحَّاك: فَإِن لم يقدروا يكبرُونَ تكبيرتين حَيْثُ كَانَت وُجُوههم، وَقَالَ إِسْحَاق: إِن لم يقدروا على الرَّكْعَة فسجدة وَاحِدَة، وإلاّ فتكبيرة وَاحِدَة.

رَاجِلٌ قائِمٌ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن رجَالًا فِي التَّرْجَمَة جمع: راجل، لَا جمع: رجل. وَالثَّانِي: أَن الراجل بِمَعْنى الْمَاشِي، كَمَا فِي سُورَة الْحَج {يأتوك رجَالًا} (الْحَج: ٢٧) .

٩٤٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيى بنِ سعِيدٍ القُرَشِيُّ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ نَحْوا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إذَا اخْتَلَطُوا قِياما. وزَادَ ابنُ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ فَلْيُصلُّوا قِياما ورُكْبَانا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن الْعَاصِ الْقرشِي، يكنى أَبَا عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ، مَاتَ فِي النّصْف من ذِي الْقعدَة سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبوهُ يحيى بن سعيد الْمَذْكُور، قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنِي سعيد بن يحيى أَنه قَالَ: مَاتَ أبي فِي النّصْف من شعْبَان سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش، مولى الزبير بن الْعَوام، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد بن عمر السابعمجاهد بن جُبَير.

