الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ١٢٢٦
الحديث رقم ١٢٢٦ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح مسلم، تحت باب: (٢٣) باب جواز التمتع.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
إِنِّي لَأُحَدِّثُكَ بِالْحَدِيثِ، الْيَوْمَ، يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ. وَاعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَعْمَرَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ. فَلَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ ذَلِكَ. وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ. ارْتَأَى كُلُّ امْرِئٍ، بَعْدُ، مَا شَاءَ أن يرتئي.
١٦٦ - (١٢٢٦) وحَدَّثَنَاه إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. كِلَاهُمَا عَنْ وَكِيعٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ. وقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ فِي رِوَايَتِهِ: ارْتَأَى رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. يَعْنِي عمر.
١٦٧ - (١٢٢٦) وحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ. قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ:
أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جَمَعَ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ. ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ. وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ. وَقَدْ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ. فتركت. ثم تركت الكي فعاد.
(١٢٢٦) - حدثناه محمد بن المثنى وابن بشار. قالا: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ. قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا قَالَ: قَالَ لي عمران بن حصيين. بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ.
١٦٨ - (١٢٢٦) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ:
بَعَثَ إِلَيَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ. فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ مُحَدِّثَكَ بِأَحَادِيثَ. لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهَا بَعْدِي. فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي. وَإِنْ مُتُّ فَحَدِّثْ بِهَا إن شئت: لإنه قَدْ سُلِّمَ عَلَيَّ. وَاعْلَمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حج وعمرة. ثم لم ينزل فيها كتاب اللَّهِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ رَجُلٌ فِيهَا بِرَأْيِهِ ما شاء.
١٦٩ - (١٢٢٦) وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قتادة، عن مطرف بن عبد الله ابن الشِّخِّيرِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ:
اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ. ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ فِيهَا كِتَابٌ. وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ فِيهَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
١٧٠ - (١٢٢٦) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ:
تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ الْقُرْآنُ. قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
١٧١ - (١٢٢٦) وحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: تَمَتَّعَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتمتعنا معه.
١٧٢ - (١٢٢٦) حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ. قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ. حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ. قَالَ: قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ (يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ). وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ. وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَ. قال رجل برأيه، بعد، ما شاء
١٧٣ - (١٢٢٦) وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عِمْرَانَ الْقَصِيرِ. حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَمْ يَقُلْ: وَأَمَرَنَا بِهَا.
١٦٥ - (١٢٢٦) وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مطرف، قال: قال لي عمران ابن حُصَيْنٍ:
ذكر عمران بن حصين رضي الله عنهما المتعة بالعمرة إلى الحج، فقال: إنها شرعت بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فأما الكتاب، فقوله تعالى : {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي}. وأما السنة: ففعل النبي صلى الله عليه وسلم لها، وإقراره عليها، ولم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي باقية لم تنسخ بعد هذا، فكيف يقول رجل برأيه وينهى عنها؟ يشير بذلك إلى نهي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنها في أشهر الحج؛ اجتهادا منه ليكثر زوار البيت في جميع العام؛ لأنهم إذا جاءوا بها مع الحج، لم يعودوا إليه في غير موسم الحج، وليس نهي عمر رضي الله عنه للتحريم أو لترك العمل بالكتاب والسنة، وإنما هو منع مؤقت للمصلحة العامة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
وَطَائِفَةٌ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي إِلَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَالٍ يُظَنُّ فَوَاتُهُ لَوْ أَخَّرَهُ عَنْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَآخَرُونَ هُوَ عَلَى الفور والله أعلم
(باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة لبسه ومالا يباح (وبيان تحريم الطيب عَلَيْهِ)
[١١٧٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ (لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ الا أحد لايجد النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولاالورس) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزِلِهِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا فَحَصَلَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْمَذْكُورَاتِ وَيَلْبَسُ مَا سِوَى ذَلِكَ وَكَانَ التَّصْرِيحُ بِمَا لَا يَلْبَسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ وَأَمَّا الْمَلْبُوسُ الْجَائِزُ لِلْمُحْرِمِ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ فَضُبِطَ الْجَمِيعُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ على أنه لا يجوز للمحرم لبس شئ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَهُوَ مَا كَانَ مُحِيطًا أَوْ مَخِيطًا مَعْمُولًا عَلَى)
