«قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْأَحْزَابِ: لَا يُصَلِّيَنَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٤٦

الحديث رقم ٩٤٦ من كتاب «أبواب صلاة الخوف» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قال النبي ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: لا…

«قَالَ النَّبِيُّ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْأَحْزَابِ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ».

سند حديث: ٩٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ…

٩٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قال النبي ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: لا…

لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة الأحزاب قال لأصحابه: لا يُصَلِّينَّ أحدٌ صلاةَ العصر إلا في بني قريظة، وهم من اليهود، وقد غدروا لما جاء المشركون للمدينة وتفاجؤوا بالخندق، فوقفوا مع المشركين ظنًّا منهم أنهم سينتصرون على المسلمين، وفي طريق الذهاب حضرت صلاة العصر، فقال فريق من الصحابة: لا نصلي العصر حتى نصل إلى بني قريظة؛ لأنه ظاهر النهي النبوي، وقال فريق: بل نصلي؛ لأن مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام السرعة في الذهاب إلى بني قريظة، وعدم الانتظار، ولم يرد حقيقة عدم صلاتهم، فلما أخبروه لم يُعنِّفِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم واحدةً من الطائفتين؛ لأن المسألة محتملة للقولين جميعًا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن المسائل العلمية على نوعين: نوع منها صريح الدلالة، ولا يحتمل إلا معنى واحد، فلا يجوز الخروج فيه عن النص، ونوع محتمل لمعان احتمالًا صحيحًا، فيسوغ فيها الخلاف، مع سلامة المقصد.
  • أن الصحابة كانوا يجتهدون في فهم النصوص الشرعية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أهلٌ لذلك.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قال النبي ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: لا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقْتِهَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيَّ فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهَذَا الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ: إِيثَارُ أَنَسٍ الصَّلَاةَ عَلَى الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا يُشْعِرُ بِمُخَالَفَتِهِ لِأَبِي مُوسَى فِي اجْتِهَادِهِ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّ أَنَسًا كَانَ يَرَى أَنْ يُصَلِّيَ لِلْوَقْتِ وَإِنْ فَاتَ الْفَتْحُ، وَقَوْلُهُ هَذَا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُوَافَقَةَ فِي اللَّفْظِ، وَإِلَّا فَقِصَّةُ أَنَسٍ فِي الْمَفْرُوضَةِ وَالْحَدِيثُ فِي النَّافِلَةِ، وَيَخْدِشُ فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ مِنْ مُخَالَفَةِ اجْتِهَادِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَصَلَّى أَنَسٌ وَحْدَهُ وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ لَكِنَّهُ وَافَقَ أَبَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ فَكَيْفَ يُعَدُّ مُخَالِفًا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فِي نُسْخَةِ يَحْيَى بْنُ مُوسَى وَفِي أُخْرَى يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ، وَهِيَ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ بِعَلَامَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَحْيَى بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَهُوَ غَلَطٌ وَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مُوسَى وَفِي الْحَاشِيَةِ ابْنُ جَعْفَرٍ عَلَى أَنَّهَا نُسْخَةٌ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ مَنْ نَسَخَ الْكِتَابَ، وَاسْمُ جَدِّ يَحْيَى بْنِ مُوسَى عَبَدُ رَبِّهِ بْنُ سَالِمٍ وَهُوَ الْمُلَقَّبُ خَتٌّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ، وَاسْمُ جَدِّ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ أَعْيَنُ وَكِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَكِلَاهُمَا مِنْ أَصْحَابِ وَكِيعٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرٍ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِهِ فِي أَوَاخِرَ الْمَوَاقِيتِ، وَنُقِلَ الِاخْتِلَافُ فِي سَبَبِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ هَلْ كَانَ نِسْيَانًا أَوْ عَمْدًا، وَعَلَى الثَّانِي هَلْ كَانَ لِلشُّغْلِ بِالْقِتَالِ أَوْ لِتَعَذُّرِ الطَّهَارَةِ أَوْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْخَوْفِ؟ وَإِلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الشُّغْلُ جَنَحَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَنَزَّلَ عَلَيْهِ الْآثَارَ الَّتِي تَرْجَمَ لَهَا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا يَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْجِيحِ كَوْنِ آيَةِ الْخَوْفِ نَزَلَتْ قَبْلَ الْخَنْدَقِ لِأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَآيَةُ الْخَوْفِ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ لَا تُخَالِفُهُ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَإِلَى الثَّانِي جَنَحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ عِنْدَهُمْ بِالشُّغْلِ الْكَثِيرِ فِي الْحَرْبِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ، وَإِلَى الثَّالِثِ جَنَحَ الشَّافِعِيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ، وَعَكَسَ بَعْضُهُمْ فَادَّعَى أَنَّ تَأْخِيرَهُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ دَالٌّ عَلَى نَسْخِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَا يَعْرِفُ السُّنَنَ، لِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ أُنْزِلَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْأَوَّلُ الْآخِرَ؟ فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

٥ - بَاب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً

وَقَالَ الْوَلِيدُ ذَكَرْتُ: لِلْأَوْزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ: كَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الْفَوْتُ. وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ.

٩٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ.

