الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢١٤٨
الحديث رقم ٢١٤٨ من كتاب «كتاب الجامع» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ مَا جَاءَ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ»
ــ
١٦٣٧ - ١٥٨٩ - (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ) بِضَمِّ السِّينِ مُصَغَّرٌ (بْنِ أَبِي صَالِحٍ) الْمَدَنِيِّ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَاحْتَجَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ، وَكَفَى بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ تَوْثِيقًا (عَنْ أَبِيهِ) ذَكْوَانَ السَّمَّانِ الزَّيَّاتِ الثِّقَةِ الثَّبْتِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ (جَاءُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِمَّا هَدِيَّةً وَجَلَالَةً وَمَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا، وَإِمَّا تَبَرُّكًا بِدُعَائِهِ لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَيَانِ مُحْتَمَلَانِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي دُعَائِهِ وَرَجَاءَ تَمَامِ ثَمَرِهِمْ بِذَلِكَ، وَإِعْلَامًا بِبِدُوِّ صَلَاحِهَا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ كَبَعْثِ الْخَرَّاصِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) زَادَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: وَضَعَهُ عَلَى وَجْهِهِ (قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا) أَيْ أَنْمِهِ وَزِدْهُ (وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا) طَيْبَةَ (وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا) وَهُوَ مِكْيَالُ أَرْبَعَةِ أَمْدَادٍ، زَادَ الدَّرَاوَرْدِيُّ: بَرَكَةً فِي بَرَكَةً.
(وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَشَدِّ الدَّالِ.
(اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبَدُكَ وَخَلِيلُكَ) كَمَا قُلْتَ: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: ١٢٥] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١٢٥) (وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ) لَمْ يُقِلْ وَخَلِيلُكَ مَعَ أَنَّهُ خَلِيلٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَحَادِيثَ عِدَّةٍ، قَالَ الْأُبِّيُّ: رِعَايَةً لِلْأَدَبِ فِي تَرْكِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ الْكِرَامِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: عَدَمُ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ مَعَ رِعَايَةِ الْأَدَبِ أَفْخَمُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: ٢٥٣] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٥٣) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي هَذَا الْإِبْهَامِ مِنْ تَفْخِيمِ
فَضْلِهِ مَا لَا يَخْفَى.
وَقَدْ سُئِلَ الْحُطَيْئَةُ عَنْ أَشْعَرِ النَّاسِ فَقَالَ: زُهَيْرٌ وَالنَّابِغَةُ وَلَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ الثَّالِثَ، أَرَادَ نَفْسَهُ وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَمْ يُفَخِّمْ أَمْرَهُ.
(وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ) بِقَوْلِهِ: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: ٣٧] (سورة إِبْرَاهِيمَ: الْآيَةُ ٣٧) (وَإِنِّي أَدْعُوكَ) أَطْلُبُ مِنْكَ (لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) فِي أَمْرِ الرِّزْقِ وَالدُّنْيَا، أَوْ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ وَتَضْعِيفِ الْحَسَنَاتِ وَغُفْرَانِ السَّيِّئَاتِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ، وَقَدْ أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ.
(ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ) أَيْ مَوْلُودٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ (يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ) وَفِي رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ: ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْوِلْدَانِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ عِظَمَ الْأَجْرِ فِي إِدْخَالِ الْمَسَرَّةِ عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ لِصِغَرِهِ، فَإِنَّ سُرُورَهُ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ سُرُورِ الْكَبِيرِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ فِيهِ مِنَ الْآدَابِ وَجَمِيلِ الْأَخْلَاقِ: إِعْطَاءُ الصَّغِيرِ وَإِتْحَافُهُ بِالطُّرْفَةِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْكَبِيرِ لِقِلَّةِ صَبْرِهِ وَلِفَرَحِهِ بِذَلِكَ، وَفِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: تَخْصِيصُهُ أَصْغَرَ وَلِيدٍ حَضَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُقَسَّمُ عَلَى الْوِلْدَانِ، وَمَنْ كَبِرَ مِنْهُمْ مُلْحَقٌ بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ وَتَلْوِيحًا إِلَى التَّفَاؤُلِ بِنَمَاءِ الثِّمَارِ وَزِيَادَتِهَا بِدَفْعِهَا لِمَنْ هُوَ فِي سِنِّ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ كَمَا قِيلَ فِي قَلْبِ الرِّدَاءِ لِلِاسْتِسْقَاءِ.
قَالَ الْأُبِّيُّ: وَلَا يُعَارِضُ دُعَاءَهُ لَهَا بِالْبَرَكَةِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «أَصَابَهُمْ بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ» " إِذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ثُبُوتِ الشِّدَّةِ وَثُبُوتِ الْبَرَكَةِ فِيهَا، وَتَخَلُّفُهَا عَنْ بَعْضٍ لَا يَضُرُّ بِهَا، كَذَا أَجَابَ شَيْخُنَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي تَحْصِيلِ الْقُوتِ، وَأَنَّ الْمُدَّ بِهَا يُشْبِعُ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِهِ بِغَيْرِهَا، فَتَكُونُ الشِّدَّةُ فِي تَحْصِيلِ الْمُدِّ، وَالْبَرَكَةُ فِي تَضْعِيفِ الْقُوتِ بِهِ انْتَهَى.
وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ جَوَابُ شَيْخِهِ وَهُوَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ لِدُعَائِهِ بِذَلِكَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ وَهَذَا بَيِّنٌ لِمَوْضِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَوْضِعِ التَّضْعِيفِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا دُعَاءُ إِبْرَاهِيمَ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: ١٢٦] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٢٦) أَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَحْجُرُهَا أَيِ الدَّعْوَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ دُونَ النَّاسِ فَقَالَ تَعَالَى: " وَمَنْ كَفَرَ " أَيْضًا فَإِنِّي أَرْزُقُهُ كَمَا أَرْزُقُ الْمُؤْمِنِينَ.