قَدْرِ الْبَدَنِ أَوْ قَدْرِ عُضْوٍ مِنْهُ كَالْجَوْشَنِ وَالتُّبَّانِ وَالْقُفَّازِ وَغَيْرِهَا وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرَّأْسِ مَخِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى الْعِصَابَةُ فَإِنَّهَا حَرَامٌ فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا لِشَجَّةٍ أَوْ صُدَاعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا شَدَّهَا وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرِّجْلِ مِنْ مَدَاسٍ وَجُمْجُمٍ وَجَوْرَبٍ وَغَيْرِهَا وَهَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الرِّجَالِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُبَاحُ لَهَا سَتْرُ جَمِيعِ بَدَنِهَا بِكُلِّ سَاتِرٍ مِنْ مَخِيطٍ وَغَيْرِهِ إِلَّا سَتْرَ وَجْهِهَا فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِكُلِّ سَاتِرٍ وَفِي سَتْرِ يَدَيْهَا بِالْقُفَّازَيْنِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا تَحْرِيمُهُ وَنَبَّهَ صَلَّى الله عليه وسلم بالورس والزعفران على مافي مَعْنَاهُمَا وَهُوَ الطِّيبُ فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا فِي الْإِحْرَامِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ وَالْمُرَادُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ وَأَمَّا الْفَوَاكِهُ كَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَأَزْهَارِ الْبَرَارِي كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَنَحْوِهِمَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلطِّيبِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَلِبَاسِهِ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَيَتَّصِفَ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ الذَّلِيلِ وَلِيَتَذَكَّرَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَيَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى كَثْرَةِ أَذْكَارِهِ وَأَبْلَغَ فِي مُرَاقَبَتِهِ وَصِيَانَتِهِ لِعِبَادَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَلِيَتَذَكَّرَ بِهِ الْمَوْتَ وَلِبَاسَ الْأَكْفَانِ وَيَتَذَكَّرَ الْبَعْثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالنَّاسُ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا وَمَلَاذِّهَا وَيَجْتَمِعَ هَمُّهُ لِمَقَاصِدِ الْآخِرَةِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَطْعَهُمَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هذين
الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ أَحْمَدُ يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ بِحَالِهِمَا ولا يجب قطعهما لحديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ نَسْخَ حَدِيثِ بن عُمَرَ الْمُصَرِّحِ بِقَطْعِهِمَا وَزَعَمُوا أَنَّ قَطْعَهُمَا إِضَاعَةُ مَالٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُمَا إِلَّا بَعْدَ قَطْعِهِمَا أسفل من الكعبين لحديث بن عمر قالوا وحديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ مُطْلَقَانِ فَيَجِبُ حَمْلُهُمَا عَلَى الْمَقْطُوعَيْنِ لحديث بن عُمَرَ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ إِضَاعَةُ مَالٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْإِضَاعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ وَأَمَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَلَيْسَ بِإِضَاعَةٍ بَلْ حَقٍّ يَجِبُ الْإِذْعَانُ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي لَابِسِ الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لا فقال مالك والشافعي ومن وافقهما لاشيء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ فِدْيَةٌ لَبَيَّنَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى حَلْقِ الرَّأْسِ يَحْلِقُهُ وَيَفْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١١٧٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ) أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِهِمَا لِكَوْنِهِمَا طِيبًا وَأَلْحَقُوا بِهِمَا جَمِيعَ أَنْوَاعِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ وَسَبَبُ تَحْرِيمِ الطِّيبِ أَنَّهُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْجِمَاعِ وَلِأَنَّهُ يُنَافِي تَذَلُّلَ الْحَاجِّ فَإِنَّ الْحَاجَّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ وَسَوَاءٌ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَكَذَا جَمِيعُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ سِوَى اللِّبَاسِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَمُحَرَّمَاتُ الْإِحْرَامِ سَبْعَةٌ اللِّبَاسُ بِتَفْصِيلِهِ السَّابِقِ وَالطِّيبُ وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَدَهْنُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَعَقْدُ النِّكَاحِ وَالْجِمَاعِ وَسَائِرُ الِاسْتِمْتَاعِ حَتَّى الِاسْتِمْنَاءُ وَالسَّابِعُ إِتْلَافُ الصَّيْدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ مَا نُهِيَ عَنْهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ إِنْ كَانَ عَامِدًا بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا فِدْيَةَ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَلَا يَحْرُمُ الْمُعَصْفَرُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَحَرَّمَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَعَلَاهُ طِيبًا وَأَوْجَبَا فِيهِ الْفِدْيَةَ وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِغَيْرِ طِيبٍ وَلَا يَحْرُمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) يَعْنِي الْمُحْرِمُ هَذَا صَرِيحٌ في الدلالة
لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ فِي جَوَازِ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا وَمَنَعَهُ مَالِكٌ لِكَوْنِهِ لم يذكر وفي حديث بن عمر السابق والصواب اباحته بحديث بن عَبَّاسٍ هَذَا مَعَ حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْدَهُ أَمَّا حديث بن عُمَرَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ حالة وجود الازار وذكر في حديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ حَالَةَ الْعَدَمِ فَلَا مُنَافَاةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ) فِيهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ إِحْدَاهُمَا إِسْكَانُ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفُ الرَّاءِ وَالثَّانِيَةُ كَسْرُ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ وَالْأُولَى أَفْصَحُ وَبِهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَهَكَذَا اللُّغَتَانِ فِي تَخْفِيفِ الْحُدَيْبِيَةِ وَتَشْدِيدِهَا وَالْأَفْصَحُ التَّخْفِيفُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ
[١١٨٠] قَوْلُهُ (عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ يعمل
فِيهِ زَعْفَرَانٌ قَوْلُهُ (لَهُ غَطِيطٌ) هُوَ كَصَوْتِ النَّائِمِ الَّذِي يُرَدِّدُهُ مَعَ نَفَسِهِ قَوْلُهُ (كَغَطِيطِ الْبَكْرِ) هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ الْفَتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ قَوْلُهُ (فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ) هُوَ بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ أُزِيلَ مَا بِهِ وَكُشِفَ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّائِلِ عَنِ الْعُمْرَةِ (اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ) فِيهِ تَحْرِيمُ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا لِأَنَّهُ إِذَا حَرُمَ دَوَامًا فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وَفِيهِ إِنَّ الْعُمْرَةَ يَحْرُمُ فِيهَا مِنَ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ السَّبْعَةِ السَّابِقَةِ مَا يَحْرُمُ فِي الْحَجِّ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ طِيبٌ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى إِزَالَتِهِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ فِي إِحْرَامِهِ طِيبٌ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنَّمَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمُتَطَيِّبِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا إِذَا طَالَ لُبْثُهُ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ) دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا صَارَ عَلَيْهِ مَخِيطٌ يَنْزِعُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ شَقُّهُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ لَا يَجُوزُ نَزْعُهُ لِئَلَّا يَصِيرَ مُغَطِّيًا رَأْسَهُ بَلْ يَلْزَمُهُ شَقُّهُ وَهَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ) مَعْنَاهُ مِنَ اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَرَادَ مَعَ ذَلِكَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالْحَلْقَ بِصِفَاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا وَإِظْهَارَ التَّلْبِيَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَيَخُصُّ مِنْ عُمُومِهِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي الْعُمْرَةِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا السَّائِلَ كَانَ عَالِمًا بِصِفَةِ الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ فَلِهَذَا قَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ أَمْسَكَ عَنْ جَوَابِهَا حَتَّى يَعْلَمَهُ أَوْ يَظُنَّهُ بِشَرْطِهِ وَفِيهِ أَنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ بِوَحْيٍ لَا يُتْلَى وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِوَحْيٍ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ حُكْمُ ذَلِكَ أَوْ أَنَّ الْوَحْيَ بَدَرَهُ قَبْلَ تَمَامِ الِاجْتِهَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَقَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فَقَالَ أَيَسُرُّكَ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْقَائِلُ مَنْ هُوَ وَلَا سَبَقَ لَهُ ذِكْرٌ وَهَذَا الْقَائِلُ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ قوله (وعليه مقطعات) هي بفتح الطاء المشددة وهي الثياب المخيطة وأوضحه بقوله يعنى جبة قَوْلُهُ (مُتَضَمِّخٌ) هُوَ بِالضَّادِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ مُتَلَوِّثٌ بِهِ مُكْثِرٌ مِنْهُ
قَوْلُهُ (مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ) هُوَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ وسبب ذلك شدة الوحى وهو له قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثقيلا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) إِنَّمَا أَمَرَ بِالثَّلَاثِ مُبَالَغَةً فِي إِزَالَةِ لَوْنِهِ وَرِيحِهِ وَالْوَاجِبُ الْإِزَالَةُ فَإِنْ حَصَلَتْ بِمَرَّةٍ كَفَتْ وَلَمْ تَجِبِ الزِّيَادَةُ وَلَعَلَّ الطِّيبَ الَّذِي كَانَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ كَثِيرٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ مُتَضَمِّخٌ قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اغْسِلْهُ فَكَرَّرَ الْقَوْلَ ثَلَاثًا وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ (صَفْوَانَ
بن يعلى بن أمية) وفي بعضها بن مُنْيَةَ وَهُمَا صَحِيحَانِ فَأُمَيَّةُ أَبُو يَعْلَى وَمُنْيَةُ أُمُّ يَعْلَى وَقِيلَ جَدَّتُهُ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى أَبِيهِ وَتَارَةً إِلَى أُمِّهِ وَهِيَ مُنْيَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا رَبَاحُ) هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَوْلُهُ (فَسَكَتَ عَنْهُ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ) أَيْ لَمْ يَرُدَّ جَوَابَهُ قَوْلُهُ (خَمَّرَهُ عُمَرُ بِالثَّوْبِ) أَيْ غَطَّاهُ وَأَمَّا إِدْخَالُ يَعْلَى رَأْسَهُ وَرُؤْيَتُهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَإِذْنُ عُمَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَكُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَتِلْكَ الْحَالِ لِأَنَّ فِيهِ تَقْوِيَةُ الْإِيمَانِ بِمُشَاهَدَةِ حَالَةِ الْوَحْيِ الْكَرِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(باب جَوَازِ التَّمَتُّعِ)
