الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ٢١٠٥
الحديث رقم ٢١٠٥ من كتاب «كتاب اللباس والزينة» في صحيح مسلم، تحت باب: باب: تحريم تصوير صورة الحيوان، وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه، وأن الملائكة عليهم السلام لا يدخلون بيتا فيه صورة ولا كلب.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٦٦٥⦘
فَنَضَحَ مَكَانَهُ. فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ. فَقَالَ لَهُ (قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ) قَالَ: أَجَلْ. وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ. حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، ويترك كلب الحائط الكبير.
٨٢ - (٢١٠٥) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ السَّبَّاقِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قال: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا. فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ.
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
(باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنةبالفرش ونحوه وأن الملائكة عليهم السلام لايدخلون بيتا فيه صورة أو كلب)
[٢١٠٤] قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَحَادِيثِ وَسَوَاءٌ صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَوْ بِغَيْرِهِ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَوَاءٌ مَا كَانَ فى ثوب أو بساط أودرهم أَوْ دِينَارٍ أَوْ فَلْسٍ أَوْ إِنَاءٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهَا وَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَرِحَالِ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ فَلَيْسَ بِحِرَامٍ هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَّصْوِيرِ وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْمُصَوَّرِ فِيهِ صُورَةَ حَيَوَانٍ فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَوْ ثَوْبًا ملبوسا أو عمامة ونحوذلك مما لايعد مُمْتَهَنًا فَهُوَ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ فِي بِسَاطٍ يُدَاسُ وَمِخَدَّةٍ وَوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُمْتَهَنُ فَلَيْسَ بِحِرَامٍ وَلَكِنْ هَلْ يَمْنَعُ دُخُولَ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ ذَلِكَ الْبَيْتَ فِيهِ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ قَرِيبًا إِنْ شاء الله ولافرق فى هذا كله بين ماله ظل ومالاظل لَهُ هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَبِمَعْنَاهُ قَالَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ
وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ إِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا كَانَ له ظل ولابأس بِالصُّوَرِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا ظِلٌّ وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّورَةَ فِيهِ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ مَذْمُومٌ وَلَيْسَ لِصُورَتِهِ ظِلٌّ مَعَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فِي كُلِّ صُورَةٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ النَّهْيُ فِي الصُّورَةِ عَلَى الْعُمُومِ وَكَذَلِكَ استعمال ماهى فِيهِ وَدُخُولُ الْبَيْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ سَوَاءٌ كانت رقما فى ثوب أو غيررقم وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَائِطٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ مُمْتَهَنٍ أَوْ غَيْرِ مُمْتَهَنٍ عَمَلًا بِظَاهِرِ الأحاديث لاسيما حَدِيثُ النُّمْرُقَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وَهَذَا مَذْهَبٌ قوى وقال آخَرُونَ يَجُوزُ مِنْهَا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ سَوَاءٌ امْتُهِنَ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ عُلِّقَ فى حائط أم لاوكرهوا مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ أَوْ كَانَ مُصَوَّرًا فِي الْحِيطَانِ وَشِبْهِهَا سَوَاءٌ كَانَ رَقْمًا أَوْ غَيْرَهُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ الْبَابِ إلاما كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَاسِمِ بن محمد وأجمعوا بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ الْبَابِ إِلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ وَوُجُوبُ تَغْيِيرِهِ قَالَ الْقَاضِي إِلَّا ماورد فِي اللَّعِبِ بِالْبَنَاتِ لِصِغَارِ الْبَنَاتِ وَالرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ لَكِنْ كَرِهَ مَالِكٌ شِرَاءَ الرَّجُلِ ذَلِكَ لِابْنَتِهِ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ إِبَاحَةَ اللَّعِبِ لَهُنَّ بِالْبَنَاتِ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[٢١٠٥] قَوْلُهُ (أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا) هُوَ بِالْجِيمِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ السَّاكِتُ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَيْهِ الْهَمُّ وَالْكَآبَةُ وَقِيلَ هُوَ الْحَزِينُ يُقَالُ وَجَمَ يَجِمُ وُجُومًا قَوْلُهُ (أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِيَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَلْقَنِي أَمَ وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَنِي) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ
لِلْإِنْسَانِ إِذَا رَأَى صَاحِبَهُ وَمَنْ لَهُ حَقٌّ وَاجِمًا أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ سَبَبِهِ فَيُسَاعِدَهُ فِيمَا يُمْكِنُ مُسَاعَدَتُهُ أَوْ يَتَحَزَّنَ مَعَهُ أَوْ يُذَكِّرَهُ بِطَرِيقٍ يَزُولُ بِهِ ذَلِكَ الْعَارِضُ وَفِيهِ التَّنْبِيهُ على الوثوق بوعدالله وَرُسُلِهِ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ لِلشَّيْءِ شَرْطٌ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِهِ أَوْ يَتَخَيَّلُ تَوْقِيتَهُ بِوَقْتٍ وَيَكُونُ غير موقت به ونحوذلك وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا تَكَدَّرَ وَقْتُ الْإِنْسَانِ أَوْ تنكدت وظيفته ونحوذلك فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَكِّرَ فِي سَبَبِهِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا حَتَّى اسْتَخْرَجَ الْكَلْبَ وَهُوَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون قَوْلُهُ (ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ) أَمَّا الْجَرْوُ فَبِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ مَشْهُورَاتٌ وَهُوَ الصَّغِيرُ مِنْ أَوْلَادِ الْكَلْبِ وَسَائِرِ السِّبَاعِ وَالْجَمْعُ أَجْرٍ وَجِرَاءٌ وَجَمْعُ الْجِرَاءِ أَجْرِيَةٌ وَأَمَّا الْفُسْطَاطُ فَفِيهِ سِتُّ لُغَاتٍ فُسْطَاطٌ وَفُسْتَاطٌ بِالتَّاءِ وَفُسَّاطٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ وَضَمِّ الْفَاءِ فِيهِنَّ وَتُكْسَرُ وَهُوَ نَحْوُ الْخِبَاءِ قَالَ الْقَاضِي وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا بَعْضُ حِجَالِ الْبَيْتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ تَحْتَ سَرِيرِ عَائِشَةَ وَأَصْلُ الْفُسْطَاطِ عَمُودُ الْأَخْبِيَةِ الَّتِي يُقَامُ عَلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ بِهِ مَكَانَهُ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ قَالُوا وَالْمُرَادُ بِالنَّضْحِ الْغَسْلُ وَتَأَوَّلَتْهُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ غَسَلَهُ لِخَوْفِ حُصُولِ بَوْلِهِ أوروثه
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[٢١٠٦] (لَا تَدْخُلُ الملائكة بيتا فيه كلب ولاصورة) قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ بَيْتٍ فِيهِ صُورَةٌ كَوْنُهَا مَعْصِيَةً فَاحِشَةً وَفِيهَا مُضَاهَاةٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَعْضُهَا فِي صُورَةِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَبَبُ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ بَيْتٍ فِيهِ كَلْبٌ لِكَثْرَةِ أَكْلِهِ النَّجَاسَاتِ وَلِأَنَّ بَعْضَهَا يُسَمَّى شَيْطَانًا كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ وَالْمَلَائِكَةُ ضِدُّ الشَّيَاطِينِ وَلِقُبْحِ رَائِحَةِ الْكَلْبِ وَالْمَلَائِكَةُ تَكْرَهُ الرَّائِحَةَ الْقَبِيحَةَ وَلِأَنَّهَا مَنْهِيٌّ عَنِ اتِّخَاذِهَا فَعُوقِبَ مُتَّخِذُهَا بِحِرْمَانِهِ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ بَيْتَهُ وَصَلَاتَهَا فِيهِ وَاسْتِغْفَارَهَا لَهُ وَتَبْرِيكَهَا عَلَيْهِ وَفِي بَيْتِهِ ودفعها أذى للشيطان وأما هؤلاء الملائكة لذين لايدخلون بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ فَهُمْ مَلَائِكَةٌ يطوفونبالرحمة وَالتَّبْرِيكِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَأَمَّا الْحَفَظَةُ فَيَدْخُلُونَ فِي كُلَّ بيت ولايفارقون بَنِي آدَمَ فِي كُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ باحصاء أعمالهم وكتابتها قال الخطابى وانما لاتدخل الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ مِمَّا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ مِنَ الْكِلَابِ وَالصُّوَرِ فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِحِرَامٍ مِنْ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ وَالصُّورَةِ الَّتِي تُمْتَهَنُ فِي الْبِسَاطِ وَالْوِسَادَةِ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يَمْتَنِعُ دُخُولُ الْمَلَائِكَةِ بِسَبَبِهِ وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ كَلْبٍ وَكُلِّ صُورَةٍ وَأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الْجَمِيعِ لِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّ الْجِرْوَ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ السَّرِيرِ كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَمَعَ هَذَا امْتَنَعَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ وَعَلَّلَ بِالْجِرْوِ فَلَوْ كَانَ العذر فى وجود الصورة والكلب لايمنعهم لَمْ يَمْتَنِعْ جِبْرِيلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى أَنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرَ) الْمُرَادُ بِالْحَائِطِ الْبُسْتَانُ وَفَرَّقَ بَيْنَ
الْحَائِطَيْنِ لِأَنَّ الْكَبِيرَ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى حِفْظِ جوانبه ولايتمكن النَّاظُورُ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ وَالْأَمْرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ مَنْسُوخٌ وَسَبَقَ إِيضَاحُهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ حَيْثُ بَسَطَ مُسْلِمٌ أَحَادِيثَهُ هُنَاكَ قوله (إلارقما فِي ثَوْبٍ) هَذَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ باباحة ماكان رَقْمًا مُطْلَقًا كَمَا سَبَقَ وَجَوَابُنَا وَجَوَابُ الْجُمْهُورِ عَنْهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَقْمٍ عَلَى صُورَةٍ الشَّجَرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ
بِحَيَوَانٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا جَائِزٌ عِنْدَنَا
[٢١٠٧] قَوْلُهُ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاتِهِ فَأَخَذْتُ نَمَطًا فَسُتْرَتُهُ عَلَى الْبَابِ فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ أَوْ قَطَعَهُ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ قَالَتْ فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ وَحَشَوْتُهُمَا لِيفًا فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ الْمُرَادُ بِالنَّمَطِ هُنَا بِسَاطٌ لَطِيفٌ لَهُ خَمْلٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ اتِّخَاذِ الْأَنْمَاطِ وَقَوْلُهَا (هَتَكَهُ) هوبمعنى قَطَعَهُ وَأَتْلَفَ الصُّورَةَ الَّتِي فِيهِ وَقَدْ صَرَّحَتْ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَاتِ بَعْدَ هَذِهِ بِأَنَّ هَذَا النَّمَطَ كَانَ فِيهِ صُوَرُ الْخَيْلِ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ صُورَةٌ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَهَتْكِ الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْغَضَبِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْوَسَائِدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم حِينَ جَذَبَ النَّمَطَ وَأَزَالَهُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يأمرنا أن نكسوا الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُمْنَعُ من ستر الحيطان وتنجيد البيوت بالثياب وهومنع كراهة تنزيه لاتحريم هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا هُوَ حَرَامٌ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ لِأَنَّ حقيقة
اللَّفْظِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْنَا بِذَلِكَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مَنْدُوبٍ وَلَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها قالت كانت لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالٌ طَائِرٌ وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوِّلِي هَذَا فَإِنِّي كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا) هذامحمول عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ مَا فِيهِ صُورَةٌ فَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدخل ويراه ولاينكره قَبْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةَ قَوْلُهَا (سَتَّرْتُ عَلَى بَابِي دُرْنُوكًا فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الْأَجْنِحَةِ فَأَمَرَنِي فَنَزَعْتُهُ) أَمَّا قَوْلُهَا سَتَّرْتُ فَهُوَ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْأُولَى وَأَمَّا الدُّرْنُوكُ فَبِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا حَكَاهُمَا القاضي وآخرون والمشهور ضمها والنون مضمومة لاغير وَيُقَالُ فِيهِ دُرْمُوكٌ بِالْمِيمِ وَهُوَ سِتْرٌ لَهُ خَمْلٌ وَجَمْعُهُ دَرَانِكُ قَوْلُهَا
(دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُتَسَتِّرَةٌ بِقِرَامٍ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ مُتَسَتِّرَةٌ بِتَاءَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ فَوْقُ بَيْنَهُمَا سِينٌ وَفِي بَعْضِهَا مُسْتَتِرَةٌ بِسِينٍ ثُمَّ تَاءَيْنِ أَيْ مُتَّخِذَةٌ سِتْرًا وَأَمَّا الْقِرَامُ فَبِكَسْرِ الْقَافِ الرقيق الستر وهو قَوْلُهَا (وَقَدْ سَتَّرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ) السَّهْوَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ هِيَ شَبِيهَةٌ بالرف أوبالطاق يُوضَعُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَسَمِعْتُ غير واحدمن أَهْلِ الْيَمَنِ يَقُولُونَ السَّهْوَةُ عِنْدَنَا بَيْتٌ صَغِيرٌ متحدر فى الأرض وسمكه مرتفع من الْأَرْضِ يُشْبِهُ الْخِزَانَةَ الصَّغِيرَةَ يَكُونُ فِيهَا الْمَتَاعُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ مَا قِيلَ فِي السَّهْوَةِ وَقَالَ الْخَلِيلُ هِيَ أَرْبَعَةُ أَعْوَادٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ يُعْرَضُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ثم يوضع عليها
شيء من الأمتعةوقال بن الْأَعْرَابِيِّ هِيَ الْكَوَّةُ بَيْنَ الدَّارَيْنِ وَقِيلَ بَيْتٌ صَغِيرٌ يُشْبِهُ الْمِخْدَعَ وَقِيلَ
هِيَ كَالصُّفَّةِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْبَيْتِ وَقِيلَ شَبِيهُ دَخْلَةٍ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (اشْتَرَيْتُ نُمْرُقَةً) هِيَ بِضَمِّ النُّونِ وَالرَّاءِ وَيُقَالُ بِكَسْرِهِمَا وَيُقَالُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ثلاث لغات ويقال نمرق بلاهاء وَهِيَ وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ وَقِيلَ هِيَ مِرْفَقَةٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ) وَفِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى
[٢١٠٨] وَفِي رِوَايَةٍ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ
[٢١١٠] وَفِي رِوَايَةِ بن عَبَّاسٍ كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ وفىرواية مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ
[٢١١١] وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة أما قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَيُقَالُ لَهُمْ أحيواما خَلَقْتُمْ) فَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْأُصُولِيُّونَ أَمْرَ تَعْجِيزٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ وأما قوله فى رواية بن عَبَّاسٍ يَجْعَلُ لَهُ فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ يَجْعَلُ وَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى أُضْمِرَ لِلْعِلْمِ به قال القاضي فى رواية بن عباس يحتمل أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي صَوَّرَهَا هِيَ تُعَذِّبُهُ بَعْدَ أَنْ يُجْعَلَ فِيهَا رُوحٌ وَتَكُونُ الْبَاءُ فِي بِكُلِّ بِمَعْنَى فِي قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ صُورَةٍ وَمَكَانِهَا شَخْصٌ يُعَذِّبُهُ وَتَكُونُ الْبَاءُ بِمَعْنَى لَامِ السَّبَبِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي تَحْرِيمِ تَصْوِيرِ الْحَيَوَانِ وانه غليظ التحريم وأما
الشجر ونحوه ممالا روح فيه فلا تحرم صنعته ولاالتكسب بِهِ وَسَوَاءٌ الشَّجَرُ الْمُثْمِرُ وَغَيْرُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ العلماء كافة الامجاهدا فَإِنَّهُ جَعَلَ الشَّجَرَ الْمُثْمِرَ مِنَ الْمَكْرُوهِ قَالَ الْقَاضِي لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُ مُجَاهِدٍ وَاحْتَجَّ مُجَاهِدٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ أَيِ اجْعَلُوهُ حَيَوَانًا ذَا رُوحٍ كَمَا ضَاهَيْتُمْ وَعَلَيْهِ رِوَايَةُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يخلق خلقا كخلقى ويؤيده حديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ ان كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر وما لانفس له وأما رواية أشد عَذَابًا فَقِيلَ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُّورَةَ لِتُعْبَدَ وَهُوَ صَانِعُ الْأَصْنَامِ وَنَحْوِهَا فَهَذَا كَافِرٌ وَهُوَ أَشَدُّ عَذَابًا وَقِيلَ هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْحَدِيثِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ فَهَذَا كَافِرٌ لَهُ مِنْ أَشَدِّ الْعَذَابِ مَا لِلْكُفَّارِ وَيَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ قُبْحِ كُفْرِهِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْعِبَادَةَ وَلَا الْمُضَاهَاةَ فَهُوَ فَاسِقٌ صاحب ذنب كبير ولايكفر كَسَائِرِ الْمَعَاصِي
