«مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ»؟ فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ١٨٨٤

الحديث رقم ١٨٨٤ من كتاب «كتاب الأقضية» في موطأ مالك، تحت باب: باب القضاء في المنبوذ.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ما حملك على أخذ هذه النسمة»؟ فقال: وجدتها…

«مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ»؟ فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ، وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ» قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: «الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ»

سند حديث: ١٩ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: عَنِ…

١٩ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ما حملك على أخذ هذه النسمة»؟ فقال: وجدتها…

يُخْبِرُ التَّابِعِيُّ مالكُ بنُ أوس أنه كان عنده دَنانير ذهب، ويريد أنْ يَصْرِفَها بدراهم فضة، فقال له طلحةُ بن عبيد الله رضي الله عنه: أعطنا دنانيرَك لأَراها! ثم قال له بعد أن عَزَم على الشراء: ائتنا إذا جاء خادمُنا فيما بعد لنعطيَك دراهمَ الفضة، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاضرًا في المجلس، فأنكر هذا النوع من المعاملة، وأقسم على طلحة أن يدفع الفضة الآن، أو يَردَّ إليه ذَهبَه الذي أخذه منه، وبيَّن سبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ أنَّ بَيعَ الفضة بالذهب أو العكس يجب أنْ يَقبِضَ المقابل مباشرة، وإلّا تكون تلك الصفقة ربًا محرّمًا، وبيعًا باطلًا، فلا يباع الذهب بالفضة ولا الفضة بالذهب إلا يدًا بيدٍ ويتم التقابض، ولا يباع البُر بالبر والقمحُ بالقمحِ والشعيرُ بالشعيرِ والتمر بالتمرِ إلا مثلًا بمثلٍ وزنًا بوزنٍ، كيلًا بكيل، يدًا بيد، ولا يباع شيء منها عاجلٌ بآجل، ولا يجوز التفرُّق قبل القبض.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الأصناف التي ذُكِرَتْ في هذا الحديث خمسة: الذهب والفضة والبر الشعير والتمر، فإذا حَصَل البيعُ في نفس الصنف فلابد من شرطين لصحته: التقابض في مجلس العقد، والتَّمَاثُل في الوزن كذَهَبٍ بِذَهَبٍ، وإلّا يكون ربا الفضل، وإذا اختلفت كفضة بقمح مثلًا فشَرْطٌ واحِدٌ لِصحّة العقد، وهو قَبْضُ الثَّمَن في مجلس العقد، وإلا يكون ربا النسيئة.
  • يراد بمجلس العقد: مكان التَّبَايُع، سواء أكانا جالسَين، أم ماضِيَين، أم راكبين، ويراد بالتفرُّق ما يُعَد تَفَرُّقًا عُرْفًا بين الناس.
  • النهي في الحديث يشمل جميع أنواع الذهب المَضْرُوبة وغيرها، وجميع أنواع الفضة مضروبة وغير مضروبة.
  • العملات النَّقْدِية في هذا الزمن يجب فيها ما يجب في بيع الذهب بالفضة، أي أنه إذا أردت استبدال عملة بعملة أخرى كريال بدرهم فيجوز التفاضل بما يرضاه الطرفان، ولكن يجب التقابض في مجلس البيع، وإلا بَطَلَت الصَّفْقة، وأصبح التعامُل رِبَوِيًّا مُحرّمًا.
  • التعاملات الرِّبوية لا تجوز، وعقدُها باطل ولو تراضا الطرفان؛ لأن الإسلام يحفظ للإنسان وللمجتمع حقَّه ولو تنازل هو عنه.
  • النهي عن المنكر ومنعه لمن استطاع ذلك.
  • ذكر الدليل عند إنكار المنكر، كما كان من عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ما حملك على أخذ هذه النسمة»؟ فقال: وجدتها…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[باب الْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ]

قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ فَقَالَ وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَكَذَلِكَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ

قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ

ــ

٢٠ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ

١٤٤٨ - ١٤١٢ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِيِّ (عَنْ سُنَيْنٍ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَنُونٍ (أَبِي جَمِيلَةَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ (رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ) بِضَمِّ السِّينِ، قِيلَ اسْمُ أَبِيهِ فَرْقَدٌ، حَكَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ، لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ، لِذَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَأَبُو عُمَرَ فِي الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التَّابِعِينَ، وَقَالَ: لَهُ أَحَادِيثٌ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ. (أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ، أَيْ لَقِيطًا. قَالَ الْحَافِظُ: وَلَمْ يُسَمَّ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ وَأَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا (فِي زَمَانِ) خِلَافَةِ (عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ) بِفَتْحَتَيْنِ، رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اتَّهَمَهُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ أَتَى بِهِ لِيَفْرِضَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. الْبَاجِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَافَ التَّسَارُعَ إِلَى أَخْذِ الْأَطْفَالِ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ حِرْصًا عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ لَهُمْ وَمُوَالَاتِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ لِئَلَّا يَلْتَقِطَهُ مُدَّعِيًا لَهُ. أَبُو عُمَرَ: إِنَّمَا أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَيْهِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَلِيَ أَمْرَهُ وَيَأْخُذَ مَا يُفْرَضُ لَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ. اهـ.