[١٢٢٣] قَوْلُهُ (كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَكَانَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِهَا) الْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُثْمَانُ هِيَ التَّمَتُّعُ الْمَعْرُوفُ فِي الْحَجِّ وَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْهَيَانِ عَنْهَا نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ وَإِنَّمَا نَهَيَا عَنْهَا لِأَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ فَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَأْمُرَانِ بِالْإِفْرَادِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ وَيَنْهَيَانِ عَنِ التَّمَتُّعِ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِصَلَاحِ رَعِيَّتِهِ وَكَانَ يَرَى الْأَمْرَ بِالْإِفْرَادِ مِنْ جُمْلَةِ صَلَاحِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّا قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَجَلْ وَلَكِنْ كُنَّا خَائِفِينَ) فَقَوْلُهُ أَجَلْ بِإِسْكَانِ اللَّامِ أَيْ نَعَمْ وَقَوْلُهُ كُنَّا خَائِفِينَ لَعَلَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ خَائِفِينَ يَوْمَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ تِلْكَ السَّنَةَ حَقِيقَةَ تَمَتُّعٍ إِنَّمَا كَانَ عُمْرَةً وَحْدَهَا قَوْلُهُ (فَقَالَ عُثْمَانُ دَعْنَا عَنْكَ فَقَالَ يَعْنِي عَلِيًّا إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ فَلَمَّا أَنْ رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا) فَفِيهِ إِشَاعَةُ الْعِلْمِ وَإِظْهَارُهُ وَمُنَاظَرَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهِمْ فِي تَحْقِيقِهِ وَوُجُوبِ مُنَاصَحَةِ الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ
عَلِيٍّ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ وَأَمَّا إِهْلَالُ عَلِيٍّ بِهِمَا فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُرَجِّحُ الْقِرَانَ وَأَجَابَ عَنْهُ مَنْ رَجَّحَ الْإِفْرَادَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَهَلَّ بِهِمَا لِيُبَيِّنَ جَوَازَهَمَا لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَوْ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَانُ وَلَا التَّمَتُّعُ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْإِفْرَادُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى كَانَتْ لَنَا رُخْصَةً يَعْنِي الْمُتْعَةَ فِي الْحَجِّ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ أَبُو ذَرٍّ لَا تَصْلُحُ الْمُتْعَتَانِ إِلَّا لَنَا خَاصَّةً يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ وَمُتْعَةَ الْحَجِّ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِنَّمَا كَانَتْ لَنَا خَاصَّةً دُونَكُمْ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَانَ لِلصَّحَابَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مُرَادُ أَبِي ذَرٍّ إِبْطَالَ التَّمَتُّعِ مُطْلَقًا بَلْ مُرَادُهُ فَسْخُ الْحَجِّ كَمَا ذَكَرْنَا وَحِكْمَتُهُ إِبْطَالُ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ مَنْعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا كُلُّهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (لَا تَصْلُحُ الْمُتْعَتَانِ إِلَّا لَنَا خَاصَّةً) مَعْنَاهُ إِنَّمَا صَلَحَتَا لَنَا خَاصَّةً فِي الْوَقْتِ الَّذِي فَعَلْنَاهُمَا فِيهِ ثُمَّ صَارَتَا حَرَامًا بَعْدَ ذَلِكَ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٢٢٥] قَوْلُهُ (سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ فَعَلْنَاهَا وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ يَعْنِي بُيُوتَ مَكَّةَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَعْنِي مُعَاوِيَةَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ أَمَّا الْعُرُشُ فَبِضَمِّ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَهِيَ بُيُوتُ مَكَّةَ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ سُمِّيَتْ بُيُوتُ مَكَّةَ عُرُشًا لِأَنَّهَا عِيدَانٌ تُنْصَبُ وَتُظَلَّلُ قَالَ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا عُرُوشٌ بِالرَّاءِ وَوَاحِدُهَا عَرْشٌ كَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَمَنْ قَالَ عَرْشٌ فَوَاحِدُهَا عَرِيشٌ كَقَلِيبٍ وَقَلْبٍ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى عُرُوشِ مَكَّةَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ فَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَفِي الْمُرَادِ بِالْكُفْرِ هُنَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ الْمُرَادُ وَهُوَ مُقِيمٌ فِي بُيُوتِ مَكَّةَ قَالَ ثَعْلَبٌ يُقَالُ اكْتَفَرَ الرَّجُلُ إِذَا لَزِمَ الْكُفُورَ وَهِيَ الْقُرَى وَفِي الْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَهْلُ الْكُفُورِ هُمْ أَهْلُ الْقُبُورِ يَعْنِي الْقُرَى الْبَعِيدَةَ عَنِ الْأَمْصَارِ وَعَنِ الْعُلَمَاءِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي الْمُرَادُ الْكُفْرُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ أَنَّا تَمَتَّعْنَا وَمُعَاوِيَةُ يَوْمئِذٍ كَافِرٌ عَلَى دِينِ الْجَاهِلِيَّةِ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ وَالْمُرَادُ بِالْمُتْعَةِ الْعُمْرَةُ الَّتِي كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ
الْهِجْرَةِ وَهِيَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَوْمَئِذٍ كَافِرًا وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَامَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَقِيلَ إِنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الْعُمْرَةِ مِنْ عُمَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُنْ مُعَاوِيَةُ فِيهَا كَافِرًا وَلَا مُقِيمًا بِمَكَّةَ بَلْ كَانَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَهُ بَعْضُهُمْ كَافِرٌ بِالْعَرْشِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَالْمُرَادُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ قَالَ الْقَاضِي هَذَا تَصْحِيفٌ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُتْعَةِ فِي الْحَجِّ