[٢١١١] وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ حَبَّةً أَوْ شَعِيْرَةً فَالذَّرَّةُ بِفَتْحِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً فِيهَا رُوحٌ تَتَصَرَّفُ بِنَفْسِهَا كَهَذِهِ الذَّرَّةِ الَّتِي هِيَ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةَ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَيْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً فِيهَا طَعْمٌ تُؤْكَلُ وَتُزْرَعُ وَتَنْبُتُ وَيُوجَدُ فِيهَا مَا يُوجَدُ فِي حَبَّةِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْحَبِّ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا أَمْرُ تَعْجِيزٍ كَمَا سبق والله أعلم
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
(باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنةبالفرش ونحوه وأن الملائكة عليهم السلام لايدخلون بيتا فيه صورة أو كلب)
[٢١٠٤] قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَحَادِيثِ وَسَوَاءٌ صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَوْ بِغَيْرِهِ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَوَاءٌ مَا كَانَ فى ثوب أو بساط أودرهم أَوْ دِينَارٍ أَوْ فَلْسٍ أَوْ إِنَاءٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهَا وَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَرِحَالِ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ فَلَيْسَ بِحِرَامٍ هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَّصْوِيرِ وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْمُصَوَّرِ فِيهِ صُورَةَ حَيَوَانٍ فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَوْ ثَوْبًا ملبوسا أو عمامة ونحوذلك مما لايعد مُمْتَهَنًا فَهُوَ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ فِي بِسَاطٍ يُدَاسُ وَمِخَدَّةٍ وَوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُمْتَهَنُ فَلَيْسَ بِحِرَامٍ وَلَكِنْ هَلْ يَمْنَعُ دُخُولَ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ ذَلِكَ الْبَيْتَ فِيهِ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ قَرِيبًا إِنْ شاء الله ولافرق فى هذا كله بين ماله ظل ومالاظل لَهُ هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَبِمَعْنَاهُ قَالَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ
وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ إِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا كَانَ له ظل ولابأس بِالصُّوَرِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا ظِلٌّ وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّورَةَ فِيهِ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ مَذْمُومٌ وَلَيْسَ لِصُورَتِهِ ظِلٌّ مَعَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فِي كُلِّ صُورَةٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ النَّهْيُ فِي الصُّورَةِ عَلَى الْعُمُومِ وَكَذَلِكَ استعمال ماهى فِيهِ وَدُخُولُ الْبَيْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ سَوَاءٌ كانت رقما فى ثوب أو غيررقم وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَائِطٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ مُمْتَهَنٍ أَوْ غَيْرِ مُمْتَهَنٍ عَمَلًا بِظَاهِرِ الأحاديث لاسيما حَدِيثُ النُّمْرُقَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وَهَذَا مَذْهَبٌ قوى وقال آخَرُونَ يَجُوزُ مِنْهَا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ سَوَاءٌ امْتُهِنَ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ عُلِّقَ فى حائط أم لاوكرهوا مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ أَوْ كَانَ مُصَوَّرًا فِي الْحِيطَانِ وَشِبْهِهَا سَوَاءٌ كَانَ رَقْمًا أَوْ غَيْرَهُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ الْبَابِ إلاما كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَاسِمِ بن محمد وأجمعوا بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ الْبَابِ إِلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ وَوُجُوبُ تَغْيِيرِهِ قَالَ الْقَاضِي إِلَّا ماورد فِي اللَّعِبِ بِالْبَنَاتِ لِصِغَارِ الْبَنَاتِ وَالرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ لَكِنْ كَرِهَ مَالِكٌ شِرَاءَ الرَّجُلِ ذَلِكَ لِابْنَتِهِ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ إِبَاحَةَ اللَّعِبِ لَهُنَّ بِالْبَنَاتِ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[٢١٠٥] قَوْلُهُ (أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا) هُوَ بِالْجِيمِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ السَّاكِتُ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَيْهِ الْهَمُّ وَالْكَآبَةُ وَقِيلَ هُوَ الْحَزِينُ يُقَالُ وَجَمَ يَجِمُ وُجُومًا قَوْلُهُ (أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِيَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَلْقَنِي أَمَ وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَنِي) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ
لِلْإِنْسَانِ إِذَا رَأَى صَاحِبَهُ وَمَنْ لَهُ حَقٌّ وَاجِمًا أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ سَبَبِهِ فَيُسَاعِدَهُ فِيمَا يُمْكِنُ مُسَاعَدَتُهُ أَوْ يَتَحَزَّنَ مَعَهُ أَوْ يُذَكِّرَهُ بِطَرِيقٍ يَزُولُ بِهِ ذَلِكَ الْعَارِضُ وَفِيهِ التَّنْبِيهُ على الوثوق بوعدالله وَرُسُلِهِ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ لِلشَّيْءِ شَرْطٌ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِهِ أَوْ يَتَخَيَّلُ تَوْقِيتَهُ بِوَقْتٍ وَيَكُونُ غير موقت به ونحوذلك وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا تَكَدَّرَ وَقْتُ الْإِنْسَانِ أَوْ تنكدت وظيفته ونحوذلك فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَكِّرَ فِي سَبَبِهِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا حَتَّى اسْتَخْرَجَ الْكَلْبَ وَهُوَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون قَوْلُهُ (ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ) أَمَّا الْجَرْوُ فَبِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ مَشْهُورَاتٌ وَهُوَ الصَّغِيرُ مِنْ أَوْلَادِ الْكَلْبِ وَسَائِرِ السِّبَاعِ وَالْجَمْعُ أَجْرٍ وَجِرَاءٌ وَجَمْعُ الْجِرَاءِ أَجْرِيَةٌ وَأَمَّا الْفُسْطَاطُ فَفِيهِ سِتُّ لُغَاتٍ فُسْطَاطٌ وَفُسْتَاطٌ بِالتَّاءِ وَفُسَّاطٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ وَضَمِّ الْفَاءِ فِيهِنَّ وَتُكْسَرُ وَهُوَ نَحْوُ الْخِبَاءِ قَالَ الْقَاضِي وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا بَعْضُ حِجَالِ الْبَيْتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ تَحْتَ سَرِيرِ عَائِشَةَ وَأَصْلُ الْفُسْطَاطِ عَمُودُ الْأَخْبِيَةِ الَّتِي يُقَامُ عَلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ بِهِ مَكَانَهُ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ قَالُوا وَالْمُرَادُ بِالنَّضْحِ الْغَسْلُ وَتَأَوَّلَتْهُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ غَسَلَهُ لِخَوْفِ حُصُولِ بَوْلِهِ أوروثه
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[٢١٠٦] (لَا تَدْخُلُ الملائكة بيتا فيه كلب ولاصورة) قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ بَيْتٍ فِيهِ صُورَةٌ كَوْنُهَا مَعْصِيَةً فَاحِشَةً وَفِيهَا مُضَاهَاةٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَعْضُهَا فِي صُورَةِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَبَبُ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ بَيْتٍ فِيهِ كَلْبٌ لِكَثْرَةِ أَكْلِهِ النَّجَاسَاتِ وَلِأَنَّ بَعْضَهَا يُسَمَّى شَيْطَانًا كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ وَالْمَلَائِكَةُ ضِدُّ الشَّيَاطِينِ وَلِقُبْحِ رَائِحَةِ الْكَلْبِ وَالْمَلَائِكَةُ تَكْرَهُ الرَّائِحَةَ الْقَبِيحَةَ وَلِأَنَّهَا مَنْهِيٌّ عَنِ اتِّخَاذِهَا فَعُوقِبَ مُتَّخِذُهَا بِحِرْمَانِهِ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ بَيْتَهُ وَصَلَاتَهَا فِيهِ وَاسْتِغْفَارَهَا لَهُ وَتَبْرِيكَهَا عَلَيْهِ وَفِي بَيْتِهِ ودفعها أذى للشيطان وأما هؤلاء الملائكة لذين لايدخلون بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ فَهُمْ مَلَائِكَةٌ يطوفونبالرحمة وَالتَّبْرِيكِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَأَمَّا الْحَفَظَةُ فَيَدْخُلُونَ فِي كُلَّ بيت ولايفارقون بَنِي آدَمَ فِي كُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ باحصاء أعمالهم وكتابتها قال الخطابى وانما لاتدخل الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ مِمَّا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ مِنَ الْكِلَابِ وَالصُّوَرِ فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِحِرَامٍ مِنْ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ وَالصُّورَةِ الَّتِي تُمْتَهَنُ فِي الْبِسَاطِ وَالْوِسَادَةِ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يَمْتَنِعُ دُخُولُ الْمَلَائِكَةِ بِسَبَبِهِ وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ كَلْبٍ وَكُلِّ صُورَةٍ وَأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الْجَمِيعِ لِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّ الْجِرْوَ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ السَّرِيرِ كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَمَعَ هَذَا امْتَنَعَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ وَعَلَّلَ بِالْجِرْوِ فَلَوْ كَانَ العذر فى وجود الصورة والكلب لايمنعهم لَمْ يَمْتَنِعْ جِبْرِيلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى أَنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرَ) الْمُرَادُ بِالْحَائِطِ الْبُسْتَانُ وَفَرَّقَ بَيْنَ