وَقِيلَ: اتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ زَنَى بِأُمِّهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ بَعِيدٌ وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى (فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً وَأَخَذْتُهَا) لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيَّ (فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ جَمْعُهُ عُرَفَاءُ، أَيْ مَنْ يَعْرِفُ أُمُورَ النَّاسِ حَتَّى يُعَرِّفَ بِهَا مَنْ فَوْقَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ

لِذَلِكَ، قَالَ الْحَافِظُ: وَاسْمُ عَرِيفِ عُمَرَ سِنَانٌ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِي (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ) لَا يُتَّهَمُ (فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ) هُوَ (قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ: وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: حُكْمُهُ بِأَنَّهُ حُرٌّ يَقْتَضِي أَنْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ ; إِذْ لَا وَلَاءَ عَلَى حُرٍّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ". فَنَفَى الْوَلَاءَ عَنْ غَيْرِ الْمُعْتِقِ، وَلِذَا (قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ مَالِكٌ: لَوْ عُلِمَ أَنَّ عُمَرَ قَالَهُ مَا خُولِفَ. قَالَ الْبَاجِيُّ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ إِذْ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَوَلَّى تَرْبِيَتَهُ وَالْقِيَامَ بِأَمْرِهِ لِأَنَّ مُلْتَقِطَهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ نَزَعَهُ مِنْهُ غَيْرُهُ رُدَّ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى مُؤْنَتِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَا سَوَاءً أَوْ مُتَقَارِبَيْنِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَإِنْ خِيفَ أَنْ يَضِيعَ عِنْدَ الْأَوَّلِ فَالثَّانِي أَوْلَى، إِلَّا لِطُولِ مُكْثِهِ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَلَا ضَرَرَ فَهُوَ أَحَقُّ، قَالَهُ أَشْهَبُ.

وَخَرَّجَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ وَالْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ سُنَيْنٍ بِأَتَمِّ أَلْفَاظٍ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، قَالَ: " وَجَدْتُ مَنْبُوذًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، فَذَكَرَهُ عَرِيفِي لِعُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَجِئْتُ وَالْعَرِيفُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلًا قَالَ: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا، كَأَنَّهُ اتَّهَمَهُ، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَقَالَ عُمَرُ: عَلَامَ أَخَذْتَ هَذِهِ النَّسَمَةَ؟ قُلْتُ: وَجَدْتُ نَفْسًا بِمَضْيَعَةٍ فَخِفْتُ أَنْ يُؤَاخِذَنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " قَوْلُهُ: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا " مَثَلٌ لِلْعَرَبِ إِذَا تَوَقَّعَتْ شَرًّا، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: الْغُوَيْرُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ فِيهِ مَاءٌ لَبَنِي كَلْبٍ كَانَ فِيهِ نَاسٌ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ وَكَانَ مَنْ مَرَّ يَتَوَاصَوْنَ بِالْحِرَاسَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْمَثَلِ الزَّبَّاءُ، بِفَتْحِ الزَّايِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ، إِذْ بَعَثَتْ قَصِيرًا اللَّخْمِيَّ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَانَ يَطْلُبُهَا بِدَمِ جَذِيمَةَ بْنِ الْأَبْرَشِ، فَتَوَاطَأَ هُوَ وَعَمْرُو ابْنُ أُخْتِ جَذِيمَةَ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ أَنْفَ قَصِيرٍ، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ إِلَى الزَّبَّاءِ، فَأَمِنَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْهُ تَاجِرًا فَرَجَعَ إِلَيْهَا بِرِبْحٍ كَثِيرٍ مِرَارًا، ثُمَّ رَجَعَ الْمَرَّةَ الْأَخِيرَةَ وَمَعَهُ الرِّجَالُ فِي الْأَعْدَالِ، فَنَظَرَتْ إِلَى الْجِمَالِ تَمْشِي رُوَيْدًا لِثِقَلِ مَنْ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا، أَيْ لَعَلَّ الشَّرَّ يَأْتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ الْغُوَيْرِ، وَكَانَ قَصِيرٌ أَعْلَمَهَا أَنَّهُ يَسْلُكُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ طَرِيقَ الْغُوَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَحْمَالُ قَصْرَهَا خَرَجَ الرِّجَالُ مَنِ الْأَعْدَالِ فَهَلَكَتْ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْغُوَيْرُ تَصْغِيرُ

غَارٍ دَخَلَهُ قَوْمٌ يَبِيتُونَ فِيهِ فَانْهَارَ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: وَجَدُوا فِيهِ عَدُوًّا لَهُمْ فَقَتَلَهُمْ فِيهِ، وَالْأَبْؤُسُ الْبَائِسُ. قَالَ أَبُو عَبِيدٍ: وَقَوْلُ الْكَلْبِيِّ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ. اهـ.