[الحديث ٩٤٦ - طرفه في: ٤١١٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، إِلَيْهِ وَقَائِمًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّ الْمَطْلُوبَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ يُومِئُ إِيمَاءً، وَإِنْ كَانَ طَالِبًا

نَزَلَ فَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيَخَافُ عَوْدَ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهِ فَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الطَّالِبَ فِيهِ التَّفْصِيلُ بِخِلَافِ الْمَطْلُوبِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ شِدَّةَ الْخَوْفِ فِي الْمَطْلُوبِ ظَاهِرَةٌ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لَهَا، وَأَمَّا الطَّالِبُ فَلَا يَخَافُ اسْتِيلَاءَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَخَافُ أَنْ يَفُوتَهُ الْعَدُوُّ. وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مُتَعَقَّبٌ بِكَلَامِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَإِنَّهُ قَيَّدَهُ بِخَوْفِ الْفَوْتِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ طَالِبًا مِنْ مَطْلُوبٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي كِتَابِ السِّيَرِ لَهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: إِذَا خَافَ الطَّالِبُونَ إِنْ نَزَلُوا بِالْأَرْضِ فَوْتَ الْعَدُوِّ صَلَّوْا حَيْثُ وَجَّهُوا عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ إِنَّ النَّصْرَ لَا يُرْفَعُ مَا دَامَ الطَّلَبُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْوَلِيدُ) كَذَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ قَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ لِأَصْحَابِهِ: لَا تُصَلُّوا الصُّبْحَ إِلَّا عَلَى ظَهْرٍ، فَنَزَلَ الْأَشْتَرُ - يَعْنِي النَّخَعِيَّ - فَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ: مُخَالِفٌ خَالَفَ اللَّهَ بِهِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. مِنْ طَرِيقِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ قَالَ كَانَ ثَابِتُ بْنُ السِّمْطِ فِي خَوْفٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا رُكْبَانًا، فَنَزَلَ الْأَشْتَرُ - يَعْنِي النَّخَعِيَّ - فَقَالَ: مُخَالِفٌ خُولِفَ بِهِ فَلَعَلَّ ثَابِتًا كَانَ مَعَ أَخِيهِ شُرَحْبِيلَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَشُرَحْبِيلُ الْمَذْكُورُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ كِنْدِيٌّ هُوَ الَّذِي افْتَتَحَ حِمْصَ ثُمَّ وَلِيَ إِمْرَتَهَا، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا تَخَوَّفَ الْفَوْتَ) زَادَ الْمُسْتَمْلِي فِي الْوَقْتِ.

قَوْلُهُ: (وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَلِيدَ قَوَّى مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الطَّالِبِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَوْ وَجَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِينَ صَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ صَلَّوْا رُكْبَانًا لَكَانَ بَيِّنًا فِي الِاسْتِدْلَالِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَذِكْرُ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ يَكُونُ بِالْقِيَاسِ فَكَمَا سَاغَ لِأُولَئِكَ أَنْ يُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا الْمُفْتَرَضِ كَذَلِكَ يَسُوغُ لِلطَّالِبِ تَرْكُ إِتْمَامِ الْأَرْكَانِ وَالِانْتِقَالُ إِلَى الْإِيمَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَالْأَبْيَنُ عِنْدِي أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الِاسْتِعْجَالَ الْمَأْمُورَ بِهِ يَقْتَضِي تَرْكَ الصَّلَاةِ أَصْلًا كَمَا جَرَى لِبَعْضِهِمْ، أَوِ الصَّلَاةُ عَلَى الدَّوَابِّ كَمَا وَقَعَ لِلْآخَرِينَ، لِأَنَّ النُّزُولَ يُنَافِي مَقْصُودَ الْجَدِّ فِي الْوُصُولِ، فَالْأَوَّلُونَ بَنَوْا عَلَى أَنَّ النُّزُولَ مَعْصِيَةٌ لِمُعَارَضَتِهِ لِلْأَمْرِ الْخَاصِّ بِالْإِسْرَاعِ، وَكَأَنَّ تَأْخِيرَهُمْ لَهَا لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ، وَالْآخَرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ دَلِيلَيْ وُجُوبِ الْإِسْرَاعِ وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا فَصَلَّوْا رُكْبَانًا، فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُمْ نَزَلُوا لَكَانَ ذَلِكَ مُضَادًّا لِلْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ، وَهُوَ لَا يُظَنُّ بِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ. انْتَهَى.

وَهَذَا الَّذِي حَاوَلَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ بِقَوْلِهِ: لَوْ وُجِدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ إِلَخْ، فَلَمْ يَسْتَحْسِنِ الْجَزْمَ فِي النَّقْلِ بِالِاحْتِمَالِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُظَنُّ بِهِمُ الْمُخَالَفَةُ، فَمُعْتَرَضٌ بِمِثْلِهِ بِأَنْ يُقَالَ لَا يُظَنُّ بِهِمُ الْمُخَالَفَةُ بِتَغْيِيرِ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ وَالْأَوْلَى فِي هَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُرَابِطِ وَوَافَقَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ، لِأَنَّ الَّذِينَ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يُعَنَّفُوا مَعَ كَوْنِهِمْ فَوَّتُوا الْوَقْتَ فَصَلَاةُ مَنْ لَا يُفَوِّتُ الْوَقْتَ بِالْإِيمَاءِ - أَوْ كَيْفَ مَا يُمْكِنُ - أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) هُوَ بِالْجِيمِ تَصْغِيرُ جَارِيَةٍ، وَهُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الظُّهْرَ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(فَائِدَةٌ): أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي صَلَاةِ الطَّالِبِ حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ إِلَى سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ قَالَ فَرَأَيْتُهُ وَحَضَرَتِ الْعَصْرُ فَخَشِيتُ فَوْتُهَا فَانْطَلَقْتُ أَمْشِي وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ إِيمَاءً وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قال: فرأيته، وحضرت (١) العصر، فخشيت فوتها، فانطلقت أمشي وأنا أصلِّي، أومئ إيماءً. وإسناده حسنٌ (٢).

