بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢١٥٦

الحديث رقم ٢١٥٦ من كتاب «كتاب الجامع» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في تحريم المدينة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: باب ما جاء في تحريم المدينة

بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ

شرح حديث: باب ما جاء في تحريم المدينة

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ وَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ فَلَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ»

ــ

١٨١٢ - ١٧٦٥ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ) فِي مُوَطَّأِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مَالِكٌ أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْمُوَطَّآتِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ: لَا يَحْتَلِبَنَّ) - بِفَوْقِيَّةٍ، فَلَامٍ مَكْسُورَةٍ - قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي أَكْثَرِ الْمُوَطَّآتِ لَا يَحْلُبَنَّ بِدُونِ تَاءٍ وَضَمِّ اللَّامِ: (أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَاشِيَةُ تَقَعُ عَلَى الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَلَكِنَّهُ فِي الْغَنَمِ أَكْثَرُ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، مَاشِيَةَ رَجُلٍ، وَهُوَ كَالْمِثَالِ فَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالرَّجُلِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِلَفْظِ: مَاشِيَةَ أَخِيهِ، وَقَالَ هُوَ لِلْغَالِبِ، إِذْ لَا فَرْقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَبِإِثْبَاتِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ يَحْتَلِبَ مَوَاشِيَ النَّاسِ (بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مُشْرُبَتُهُ) - بِضَمِّ الرَّاءِ، وَقَدْ تُفْتَحُ، أَيْ: غُرْفَتُهُ (فَتُكْسَرَ) - بِضَمِّ التَّاءِ، وَفَتْحِ السِّينِ، وَالنَّصْبُ عَطْفٌ عَلَى تُؤْتَى (خِزَانَتُهُ) - بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَالرَّفْعِ، نَائِبُ الْفَاعِلِ مَكَانُهُ، أَوْ وِعَاؤُهُ الَّذِي يُخَزِّنُ فِيهِ مَا يُرِيدُ حِفْظَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَيُكْسَرَ بَابُهَا، (فَيُنْتَقَلَ) - بِالنَّصْبِ - (طَعَامُهُ) - بِضَمِّ الْيَاءِ، وَنُونٍ وَقَافٍ - مِنَ النَّقْلِ، أَيْ: يُحَوَّلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ، كَذَا فِي أَكْثَرِ الْمُوَطَّآتِ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ رُوحِ بْنِ عُبَادَةَ، وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ، بِلَفْظِ: فَيُنْتَثَلَ - بِمُثَلَّثَةٍ بَدَلَ الْقَافِ - وَالنَّثْلُ: الْأَخْذُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِسُرْعَةٍ، وَقِيلَ: الِاسْتِخْرَاجُ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ النَّقْلِ.

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَيُّوبَ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَغَيْرُهُمَا عَنْ نَافِعٍ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ بِالْقَافِ، (وَإِنَّمَا تَخْزُنُ) - بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَضَمِّ الزَّايِ - (ضُرُوعُ) جَمْعُ ضَرْعٍ لِلْبَهِيمَةِ كَالثَّدْيِ لِلْمَرْأَةِ، (مَوَاشِيهِمْ أَطَعِمَاتِهِمْ) نُصِبَ بِالْكَسْرَةِ مَفْعُولٌ لِضُرُوعٍ، وَهُوَ جَمْعُ أَطْعِمَةٍ، وَهِيَ جَمْعُ طَعَامٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا: اللَّبَنُ كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ، فَشَبَّهَ ضُرُوعَ الْمَوَاشِي فِي ضَبْطِهَا الْأَلْبَانَ عَلَى أَرْبَابِهَا بِالْخِزَانَةِ الَّتِي تَحْفَظُ مَا أُودِعَتْهُ مِنْ مَتَاعٍ وَغَيْرِهِ، ( «فَلَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ» ) ، أَعَادَهُ بَعْدَ ضَرْبِ الْمِثَالِ زِيَادَةً فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُ لِلْمُسْلِمِ شَيْئًا، إِلَّا بِإِذْنِهِ الْخَاصِّ، أَوِ الْعَامِّ، وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّبَنَ بِالذِّكْرِ لِتَسَاهُلِ النَّاسِ فِيهِ، فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، وَبِهَذَا أَخَذَ الْجُمْهُورُ، وَاسْتَثْنَى كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ مَا إِذَا عَلِمَ بِطِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ

مِنْهُ إِذَنٌ خَاصٌّ، وَلَا عَامٌّ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ سَوَاءٌ عَلِمَ طِيبَ نَفْسِهِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ مَاشِيَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا فِيهَا، فَيُصَوِّتُ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا فَلْيَحْلِبْ وَلِيَشْرَبْ، وَلَا يَحْمِلْ» "، إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَى الْحَسَنِ.

فَمَنْ صَحَّحَ سَمَاعَهُ مِنْ سَمُرَةَ صَحَّحَهُ، وَمَنْ لَا أَعَلَّهُ بِالِانْقِطَاعِ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ مِنْ أَقْوَاهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «إِذَا أَتَيْتَ عَلَى رَاعٍ فَنَادِي ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلَّا فَاشْرَبْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ، وَإِذَا أَتَيْتَ عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ» "، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّحَاوِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ أَصَحُّ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَبِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلْقَوَاعِدِ الْقَطْعِيَّةِ فِي تَحْرِيمِ مَالِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِوُجُوهٍ: مِنْهَا حَمْلُ الْإِذْنِ عَلَى مَا إِذَا عَلِمَ طِيبَ نَفْسِ صَاحِبِهِ، وَالنَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ.

وَمِنْهَا: تَخْصِيصُ الْإِذْنِ بِابْنِ السَّبِيلِ دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ بِالْمُضْطَّرِّ، أَوْ بِحَالِ الْمَجَاعَةِ مُطْلَقًا، وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: أَنَّ حَدِيثَ الْإِذْنِ كَانَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدِيثَ النَّهْيِ أَشَارَ إِلَى مَا سَيَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ التَّشَاحِّ، وَتَرْكِ الْمُوَاسَاةِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمَالِكُ أَحْوَجَ مِنَ الْمَارِّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، إِذْ رَأَيْنَا إِبِلًا مَصْرُورَةً فَثُبْنَا إِلَيْهَا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ هَذِهِ الْإِبِلَ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ قُوتُهُمْ، أَيَسُرُّكُمْ لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ فَوَجَدْتُمْ مَا فِيهَا قَدْ ذَهَبَ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ» "، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: فَابْتَدَرَهَا الْقَوْمُ لِيَحْلِبُوهَا، قَالُوا: فَيُحْمَلُ حَدِيثُ الْإِذْنِ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مَصْرُورَةٍ، وَالنَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ مَصْرُورَةً لِهَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي آخِرِهِ: " «فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ، فَاشْرَبُوا، وَلَا تَحْمِلُوا» "، فَدَلَّ عَلَى عُمُومِ الْإِذْنِ فِي الْمَصْرُورَةِ وَغَيْرِهَا، لَكِنْ بِقَيْدِ عَدَمِ الْحَمْلِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْحَمْلَ عَلَى الْعَادَةِ، قَالَ: وَكَانَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَغَيْرُهُمُ الْمُسَامِحَةُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ بَلَدِنَا، قَالَ: وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ مَهْمَا كَانَ عَلَى الطَّرِيقِ لَا يُعْدَلُ إِلَيْهِ، وَلَا يُقْصَدُ جَازَ لِلْمَارِّ الْأَخْذُ مِنْهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَصْرِ ذَلِكَ عَلَى الْمُجْتَازِ.

وَأَشَارَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ إِلَى قَصْرِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسَافِرِ فِي الْغَزْوِ، وَآخَرُونَ إِلَى قَصْرِ الْإِذْنِ عَلَى مَا كَانَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَالنَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاسْتُؤْنِسَ بِمَا شَرَطَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ ضِيَافَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ.

وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسَافِرِ يَنْزِلُ بِالذِّمِّيِّ قَالَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِهِ، قِيلَ لَهُ: فَالضِّيَافَةُ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَيْهِمْ، قَالَ: كَانُوا يَوْمَئِذٍ فَخُفِّفَ عَنْهُمْ بِسَبَبِهَا، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا.

وَجَنَحَ بَعْضُهُمْ إِلَى

نَسْخِ الْإِذْنِ وَحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، قَالُوا: وَكَانَتِ الضِّيَافَةُ حِينَئِذٍ وَاجِبَةً، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِفَرْضِ الزَّكَاةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ لِلتَّقْرِيبِ لِلْأَفْهَامِ، وَتَمْثِيلِ مَا قَدْ يَخْفَى بِمَا هُوَ أَوْضَحُ مِنْهُ، وَاسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي النَّظَائِرِ، وَذُكِرَ الْحُكْمُ بِعِلَّتِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْعِلَّةِ، تَأْكِيدًا أَوْ تَقْرِيرًا، وَأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ مُسَاوَاةُ الْأَصْلِ لِلْفَرْعِ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، بَلْ رُبَّمَا كَانَتْ لِلْأَصْلِ مَزِيَّةٌ لَا يَتَمَيَّزُ سُقُوطُهَا فِي الْفَرْعِ، إِذَا شَارَكَ فِي أَصْلِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الضَّرْعَ لَا يُسَاوِي الْخِزَانَةَ فِي الْخَزْنِ، كَمَا أَنَّ الضَّرْعَ لَا يُسَاوِي الْفِعْلَ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَلْحَقَ الشَّارِعُ الْمَصْرُورَ فِي الْحُكْمِ بِالْخِزَانَةِ الْمُقْفَلَةِ فِي تَحْرِيمِ تَنَاوُلِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ خَزْنِ الطَّعَامِ، وَاحْتِكَارِهِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، خِلَافًا لِغُلَاةِ الْمُتَزَهِّدَةِ الْمَانِعِينَ مِنَ الِادِّخَارِ مُطْلَقًا، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَنَّ اللَّبَنَ يُسَمَّى طَعَامًا، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللُّقَطَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْقَضَاءِ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ نَافِعٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ رَعَى غَنَمًا قِيلَ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَنَا

ــ

١٨١٢ - ١٧٦٦ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ) مِمَّا صَحَّ مَوْصُولًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ رَعَى غَنَمًا» ) ، اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي إِلْهَامِهِمْ رَعْيِهَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ لِيَحْصُلَ لَهُمُ التَّمَرُّنُ بِرَعْيِهَا عَلَى مَا يُكَلَّفُونَ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ بِأَمْرِ أُمَّتِهِمْ، وَلِأَنَّ فِي مُخَالَطَتِهَا زِيَادَةُ الْحِلْمِ وَالشَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى مَشَقَّةِ الرَّعْيِ، وَدَفَعُوا عَنْهَا السِّبَاعَ الضَّارِيَةَ، وَالْأَيْدِي الْخَاطِفَةَ، وَعَلِمُوا اخْتِلَافَ طِبَاعِهَا وَتَفَاوُتَ إِدْرَاكِهَا، وَعَرَفُوا ضَعْفَهَا وَاحْتِيَاجَهَا إِلَى النَّقْلِ مِنْ مَرْعًى إِلَى مَرْعًى، وَمِنْ مَسْرَحٍ إِلَى مَرَاحٍ، رَفَقُوا بِضَعِيفِهَا وَأَحْسَنُوا تَعَاهُدَهَا، فَهُوَ تَوْطِئَةٌ لِتَعْرِيفِهِمْ سِيَاسَةَ أُمَمِهِمْ، وَلِمَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ - وَخَصَّ الْغَنَمَ؛ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ مِنْ غَيْرِهَا.

(قِيلَ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَأَنَا) رَعَيْتُهَا.

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: وَأَنَا كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ» "، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: " «كُنْتُ أَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ» "، قَالَ سُوَيْدٌ شَيْخُ ابْنِ مَاجَهْ: يَعْنِي كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ يَعْنِي الْقِيرَاطَ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ.

وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ: قَرَارِيطُ اسْمُ مَوْضِعٍ بِمَكَّةَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَابْنُ نَاصِرٍ، وَأَيَّدَهُ مُغْلَطَايَ بِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الْقِيرَاطَ، قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَعْرِفُ بِهَا مَكَانًا يُقَالُ

لَهُ الْقَرَارِيطُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ الْقَرَارِيطَ الَّذِي هُوَ مِنَ النَّقْدِ، وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الصَّحِيحِ: " «تَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ» "، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهَا أَنْ يَكُونَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَفِي ذِكْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَشْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ مَا فِيهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالتَّصْرِيحِ بِمِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ.

[الْحِجَامَةِ وَأُجْرَةِ الْحَجَّامِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ، وَأُجْرَةِ الْحَجَّامِ

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ»

ــ

١٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ، وَأُجْرَةِ الْحَجَّامِ

١٨٢١ - ١٧٧٤ - (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ) الْخُزَاعِيِّ الْبَصْرِيِّ، (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ قَالَ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» -) مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ، وَلِأَحْمَدَ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ، فَيَمْكُثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَا يَخْرُجُ، وَكَانَ يَحْتَجِمُ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ لِاخْتِلَافِ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا.

وَلِابْنِ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: «الْحِجَامَةُ فِي الرَّأْسِ تَنْفَعُ مِنَ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالنُّعَاسِ، وَالصُّدَاعِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ وَالْعَيْنِ» وَقَدْ زَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ» وَلِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: " «خَيْرُ الدَّوَاءِ الْحِجَامَةُ، وَالْفَصْدُ» "، لَكِنَّ فِي سَنَدِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ كَذَّبَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: " «لَا يَبْلُغُ الرَّجُلُ أَرْبَعِينَ سَنَّةً، ثُمَّ يَحْتَجِمُ» قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ فِي انْتِقَاصٍ مِنْ عُمْرِهِ، وَانْحِلَالٍ مَنْ قُوَاهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَهُ وَهَنًا بِإِخْرَاجِ الدَّمِ.

قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَاجَتُهُ إِلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدَّهُ أَيْ: لِاحْتِجَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَاخِرِ عُمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَادَهُ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ.

(حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ) ، بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُوَحِّدَةِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، وَاسْمُهُ نَافِعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَابْنِ السَّكَنِ عَنْ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّهُ كَانَ لَهُ غُلَامٌ حَجَّامٌ يُقَالُ لَهُ: نَافِعٌ أَبُو طَيْبَةَ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُهُ عَنْ خَرَاجِهِ» ، الْحَدِيثَ.

وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ اسْمَهُ دِينَارٌ، وَوَهَمُوهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دِينَارَ الْحَجَّامَ تَابِعِيٌّ يَرْوِي عَنْ أَبِي طَيْبَةَ، لَا أَنَّهُ أَبُو طَيْبَةَ نَفْسُهُ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ الْحَجَّامِ «عَنْ أَبِي طَيْبَةَ قَالَ: " حَجَمْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» - الْحَدِيثَ.

وَذَكَرَ الْبَغْوَيُّ فِي الصَّحَابَةِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنَّ اسْمَ أَبِي طَيْبَةَ مَيْسَرَةُ، وَقَالَ الْعَسْكَرِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: " «خَرَجَ عَلَيْنَا أَبُو طَيْبَةَ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، فَقُلْنَا لَهُ: أَيْنَ كُنْتَ؟ قَالَ: حَجَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ) » ، وَلِابْنِ السَّكَنِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «كُنَّا جُلُوسًا بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا أَبُو طَيْبَةَ بِشَيْءٍ يَحْمِلُهُ فِي ثَوْبِهِ، فَقُلْنَا لَهُ: مَا هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: حَجَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَانِي أَجْرِي» "، (وَأَمَرَ أَهْلَهُ) ، أَيْ: سَيِّدَهُ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَمَرَ مَوَالِيَهُ بِالْجَمْعِ مَجَازًا، (أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ) - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - مَا يُقَرِّرُهُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ شَهْرٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَكَانَ خَرَاجُهُ ثَلَاثَةَ آصُعٍ، فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا، كَمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ جَوَازُ الْحِجَامَةِ، وَأَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

" «احْتَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ» "، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهْ، وَالْكَرَاهَةُ إِنَّمَا هِيَ لِلْحَجَّامِ، لَا لِلْمُسْتَعْمِلِ لِضَرُورَتِهِ إِلَى الْحِجَامَةِ، وَعَدَمِ ضَرُورَةِ الْحَجَّامِ، وَلَوْ تَوَاطَأَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِهِ لَأَضَرَّ بِهِمْ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْأَجِيرِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ أُجْرَةٍ، وَإِعْطَاءِ قَدْرِهَا وَأَكْثَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَدْرَهَا كَانَ مَعْلُومًا، فَوَقَعَ الْعَمَلُ عَلَى الْعَادَةِ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَيْعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عِنْدَهُ فِي الْإِجَارَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عِنْدَهُ فِي الطِّبِّ الثَّلَاثَةُ عَنْ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ زِيَادَةٌ قَدْ عُلِمَتْ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنْ كَانَ دَوَاءٌ يَبْلُغُ الدَّاءَ فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ

ــ

١٨٢١ - ١٧٧٥ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ) مِمَّا صَحَّ بِمَعْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: « (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنْ كَانَ دَوَاءً) مُفْرَدُ أَدْوِيَةٍ: مَا يُتَدَاوَى بِهِ (يَبْلُغُ الدَّاءَ) : الْمَرَضَ

(فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تُبْلُغُهُ) » ، تَصِلُ إِلَيْهِ، أَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ الْمُؤْذِنِ بِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْخَبَرِ إِيذَانًا بِتَحْقِيقِهِ لِلسَّامِعِينَ، أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ تَحَقَّقْتُمْ أَنَّ مِنَ الدَّوَاءِ مَا يَبْلُغُ الدَّاءَ، فَتَحَقَّقُوا أَنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» "، فَجَزَمَ بِأَنَّ فِي الْحَجْمِ الشِّفَاءَ، أَوِ الشَّرْطُ عَلَى حَقِيقَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ، فَلَمَّا عَلِمَ جَزَمَ نَظِيرَ مَا مَرَّ.

[فِي الْمَشْرِقِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»

ــ

١١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ

بِكَسْرِ الرَّاءِ فِي الْأَكْثَرِ، وَبِفَتْحِهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنَّهُ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ جِهَةَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ مَشْرِقِيٌّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا.

١٨٢٤ - ١٧٧٧ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ» ) ، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ "، وَفِي التِّرْمِذِيِّ: " قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ "، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ: " قَامَ عِنْدَ بَابِ حَفْصَةَ "، وَفِي لَفْظٍ: " عِنْدَ بَابِ عَائِشَةَ "، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنْ بَابِ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ، وَبَابَاهُمَا مُتَقَارِبَانِ، فَأَشَارَ وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَهُمَا، فَعَبَّرَ عَنْهُ تَارَةً بِبَابِ حَفْصَةَ، وَأُخْرَى بِبَابِ عَائِشَةَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ، فَأَشَارَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ فَأَشَارَ، فَإِنْ سَاغَ هَذَا، وَإِلَّا فَيُطْلَبُ جَمْعٌ غَيْرُهُ، وَلَا يُجْمَعُ بِتَعَدُّدِ الْقِصَّةِ لِاتِّحَادِ الْمُخْرِجِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ.