ذكر لطائف إِسْنَاده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَهِي قَوْله: حَدثنِي أبي، ويروى بِصِيغَة الْجمع أَيْضا. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بغدادي وَأَبوهُ كُوفِي وَابْن جريج وَمُجاهد مكيان ومُوسَى وَنَافِع مدنيان. وَفِيه: أَن أحد الروَاة مَنْسُوب إِلَى جده.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَالنَّسَائِيّ عَن عبد الْأَعْلَى بن وَاصل، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن آدم عَن سُفْيَان عَن مُوسَى بن عقبَة، فَذكر صَلَاة الْخَوْف نَحْو سِيَاق الزُّهْرِيّ عَن سَالم، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ ابْن عمر، فَإِذا كَانَ الْخَوْف أَكثر من ذَلِك فَليصل رَاكِبًا أَو قَائِما يومىء إِيمَاء، وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من طَرِيق دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن عَن مُوسَى بن عقبَة مَوْقُوفا، كُله، لَكِن قَالَ فِي آخِره: وَأخْبرنَا نَافِع أَن عبد الله بن عمر كَانَ يخبر بِهَذَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَاقْتضى ذَلِك رَفعه كُله، وَرَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع كَذَلِك، لَكِن قَالَ فِي آخِره: قَالَ نَافِع: لَا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذَلِك إلاّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزَاد فِي آخِره: مستقبلي الْقبْلَة أَو غير مستقبليها.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن نَافِع عَن ابْن عمر نَحوا من قَول مُجَاهِد) أَي: روى نَافِع عَن ابْن عمر مثل قَول مُجَاهِد، وَقَول مُجَاهِد هُوَ قَوْله: إِذا اختلطوا، بيّن ذَلِك الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة حجاج بن مُحَمَّد عَن ابْن مُحَمَّد عَن ابْن جريج عَن عبد الله بن كثير عَن مُجَاهِد: إِذا اختلطوا فَإِنَّمَا الأشارة بِالرَّأْسِ هُوَ الذّكر، وَإِشَارَة الرَّأْس، وكل وَاحِد من قَول ابْن عمر وَقَول مُجَاهِد مَوْقُوف، أما رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر فَإِنَّهَا مَوْقُوفَة على ابْن عمر، وَأما قَول مُجَاهِد فَإِنَّهُ مَوْقُوف على نَفسه، لِأَنَّهُ لم يروه عَن ابْن عمر، وَلَا عَن غَيره، وَقَالَ ابْن بطال: أما صَلَاة الْخَوْف رجَالًا وركبانا فَلَا تكون إلاّ إِذا اشْتَدَّ الْخَوْف واختلطوا فِي الْقِتَال، وَهَذِه الصَّلَاة تسمى: بِصَلَاة المسايفة، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك ابْن عمر، وَإِن كَانَ خوفًا شَدِيدا صلوا قيَاما على أَقْدَامهم أَو ركبانا مستقبلي الْقبْلَة أَو غير مستقبليها، وَهُوَ قَول مُجَاهِد: روى ابْن جريج عَن مُجَاهِد قَالَ: إِذا اختلطوا فَإِنَّمَا هُوَ الذّكر وَالْإِشَارَة بِالرَّأْسِ، فمذهب مُجَاهِد أَنه يجْزِيه الأيماء عِنْد شدَّة الْقِتَال كمذهب ابْن عمر، وَقَول البُخَارِيّ: وَزَاد ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك فليصلوا قيَاما وركبانا) أَرَادَ بِهِ أَن ابْن عمر رَوَاهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ من رَأْيه، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْند، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام، وَلَيْسَ أحد من الشُّرَّاح غير ابْن بطال أعْطى لهَذَا الحَدِيث حَقه. قَوْله: (إِذا اختلطوا قيَاما) أَي: قَائِمين، وانتصابه على الْحَال، وَذُو الْحَال مَحْذُوف تَقْدِيره: يصلونَ قيَاما، وَالْمرَاد من الِاخْتِلَاط: اخْتِلَاط الْمُسلمين بالعدو. قَوْله: (وَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك) أَي: وَإِن كَانَ الْعَدو أَكثر عِنْد اشتداد الْخَوْف. وَقَوله: (من ذَلِك) أَي: من الْخَوْف الَّذِي لَا يُمكن مَعَه الْقيام فِي مَوضِع وَلَا إِقَامَة صف فليصلوا حِينَئِذٍ قيَاما وركبانا. وانتصابهما على الْحَال، وَمعنى: ركبانا أَي: على رواحلهم، لِأَن فرض النُّزُول سقط. وَقَالَ الطخاوي: ذهب قوم إِلَى أَن الرَّاكِب لَا يُصَلِّي الْفَرِيضَة على دَابَّته وَإِن كَانَ فِي حَال لَا يُمكنهُ فِيهَا النُّزُول، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يصل يَوْم الخَنْدَق رَاكِبًا.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن حُذَيْفَة قَالَ: (سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول يَوْم الخَنْدَق: شغلونا عَن صَلَاة الْعَصْر، قَالَ: وَلم يصلها يَوْمئِذٍ حَتَّى غربت الشَّمْس، مَلأ الله قُبُورهم نَارا وَقُلُوبهمْ نَارا وَبُيُوتهمْ نَارا) . هَذَا لفظ الطَّحَاوِيّ. قلت: وَأَرَادَ الطَّحَاوِيّ بالقوم: ابْن أبي ليلى وَالْحكم بن عتيبة وَالْحسن بن حَيّ، وَقَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، وَأَرَادَ بهم: الثَّوْريّ وَأَبا حنيفَة وَأَبا يُوسُف ومحمدا وَزفر ومالكا وَأحمد، فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن كَانَ الرَّاكِب فِي الْحَرْب يُقَاتل لَا يُصَلِّي وَإِن كَانَ رَاكِبًا لَا يُقَاتل وَلَا يُمكنهُ النُّزُول يُصَلِّي، وَعند الشَّافِعِي: يجوز لَهُ أَن يُقَاتل وَهُوَ يُصَلِّي من غير تتَابع الضربات والطعنات، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد يجوز أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يصل يَوْمئِذٍ لِأَنَّهُ لم يكن أَمر حِينَئِذٍ أَن يُصَلِّي رَاكِبًا، دلّ على ذَلِك حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ: حبسنا يَوْم الخَنْدَق حَتَّى كَانَ بعد الْمغرب بهوي من اللَّيْل حَتَّى كفينا، وَذَلِكَ قَول الله عز وَجل: {وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَكَانَ الله قَوِيا عَزِيزًا} (الْأَحْزَاب: ٢٥) . قَالَ: فَدَعَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَالًا فَأَقَامَ الظّهْر فَأحْسن صلَاتهَا كَمَا كَانَ يُصليهَا فِي وَقتهَا، ثمَّ أمره فَأَقَامَ الْعَصْر فَصلاهَا كَذَلِك، ثمَّ أمره فَأَقَامَ الْمغرب فَصلاهَا كَذَلِك، وَذَلِكَ قبل أَن ينزل الله عز وَجل فِي صَلَاة الْخَوْف: {فرجالاً أَو ركبانا} (الْبَقَرَة: ٢٣٩) . فَأخْبر أَبُو سعيد أَن تَركهم للصَّلَاة يَوْمئِذٍ ركبانا إِنَّمَا كَانَ قبل أَن يُبَاح لَهُم ذَلِك، ثمَّ أُبِيح لَهُم بِهَذِهِ الْآيَة.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.6 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
الله أكبر