[١٢٢٦] قَوْلُهُ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْمَرَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ فَلَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى نَحْوُهُ ثُمَّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يَنْزِلْ فِيهِ الْقُرْآنُ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَمَتَّعَ وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ مراد عمران أن التمتع بالعمرة إلى الحج جائز وَكَذَلِكَ الْقِرَانُ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِإِنْكَارِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْعَ التَّمَتُّعِ وَقَدْ سَبَقَ تَأْوِيلُ فِعْلِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِبْطَالَ التَّمَتُّعِ بَلْ تَرْجِيحَ الْإِفْرَادِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَقَدْ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ فَتُرِكْتُ ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ) فَقَوْلُهُ يُسَلَّمُ عَلَيَّ هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ وَقَوْلُهُ فَتُرِكْتُ هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ أَيِ انْقَطَعَ السَّلَامُ عَلَيَّ ثُمَّ تَرَكْتُ بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ السَّلَامُ عَلَيَّ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَتْ بِهِ بَوَاسِيرُ فَكَانَ يَصْبِرُ عَلَى الْمُهِمَّاتِ وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَاكْتَوَى فَانْقَطَعَ سَلَامُهُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ تَرَكَ الْكَيَّ فَعَادَ سَلَامُهُمْ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (بَعَثَ إِلَيَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ إِنِّي كُنْتُ مُحَدِّثَكَ بِأَحَادِيثَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهَا بَعْدِي فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي وَإِنْ مُتُّ فَحَدِّثْ بِهَا إِنْ شِئْتَ أَنَّهُ قَدْ سُلِّمَ عَلَيَّ وَاعْلَمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ أَمَّا قَوْلُهُ فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي فَأَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَرِهَ
أَنْ يُشَاعَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهَا فَمَعْنَاهُ تَعْمَلُ بِهَا وَتُعَلِّمُهَا غَيْرَكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَحَادِيثَ فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهَا إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَأَمَّا إِخْبَارُهُ بِالسَّلَامِ فَلَيْسَ حَدِيثًا فَيَكُونُ بَاقِي الْأَحَادِيثِ مَحْذُوفًا مِنَ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هُوَ
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
وَطَائِفَةٌ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي إِلَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَالٍ يُظَنُّ فَوَاتُهُ لَوْ أَخَّرَهُ عَنْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَآخَرُونَ هُوَ عَلَى الفور والله أعلم
(باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة لبسه ومالا يباح (وبيان تحريم الطيب عَلَيْهِ)
[١١٧٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ (لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ الا أحد لايجد النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولاالورس) قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزِلِهِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا فَحَصَلَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْمَذْكُورَاتِ وَيَلْبَسُ مَا سِوَى ذَلِكَ وَكَانَ التَّصْرِيحُ بِمَا لَا يَلْبَسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ وَأَمَّا الْمَلْبُوسُ الْجَائِزُ لِلْمُحْرِمِ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ فَضُبِطَ الْجَمِيعُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ على أنه لا يجوز للمحرم لبس شئ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَهُوَ مَا كَانَ مُحِيطًا أَوْ مَخِيطًا مَعْمُولًا عَلَى)
قَدْرِ الْبَدَنِ أَوْ قَدْرِ عُضْوٍ مِنْهُ كَالْجَوْشَنِ وَالتُّبَّانِ وَالْقُفَّازِ وَغَيْرِهَا وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرَّأْسِ مَخِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى الْعِصَابَةُ فَإِنَّهَا حَرَامٌ فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا لِشَجَّةٍ أَوْ صُدَاعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا شَدَّهَا وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرِّجْلِ مِنْ مَدَاسٍ وَجُمْجُمٍ وَجَوْرَبٍ وَغَيْرِهَا وَهَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الرِّجَالِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُبَاحُ لَهَا سَتْرُ جَمِيعِ بَدَنِهَا بِكُلِّ سَاتِرٍ مِنْ مَخِيطٍ وَغَيْرِهِ إِلَّا سَتْرَ وَجْهِهَا فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِكُلِّ سَاتِرٍ وَفِي سَتْرِ يَدَيْهَا بِالْقُفَّازَيْنِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا تَحْرِيمُهُ وَنَبَّهَ صَلَّى الله عليه وسلم بالورس والزعفران على مافي مَعْنَاهُمَا وَهُوَ الطِّيبُ فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا فِي الْإِحْرَامِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ وَالْمُرَادُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ وَأَمَّا الْفَوَاكِهُ كَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَأَزْهَارِ الْبَرَارِي كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَنَحْوِهِمَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلطِّيبِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَلِبَاسِهِ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَيَتَّصِفَ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ الذَّلِيلِ وَلِيَتَذَكَّرَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَيَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى كَثْرَةِ أَذْكَارِهِ وَأَبْلَغَ فِي مُرَاقَبَتِهِ وَصِيَانَتِهِ لِعِبَادَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَلِيَتَذَكَّرَ بِهِ الْمَوْتَ وَلِبَاسَ الْأَكْفَانِ وَيَتَذَكَّرَ الْبَعْثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالنَّاسُ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا وَمَلَاذِّهَا وَيَجْتَمِعَ هَمُّهُ لِمَقَاصِدِ الْآخِرَةِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَطْعَهُمَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هذين
الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ أَحْمَدُ يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ بِحَالِهِمَا ولا يجب قطعهما لحديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ نَسْخَ حَدِيثِ بن عُمَرَ الْمُصَرِّحِ بِقَطْعِهِمَا وَزَعَمُوا أَنَّ قَطْعَهُمَا إِضَاعَةُ مَالٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُمَا إِلَّا بَعْدَ قَطْعِهِمَا أسفل من الكعبين لحديث بن عمر قالوا وحديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ مُطْلَقَانِ فَيَجِبُ حَمْلُهُمَا عَلَى الْمَقْطُوعَيْنِ لحديث بن عُمَرَ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ إِضَاعَةُ مَالٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْإِضَاعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ وَأَمَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَلَيْسَ بِإِضَاعَةٍ بَلْ حَقٍّ يَجِبُ الْإِذْعَانُ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي لَابِسِ الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لا فقال مالك والشافعي ومن وافقهما لاشيء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ فِدْيَةٌ لَبَيَّنَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى حَلْقِ الرَّأْسِ يَحْلِقُهُ وَيَفْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١١٧٧] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ) أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِهِمَا لِكَوْنِهِمَا طِيبًا وَأَلْحَقُوا بِهِمَا جَمِيعَ أَنْوَاعِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ وَسَبَبُ تَحْرِيمِ الطِّيبِ أَنَّهُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْجِمَاعِ وَلِأَنَّهُ يُنَافِي تَذَلُّلَ الْحَاجِّ فَإِنَّ الْحَاجَّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ وَسَوَاءٌ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَكَذَا جَمِيعُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ سِوَى اللِّبَاسِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَمُحَرَّمَاتُ الْإِحْرَامِ سَبْعَةٌ اللِّبَاسُ بِتَفْصِيلِهِ السَّابِقِ وَالطِّيبُ وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَدَهْنُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَعَقْدُ النِّكَاحِ وَالْجِمَاعِ وَسَائِرُ الِاسْتِمْتَاعِ حَتَّى الِاسْتِمْنَاءُ وَالسَّابِعُ إِتْلَافُ الصَّيْدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ مَا نُهِيَ عَنْهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ إِنْ كَانَ عَامِدًا بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا فِدْيَةَ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَلَا يَحْرُمُ الْمُعَصْفَرُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَحَرَّمَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَعَلَاهُ طِيبًا وَأَوْجَبَا فِيهِ الْفِدْيَةَ وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِغَيْرِ طِيبٍ وَلَا يَحْرُمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) يَعْنِي الْمُحْرِمُ هَذَا صَرِيحٌ في الدلالة
لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ فِي جَوَازِ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا وَمَنَعَهُ مَالِكٌ لِكَوْنِهِ لم يذكر وفي حديث بن عمر السابق والصواب اباحته بحديث بن عَبَّاسٍ هَذَا مَعَ حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْدَهُ أَمَّا حديث بن عُمَرَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ حالة وجود الازار وذكر في حديث بن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ حَالَةَ الْعَدَمِ فَلَا مُنَافَاةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ) فِيهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ إِحْدَاهُمَا إِسْكَانُ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفُ الرَّاءِ وَالثَّانِيَةُ كَسْرُ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ وَالْأُولَى أَفْصَحُ وَبِهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَهَكَذَا اللُّغَتَانِ فِي تَخْفِيفِ الْحُدَيْبِيَةِ وَتَشْدِيدِهَا وَالْأَفْصَحُ التَّخْفِيفُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ
[١١٨٠] قَوْلُهُ (عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ يعمل
فِيهِ زَعْفَرَانٌ قَوْلُهُ (لَهُ غَطِيطٌ) هُوَ كَصَوْتِ النَّائِمِ الَّذِي يُرَدِّدُهُ مَعَ نَفَسِهِ قَوْلُهُ (كَغَطِيطِ الْبَكْرِ) هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ الْفَتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ قَوْلُهُ (فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ) هُوَ بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ أُزِيلَ مَا بِهِ وَكُشِفَ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّائِلِ عَنِ الْعُمْرَةِ (اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ) فِيهِ تَحْرِيمُ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا لِأَنَّهُ إِذَا حَرُمَ دَوَامًا فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وَفِيهِ إِنَّ الْعُمْرَةَ يَحْرُمُ فِيهَا مِنَ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ السَّبْعَةِ السَّابِقَةِ مَا يَحْرُمُ فِي الْحَجِّ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ طِيبٌ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى إِزَالَتِهِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ فِي إِحْرَامِهِ طِيبٌ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنَّمَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمُتَطَيِّبِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا إِذَا طَالَ لُبْثُهُ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ) دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا صَارَ عَلَيْهِ مَخِيطٌ يَنْزِعُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ شَقُّهُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ لَا يَجُوزُ نَزْعُهُ لِئَلَّا يَصِيرَ مُغَطِّيًا رَأْسَهُ بَلْ يَلْزَمُهُ شَقُّهُ وَهَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ) مَعْنَاهُ مِنَ اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَرَادَ مَعَ ذَلِكَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالْحَلْقَ بِصِفَاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا وَإِظْهَارَ التَّلْبِيَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَيَخُصُّ مِنْ عُمُومِهِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي الْعُمْرَةِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا السَّائِلَ كَانَ عَالِمًا بِصِفَةِ الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ فَلِهَذَا قَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ أَمْسَكَ عَنْ جَوَابِهَا حَتَّى يَعْلَمَهُ أَوْ يَظُنَّهُ بِشَرْطِهِ وَفِيهِ أَنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ بِوَحْيٍ لَا يُتْلَى وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِوَحْيٍ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ حُكْمُ ذَلِكَ أَوْ أَنَّ الْوَحْيَ بَدَرَهُ قَبْلَ تَمَامِ الِاجْتِهَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَقَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فَقَالَ أَيَسُرُّكَ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْقَائِلُ مَنْ هُوَ وَلَا سَبَقَ لَهُ ذِكْرٌ وَهَذَا الْقَائِلُ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ قوله (وعليه مقطعات) هي بفتح الطاء المشددة وهي الثياب المخيطة وأوضحه بقوله يعنى جبة قَوْلُهُ (مُتَضَمِّخٌ) هُوَ بِالضَّادِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ مُتَلَوِّثٌ بِهِ مُكْثِرٌ مِنْهُ
قَوْلُهُ (مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ) هُوَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ وسبب ذلك شدة الوحى وهو له قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثقيلا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) إِنَّمَا أَمَرَ بِالثَّلَاثِ مُبَالَغَةً فِي إِزَالَةِ لَوْنِهِ وَرِيحِهِ وَالْوَاجِبُ الْإِزَالَةُ فَإِنْ حَصَلَتْ بِمَرَّةٍ كَفَتْ وَلَمْ تَجِبِ الزِّيَادَةُ وَلَعَلَّ الطِّيبَ الَّذِي كَانَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ كَثِيرٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ مُتَضَمِّخٌ قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اغْسِلْهُ فَكَرَّرَ الْقَوْلَ ثَلَاثًا وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ (صَفْوَانَ
بن يعلى بن أمية) وفي بعضها بن مُنْيَةَ وَهُمَا صَحِيحَانِ فَأُمَيَّةُ أَبُو يَعْلَى وَمُنْيَةُ أُمُّ يَعْلَى وَقِيلَ جَدَّتُهُ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى أَبِيهِ وَتَارَةً إِلَى أُمِّهِ وَهِيَ مُنْيَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا رَبَاحُ) هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَوْلُهُ (فَسَكَتَ عَنْهُ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ) أَيْ لَمْ يَرُدَّ جَوَابَهُ قَوْلُهُ (خَمَّرَهُ عُمَرُ بِالثَّوْبِ) أَيْ غَطَّاهُ وَأَمَّا إِدْخَالُ يَعْلَى رَأْسَهُ وَرُؤْيَتُهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَإِذْنُ عُمَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَكُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَتِلْكَ الْحَالِ لِأَنَّ فِيهِ تَقْوِيَةُ الْإِيمَانِ بِمُشَاهَدَةِ حَالَةِ الْوَحْيِ الْكَرِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(باب جَوَازِ التَّمَتُّعِ)
[١٢٢٣] قَوْلُهُ (كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَكَانَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِهَا) الْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُثْمَانُ هِيَ التَّمَتُّعُ الْمَعْرُوفُ فِي الْحَجِّ وَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْهَيَانِ عَنْهَا نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ وَإِنَّمَا نَهَيَا عَنْهَا لِأَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ فَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَأْمُرَانِ بِالْإِفْرَادِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ وَيَنْهَيَانِ عَنِ التَّمَتُّعِ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِصَلَاحِ رَعِيَّتِهِ وَكَانَ يَرَى الْأَمْرَ بِالْإِفْرَادِ مِنْ جُمْلَةِ صَلَاحِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّا قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَجَلْ وَلَكِنْ كُنَّا خَائِفِينَ) فَقَوْلُهُ أَجَلْ بِإِسْكَانِ اللَّامِ أَيْ نَعَمْ وَقَوْلُهُ كُنَّا خَائِفِينَ لَعَلَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ خَائِفِينَ يَوْمَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ تِلْكَ السَّنَةَ حَقِيقَةَ تَمَتُّعٍ إِنَّمَا كَانَ عُمْرَةً وَحْدَهَا قَوْلُهُ (فَقَالَ عُثْمَانُ دَعْنَا عَنْكَ فَقَالَ يَعْنِي عَلِيًّا إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ فَلَمَّا أَنْ رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا) فَفِيهِ إِشَاعَةُ الْعِلْمِ وَإِظْهَارُهُ وَمُنَاظَرَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهِمْ فِي تَحْقِيقِهِ وَوُجُوبِ مُنَاصَحَةِ الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ
عَلِيٍّ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ وَأَمَّا إِهْلَالُ عَلِيٍّ بِهِمَا فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُرَجِّحُ الْقِرَانَ وَأَجَابَ عَنْهُ مَنْ رَجَّحَ الْإِفْرَادَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَهَلَّ بِهِمَا لِيُبَيِّنَ جَوَازَهَمَا لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَوْ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَانُ وَلَا التَّمَتُّعُ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْإِفْرَادُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى كَانَتْ لَنَا رُخْصَةً يَعْنِي الْمُتْعَةَ فِي الْحَجِّ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ أَبُو ذَرٍّ لَا تَصْلُحُ الْمُتْعَتَانِ إِلَّا لَنَا خَاصَّةً يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ وَمُتْعَةَ الْحَجِّ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِنَّمَا كَانَتْ لَنَا خَاصَّةً دُونَكُمْ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَانَ لِلصَّحَابَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مُرَادُ أَبِي ذَرٍّ إِبْطَالَ التَّمَتُّعِ مُطْلَقًا بَلْ مُرَادُهُ فَسْخُ الْحَجِّ كَمَا ذَكَرْنَا وَحِكْمَتُهُ إِبْطَالُ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ مَنْعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا كُلُّهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (لَا تَصْلُحُ الْمُتْعَتَانِ إِلَّا لَنَا خَاصَّةً) مَعْنَاهُ إِنَّمَا صَلَحَتَا لَنَا خَاصَّةً فِي الْوَقْتِ الَّذِي فَعَلْنَاهُمَا فِيهِ ثُمَّ صَارَتَا حَرَامًا بَعْدَ ذَلِكَ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٢٢٥] قَوْلُهُ (سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ فَعَلْنَاهَا وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ يَعْنِي بُيُوتَ مَكَّةَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَعْنِي مُعَاوِيَةَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ أَمَّا الْعُرُشُ فَبِضَمِّ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَهِيَ بُيُوتُ مَكَّةَ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ سُمِّيَتْ بُيُوتُ مَكَّةَ عُرُشًا لِأَنَّهَا عِيدَانٌ تُنْصَبُ وَتُظَلَّلُ قَالَ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا عُرُوشٌ بِالرَّاءِ وَوَاحِدُهَا عَرْشٌ كَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَمَنْ قَالَ عَرْشٌ فَوَاحِدُهَا عَرِيشٌ كَقَلِيبٍ وَقَلْبٍ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى عُرُوشِ مَكَّةَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ فَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَفِي الْمُرَادِ بِالْكُفْرِ هُنَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ الْمُرَادُ وَهُوَ مُقِيمٌ فِي بُيُوتِ مَكَّةَ قَالَ ثَعْلَبٌ يُقَالُ اكْتَفَرَ الرَّجُلُ إِذَا لَزِمَ الْكُفُورَ وَهِيَ الْقُرَى وَفِي الْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَهْلُ الْكُفُورِ هُمْ أَهْلُ الْقُبُورِ يَعْنِي الْقُرَى الْبَعِيدَةَ عَنِ الْأَمْصَارِ وَعَنِ الْعُلَمَاءِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي الْمُرَادُ الْكُفْرُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ أَنَّا تَمَتَّعْنَا وَمُعَاوِيَةُ يَوْمئِذٍ كَافِرٌ عَلَى دِينِ الْجَاهِلِيَّةِ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ وَالْمُرَادُ بِالْمُتْعَةِ الْعُمْرَةُ الَّتِي كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ
الْهِجْرَةِ وَهِيَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَوْمَئِذٍ كَافِرًا وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَامَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَقِيلَ إِنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الْعُمْرَةِ مِنْ عُمَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُنْ مُعَاوِيَةُ فِيهَا كَافِرًا وَلَا مُقِيمًا بِمَكَّةَ بَلْ كَانَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَهُ بَعْضُهُمْ كَافِرٌ بِالْعَرْشِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَالْمُرَادُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ قَالَ الْقَاضِي هَذَا تَصْحِيفٌ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُتْعَةِ فِي الْحَجِّ
[١٢٢٦] قَوْلُهُ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْمَرَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ فَلَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى نَحْوُهُ ثُمَّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يَنْزِلْ فِيهِ الْقُرْآنُ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَمَتَّعَ وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ مراد عمران أن التمتع بالعمرة إلى الحج جائز وَكَذَلِكَ الْقِرَانُ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِإِنْكَارِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْعَ التَّمَتُّعِ وَقَدْ سَبَقَ تَأْوِيلُ فِعْلِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِبْطَالَ التَّمَتُّعِ بَلْ تَرْجِيحَ الْإِفْرَادِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَقَدْ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ فَتُرِكْتُ ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ) فَقَوْلُهُ يُسَلَّمُ عَلَيَّ هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ وَقَوْلُهُ فَتُرِكْتُ هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ أَيِ انْقَطَعَ السَّلَامُ عَلَيَّ ثُمَّ تَرَكْتُ بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ السَّلَامُ عَلَيَّ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَتْ بِهِ بَوَاسِيرُ فَكَانَ يَصْبِرُ عَلَى الْمُهِمَّاتِ وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَاكْتَوَى فَانْقَطَعَ سَلَامُهُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ تَرَكَ الْكَيَّ فَعَادَ سَلَامُهُمْ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (بَعَثَ إِلَيَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ إِنِّي كُنْتُ مُحَدِّثَكَ بِأَحَادِيثَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهَا بَعْدِي فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي وَإِنْ مُتُّ فَحَدِّثْ بِهَا إِنْ شِئْتَ أَنَّهُ قَدْ سُلِّمَ عَلَيَّ وَاعْلَمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ أَمَّا قَوْلُهُ فَإِنْ عِشْتُ فَاكْتُمْ عَنِّي فَأَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَرِهَ
أَنْ يُشَاعَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهَا فَمَعْنَاهُ تَعْمَلُ بِهَا وَتُعَلِّمُهَا غَيْرَكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَحَادِيثَ فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهَا إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَأَمَّا إِخْبَارُهُ بِالسَّلَامِ فَلَيْسَ حَدِيثًا فَيَكُونُ بَاقِي الْأَحَادِيثِ مَحْذُوفًا مِنَ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هُوَ