(٥ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ كذا في الفرع وأصله، ولأبي ذَرٍّ إسقاطه.

٩٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بالفتح غير منصرفٍ، ابن عُبَيْد بن مخراق الضُّبَعيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) -تصغير جارية- ابن أسماء، وهو (٣) عمُّ عبد الله الرَّاوي عنه (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ) غزوة الخندق سنة أربعٍ إلى المدينة، ووضع المسلمون السِّلاح، وقال له جبريل : ما وضعت الملائكة السِّلاح بعد، وإنَّ الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإنِّي عائدٌ إليهم، فقال لأصحابه: (لَا يُصَلِّيَنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (أَحَدٌ) منكم (العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) بضمِّ القاف وفتح الرَّاء والظَّاء المعجمة، فرقةٌ من اليهود (فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ) بنصب «بعضَهم» ورفع تاليه، مفعولٌ وفاعلٌ، مثل قوله: «وإن يدركْني يومُك» [خ¦٣] والضَّمير في «بعضَهم» لـ «أحدٌ». (فَقَالَ) وللأربعة: «وقال» (بَعْضُهُمْ) الضَّمير فيه -كالآتي- لنفس بعض الأوَّل: (لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا) عملًا

بظاهر قوله: «لا يصلِّينَّ أحدٌ» لأنَّ النُّزول معصيةٌ للأمر الخاصِّ بالإسراع، فخصُّوا عموم الأمر بالصَّلاة أوَّل وقتها بما إذا لم يكن عذرٌ بدليل أمرهم بذلك. (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي) نظرًا إلى المعنى لا إلى ظاهر اللَّفظ (لَمْ يُرَِدْ مِنَّا ذَلِكَ) ببناء «يُرَد» للمفعول، كما ضبطه العينيُّ والبرماويُّ، وبالبناء للفاعل كما ضبطه في «المصابيح»، والخفضة مكشوطةٌ في الفرع، فعريت الرَّاء فيه عن الضَّبط، ولم يضبطها في «اليونينيَّة» (١)، والمعنى: أنَّ المرادَ من قوله: «لا يصلِّينَّ أحدٌ» لازمُه، وهو الاستعجال في الذَّهاب لبني قريظة، لا حقيقة ترك الصَّلاة، كأنَّه قال: صلُّوا في بني قريظة إلَّا أن يدرككم وقتها قبل أن تَصِلُوا إليها، فجمعوا بين دليلي وجوب الصَّلاة ووجوب الإسراع، فصلَّوا ركبانًا لأنَّهم لو نزلوا للصَّلاة لكان فيه مضادَّةٌ للأمر بالإسراع، وصلاة الرَّاكب مقتضيةٌ للإيماء، فطابق الحديث التَّرجمة، لكن عُورِض بأنَّهم لو تركوا الرُّكوع والسُّجود لخالفوا قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وأُجيب بأنَّه عامٌّ خُصَّ بدليلٍ، كما أنَّ الأمر بتأخير الصَّلاة إلى إتيان بني قريظة خُصَّ بما إذا لم يخش الفوات. والقول بأنَّهم صلَّوا ركبانًا، لابن المُنَيِّر، قال في «الفتح»: وفيه نظرٌ لأنَّه لم يصرِّح لهم بترك النُّزول، فلعلَّهم فهموا أنَّ المراد بأمرهم: «ألَّا يصلُّوا العصر إلَّا في بني قريظة» المبالغةُ في الأمر بالإسراع، فبادروا إلى امتثال أمره، وخصُّوا وقت الصَّلاة من ذلك لِما تقرَّر عندهم من تأكيد أمرها، فلا يمتنِع أن ينزِلوا فيصلُّوا، ولا يكونَ في ذلك مضادَّةٌ لِما أُمِروا به، ودعوى أنَّهم صلَّوا ركبانًا يحتاج إلى دليلٍ، ولم أره صريحًا في شيءٍ من طرق هذه القصَّة (٢). (فَذُكِرَ (٣) لِلنَّبِيِّ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «أحدًا» (مِنْهُمْ) لا التَّاركين لأوَّل الوقت عملًا بظاهر النَّهي، ولا الَّذين فهموا أنَّه كنايةٌ عن العجلة، قال النَّوويُّ : لا احتجاج به على إصابة كلِّ مجتهدٍ لأنَّه لم يصرِّح بإصابتهما، بل ترك التَّعنيف، ولا خلاف أنَّ المجتهد لا يُعنَّف ولو أخطأ إذا بذل وسعه، قال: وأمَّا اختلافهم

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على إِصَابَة كل مُجْتَهد لِأَنَّهُ لم يُصَرح بِإِصَابَة الطَّائِفَتَيْنِ بل بِإِصَابَة ترك تعنيفهما وَلَا خلاف فِي ترك تعنيف الْمُجْتَهد وَإِن أَخطَأ إِذا بذل وَسعه وَأما اخْتلَافهمْ فسببه أَن الْأَدِلَّة تَعَارَضَت فَإِن الصَّلَاة مَأْمُور بهَا فِي الْوَقْت وَالْمَفْهُوم من " لَا يصلين " الْمُبَادرَة بالذهاب إِلَيْهِم فَأخذ بَعضهم بذلك فصلوا حِين خَافُوا فَوت الْوَقْت وَالْآخرُونَ بِالْآخرِ فأخروها وَيُقَال اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي الْمُبَادرَة بِالصَّلَاةِ عِنْد ضيق وَقتهَا وتأخيرها سَببه أَن أَدِلَّة الشَّرْع تَعَارَضَت عِنْدهم فَإِن الصَّلَاة مَأْمُور بهَا فِي الْوَقْت مَعَ أَن الْمَفْهُوم من قَوْله " لَا يصلين أحد إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة " الْمُبَادرَة بالذهاب إِلَيْهِ وَأَن لَا يشْتَغل عَنهُ بِشَيْء لَا أَن تَأْخِير الصَّلَاة مَقْصُود فِي نَفسه من حَيْثُ أَنه تَأْخِير فَأخذ بعض الصَّحَابَة بِهَذَا الْمَفْهُوم نظرا إِلَى الْمَعْنى لَا إِلَى اللَّفْظ فصلوا حِين خَافُوا فَوَات الْوَقْت وَأخذ آخَرُونَ بِظَاهِر اللَّفْظ وَحَقِيقَته وَلم يعنف الشَّارِع وَاحِدًا مِنْهُمَا لأَنهم مجتهدون فَفِيهِ دَلِيل لمن يَقُول بِالْمَفْهُومِ وَالْقِيَاس ومراعاة الْمَعْنى وَلمن يَقُول بِالظَّاهِرِ أَيْضا (قلت) هَذَا القَوْل مثل مَا قَالَ النَّوَوِيّ مَعَ بعض زِيَادَة فِيهِ وَقَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ أَن المتؤول إِذا لم يبعد فِي التَّأْوِيل لَيْسَ بمخطىء وَأَن السُّكُوت على فعل أَمر كالقول بإجازته -

٦ - (بابُ التَّكْبِيرِ والغَلَسِ بِالصُّبْحِ والصَّلَاةِ عِنْدَ الإغَارَةِ والحَرْبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّكْبِير من كبر يكبر تَكْبِيرا، وَهُوَ قَول: الله أكبر، هَكَذَا هُوَ فِي مُعظم الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: التبكير، بِتَقْدِيم الْبَاء الْمُوَحدَة من: بكر يبكر تبكيرا إِذا أسْرع وبادر، و: الْغَلَس، بِفتْحَتَيْنِ: الظلمَة آخر اللَّيْل، وَالْمرَاد مِنْهُ التغليس بِصَلَاة الصُّبْح. قَوْله: (عِنْد الإغارة) يتَعَلَّق بِالتَّكْبِيرِ، وَمَا عطف عَلَيْهِ، والإغارة، بِكَسْر الْهمزَة فِي الأَصْل: الْإِسْرَاع فِي الْعَدو، وَيُقَال: أغار يُغير إغارة، وَكَذَلِكَ الْغَارة، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا: الهجوم على الْعَدو على وَجه الْغَفْلَة، فَهُوَ من الأجوف الواوي. فَإِن قلت: مَا مُنَاسبَة ذكر هَذَا الْبَاب فِي كتاب صَلَاة الْخَوْف؟ قلت: قيل: أَشَارَ بذلك إِلَى أَن صَلَاة الْخَوْف لَا يشْتَرط فِيهَا التَّأْخِير إِلَى آخر الْوَقْت، كَمَا شَرطه من شَرطه فِي صَلَاة شدَّة الْخَوْف عِنْد التحام الْقِتَال، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون للْإِشَارَة إِلَى تعْيين الْمُبَادرَة إِلَى الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا. قلت: هَذَا وَجه بعيد لَا يخفى ذَلِك، لِأَن مَحل ذَلِك فِي كتاب الصَّلَاة.

٩٤٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ البُنَانِيِّ عَن أنَسِ بنِ مالَكٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ الله أكْبَرُ خَرِبتْ خَيْبَرُ إنَّا إِذا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فسَاءَ صَبَاحُ المُنْذِرِينَ فَخَرَجُوا يسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ ويقُولُونَ مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ قَالَ والخمِيسُ الجَيْشُ فظَهَرَ علَيْهِمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقَتَلَ المُقَاتِلَةَ وسَبَى الذرَارِيَّ فصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الكَلْبِيِّ وصارَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا فقالَ عَبْدُ العَزِيزِ لِثَابِتٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أأنْتَ سَأَلْتَ أنَسا مَا أمْهَرَهَا قَالَ أمْهَرَهَا نَفْسَهَا فتَبَسَّمَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صلى الصُّبْح بِغَلَس ثمَّ ركب فَقَالَ الله أكبر) .

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي: بَاب مَا يذكر فِي الْفَخْذ، بأطول مِنْهُ، وَأتم عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وتكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ.