وَنُصِبَ أَبْؤُسًا بِتَقْدِيرِ: يَكُونُ أَبْؤُسًا، جَمْعُ بُؤْسٍ وَهُوَ الشِّدَّةُ، وَفِيهِ تَثَبُّتُ عُمَرَ فِي الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا تَوَقَّفَ فِي أَمْرِ أَحَدٍ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِيهِ، وَرُجُوعُ الْحَاكِمِ إِلَى قَوْلِ أَمِينِهِ، وَأَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَا يُكْرَهُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْإِطْنَابُ، وَالِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ فِي التَّزْكِيَةِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ. وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ اشْتِرَاطُ اثْنَيْنِ كَالشَّهَادَةِ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ ; إِذْ لَيْسَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ إِلَّا عَرِيفُهُ وَحْدُهُ. وَفِي الْمَظَالِمِ مِنَ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ لَمَّا اتَّهَمَ أَبَا جَمِيلَةَ شَهِدَ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالسَّتْرِ، وَاسْتَثْنَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِطَانَةَ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ، وَالْحَاكِمُ لَا يُشْتَرَطُ تَعَدُّدُهُ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا يَشْهَدُونَ لَهُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْحَاجَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى، وَتَابَعَ مَالِكًا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[باب الْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ]

قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ فَقَالَ وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَكَذَلِكَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ

قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ

ــ

٢٠ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ

١٤٤٨ - ١٤١٢ - (مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِيِّ (عَنْ سُنَيْنٍ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَنُونٍ (أَبِي جَمِيلَةَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ (رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ) بِضَمِّ السِّينِ، قِيلَ اسْمُ أَبِيهِ فَرْقَدٌ، حَكَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ، لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ، لِذَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَأَبُو عُمَرَ فِي الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التَّابِعِينَ، وَقَالَ: لَهُ أَحَادِيثٌ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ. (أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ، أَيْ لَقِيطًا. قَالَ الْحَافِظُ: وَلَمْ يُسَمَّ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ وَأَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا (فِي زَمَانِ) خِلَافَةِ (عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ) بِفَتْحَتَيْنِ، رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اتَّهَمَهُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ أَتَى بِهِ لِيَفْرِضَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. الْبَاجِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَافَ التَّسَارُعَ إِلَى أَخْذِ الْأَطْفَالِ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ حِرْصًا عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ لَهُمْ وَمُوَالَاتِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ لِئَلَّا يَلْتَقِطَهُ مُدَّعِيًا لَهُ. أَبُو عُمَرَ: إِنَّمَا أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَيْهِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَلِيَ أَمْرَهُ وَيَأْخُذَ مَا يُفْرَضُ لَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ. اهـ.

وَقِيلَ: اتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ زَنَى بِأُمِّهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ بَعِيدٌ وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى (فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً وَأَخَذْتُهَا) لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيَّ (فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ جَمْعُهُ عُرَفَاءُ، أَيْ مَنْ يَعْرِفُ أُمُورَ النَّاسِ حَتَّى يُعَرِّفَ بِهَا مَنْ فَوْقَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ

لِذَلِكَ، قَالَ الْحَافِظُ: وَاسْمُ عَرِيفِ عُمَرَ سِنَانٌ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِي (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ) لَا يُتَّهَمُ (فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ) هُوَ (قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ: وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: حُكْمُهُ بِأَنَّهُ حُرٌّ يَقْتَضِي أَنْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ ; إِذْ لَا وَلَاءَ عَلَى حُرٍّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ". فَنَفَى الْوَلَاءَ عَنْ غَيْرِ الْمُعْتِقِ، وَلِذَا (قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ مَالِكٌ: لَوْ عُلِمَ أَنَّ عُمَرَ قَالَهُ مَا خُولِفَ. قَالَ الْبَاجِيُّ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ إِذْ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَوَلَّى تَرْبِيَتَهُ وَالْقِيَامَ بِأَمْرِهِ لِأَنَّ مُلْتَقِطَهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ نَزَعَهُ مِنْهُ غَيْرُهُ رُدَّ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى مُؤْنَتِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَا سَوَاءً أَوْ مُتَقَارِبَيْنِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَإِنْ خِيفَ أَنْ يَضِيعَ عِنْدَ الْأَوَّلِ فَالثَّانِي أَوْلَى، إِلَّا لِطُولِ مُكْثِهِ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَلَا ضَرَرَ فَهُوَ أَحَقُّ، قَالَهُ أَشْهَبُ.

وَخَرَّجَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ وَالْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ سُنَيْنٍ بِأَتَمِّ أَلْفَاظٍ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، قَالَ: " وَجَدْتُ مَنْبُوذًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، فَذَكَرَهُ عَرِيفِي لِعُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَجِئْتُ وَالْعَرِيفُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلًا قَالَ: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا، كَأَنَّهُ اتَّهَمَهُ، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَقَالَ عُمَرُ: عَلَامَ أَخَذْتَ هَذِهِ النَّسَمَةَ؟ قُلْتُ: وَجَدْتُ نَفْسًا بِمَضْيَعَةٍ فَخِفْتُ أَنْ يُؤَاخِذَنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " قَوْلُهُ: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا " مَثَلٌ لِلْعَرَبِ إِذَا تَوَقَّعَتْ شَرًّا، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: الْغُوَيْرُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ فِيهِ مَاءٌ لَبَنِي كَلْبٍ كَانَ فِيهِ نَاسٌ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ وَكَانَ مَنْ مَرَّ يَتَوَاصَوْنَ بِالْحِرَاسَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْمَثَلِ الزَّبَّاءُ، بِفَتْحِ الزَّايِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ، إِذْ بَعَثَتْ قَصِيرًا اللَّخْمِيَّ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَانَ يَطْلُبُهَا بِدَمِ جَذِيمَةَ بْنِ الْأَبْرَشِ، فَتَوَاطَأَ هُوَ وَعَمْرُو ابْنُ أُخْتِ جَذِيمَةَ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ أَنْفَ قَصِيرٍ، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ إِلَى الزَّبَّاءِ، فَأَمِنَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْهُ تَاجِرًا فَرَجَعَ إِلَيْهَا بِرِبْحٍ كَثِيرٍ مِرَارًا، ثُمَّ رَجَعَ الْمَرَّةَ الْأَخِيرَةَ وَمَعَهُ الرِّجَالُ فِي الْأَعْدَالِ، فَنَظَرَتْ إِلَى الْجِمَالِ تَمْشِي رُوَيْدًا لِثِقَلِ مَنْ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا، أَيْ لَعَلَّ الشَّرَّ يَأْتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ الْغُوَيْرِ، وَكَانَ قَصِيرٌ أَعْلَمَهَا أَنَّهُ يَسْلُكُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ طَرِيقَ الْغُوَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَحْمَالُ قَصْرَهَا خَرَجَ الرِّجَالُ مَنِ الْأَعْدَالِ فَهَلَكَتْ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْغُوَيْرُ تَصْغِيرُ

غَارٍ دَخَلَهُ قَوْمٌ يَبِيتُونَ فِيهِ فَانْهَارَ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: وَجَدُوا فِيهِ عَدُوًّا لَهُمْ فَقَتَلَهُمْ فِيهِ، وَالْأَبْؤُسُ الْبَائِسُ. قَالَ أَبُو عَبِيدٍ: وَقَوْلُ الْكَلْبِيِّ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ. اهـ.

وَنُصِبَ أَبْؤُسًا بِتَقْدِيرِ: يَكُونُ أَبْؤُسًا، جَمْعُ بُؤْسٍ وَهُوَ الشِّدَّةُ، وَفِيهِ تَثَبُّتُ عُمَرَ فِي الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا تَوَقَّفَ فِي أَمْرِ أَحَدٍ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِيهِ، وَرُجُوعُ الْحَاكِمِ إِلَى قَوْلِ أَمِينِهِ، وَأَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَا يُكْرَهُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْإِطْنَابُ، وَالِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ فِي التَّزْكِيَةِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ. وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ اشْتِرَاطُ اثْنَيْنِ كَالشَّهَادَةِ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ ; إِذْ لَيْسَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ إِلَّا عَرِيفُهُ وَحْدُهُ. وَفِي الْمَظَالِمِ مِنَ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ لَمَّا اتَّهَمَ أَبَا جَمِيلَةَ شَهِدَ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالسَّتْرِ، وَاسْتَثْنَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِطَانَةَ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ، وَالْحَاكِمُ لَا يُشْتَرَطُ تَعَدُّدُهُ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا يَشْهَدُونَ لَهُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْحَاجَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى، وَتَابَعَ مَالِكًا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 12.7 / 29.5
الإضاءة 95%
البدر بعد 2 يوم
الحمد لله