الْحَائِطَيْنِ لِأَنَّ الْكَبِيرَ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى حِفْظِ جوانبه ولايتمكن النَّاظُورُ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ وَالْأَمْرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ مَنْسُوخٌ وَسَبَقَ إِيضَاحُهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ حَيْثُ بَسَطَ مُسْلِمٌ أَحَادِيثَهُ هُنَاكَ قوله (إلارقما فِي ثَوْبٍ) هَذَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ باباحة ماكان رَقْمًا مُطْلَقًا كَمَا سَبَقَ وَجَوَابُنَا وَجَوَابُ الْجُمْهُورِ عَنْهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَقْمٍ عَلَى صُورَةٍ الشَّجَرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ
بِحَيَوَانٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا جَائِزٌ عِنْدَنَا
[٢١٠٧] قَوْلُهُ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاتِهِ فَأَخَذْتُ نَمَطًا فَسُتْرَتُهُ عَلَى الْبَابِ فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ أَوْ قَطَعَهُ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ قَالَتْ فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ وَحَشَوْتُهُمَا لِيفًا فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ الْمُرَادُ بِالنَّمَطِ هُنَا بِسَاطٌ لَطِيفٌ لَهُ خَمْلٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ اتِّخَاذِ الْأَنْمَاطِ وَقَوْلُهَا (هَتَكَهُ) هوبمعنى قَطَعَهُ وَأَتْلَفَ الصُّورَةَ الَّتِي فِيهِ وَقَدْ صَرَّحَتْ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَاتِ بَعْدَ هَذِهِ بِأَنَّ هَذَا النَّمَطَ كَانَ فِيهِ صُوَرُ الْخَيْلِ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ صُورَةٌ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَهَتْكِ الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْغَضَبِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْوَسَائِدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم حِينَ جَذَبَ النَّمَطَ وَأَزَالَهُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يأمرنا أن نكسوا الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُمْنَعُ من ستر الحيطان وتنجيد البيوت بالثياب وهومنع كراهة تنزيه لاتحريم هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا هُوَ حَرَامٌ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ لِأَنَّ حقيقة
اللَّفْظِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْنَا بِذَلِكَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مَنْدُوبٍ وَلَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها قالت كانت لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالٌ طَائِرٌ وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوِّلِي هَذَا فَإِنِّي كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا) هذامحمول عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ مَا فِيهِ صُورَةٌ فَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدخل ويراه ولاينكره قَبْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةَ قَوْلُهَا (سَتَّرْتُ عَلَى بَابِي دُرْنُوكًا فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الْأَجْنِحَةِ فَأَمَرَنِي فَنَزَعْتُهُ) أَمَّا قَوْلُهَا سَتَّرْتُ فَهُوَ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْأُولَى وَأَمَّا الدُّرْنُوكُ فَبِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا حَكَاهُمَا القاضي وآخرون والمشهور ضمها والنون مضمومة لاغير وَيُقَالُ فِيهِ دُرْمُوكٌ بِالْمِيمِ وَهُوَ سِتْرٌ لَهُ خَمْلٌ وَجَمْعُهُ دَرَانِكُ قَوْلُهَا
(دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُتَسَتِّرَةٌ بِقِرَامٍ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ مُتَسَتِّرَةٌ بِتَاءَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ فَوْقُ بَيْنَهُمَا سِينٌ وَفِي بَعْضِهَا مُسْتَتِرَةٌ بِسِينٍ ثُمَّ تَاءَيْنِ أَيْ مُتَّخِذَةٌ سِتْرًا وَأَمَّا الْقِرَامُ فَبِكَسْرِ الْقَافِ الرقيق الستر وهو قَوْلُهَا (وَقَدْ سَتَّرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ) السَّهْوَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ هِيَ شَبِيهَةٌ بالرف أوبالطاق يُوضَعُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَسَمِعْتُ غير واحدمن أَهْلِ الْيَمَنِ يَقُولُونَ السَّهْوَةُ عِنْدَنَا بَيْتٌ صَغِيرٌ متحدر فى الأرض وسمكه مرتفع من الْأَرْضِ يُشْبِهُ الْخِزَانَةَ الصَّغِيرَةَ يَكُونُ فِيهَا الْمَتَاعُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ مَا قِيلَ فِي السَّهْوَةِ وَقَالَ الْخَلِيلُ هِيَ أَرْبَعَةُ أَعْوَادٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ يُعْرَضُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ثم يوضع عليها