قَوْله: (بِغَلَس) أَي: فِي أول الْوَقْت. وَقيل: التغليس بالصبح سنة سفرا أَو حضرا، وَكَانَ من عَادَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك. قلت: إِنَّمَا غلس هُنَا لأجل مبادرته إِلَى الرّكُوب، وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة بِالْأَمر بالإسفار. قَوْله: (فَقَالَ: الله أكبر) فِيهِ: أَن التَّكْبِير عِنْد الإشراف على المدن والقرى سنة، وَكَذَا عِنْد مَا يسر بِهِ من ذَلِك عِنْد رُؤْيَة الْهلَال، وَكَذَا رفع الصَّوْت بِهِ إِظْهَارًا لعلو دين الله تَعَالَى، وَظُهُور أمره. قَوْله: (خربَتْ خَيْبَر) ، يحْتَمل الْإِنْشَاء وَالْخَبَر، وَفِيه التفاؤل، وبخرابه سَعَادَة الْمُسلمين فَهُوَ من الفأل الْحسن لَا من الطَّيرَة. قَوْله: (بِسَاحَة قوم) قَالَ ابْن التِّين: الساحة الْموضع، وَقيل: ساحة الدَّار. قَوْله: (فسَاء صباح الْمُنْذرين) أَي: أَصَابَهُم السوء من الْقَتْل على الْكفْر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقْتِهَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيَّ فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهَذَا الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ: إِيثَارُ أَنَسٍ الصَّلَاةَ عَلَى الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا يُشْعِرُ بِمُخَالَفَتِهِ لِأَبِي مُوسَى فِي اجْتِهَادِهِ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّ أَنَسًا كَانَ يَرَى أَنْ يُصَلِّيَ لِلْوَقْتِ وَإِنْ فَاتَ الْفَتْحُ، وَقَوْلُهُ هَذَا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُوَافَقَةَ فِي اللَّفْظِ، وَإِلَّا فَقِصَّةُ أَنَسٍ فِي الْمَفْرُوضَةِ وَالْحَدِيثُ فِي النَّافِلَةِ، وَيَخْدِشُ فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ مِنْ مُخَالَفَةِ اجْتِهَادِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَصَلَّى أَنَسٌ وَحْدَهُ وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ لَكِنَّهُ وَافَقَ أَبَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ فَكَيْفَ يُعَدُّ مُخَالِفًا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فِي نُسْخَةِ يَحْيَى بْنُ مُوسَى وَفِي أُخْرَى يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ، وَهِيَ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ بِعَلَامَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَحْيَى بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَهُوَ غَلَطٌ وَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مُوسَى وَفِي الْحَاشِيَةِ ابْنُ جَعْفَرٍ عَلَى أَنَّهَا نُسْخَةٌ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ مَنْ نَسَخَ الْكِتَابَ، وَاسْمُ جَدِّ يَحْيَى بْنِ مُوسَى عَبَدُ رَبِّهِ بْنُ سَالِمٍ وَهُوَ الْمُلَقَّبُ خَتٌّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ، وَاسْمُ جَدِّ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ أَعْيَنُ وَكِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَكِلَاهُمَا مِنْ أَصْحَابِ وَكِيعٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرٍ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِهِ فِي أَوَاخِرَ الْمَوَاقِيتِ، وَنُقِلَ الِاخْتِلَافُ فِي سَبَبِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ هَلْ كَانَ نِسْيَانًا أَوْ عَمْدًا، وَعَلَى الثَّانِي هَلْ كَانَ لِلشُّغْلِ بِالْقِتَالِ أَوْ لِتَعَذُّرِ الطَّهَارَةِ أَوْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْخَوْفِ؟ وَإِلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الشُّغْلُ جَنَحَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَنَزَّلَ عَلَيْهِ الْآثَارَ الَّتِي تَرْجَمَ لَهَا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا يَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْجِيحِ كَوْنِ آيَةِ الْخَوْفِ نَزَلَتْ قَبْلَ الْخَنْدَقِ لِأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَآيَةُ الْخَوْفِ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ لَا تُخَالِفُهُ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَإِلَى الثَّانِي جَنَحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ عِنْدَهُمْ بِالشُّغْلِ الْكَثِيرِ فِي الْحَرْبِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ، وَإِلَى الثَّالِثِ جَنَحَ الشَّافِعِيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ، وَعَكَسَ بَعْضُهُمْ فَادَّعَى أَنَّ تَأْخِيرَهُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ دَالٌّ عَلَى نَسْخِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَا يَعْرِفُ السُّنَنَ، لِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ أُنْزِلَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْأَوَّلُ الْآخِرَ؟ فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

٥ - بَاب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً

وَقَالَ الْوَلِيدُ ذَكَرْتُ: لِلْأَوْزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ: كَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الْفَوْتُ. وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ.

٩٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ.

[الحديث ٩٤٦ - طرفه في: ٤١١٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، إِلَيْهِ وَقَائِمًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّ الْمَطْلُوبَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ يُومِئُ إِيمَاءً، وَإِنْ كَانَ طَالِبًا