أَأَخْلُقُ خَلْقًا لَا أَرْزُقُهُمْ، أُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ أَلِيمٍ.
ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: ٢٠] (سورة الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ٢٠) انْتَهَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ سُهَيْلٍ نَحْوَهُ فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا.
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ «سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: ١٧٢] فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ الْجَنَّةَ وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ النَّارَ»
ــ
١٦٦١ - ١٦١٣ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ) قِيلَ: وَاسْمُهُ أَيْضًا زِيدٌ الْجَزَرِيُّ، أَبِي أُسَامَةَ أَصْلُهُ مِنَ الْكُوفَةِ ثُمَّ سَكَنَ الرُّهَا، ثِقَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَلَهُ أَفْرَادٌ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ
وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، لَهُ مَرْفُوعًا فِي الْمُوَّطَأِ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ (عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ) الْعَدَوِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ثِقَةٌ، رَوَى لَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالثَّلَاثَةُ تَابِعُونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَإِذْ) أَيْ: حِينَ {أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} [الأعراف: ١٧٢] بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِمَّا قَبْلَهُ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (ذُرِّيَّاتِهِمْ) بِأَنْ أَخْرَجَ بَعْضُهُمْ مِنْ صُلْبِ بَعْضٍ مِنْ صُلْبِ آدَمَ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ كَنَحْوِ مَا يَتَوَالَدُونَ كَالذَّرِّ، بِنَعْمَانَ بِفَتْحِ النُّونِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَنَصَبَ لَهُمْ دَلَائِلَ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَرَكَّبَ فِيهِمْ عَقْلًا {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الأعراف: ١٧٢] قَالَ {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: ١٧٢] أَنْتَ رَبُّنَا (شَهِدْنَا) بِذَلِكَ وَالْإِشْهَادُ (أَنْ) لَا (يَقُولُوا) بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا} [الأعراف: ١٧٢] الْإِشْهَادِ (غَافِلِينَ) لَا نَعْرِفُهُ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ عَنْهَا) أَيِ الْآيَةِ « (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ) » قَالَ الْبَاجِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ " يَدَهُ " صِفَةٌ وَلَيْسَتْ بِجَارِحَةٍ كَجَوَارِحِ الْمَخْلُوقِينَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: عَبَّرَ بِالْمَسْحِ عَنْ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِظَهْرِ آدَمَ وَكُلُّ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ قُدْرَةُ الْخَالِقِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِفِعْلِ الْمَخْلُوقِ مَا لَمْ يَكُنْ دَنَاءَةً.
وَقَالَ عِيَاضٌ: اخْتُلِفَ فِي الْيَدِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْجَوَارِحِ الَّتِي وَرَدَتْ وَيَسْتَحِيلُ نِسْبَتُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُحَالِ وَلَا تُتَأَوَّلُ وَيُصْرَفُ عِلْمُهَا إِلَى اللَّهِ وَهِيَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ، وَتَأَوَّلَهَا الْأَشْعَرِيُّ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهَا صِفَاتٌ لَا نَعْلَمُهَا، وَتَأَوَّلَهَا قَوْمٌ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ، وَالْيَدُ فِي اللُّغَةِ تُطْلَقُ عَلَى الْقُدْرَةِ وَالنِّعْمَةِ فَكَذَلِكَ هُنَا (فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذَرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ) وَهُمُ السُّعَدَاءُ وَحُرَّمْتُهَا عَلَى غَيْرِهِمْ (وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيِ الطَّاعَاتِ (يَعْمَلُونَ) أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى يُيَسِّرُ لَهُمْ أَعْمَالَ الطَّاعَاتِ وَيُهَوِّنُهَا عَلَيْهِمْ (ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ
فَاسْتَخْرَجَ) أَيْ: أَخْرَجَ (مِنْهُ ذَرِّيَّةً وَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ) الْأَشْقِيَاءَ (لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ) لِأَنَّهُمْ مُيَسَّرُونَ لِذَلِكَ وَجُعِلَ كِلَيْهِمَا مَعًا فِي دَارِ الدُّنْيَا فَوَقَعَ الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ بِسَبَبِ الِاخْتِلَاطِ وَجَعَلَهَا دَارَ تَكْلِيفٍ فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ لِبَيَانِ مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَخْلَاقِ، وَأَمَرَهُمْ بِجِهَادِ الْأَشْقِيَاءِ فَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْمَعَادِ مَيَّزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ، فَجَعَلَ الطَّيِّبَ وَأَهَّلَهُ فِي دَارِهِمْ، وَالْخَبِيثَ وَأَهْلَهُ فِي دَارِهِمْ، فَيَنْعَمُ هَؤُلَاءِ بِطِيبِهِمْ وَيُعَذَّبُ هَؤُلَاءِ بِخُبْثِهِمْ لِانْكِشَافِ الْحَقَائِقِ.
(فَقَالَ رَجُلٌ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ كَمَا فِي مُسْنَدِ مُسَدَّدِ بْنِ مُسَرْهَدٍ فِي نَحْوِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا فِي مُسْلِمٍ فِي نَحْوِهِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ؟) أَيْ: إِذَا سَبَقَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى عَمَلٍ ; لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قُدِّرَ لَهُ « (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَيُهَوِّنُهُ عَلَيْهِ (حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ الْجَنَّةَ) » عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بِمَحْضِ رَحْمَتِهِ.