شيء من الأمتعةوقال بن الْأَعْرَابِيِّ هِيَ الْكَوَّةُ بَيْنَ الدَّارَيْنِ وَقِيلَ بَيْتٌ صَغِيرٌ يُشْبِهُ الْمِخْدَعَ وَقِيلَ
هِيَ كَالصُّفَّةِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْبَيْتِ وَقِيلَ شَبِيهُ دَخْلَةٍ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (اشْتَرَيْتُ نُمْرُقَةً) هِيَ بِضَمِّ النُّونِ وَالرَّاءِ وَيُقَالُ بِكَسْرِهِمَا وَيُقَالُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ثلاث لغات ويقال نمرق بلاهاء وَهِيَ وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ وَقِيلَ هِيَ مِرْفَقَةٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ) وَفِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى
[٢١٠٨] وَفِي رِوَايَةٍ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ
[٢١١٠] وَفِي رِوَايَةِ بن عَبَّاسٍ كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ وفىرواية مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ
[٢١١١] وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة أما قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَيُقَالُ لَهُمْ أحيواما خَلَقْتُمْ) فَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْأُصُولِيُّونَ أَمْرَ تَعْجِيزٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ وأما قوله فى رواية بن عَبَّاسٍ يَجْعَلُ لَهُ فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ يَجْعَلُ وَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى أُضْمِرَ لِلْعِلْمِ به قال القاضي فى رواية بن عباس يحتمل أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي صَوَّرَهَا هِيَ تُعَذِّبُهُ بَعْدَ أَنْ يُجْعَلَ فِيهَا رُوحٌ وَتَكُونُ الْبَاءُ فِي بِكُلِّ بِمَعْنَى فِي قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ صُورَةٍ وَمَكَانِهَا شَخْصٌ يُعَذِّبُهُ وَتَكُونُ الْبَاءُ بِمَعْنَى لَامِ السَّبَبِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي تَحْرِيمِ تَصْوِيرِ الْحَيَوَانِ وانه غليظ التحريم وأما
الشجر ونحوه ممالا روح فيه فلا تحرم صنعته ولاالتكسب بِهِ وَسَوَاءٌ الشَّجَرُ الْمُثْمِرُ وَغَيْرُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ العلماء كافة الامجاهدا فَإِنَّهُ جَعَلَ الشَّجَرَ الْمُثْمِرَ مِنَ الْمَكْرُوهِ قَالَ الْقَاضِي لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُ مُجَاهِدٍ وَاحْتَجَّ مُجَاهِدٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ أَيِ اجْعَلُوهُ حَيَوَانًا ذَا رُوحٍ كَمَا ضَاهَيْتُمْ وَعَلَيْهِ رِوَايَةُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يخلق خلقا كخلقى ويؤيده حديث بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ ان كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر وما لانفس له وأما رواية أشد عَذَابًا فَقِيلَ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُّورَةَ لِتُعْبَدَ وَهُوَ صَانِعُ الْأَصْنَامِ وَنَحْوِهَا فَهَذَا كَافِرٌ وَهُوَ أَشَدُّ عَذَابًا وَقِيلَ هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْحَدِيثِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ فَهَذَا كَافِرٌ لَهُ مِنْ أَشَدِّ الْعَذَابِ مَا لِلْكُفَّارِ وَيَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ قُبْحِ كُفْرِهِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْعِبَادَةَ وَلَا الْمُضَاهَاةَ فَهُوَ فَاسِقٌ صاحب ذنب كبير ولايكفر كَسَائِرِ الْمَعَاصِي
[٢١١١] وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ حَبَّةً أَوْ شَعِيْرَةً فَالذَّرَّةُ بِفَتْحِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً فِيهَا رُوحٌ تَتَصَرَّفُ بِنَفْسِهَا كَهَذِهِ الذَّرَّةِ الَّتِي هِيَ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةَ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَيْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً فِيهَا طَعْمٌ تُؤْكَلُ وَتُزْرَعُ وَتَنْبُتُ وَيُوجَدُ فِيهَا مَا يُوجَدُ فِي حَبَّةِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْحَبِّ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا أَمْرُ تَعْجِيزٍ كَمَا سبق والله أعلم