نَزَلَ فَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيَخَافُ عَوْدَ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهِ فَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الطَّالِبَ فِيهِ التَّفْصِيلُ بِخِلَافِ الْمَطْلُوبِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ شِدَّةَ الْخَوْفِ فِي الْمَطْلُوبِ ظَاهِرَةٌ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لَهَا، وَأَمَّا الطَّالِبُ فَلَا يَخَافُ اسْتِيلَاءَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَخَافُ أَنْ يَفُوتَهُ الْعَدُوُّ. وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مُتَعَقَّبٌ بِكَلَامِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَإِنَّهُ قَيَّدَهُ بِخَوْفِ الْفَوْتِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ طَالِبًا مِنْ مَطْلُوبٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي كِتَابِ السِّيَرِ لَهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: إِذَا خَافَ الطَّالِبُونَ إِنْ نَزَلُوا بِالْأَرْضِ فَوْتَ الْعَدُوِّ صَلَّوْا حَيْثُ وَجَّهُوا عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ إِنَّ النَّصْرَ لَا يُرْفَعُ مَا دَامَ الطَّلَبُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْوَلِيدُ) كَذَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ قَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ لِأَصْحَابِهِ: لَا تُصَلُّوا الصُّبْحَ إِلَّا عَلَى ظَهْرٍ، فَنَزَلَ الْأَشْتَرُ - يَعْنِي النَّخَعِيَّ - فَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ: مُخَالِفٌ خَالَفَ اللَّهَ بِهِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. مِنْ طَرِيقِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ قَالَ كَانَ ثَابِتُ بْنُ السِّمْطِ فِي خَوْفٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا رُكْبَانًا، فَنَزَلَ الْأَشْتَرُ - يَعْنِي النَّخَعِيَّ - فَقَالَ: مُخَالِفٌ خُولِفَ بِهِ فَلَعَلَّ ثَابِتًا كَانَ مَعَ أَخِيهِ شُرَحْبِيلَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَشُرَحْبِيلُ الْمَذْكُورُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ كِنْدِيٌّ هُوَ الَّذِي افْتَتَحَ حِمْصَ ثُمَّ وَلِيَ إِمْرَتَهَا، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا تَخَوَّفَ الْفَوْتَ) زَادَ الْمُسْتَمْلِي فِي الْوَقْتِ.

قَوْلُهُ: (وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَلِيدَ قَوَّى مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الطَّالِبِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَوْ وَجَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِينَ صَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ صَلَّوْا رُكْبَانًا لَكَانَ بَيِّنًا فِي الِاسْتِدْلَالِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَذِكْرُ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ يَكُونُ بِالْقِيَاسِ فَكَمَا سَاغَ لِأُولَئِكَ أَنْ يُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا الْمُفْتَرَضِ كَذَلِكَ يَسُوغُ لِلطَّالِبِ تَرْكُ إِتْمَامِ الْأَرْكَانِ وَالِانْتِقَالُ إِلَى الْإِيمَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَالْأَبْيَنُ عِنْدِي أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الِاسْتِعْجَالَ الْمَأْمُورَ بِهِ يَقْتَضِي تَرْكَ الصَّلَاةِ أَصْلًا كَمَا جَرَى لِبَعْضِهِمْ، أَوِ الصَّلَاةُ عَلَى الدَّوَابِّ كَمَا وَقَعَ لِلْآخَرِينَ، لِأَنَّ النُّزُولَ يُنَافِي مَقْصُودَ الْجَدِّ فِي الْوُصُولِ، فَالْأَوَّلُونَ بَنَوْا عَلَى أَنَّ النُّزُولَ مَعْصِيَةٌ لِمُعَارَضَتِهِ لِلْأَمْرِ الْخَاصِّ بِالْإِسْرَاعِ، وَكَأَنَّ تَأْخِيرَهُمْ لَهَا لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ، وَالْآخَرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ دَلِيلَيْ وُجُوبِ الْإِسْرَاعِ وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا فَصَلَّوْا رُكْبَانًا، فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُمْ نَزَلُوا لَكَانَ ذَلِكَ مُضَادًّا لِلْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ، وَهُوَ لَا يُظَنُّ بِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ. انْتَهَى.

وَهَذَا الَّذِي حَاوَلَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ بِقَوْلِهِ: لَوْ وُجِدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ إِلَخْ، فَلَمْ يَسْتَحْسِنِ الْجَزْمَ فِي النَّقْلِ بِالِاحْتِمَالِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُظَنُّ بِهِمُ الْمُخَالَفَةُ، فَمُعْتَرَضٌ بِمِثْلِهِ بِأَنْ يُقَالَ لَا يُظَنُّ بِهِمُ الْمُخَالَفَةُ بِتَغْيِيرِ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ وَالْأَوْلَى فِي هَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُرَابِطِ وَوَافَقَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ، لِأَنَّ الَّذِينَ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يُعَنَّفُوا مَعَ كَوْنِهِمْ فَوَّتُوا الْوَقْتَ فَصَلَاةُ مَنْ لَا يُفَوِّتُ الْوَقْتَ بِالْإِيمَاءِ - أَوْ كَيْفَ مَا يُمْكِنُ - أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) هُوَ بِالْجِيمِ تَصْغِيرُ جَارِيَةٍ، وَهُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الظُّهْرَ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(فَائِدَةٌ): أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي صَلَاةِ الطَّالِبِ حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ إِلَى سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ قَالَ فَرَأَيْتُهُ وَحَضَرَتِ الْعَصْرُ فَخَشِيتُ فَوْتُهَا فَانْطَلَقْتُ أَمْشِي وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ إِيمَاءً وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قال: فرأيته، وحضرت (١) العصر، فخشيت فوتها، فانطلقت أمشي وأنا أصلِّي، أومئ إيماءً. وإسناده حسنٌ (٢).

(٥ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ كذا في الفرع وأصله، ولأبي ذَرٍّ إسقاطه.