( «وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ النَّارَ» ) وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَفِيهِ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَا لِأَجْلِ الْأَعْمَالِ بَلِ الْمُوجِبُ لَهُمَا اللُّطْفُ الرَّبَّانِيُّ وَالْخِذْلَانُ الْإِلَهِيُّ الْمُقَدَّرُ لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، بَلْ وَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَأُصُولُ أَكْوَانِهِمْ فِي الْعَدَمِ، فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَدْأَبَ فِي صَالِحِ الْأَعْمَالِ فَإِنَّهَا أَمَارَةٌ إِلَى مَآلِ أَمْرِهِ غَالِبًا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَوْلُ هَذَا الصَّحَابِيِّ مُطَالَبَةٌ بِأَمْرٍ يُوجِبُ تَعْطِيلَ الْعُبُودِيَّةِ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ إِخْبَارَ الرَّسُولِ عَنْ سَابِقِ الْكِتَابِ إِخْبَارٌ عَنْ غَيْبِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِمْ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فَرَامَ أَنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً فِي تَرْكِ الْعَمَلِ فَأَعْلَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَاهُنَا أَمْرَيْنِ مُحْكَمَيْنِ لَا يَبْطُلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ: بَاطِنٌ وَهُوَ الْحِكْمَةُ الْمُوجَبَةُ فِي حُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَظَاهِرٌ وَهُوَ السِّمَةُ اللَّازِمَةُ فِي حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ.
وَهِيَ أَمَارَةٌ وَمُخَيَّلَةٌ غَيْرُ مُفِيدَةٍ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّمَا عُومِلُوا بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ وَتَعَبَّدُوا بِهَا لِيَتَعَلَّقَ خَوْفُهُمْ وَرَجَاؤُهُمْ بِالْبَاطِنِ وَذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْإِيمَانِ، وَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَأَنَّ عَمَلَهُ فِي الْعَاجِلِ دَلِيلُ مَصِيرِهِ فِي الْآجِلِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ لَا
يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَاطْلُبْ نَظِيرَهُ مِنَ الرِّزْقِ الْمَقْسُومِ مَعَ الْأَمْرِ بِالْكَسْبِ وَمِنَ الْأَجَلِ الْمَنْصُوبِ مَعَ الْمُعَاجَلَةِ بِالطَّلَبِ الْمَأْذُونِ فِيهَا انْتَهَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِهِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ مِنَ التَّفْسِيرِ الْمَرْفُوعِ وَشَوَاهِدُهُ كَثِيرَةٌ كَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حَصِينٍ: " «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» " وَتَنَاقَضَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ أَوَّلًا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ لَمْ يَلْقَ عُمَرَ وَبَيْنَهُمَا نُعَيْمُ بْنُ رَبِيعَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: زِيَادَةٌ مَنْ زَادَ نُعَيْمًا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لِأَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَذْكُرُوهُ أَحْفَظُ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ الْمُتْقِنِ انْتَهَى.
فَحَيْثُ لَمْ تُقْبَلْ فَهِيَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ فَيُنَاقِضُ قَوْلَهُ أَوَّلًا مُنْقَطِعٌ بَيْنَهُمَا نُعَيْمٌ، أَمَّا قَوْلُهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ، فَمُسْلِمٌ وَنُعَيْمٌ غَيْرُ مَعْرُوفَيْنِ بِحَمْلِ الْعِلْمِ لَكِنْ صَحَّ مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ
ــ
١٦٦١ - ١٦١٤ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) مَرَّ أَنَّ بَلَاغَهُ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تَرَكْتُ فِيكُمْ بَعْدَ وَفَاتِي أَمْرَيْنِ) وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ شَيْئَيْنِ (لَنْ تَضِلُّوا مَا مَسَكْتُمْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالسِّينِ، أَيْ: أَخَذْتُمْ وَتَعَلَّقْتُمْ وَاعْتَصَمْتُمْ (بِهِمَا، كِتَابَ اللَّهِ) بَدَلٌ مِنْ أَمْرَيْنِ (وَسُنَّةَ نَبِيهِ) فَإِنَّهُمَا الْأَصْلَانِ اللَّذَانِ لَا عُدُولَ عَنْهُمَا وَلَا هَدْيَ إِلَّا مِنْهُمَا، وَالْعِصْمَةُ وَالنَّجَاةُ لِمَنْ مَسَكَ بِهِمَا وَاعْتَصَمَ بِحَبْلِهِمَا، وَهُمَا الْعُرْفَانِ الْوَاضِحُ وَالْبُرْهَانُ اللَّائِحُ بَيْنَ الْمُحِقِّ إِذَا اقْتَفَاهُمَا وَالْمُبْطِلِ إِذَا حَلَّاهُمَا، فَوُجُوبُ الرُّجُوعِ إِلَيْهِمَا مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، لَكِنَّ الْقُرْآنَ يُحَصِّلُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ يَقِينًا، وَفِي السُّنَّةِ تَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَسَنَتِي وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَى الْحَوْضِ» ".
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ قَالَ طَاوُسٌ وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ أَوْ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ»
ــ
١٦٦٣ - ١٦١٥ - (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيِّ نَشَأَ بِهَا ثُمَّ
نَزَلَ مَكَّةَ ثُمَّ الْيَمَنَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ أَثْبَتَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ مَالِكٌ: ثِقَةٌ سَكَنَ مَكَّةَ وَقَدِمَ عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ وَلَهُ هَيْبَةٌ وَصَلَاحٌ، وَكَذَا وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا (عَنْ عَمْرِو) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (ابْنِ مُسْلِمٍ) الْجَنَدِيِّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ الْيَمَانِيِّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامُ (عَنْ طَاوُسِ) بْنِ كَيْسَانَ (الْيَمَانِيِّ) الثِّقَةِ الثَّبْتِ الْفَقِيهِ الْفَاضِلِ، يُقَالُ: اسْمُهُ ذَكْوَانُ وَطَاوُسٌ لَقَبٌ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ وَقِيلَ: بَعْدَهَا (أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ) أَيْ: جَمِيعُ الْأُمُورِ إِنَّمَا هِيَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ فَمَا قُدِّرَ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، أَوِ الْمُرَادُ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ بِتَقْدِيرٍ مُحْكَمٍ وَهُوَ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِنِظَامِ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى تَرْتِيبٍ.
(قَالَ طَاوُسٌ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بْنَ الْخَطَّابِ (يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ» ) قَالَ عِيَاضٌ: رَوَيْنَاهُ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى شَيْءٍ وَالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى " كُلُّ " وَقَدْ تَكُونُ حَتَّى جَارَّةً وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهَا، وَالْعَجْزُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ، وَقِيلَ: هُوَ تَرْكُ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ وَالتَّسْوِيفُ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهُ، وَيُحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَمَلَ الطَّاعَاتِ، وَيُحْتَمَلَ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْكَيْسُ ضِدُّ الْعَجْزِ وَهُوَ النَّشَاطُ فِي تَحْصِيلِ الْمَطْلُوبِ، قَالَ: وَإِدْخَالُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا مَا قَدَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَقَضَى بِهِ وَأَرَادَهُ مِنْ خَلْقِهِ انْتَهَى وَهُوَ وَجِيهٌ.
لَكِنْ تَعَقَّبَ الْأَبِّيُّ تَفْسِيرَ الْعَجْزِ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ: يُصَيِّرُهُ عَدَمًا وَهُوَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ يَمْتَنِعُ مَعَهَا وُقُوعُ الْفِعْلِ الْمُمْكِنِ.
وَرَجَّحَ الطِّيبِيُّ أَنَّ " حَتَّى " حَرْفُ جَرٍّ بِمَعْنَى " إِلَى "، نَحْوَ: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: ٥] [سُورَةُ الْقَدْرِ: الْآيَةُ ٥] لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي الْغَايَةَ، إِذِ الْمُرَادُ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَاكْتِسَابَهُمْ كُلَّهَا بِتَقْدِيرِ خَالِقِهِمْ حَتَّى الْكَيْسَ الْمُوصِلَ صَاحِبَهُ إِلَى الْبُغْيَةِ، وَالْعَجْزَ الَّذِي يَتَأَخَّرُ بِهِ عَنْ دَرْكِهَا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ مَا مِنْ شَيْءٍ يَقَعُ فِي الْوُجُودِ إِلَّا وَسَبَقَ عِلْمُهُ بِهِ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ، وَلِذَا أَتَى بِكُلِّ الَّتِي هِيَ لِلْعُمُومِ وَعَقَّبَهَا بِحَتَّى الَّتِي هِيَ لِلْغَايَةِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْعَجْزِ وَالْكَيْسِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ أَفْعَالَنَا وَإِنْ كَانَتْ مُرَادَةً لَنَا فَهِيَ لَا تَقَعُ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: ٣٠] [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: الْآيَةُ ٣٠] وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قُوبِلَ الْكَيْسُ بِالْعَجْزِ عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقَابِلَ الْحَقِيقِيَّ لِلْكَيْسِ الْبَلَادَةُ وَلِلْعَجْزِ الْقُوَّةُ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْأُسْلُوبِ تَقْيِيدُ كُلٍّ مِنَ اللَّفْظَيْنِ بِمَا يُضَادُّ الْآخَرَ، يَعْنِي: حَتَّى الْكَيْسِ وَالْقُوَّةِ وَالْبَلَادَةِ وَالْعَجْزِ عَنْ قَدَرِ اللَّهِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يُثْبِتُ الْقُدْرَةَ لِغَيْرِهِ تَعَالَى مُطْلَقًا وَيَقُولُ أَفْعَالُ الْعِبَادِ مُسْنَدَةٌ إِلَى
قُدْرَةِ الْعَبْدِ وَاخْتِيَارِهِ لِأَنَّ مَصْدَرَ الْفِعْلِ الدَّاعِيَةُ وَمَنْشَؤُهَا الْقَلْبُ الْمَوْصُوفُ بِالْكِيَاسَةِ وَالْبَلَادَةِ ثُمَّ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَمَكَانُهُمَا الْأَعْضَاءُ وَالْجَوَارِحُ، فَإِذَا كَانَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ فَأَيُّ شَيْءٍ يَخْرُجُ عَنْهُمَا.
(أَوْ) قَالَ (الْكَيْسُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَمُهْمَلَةٍ، النَّشَاطُ وَالْحَذْقُ وَالظَّرَافَةُ، أَوْ كَمَالُ الْعَقْلِ أَوْ شَدَّةُ مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ أَوْ تَمْيِيزُ مَا فِيهِ الضَّرَرُ مِنَ النَّفْعِ.
(وَالْعَجْزُ) التَّقْصِيرُ عَمَّا يَجِبُ فِعْلُهُ أَوْ عَنِ الطَّاعَةِ أَوْ أَعَمُّ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ هَلْ أَخَّرَ الْكَيْسَ أَوْ قَدَّمَهُ؟ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَإِنْ صَحَّ أَنَّ الشَّكَّ مِنِ ابْنِ عُمَرَ أَوْ مِنْ دُونَهُ فَفِيهِ مُرَاعَاةُ الْأَلْفَاظِ عَلَى رُتْبَتِهَا وَأَظُنُّهُ مِنْ وَرَعِ ابْنِ عُمَرَ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ بِالْمَعَانِي، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ»
ــ
١٦٣٧ - ١٥٨٩ - (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ) بِضَمِّ السِّينِ مُصَغَّرٌ (بْنِ أَبِي صَالِحٍ) الْمَدَنِيِّ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَاحْتَجَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ، وَكَفَى بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ تَوْثِيقًا (عَنْ أَبِيهِ) ذَكْوَانَ السَّمَّانِ الزَّيَّاتِ الثِّقَةِ الثَّبْتِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ (جَاءُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِمَّا هَدِيَّةً وَجَلَالَةً وَمَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا، وَإِمَّا تَبَرُّكًا بِدُعَائِهِ لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَيَانِ مُحْتَمَلَانِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي دُعَائِهِ وَرَجَاءَ تَمَامِ ثَمَرِهِمْ بِذَلِكَ، وَإِعْلَامًا بِبِدُوِّ صَلَاحِهَا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ كَبَعْثِ الْخَرَّاصِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) زَادَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: وَضَعَهُ عَلَى وَجْهِهِ (قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا) أَيْ أَنْمِهِ وَزِدْهُ (وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا) طَيْبَةَ (وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا) وَهُوَ مِكْيَالُ أَرْبَعَةِ أَمْدَادٍ، زَادَ الدَّرَاوَرْدِيُّ: بَرَكَةً فِي بَرَكَةً.
(وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَشَدِّ الدَّالِ.
(اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبَدُكَ وَخَلِيلُكَ) كَمَا قُلْتَ: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: ١٢٥] (سورة النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١٢٥) (وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ) لَمْ يُقِلْ وَخَلِيلُكَ مَعَ أَنَّهُ خَلِيلٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَحَادِيثَ عِدَّةٍ، قَالَ الْأُبِّيُّ: رِعَايَةً لِلْأَدَبِ فِي تَرْكِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ الْكِرَامِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: عَدَمُ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ مَعَ رِعَايَةِ الْأَدَبِ أَفْخَمُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: ٢٥٣] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٥٣) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي هَذَا الْإِبْهَامِ مِنْ تَفْخِيمِ
فَضْلِهِ مَا لَا يَخْفَى.
وَقَدْ سُئِلَ الْحُطَيْئَةُ عَنْ أَشْعَرِ النَّاسِ فَقَالَ: زُهَيْرٌ وَالنَّابِغَةُ وَلَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ الثَّالِثَ، أَرَادَ نَفْسَهُ وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَمْ يُفَخِّمْ أَمْرَهُ.
(وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ) بِقَوْلِهِ: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: ٣٧] (سورة إِبْرَاهِيمَ: الْآيَةُ ٣٧) (وَإِنِّي أَدْعُوكَ) أَطْلُبُ مِنْكَ (لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) فِي أَمْرِ الرِّزْقِ وَالدُّنْيَا، أَوْ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ وَتَضْعِيفِ الْحَسَنَاتِ وَغُفْرَانِ السَّيِّئَاتِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ، وَقَدْ أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ.
(ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ) أَيْ مَوْلُودٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ (يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ) وَفِي رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ: ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْوِلْدَانِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ عِظَمَ الْأَجْرِ فِي إِدْخَالِ الْمَسَرَّةِ عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ لِصِغَرِهِ، فَإِنَّ سُرُورَهُ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ سُرُورِ الْكَبِيرِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ فِيهِ مِنَ الْآدَابِ وَجَمِيلِ الْأَخْلَاقِ: إِعْطَاءُ الصَّغِيرِ وَإِتْحَافُهُ بِالطُّرْفَةِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْكَبِيرِ لِقِلَّةِ صَبْرِهِ وَلِفَرَحِهِ بِذَلِكَ، وَفِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: تَخْصِيصُهُ أَصْغَرَ وَلِيدٍ حَضَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُقَسَّمُ عَلَى الْوِلْدَانِ، وَمَنْ كَبِرَ مِنْهُمْ مُلْحَقٌ بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ وَتَلْوِيحًا إِلَى التَّفَاؤُلِ بِنَمَاءِ الثِّمَارِ وَزِيَادَتِهَا بِدَفْعِهَا لِمَنْ هُوَ فِي سِنِّ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ كَمَا قِيلَ فِي قَلْبِ الرِّدَاءِ لِلِاسْتِسْقَاءِ.
قَالَ الْأُبِّيُّ: وَلَا يُعَارِضُ دُعَاءَهُ لَهَا بِالْبَرَكَةِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «أَصَابَهُمْ بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ» " إِذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ثُبُوتِ الشِّدَّةِ وَثُبُوتِ الْبَرَكَةِ فِيهَا، وَتَخَلُّفُهَا عَنْ بَعْضٍ لَا يَضُرُّ بِهَا، كَذَا أَجَابَ شَيْخُنَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي تَحْصِيلِ الْقُوتِ، وَأَنَّ الْمُدَّ بِهَا يُشْبِعُ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِهِ بِغَيْرِهَا، فَتَكُونُ الشِّدَّةُ فِي تَحْصِيلِ الْمُدِّ، وَالْبَرَكَةُ فِي تَضْعِيفِ الْقُوتِ بِهِ انْتَهَى.
وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ جَوَابُ شَيْخِهِ وَهُوَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ لِدُعَائِهِ بِذَلِكَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ وَهَذَا بَيِّنٌ لِمَوْضِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَوْضِعِ التَّضْعِيفِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا دُعَاءُ إِبْرَاهِيمَ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: ١٢٦] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٢٦) أَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَحْجُرُهَا أَيِ الدَّعْوَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ دُونَ النَّاسِ فَقَالَ تَعَالَى: " وَمَنْ كَفَرَ " أَيْضًا فَإِنِّي أَرْزُقُهُ كَمَا أَرْزُقُ الْمُؤْمِنِينَ.
أَأَخْلُقُ خَلْقًا لَا أَرْزُقُهُمْ، أُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ أَلِيمٍ.
ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: ٢٠] (سورة الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ٢٠) انْتَهَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ سُهَيْلٍ نَحْوَهُ فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا.
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ «سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: ١٧٢] فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ الْجَنَّةَ وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ النَّارَ»
ــ
١٦٦١ - ١٦١٣ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ) قِيلَ: وَاسْمُهُ أَيْضًا زِيدٌ الْجَزَرِيُّ، أَبِي أُسَامَةَ أَصْلُهُ مِنَ الْكُوفَةِ ثُمَّ سَكَنَ الرُّهَا، ثِقَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَلَهُ أَفْرَادٌ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ
وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، لَهُ مَرْفُوعًا فِي الْمُوَّطَأِ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ (عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ) الْعَدَوِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ثِقَةٌ، رَوَى لَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالثَّلَاثَةُ تَابِعُونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَإِذْ) أَيْ: حِينَ {أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} [الأعراف: ١٧٢] بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِمَّا قَبْلَهُ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (ذُرِّيَّاتِهِمْ) بِأَنْ أَخْرَجَ بَعْضُهُمْ مِنْ صُلْبِ بَعْضٍ مِنْ صُلْبِ آدَمَ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ كَنَحْوِ مَا يَتَوَالَدُونَ كَالذَّرِّ، بِنَعْمَانَ بِفَتْحِ النُّونِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَنَصَبَ لَهُمْ دَلَائِلَ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَرَكَّبَ فِيهِمْ عَقْلًا {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الأعراف: ١٧٢] قَالَ {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: ١٧٢] أَنْتَ رَبُّنَا (شَهِدْنَا) بِذَلِكَ وَالْإِشْهَادُ (أَنْ) لَا (يَقُولُوا) بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا} [الأعراف: ١٧٢] الْإِشْهَادِ (غَافِلِينَ) لَا نَعْرِفُهُ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ عَنْهَا) أَيِ الْآيَةِ « (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ) » قَالَ الْبَاجِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ " يَدَهُ " صِفَةٌ وَلَيْسَتْ بِجَارِحَةٍ كَجَوَارِحِ الْمَخْلُوقِينَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: عَبَّرَ بِالْمَسْحِ عَنْ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِظَهْرِ آدَمَ وَكُلُّ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ قُدْرَةُ الْخَالِقِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِفِعْلِ الْمَخْلُوقِ مَا لَمْ يَكُنْ دَنَاءَةً.
وَقَالَ عِيَاضٌ: اخْتُلِفَ فِي الْيَدِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْجَوَارِحِ الَّتِي وَرَدَتْ وَيَسْتَحِيلُ نِسْبَتُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُحَالِ وَلَا تُتَأَوَّلُ وَيُصْرَفُ عِلْمُهَا إِلَى اللَّهِ وَهِيَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ، وَتَأَوَّلَهَا الْأَشْعَرِيُّ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهَا صِفَاتٌ لَا نَعْلَمُهَا، وَتَأَوَّلَهَا قَوْمٌ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ، وَالْيَدُ فِي اللُّغَةِ تُطْلَقُ عَلَى الْقُدْرَةِ وَالنِّعْمَةِ فَكَذَلِكَ هُنَا (فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذَرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ) وَهُمُ السُّعَدَاءُ وَحُرَّمْتُهَا عَلَى غَيْرِهِمْ (وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيِ الطَّاعَاتِ (يَعْمَلُونَ) أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى يُيَسِّرُ لَهُمْ أَعْمَالَ الطَّاعَاتِ وَيُهَوِّنُهَا عَلَيْهِمْ (ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ
فَاسْتَخْرَجَ) أَيْ: أَخْرَجَ (مِنْهُ ذَرِّيَّةً وَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ) الْأَشْقِيَاءَ (لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ) لِأَنَّهُمْ مُيَسَّرُونَ لِذَلِكَ وَجُعِلَ كِلَيْهِمَا مَعًا فِي دَارِ الدُّنْيَا فَوَقَعَ الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ بِسَبَبِ الِاخْتِلَاطِ وَجَعَلَهَا دَارَ تَكْلِيفٍ فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ لِبَيَانِ مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَخْلَاقِ، وَأَمَرَهُمْ بِجِهَادِ الْأَشْقِيَاءِ فَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْمَعَادِ مَيَّزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ، فَجَعَلَ الطَّيِّبَ وَأَهَّلَهُ فِي دَارِهِمْ، وَالْخَبِيثَ وَأَهْلَهُ فِي دَارِهِمْ، فَيَنْعَمُ هَؤُلَاءِ بِطِيبِهِمْ وَيُعَذَّبُ هَؤُلَاءِ بِخُبْثِهِمْ لِانْكِشَافِ الْحَقَائِقِ.
(فَقَالَ رَجُلٌ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ كَمَا فِي مُسْنَدِ مُسَدَّدِ بْنِ مُسَرْهَدٍ فِي نَحْوِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا فِي مُسْلِمٍ فِي نَحْوِهِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ؟) أَيْ: إِذَا سَبَقَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى عَمَلٍ ; لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قُدِّرَ لَهُ « (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَيُهَوِّنُهُ عَلَيْهِ (حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ الْجَنَّةَ) » عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بِمَحْضِ رَحْمَتِهِ.
( «وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ النَّارَ» ) وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَفِيهِ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَا لِأَجْلِ الْأَعْمَالِ بَلِ الْمُوجِبُ لَهُمَا اللُّطْفُ الرَّبَّانِيُّ وَالْخِذْلَانُ الْإِلَهِيُّ الْمُقَدَّرُ لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، بَلْ وَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَأُصُولُ أَكْوَانِهِمْ فِي الْعَدَمِ، فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَدْأَبَ فِي صَالِحِ الْأَعْمَالِ فَإِنَّهَا أَمَارَةٌ إِلَى مَآلِ أَمْرِهِ غَالِبًا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَوْلُ هَذَا الصَّحَابِيِّ مُطَالَبَةٌ بِأَمْرٍ يُوجِبُ تَعْطِيلَ الْعُبُودِيَّةِ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ إِخْبَارَ الرَّسُولِ عَنْ سَابِقِ الْكِتَابِ إِخْبَارٌ عَنْ غَيْبِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِمْ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فَرَامَ أَنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً فِي تَرْكِ الْعَمَلِ فَأَعْلَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَاهُنَا أَمْرَيْنِ مُحْكَمَيْنِ لَا يَبْطُلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ: بَاطِنٌ وَهُوَ الْحِكْمَةُ الْمُوجَبَةُ فِي حُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَظَاهِرٌ وَهُوَ السِّمَةُ اللَّازِمَةُ فِي حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ.
وَهِيَ أَمَارَةٌ وَمُخَيَّلَةٌ غَيْرُ مُفِيدَةٍ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّمَا عُومِلُوا بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ وَتَعَبَّدُوا بِهَا لِيَتَعَلَّقَ خَوْفُهُمْ وَرَجَاؤُهُمْ بِالْبَاطِنِ وَذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْإِيمَانِ، وَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَأَنَّ عَمَلَهُ فِي الْعَاجِلِ دَلِيلُ مَصِيرِهِ فِي الْآجِلِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ لَا
يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَاطْلُبْ نَظِيرَهُ مِنَ الرِّزْقِ الْمَقْسُومِ مَعَ الْأَمْرِ بِالْكَسْبِ وَمِنَ الْأَجَلِ الْمَنْصُوبِ مَعَ الْمُعَاجَلَةِ بِالطَّلَبِ الْمَأْذُونِ فِيهَا انْتَهَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِهِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ مِنَ التَّفْسِيرِ الْمَرْفُوعِ وَشَوَاهِدُهُ كَثِيرَةٌ كَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حَصِينٍ: " «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» " وَتَنَاقَضَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ أَوَّلًا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ لَمْ يَلْقَ عُمَرَ وَبَيْنَهُمَا نُعَيْمُ بْنُ رَبِيعَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: زِيَادَةٌ مَنْ زَادَ نُعَيْمًا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لِأَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَذْكُرُوهُ أَحْفَظُ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ الْمُتْقِنِ انْتَهَى.
فَحَيْثُ لَمْ تُقْبَلْ فَهِيَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ فَيُنَاقِضُ قَوْلَهُ أَوَّلًا مُنْقَطِعٌ بَيْنَهُمَا نُعَيْمٌ، أَمَّا قَوْلُهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ، فَمُسْلِمٌ وَنُعَيْمٌ غَيْرُ مَعْرُوفَيْنِ بِحَمْلِ الْعِلْمِ لَكِنْ صَحَّ مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ
ــ
١٦٦١ - ١٦١٤ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) مَرَّ أَنَّ بَلَاغَهُ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تَرَكْتُ فِيكُمْ بَعْدَ وَفَاتِي أَمْرَيْنِ) وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ شَيْئَيْنِ (لَنْ تَضِلُّوا مَا مَسَكْتُمْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالسِّينِ، أَيْ: أَخَذْتُمْ وَتَعَلَّقْتُمْ وَاعْتَصَمْتُمْ (بِهِمَا، كِتَابَ اللَّهِ) بَدَلٌ مِنْ أَمْرَيْنِ (وَسُنَّةَ نَبِيهِ) فَإِنَّهُمَا الْأَصْلَانِ اللَّذَانِ لَا عُدُولَ عَنْهُمَا وَلَا هَدْيَ إِلَّا مِنْهُمَا، وَالْعِصْمَةُ وَالنَّجَاةُ لِمَنْ مَسَكَ بِهِمَا وَاعْتَصَمَ بِحَبْلِهِمَا، وَهُمَا الْعُرْفَانِ الْوَاضِحُ وَالْبُرْهَانُ اللَّائِحُ بَيْنَ الْمُحِقِّ إِذَا اقْتَفَاهُمَا وَالْمُبْطِلِ إِذَا حَلَّاهُمَا، فَوُجُوبُ الرُّجُوعِ إِلَيْهِمَا مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، لَكِنَّ الْقُرْآنَ يُحَصِّلُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ يَقِينًا، وَفِي السُّنَّةِ تَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَسَنَتِي وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَى الْحَوْضِ» ".
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ قَالَ طَاوُسٌ وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ أَوْ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ»
ــ
١٦٦٣ - ١٦١٥ - (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيِّ نَشَأَ بِهَا ثُمَّ
نَزَلَ مَكَّةَ ثُمَّ الْيَمَنَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ أَثْبَتَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ مَالِكٌ: ثِقَةٌ سَكَنَ مَكَّةَ وَقَدِمَ عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ وَلَهُ هَيْبَةٌ وَصَلَاحٌ، وَكَذَا وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا (عَنْ عَمْرِو) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (ابْنِ مُسْلِمٍ) الْجَنَدِيِّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ الْيَمَانِيِّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامُ (عَنْ طَاوُسِ) بْنِ كَيْسَانَ (الْيَمَانِيِّ) الثِّقَةِ الثَّبْتِ الْفَقِيهِ الْفَاضِلِ، يُقَالُ: اسْمُهُ ذَكْوَانُ وَطَاوُسٌ لَقَبٌ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ وَقِيلَ: بَعْدَهَا (أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ) أَيْ: جَمِيعُ الْأُمُورِ إِنَّمَا هِيَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ فَمَا قُدِّرَ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، أَوِ الْمُرَادُ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ بِتَقْدِيرٍ مُحْكَمٍ وَهُوَ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِنِظَامِ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى تَرْتِيبٍ.
(قَالَ طَاوُسٌ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بْنَ الْخَطَّابِ (يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ» ) قَالَ عِيَاضٌ: رَوَيْنَاهُ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى شَيْءٍ وَالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى " كُلُّ " وَقَدْ تَكُونُ حَتَّى جَارَّةً وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهَا، وَالْعَجْزُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ، وَقِيلَ: هُوَ تَرْكُ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ وَالتَّسْوِيفُ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهُ، وَيُحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَمَلَ الطَّاعَاتِ، وَيُحْتَمَلَ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْكَيْسُ ضِدُّ الْعَجْزِ وَهُوَ النَّشَاطُ فِي تَحْصِيلِ الْمَطْلُوبِ، قَالَ: وَإِدْخَالُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا مَا قَدَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَقَضَى بِهِ وَأَرَادَهُ مِنْ خَلْقِهِ انْتَهَى وَهُوَ وَجِيهٌ.
لَكِنْ تَعَقَّبَ الْأَبِّيُّ تَفْسِيرَ الْعَجْزِ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ: يُصَيِّرُهُ عَدَمًا وَهُوَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ يَمْتَنِعُ مَعَهَا وُقُوعُ الْفِعْلِ الْمُمْكِنِ.
وَرَجَّحَ الطِّيبِيُّ أَنَّ " حَتَّى " حَرْفُ جَرٍّ بِمَعْنَى " إِلَى "، نَحْوَ: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: ٥] [سُورَةُ الْقَدْرِ: الْآيَةُ ٥] لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي الْغَايَةَ، إِذِ الْمُرَادُ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَاكْتِسَابَهُمْ كُلَّهَا بِتَقْدِيرِ خَالِقِهِمْ حَتَّى الْكَيْسَ الْمُوصِلَ صَاحِبَهُ إِلَى الْبُغْيَةِ، وَالْعَجْزَ الَّذِي يَتَأَخَّرُ بِهِ عَنْ دَرْكِهَا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ مَا مِنْ شَيْءٍ يَقَعُ فِي الْوُجُودِ إِلَّا وَسَبَقَ عِلْمُهُ بِهِ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ، وَلِذَا أَتَى بِكُلِّ الَّتِي هِيَ لِلْعُمُومِ وَعَقَّبَهَا بِحَتَّى الَّتِي هِيَ لِلْغَايَةِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْعَجْزِ وَالْكَيْسِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ أَفْعَالَنَا وَإِنْ كَانَتْ مُرَادَةً لَنَا فَهِيَ لَا تَقَعُ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: ٣٠] [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: الْآيَةُ ٣٠] وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قُوبِلَ الْكَيْسُ بِالْعَجْزِ عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقَابِلَ الْحَقِيقِيَّ لِلْكَيْسِ الْبَلَادَةُ وَلِلْعَجْزِ الْقُوَّةُ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْأُسْلُوبِ تَقْيِيدُ كُلٍّ مِنَ اللَّفْظَيْنِ بِمَا يُضَادُّ الْآخَرَ، يَعْنِي: حَتَّى الْكَيْسِ وَالْقُوَّةِ وَالْبَلَادَةِ وَالْعَجْزِ عَنْ قَدَرِ اللَّهِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يُثْبِتُ الْقُدْرَةَ لِغَيْرِهِ تَعَالَى مُطْلَقًا وَيَقُولُ أَفْعَالُ الْعِبَادِ مُسْنَدَةٌ إِلَى
قُدْرَةِ الْعَبْدِ وَاخْتِيَارِهِ لِأَنَّ مَصْدَرَ الْفِعْلِ الدَّاعِيَةُ وَمَنْشَؤُهَا الْقَلْبُ الْمَوْصُوفُ بِالْكِيَاسَةِ وَالْبَلَادَةِ ثُمَّ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَمَكَانُهُمَا الْأَعْضَاءُ وَالْجَوَارِحُ، فَإِذَا كَانَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ فَأَيُّ شَيْءٍ يَخْرُجُ عَنْهُمَا.
(أَوْ) قَالَ (الْكَيْسُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَمُهْمَلَةٍ، النَّشَاطُ وَالْحَذْقُ وَالظَّرَافَةُ، أَوْ كَمَالُ الْعَقْلِ أَوْ شَدَّةُ مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ أَوْ تَمْيِيزُ مَا فِيهِ الضَّرَرُ مِنَ النَّفْعِ.
(وَالْعَجْزُ) التَّقْصِيرُ عَمَّا يَجِبُ فِعْلُهُ أَوْ عَنِ الطَّاعَةِ أَوْ أَعَمُّ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ هَلْ أَخَّرَ الْكَيْسَ أَوْ قَدَّمَهُ؟ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَإِنْ صَحَّ أَنَّ الشَّكَّ مِنِ ابْنِ عُمَرَ أَوْ مِنْ دُونَهُ فَفِيهِ مُرَاعَاةُ الْأَلْفَاظِ عَلَى رُتْبَتِهَا وَأَظُنُّهُ مِنْ وَرَعِ ابْنِ عُمَرَ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ بِالْمَعَانِي، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.