(وَيَقُولُ) : زَادَ فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ "، (هَا) بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ حَرْفُ تَنْبِيهٍ، (إِنَّ الْفِتْنَةَ) - بِكَسْرِ الْفَاءِ -: الْمِحْنَةُ، وَالْعِقَابُ، وَالشِّدَّةُ، وَكُلُّ مَكْرُوهٍ، وَآيِلٍ إِلَيْهِ كَالْكُفْرِ، وَالْإِثْمِ وَالْفَضِيحَةِ وَالْفُجُورِ وَالْمُصِيبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ اللَّهِ فَهُنَّ عَلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ، فَمَذْمُومَةٌ، فَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الْإِنْسَانَ بِإِيقَاعِ الْفِتْنَةِ كَقَوْلِهِ: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: ١٩١] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٩١) ، {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج: ١٠] (سورة الْبُرُوجِ: الْآيَةُ ١٠) ، الْآيَةَ

(هَاهُنَا إِنَّ الْفِتْنَةَ) زَادَ الْقَعْنَبِيُّ: هَاهُنَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ بِالتَّكْرَارِ مَرَّتَيْنِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا مَرَّةً وَاحِدَةً» .

(مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ) - بِضَمِّ اللَّامِ - (قَرْنُ الشَّيْطَانِ) بِالْإِفْرَادِ، أَيْ: حِزْبُهُ وَأَهْلُ وَقْتِهِ وَزَمَانِهِ وَأَعْوَانُهُ، وَنَسَبَ الطُّلُوعَ لِقَرْنِهِ مَعَ أَنَّ الطُّلُوعَ لِلشَّمْسِ لِكَوْنِهِ مُقَارِنًا لَهَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ، وَكَذَا سَالِمٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ بِالشَّكِّ قَرْنُ الشَّيْطَانِ، أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ سَالِمٍ: " «مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ» "، بِالتَّثْنِيَةِ وَبِدُونِ شَكٍّ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ لَهُ قَرْنَيْنِ حَقِيقَةً، وَقِيلَ: هُمَا جَانِبَا رَأْسِهِ أَنَّهُ يَقْرِنُ رَأْسَهُ

بِالشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا لِيَقَعَ سَجْدَةُ عَبَدَتِهَا لَهُ، وَقِيلَ: هُوَ مَثْلٌ أَيْ: حِينَئِذٍ يَتَحَرَّكُ الشَّيْطَانُ، وَيَتَسَلَّطُ، أَوْ قَرْنُهُ أَهْلُ حِزْبِهِ، وَإِنَّمَا أَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَشْرِقِ؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ يَوْمَئِذٍ أَهْلُ كُفْرٍ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْفِتْنَةَ تَكُونُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَكَذَا وَقَعَ، فَكَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ، وَصَفِّينَ، ثُمَّ ظُهُورُ الْحَجَّاجِ فِي نَجْدٍ وَالْعِرَاقِ وَمَا وَرَاءَهَا مِنَ الْمَشْرِقِ، وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ ابْنِ دِينَارٍ نَافِعٌ، وَسَالِمٌ، عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ نَحْوُهُ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ فَقَالَ لَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ لَا تَخْرُجْ إِلَيْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ بِهَا تِسْعَةَ أَعْشَارِ السِّحْرِ وَبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ وَبِهَا الدَّاءُ الْعُضَالُ

ــ

١٨٢٤ - ١٧٧٨ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ) - بِكَسْرِ الْعَيْنِ - قَالَ الْمَجَرُ: بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ عَبَادَانِ إِلَى الْمَوْصِلِ طُولًا، وَمِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا، وَتُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، وَسَمَّيَتْ بِهَا لِتَوَاشُجِ عِرَاقِ النَّخْلِ، وَالشَّجَرِ فِيهَا، أَوْ لِأَنَّهُ اسْتَكَفَّ أَرْضَ الْعَرَبِ، أَوْ سُمِّيَ بِعِرَاقِ الْمَزَادَةِ لِجِلْدَةٍ تُجْعَلُ عَلَى مُلْتَقَى طَرَفَيِ الْجِلْدِ إِذَا خُرِزَ فِي أَسْفَلِهَا؛ لِأَنَّ الْعِرَاقَ بَيْنَ الرِّيفِ وَالْبَرِّ، أَوْ لِأَنَّهُ عَلَى عِرَاقِ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، أَيْ: شَاطِئِهِمَا، أَوْ مُعَرَّبَةٌ إِيرَانُ شَهْرٍ، وَمَعْنَاهُ: كَثِيرَةُ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ.

(فَقَالَ لَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا تَخْرُجْ إِلَيْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ بِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ السِّحْرِ) ، وَبَابِلُ مِنْ جُمْلَةِ بِلَادِهَا، (وَبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ، وَبِهَا الدَّاءُ الْعُضَالُ) ، بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ هُوَ الَّذِي يَعْنِي الْأَطِبَّاءَ أَمْرُهُ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ؛ لِأَنَّ كَعْبًا حَبْرَهَا.

[الْأَمْرِ بِالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ]

حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ

ــ

١٦ - بَابُ الْأَمْرِ بِالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ

١٨٣٨ - ١٧٨٩ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمَمْلُوكِ) الرَّقِيقِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، (طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ) اللَّامُ لِلْمِلْكِ، أَيْ: طَعَامُ الْمَمْلُوكِ وَكُسْوَتُهُ حَقٌّ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ، فَقَدَّمَ الْخَبَرَ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ، إِذِ الْمَقَامُ بِصَدَدِ تَمْلِيكِهِ مَا ذَكَرَ (بِالْمَعْرُوفِ) ، أَيْ: بِلَا إِسْرَافٍ، وَلَا تَقْتِيرٍ عَلَى اللَّائِقِ بِأَمْثَالِهِ، قَالَ الْحَافِظُ: مُقْتَضَاهُ الرَّدُّ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا، فَالْوَاجِبُ مُطْلَقُ الْمُوَاسَاةِ لَا الْمُوَاسَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَمَنْ أَخَذَ بِالْأَكْمَلِ فَعَلَ الْأَفْضَلَ مِنْ عَدَمِ اسْتِئْثَارِهِ عَلَى عَيَّالِهِ، وَإِنْ جَازَ.

(وَلَا يُكَلَّفُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ) الدَّوَامَ عَلَيْهِ، أَيْ: لَا يُكَلِّفُهُ إِلَّا جِنْسُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالنَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْمَمَالِيكِ، وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَأُلْحِقَ بِهِمْ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَجِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْعَوَالِي كُلَّ يَوْمِ سَبْتٍ فَإِذَا وَجَدَ عَبْدًا فِي عَمَلٍ لَا يُطِيقُهُ وَضَعَ عَنْهُ مِنْهُ

ــ

١٨٣٨ - ١٧٩٠ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْعَوَالِي) : الْقُرَى الْمُجْتَمِعَةُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةٍ نَجْدِهَا، وَمِنْ جُمْلَتِهَا قِبَاءُ، (كُلَّ يَوْمِ سَبْتٍ) اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى قِبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا، وَمَاشِيًا، (فَإِذَا وَجَدَ عَبَدَا فِي عَمَلٍ لَا يُطِيقُهُ) عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ إِلَّا بِمَزِيدِ مَشَقَّةٍ، (وَضَعَ عَنْهُ مِنْهُ) ، أَيْ: نَقَصَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا لَا يُطَاقُ أَصْلًا لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ لَا تُكَلِّفُوا الْأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا وَلَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ وَعِفُّوا إِذْ أَعَفَّكُمْ اللَّهُ وَعَلَيْكُمْ مِنْ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا

ــ

١٨٣٨ - ١٧٩١ - (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ) - بِضَمِّ السِّينِ - نَافِعٍ (بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ) مَالِكِ بْنِ أَبِي

عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ: (أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) - أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - (وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: لَا تُكَلِّفُوا الْأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ، فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا) ، أَيْ: زَنَتْ فَتَدْخُلُوا فِي آيَةِ: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [النور: ٣٣] (سورة النُّورِ: الْآيَةُ ٣٣) ، (وَلَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ) ، لِعَجْزِهِ عَنِ الْكَسْبِ، وَقَدْ كَلَّفْتُمُوهُ بِهِ، (وَعِفُّوا) - بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَشَدِّ الْفَاءِ الْمَضْمُومَةِ - أَمْرٌ مَنْ عَفَّ يَعِفُّ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، أَيْ: تَنَزَّهُوا، وَاسْتَغْنُوا عَنْ تَكْلِيفِ الْأَمَةِ، وَالصَّغِيرِ الْمَذْكُورَيْنِ (إِذَا) (أَعَفَّكُمُ اللَّهُ) : أَغْنَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ بِمَا فَتَحَهُ عَلَيْكُمْ، وَوَسَّعَهُ فِي الرِّزْقِ، (وَعَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا) ، أَيْ: حَلَّ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِذَلِكَ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ.

[فِي الْمَمْلُوكِ وَهِبَتِهِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَمْلُوكِ وَهِبَتِهِ

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعَبْدُ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ»

ــ

١٨٣٩ - ١٧٩٢ ١٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَمْلُوكِ وَهِبَتِهِ

- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْعَبْدُ) ، أَيِ: الرَّقِيقُ (إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ) بِزِيَادَةِ اللَّامِ لِلْمُبَالَغَةِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَيْ: قَامَ بِمَصَالِحِهِ عَلَى وَجْهِ الْخُلُوصِ، وَامْتَثَلَ أَمْرَهُ، وَتَجَنَّبَ نَهْيَهُ.

وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: " «الْعَبْدُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ، لَهُ أَجْرَانِ» "، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مَعْنَاهَا حِيَازَةُ الْحَظِّ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ، وَهُوَ إِرَادَةُ صَلَاحِ حَالِهِ، وَتَخْلِيصِهِ مِنَ الْخَلَلِ، وَتَصْفِيَتِهِ مِنَ الْغِشِّ.

(وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ) الْمُتَوَجِّهَةُ عَلَيْهِ بِأَنْ أَقَامَهَا بِشُرُوطِهَا، وَوَاجِبَاتِهَا، وَمَا يُمْكِنُهُ مِنْ مَنْدُوبَاتِهَا بِأَنْ لَمْ يُفَوِّتْ حَقَّ سَيِّدِهِ، (فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ) لِقِيَامِهِ بِالْحَقَّيْنِ، وَانْكِسَارِهِ بِالرِّقِّ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَيْسَ الْأَجْرَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ أَوْجَبُ مِنْ طَاعَةِ الْمَخْلُوقِ، وَرَدَّهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ طَاعَةَ الْمَخْلُوقِ هُنَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، انْتَهَى.

وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ الْبَاجِيِّ: أَيْ: لَهُ أَجْرُ أَجْرِ عَامِلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَعَامِلٌ بِطَاعَةِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ وَاجِبَانِ

طَاعَةُ رَبِّهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَطَاعَةُ سَيِّدِهِ فِي الْمَعْرُوفِ، فَقَامَ بِهِمَا جَمِيعًا كَانَ لَهُ ضِعْفَا أَجْرِ الْمُطِيعِ بِطَاعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَفُضِّلَ عَلَيْهِ بِطَاعَةِ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ.

قَالَ: وَمِنْ هُنَا أَقُولُ: إِنَّ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ فَأَدَّاهُمَا أَفْضَلَ مِمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا فَرْضٌ وَاحِدٌ فَأَدَّاهُ، كَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ وَزَكَاةٌ، فَقَامَ بِهِمَا، فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَقَطْ، وَبِمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ فُرُوضٌ فَلَمْ يُؤَدِّ مِنْهَا شَيْئًا، كَانَ عِصْيَانُهُ أَكْبَرَ مِنْ عِصْيَانِ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْضُهَا، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

قَالَ الْحَافِظُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَزِيدَ الْفَضْلِ لِلْعَبْدِ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَتَيْنِ، لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ مَشَقَّةِ الرِّقِّ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ التَّضْعِيفُ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ جِهَةِ الْعَبْدِ لَمْ يَخْتَصَّ الْعَبْدُ بِذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ يُضَاعَفُ لَهُ، وَقِيلَ: سَبَبُ التَّضْعِيفِ أَنَّهُ ازْدَادَ لِسَيِّدِهِ نُصْحًا، وَفِي عِبَادَةِ اللَّهِ إِحْسَانًا، فَكَانَ لَهُ أَجْرُ الْوَاجِبَيْنِ، وَأَجْرُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا، قَالَ: وَالظَّاهِرُ خِلَافُ هَذَا وَأَنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ، لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْجُورٍ عَلَى الْعُبُودِيَّةِ، وَمَا ادَّعَى أَنَّهُ الظَّاهِرُ لَا يُنَافِي مَا نَقَلَهُ قَبْلَهُ، فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنَّ أَجْرَ الْمَمَالِيكِ ضِعْفُ أَجْرِ السَّادَاتِ، أَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ: بِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، أَوْ يَكُونُ أَجْرُهُ مُضَاعَفًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ جِهَاتٌ أُخَرُ يَسْتَحِقُّ بِهَا أَضْعَافَ أَجْرِ الْعَبْدِ، أَوِ الْمُرَادُ تَرْجِيحُ الْعَبْدِ الْمُؤَدِّي لِلْحَقَّيْنِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُؤَدِّي لِأَحَدِهِمَا، قَالَ الْحَافِظُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَضْعِيفُ الْأَجْرِ مُخْتَصًّا بِالْعَمَلِ الَّذِي يَتَّحِدُ فِيهِ طَاعَةُ اللَّهِ، وَطَاعَةُ السَّيِّدِ فَيَعْمَلُ عَمَلًا وَاحِدًا، وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ أَجْرَيْنِ بِالْاعْتَبَارَيْنِ.

وَأَمَّا الْعَمَلُ الْمُخْتَلِفُ الْجِهَةِ، فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِتَضْعِيفِ الْأَجْرِ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَحْرَارِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا جِهَادَ عَلَيْهِ، وَلَا حَجَّ فِي حَالِ الْعُبُودِيَّةِ، وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ السَّيِّدِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ نَحْوُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» "، وَحَدِيثِ: " «سَيِّدُكُمْ عَمْرُو بْنُ الْجُمُوحِ» "، وَفِي أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ النَّهْيُ عَنْ إِطْلَاقِ السَّيِّدِ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ الْمَالِكِ، وَالْإِذْنِ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَأْخُذُ بِهَذَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُخَاطِبَهُ أَحَدٌ، أَوْ يَكْتُبَ لَفْظَ سَيِّدٍ، وَيَتَأَكَّدَ إِذَا كَانَ الْمُخَاطِبُ غَيْرَ تَقِيٍّ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَمُسْلِمٌ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ جَمَعَ مِنْهَا الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ نَظَمَهَا فِي قَوْلِهِ:

وَجَمْعٌ أَتَى فِيمَا رَوَيْنَاهُ أَنَّهُمْ ... يُثْنَّى لَهُمْ أَجْرٌ حَوَوْهُ مُحَقَّقَا

فَأَزْوَاجُ خَيْرِ الْخَلْقِ أَوَّلُهُمْ وَمَنْ ... عَلَى زَوْجِهَا أَوْ لِلْقَرِيبِ تَصَدَّقَا

وَقَارٍ بِجُهْدٍ وَاجْتِهَادٍ أَصَابَ وَالْـ ... وُضُوءُ اثْنَتَيْنِ وَالْكِتَابِيُّ صَدَّقَا

وَعَبْدٌ أَتَى حَقَّ الْإِلَهِ وَسَيِّدٍ وَعَابِرٌ ... يُسَرُّ مَعَ غَنِيِّ لَهُ تُقَى

وَمَنْ أَمَةً يَشْرِي فَأَدَّبَ مُحْسِنًا

وَيَنْكِحُهَا مِنْ بَعْدِهِ حِينَ أَعْتَقَا ... وَمَنْ سَنَّ خَيْرًا أَوْ أَعَادَ صَلَاتَهُ

كَذَاكَ جَبَانٌ إِذْ يُجَاهِدُ ذَا شَقَا ... كَذَاكَ شَهِيدٌ فِي الْبِحَارِ وَمَنْ أَتَى

لَهُ الْقَتْلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأُلْحِقَا ... وَطَالِبُ عِلْمٍ مُدْرَكٌ ثُمَّ مُسْبِغٌ

وَضَوْءًا لَدَى الْبَرْدِ الشَّدِيدِ مُحَقِّقَا ... وَمُسْتَمِعٌ فِي خُطْبَةٍ قَدْ دَنَا وَمَنْ

بِتَأْخِيرِ صَفٍّ أَوْ لِمُسْلِمٍ وَقَا ... وَحَافِظُ عَصْرٍ مَعْ إِمَامٍ مُؤَذِّنٍ

وَمَنْ كَانَ فِي وَقْتِ الْفَسَادِ مُوَفَّقَا ... وَعَامِلُ خَيْرٍ مُخْفِيًا ثُمَّ إِنْ بَدَا يُرَى

فَرِحًا مُسْتَبْشِرًا بِالَّذِي ارْتَقَى ... وَمُغْتَسِلٌ فِي جُمُعَةٍ عَنْ جَنَابَةٍ

وَمِنْ فِيهِ حَقًّا قَدْ غَدًا مُتَصَدِّقَا ... وَمَاشٍ يُصَلِّي جُمُعَةً ثُمَّ مَنْ أَتَى

بِذَا الْيَوْمِ خَيْرًا مَا فَضِعْفُهُ مُطْلَقَا ... وَمَنْ حَتْفُهُ قَدْ جَاءَ مِنْ سِلَاحِهِ

وَنَازِعُ نَعْلٍ إِنْ لِخَيْرٍ تَسَبَّقَا ... وَمَاشٍ لَدَى تَشْيِيعِ مَيْتٍ وَغَاسِلٍ

بَدَا بَعْدًا كَلٍّ وَالْمُجَاهِدُ حَقَّقَا ... وَمُتَّبِعٌ مَيْتًا حَيَاءً مِنَ اهْلِهِ

وَمُسْتَمِعُ الْقُرْآنِ فِيمَا رَوَى الثِّقَا ... وَفِي مُصْحَفٍ يَقْرَا وَقَارِيهِ مُعْرِبًا

بِتَفْهِيمِ مَعْنَاهُ الشَّرِيفِ مُحَقِّقَا

وَذَيَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةٍ:

إِمَامٌ مُطِيعٌ يَا لَهَا مِنْ سَعَادَةٍ ... وَحَجَّةُ حَاجٍّ مِنْ عُمَانَ فَأَلْحَقَا

وَمِنْ أَمَةٍ تُشْتَرَى أَوْ يُشْرَطُ لَهَا ... فَلَا هِبَةَ لَا بَيْعَ لَا مَهْرَ مُطْلَقَا

وَهِيَ حُرَّةٌ إِنْ مِتَّ صَلَّى إِلَهُنَا ... عَلَى الْمُصْطَفَى الْمَبْعُوثِ بِالْحَقِّ وَالتُّقَا

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَمَةً كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ فَقَالَ أَلَمْ أَرَ جَارِيَةَ أَخِيكِ تَجُوسُ النَّاسَ وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ

ــ

١٨٣٩ - ١٧٩٣ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَمَةً كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ) - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - (فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ جَارِيَةَ أَخِيكِ تَجُوسُ النَّاسَ) - بِالْجِيمِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - أَيْ: تَتَخَطَّاهُمْ، وَتَخْتَلِفُ عَلَيْهِمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كُلُّ مَوْضِعٍ خَالَطَتْهُ، وَوَطَأَتْهُ فَقَدْ جَسَتْهُ وَحَسَتْهُ؛ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ، (وَأَنَّهَا قَدْ تَهَيَّأَتْ) : تَمَثَّلَتْ وَتَصَوَّرَتْ (بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُرَّةِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ وَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ فَلَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ»

ــ

١٨١٢ - ١٧٦٥ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ) فِي مُوَطَّأِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مَالِكٌ أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْمُوَطَّآتِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ: لَا يَحْتَلِبَنَّ) - بِفَوْقِيَّةٍ، فَلَامٍ مَكْسُورَةٍ - قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي أَكْثَرِ الْمُوَطَّآتِ لَا يَحْلُبَنَّ بِدُونِ تَاءٍ وَضَمِّ اللَّامِ: (أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَاشِيَةُ تَقَعُ عَلَى الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَلَكِنَّهُ فِي الْغَنَمِ أَكْثَرُ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، مَاشِيَةَ رَجُلٍ، وَهُوَ كَالْمِثَالِ فَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالرَّجُلِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِلَفْظِ: مَاشِيَةَ أَخِيهِ، وَقَالَ هُوَ لِلْغَالِبِ، إِذْ لَا فَرْقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَبِإِثْبَاتِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ يَحْتَلِبَ مَوَاشِيَ النَّاسِ (بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مُشْرُبَتُهُ) - بِضَمِّ الرَّاءِ، وَقَدْ تُفْتَحُ، أَيْ: غُرْفَتُهُ (فَتُكْسَرَ) - بِضَمِّ التَّاءِ، وَفَتْحِ السِّينِ، وَالنَّصْبُ عَطْفٌ عَلَى تُؤْتَى (خِزَانَتُهُ) - بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَالرَّفْعِ، نَائِبُ الْفَاعِلِ مَكَانُهُ، أَوْ وِعَاؤُهُ الَّذِي يُخَزِّنُ فِيهِ مَا يُرِيدُ حِفْظَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَيُكْسَرَ بَابُهَا، (فَيُنْتَقَلَ) - بِالنَّصْبِ - (طَعَامُهُ) - بِضَمِّ الْيَاءِ، وَنُونٍ وَقَافٍ - مِنَ النَّقْلِ، أَيْ: يُحَوَّلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ، كَذَا فِي أَكْثَرِ الْمُوَطَّآتِ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ رُوحِ بْنِ عُبَادَةَ، وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ، بِلَفْظِ: فَيُنْتَثَلَ - بِمُثَلَّثَةٍ بَدَلَ الْقَافِ - وَالنَّثْلُ: الْأَخْذُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِسُرْعَةٍ، وَقِيلَ: الِاسْتِخْرَاجُ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ النَّقْلِ.

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَيُّوبَ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَغَيْرُهُمَا عَنْ نَافِعٍ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ بِالْقَافِ، (وَإِنَّمَا تَخْزُنُ) - بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَضَمِّ الزَّايِ - (ضُرُوعُ) جَمْعُ ضَرْعٍ لِلْبَهِيمَةِ كَالثَّدْيِ لِلْمَرْأَةِ، (مَوَاشِيهِمْ أَطَعِمَاتِهِمْ) نُصِبَ بِالْكَسْرَةِ مَفْعُولٌ لِضُرُوعٍ، وَهُوَ جَمْعُ أَطْعِمَةٍ، وَهِيَ جَمْعُ طَعَامٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا: اللَّبَنُ كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ، فَشَبَّهَ ضُرُوعَ الْمَوَاشِي فِي ضَبْطِهَا الْأَلْبَانَ عَلَى أَرْبَابِهَا بِالْخِزَانَةِ الَّتِي تَحْفَظُ مَا أُودِعَتْهُ مِنْ مَتَاعٍ وَغَيْرِهِ، ( «فَلَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ» ) ، أَعَادَهُ بَعْدَ ضَرْبِ الْمِثَالِ زِيَادَةً فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُ لِلْمُسْلِمِ شَيْئًا، إِلَّا بِإِذْنِهِ الْخَاصِّ، أَوِ الْعَامِّ، وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّبَنَ بِالذِّكْرِ لِتَسَاهُلِ النَّاسِ فِيهِ، فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، وَبِهَذَا أَخَذَ الْجُمْهُورُ، وَاسْتَثْنَى كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ مَا إِذَا عَلِمَ بِطِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ

مِنْهُ إِذَنٌ خَاصٌّ، وَلَا عَامٌّ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ سَوَاءٌ عَلِمَ طِيبَ نَفْسِهِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ مَاشِيَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا فِيهَا، فَيُصَوِّتُ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا فَلْيَحْلِبْ وَلِيَشْرَبْ، وَلَا يَحْمِلْ» "، إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَى الْحَسَنِ.

فَمَنْ صَحَّحَ سَمَاعَهُ مِنْ سَمُرَةَ صَحَّحَهُ، وَمَنْ لَا أَعَلَّهُ بِالِانْقِطَاعِ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ مِنْ أَقْوَاهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «إِذَا أَتَيْتَ عَلَى رَاعٍ فَنَادِي ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلَّا فَاشْرَبْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ، وَإِذَا أَتَيْتَ عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ» "، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّحَاوِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ أَصَحُّ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَبِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلْقَوَاعِدِ الْقَطْعِيَّةِ فِي تَحْرِيمِ مَالِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِوُجُوهٍ: مِنْهَا حَمْلُ الْإِذْنِ عَلَى مَا إِذَا عَلِمَ طِيبَ نَفْسِ صَاحِبِهِ، وَالنَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ.

وَمِنْهَا: تَخْصِيصُ الْإِذْنِ بِابْنِ السَّبِيلِ دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ بِالْمُضْطَّرِّ، أَوْ بِحَالِ الْمَجَاعَةِ مُطْلَقًا، وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: أَنَّ حَدِيثَ الْإِذْنِ كَانَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدِيثَ النَّهْيِ أَشَارَ إِلَى مَا سَيَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ التَّشَاحِّ، وَتَرْكِ الْمُوَاسَاةِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمَالِكُ أَحْوَجَ مِنَ الْمَارِّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، إِذْ رَأَيْنَا إِبِلًا مَصْرُورَةً فَثُبْنَا إِلَيْهَا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ هَذِهِ الْإِبِلَ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ قُوتُهُمْ، أَيَسُرُّكُمْ لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ فَوَجَدْتُمْ مَا فِيهَا قَدْ ذَهَبَ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ» "، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: فَابْتَدَرَهَا الْقَوْمُ لِيَحْلِبُوهَا، قَالُوا: فَيُحْمَلُ حَدِيثُ الْإِذْنِ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مَصْرُورَةٍ، وَالنَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ مَصْرُورَةً لِهَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي آخِرِهِ: " «فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ، فَاشْرَبُوا، وَلَا تَحْمِلُوا» "، فَدَلَّ عَلَى عُمُومِ الْإِذْنِ فِي الْمَصْرُورَةِ وَغَيْرِهَا، لَكِنْ بِقَيْدِ عَدَمِ الْحَمْلِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْحَمْلَ عَلَى الْعَادَةِ، قَالَ: وَكَانَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَغَيْرُهُمُ الْمُسَامِحَةُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ بَلَدِنَا، قَالَ: وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ مَهْمَا كَانَ عَلَى الطَّرِيقِ لَا يُعْدَلُ إِلَيْهِ، وَلَا يُقْصَدُ جَازَ لِلْمَارِّ الْأَخْذُ مِنْهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَصْرِ ذَلِكَ عَلَى الْمُجْتَازِ.

وَأَشَارَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ إِلَى قَصْرِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسَافِرِ فِي الْغَزْوِ، وَآخَرُونَ إِلَى قَصْرِ الْإِذْنِ عَلَى مَا كَانَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَالنَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاسْتُؤْنِسَ بِمَا شَرَطَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ ضِيَافَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ.

وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسَافِرِ يَنْزِلُ بِالذِّمِّيِّ قَالَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِهِ، قِيلَ لَهُ: فَالضِّيَافَةُ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَيْهِمْ، قَالَ: كَانُوا يَوْمَئِذٍ فَخُفِّفَ عَنْهُمْ بِسَبَبِهَا، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا.

وَجَنَحَ بَعْضُهُمْ إِلَى

نَسْخِ الْإِذْنِ وَحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، قَالُوا: وَكَانَتِ الضِّيَافَةُ حِينَئِذٍ وَاجِبَةً، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِفَرْضِ الزَّكَاةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ لِلتَّقْرِيبِ لِلْأَفْهَامِ، وَتَمْثِيلِ مَا قَدْ يَخْفَى بِمَا هُوَ أَوْضَحُ مِنْهُ، وَاسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي النَّظَائِرِ، وَذُكِرَ الْحُكْمُ بِعِلَّتِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْعِلَّةِ، تَأْكِيدًا أَوْ تَقْرِيرًا، وَأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ مُسَاوَاةُ الْأَصْلِ لِلْفَرْعِ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، بَلْ رُبَّمَا كَانَتْ لِلْأَصْلِ مَزِيَّةٌ لَا يَتَمَيَّزُ سُقُوطُهَا فِي الْفَرْعِ، إِذَا شَارَكَ فِي أَصْلِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الضَّرْعَ لَا يُسَاوِي الْخِزَانَةَ فِي الْخَزْنِ، كَمَا أَنَّ الضَّرْعَ لَا يُسَاوِي الْفِعْلَ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَلْحَقَ الشَّارِعُ الْمَصْرُورَ فِي الْحُكْمِ بِالْخِزَانَةِ الْمُقْفَلَةِ فِي تَحْرِيمِ تَنَاوُلِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ خَزْنِ الطَّعَامِ، وَاحْتِكَارِهِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، خِلَافًا لِغُلَاةِ الْمُتَزَهِّدَةِ الْمَانِعِينَ مِنَ الِادِّخَارِ مُطْلَقًا، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَنَّ اللَّبَنَ يُسَمَّى طَعَامًا، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللُّقَطَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْقَضَاءِ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ نَافِعٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ رَعَى غَنَمًا قِيلَ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَنَا

ــ

١٨١٢ - ١٧٦٦ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ) مِمَّا صَحَّ مَوْصُولًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ رَعَى غَنَمًا» ) ، اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي إِلْهَامِهِمْ رَعْيِهَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ لِيَحْصُلَ لَهُمُ التَّمَرُّنُ بِرَعْيِهَا عَلَى مَا يُكَلَّفُونَ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ بِأَمْرِ أُمَّتِهِمْ، وَلِأَنَّ فِي مُخَالَطَتِهَا زِيَادَةُ الْحِلْمِ وَالشَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى مَشَقَّةِ الرَّعْيِ، وَدَفَعُوا عَنْهَا السِّبَاعَ الضَّارِيَةَ، وَالْأَيْدِي الْخَاطِفَةَ، وَعَلِمُوا اخْتِلَافَ طِبَاعِهَا وَتَفَاوُتَ إِدْرَاكِهَا، وَعَرَفُوا ضَعْفَهَا وَاحْتِيَاجَهَا إِلَى النَّقْلِ مِنْ مَرْعًى إِلَى مَرْعًى، وَمِنْ مَسْرَحٍ إِلَى مَرَاحٍ، رَفَقُوا بِضَعِيفِهَا وَأَحْسَنُوا تَعَاهُدَهَا، فَهُوَ تَوْطِئَةٌ لِتَعْرِيفِهِمْ سِيَاسَةَ أُمَمِهِمْ، وَلِمَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ - وَخَصَّ الْغَنَمَ؛ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ مِنْ غَيْرِهَا.

(قِيلَ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَأَنَا) رَعَيْتُهَا.

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: وَأَنَا كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ» "، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: " «كُنْتُ أَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ» "، قَالَ سُوَيْدٌ شَيْخُ ابْنِ مَاجَهْ: يَعْنِي كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ يَعْنِي الْقِيرَاطَ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ.

وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ: قَرَارِيطُ اسْمُ مَوْضِعٍ بِمَكَّةَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَابْنُ نَاصِرٍ، وَأَيَّدَهُ مُغْلَطَايَ بِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الْقِيرَاطَ، قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَعْرِفُ بِهَا مَكَانًا يُقَالُ

لَهُ الْقَرَارِيطُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ الْقَرَارِيطَ الَّذِي هُوَ مِنَ النَّقْدِ، وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الصَّحِيحِ: " «تَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ» "، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ لَهَا أَنْ يَكُونَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَفِي ذِكْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَشْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ مَا فِيهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالتَّصْرِيحِ بِمِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ.

[الْحِجَامَةِ وَأُجْرَةِ الْحَجَّامِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ، وَأُجْرَةِ الْحَجَّامِ

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ»

ــ

١٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ، وَأُجْرَةِ الْحَجَّامِ

١٨٢١ - ١٧٧٤ - (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ) الْخُزَاعِيِّ الْبَصْرِيِّ، (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ قَالَ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» -) مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ، وَلِأَحْمَدَ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ، فَيَمْكُثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَا يَخْرُجُ، وَكَانَ يَحْتَجِمُ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ لِاخْتِلَافِ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا.

وَلِابْنِ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: «الْحِجَامَةُ فِي الرَّأْسِ تَنْفَعُ مِنَ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالنُّعَاسِ، وَالصُّدَاعِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ وَالْعَيْنِ» وَقَدْ زَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ» وَلِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: " «خَيْرُ الدَّوَاءِ الْحِجَامَةُ، وَالْفَصْدُ» "، لَكِنَّ فِي سَنَدِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ كَذَّبَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: " «لَا يَبْلُغُ الرَّجُلُ أَرْبَعِينَ سَنَّةً، ثُمَّ يَحْتَجِمُ» قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ فِي انْتِقَاصٍ مِنْ عُمْرِهِ، وَانْحِلَالٍ مَنْ قُوَاهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَهُ وَهَنًا بِإِخْرَاجِ الدَّمِ.

قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَاجَتُهُ إِلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدَّهُ أَيْ: لِاحْتِجَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَاخِرِ عُمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَادَهُ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ.

(حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ) ، بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُوَحِّدَةِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، وَاسْمُهُ نَافِعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَابْنِ السَّكَنِ عَنْ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّهُ كَانَ لَهُ غُلَامٌ حَجَّامٌ يُقَالُ لَهُ: نَافِعٌ أَبُو طَيْبَةَ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُهُ عَنْ خَرَاجِهِ» ، الْحَدِيثَ.

وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ اسْمَهُ دِينَارٌ، وَوَهَمُوهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دِينَارَ الْحَجَّامَ تَابِعِيٌّ يَرْوِي عَنْ أَبِي طَيْبَةَ، لَا أَنَّهُ أَبُو طَيْبَةَ نَفْسُهُ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ الْحَجَّامِ «عَنْ أَبِي طَيْبَةَ قَالَ: " حَجَمْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» - الْحَدِيثَ.

وَذَكَرَ الْبَغْوَيُّ فِي الصَّحَابَةِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنَّ اسْمَ أَبِي طَيْبَةَ مَيْسَرَةُ، وَقَالَ الْعَسْكَرِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: " «خَرَجَ عَلَيْنَا أَبُو طَيْبَةَ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، فَقُلْنَا لَهُ: أَيْنَ كُنْتَ؟ قَالَ: حَجَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ) » ، وَلِابْنِ السَّكَنِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «كُنَّا جُلُوسًا بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا أَبُو طَيْبَةَ بِشَيْءٍ يَحْمِلُهُ فِي ثَوْبِهِ، فَقُلْنَا لَهُ: مَا هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: حَجَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَانِي أَجْرِي» "، (وَأَمَرَ أَهْلَهُ) ، أَيْ: سَيِّدَهُ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَمَرَ مَوَالِيَهُ بِالْجَمْعِ مَجَازًا، (أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ) - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - مَا يُقَرِّرُهُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ شَهْرٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَكَانَ خَرَاجُهُ ثَلَاثَةَ آصُعٍ، فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا، كَمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ جَوَازُ الْحِجَامَةِ، وَأَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

" «احْتَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ» "، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهْ، وَالْكَرَاهَةُ إِنَّمَا هِيَ لِلْحَجَّامِ، لَا لِلْمُسْتَعْمِلِ لِضَرُورَتِهِ إِلَى الْحِجَامَةِ، وَعَدَمِ ضَرُورَةِ الْحَجَّامِ، وَلَوْ تَوَاطَأَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِهِ لَأَضَرَّ بِهِمْ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْأَجِيرِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ أُجْرَةٍ، وَإِعْطَاءِ قَدْرِهَا وَأَكْثَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَدْرَهَا كَانَ مَعْلُومًا، فَوَقَعَ الْعَمَلُ عَلَى الْعَادَةِ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَيْعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عِنْدَهُ فِي الْإِجَارَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عِنْدَهُ فِي الطِّبِّ الثَّلَاثَةُ عَنْ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ زِيَادَةٌ قَدْ عُلِمَتْ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنْ كَانَ دَوَاءٌ يَبْلُغُ الدَّاءَ فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ

ــ

١٨٢١ - ١٧٧٥ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ) مِمَّا صَحَّ بِمَعْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: « (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنْ كَانَ دَوَاءً) مُفْرَدُ أَدْوِيَةٍ: مَا يُتَدَاوَى بِهِ (يَبْلُغُ الدَّاءَ) : الْمَرَضَ

(فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تُبْلُغُهُ) » ، تَصِلُ إِلَيْهِ، أَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ الْمُؤْذِنِ بِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْخَبَرِ إِيذَانًا بِتَحْقِيقِهِ لِلسَّامِعِينَ، أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ تَحَقَّقْتُمْ أَنَّ مِنَ الدَّوَاءِ مَا يَبْلُغُ الدَّاءَ، فَتَحَقَّقُوا أَنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» "، فَجَزَمَ بِأَنَّ فِي الْحَجْمِ الشِّفَاءَ، أَوِ الشَّرْطُ عَلَى حَقِيقَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ، فَلَمَّا عَلِمَ جَزَمَ نَظِيرَ مَا مَرَّ.

[فِي الْمَشْرِقِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»

ــ

١١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ

بِكَسْرِ الرَّاءِ فِي الْأَكْثَرِ، وَبِفَتْحِهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنَّهُ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ جِهَةَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ مَشْرِقِيٌّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا.

١٨٢٤ - ١٧٧٧ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ» ) ، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ "، وَفِي التِّرْمِذِيِّ: " قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ "، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ: " قَامَ عِنْدَ بَابِ حَفْصَةَ "، وَفِي لَفْظٍ: " عِنْدَ بَابِ عَائِشَةَ "، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنْ بَابِ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ، وَبَابَاهُمَا مُتَقَارِبَانِ، فَأَشَارَ وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَهُمَا، فَعَبَّرَ عَنْهُ تَارَةً بِبَابِ حَفْصَةَ، وَأُخْرَى بِبَابِ عَائِشَةَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ، فَأَشَارَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ فَأَشَارَ، فَإِنْ سَاغَ هَذَا، وَإِلَّا فَيُطْلَبُ جَمْعٌ غَيْرُهُ، وَلَا يُجْمَعُ بِتَعَدُّدِ الْقِصَّةِ لِاتِّحَادِ الْمُخْرِجِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ.

(وَيَقُولُ) : زَادَ فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ "، (هَا) بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ حَرْفُ تَنْبِيهٍ، (إِنَّ الْفِتْنَةَ) - بِكَسْرِ الْفَاءِ -: الْمِحْنَةُ، وَالْعِقَابُ، وَالشِّدَّةُ، وَكُلُّ مَكْرُوهٍ، وَآيِلٍ إِلَيْهِ كَالْكُفْرِ، وَالْإِثْمِ وَالْفَضِيحَةِ وَالْفُجُورِ وَالْمُصِيبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ اللَّهِ فَهُنَّ عَلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ، فَمَذْمُومَةٌ، فَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الْإِنْسَانَ بِإِيقَاعِ الْفِتْنَةِ كَقَوْلِهِ: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: ١٩١] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٩١) ، {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج: ١٠] (سورة الْبُرُوجِ: الْآيَةُ ١٠) ، الْآيَةَ

(هَاهُنَا إِنَّ الْفِتْنَةَ) زَادَ الْقَعْنَبِيُّ: هَاهُنَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ بِالتَّكْرَارِ مَرَّتَيْنِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا مَرَّةً وَاحِدَةً» .

(مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ) - بِضَمِّ اللَّامِ - (قَرْنُ الشَّيْطَانِ) بِالْإِفْرَادِ، أَيْ: حِزْبُهُ وَأَهْلُ وَقْتِهِ وَزَمَانِهِ وَأَعْوَانُهُ، وَنَسَبَ الطُّلُوعَ لِقَرْنِهِ مَعَ أَنَّ الطُّلُوعَ لِلشَّمْسِ لِكَوْنِهِ مُقَارِنًا لَهَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ، وَكَذَا سَالِمٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ بِالشَّكِّ قَرْنُ الشَّيْطَانِ، أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ سَالِمٍ: " «مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ» "، بِالتَّثْنِيَةِ وَبِدُونِ شَكٍّ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ لَهُ قَرْنَيْنِ حَقِيقَةً، وَقِيلَ: هُمَا جَانِبَا رَأْسِهِ أَنَّهُ يَقْرِنُ رَأْسَهُ

بِالشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا لِيَقَعَ سَجْدَةُ عَبَدَتِهَا لَهُ، وَقِيلَ: هُوَ مَثْلٌ أَيْ: حِينَئِذٍ يَتَحَرَّكُ الشَّيْطَانُ، وَيَتَسَلَّطُ، أَوْ قَرْنُهُ أَهْلُ حِزْبِهِ، وَإِنَّمَا أَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَشْرِقِ؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ يَوْمَئِذٍ أَهْلُ كُفْرٍ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْفِتْنَةَ تَكُونُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَكَذَا وَقَعَ، فَكَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ، وَصَفِّينَ، ثُمَّ ظُهُورُ الْحَجَّاجِ فِي نَجْدٍ وَالْعِرَاقِ وَمَا وَرَاءَهَا مِنَ الْمَشْرِقِ، وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ ابْنِ دِينَارٍ نَافِعٌ، وَسَالِمٌ، عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ نَحْوُهُ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ فَقَالَ لَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ لَا تَخْرُجْ إِلَيْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ بِهَا تِسْعَةَ أَعْشَارِ السِّحْرِ وَبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ وَبِهَا الدَّاءُ الْعُضَالُ

ــ

١٨٢٤ - ١٧٧٨ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ) - بِكَسْرِ الْعَيْنِ - قَالَ الْمَجَرُ: بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ عَبَادَانِ إِلَى الْمَوْصِلِ طُولًا، وَمِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا، وَتُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، وَسَمَّيَتْ بِهَا لِتَوَاشُجِ عِرَاقِ النَّخْلِ، وَالشَّجَرِ فِيهَا، أَوْ لِأَنَّهُ اسْتَكَفَّ أَرْضَ الْعَرَبِ، أَوْ سُمِّيَ بِعِرَاقِ الْمَزَادَةِ لِجِلْدَةٍ تُجْعَلُ عَلَى مُلْتَقَى طَرَفَيِ الْجِلْدِ إِذَا خُرِزَ فِي أَسْفَلِهَا؛ لِأَنَّ الْعِرَاقَ بَيْنَ الرِّيفِ وَالْبَرِّ، أَوْ لِأَنَّهُ عَلَى عِرَاقِ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، أَيْ: شَاطِئِهِمَا، أَوْ مُعَرَّبَةٌ إِيرَانُ شَهْرٍ، وَمَعْنَاهُ: كَثِيرَةُ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ.

(فَقَالَ لَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا تَخْرُجْ إِلَيْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ بِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ السِّحْرِ) ، وَبَابِلُ مِنْ جُمْلَةِ بِلَادِهَا، (وَبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ، وَبِهَا الدَّاءُ الْعُضَالُ) ، بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ هُوَ الَّذِي يَعْنِي الْأَطِبَّاءَ أَمْرُهُ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ؛ لِأَنَّ كَعْبًا حَبْرَهَا.

[الْأَمْرِ بِالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ]

حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ

ــ

١٦ - بَابُ الْأَمْرِ بِالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ

١٨٣٨ - ١٧٨٩ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمَمْلُوكِ) الرَّقِيقِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، (طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ) اللَّامُ لِلْمِلْكِ، أَيْ: طَعَامُ الْمَمْلُوكِ وَكُسْوَتُهُ حَقٌّ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ، فَقَدَّمَ الْخَبَرَ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ، إِذِ الْمَقَامُ بِصَدَدِ تَمْلِيكِهِ مَا ذَكَرَ (بِالْمَعْرُوفِ) ، أَيْ: بِلَا إِسْرَافٍ، وَلَا تَقْتِيرٍ عَلَى اللَّائِقِ بِأَمْثَالِهِ، قَالَ الْحَافِظُ: مُقْتَضَاهُ الرَّدُّ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا، فَالْوَاجِبُ مُطْلَقُ الْمُوَاسَاةِ لَا الْمُوَاسَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَمَنْ أَخَذَ بِالْأَكْمَلِ فَعَلَ الْأَفْضَلَ مِنْ عَدَمِ اسْتِئْثَارِهِ عَلَى عَيَّالِهِ، وَإِنْ جَازَ.

(وَلَا يُكَلَّفُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ) الدَّوَامَ عَلَيْهِ، أَيْ: لَا يُكَلِّفُهُ إِلَّا جِنْسُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالنَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْمَمَالِيكِ، وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَأُلْحِقَ بِهِمْ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَجِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْعَوَالِي كُلَّ يَوْمِ سَبْتٍ فَإِذَا وَجَدَ عَبْدًا فِي عَمَلٍ لَا يُطِيقُهُ وَضَعَ عَنْهُ مِنْهُ

ــ

١٨٣٨ - ١٧٩٠ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْعَوَالِي) : الْقُرَى الْمُجْتَمِعَةُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةٍ نَجْدِهَا، وَمِنْ جُمْلَتِهَا قِبَاءُ، (كُلَّ يَوْمِ سَبْتٍ) اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى قِبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا، وَمَاشِيًا، (فَإِذَا وَجَدَ عَبَدَا فِي عَمَلٍ لَا يُطِيقُهُ) عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ إِلَّا بِمَزِيدِ مَشَقَّةٍ، (وَضَعَ عَنْهُ مِنْهُ) ، أَيْ: نَقَصَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا لَا يُطَاقُ أَصْلًا لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ لَا تُكَلِّفُوا الْأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا وَلَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ وَعِفُّوا إِذْ أَعَفَّكُمْ اللَّهُ وَعَلَيْكُمْ مِنْ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا

ــ

١٨٣٨ - ١٧٩١ - (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ) - بِضَمِّ السِّينِ - نَافِعٍ (بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ) مَالِكِ بْنِ أَبِي

عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ: (أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) - أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - (وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: لَا تُكَلِّفُوا الْأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ، فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا) ، أَيْ: زَنَتْ فَتَدْخُلُوا فِي آيَةِ: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [النور: ٣٣] (سورة النُّورِ: الْآيَةُ ٣٣) ، (وَلَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ) ، لِعَجْزِهِ عَنِ الْكَسْبِ، وَقَدْ كَلَّفْتُمُوهُ بِهِ، (وَعِفُّوا) - بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَشَدِّ الْفَاءِ الْمَضْمُومَةِ - أَمْرٌ مَنْ عَفَّ يَعِفُّ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، أَيْ: تَنَزَّهُوا، وَاسْتَغْنُوا عَنْ تَكْلِيفِ الْأَمَةِ، وَالصَّغِيرِ الْمَذْكُورَيْنِ (إِذَا) (أَعَفَّكُمُ اللَّهُ) : أَغْنَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ بِمَا فَتَحَهُ عَلَيْكُمْ، وَوَسَّعَهُ فِي الرِّزْقِ، (وَعَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا) ، أَيْ: حَلَّ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِذَلِكَ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ.

[فِي الْمَمْلُوكِ وَهِبَتِهِ]

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَمْلُوكِ وَهِبَتِهِ

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعَبْدُ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ»

ــ

١٨٣٩ - ١٧٩٢ ١٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَمْلُوكِ وَهِبَتِهِ

- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْعَبْدُ) ، أَيِ: الرَّقِيقُ (إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ) بِزِيَادَةِ اللَّامِ لِلْمُبَالَغَةِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَيْ: قَامَ بِمَصَالِحِهِ عَلَى وَجْهِ الْخُلُوصِ، وَامْتَثَلَ أَمْرَهُ، وَتَجَنَّبَ نَهْيَهُ.

وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: " «الْعَبْدُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ، لَهُ أَجْرَانِ» "، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مَعْنَاهَا حِيَازَةُ الْحَظِّ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ، وَهُوَ إِرَادَةُ صَلَاحِ حَالِهِ، وَتَخْلِيصِهِ مِنَ الْخَلَلِ، وَتَصْفِيَتِهِ مِنَ الْغِشِّ.

(وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ) الْمُتَوَجِّهَةُ عَلَيْهِ بِأَنْ أَقَامَهَا بِشُرُوطِهَا، وَوَاجِبَاتِهَا، وَمَا يُمْكِنُهُ مِنْ مَنْدُوبَاتِهَا بِأَنْ لَمْ يُفَوِّتْ حَقَّ سَيِّدِهِ، (فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ) لِقِيَامِهِ بِالْحَقَّيْنِ، وَانْكِسَارِهِ بِالرِّقِّ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَيْسَ الْأَجْرَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ أَوْجَبُ مِنْ طَاعَةِ الْمَخْلُوقِ، وَرَدَّهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ طَاعَةَ الْمَخْلُوقِ هُنَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، انْتَهَى.

وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ الْبَاجِيِّ: أَيْ: لَهُ أَجْرُ أَجْرِ عَامِلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَعَامِلٌ بِطَاعَةِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ وَاجِبَانِ

طَاعَةُ رَبِّهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَطَاعَةُ سَيِّدِهِ فِي الْمَعْرُوفِ، فَقَامَ بِهِمَا جَمِيعًا كَانَ لَهُ ضِعْفَا أَجْرِ الْمُطِيعِ بِطَاعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَفُضِّلَ عَلَيْهِ بِطَاعَةِ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ.

قَالَ: وَمِنْ هُنَا أَقُولُ: إِنَّ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ فَأَدَّاهُمَا أَفْضَلَ مِمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا فَرْضٌ وَاحِدٌ فَأَدَّاهُ، كَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ وَزَكَاةٌ، فَقَامَ بِهِمَا، فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَقَطْ، وَبِمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ فُرُوضٌ فَلَمْ يُؤَدِّ مِنْهَا شَيْئًا، كَانَ عِصْيَانُهُ أَكْبَرَ مِنْ عِصْيَانِ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْضُهَا، انْتَهَى، مُلَخَّصًا.

قَالَ الْحَافِظُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَزِيدَ الْفَضْلِ لِلْعَبْدِ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَتَيْنِ، لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ مَشَقَّةِ الرِّقِّ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ التَّضْعِيفُ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ جِهَةِ الْعَبْدِ لَمْ يَخْتَصَّ الْعَبْدُ بِذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ يُضَاعَفُ لَهُ، وَقِيلَ: سَبَبُ التَّضْعِيفِ أَنَّهُ ازْدَادَ لِسَيِّدِهِ نُصْحًا، وَفِي عِبَادَةِ اللَّهِ إِحْسَانًا، فَكَانَ لَهُ أَجْرُ الْوَاجِبَيْنِ، وَأَجْرُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا، قَالَ: وَالظَّاهِرُ خِلَافُ هَذَا وَأَنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ، لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْجُورٍ عَلَى الْعُبُودِيَّةِ، وَمَا ادَّعَى أَنَّهُ الظَّاهِرُ لَا يُنَافِي مَا نَقَلَهُ قَبْلَهُ، فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنَّ أَجْرَ الْمَمَالِيكِ ضِعْفُ أَجْرِ السَّادَاتِ، أَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ: بِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، أَوْ يَكُونُ أَجْرُهُ مُضَاعَفًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ جِهَاتٌ أُخَرُ يَسْتَحِقُّ بِهَا أَضْعَافَ أَجْرِ الْعَبْدِ، أَوِ الْمُرَادُ تَرْجِيحُ الْعَبْدِ الْمُؤَدِّي لِلْحَقَّيْنِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُؤَدِّي لِأَحَدِهِمَا، قَالَ الْحَافِظُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَضْعِيفُ الْأَجْرِ مُخْتَصًّا بِالْعَمَلِ الَّذِي يَتَّحِدُ فِيهِ طَاعَةُ اللَّهِ، وَطَاعَةُ السَّيِّدِ فَيَعْمَلُ عَمَلًا وَاحِدًا، وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ أَجْرَيْنِ بِالْاعْتَبَارَيْنِ.

وَأَمَّا الْعَمَلُ الْمُخْتَلِفُ الْجِهَةِ، فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِتَضْعِيفِ الْأَجْرِ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَحْرَارِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا جِهَادَ عَلَيْهِ، وَلَا حَجَّ فِي حَالِ الْعُبُودِيَّةِ، وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ السَّيِّدِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ نَحْوُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» "، وَحَدِيثِ: " «سَيِّدُكُمْ عَمْرُو بْنُ الْجُمُوحِ» "، وَفِي أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ النَّهْيُ عَنْ إِطْلَاقِ السَّيِّدِ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ الْمَالِكِ، وَالْإِذْنِ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَأْخُذُ بِهَذَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُخَاطِبَهُ أَحَدٌ، أَوْ يَكْتُبَ لَفْظَ سَيِّدٍ، وَيَتَأَكَّدَ إِذَا كَانَ الْمُخَاطِبُ غَيْرَ تَقِيٍّ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَمُسْلِمٌ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ جَمَعَ مِنْهَا الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ نَظَمَهَا فِي قَوْلِهِ:

وَجَمْعٌ أَتَى فِيمَا رَوَيْنَاهُ أَنَّهُمْ ... يُثْنَّى لَهُمْ أَجْرٌ حَوَوْهُ مُحَقَّقَا

فَأَزْوَاجُ خَيْرِ الْخَلْقِ أَوَّلُهُمْ وَمَنْ ... عَلَى زَوْجِهَا أَوْ لِلْقَرِيبِ تَصَدَّقَا

وَقَارٍ بِجُهْدٍ وَاجْتِهَادٍ أَصَابَ وَالْـ ... وُضُوءُ اثْنَتَيْنِ وَالْكِتَابِيُّ صَدَّقَا

وَعَبْدٌ أَتَى حَقَّ الْإِلَهِ وَسَيِّدٍ وَعَابِرٌ ... يُسَرُّ مَعَ غَنِيِّ لَهُ تُقَى

وَمَنْ أَمَةً يَشْرِي فَأَدَّبَ مُحْسِنًا

وَيَنْكِحُهَا مِنْ بَعْدِهِ حِينَ أَعْتَقَا ... وَمَنْ سَنَّ خَيْرًا أَوْ أَعَادَ صَلَاتَهُ

كَذَاكَ جَبَانٌ إِذْ يُجَاهِدُ ذَا شَقَا ... كَذَاكَ شَهِيدٌ فِي الْبِحَارِ وَمَنْ أَتَى

لَهُ الْقَتْلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأُلْحِقَا ... وَطَالِبُ عِلْمٍ مُدْرَكٌ ثُمَّ مُسْبِغٌ

وَضَوْءًا لَدَى الْبَرْدِ الشَّدِيدِ مُحَقِّقَا ... وَمُسْتَمِعٌ فِي خُطْبَةٍ قَدْ دَنَا وَمَنْ

بِتَأْخِيرِ صَفٍّ أَوْ لِمُسْلِمٍ وَقَا ... وَحَافِظُ عَصْرٍ مَعْ إِمَامٍ مُؤَذِّنٍ

وَمَنْ كَانَ فِي وَقْتِ الْفَسَادِ مُوَفَّقَا ... وَعَامِلُ خَيْرٍ مُخْفِيًا ثُمَّ إِنْ بَدَا يُرَى

فَرِحًا مُسْتَبْشِرًا بِالَّذِي ارْتَقَى ... وَمُغْتَسِلٌ فِي جُمُعَةٍ عَنْ جَنَابَةٍ

وَمِنْ فِيهِ حَقًّا قَدْ غَدًا مُتَصَدِّقَا ... وَمَاشٍ يُصَلِّي جُمُعَةً ثُمَّ مَنْ أَتَى

بِذَا الْيَوْمِ خَيْرًا مَا فَضِعْفُهُ مُطْلَقَا ... وَمَنْ حَتْفُهُ قَدْ جَاءَ مِنْ سِلَاحِهِ

وَنَازِعُ نَعْلٍ إِنْ لِخَيْرٍ تَسَبَّقَا ... وَمَاشٍ لَدَى تَشْيِيعِ مَيْتٍ وَغَاسِلٍ

بَدَا بَعْدًا كَلٍّ وَالْمُجَاهِدُ حَقَّقَا ... وَمُتَّبِعٌ مَيْتًا حَيَاءً مِنَ اهْلِهِ

وَمُسْتَمِعُ الْقُرْآنِ فِيمَا رَوَى الثِّقَا ... وَفِي مُصْحَفٍ يَقْرَا وَقَارِيهِ مُعْرِبًا

بِتَفْهِيمِ مَعْنَاهُ الشَّرِيفِ مُحَقِّقَا

وَذَيَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةٍ:

إِمَامٌ مُطِيعٌ يَا لَهَا مِنْ سَعَادَةٍ ... وَحَجَّةُ حَاجٍّ مِنْ عُمَانَ فَأَلْحَقَا

وَمِنْ أَمَةٍ تُشْتَرَى أَوْ يُشْرَطُ لَهَا ... فَلَا هِبَةَ لَا بَيْعَ لَا مَهْرَ مُطْلَقَا

وَهِيَ حُرَّةٌ إِنْ مِتَّ صَلَّى إِلَهُنَا ... عَلَى الْمُصْطَفَى الْمَبْعُوثِ بِالْحَقِّ وَالتُّقَا

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَمَةً كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ فَقَالَ أَلَمْ أَرَ جَارِيَةَ أَخِيكِ تَجُوسُ النَّاسَ وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ

ــ

١٨٣٩ - ١٧٩٣ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَمَةً كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ) - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - (فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ جَارِيَةَ أَخِيكِ تَجُوسُ النَّاسَ) - بِالْجِيمِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - أَيْ: تَتَخَطَّاهُمْ، وَتَخْتَلِفُ عَلَيْهِمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كُلُّ مَوْضِعٍ خَالَطَتْهُ، وَوَطَأَتْهُ فَقَدْ جَسَتْهُ وَحَسَتْهُ؛ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ، (وَأَنَّهَا قَدْ تَهَيَّأَتْ) : تَمَثَّلَتْ وَتَصَوَّرَتْ (بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُرَّةِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.2 / 29.5
الإضاءة 87%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا إله إلا الله