٩٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بالفتح غير منصرفٍ، ابن عُبَيْد بن مخراق الضُّبَعيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) -تصغير جارية- ابن أسماء، وهو (٣) عمُّ عبد الله الرَّاوي عنه (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ) غزوة الخندق سنة أربعٍ إلى المدينة، ووضع المسلمون السِّلاح، وقال له جبريل : ما وضعت الملائكة السِّلاح بعد، وإنَّ الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإنِّي عائدٌ إليهم، فقال لأصحابه: (لَا يُصَلِّيَنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (أَحَدٌ) منكم (العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) بضمِّ القاف وفتح الرَّاء والظَّاء المعجمة، فرقةٌ من اليهود (فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ) بنصب «بعضَهم» ورفع تاليه، مفعولٌ وفاعلٌ، مثل قوله: «وإن يدركْني يومُك» [خ¦٣] والضَّمير في «بعضَهم» لـ «أحدٌ». (فَقَالَ) وللأربعة: «وقال» (بَعْضُهُمْ) الضَّمير فيه -كالآتي- لنفس بعض الأوَّل: (لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا) عملًا

بظاهر قوله: «لا يصلِّينَّ أحدٌ» لأنَّ النُّزول معصيةٌ للأمر الخاصِّ بالإسراع، فخصُّوا عموم الأمر بالصَّلاة أوَّل وقتها بما إذا لم يكن عذرٌ بدليل أمرهم بذلك. (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي) نظرًا إلى المعنى لا إلى ظاهر اللَّفظ (لَمْ يُرَِدْ مِنَّا ذَلِكَ) ببناء «يُرَد» للمفعول، كما ضبطه العينيُّ والبرماويُّ، وبالبناء للفاعل كما ضبطه في «المصابيح»، والخفضة مكشوطةٌ في الفرع، فعريت الرَّاء فيه عن الضَّبط، ولم يضبطها في «اليونينيَّة» (١)، والمعنى: أنَّ المرادَ من قوله: «لا يصلِّينَّ أحدٌ» لازمُه، وهو الاستعجال في الذَّهاب لبني قريظة، لا حقيقة ترك الصَّلاة، كأنَّه قال: صلُّوا في بني قريظة إلَّا أن يدرككم وقتها قبل أن تَصِلُوا إليها، فجمعوا بين دليلي وجوب الصَّلاة ووجوب الإسراع، فصلَّوا ركبانًا لأنَّهم لو نزلوا للصَّلاة لكان فيه مضادَّةٌ للأمر بالإسراع، وصلاة الرَّاكب مقتضيةٌ للإيماء، فطابق الحديث التَّرجمة، لكن عُورِض بأنَّهم لو تركوا الرُّكوع والسُّجود لخالفوا قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وأُجيب بأنَّه عامٌّ خُصَّ بدليلٍ، كما أنَّ الأمر بتأخير الصَّلاة إلى إتيان بني قريظة خُصَّ بما إذا لم يخش الفوات. والقول بأنَّهم صلَّوا ركبانًا، لابن المُنَيِّر، قال في «الفتح»: وفيه نظرٌ لأنَّه لم يصرِّح لهم بترك النُّزول، فلعلَّهم فهموا أنَّ المراد بأمرهم: «ألَّا يصلُّوا العصر إلَّا في بني قريظة» المبالغةُ في الأمر بالإسراع، فبادروا إلى امتثال أمره، وخصُّوا وقت الصَّلاة من ذلك لِما تقرَّر عندهم من تأكيد أمرها، فلا يمتنِع أن ينزِلوا فيصلُّوا، ولا يكونَ في ذلك مضادَّةٌ لِما أُمِروا به، ودعوى أنَّهم صلَّوا ركبانًا يحتاج إلى دليلٍ، ولم أره صريحًا في شيءٍ من طرق هذه القصَّة (٢). (فَذُكِرَ (٣) لِلنَّبِيِّ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «أحدًا» (مِنْهُمْ) لا التَّاركين لأوَّل الوقت عملًا بظاهر النَّهي، ولا الَّذين فهموا أنَّه كنايةٌ عن العجلة، قال النَّوويُّ : لا احتجاج به على إصابة كلِّ مجتهدٍ لأنَّه لم يصرِّح بإصابتهما، بل ترك التَّعنيف، ولا خلاف أنَّ المجتهد لا يُعنَّف ولو أخطأ إذا بذل وسعه، قال: وأمَّا اختلافهم

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على إِصَابَة كل مُجْتَهد لِأَنَّهُ لم يُصَرح بِإِصَابَة الطَّائِفَتَيْنِ بل بِإِصَابَة ترك تعنيفهما وَلَا خلاف فِي ترك تعنيف الْمُجْتَهد وَإِن أَخطَأ إِذا بذل وَسعه وَأما اخْتلَافهمْ فسببه أَن الْأَدِلَّة تَعَارَضَت فَإِن الصَّلَاة مَأْمُور بهَا فِي الْوَقْت وَالْمَفْهُوم من " لَا يصلين " الْمُبَادرَة بالذهاب إِلَيْهِم فَأخذ بَعضهم بذلك فصلوا حِين خَافُوا فَوت الْوَقْت وَالْآخرُونَ بِالْآخرِ فأخروها وَيُقَال اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي الْمُبَادرَة بِالصَّلَاةِ عِنْد ضيق وَقتهَا وتأخيرها سَببه أَن أَدِلَّة الشَّرْع تَعَارَضَت عِنْدهم فَإِن الصَّلَاة مَأْمُور بهَا فِي الْوَقْت مَعَ أَن الْمَفْهُوم من قَوْله " لَا يصلين أحد إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة " الْمُبَادرَة بالذهاب إِلَيْهِ وَأَن لَا يشْتَغل عَنهُ بِشَيْء لَا أَن تَأْخِير الصَّلَاة مَقْصُود فِي نَفسه من حَيْثُ أَنه تَأْخِير فَأخذ بعض الصَّحَابَة بِهَذَا الْمَفْهُوم نظرا إِلَى الْمَعْنى لَا إِلَى اللَّفْظ فصلوا حِين خَافُوا فَوَات الْوَقْت وَأخذ آخَرُونَ بِظَاهِر اللَّفْظ وَحَقِيقَته وَلم يعنف الشَّارِع وَاحِدًا مِنْهُمَا لأَنهم مجتهدون فَفِيهِ دَلِيل لمن يَقُول بِالْمَفْهُومِ وَالْقِيَاس ومراعاة الْمَعْنى وَلمن يَقُول بِالظَّاهِرِ أَيْضا (قلت) هَذَا القَوْل مثل مَا قَالَ النَّوَوِيّ مَعَ بعض زِيَادَة فِيهِ وَقَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ أَن المتؤول إِذا لم يبعد فِي التَّأْوِيل لَيْسَ بمخطىء وَأَن السُّكُوت على فعل أَمر كالقول بإجازته -

٦ - (بابُ التَّكْبِيرِ والغَلَسِ بِالصُّبْحِ والصَّلَاةِ عِنْدَ الإغَارَةِ والحَرْبِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّكْبِير من كبر يكبر تَكْبِيرا، وَهُوَ قَول: الله أكبر، هَكَذَا هُوَ فِي مُعظم الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: التبكير، بِتَقْدِيم الْبَاء الْمُوَحدَة من: بكر يبكر تبكيرا إِذا أسْرع وبادر، و: الْغَلَس، بِفتْحَتَيْنِ: الظلمَة آخر اللَّيْل، وَالْمرَاد مِنْهُ التغليس بِصَلَاة الصُّبْح. قَوْله: (عِنْد الإغارة) يتَعَلَّق بِالتَّكْبِيرِ، وَمَا عطف عَلَيْهِ، والإغارة، بِكَسْر الْهمزَة فِي الأَصْل: الْإِسْرَاع فِي الْعَدو، وَيُقَال: أغار يُغير إغارة، وَكَذَلِكَ الْغَارة، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا: الهجوم على الْعَدو على وَجه الْغَفْلَة، فَهُوَ من الأجوف الواوي. فَإِن قلت: مَا مُنَاسبَة ذكر هَذَا الْبَاب فِي كتاب صَلَاة الْخَوْف؟ قلت: قيل: أَشَارَ بذلك إِلَى أَن صَلَاة الْخَوْف لَا يشْتَرط فِيهَا التَّأْخِير إِلَى آخر الْوَقْت، كَمَا شَرطه من شَرطه فِي صَلَاة شدَّة الْخَوْف عِنْد التحام الْقِتَال، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون للْإِشَارَة إِلَى تعْيين الْمُبَادرَة إِلَى الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا. قلت: هَذَا وَجه بعيد لَا يخفى ذَلِك، لِأَن مَحل ذَلِك فِي كتاب الصَّلَاة.

٩٤٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ البُنَانِيِّ عَن أنَسِ بنِ مالَكٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ الله أكْبَرُ خَرِبتْ خَيْبَرُ إنَّا إِذا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فسَاءَ صَبَاحُ المُنْذِرِينَ فَخَرَجُوا يسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ ويقُولُونَ مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ قَالَ والخمِيسُ الجَيْشُ فظَهَرَ علَيْهِمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقَتَلَ المُقَاتِلَةَ وسَبَى الذرَارِيَّ فصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الكَلْبِيِّ وصارَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا فقالَ عَبْدُ العَزِيزِ لِثَابِتٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أأنْتَ سَأَلْتَ أنَسا مَا أمْهَرَهَا قَالَ أمْهَرَهَا نَفْسَهَا فتَبَسَّمَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صلى الصُّبْح بِغَلَس ثمَّ ركب فَقَالَ الله أكبر) .

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي: بَاب مَا يذكر فِي الْفَخْذ، بأطول مِنْهُ، وَأتم عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وتكلمنا هُنَاكَ على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ.

قَوْله: (بِغَلَس) أَي: فِي أول الْوَقْت. وَقيل: التغليس بالصبح سنة سفرا أَو حضرا، وَكَانَ من عَادَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك. قلت: إِنَّمَا غلس هُنَا لأجل مبادرته إِلَى الرّكُوب، وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة بِالْأَمر بالإسفار. قَوْله: (فَقَالَ: الله أكبر) فِيهِ: أَن التَّكْبِير عِنْد الإشراف على المدن والقرى سنة، وَكَذَا عِنْد مَا يسر بِهِ من ذَلِك عِنْد رُؤْيَة الْهلَال، وَكَذَا رفع الصَّوْت بِهِ إِظْهَارًا لعلو دين الله تَعَالَى، وَظُهُور أمره. قَوْله: (خربَتْ خَيْبَر) ، يحْتَمل الْإِنْشَاء وَالْخَبَر، وَفِيه التفاؤل، وبخرابه سَعَادَة الْمُسلمين فَهُوَ من الفأل الْحسن لَا من الطَّيرَة. قَوْله: (بِسَاحَة قوم) قَالَ ابْن التِّين: الساحة الْموضع، وَقيل: ساحة الدَّار. قَوْله: (فسَاء صباح الْمُنْذرين) أَي: أَصَابَهُم السوء من الْقَتْل على الْكفْر

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.3 / 29.5
الإضاءة 86%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل