الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٢١٦٠
الحديث رقم ٢١٦٠ من كتاب «كتاب الجامع» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في تحريم المدينة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٣ - وحَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عنْ رَجُلٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَنَا بِالْأَسْوَافِ، قَدِ اصْطَدْتُ نُهَسًا، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِي فَأَرْسَلَهُ "
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[مَا جَاءَ فِي وَبَاءِ الْمَدِينَةِ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَتْ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجِنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَتْ عَائِشَةُ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ» قَالَ مَالِكٌ وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَقُولُ
قَدْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ ... إِنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
ــ
٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي وَبَاءِ الْمَدِينَةِ
١٦٤٨ - ١٦٠١ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ) فِي الْهِجْرَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ، وَنَحْوُهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامٍ، وَزَادَ: قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ وَبَاؤُهَا مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ الْإِنْسَانُ إِذَا دَخَلَهَا وَأَرَادَ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ وَبَائِهَا قِيلَ انْهَقْ كَمَا يَنْهَقُ الْحِمَارُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
لَعَمْرِي لَئِنْ غَنَّيْتُ مِنْ خِيفَةِ الرَّدَى ... نَهِيقَ الْحِمَارِ إِنَّنِي لَمُرَوَّعُ
قَالَ عِيَاضٌ: قُدُومُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوَبَاءِ مَعَ صِحَّةِ نَهْيِهِ عَنْهُ لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَوْتِ الذَّرِيعِ وَالطَّاعُونِ وَالَّذِي بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا كَانَ وَخْمًا يَمْرَضُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْغُرَبَاءِ، أَوْ أَنَّ قُدُومَهُ الْمَدِينَةَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ لِأَنَّ النَّهْيَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ (وُعِكَ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، أَيْ: حُمَّ (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيقُ (وَبِلَالٌ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (قَالَتْ) عَائِشَةُ (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا) لَأَعُودَهُمَا، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ وَابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا: " «لَمَّا قَدِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ أَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْهَا بَلَاءٌ وَسَقَمٌ وَصَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ وَأَصَابَتْ أَبَا بَكْرٍ وَبِلَالًا وَعَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِيَادَتِهِمْ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ» " (فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ: تَجِدُّ نَفْسَكَ أَوْ جِسْمَكَ (وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَيَا عَامِرُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ (قَالَتْ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ، أَيْ: مُصَابٌ بِالْمَوْتِ صَبَاحًا أَوْ يُسْقَى الصَّبُوحَ وَهُوَ شُرْبُ الْغَدَاةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ يُقَالُ لَهُ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ، وَهُوَ مُنَعَّمٌ (فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى) أَقْرَبُ إِلَيْهِ (مِنْ شِرَاكِ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَخِفَّةِ الرَّاءِ سَيْرِ (نَعْلِهِ) الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ
الْمَوْتَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ لِرِجْلِهِ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: " فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ إِنَّ أَبِي لَيَهْذِي وَمَا يَدْرِي مَا يَقُولُ " وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ أَنَّ هَذَا الرَّجَزَ لِحَنْظَلَةَ بْنِ سَيَّارٍ، قَالَهُ يَوْمَ ذِي قَارٍ وَتَمَثَّلَ بِهِ الصِّدِّيقُ.
(وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ وَفِي رِوَايَةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ: كُفَّ وَزَالَ (عَنْهُ) الْوَعْكُ (يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُوْلَةٍ، أَيْ: صَوْتَهُ بِبُكَاءٍ أَوْ بِغِنَاءٍ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَصْلُهُ أَنَّ رَجُلًا انْعَقَرَتْ رِجْلُهُ فَرَفَعَهَا عَلَى الْأُخْرَى وَجَعَلَ يَصِيحُ فَصَارَ كُلُّ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ يُقَالُ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ رِجْلَهُ، قَالَ ثَعْلَبٌ: وَهَذَا مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ عَلَى غَيْرِ أَصْلِهَا (فَيَقُولُ أَلَا) بِخِفَّةِ اللَّامِ أَدَاةُ اسْتِفْتَاحٍ (لَيْتَ شِعْرِي) أَيْ: مَشْعُورِي، أَيْ: لَيْتَنِي عَلِمْتُ بِجَوَابِ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلِي (هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادِي) أَيْ: وَادِ مَكَّةَ (وَحَوْلِي إِذْخِرٌ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ حَشِيشُ مَكَّةَ ذُو الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ (وَجَلِيلُ) بِجِيمٍ وَكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى نَبْتٌ ضَعِيفٌ يُحْشَى بِهِ الْبُيُوتُ وَغَيْرُهَا وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ نَبْتَانِ مِنَ الْكَلَأِ طَيِّبَا الرَّائِحَةِ يَكُونَانِ بِمَكَّةَ وَأَوْدِيَتِهَا لَا يَكَادُ أَنْ يُوجَدَانِ فِي غَيْرِهَا.
(وَهَلْ أَرِدَنْ) بِنُونِ التَّوْكِيدِ الْخَفِيفَةِ (يَوْمًا مِيَاهَ) بِالْهَاءِ (مَجِنَّةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِكَسْرِ الْجِيمِ مَوْضِعٌ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ كَانَ بِهِ سُوقٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
(وَهَلْ يَبْدُوَنْ) بِنُونِ تَأْكِيدٍ خَفِيفَةٍ يَظْهَرَنْ (لِي شَامَةٌ) بِمُعْجَمَةٍ وَمِيمٍ مُخَفَّفًا، وَزَعَمَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّ الْمِيمَ تَصْحِيفٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالصَّوَابُ شَابَةٌ بِالْبَاءِ، وَبِالْمِيمِ وَقَعَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ جَمِيعِهَا كَذَا قَالَ، وَأَشَارَ الْحَافِظُ لِرَدِّهِ فَقَالَ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ الْمِيمِ، وَالْمَعْرُوفُ بِالْمِيمِ (وَطَفِيلُ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ جَبَلَانِ بِقُرْبِ مَكَّةَ عَلَى نَحْوِ ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْهَا كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: جَبَلَانِ مُشْرِفَانِ عَلَى مَجِنَّةَ عَلَى بَرِيدَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كُنْتُ أَحْسَبُهُمَا جَبَلَيْنِ حَتَّى مَرَرْتُ بِهِمَا وَوَقَفْتُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا هُمَا عَيْنَانِ مِنْ مَاءٍ، وَقَوَّاهُ السُّهَيْلِيُّ بِقَوْلِ كَثِيرٍ:
وَمَا أَنْسَ مَشْيًا وَلَا أَنْسَ مَوْقِفًا ... لَنَا وَلَهَا بِالْخَبِّ حُبٌّ طَفِيلُ
الْخَبُّ مُنْخَفَضُ الْأَرْضِ انْتَهَى، أَيْ: بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتُكْسَرُ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَجُمِعَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْعَيْنَيْنِ بِقُرْبِ الْجَبَلَيْنِ أَوْ فِيهِمَا وَيُبْعِدُ الثَّانِي كَلَامَ الْخَطَّابِيِّ، قِيلَ: الْبَيْتَانِ لَيْسَا لِبِلَالٍ بَلْ لِبَكْرِ بْنِ غَالِبٍ الْجُرْهُمِيِّ أَنْشَدَهُمَا لَمَّا نَفَتْهُمْ خُزَاعَةُ مِنْ مَكَّةَ فَتَمَثَّلَ بِهِمَا بِلَالٌ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ بِهِ ثُمَّ يَقُولُ بِلَالٌ: اللَّهُمَّ الْعَنْ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ
وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ.
(قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ) بِشَأْنِهِمَا وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَهْذُونَ وَمَا يَعْقِلُونَ مِنْ شِدَّةِ الْحُمَّى فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ (فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ) مِنْ حُبِّنَا لِمَكَّةَ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، فَكَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَكَانَ يُحَرِّكُ دَابَّتَهُ إِذَا رَأَى الْمَدِينَةَ مِنْ حُبِّهَا (وَصَحِّحْهَا) مِنَ الْوَبَاءِ (وَبَارِكْ) أَنْمِ وَزِدْ (لَنَا فِي صَاعِهَا) كَيْلٌ يَسَعُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ (وَمُدِّهَا) وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَطَيَّبَ هَوَاءَهَا وَتُرَابَهَا وَمَسَاكِنَهَا وَالْعَيْشَ بِهَا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: مَنْ أَقَامَ بِهَا يَجِدُ مِنْ تُرَابِهَا وَحِيطَانِهَا رَائِحَةً طَيِّبَةً لَا تَكَادُ تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ تَكَرَّرُ دُعَاؤُهُ بِتَحْبِيبِهَا وَالْبَرَكَةِ فِي ثِمَارِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِجَابَةَ حَصَلَتْ بِالْأَوَّلِ وَالتَّكْرِيرُ لِطَلَبِ الْمَزِيدِ فِيهَا مِنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْكَيْلِ بِحَيْثُ يَكْفِي الْمُدُّ بِهَا مَا لَا يَكْفِيهِ بِغَيْرِهَا، وَهَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ لِمَنْ سَكَنَهَا.
(وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ، وَكَانَتْ تُسَمَّى مَهْيَعَةً، وَبِهِ عَبَّرَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالتَّحْتِيَّةِ، بَيْنَهُمَا هَاءٌ سَاكِنَةٌ فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ فَهَاءٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحَكَى عِيَاضٌ كَسْرَ الْهَاءِ وَسُكُونَ الْيَاءِ عَلَى وَزْنِ جَمِيلَةَ، وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ مَسْكَنَ الْيَهُودِ وَلِذَا تَوَجَّهَ دُعَاؤُهُ عَلَيْهِمْ، فَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ بِالْأَمْرَاضِ وَالْهَلَاكِ، وَلِلْمُسْلِمِينَ بِالصِّحَّةِ وَإِظْهَارِ مُعْجَمَةٍ عَجِيبَةٍ فَإِنَّهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ وَبِيَّةٌ لَا يَشْرَبُ أَحَدٌ مِنْ مَائِهَا إِلَّا حُمَّ، وَلَا يَمُرُّ بِهَا طَائِرٌ إِلَّا حُمَّ وَسَقَطَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ كَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَهُ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ مَهْيَعَةَ فَتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا» ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَجَسُّمِ الْأَعْرَاضِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ لِيَحْصُلَ لَهُمُ الطَّمَأْنِينَةُ بِإِخْرَاجِهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: «قَدِمَ إِنْسَانٌ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لَقِيتَ أَحَدًا؟ قَالَ: لَا إِلَّا امْرَأَةً سَوْدَاءَ عُرْيَانَةً، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تِلْكَ الْحُمَّى وَلَنْ تَعُودَ بَعْدَ الْيَوْمِ» .
قَالَ الشَّرِيفُ السَّمْهُورْدِيُّ: وَالْمَوْجُودُ الْآنَ مِنَ الْحُمَّى بِالْمَدِينَةِ لَيْسَ حُمَّى الْوَبَاءِ بَلْ رَحْمَةُ رَبِّنَا وَدَعْوَةُ نَبِيِّنَا لِلتَّكْفِيرِ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ " أَصَحُّ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ حَرَّةَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالْعَرِيضِ " وَهُوَ يُؤْذِنُ بِبَقَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا بِهَا، وَأَنَّ الَّذِي نُقِلَ عَنْهَا أَصْلًا وَرَأْسًا سُلْطَانُهَا وَشِدَّتُهَا وَوَبَاؤُهَا وَكَثْرَتُهَا بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ الْبَاقِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا رُفِعَتْ بِالْكُلِّيَّةِ
ثُمَّ أُعِيدَتْ خَفِيفَةً لِئَلَّا يَفُوتَ ثَوَابُهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " «اسْتَأْذَنَتِ الْحُمَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أُمُّ مِلْدَمٍ فَأَمَرَ بِهَا إِلَى أَهْلِ قِبَاءَ فَبَلَغُوا مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا شِئْتُمْ إِنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللَّهَ لِيَكْشِفَهَا عَنْكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ تَكُونُ لَكُمْ طَهُورًا، قَالُوا: أَوَتَفْعَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَدَعْهَا» " انْتَهَى.
هَذَا وَقَدْ عَارَضَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَدِيثَ الْبَابِ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: " «لَمَّا دَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ حُمَّ أَصْحَابُهُ فَدَخَلَ يَعُودُهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تَجِدُكَ؟» " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ سُفْيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ هُوَ الدَّاخِلُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ وَعَامِرٍ، وَمَالِكٌ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ هِيَ الدَّاخِلَةَ انْتَهَى.
وَلَا مُعَارَضَةَ أَصْلًا لِأَنَّ دُخُولَ أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ دُخُولَ الْآخَرِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَمَّا أَخْبَرَتْهُ بِحَالِهِمْ جَاءَ لِعِيَادَتِهِمْ وَأَجَابُوا كُلًّا مِنْهُمَا بِالْأَشْعَارِ الْمَذْكُورَةِ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ أَيْضًا وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْخُلُ عَلَيْهَا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: " «أَصَابَتِ الْحُمَّى الصَّحَابَةَ حَتَّى جَهِدُوا مَرَضًا وَصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ حَتَّى مَا كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَّا وَهُمْ قُعُودٌ، فَخَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يُصَلُّونَ كَذَلِكَ فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ فَتَجَشَّمُوا الْقِيَامَ، أَيْ: تَكَلَّفُوهُ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الضَّعْفِ وَالسَّقَمِ الْتِمَاسَ الْفَضْلِ» " قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَفِي هَذَا الْخَبَرِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ حَنِينِهِمْ إِلَى مَكَّةَ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنْ حُبِّ الْوَطَنِ وَالْحَنِينِ إِلَيْهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أُصَيْلٍ - أَيْ: بِالتَّصْغِيرِ - الْغِفَارِيِّ، وَيُقَالُ فِيهِ الْهُذَلِيُّ، أَنَّهُ «قَدِمَ مِنْ مَكَّةَ فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ: كَيْفَ تَرَكْتَ مَكَّةَ يَا أُصَيْلُ؟ قَالَ: تَرَكْتُهَا حِينَ ابْيَضَّتْ أَبَاطِحُهَا وَأَحْجَنَ ثُمَامُهَا وَأَعْذَقَ إِذْخِرُهَا وَأَمْشَرَ سَلَمُهَا، فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: تَشَوَّقْنَا يَا أُصَيْلُ» .
وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ: دَعِ الْقُلُوبَ تَقَرُّ، وَقَدْ قَالَ الْأَوَّلُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادِي الْخُزَامَى حَيْثُ رَبَّتْنِي أَهْلِي
بِلَادٍ بِهَا نِيطَتْ عَلَيَّ تَمَائِمِي ... وَقُطِّعْنَ عَنِّي حِينَ أَدْرَكَنِي عَقْلِي
انْتَهَى.
وَهَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ حُبِّبَتِ الْمَدِينَةُ إِلَيْهِمْ بِدُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهَا وَمَحَبَّتِهِ فِيهَا، وَفَضَائِلُهَا جَمَّةٌ كَثِيرَةٌ صَنَّفَهَا النَّاسُ كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ.
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَفِي الْهِجْرَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الطِّبِّ عَنْ قُتَيْبَةَ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ بِنَحْوِهِ وَزِيَادَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَعَبْدَةَ وَابْنِ نُمَيْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، الثَّلَاثَةُ عَنْ هِشَامٍ (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَائِشَةَ) فِيهِ انْقِطَاعٌ لِأَنَّ
يَحْيَى لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ، وَقَدْ زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هِشَامٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، جَمِيعًا عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَقِبَ قَوْلِهَا: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا يَدْرِي أَبِي مَا يَقُولُ ثُمَّ دَنَوْتُ إِلَى عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ فَقُلْتُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا عَامِرُ؟ (قَالَتْ: وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، التَّيْمِيُّ مَوْلَى الصِّدِّيقِ، يُقَالُ أَصْلُهُ مِنَ الْأَزْدِ فَاسْتُرِقَّ وَيُقَالُ أَصْلُهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّاوِي قَدِيمًا فَعُذِّبَ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَافَقَ أَبَا بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَاسْتُشْهِدَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، رَوَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ رَجَزَهُ الَّذِي كَانَ (يَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ) أَيْ: شِدَّةً تُشَابِهُ شِدَّتَهُ (قَبْلَ ذَوْقِهِ) حُلُولِهِ (إِنَّ الْجَبَانَ) أَيْ: ضَعِيفَ الْقَلْبِ (حَتْفُهُ) هَلَاكُهُ (مِنْ فَوْقِهِ) لِجُبْنِهِ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ:
كُلُّ امْرِئٍ مُجَاهِدٍ بِطَوْقِهِ ... كَالثَّوْرِ يَحْمِي أَنْفَهُ بِرَوْقِهِ
وَالطَّوْقُ الطَّاقَةُ، وَالرَّوْقُ الْقَرْنُ، يُضْرَبُ مَثَلًا فِي الْحَثِّ عَلَى حِفْظِ الْحَرِيمِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَيُذْكَرُ أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ لِعَمْرِو بْنِ مَامَةَ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ مَا رَأْيُكَ فِي هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ فَقُلْتُ رَأْيِي أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا عَرَضْتَهُمْ عَلَى السَّيْفِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَذَلِكَ رَأْيِي قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ رَأْيِي
ــ
١٦٦٥ - ١٦١٧ - (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَاسْمُهُ نَافِعٌ (ابْنِ مَالِكٍ)
ابْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ (قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (فَقَالَ: مَا رَأْيُكَ فِي هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ؟ فَقُلْتُ: أَرَى أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ) تَطْلُبَ مِنْهُمُ التَّوْبَةَ عَنِ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ (فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا عَرَضْتَهُمْ عَلَى السَّيْفِ) أَيْ: قَتَلْتَهُمْ بِهِ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَذَلِكَ رَأْيِي) فِيهِمْ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ رَأْيِي) دَفْعًا لِفَسَادِهِمْ وَقَطْعًا لِبِدْعَتِهِمْ لَا لِلْكُفْرِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ إِذَا أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا مَا لِلْعَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ فَانْظُرُوا مَاذَا يَتْبَعُهُ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ
ــ
١٦٧٤ - ١٦٢٤ - (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ) نَافِعٍ (بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ) مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ (عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ) مَوْقُوفًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ لِأَنَّهُ خَبِرَهَا، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( «إِذَا أَحْبَبْتُمْ» ) أَيْ: أَرَدْتُمْ ( «أَنْ تَعْلَمُوا مَا لِلْعَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ» ) مِمَّا قُدِّرَ لَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ (فَانْظُرُوا) أَيْ: تَأَمَّلُوا (مَاذَا يَتْبَعُهُ) أَيِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ (مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمَدِّ، الْوَصْفُ بِمَدْحٍ أَوْ بِهِ وَبِذَمٍّ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَالْمُرَادُ مَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالْخَيْرِ دُونَ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْفِسْقِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ الْعَدُوُّ فَيُتْبِعُهُ بِالذِّكْرِ الْقَبِيحِ اهـ.
فَإِنْ ذَكَرَهُ الصُّلَحَاءُ بِشَيْءٍ؛ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ أَجْرَى عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مَا لَهُ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُمْ يَنْطِقُونَ بِإِلْهَامِهِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً تَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَةِ بَنِي آدَمَ بِمَا فِي الْمَرْءِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» " رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَلَا يَعْجَبْ، بَلْ يَكُونُ خَائِفًا مِنْ مَكْرِهِ الْخَفِيِّ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَلْيُبَادِرْ بِالتَّوْبَةِ وَيَحْذَرْ سَطْوَتَهُ وَقَهْرَهُ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ»
ــ
١٦٨٥ - ١٦٣٥ - (مَالِكٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ) وَقِيلَ: مَيْسَرَةُ (الْخُرَاسَانِيِّ) ابْنِ عُثْمَانَ صَدُوقٌ لَكِنَّهُ يَهِمُ وَيُرْسِلُ وَيُدَلِّسُ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَحَسْبُكَ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَافَحُوا» ) مُفَاعَلَةٌ
مِنَ الصَّفْحِ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْإِفْضَاءُ بِصَفْحَةِ الْيَدِ إِلَى صَفْحَةِ الْيَدِ، قَالَهُ الْحَافِظُ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمُصَافَحَةُ الْأَخْذُ بِالْيَدِ، وَفِي الْمَشَارِقِ: الْمُصَافَحَةُ بِالْأَيْدِي عِنْدَ السَّلَامِ وَاللِّقَاءِ وَهِيَ ضَرْبُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ (يَذْهَبِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَبِالرَّفْعِ، أَيْ: فَبِهِ يَذْهَبُ (الْغِلُّ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الْحِقْدُ وَالضَّغَانَةُ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ مَالِكٌ هَكَذَا مُعْضَلًا، وَقَدْ أُسْنِدَ مِنْ طُرُقٍ فِيهَا مَقَالٌ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ مِنْ قُلُوبِكُمْ» " وَإِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «تَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ عَنْكُمْ» " فَقَوْلُ السُّيُوطِيِّ: فِي الْمُصَافَحَةِ أَحَادِيثُ مَوْصُولَةٌ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ عَجِيبٌ مَعَ أَنَّهُ نَفْسَهُ ذَكَرَهُ فِي جَامِعِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: حَدِيثُ مَالِكٍ جَيِّدٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ شَتًّى حِسَانٍ كُلِّهَا، ثُمَّ ذَكَرَهُ بِأَسَانِيدِهِ جُمْلَةً مِنْهَا فِي الْمُصَافَحَةِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، فَكَأَنَّ السُّيُوطِيَّ اغْتَرَّ بِهِ وَغَفَلَ عَمَّا فِي جَامِعِهِ وَالْكَمَالُ لِلَّهِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ الْمُصَافَحَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ خِلَافُهُ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنَى مَا فِي الْمُوَّطَأِ وَعَلَى جَوَازِهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَفِيهِ آثَارٌ حِسَانٌ، (وَتَهَادَوْا) بِفَتْحِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ تَحَابُّوا، قَالَ الْحَافِظُ لِلْحَاكِمِ: إِنْ كَانَ بِالتَّشْدِيدِ فَمِنَ الْمَحَبَّةِ وَإِنْ كَانَ بِالتَّخْفِيفِ فَمِنَ الْمُحَابَاةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَحَثَّ عَلَيْهِ خُلَفَاؤُهُمُ الْأَوْلِيَاءُ تُؤَلِّفُ الْقُلُوبَ وَتَنْفِي سَخَائِمِ الصُّدُورِ، وَقَبُولُ الْهَدِيَّةِ سُنَّةٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ مَا فِيهِ مِنَّةٌ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو يَعْلَى وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُنَى وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَهَادَوْا (تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ) » بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ وَالْمَدِّ، الْعَدَاوَةُ ; لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ جَالِبَةٌ لِلرِّضَا وَالْمَوَدَّةِ فَتُذْهِبُ الْعَدَاوَةَ.
وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» " بِوَاوٍ فَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ فِرَاءٍ، أَيْ: غِلَّهُ وَغِشَّهُ وَحِقْدَهُ.
وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ بِالسَّخِيمَةِ» " قَالَ يُونُسُ بْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْغِلُّ.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: تَهَادَوْا فَإِنَّهُ يُضَعِّفُ الْوُدَّ وَيُذْهِبُ بِغَوَائِلِ الصَّدْرِ» " وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَحْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بِهِ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَكُنْ بِالرَّضِيِّ وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنِ الزُّهْرِيِّ انْتَهَى.
لَكِنَّ لَهُ شَوَاهِدَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ وَدَّاعٍ الْخُزَاعِيَّةِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: " «فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُضَعِّفُ الْحُبَّ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ» " وَتُضَعِّفُ بِالتَّثْقِيلِ، أَيْ: تُزِيدُهُ وَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
هَدَايَا النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ... تُوَلِّدُ فِي قُلُوبِهِمُ الْوِصَالَا
وَتَزْرَعُ فِي الضَّمِيرِ هَوًى وَوُدًّا ... وَتَكْسُوهُمْ إِذَا حَضَرُوا جَمَالَا
وَقَالَ آخَرُ:
إِنَّ الْهَدَايَا لَهَا حِفْظٌ إِذَا وَرَدَتْ ... أَحْظَى مِنَ الِابْنِ عِنْدَ الْوَالِدِ الْحَدْبُ
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: " «اجْتَمَعَ عَلِيٌّ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فَتَمَارَوْا فِي أَشْيَاءَ فَقَالَ عَلِيٌّ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْأَلْهُ، فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَيْهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْنَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ سَلُونِي، وَإِنْ شِئْتُمْ أَخْبَرْتُكُمْ بِمَا جِئْتُمْ لَهُ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا، قَالَ: جِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنِ الصَّنِيعَةِ لِمَنْ تَكُونُ؟ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّا لِذِي حَسَبٍ أَوْ دِينٍ، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنِ الرِّزْقِ يَجْلِبُهُ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فَاسْتَنْزِلُوهُ بِالصَّدَقَةِ، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنْ جِهَادِ الضَّعِيفِ، وَجِهَادُ الضَّعِيفِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنْ جِهَادِ الْمَرْأَةِ، وَجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ لِزَوْجِهَا، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنِ الرِّزْقِ مِنْ أَيْنَ أَتَى وَكَيْفَ يَأْتِي؟ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ إِلَّا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» " قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ لَكِنَّهُ مُنْكَرٌ عَنْ مَالِكٍ عِنْدَهُمْ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ وَلَا لَهُ أَصْلٌ فِي حَدِيثِهِ انْتَهَى.
وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ مَتْنَهُ حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ سَنَدُهُ الْمَذْكُورُ لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ وَإِلَّا فَالْجَمْعُ بَيْنَ حَسَنٍ وَبَيْنَ مُنْكَرٍ لَا يَصِحُّ تَنَافٍ، أَوْ مُرَادُهُ حُسْنُ اللَّفْظِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا»
ــ
١٦٨٦ - ١٦٣٦ - (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ) بِضَمِّ السِّينِ مُصَغَّرٌ (ابْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ) ذَكْوَانَ السَّمَّانِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ» ) يُحْتَمَلُ حَقِيقَةً لِأَنَّ الْجَنَّةَ مَغْلُوقَةٌ وَفَتْحُ أَبْوَابِهَا مُمْكِنٌ وَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْمَغْفِرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ وَكَتْبِ الدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْفَتْحُ حَقِيقَةٌ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى التَّأْوِيلِ وَيَكُونُ فَتْحُهَا تَأَهُّبًا مِنَ الْخَزَنَةِ لِمَنْ يَمُوتُ يَوْمَئِذٍ مِمَّنْ غَفَرَ لَهُ أَوْ يَكُونُ عَلَامَةً لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ فِي ذَيْنِكَ الْيَوْمَيْنِ ( «يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ» ) فِيهِ فَضَّلَهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَيَّامِ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُمَا وَيَنْدُبُ أُمَّتَهُ إِلَى صِيَامِهِمَا وَكَانَ يَتَحَرَّاهُمَا بِالصِّيَامِ، وَأَظُنُّ هَذَا الْخَبَرَ إِنَّمَا تَوَجَّهَ إِلَى طَائِفَةٍ كَانَتْ تَصُومُهُمَا تَأْكِيدًا عَلَى لُزُومِ ذَلِكَ كَذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: " «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ» " (فَيُغْفَرُ) فِيهِمَا
( «لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» ) ذُنُوبُهُ الصَّغَائِرُ بِغَيْرِ وَسِيلَةِ طَاعَةٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لِحَدِيثِ " «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» " (إِلَّا رَجُلًا) لِأَنَّهَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ كَلَامٍ مُوجَبٍ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ، قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَلَى الرَّفْعِ الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ: لَا يَبْقَى ذَنْبُ أَحَدٍ إِلَّا ذَنْبَ رَجُلٍ وَهُوَ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ وَالْمُرَادُ إِنْسَانٌ ( «كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ» ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ، أَيْ: عَدَاوَةٌ (فَيُقَالُ أَنْظِرُوا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يَعْنِي يَقُولُ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ النَّازِلَةِ بِهَدَايَا الْمَغْفِرَةِ أَخِّرُوا وَأَمْهِلُوا (هَذَيْنِ) أَتَى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ بَدَلَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّنْفِيرِ، وَالتَّعْبِيرُ يَعْنِي لَا تُعْطُوا مِنْهَا أَنْصِبَاءَ رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ (حَتَّى) تَرْتَفِعَ وَ (يَصْطَلِحَا) وَلَوْ بِمُرَاسَلَةٍ عِنْدَ الْبُعْدِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا بُدَّ هُنَا مِنْ تَقْدِيرِ مَنْ يُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ أَنْظِرُوا كَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا غَفَرَ لِلنَّاسِ سِوَاهُمَا قِيلَ ( «أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» ) وَكَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْعَدَاوَةِ وَإِدَامَةِ الْهَجْرِ، قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَلَمْ يَقْبَلْ غُفِرَ لِلْمُصَالِحِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا كَانَ الْهَجْرُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَجَرَ بَعْضَ نِسَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَابْنَ عُمَرَ هَجَرَ ابْنًا لَهُ حَتَّى مَاتَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ أَنَّ الشَّحْنَاءَ مِنَ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْكَبَائِرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ اسْتَثْنَى غُفْرَانَهَا وَخَصَّهَا بِذَلِكَ؟ وَأَنَّ ذُنُوبَ الْعِبَادِ إِذَا وَقَعَ بَيْنَهُمُ الْمَغْفِرَةُ وَالتَّجَاوُزُ سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا مِنَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ حَتَّى يَصْطَلِحَا فَإِذَا اصْطَلَحَا غَفَرَ لَهُمَا ذَلِكَ وَغَيْرَهُ مِنْ صَغَائِرِ ذُنُوبِهِمَا انْتَهَى.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ سُهَيْلٍ لَكِنْ قَالَ: إِلَّا الْمُتَهَاجِرَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ أَوِ الْجَمْعِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا.
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ وَوَهِمَ مَنْ عَزَاهُ لَهُ.
[مَا يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُهُ مِنْ الثِّيَابِ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ دَخَلَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى حَفْصَةَ خِمَارٌ رَقِيقٌ فَشَقَّتْهُ عَائِشَةُ وَكَسَتْهَا خِمَارًا كَثِيفًا
ــ
٤ - بَابُ مَا يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُهُ مِنَ الثِّيَابِ
١٦٩٣ - ١٦٤٣ - (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) بِلَالٍ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى عَائِشَةَ الثِّقَةِ الْعَلَّامَةِ (عَنْ أُمِّهِ) مَرْجَانَةَ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ مَقْبُولَةٌ، تُكَنَّى أُمَّ عَلْقَمَةَ (أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَلَى) عَمَّتِهَا (عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى حَفْصَةَ الْمَذْكُورَةِ خِمَارٌ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثَوْبٌ تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا (رَقِيقٌ فَشَقَّتْهُ عَائِشَةُ) حَتَّى لَا تَعُودَ حَفْصَةُ لِلُبْسِهِ (وَكَسَتْهَا خِمَارًا كَثِيفًا) غَلِيظًا لِأَنَّهُ أَسْتَرُ.
[مَا جَاءَ فِي إِسْبَالِ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
ــ
٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِسْبَالِ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ
١٦٩٦ - ١٦٤٦ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيِّ (عَنْ) مَوْلَاهُ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ) إِزَارًا أَوْ رِدَاءً أَوْ قَمِيصًا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا يُسَمَّى ثَوْبًا حَالَ كَوْنِهِ جَرَّهُ (خُيَلَاءَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ كِبْرًا وَعَجَبًا (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) نَظَرَ رَحْمَةٍ، أَيْ: لَا يَرْحَمُهُ لِكِبْرِهِ وَعُجْبِهِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: مَفْهُومُ خُيَلَاءَ أَنَّ الْجَارَّ لِغَيْرِهَا لَا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ إِلَّا أَنَّ جَرَّ الْقَمِيصِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الثِّيَابِ مَذْمُومٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ رَجُلًا نَزَعَ نَعْلَيْهِ فَقَالَ لِمَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ لَعَلَّكَ تَأَوَّلْتَ هَذِهِ الْآيَةَ {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه: ١٢] قَالَ ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ لِلرَّجُلِ أَتَدْرِي مَا كَانَتْ نَعْلَا مُوسَى قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي مَا أَجَابَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ كَعْبٌ كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ
ــ
١٧٠٣ - ١٦٥٣ - (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ) بِضَمِّ السِّينِ وَاسْمُهُ نَافِعٌ (ابْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ) مَالِكٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ (عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ) أَيْ: مَلْجَأِ الْعُلَمَاءِ الْحِمْيَرِيِّ (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ يُسَمَّ
(نَزَعَ نَعْلَيْهِ فَقَالَ) كَعْبٌ (لِمَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ لَعَلَّكَ تَأَوَّلْتَ هَذِهِ الْآيَةَ: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} [طه: ١٢] الْمُطَهَّرِ أَوِ الْمُبَارَكِ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ فَطَأْهُ لِتُصِيبَ قَدَمَيْكَ بَرَكَتَهُ (طُوًى) بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ بِالتَّنْوِينِ وَتَرْكُهُ مَصْرُوفٍ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ وَغَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلتَّأْنِيثِ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ مَعَ الْعَلَمِيَّةِ.
(ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ لِلرَّجُلِ: أَتَدْرِي مَا كَانَتْ نَعْلَا مُوسَى؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي مَا أَجَابَهُ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ) فَهَذَا سَبَبُ أَمْرِهِ بِخَلْعِهِمَا فَأَخْذُ الْيَهُودِ مِنْهُ لُزُومَ خَلْعِ النَّعْلَيْنِ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ مَدْبُوغَةً فَتَرَكَ ذِكْرَ الدِّبَاغِ لِلْعِلْمِ بِهِ وَلِجَرْيِ الْعَادَةِ بِدِبَاغِهَا قَبْلَ لُبْسِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ شَرْعَ مُوسَى اسْتِعْمَالُهَا بِلَا دِبَاغٍ وَهَذَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ لِأَنَّ كَعْبًا مِنْ أَحْبَارِهَا، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا: «كَانَ عَلَى مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِسَاءُ صُوفٍ وَجُبَّةُ صُوفٍ وَكُمَّةُ صُوفٍ وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ وَكَانَتْ نَعْلَاهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ» " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍالْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ حُمَيْدًاالْأَعْرَجَ هُوَ ابْنُ قَيْسٍ الْمَكِّيُّ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ، وَقِيلَ: ابْنُ عَمَّارٍ أَحَدُ الْمَتْرُوكِينَ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ عَنْهُ الْبُخَارِيَّ فَقَالَ: حُمَيْدٌ هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي التَّصَوُّفِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا جَعَلَ ثِيَابَهُ كُلَّهَا صُوفًا لِأَنَّهُ كَانَ بِمَحَلٍّ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فِيهِ سِوَاهُ، فَعَمِلَ بِالْيُسْرِ وَتَرَكَ التَّكَلُّفَ وَالْعُسْرَ، وَكَانَ مِنَ الِاتِّفَاقِ الْحَسَنِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ اللِّبْسَةِ الَّتِي لَمْ يَتَكَلَّفْهَا.
وَقَالَ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مَقْصُودًا لِلتَّوَاضُعِ وَتَرْكِ التَّنَعُّمِ أَوْ لِعَدَمِ وُجُودِ مَا هُوَ أَرْفَعُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اتِّفَاقِيٌّ لَا عَنْ قَصْدٍ بَلْ كَانَ يَلْبَسُ كُلَّ مَا وَجَدَ كَمَا كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ، وَكُمَّةٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَشَدِّ الْمِيمِ قَلَنْسُوَةٌ صَغِيرَةٌ أَوْ مُدَوَّرَةٌ.
[مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ فِي الْفِطْرَةِ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالْاخْتِتَانُ
ــ
٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ فِي الْفِطْرَةِ
بِكَسْرِ الْفَاءِ، أَيِ: السُّنَّةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الْأَنْبِيَاءُ وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ فَكَأَنَّهَا أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ فُطِرُوا عَلَيْهِ، هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.
١٧٠٩ - ١٦٥٩ - (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ) كَيْسَانَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ) مَوْقُوفًا لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا السَّنَدِ وَرَفَعَهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، وَكَذَا رَفَعَهُ حُمَيْدُ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ الْعَدَوِيُّ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (خَمْسٌ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: خِصَالٌ خَمْسٌ، ثُمَّ فَسَّرَهَا، أَوْ عَلَى الْإِضَافَةِ، أَيْ: خَمْسُ خِصَالٍ، أَوِ الْجُمْلَةُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيِ: الَّذِي شُرِعَ لَكُمْ خَمْسٌ (مِنَ الْفِطْرَةِ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ) تَفْعِيلٌ مِنَ الْقَلْمِ وَهُوَ الْقَطْعُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَلَمْتُ ظُفْرِي بِالتَّخْفِيفِ وَقَلَّمْتُ أَظْفَارِي بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ، أَيْ: إِزَالَةُ مَا طَالَ مِنْهَا عَنِ اللَّحْمِ بِمِقَصٍّ أَوْ سِكِّينٍ لَا غَيْرِهِمَا مِنَ الْآلَةِ وَيُكْرَهُ بِالْأَسْنَانِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْوَسَخَ يَجْتَمِعُ تَحْتَهُ فَيُسْتَقْذَرُ، وَقَدْ يَنْتَهِي إِلَى حَدٍّ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَيُسْتَحَبُّ كَيْفَمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَلَمْ يَثْبُتْ فِي اسْتِحْبَابِ قَصِّ الظُّفْرِ يَوْمَ الْخَمِيسِ حَدِيثٌ، وَكَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي كَيْفِيَّتِهِ شَيْءٌ وَلَا فِي تَعْيِينِ يَوْمٍ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَظْفَارِهِ وَشَارِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» " وَلَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ قَالَ: " «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلَاةِ» " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَقَالَ عُقْبَةُ: قَالَ أَحْمَدُ: فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مَنْ يُجْهَلُ. انْتَهَى.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ حَيْثُ يَذْكُرُونَ اسْتِحْبَابَ تَحْسِينِ الْهَيْئَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَقَلْمِ ظُفْرٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً فَبَعْضُهَا يُقَوِّي بَعْضًا.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَبِالْجُمْلَةِ فَأَرْجَحُهَا دَلِيلًا وَنَقْلًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِيهِ لَيْسَتْ بِوَاهِيَةٍ جِدًّا بَلْ فِيهَا مُتَمَسِّكٌ، خُصُوصًا الْأَوَّلَ، وَقَدِ اعْتُضِدَ بِشَوَاهِدَ مَعَ أَنَّ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: " «قَصُّ الظُّفْرِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْغُسْلُ وَالطِّيبُ وَاللِّبَاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» " وَلِلدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْمَنَ الْفَقْرَ وَشِكَايَةَ الْعَمَى وَالْبَرَصَ وَالْجُنُونَ فَلْيُقَلِّمْ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلِيَبْدَأْ بِخِنْصَرِهِ الْيُسْرَى» " وَالْخَبَرَانِ وَاهِيَانِ.
وَفِي مُسَلْسَلَاتِ الْحَافِظِ جَعْفَرٍ الْمُسْتَغْفَرِيِّ بِإِسْنَادٍ مَجْهُولٍ عَنْ عَلِيٍّ: " «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ» "، وَمَا يُعْزَى لِعَلِيٍّ:
ابْدَأْ بِيُمْنَاكَ وَبِالْخِنْصَرِ ... فِي قَصِّ أَظْفَارِكَ وَاسْتَبْصِرِ
وَثَنِّ بِالْوُسْطَى وَثَلِّثْ كَمَا ... قَدْ قِيلَ بِالْإِبْهَامِ وَالْبِنْصَرِ
وَاخْتَتَمَ الْكَفَّ بِسَبَّابَةٍ
فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَلَا تَمْتَرِ ... وَفِي الْيَدِ الْيُسْرَى بِإِبْهَامِهَا
وَالْأُصْبُعِ الْوُسْطَى وَبِالْخِنْصَرِ ... وَبَعْدَ سَبَّابَتِهَا بِنْصَرٌ
فَإِنَّهَا خَاتِمَةُ الْأَيْسَرِ
فَبَاطِلٌ عَنْهُ.
وَكَذَا مَا يُعْزَى لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ، قَالَ السَّخَاوِيُّ، وَنَصُّهُ وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ:
فِي قَصِّ ظُفْرِكَ يَوْمَ السَّبْتِ آكِلَةٌ ... تَبْدُو وَفِيمَا يَلِيهِ تَذْهَبُ الْبِرَكَهْ
وَعَالِمٌ فَاضِلٌ يَبْدُو بِتَلْوِهِمَا ... وَإِنْ يَكُنْ فِي الثُّلَاثَا فَاحْذَرِ الْهَلَكَهْ
وَيُورِثُ السُّوءَ فِي الْأَخْلَاقِ رَابِعُهَا ... وَفِي الْخَمِيسِ الْغِنَى يَأْتِي لِمَنْ سَلَكَهْ
وَالْعُمْرُ وَالرِّزْقُ زِيدَا فِي عُرُوبَتِهَا ... عَنِ النَّبِيِّ رُوِينَا فَاقْتَفَوْا نُسُكَهْ
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: هَذَا مُفْتَرًى عَلَيْهِ، بَلْ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ بِسَنَدٍ وَاهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ السَّبْتِ، خَرَجَ مِنْهُ الدَّاءُ، وَدَخَلَ فِيهِ الشِّفَاءُ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ خَرَجَ مِنْهُ الْفَاقَةُ، وَدَخَلَ فِيهِ الْغِنَى، وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ خَرَجَ مِنْهُ الْجُنُونُ، وَدَخَلَتْ فِيهِ الصِّحَّةُ، وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ خَرَجَ مِنْهُ الْمَرَضُ، وَدَخَلَ فِيهِ الشِّفَاءُ، وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ خَرَجَ مِنْهُ الْوَسْوَاسُ وَالْخَوْفُ، وَدَخَلَ فِيهِ الْأَمْنُ وَالشِّفَا، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ خَرَجَ مِنْهُ الْجُذَامُ، وَدَخَلَتْ فِيهِ الْعَافِيَةُ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ دَخَلَتْ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَخَرَجَتْ مِنْهُ الذُّنُوبُ» "، قَالَ: وَآثَارُ الْبُطْلَانِ لَائِحَةٌ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
(وَقَصُّ الشَّارِبِ) ، وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الشَّفَةِ، وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ حَلْقِ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ بِلَفْظِ قَصِّ الشَّارِبِ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: تَقْصِيرُ الشَّارِبِ.
(وَنَتْفُ الْإِبْطِ) - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ - يَبْدَأُ بِالْيُمْنَى اسْتِحْبَابًا، وَيَتَأَدَّى أَصْلُهُ بِالْحَلْقِ لَا سِيَّمَا مَنْ يُؤْلِمُهُ النَّتْفُ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَنْ نَظَرَ إِلَى اللَّفْظِ وَقَفَ مَعَ النَّتْفِ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى أَزَالَهُ بِكُلِّ مُزِيلٍ، لَكِنْ يَتَعَيَّنُ أَنَّ النَّتْفَ مَقْصُودٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْوَسَخِ الْمُجَسَّمِ بِالْعَرَقِ فِيهِ، فَيَتَلَبَّدُ وَيَهِيجُ، فَشُرِعَ النَّتْفُ الَّذِي يُضْعِفُهُ فَتَخِفُّ الرَّائِحَةُ بِهِ بِخِلَافِ الْحَلْقِ فَإِنَّهُ يُقَوِّي الشَّعْرَ وَيُهَيِّجُهُ، فَتَكْثُرُ الرَّائِحَةُ بِذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ الطَّبَرِيُّ: مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّ الْإِبْطَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ، إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَمِثْلُهُ لِلْقُرْطُبِيِّ، وَزَادَ: وَأَنَّهُ لَا شَعْرَ عَلَيْهِ.
وَنَازَعَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ، وَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وَالْخَصَائِصُ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَعْرٌ، فَإِنَّ الشَّعْرَ إِذَا نُتِفَ بَقِيَ الْمَكَانُ أَبْيَضَ وَإِنْ بَقِيَ فِيهِ آثَارُ الشَّعْرِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَقْرَمَ، وَقَدْ صَلَّى مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
" «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عُفْرَةِ إِبْطَيْهِ» "، حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْعُفْرَةُ: بَيَاضٌ لَيْسَ بِالنَّاصِعِ كَمَا قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آثَارَ الشَّعْرِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمَكَانَ أَعْفَرَ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ خَالِيًا عَنْ نَبَاتِ الشَّعْرِ جُمْلَةً، لَمْ يَكُنْ أَعْفَرَ، نَعَمْ، الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِإِبْطَيْهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ انْتَهَى.
وَقَدْ تَمْنَعُ دَلَالَتُهُ عَلَى مَا قَالَ بِأَنَّ شَأْنَ الْمَغَابِنِ أَنَّهَا أَقَلُّ بَيَاضًا مِنْ بَاقِي الْجَسَدِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِبَيَاضِ إِبْطَيْهِ، فَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُمَا شَعْرٌ فَكَانَا كَلَوْنِ جَسَدِهِ، ثُمَّ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُمَا شَعْرٌ الْبَتَّةَ، وَقِيلَ: كَأَنَّ لِدَوَامِ تَعَاهُدِهِ لَهُ لَا يَبْقَى فِيهِ شَعْرٌ.
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ: " «حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ» "، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْأَعْفَرَ: مَا بَيَاضُهُ لَيْسَ بِالنَّاصِعِ، وَهَذَا شَأْنُ الْمَغَابِنِ تَكُونُ لَوْنُهَا فِي الْبَيَاضِ دُونَ لَوْنِ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ.
(وَحَلْقُ الْعَانَةِ) بِالْمُوسَى، وَفِي مَعْنَاهُ الْإِزَالَةُ بِالنَّتْفِ وَالنُّورَةِ، لَكِنْ بِالْمُوسَى أَوْلَى بِالرَّجُلِ لِتَقْوِيَةِ الْمَحَلِّ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ، فَالْأَوْلَى لَهَا النَّتْفُ.
وَاسْتَشْكَلَهُ الْفَاكِهَانِيُّ بِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الزَّوْجِ بِاسْتِرْخَاءِ الْمَحَلِّ بِاتِّفَاقِ الْأَطِبَّاءِ، انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ "، وَلِابْنِ الْعَرَبِيِّ تَفْصِيلٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ شَابَّةً، فَالنَّتْفُ أَوْلَى فِي حَقِّهَا لِأَنَّهُ يَرْبُو مَكَانَ النَّتْفِ، وَإِنْ كَانَتْ كَهْلَةً الْأَوْلَى الْحَلْقُ ; لِأَنَّ النَّتْفَ يُرْخِي الْمَحَلَّ، وَلَوْ قِيلَ فِي حَقِّهَا بِالتَّنْوِيرِ مُطْلَقًا لَمَا بَعُدَ.
وَرَوَى أَنَسٌ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَتَنَوَّرُ، وَكَانَ إِذَا كَثُرَ شَعْرُهُ حَلَقَهُ» ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا طَلَى بَدَأَ بِعَانَتِهِ فَطَلَاهَا بِالنُّورَةِ، وَسَائِرَ جَسَدِهِ» "، أَهْلُهُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ أُعِلَّ بِالِانْقِطَاعِ، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ صِحَّتَهُ.
وَرَوَى الْخَرَائِطِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُنَوِّرُهُ الرَّجُلُ، فَإِذَا بَلَغَ مَرَاقَّهُ تَوَلَّى هُوَ ذَلِكَ» "، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَرَدَ فِي النُّورَةِ أَحَادِيثُ هَذَا أَمْثَلُهَا: قَالَ السُّيُوطِيُّ: هُوَ مُثْبَتٌ وَأَجْوَدُ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ النَّفْيِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَاسْتِعْمَالُهَا مُبَاحٌ لَا مَكْرُوهٌ.
(وَالِاخْتِتَانُ) ، وَهُوَ قَطْعُ الْقُلْفَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ مِنَ الرَّجُلِ، وَقَطْعُ بَعْضِ الْجِلْدَةِ الَّتِي بِأَعْلَى الْفَرْجِ مِنَ الْمَرْأَةِ، كَالنَّوَاةِ، أَوْ كَعُرْفِ الدِّيكِ، وَيُسَمَّى خِتَانُ الرَّجُلِ: إِعْذَارًا، وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ: خَفْضًا - بِمُعْجَمَتَيْنِ - هَذَا وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» ، فَذَكَرَ مَا هُنَا إِلَّا الْخِتَانَ، وَزَادَ: «إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ» "، وَلِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَفَعَهُ: " زِيَادَةُ الِانْتِضَاحِ "، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ "، وَلِأَبِي عَوَانَةَ زِيَادَةُ: " الِاسْتِنْثَارُ "، وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: ١٢٤] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٢٤) ، ذَكَرَ مَفْرِقَ الرَّأْسِ، فَالْحَصْرُ فِي رِوَايَةِ: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ لَيْسَ بِمُرَادٍ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ ابْنِ بُجَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْحَارِثِيِّ عَنْ جَدَّتِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ»
ــ
١٧١٤ - ١٦٦٤ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ ابْنِ بُجَيْدٍ) - بِمُوَحَّدَةٍ وَجِيمٍ مُصَغَّرٌ - (الْأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ الْحَارِثِيُّ) - بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَمُثَلَّثَةٍ - نِسْبَةً إِلَى بَنِي حَارِثَةَ بَطْنٍ مِنَ الْخَزْرَجِ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَعْجِيلِ الْمَنْفَعَةِ: اتَّفَقَ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ عَلَى إِبْهَامِهِ إِلَّا يَحْيَى بْنَ بُكَيْرٍ، فَقَالَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بُجَيْدٍ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ، فِيمَا حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ فِي مُسْنَدِ الْمُوَطَّأِ، وَوَقَعَ فِي أَطْرَافِ الْمِزِّيِّ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ، وَلَمْ يُتَرْجِمْ فِي التَّهْذِيبِ لِمُحَمَّدٍ، بَلْ جَزَمَ فِي مُبْهَمَاتِهِ بِأَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ ; لِأَنَّ النَّسَائِيَّ إِنَّمَا رَوَاهُ غَيْرَ مُسَمًّى كَأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَمُسْتَنَدُ مَنْ سَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ مَا فِي السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ، عَنِ اللَّيْثِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ عَنْ جَدِّهِ، فَذَكَرَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ شَيْخِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْخَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِيهِ آخِرُ اسْمِهِ مُحَمَّدٌ، (عَنْ جَدَّتِهِ) أُمِّ بُجَيْدٍ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا، قَالَ أَبُو عُمَرَ: يُقَالُ اسْمُهَا حَوَّاءُ، وَتَرْجَمَ لَهَا أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ حَوَّاءُ جَدَّةُ عَمْرِو بْنِ مُعَاذٍ، وَيَأْتِي فِي جَامِعِ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ فِي التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ، حَدِيثِ عَمْرٍو عَنْهَا، وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: رُدُّوا) ، أَيْ أَعْطُوا (الْمِسْكِينَ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: السَّائِلَ (وَلَوْ بِظِلْفٍ) - بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَبِالْفَاءِ - وَهُوَ لِلْبَقَرِ وَالْغَنَمِ كَالْحَافِرِ لِلْفَرَسِ، " وَلَوْ " لِلتَّقْلِيلِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يُعْطَى، وَالْمَعْنَى: تَصَدَّقُوا بِمَا تَيَسَّرَ كَثُرَ أَوْ قَلَّ وَلَوْ بَلَغَ فِي الْقِلَّةِ الظِّلْفَ مَثَلًا، فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ.
وَقَالَ: (مُحْرَقٍ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الِانْتِفَاعِ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَقَدْ يُلْقِيهِ آخِذُهُ، وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: الْوَاوُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الشَّرْطِ لِلْعَطْفِ، لَكِنَّهَا لِعَطْفِ حَالٍ عَلَى حَالٍ مَحْذُوفَةٍ، وَقَدْ تَضَمَّنَهَا السِّيَاقُ تَقْدِيرُهُ: رُدُّوهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَالٍ، وَلَوْ بِظِلْفٍ وَقَيَّدَ بِالْإِحْرَاقِ، أَيِ الشَّيْءِ كَمَا هُوَ عَادَتُهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّ النَّيِّئَ قَدْ لَا يُؤْخَذُ، وَقَدْ يَرْمِيهِ آخِذُهُ فَلَا يَنْتَفِعُ بِخِلَافِ الْمَشْوِيِّ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا تَتْمِيمٌ لِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي ظِلْفٍ كَقَوْلِهَا: كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ.
يَعْنِي: لَا تَرُدُّوهُ رَدَّ حِرْمَانٍ بِلَا شَيْءٍ، وَلَوْ أَنَّهُ ظِلْفٌ، فَهُوَ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُبَالِغَةِ، وَلِلذَّهَابِ إِلَى أَنَّ الظِّلْفَ إِذْ ذَاكَ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ عِنْدَهُمْ بَعِيدٌ عَنْ الِاتِّجَاهِ
انْتَهَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَعْنٍ الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَافَهُ ضَيْفٌ كَافِرٌ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ»
ــ
١٧١٦ - ١٦٦٦ - (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلٍ) - بِضَمِّ السِّينِ مُصَغَّرٌ - (ابْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ) ذَكْوَانَ السَّمَّانَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَافَهُ ضَيْفٌ كَافِرٌ) ، هُوَ جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ الْغِفَارِيُّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَنَضْلَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وَكَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ، وَقَاسِمِ ابْنِ ثَابِتٍ فِي الدَّلَائِلِ، وَأَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ، ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَعَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ، أَوْ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ الْحَنَفِيُّ، ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَالْبَاجِيُّ، وَابْنُ بَطَّالٍ
( «فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ» ) ، أَيْ حِلَابَهَا كُلَّهُ، (ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ) - بِكَسْرِ الْحَاءِ - (سَبْعِ شِيَاهٍ) ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِ «عَنْ جَهْجَاهٍ: " أَنَّهُ قَدِمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ، فَحَضَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ، قَالَ: يَأْخُذُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ جَلِيسِهِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِي، وَكُنْتُ رَجُلًا عَظِيمًا طِوَالًا لَا يُقَدَّمُ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَذَهَبَ بِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَنْزِلِهِ فَحَلَبَ لِي عَنْزًا، فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا حَتَّى حَلَبَ لِي سَبْعَةَ أَعْنُزٍ، فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَيْتُ بِصَنِيعِ بُرْمَةٍ فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: أَجَاعَ اللَّهُ مَنْ أَجَاعَ رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، قَالَ: مَهْ يَا أُمَّ أَيْمَنَ أَكَلَ رِزْقَهُ، وَرِزْقُنَا عَلَى اللَّهِ (ثُمَّ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا) » ، وَفِي حَدِيثِ جَهْجَاهٍ: " «فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَنْزِلِهِ، فَحُلِبَتْ لِي عَنْزٌ فَتَرَوَّيْتُ وَشَبِعْتُ، فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ هَذَا ضَيْفَنَا؟ فَقَالَ: بَلَى "، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) » مِنْ أَمْعَائِهِ السَّبْعَةِ، (وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) الَّتِي هِيَ جَمِيعُ أَمْعَائِهِ.
قَالَ عِيَاضٌ: عِنْدَ أَهْلِ التَّشْرِيحِ: إِنَّ أَمْعَاءَ الْإِنْسَانِ سَبْعَةٌ: الْمَعِدَةُ، ثُمَّ ثَلَاثَةُ أَمْعَاءٍ بَعْدَهَا مُتَّصِلَةٌ بِهَا الْبَوَّابُ، ثُمَّ الصَّائِمُ، ثُمَّ الرَّقِيقُ وَالثَّلَاثَةُ رِقَاقٌ، ثُمَّ الْأَعْوَرُ وَالْقَوْلُونُ وَالْمُسْتَقِيمُ وَطَرَفَةُ الدُّبُرِ، وَكُلُّهَا غِلَاظٌ، وَقَدْ نَظَمَهَا الْحَافِظُ زَيْنُ الدَّيْنِ الْعِرَاقِيُّ فِي قَوْلِهِ:
سَبْعَةُ أَمْعَاءٍ لِكُلِّ آدَمِي ... مَعِدَةٌ بَوَّابُهَا مَعْ صَائِمِ
ثُمَّ الرَّقِيقُ أَعْوَرُ قُولُونُ مَعْ ... الْمُسْتَقِيمِ مَسْلَكُ الْمَطَاعِمِ
وَفِي الشُّرْبِ مَا سَبَقَ فِي الْأَكْلِ مِنَ الْأَقْوَالِ الْعَشْرَةِ، وَفِيهِ كَسَابِقِهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْلِيلِ الْأَكْلِ.
وَقَدْ رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا: " «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ حَسْبُ الْآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتِ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ، فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ» "، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي " شَرْحِ الْأَسْمَاءِ ": لَوْ سَمِعَ بِقْرَاطُ هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: ذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ لِبَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ، فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ كَلَامًا فِي قِلَّةِ الْأَكْلِ أَحْكَمَ مِنْهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: خَصَّ الثَّلَاثَةَ لِأَنَّهَا أَسْبَابُ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَطْنِ سِوَاهَا.
وَهَلِ الْمُرَادُ الثُّلُثُ الْمُسَاوِي حَقِيقَةً، وَالطَّرِيقُ إِلَيْهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ
أَوِ التَّقْسِيمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ ظَنُّهُ بِالثُّلُثِ الْحَقِيقِيِّ؟ مَحَلُّ احْتِمَالٍ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّحَ بِذِكْرِ الثُّلُثِ إِلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْجَحُ الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَوَّلُ، إِذْ هُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَالثَّانِي يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ.
وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ قَائِمًا
ــ
١٧٢٢ - ١٦٧٢ - (مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ قَائِمًا) ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ» "، وَفِي الْبُخَارِيِّ «عَنْ عَلِيٍّ: " أَنَّهُ شَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ» "، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: " «نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا» ".
وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ» "، قَالَ فِي الْمُفْهِمِ: لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ، وَلَا الْتِفَاتَ لِابْنِ حَزْمٍ، وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِهَا، فَمِنَ السَّلَفِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ مَالِكٌ تَمَسُّكًا بِشُرْبِهِ مِنْ زَمْزَمَ قَائِمًا، وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْهُ مُتَأَخِّرًا عَنِ النَّهْيِ، فَإِنَّهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَهُوَ نَاسِخٌ، وَحَقَّقَ ذَلِكَ فِعْلُ خُلَفَائِهِ بِخِلَافَ النَّهْيَ، وَيَبْعُدُ خَفَاؤُهُ عَلَيْهِمْ مَعَ شِدَّةِ مُلَازَمَتِهِمْ لَهُ، وَتَشْدِيدِهِمْ فِي الدِّينِ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا لِلنَّسْخِ يَصْلُحُ لِتَرْجِيحِ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ: النَّهْيُ إِمَّا تَنْزِيهٌ، أَوْ تَحْرِيمٌ، ثُمَّ نُسِخَ بِحَدِيثِ شُرْبِهِ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَقَدْ أَعَلَّ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ
حَدِيثَ: " «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا» "، بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ عُمَرَ بْنَ حَمْزَةَ الْعُمَرِيَّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَإِنْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَغَايَةُ مَا أَجَابَ بِهِ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي تَوْثِيقِهِ، وَمِثْلُهُ يُخَرِّجُ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ، وَقَدْ تَابَعَهُ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ، وَابْنِ حِبَّانَ، فَالْحَدِيثُ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ صَحِيحٌ، انْتَهَى.
لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنْ مُسْلِمًا أَخْرَجَ لَهُ هُنَا أَصْلًا لَا مُتَابَعَةً.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْجَوَازِ، وَكَرِهَهُ قَوْمٌ فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: لَعَلَّ النَّهْيَ يَنْصَرِفُ لِمَنْ أَتَى أَصْحَابَهُ بِمَاءٍ، فَبَادَرَ لِشُرْبِهِ قَائِمًا قَبْلَهُمُ اسْتِبْدَادًا وَخُرُوجًا عَنْ كَوْنِ سَاقِي الْقَوْمِ آخِرَهُمْ شُرْبًا، وَأَيْضًا فَأُمِرَ بِالِاسْتِقَاءِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَسْتَقِيءَ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، لَا مَرْفُوعٌ، وَالْأَظْهَرُ لِي أَنَّ شُرْبَهُ قَائِمًا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَالنَّهْيُ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْحَثِّ عَلَى مَا هُوَ أَوْلَى وَأَكْمَلُ ; لِأَنَّ فِي الشُّرْبِ قَائِمًا ضَرَرًا مَا فَكُرِهَ مِنْ أَجْلِهِ، وَفَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَمْنِهِ مِنْهُ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ قَوْلُهُ: " فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ "، عَلَى أَنَّهُ يُحَرِّكُ خَلْطًا يَكُونُ الْقَيْءُ دَوَاءَهُ.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ: إِنَّمَا ذَلِكَ لِدَاءِ الْبَطْنِ، انْتَهَى.
وَعَلَيْهِ فَالنَّهْيُ طِبِّيٌّ إِرْشَادِيٌّ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لِلْمَرْءِ ثَمَانِيَةُ أَحْوَالٍ: قَائِمٌ مَاشٍ مُسْتَنِدٌ رَاكِعٌ سَاجِدٌ مُتَّكِئٌ قَاعِدٌ مُضْطَجِعٌ، كُلُّهَا يُمْكِنُ الشُّرْبُ فِيهَا، وَأَهْنَؤُهَا وَأَكْثَرُهَا اسْتِعْمَالًا الْقُعُودُ، وَأَمَّا الْقِيَامُ فَنُهِيَ عَنْهُ لِأَذِيَّتِهِ لِلْبَدَنِ.
وَلِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ:
إِذَا رُمْتَ تَشْرَبُ فَاقْعُدْ تَفُزْ ... بِسُنَّةِ صَفْوَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ
وَقَدْ صَحَّحُوا شُرْبَهُ قَائِمًا ... وَلَكِنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ»
ــ
١٧٢٨ - ١٦٧٨ - (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كَيْسَانَ (الْمَقْبُرِيِّ) - بِضَمِّ الْبَاءِ، وَفَتْحِهَا - الْمَدَنِيِّ - (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) - بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ - الْخُزَاعِيِّ، ثُمَّ (الْكَعْبِيِّ) نِسْبَةً إِلَى كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو بَطْنٍ مِنْ خُزَاعَةَ اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَقِيلَ: هَانِئٌ وَقِيلَ: كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَكَانَ مَعَهُ لِوَاءُ خُزَاعَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ نَزَلَ الْمَدِينَةَ، وَلَهُ أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ) ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) الَّذِي خَلَقَهُ إِيمَانًا كَامِلًا، (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الَّذِي إِلَيْهِ مَعَادُهُ، وَفِيهِ جَزَاؤُهُ، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَعَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ قَصْدًا إِلَى اسْتِمْرَارِ الْإِيمَانِ، وَتَجَدُّدِهِ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ وَقْتًا فَوَقْتًا ; لِأَنَّهُ عَرَضٌ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ لِكَوْنِهِ فِعْلًا يُفِيدُ التَّجَدُّدَ وَالْحُدُوثَ، وَهَذَا مِنْ خِطَابِ التَّهْيِيجِ مِنْ قَبِيلِ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: ٢٣] (سورة الْمَائِدَةِ: الْآيَةُ ٢٣) ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِ، وَأَنَّ خِلَافَهُ لَا يَلِيقُ بِمَنْ يُؤْمِنُ بِذَلِكَ، وَلَوْ قِيلَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْغَرَضُ.
(فَلْيُقُلْ خَيْرًا) يُثَابُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّفَكُّرِ، فِيمَا يُرِيدُ التَّكَلُّمَ بِهِ، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ قَالَهُ.
(أَوْ لِيَصْمُتْ)
- بِضَمِّ الْمِيمِ - أَيْ يَسْكُتْ عَنِ الشَّرِّ فَيَسْلَمْ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «مَنْ صَمَتَ نَجَا» "، قَالَهُ عِيَاضٌ، وَقَدْ ضَبَطَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ - بِضَمِّ الْمِيمِ - وَكَأَنَّهُ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الطُّوفِيُّ: سَمِعْنَاهُ - بِكَسْرِهَا - وَهُوَ الْقِيَاسُ ; لِأَنَّ قِيَاسَ فَعَلَ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - مَاضِيًا يَفْعِلُ - بِكَسْرِهَا - مُضَارِعًا نَحْوَ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وَيَفْعُلُ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - فِيهِ دَخِيلٌ كَمَا فِي الْخَصَائِصِ لِابْنِ جِنِّيٍّ، انْتَهَى.
أَيْ يَسْكُتُ عَنْ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ، وَفَوَاتُهُمَا يُنَافِي حَالَ الْمُؤْمِنِينَ، وَشَرَفَ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَمْنِ، وَلَا أَمَانَ لِمَنْ فَاتَهُ الْغَنِيمَةُ وَالسَّلَامَةُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَوْ لِيَسْكُتْ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، لَكِنَّ الصَّمْتَ أَخَصُّ ; لِأَنَّهُ السُّكُوتُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ، أَمَّا السُّكُوتُ مَعَ الْعَجْزِ لِفَسَادِ آلَةِ النُّطْقِ، فَهُوَ الْخَرَسُ، أَوْ لِتَوَقُّفِهَا فَهُوَ الْعِيُّ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُصَدِّقَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ الْمُتَرَتِّبَيْنِ عَلَى الْكَلَامِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يُحَصِّلُ لَهُ ثَوَابًا، أَوْ خَيْرًا فَيَغْنَمُ، أَوْ يَسْكُتَ عَنْ شَيْءٍ يَجْلِبُ لَهُ عِقَابًا، أَوْ شَرًّا فَيَسْلَمُ، فَـ " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّقْسِيمِ فَيُسَنُّ لَهُ الصَّمْتُ حَتَّى عَنِ الْمُبَاحِ لِأَدَائِهِ إِلَى مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، وَبِفَرْضِ خُلُوِّهِ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ ضَيَاعُ الْوَقْتِ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَمِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ، قَالَ: وَأَفَادَ الْحَدِيثُ أَنَّ قَوْلَ الْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ لِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ قَوْلِ الْخَيْرِ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي تَفْصِيلِ آفَاتِ الْكَلَامِ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ حَصْرٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ آفَاتِ اللِّسَانِ أَسْرَعُ الْآفَاتِ لِلْإِنْسَانِ وَأَعْظَمُهَا فِي الْهَلَاكِ وَالْخُسْرَانِ، فَالْأَصْلُ مُلَازَمَةُ الصَّمْتِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ وَالْحُصُولُ عَلَى الْخَيْرَاتِ، فَحِينَئِذٍ تَخْرُجُ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مَخْطُومَةً وَبِأَزِمَّةِ التَّقْوَى مَزْمُومَةً، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلُّهُ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ أَوْ آيِلٌ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَدَخَلَ فِي الْخَيْرِ كُلُّ مَطْلُوبٍ مِنْ فَرْضٍ، وَنَفْلٍ فَأَذِنَ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، وَدَخَلَ فِيهِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا هُوَ شَرٌّ، أَوْ يَؤُولُ إِلَيْهِ، فَأُمِرَ بِالصَّمْتِ عَنْهُ، فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ حَقَّ الْإِيمَانِ خَافَ وَعِيدَهُ وَرَجَا ثَوَابَهُ، وَمَنْ آمَنَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ اسْتَعَدَّ وَاجْتَهَدَ فِي فِعْلِ مَا يَدْفَعُ بِهِ أَهْوَالَهُ، فَيَأْتَمِرُ بِالْأَوَامِرِ وَيَنْتَهِي عَنِ النَّوَاهِي، وَيَتَقَرَّبُ لِمَوْلَاهُ بِمَا يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ مَا عَلَيْهِ ضَبْطَ جَوَارِحِهِ، وَمِنْ أَكْثَرِ الْمَعَاصِي عَدَدًا وَأَيْسَرِهَا فِعْلًا مَعَاصِي اللِّسَانِ، وَقَدِ اسْتَقْرَأَ الْمُحَاسِبُونَ لِأَنْفُسِهِمْ آفَاتِ اللِّسَانِ، فَزَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ، وَأَرْشَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ جُمْلَةً، فَقَالَ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنْ آمَنَ بِذَلِكَ حَقَّ إِيمَانِهِ اتَّقَى اللَّهَ فِي لِسَانِهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَسَلْمَانُ: مَا شَيْءٌ أَحَقُّ بِطُولِ السِّجْنِ مِنَ اللِّسَانِ.
(وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ، أَيْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وُصِفَ بِهِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، أَوْ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْحِسَابَ إِلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا لَيْلَ بَعْدَهُ، وَلَا يُقَالُ يَوْمٌ إِلَّا لِمَا بَعْدَهُ لَيْلٌ، أَيْ يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ مَعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَهْوَالِ، وَاكْتَفَى بِهِمَا عَنِ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ
وَالْكُتُبِ وَغَيْرِهِمَا ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِنُبُوءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ.
( «فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» ) بِالْبِشْرِ، وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَبَذْلِ النَّدَى وَكَفِّ الْأَذَى، وَتَحَمُّلِ مَا فَرَطَ مِنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: " فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ "، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ "، وَقَدْ أَوْصَى اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» "، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَمَنْ كَانَ مَعَ هَذَا التَّأْكِيدِ الشَّدِيدِ مُضِرًّا لِجَارِهِ كَاشِفًا لِعَوْرَاتِهِ، حَرِيصًا عَلَى إِنْزَالِ الْبَوَائِقِ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ اعْتِقَادٍ وَنِفَاقٍ، فَيَكُونُ كَافِرًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأَمَّا عَلَى امْتِهَانِهِ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حُرْمَةِ الْجَارِ، وَمِنْ تَأْكِيدِ عَهْدِ الْجِوَارِ فَيَكُونُ فَاسِقًا فِسْقًا عَظِيمًا، وَمُرْتَكِبَ كَبِيرَةٍ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِالْكُفْرِ، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ بَرِيدُ الْكُفْرِ، فَيَكُونُ مِنَ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ وَمَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُبَالِغُونَ فِي رِعَايَتِهِ وَحِفْظِ حَقِّهِ.
حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ أَبَرَّ مِنْكُمْ بِالْجَارِ، هَذَا قَائِلُهُمْ قَالَ:
نَارِي وَنَارُ الْجَارِ وَاحِدَةٌ ... وَإِلَيْهِ قَبْلِي يَنْزِلُ الْقَدَرُ
مَا ضَرَّ جَارِيَ إِذْ أُجَاوِرُهُ ... أَنْ لَا يَكُونَ لِبَابِهِ سَتْرُ
أَغُضُّ طَرْفِيَ إِذْ مَا جَارَتِي بَرَزَتْ ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي الْخِدْرُ
وَقَالَ آخَرُ:
أَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِي جَارَتِي ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا
قَالَ الْحَافِظُ: وَاسْمُ الْجَارِ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ وَالْعَابِدَ وَالْفَاسِقَ وَالصَّدِيقَ وَالْعَدُوَّ وَالْغَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ وَالنَّافِعَ وَالضَّارَّ وَالْقَرِيبَ وَالْأَجْنَبِيَّ وَالْأَقْرَبَ دَارًا وَالْأَبْعَدَ، وَلَهُ مَرَاتِبُ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَأَعْلَى مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُوَلُ كُلُّهَا، ثُمَّ أَكْثَرُهَا وَهَلُمَّ جَرَّا إِلَى الْوَاحِدِ، وَعَكْسُهُ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُخْرَى، فَيُعْطَى كُلٌّ حَقَّهُ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَقَدْ تَتَعَارَضُ صِفَتَانِ فَتُرَجِّحُ أَوْ تُسَاوِي، وَقَدْ حَمَلَهُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى الْعُمُومِ، فَأَمَرَ لَمَّا ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ أَنْ يُهْدَى مِنْهَا لِجَارِهِ الْيَهُودِيِّ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَوَرَدَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ: " «الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَهُوَ الْمُشْرِكُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَحَقُّ الْإِسْلَامِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ رَحِمٌ؛ حَقُّ الْإِسْلَامِ، وَالْجِوَارِ، وَالرَّحِمِ» ، وَالْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، فَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ
مَنْدُوبًا، وَيَجْمَعُ الْجَمِيعَ أَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَجَاءَ تَفْسِيرُ الْإِحْسَانِ وَالْإِكْرَامِ لِلْجَارِ فِي أَخْبَارٍ أُخَرَ مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْخَرَائِطِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، قُلْتُ: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ جَارِي عَلِيَّ؟ قَالَ: إِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ شَيَّعْتَهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنَّ أَعْوَزَ سَتَرْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَلَا تَرْفَعْ بِنَاءَكَ فَوْقَ بِنَائِهِ فَتَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيحَ، وَلَا تُؤْذِيهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا» "، وَرَوَى الْخَرَائِطِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاذٍ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الْجَارِ عَلَى جَارِهِ؟ قَالَ: إِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضَتْهُ، وَإِنِ اسْتَعَانَكَ أَعَنْتَهُ، وَإِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنِ احْتَاجَ أَعْطَيْتَهُ، وَإِنِ افْتَقَرَ عُدْتَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ اتَّبَعَتْ جِنَازَتَهُ، وَلَا تَسْتَطِيلُ عَلَيْهِ الْبِنَاءَ فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تُؤْذِيهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا "، وَإِنِ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً، فَأَهْدِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا، وَلَا تُخْرِجْ بِهَا وَلَدَكَ لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ» "، وَرَوَاهُ الْخَرَائِطِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، وَأَسَانِيدُهُمْ وَاهِيَةٌ، لَكِنَّ تَعَدُّدَ مَخَارِجِهَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا.
قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: وَإِكْرَامُ الْجَارِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَالَّذِي يَشْمَلُ جَمِيعَ وُجُوهِ، الْإِكْرَامُ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ، وَمَوْعِظَتُهُ بِالْحُسْنَى، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ، وَتَرْكُ الْإِضْرَارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ حِسِّيًّا كَانَ أَوْ مَعْنَوِيًّا، إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْإِضْرَارُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، وَالَّذِي يَخُصُّ الصَّالِحَ هُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ، وَغَيْرَ الصَّالِحِ كَفُّهُ عَمَّا يَرْتَكِبُهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَعِظُ الْكَافِرَ بِعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، وَإِظْهَارِ مَحَاسِنِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَالْفَاسِقَ بِمَا يَلِيقُ بِهِ بِرِفْقٍ، فَإِنْ أَفَادَ، وَإِلَّا هَجَرَهُ قَاصِدًا تَأْدِيبَهُ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالسَّبَبِ، وَهُنَا تَنْبِيهٌ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِإِكْرَامِ الْجَارِ مَعَ الْحَائِلِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْعَى حَقَّ الْحَافِظَيْنِ اللَّذَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا جِدَارٌ، وَلَا حَائِلٌ، فَلَا يُؤْذِيهِمَا بِأَنْوَاعِ الْمُخَالَفَاتِ فِي مُرُورِ السَّاعَاتِ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُمَا يُسَرَّانِ بِالْحَسَنَاتِ وَيَحْزَنَانِ بِالسَّيِّئَاتِ، فَيَنْبَغِي إِكْرَامُهُمَا وَرِعَايَةُ جَانِبِهِمَا بِالْإِكْثَارِ مِنْ عَمَلِ الطَّاعَاتِ، وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَجَنُّبِ الْمَعَاصِي، فَهُمَا أَوْلَى بِالْإِكْرَامِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْجِيرَانِ اه.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: حَدُّ الْجِوَارِ فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ مَرْفُوعًا، إِلَى أَرْبَعِينَ دَارًا، وَلَمْ يَثْبُتْ، وَعَنَوْا بِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَهَذَا دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ عِنْدَ النَّظَرِ أَنَّ الْجَارَ لَهُ مَرَاتِبٌ: الْأَوَّلُ الْمُلَاصَقَةُ، وَالثَّانِي الْمُخَالَطَةُ بِأَنْ يَجْمَعَهُمَا مَسْجِدٌ، أَوْ مَجْلِسٌ، أَوْ بُيُوتٌ، وَيَتَأَكَّدُ الْحَقُّ مَعَ الْمُسْلِمِ، وَيَبْقَى أَصْلُهُ مَعَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْعَاصِي بِالتَّسَتُّرِ عَلَيْهِ اه.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» "، قَالَ الزَّوَاوِيُّ: هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا كَانَ الْمَشْيُ قَلِيلًا فَالْأَقْرَبُ بَابًا أَوْلَى بِهِ، فَأَمَّا مَعَ السَّعَةِ وَكَثْرَةِ مَا يُهْدَى فَلْيُهْدِ
إِلَى غَيْرِ وَاحِدٍ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ.
(وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إِيمَانًا كَامِلًا، ( «فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» ) بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَالْإِتْحَافِ وَالزِّيَادَةِ (جَائِزَتُهُ) - بِجِيمٍ، وَزَايٍ مَنْقُوطَةٍ - أَيْ مِنْحَتُهُ، وَعَطِيَّتُهُ وَإِتْحَافُهُ بِأَفْضَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، رُوِيَ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) ، وَبِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ثَانِي لِيُكْرِمْ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى يُعْطِي، أَوْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ بِجَائِزَتِهِ، وَهِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَبَدَلُ اشْتِمَالٍ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ: " «فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ، قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» "، (وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) بِالْيَوْمِ الْأَوَّلِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ بَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ، لَكِنْ فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: مَعْنَى جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَنْ يُتْحِفَهُ، وَيُكْرِمَهُ بِأَفْضَلِ مَا يَسْتَطِيعُهُ، وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةٌ كَأَنَّهُ يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ كَمَا يَتَكَلَّفُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضِّيَافَةَ لِمَنْ أَرَادَ الْجَوَازَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَلِمَنْ أَرَادَ الْمَقَامَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ يَتَكَلَّفُ لَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَيُتْحِفُهُ وَيَزِيدُ فِي الْبِرِّ عَلَى مَا يُحْضِرُهُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَفِي الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ يُقَدِّمُ لَهُ مَا حَضَرَ، فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثُ فَقَدْ مَضَى حَقُّهُ.
(فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) مِمَّا يُحْضِرُهُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، (فَهُوَ صَدَقَةٌ) عَلَيْهِ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِصَدَقَةٍ تَنْفِيرٌ عَنْهُ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا سِيَّمَا الْأَغْنِيَاءُ يَأْنَفُونَ غَالِبًا مِنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أَصْهَارِهِ، فَيَأْتِيهِ طَعَامُهُ مِنْ عِنْدِ دَارِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، فَيَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَقُولُ: احْبِسُوا عَنَّا صَدَقَتَكُمْ، وَيَقُولُ لِنَافِعٍ: أَنْفِقْ مِنْ عِنْدِكَ الْآنَ، أَخْرَجَهُ أَبُو عُمَرَ فِي التَّمْهِيدِ.
(وَلَا يَحِلُّ لَهُ) لِلضَّيْفِ (أَنْ يَثْوِيَ) - بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَكَسْرِ الْوَاوِ، أَيْ يُقِيمَ (عِنْدَهُ) عِنْدَ مَنْ أَضَافَهُ (حَتَّى يُحْرِجَهُ) - بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَجِيمٍ - مِنَ الْحَرَجِ، وَهُوَ الضِّيقُ قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَيْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ حَتَّى يُؤَثِّمَهُ، وَهُوَ أَنْ يَضُرَّ بِهِ مَقَامَهُ، فَيَقُولَ أَوْ يَفْعَلَ مَا يُؤَثِّمُهُ، انْتَهَى.
وَلِمُسْلِمٍ: حَتَّى يُؤَثِّمَهُ، أَيْ يُوقِعَهُ فِي الْإِثْمِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَغْتَابُهُ لِطُولِ إِقَامَتِهِ، أَوْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُؤْذِيهِ، أَوْ يَظُنُّ بِهِ ظَنًّا سَيِّئًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ الْحَرَجُ جَازَتِ الْإِقَامَةُ بَعْدَ أَنْ يَخْتَارَ الْمُضِيفُ إِقَامَةَ الضَّيْفِ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الضَّيْفِ أَنَّ الْمُضِيفَ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ لِلِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ الضِّيَافَةَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الدِّينِ، وَخُلُقِ النَّبِيِّينَ لَا وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ: جَائِزَةُ، وَالْجَائِزَةُ تَفَضُّلٌ وَإِحْسَانٌ لَا تَجِبُ اتِّفَاقًا، هَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ بَطَّالٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ اللَّيْثُ وَأَحْمَدُ: تَجِبُ الضِّيَافَةُ لَيْلَةً وَاحِدَةً لِلْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: " «لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» "
وَحَدِيثُ الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا: " «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» "، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حَتَّى كَانَتِ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةً، أَوْ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِقِلَّةِ الْأَزْوَادِ، ثُمَّ نُسِخَ، وَبِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُضْطَرِّينَ، فَإِنَّ ضِيَافَتَهُمْ وَاجِبَةٌ مِنْ حَيْثُ الِاضْطِرَارِ، أَوْ مَخْصُوصٌ بِالْعُمَّالِ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ الْإِمَامُ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ، أَوِ الْكَلَامُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ الْمَارَّةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا أَهْلُ الْحَضَرِ وَالْبَادِيَةِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ: إِنَّمَا هِيَ عَلَى أَهْلِ الْبَوَادِي، لَا عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ لِوُجُودِ الْفَنَادِقِ وَغَيْرِهَا لِلنُّزُولِ فِيهَا، وَوُجُودِ الطَّعَامِ لِلْبَيْعِ فِيهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ إِلَّا بِالْقِيَامِ بِكِفَايَتِهِ، فَلَوْ أَطْعَمَهُ بَعْضَ كِفَايَتِهِ لَمْ يُكْرِمْهُ لِانْتِفَاءِ جُزْءِ الْإِكْرَامِ، وَإِذَا انْتَفَى جُزْؤُهُ انْتَفَى كُلُّهُ.
وَفِي كِتَابِ الْمُنْتَخَبِ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مَعَ الضَّيْفِ، فَلْيُلْقِمْهُ بِيَدِهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كُتِبَ لَهُ بِهِ عَمَلُ سَنَةٍ صِيَامُ نَهَارِهَا، وَقِيَامُ لَيْلِهَا» "، وَمِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ: مِنْ إِكْرَامِ الضَّيْفِ أَنْ يَضَعَ لَهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ حِينَ يَدْخُلُ الْمَنْزِلَ، وَمِنْ إِكْرَامِهِ أَنْ يُرْكِبَهُ إِذَا انْقَلَبَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِنْ كَانَ بَعِيدًا، وَأَنْ يَجْلِسَ تَحْتَهُ.
وَرَوَى ابْنُ شَاهِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِرَفْعِهِ: " «مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ لُقْمَةَ حَلْوَةٍ، لَمْ يَذُقْ مَرَارَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، هَذَا وَمَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ فِيمَنْ وَجَدَ فَاضِلًا عَنْ مَنْ يُمَوِّنُهُ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَعَلَى زَوْجَتِهِ بِإِيثَارِهِمَا الضَّيْفَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَصِبْيَانِهِمَا حَيْثُ نَوَّمَتْهُمْ أُمُّهُمْ حَتَّى أَكَلَ الضَّيْفُ، فَأُجِيبَ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ تَقْدِيمِ الضَّيْفِ عَلَى حَاجَةِ الصِّبْيَانِ بِأَنَّهُمْ لَمْ تَشْتَدَّ حَاجَتُهُمْ لِلْأَكْلِ، وَإِنَّمَا خَافَ أَبَوَاهُمَا أَنَّ الطَّعَامَ لَوْ قُدِّمَ لِلضَّيْفِ وَهُمْ مُنْتَبِهُونَ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَى الْأَكْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا جِيَاعًا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ تَجْمَعُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ الْفِعْلِيَّةَ وَالْقَوْلِيَّةَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَامِلَ الْإِيمَانِ مُتَّصِفٌ بِالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ قَوْلًا بِالْخَيْرِ، أَوْ سُكُوتًا عَنِ الشَّرِّ، أَوْ فِعْلًا لِمَا يَنْفَعُ، أَوْ تَرْكًا لِمَا يَضُرُّ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُهُ مِنْ تَوَقُّفِ الْإِيمَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ، بَلِ الْمُرَادُ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ كَمَا عُلِمَ، أَوْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِجْلَابِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَمَا تَقُولُ لِوَلَدِكَ: إِنْ كُنْتَ ابْنِي فَأَطْعِمْنِي تَحْرِيضًا، وَتَهْيِيجًا عَلَى الطَّاعَةِ ; لِأَنَّهُ بِانْتِفَاءِ الطَّاعَةِ تَنْتَفِي وَلَدِيَّتُهُ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَإِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ نَحْوَهُ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إِذْ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ وَخَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا فَقَالَ فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»
ــ
١٧٢٩ - ١٦٧٩ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ) - بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ - (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ (السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: بَيْنَمَا) - بِمِيمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ بِدُونِهَا - (رَجُلٌ) قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ يُسَمَّ (يَمْشِي بِطَرِيقٍ) ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْمُوطَّآتِ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ: " يَمْشِي بِفَلَاةٍ "، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: " يَمْشِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ "، (إِذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ) مِنْهَا، (وَخَرَجَ) مِنَ الْبِئْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ خَرَجَ "، (فَإِذَا كَلْبٌ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: " فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ "، (يَلْهَثُ) - بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَمُثَلَّثَةٍ - أَيْ يَرْتَفِعُ نَفَسُهُ بَيْنَ أَضْلَاعِهِ، أَوْ يُخْرِجُ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ حَالَ كَوْنِهِ (يَأْكُلُ الثَّرَى) - بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ، وَالْقَصْرِ - التُّرَابَ النَّدِيَّ (مِنَ الْعَطَشِ) ، وَيَجُوزُ أَنَّ " يَأْكُلُ " خَبَرٌ ثَانٍ، (فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ) - بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ - (مِنَ الْعَطَشِ) الشَّدِيدِ الَّذِي أَصَابَهُ (مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي) ، وَفِي رِوَايَةٍ " بِي "، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " فَرَحِمَهُ "، وَ " مِثْلُ " ضَبَطَهُ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ بِالنَّصْبِ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ بَلَغَ مَبْلَغًا مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: وَلَا يَتَعَيَّنُ لِجَوَازِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ مَفْعُولٌ بِهِ، أَيْ عَطَشًا، وَضَبَطَهُ الْحَافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ وَغَيْرُهُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ يَبْلُغُ، فَهُمَا رِوَايَتَانِ، (فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ) مَاءً، (ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ) لِيَصْعَدَ مِنَ الْبِئْرِ لِعُسْرِ الرُّقِيِّ مِنْهَا، (حَتَّى رَقِيَ) - بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الْقَافِ - كَصَعِدَ وَزَنًا وَمَعْنًى، وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ التِّينِ أَنَّ الرِّوَايَةَ رَقَى بِفَتْحِ الْقَافِ، فَإِنَّهُ قَالَ: كَذَا وَقَعَ، وَصَوَابُهُ: رَقِيَ عَلَى وَزْنِ عَلِمَ، وَمَعْنَاهُ: صَعِدَ، قَالَ تَعَالَى: {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ} [الإسراء: ٩٣] (سورة الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ٩٣) ، وَأَمَّا رَقَى بِفَتْحِ الْقَافِ، فَمِنَ الرُّقْيَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، وَخَرَّجَهُ عَلَى لُغَةِ طَيٍّ فِي مِثْلِ: بَقَى يَبْقَى وَرَضَى يَرْضَى يَأْتُونَ بِالْفَتْحَةِ مَكَانَ الْكَسْرَةِ، فَتُقْلَبُ الْيَاءُ أَلِفًا، وَهَذَا دَأْبُهُمْ فِي كُلِّ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: وَلَعَلَّ الْمُقْتَضِيَ لِإِيثَارِ الْفَتْحِ هُنَا - إِنْ صَحَّ - قَصْدُ الْمُزَاوَجَةِ بَيْنَ رَقَى وَسَقَى، وَهِيَ مِنْ مَقَاصِدِهِمُ الَّتِي يَعْتَمِدُونَ فِيهَا تَغْيِيرَ الْكَلِمَةِ عَنْ وَضْعِهَا الْأَصْلِيِّ.
(فَسَقَى الْكَلْبَ) ، زَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " حَتَّى أَرْوَاهُ "، كَمَا
فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَيْ جَعَلَهُ رَيَّانَ، (فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ) ، أَثْنَى عَلَيْهِ، أَوْ قَبِلَ عَمَلَهُ ذَلِكَ، أَوْ أَظْهَرَ مَا جَازَاهُ بِهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ.
(فَغَفَرَ لَهُ) ، الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ بِسَبَبِ قَبُولِهِ غَفَرَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ دِينَارٍ بَدَلَهُ: " فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ "، (فَقَالُوا) : أَيِ الصَّحَابَةُ، وَسُمِّيَ مِنْهُمْ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ حِبَّانَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) الْأَمْرُ كَمَا قُلْتَ، (وَإِنَّ لَنَا فِي) سَقْيِ (الْبَهَائِمِ) ، أَوْ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهَا (لَأَجْرًا) ثَوَابًا؟ (فَقَالَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فِي كُلِّ كَبِدٍ) - بِفَتْحِ الْكَافِ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ - وَيَجُوزُ سُكُونُهَا، وَكَسْرُ الْكَافِ، وَسُكُونُ الْمُوَحَّدَةِ -: رَطْبَةٍ بِرُطُوبَةِ الْحَيَاةِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ، أَوْ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ لَازِمَةٌ لِلْحَيَاةِ فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْهَا، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ وَصْفِ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: فِي كُلِّ كَبِدٍ حَرَّى لِمَنْ سَقَاهَا حَتَّى تَصِيرَ رَطْبَةً (أَجْرٌ) بِالرَّفْعِ، مُبْتَدَأٌ قُدِّمَ خَبَرُهُ، أَيْ حَاصِلٌ وَكَائِنٌ فِي إِرْوَاءِ كُلِّ ذِي كَبِدٍ حَيَّةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ " فِي " سَبَبِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمَعْنَى: فِي كُلِّ كَبِدٍ حَيٍّ، وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ، قَالَ الْأُبِّيُّ: حَتَّى الْكَافِرُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: ٨] (سورة الْإِنْسَانِ: الْآيَةُ ٨) ; لِأَنَّ الْأَسِيرَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَغْلَبِ كَافِرًا، انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: هَذَا الْحَدِيثُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَقَوْلُهُ: فِي كُلِّ كَبِدٍ، مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْبَهَائِمِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِقَتْلِهِ كَالْخِنْزِيرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْوَى لِيَزْدَادَ ضَرَرُهُ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: عُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ، وَهُوَ مِمَّا لَمْ يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ فَيَحْصُلُ الثَّوَابُ بِسَقْيِهِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ إِطْعَامُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَا يَمْنَعُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ، يَعْنِي: فَيَسْقِي، ثُمَّ يَقْتُلُ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نُحْسِنَ الْقِتْلَةَ، وَنُهِينَا عَنِ الْمُثْلَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ حَفْرِ الْآبَارِ فِي الصَّحْرَاءِ لِانْتِفَاعِ عَطْشَانَ وَغَيْرِهِ بِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ سَاغَ مَعَ مَظِنَّةِ الِاسْتِضْرَارِ بِهَا مِنْ سَاقِطٍ بِلَيْلٍ، أَوْ وُقُوعِ بَهِيمَةٍ، وَنَحْوِهَا فِيهَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ أَكْثَرَ وَمُتَحَقِّقَةً، وَالِاسْتِضْرَارُ نَادِرًا، أَوْ مَظْنُونًا غَلَبَ الِانْتِفَاعُ، وَسَقَطَ الضَّمَانُ، فَكَانَتْ جُبَارًا، فَلَوْ تَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ لَمْ يَجُزْ، وَضَمِنَ الْحَافِرُ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ وَأَنَّ سَقْيَ الْمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشُّرْبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الْمَظَالِمِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَفِي الْأَدَبِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحَيَوَانِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْجِهَادِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَهُمْ ثَلَاثُ مِائَةٍ قَالَ وَأَنَا فِيهِمْ قَالَ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ قَالَ فَكَانَ يُقَوِّتُنَاهُ كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ وَلَمْ تُصِبْنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ فَقُلْتُ وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حَيْثُ فَنِيَتْ قَالَ ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا وَلَمْ تُصِبْهُمَا»
قَالَ مَالِكٌ الظَّرِبُ الْجُبَيْلُ
ــ
١٧٣٠ - ١٦٨٠ - (مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ) الْقُرَشِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَدَنِيِّ الْمُعَلِّمِ، ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْثًا قِبَلَ) - بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ - جِهَةَ (السَّاحِلِ) ، أَيْ سَاحِلِ الْبَحْرِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " يَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ "، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرٍ: " بَعَثَنَا إِلَى أَرْضِ جُهَيْنَةَ "، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ بَعْثَهُمْ إِلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ بِالْقَبْلِيَّةِ - بِفَتْحِ الْقَافِ، وَالْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ، وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ - مِمَّا يَلِي سَاحِلَ الْبَحْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسُ لَيَالٍ، وَأَنَّهُمُ انْصَرَفُوا، وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا، أَيْ حَرْبًا، وَلَا مُنَافَاةَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْبَعْثَ لِلْمُتَصَدِّينَ رَصَدَ عِيرَ قُرَيْشٍ، وَقَصَدَ مُحَارَبَةَ حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنَّ تَلَقِّيَ عِيرِ قُرَيْشٍ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ فِي الْهُدْنَةِ، بَلْ مُقْتَضَى مَا فِي الصَّحِيحِ أَنْ يَكُونَ الْبَعْثُ فِي سَنَةِ سِتٍّ، أَوْ قَبْلَهَا قَبْلَ هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَلَقِّيَهُمْ لِلْعِيرِ لَيْسَ لِحَرْبِهِمْ، بَلْ لِحِفْظِهِمْ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْخَبَرِ أَنَّهُمْ قَاتَلُوا أَحَدًا، بَلْ فِيهِ أَنَّهُمْ أَقَامُوا نِصْفَ شَهْرٍ وَأَكْثَرَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: قَالُوا: كَانَ ذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ بَعْدَ نَكْثِ قُرَيْشٍ الْعَهْدَ، وَقَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْهُدَى: كَوْنُهُ فِي رَجَبٍ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِذْ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلَا أَغَارَ فِيهِ، وَلَا بَعَثَ فِيهِ سَرِيَّةً، قَالَ الْحَافِظُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْحَلَبِيُّ: هَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ مَلِيحٌ لَكِنَّهُ عَلَى مُخْتَارِهِ مِنْ عَدَمِ نَسْخِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ كَشَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَةَ تَبَعًا لِلظَّاهِرِيَّةِ، وَعَطَاءٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ مِنْ نَسْخِهِ.
(فَأَمَّرَ) - بِشَدِّ الْمِيمِ - أَيْ جَعَلَ أَمِيرًا (عَلَيْهِمْ) ، أَيْ عَلَى الْبَعْثِ (أَبَا عُبَيْدَةَ) عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ الْجَرَّاحِ) الْقُرَشِيَّ الْفِهْرِيَّ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الْبَدْرِيَّ مِنَ السَّابِقِينَ، مَاتَ شَهِيدًا بِطَاعُونِ عَمْوَاسٍ سَنَةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ أَمِيرًا عَلَى الشَّامِ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ.
وَفِي رِوَايَةِ حَمْزَةَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ: " أَمَّرَ عَلَيْنَا قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ "، قَالَ الْحَافِظُ: وَالْمَحْفُوظُ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ رِوَايَاتُ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَكَأَنَّ أَحَدَ رُوَاتِهِ ظَنَّ مِنْ صُنْعِ قَيْسٍ مِنْ نَحْرِ الْإِبِلِ الَّتِي اشْتَرَاهَا أَنَّهُ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(وَهُمْ) ، أَيِ الْجَيْشُ (ثَلَاثُمِائَةٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الرِّوَايَاتِ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَبِهِ جَزَمَ أَهْلُ السِّيَرِ كَابْنِ سَعْدٍ
قَائِلًا: مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلِلنَّسَائِيِّ أَيْضًا بِضْعَ عَشْرَةَ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَإِنْ صِحَّتْ فَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ اسْتِسْهَالًا لِأَمْرِ الْكَسْرِ لِقِلَّتِهِ، لَكِنَّ الْأَخْذَ بِالزِّيَادَةِ مَعَ صِحَّتِهَا وَاجِبٌ ; لِأَنَّهُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ.
(قَالَ) جَابِرٌ: (وَأَنَا فِيهِمْ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ "، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ وَهْبٍ: " نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا "، (فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ) الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ لِلتَّكَلُّمِ (فَنِيَ) - بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَكَسْرِ النُّونِ: فَرَغَ (الزَّادُ) جَوَّزَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى فَنِيَ: أَشْرَفَ عَلَى الْفَنَاءِ، (فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ) - بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَإِسْكَانِ الزَّايِ، وَفَتْحِ الْوَاوِ وَالدَّالِ - تَثْنِيَةَ مِزْوَدٍ بِالْكَسْرِ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الزَّادُ.
(قَالَ) جَابِرٌ: (فَكَانَ) أَبُو عُبَيْدَةَ (يُقَوِّتُنَاهُ) - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَبِضَمِّهِ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْوِيتِ - (كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (حَتَّى فَنِيَ) مَا فِي الْمِزْوَدَيْنِ مِنَ التَّمْرِ، (وَلَمْ تُصِبْنَا) مِمَّا جُمِعَ ثَانِيًا مِنَ الْأَزْوَادِ الْخَاصَّةِ، (إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ) كُلَّ يَوْمٍ هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى فَنِيَ: أَشْرَفَ عَلَى الْفَنَاءِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ: ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ أَزْوَادٌ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ وَأَزْوَادٌ بِطَرِيقِ الْخُصُوصِ، فَلَمَّا فَنِيَ الَّذِي بِطَرِيقِ الْعُمُومِ اقْتَضَى رَأْيُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ يَجْمَعَ الَّذِي بِطَرِيقِ الْخُصُوصِ لِقَصْدِ الْمُوَاسَاةِ بَيْنَهُمْ، فَفَعَلَ فَكَانَ جَمِيعُهُ مِزْوَدًا وَاحِدًا.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: " «فَزَوَّدَنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً» "، وَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ حَدِيثَ الْبَابِ وَيُجْمَعُ بِأَنَّ الزَّادَ الْعَامَّ كَانَ قَدْرَ جِرَابٍ، فَلَمَّا نَفِدَ وَجَمَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ الزَّادَ الْخَاصَّ اتَّفَقَ أَنَّهُ قُدِّرَ جِرَابٌ، وَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الرَّاوِيَيْنِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْآخَرُ، وَأَمَّا تَفْرِقَتُهُ تَمْرَةً تَمْرَةً، فَكَانَ فِي ثَانِي الْحَالِ، انْتَهَى.
وَلَا بَأْسَ بِمَا قَالَ إِلَّا قَوْلَهُ: مِزْوَدًا وَاحِدًا، فَإِنَّ الْحَدِيثَ هُنَا، وَفِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ رُوِيَ بِالتَّثْنِيَةِ، وَقَوْلُ عِيَاضٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَزْوَادِهِمْ تَمْرٌ غَيْرُ الْجِرَابِ الْمَذْكُورِ، وَرَدَّهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ حَدِيثَ وَهْبٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الَّذِي اجْتَمَعَ مِنْ أَزْوَادِهِمْ مِزْوَدَا تَمْرٍ، وَرِوَايَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّدَهُمْ جِرَابًا مَنْ تَمْرٍ، فَصَحَّ أَنَّ التَّمْرَ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِ الْجِرَابِ، قَالَ: وَقَوْلُ غَيْرِهِ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَفْرِقَتَهُ عَلَيْهِمْ تَمْرَةً تَمْرَةً قَصْدًا لِبَرَكَتِهِ، وَكَانَ يُفَرِّقُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَزْوَادِ الَّتِي جُمِعَتْ أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ بَعِيدٌ مِنَ السِّيَاقِ، بَلْ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، فَقَلَّتْ أَزْوَادُنَا حَتَّى مَا كَانَ يُصِيبُ الرَّجُلَ مِنَّا إِلَّا تَمْرَةٌ، قَالَ وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ: (فَقُلْتُ) لِجَابِرٍ:
(وَمَا تُغْنِي) عَنْكُمْ (تَمْرَةٌ) ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْ وَهْبٍ: وَأَيْنَ كَانَتِ التَّمْرَةُ تَقَعُ مِنَ الرَّجُلِ؟ (فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا) مُؤَثِّرًا (حَيْثُ فَنِيَتْ) ، لِأَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ لَا شَيْءَ، إِذْ تُحَلِّي الْفَمَ وَتَرُدُّ بَعْضَ أَلَمِ الْجُوعِ.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ: " أَنَّهُ أَيْضًا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا، فَقُلْتُ: مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَيَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ "، وَزَادَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: " «فَأَقَمْنَا عَلَى السَّاحِلِ حَتَّى فَنِيَ زَادُنَا، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ» " - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ - أَيْ وَرَقَ السَّلَمِ - بِفَتْحَتَيْنِ - شَجَرٌ عَظِيمٌ لَهُ شَوْكٌ كَالْعَوْسَجِ وَالطَّلْحِ، قِيلَ: وَهُوَ الَّذِي أَكَلُوا وَرَقَهُ.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: " «وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ وَنَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ» "، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَابِسًا خِلَافًا لِزَعْمِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ كَانَ أَخْضَرَ رَطْبًا، وَلِهَذَا تُعْرَفُ بِسَرِيَّةِ الْخَبَطِ.
(قَالَ) جَابِرٌ: (فَانْتَهَيْنَا) ، وَفِي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ انْتَهَيْنَا " (إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ) : اسْمُ جِنْسٍ لِجَمِيعِ السَّمَكِ، وَقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِمَا عَظُمَ مِنْهُ، (مِثْلُ الظَّرِبِ) - بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَمُوَحَّدَةٍ، حَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ السَّاقِطَةِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ - الْجَبَلُ الصَّغِيرُ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: هُوَ بِسُكُونِ الرَّاءِ إِذَا كَانَ مُنْبَسِطًا لَيْسَ بِالْعَالِي.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: " «فَوَقَعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ فَأَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ» "، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: " فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا الْعَنْبَرُ "، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَيْضًا: " فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ "، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْعَنْبَرُ دَابَّةٌ بَحْرِيَّةٌ كَبِيرَةٌ يُتَّخَذُ مِنْ جِلْدِهَا التِّرْسَةُ، وَيُقَالُ إِنَّ الْعَنْبَرَ الْمَشْمُومَ رَجِيعُ هَذَا الدَّابَّةِ، وَقِيلَ: الْمَشْمُومُ يَخْرُجُ مِنَ الشَّجَرِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ فِي أَجْوَافِ السَّمَكِ الَّذِي تَبْتَلِعُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: رَأَيْتُ الْعَنْبَرَ نَابَتَا فِي الْبَحْرِ مُلْتَوِيًا مِثْلَ عُنُقِ الشَّاةِ، وَفِي الْبَحْرِ دَابَّةٌ تَأْكُلُهُ وَهُوَ سُمٌّ لَهَا فَيَقْتُلُهَا فَيَقْذِفُهُ الْبَحْرُ فَيَخْرُجُ الْعَنْبَرُ مِنْ بَطْنِهَا.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْعَنْبَرُ سَمَكَةٌ تَكُونُ بِالْبَحْرِ الْأَعْظَمِ يَبْلُغُ طُولُهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا، يُقَالُ لَهَا: بَالَةٌ وَلَيْسَتْ عَرَبِيَّةً.
(فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: " فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ "، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ: " فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا "، قَالَ الْحَافِظُ: وَيُجْمَعُ بِأَنَّ مَنْ قَالَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، ضَبَطَ مَا لَمْ يَضْبِطْهُ غَيْرُهُ، وَمَنْ قَالَ نِصْفَ شَهْرٍ، أَلْغَى الْكَسْرَ الزَّائِدَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَنْ قَالَ شَهْرًا جَبَرَ الْكَسْرَ، أَوْ ضَمَّ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ وِجْدَانِهِمُ الْحُوتَ إِلَيْهَا، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ رِوَايَةَ أَبِي الزُّبَيْرِ لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمٌ، وَلَعَلَّ الْجَمْعَ
الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَوْلَى.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ: اثْنَى عَشَرَ يَوْمًا وَهِيَ شَاذَّةٌ، وَأَشَدُّ مِنْهَا شُذُوذًا، رِوَايَةُ الْخَوْلَانِيِّ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، زَادَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ: " «وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهِ حَتَّى ثَابَتْ إِلَيْنَا أَجْسَامُنَا» " - بِمُثَلَّثَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ - أَيْ رَجَعَتْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ حَصَلَ لَهُمْ فَزَالَ مِنَ الْجُوعِ السَّابِقِ.
(ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ) - بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ - (مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا) - بِالتَّذْكِيرِ - وَإِنْ كَانَتِ الضِّلَعُ مُؤَنَّثَةً لِأَنَّهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ فَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ.
(ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ) أَنْ تَرْحَلَ (فَرَحَلَتْ) - بِخِفَّةِ الْحَاءِ، وَشَدِّهَا - (ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا) الرَّاحِلَةُ لِعِظَمِهِمَا.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " «فَعَمَدَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ مَعَهُ فَمَرَّ تَحْتَهُ» "، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: " «ثُمَّ أَمَرَ بِأَجْسَمِ بَعِيرٍ مَعَنَا فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَجْسَمَ رَجُلٍ مِنَّا، فَخَرَجَ مِنْ تَحْتِهَا وَمَا مَسَّتْهُ رَأَسُهُ» "، وَجَزَمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ بِأَنَّ الرَّجُلَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَأَظُنُّهُ قَيْسًا فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ بِالطُّولِ، وَقِصَّتُهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ مَعْرُوفَةٌ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ أَطْوَلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، وَنَزَعَ لَهُ قِيسٌ سَرَاوِيلَهُ فَكَانَتْ طُولَ قَامَةِ الرُّومِيِّ بِحَيْثُ كَانَ طَرَفُهَا عَلَى أَنْفِهِ، وَطَرَفُهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَعُوتِبَ قَيْسٌ فِي نَزْعِ سَرَاوِيلِهِ فَقَالَ: أَرَدْتُ لِكَيْمَا يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهَا سَرَاوِيلُ قَيْسٍ وَالْوُفُودُ شُهُودٌ وَأَنْ لَا يَقُولُوا غَابَ قَيْسٌ وَهَذِهِ سَرَاوِيلُ عَادِيٍّ نَمَّتْهُ ثَمُودٌ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنَيْهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالتَّوْرِ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنَيْهِ - بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَسُكُونِ الْقَافِ وَمُوَحَّدَةٍ - النُّقْرَةُ الَّتِي فِيهَا الْحَدَقَةُ، وَالْفِدَرُ - بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ - جَمْعُ فِدْرَةٍ - بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ -: الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي رِوَايَةِ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ: " وَحَمَلْنَا مَا شِئْنَا مِنْ قَدِيدٍ وَوَدَكٍ فِي الْأَسْقِيَةِ وَالْغَرَائِرِ "، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ جَابِرٍ: " «فَأَتَيْنَا سَيْفَ الْبَحْرِ فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً، فَأَلْقَى دَابَّةً فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ، فَأَطْبَخْنَا وَاشْتَوَيْنَا وَأَكَلْنَا وَشَبِعْنَا قَالَ جَابِرٌ: فَدَخَلْتُ أَنَا وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا مَا يَرَانَا أَحَدٌ حَتَّى خَرَجْنَا، وَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهَا فَقَوَّسْنَاهُ، وَدَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ» " وَكِفْلٌ - بِكَسْرِ الْكَافِ، وَسُكُونِ الْفَاءِ وَلَامٍ - كِسَاءٌ يَجْعَلُهُ الرَّاكِبُ عَلَى سَنَامِهِ لِئَلَّا يَسْقُطَ.
وَفِي رِوَايَةِ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ: " وَحَمَلْنَا مَا شِئْنَا مِنْ قَدِيدٍ وَوَدَكٍ "، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: " «فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ، أَطْعِمُونَا
إِنْ كَانَ مَعَكُمْ فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ بِعُضْوٍ مِنْهُ فَأَكَلَهُ» "، وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: " «فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ فَهَلْ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِهِ فَتُطْعِمُونَا؟ فَكَانَ مَعَنَا مِنْهُ شَيْءٌ فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ فَأَكَلَ» "، وَلِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ عَنِ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ: " «فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّا نُدْرِكُهُ لَمْ يُرْوِحْ لَأَحْبَبْنَا لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مِنْهُ» "، قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا لَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ أَبِي الزُّبَيْرِ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ ازْدِيَادًا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ أَحْضَرُوا لَهُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُحْضِرُوا لَهُ مِنْهُ، وَكَانَ مَا أَحْضَرُوهُ لَمْ يُرْوِحْ فَأَكَلَ مِنْهُ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ: " «وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، أَيْ عِنْدَمَا جَاعُوا، ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ بِالتَّكْرَارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» "، وَلِلْحُمَيْدِيِّ فِي مَسْنَدِهِ وَغَيْرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ «عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي وَكُنْتُ فِي جَيْشِ الْخَبَطَ أَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ قَالَ: انْحَرْ، قُلْتُ: نَحَرْتُ ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ: انْحَرْ، قُلْتُ: نَحَرْتُ ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ: انْحَرْ، قُلْتُ: نَحَرْتُ ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ: انْحَرْ، قُلْتُ: قَدْ نُهِيتُ» "، وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ «أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ جُوعٌ شَدِيدٌ، فَقَالَ قَيْسٌ: مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي تَمْرًا بِالْمَدِينَةِ بِجُزُرٍ هُنَا؟ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَانْتَسَبَ، فَقَالَ: عَرَفْتُ نَسَبَكَ فَابْتَاعَ مِنْهُ خَمْسَ جَزَائِرَ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَأَشْهَدَ لَهُ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَامْتَنَعَ عُمَرُ لِكَوْنِ قَيْسٍ لَا مَالَ لَهُ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: مَا كَانَ سَعْدٌ لِيَخْنَى بِابْنِهِ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ - بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ، وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَنُونٍ - أَيْ يُقَصِّرُ، قَالَ: وَأَرَى وَجْهًا حَسَنًا وَفِعْلًا شَرِيفًا، فَأَخَذَ قِيسٌ الْجُزُرَ فَنَحَرَ لَهُمْ ثَلَاثَةً كُلَّ يَوْمٍ جَزُورًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ نَهَاهُ أَمِيرُهُ فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَنْحَرَ تُرِيدُ أَنْ تَخْفِرَ ذِمَّتَكَ وَلَا مَالَ لَكَ، قَالَ قَيْسٌ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ أَتُرَى أَبَا ثَابِتٍ يَعْنِي سَعْدًا أَبَاهُ يَقْضِي دُيُونَ النَّاسِ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيُطْعِمُ فِي الْمَجَاعَةِ لَا يَقْضِي عَنِّي تَمْرًا لِقَوْمٍ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَلِينُ وَجَعَلَ عُمَرُ يَقُولُ: أَعْزِمُ فَعَزَمَ عَلَيْهِ فَبَقِيَتْ جَزُورَانِ فَقَدِمَ بِهِمَا قَيْسٌ الْمَدِينَةَ ظَهْرًا يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهِمَا، وَبَلَغَ سَعْدًا مَجَاعَةُ الْقَوْمِ فَقَالَ: إِنْ يَكُ قَيْسٌ كَمَا أَعْرِفُ فَسَيَنْحَرُ لَهُمْ، فَلَمَّا لَقِيَهُ قَالَ: مَا صَنَعْتَ فِي مَجَاعَةِ الْقَوْمِ؟ قَالَ: نَحَرْتُ، قَالَ: أَصَبْتَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نَحَرْتُ، قَالَ: أَصَبْتَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نَحَرْتُ، قَالَ: أَصَبْتَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نُهِيتُ، قَالَ: وَمَنْ نَهَاكَ؟ قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ أَمِيرِي، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ لَا مَالَ لِي وَإِنَّمَا الْمَالُ لِأَبِيكَ، فَقَالَ: لَكَ أَرْبَعُ حَوَائِطَ أَدْنَاهَا تَجِدُ مِنْهُ خَمْسِينَ وَسْقًا، وَقَدِمَ الْبَدَوِيُّ مَعَ قَيْسٍ فَأَوْفَاهُ أَوْسُقَهُ وَحَمَلَهُ وَكَسَاهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلُ قَيْسٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ فِي قَلْبِ جُودٍ» .
وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ: فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ الْجُودَ مِنْ سِيمَةِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ» "، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ نَحَرَ أَوَّلًا سِتًّا مِمَّا مَعَهُ مِنَ الظَّهْرِ، ثُمَّ اشْتَرَى خَمْسًا نَحَرَ مِنْهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ نُهِيَ، فَاقْتَصَرَ مَنْ قَالَ ثَلَاثًا عَلَى مَا نَحَرَهُ مِمَّا
اشْتَرَاهُ، وَمَنْ قَالَ تِسْعًا ذَكَرَ جُمْلَةَ مَا نَحَرَهُ، فَإِنْ سَاغَ هَذَا وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ يَتَنَزَّلِ الْحَافِظُ لِلْجَمْعِ، وَقَالَ: اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نَهْيِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَيْسًا أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى سِنَانِ الْجَيْشِ، فَقِيلَ: خِيفَةَ أَنْ تَفْنَى حُمُولَتُهُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ غَيْرِ الْعَسْكَرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَسْتَدِينُ عَلَى ذِمَّتِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ، فَأُرِيدَ الرِّفْقُ بِهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ اه.
وَلَا نَظَرَ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنَ الْعَسْكَرِ بَعْدَ نَحْرِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُوَاسَاةِ بَيْنَ الْجَيْشِ عِنْدَ الْمَجَاعَةِ، فَإِنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الطَّعَامِ يَسْتَدْعِي الْبَرَكَةَ فِيهِ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّرِكَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الْمَغَازِي عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ بِزِيَادَاتٍ قَدْ أَتَيْتُ عَلَى حَاصِلِهَا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقِ الْمُعِينِ.
(قَالَ مَالِكٌ: الظَّرِبُ) - بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ - وَزْنُ كَتِفٍ (الْجُبَيْلُ) - بِضَمِّ الْجِيمِ - مُصَغَّرً إِشَارَةً إِلَى صِغَرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنٍ بُكَيْرٍ: الْجَبَلُ الصَّغِيرُ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ جَدَّتِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقًا»
ــ
١٧٣١ - ١٦٨١ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الْعَدَوِيِّ (عَنْ عَمْرٍو) - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - (ابْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ، إِذْ هُوَ عَمْرُو بْنُ مُعَاذِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيُّ الْمَدَنِيُّ يُكْنَى أَبَا مُحَمَّدٍ وَقَلَبَهُ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو: تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ.
(عَنْ جَدَّتِهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قِيلَ اسْمُهَا حَوَّاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا جَدَّةُ ابْنِ نُجِيدُ أَيْضًا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: رُوِّينَاهُ بِالْمَشْرِقِ بِنَصْبِ نِسَاءٍ، وَخَفْضِ الْمُؤْمِنَاتِ عَلَى الْإِضَافَةِ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ، أَوْ مِنْ إِضَافَةِ الْعَامِّ لِلْخَاصِّ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، أَوْ عَلَى تَأْوِيلِ نِسَاءٍ بِفَاضِلَاتٍ، أَيْ فَاضِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا يُقَالُ: رِجَالُ الْقَوْمِ، أَيْ سَادَتُهُمْ وَأَفَاضِلُهُمْ، وَرُوِّينَاهُ بِبَلَدِنَا، بِرَفْعِ الْكَلِمَتَيْنِ: الْأُولَى عَلَى النِّدَاءِ وَالثَّانِيَةُ صِفَةٌ عَلَى اللَّفْظِ، أَيْ يَأَيُّهَا النِّسَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ، وَيَجُوزُ رَفْعُ الْأُولَى، وَنَصْبُ الثَّانِيَةِ بِالْكَسْرَةِ نَعْتٌ عَلَى الْمَوْضِعِ، كَمَا يُقَالُ: يَا زَيْدٌ الْعَاقِلَ بِنَصْبِ الْعَاقِلَ وَرَفْعِهِ، وَتَعَقَّبَ الْأُبِّيُّ قَوْلَهُ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، وَمَنَعَهُ الْبَصْرِيُّونَ، وَتَأَوَّلُوا نَحْوَ مَسْجِدِ الْجَامِعِ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ، أَيْ مَسْجِدِ الْمَكَانِ الْجَامِعِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النُّحَاةُ مَسْجِدَ الْجَامِعِ مِثَالًا لِإِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، لَا لِإِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، انْتَهَى.
وَمِثْلُ هَذَا
ظَاهِرٌ فَإِنَّمَا سَبَقَهُ الْقَلَمُ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى صِفَتِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَطَغَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ، وَأَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رِوَايَةَ الْإِضَافَةِ، وَرَدَّهُ ابْنُ السَّيِّدِ بِأَنَّهَا صَحَّتْ نَقْلًا وَسَاعَدَتْهَا اللُّغَةُ فَلَا مَعْنًى لِلْإِنْكَارِ.
(لَا تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ) أَنْ تُهْدِيَ (لِجَارَتِهَا) شَيْئًا، (وَلَوْ) كَانَ (كُرَاعَ شَاةٍ) - بِضَمِّ الْكَافِ - مَا دُونَ الْعَقِبِ مِنَ الْمَوَاشِي، وَالدَّوَابِّ، وَالْإِنْسِ كَمَا فِي الْعَيْنِ، وَخَصَّ النَّهْيَ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ مَوَادُّ الْمَوَدَّةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَلِأَنَّهُنَّ أَسْرَعُ انْتِقَالًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (مُحْرَقًا) ، نَعْتٌ لِكُرَاعٍ وَهُوَ مُؤَنَّثٌ، فَكَانَ حَقُّهُ مُحْرَقَةً إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ وَرَدَتْ هَكَذَا فِي الْمُوَطَّآتِ وَغَيْرِهَا.
وَحَكَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يُذَكِّرُهُ فَلَعَلَّ الرِّوَايَةَ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَهْيٌ لِلْمُهْدِيَةِ، وَأَنْ يَكُونَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي إِهْدَاءِ الشَّيْءِ الْقَلِيلِ وَقَبُولِهِ لَا إِلَى حَقِيقَتِهِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِإِهْدَاءِ الْكُرَاعِ أَيْ لَا يَمْنَعُ جَارَةً مِنْ إِهْدَائِهَا لِجَارَتِهَا الْمَوْجُودَ عِنْدَهَا اسْتِقْلَالُهُ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَجُودَ لَهَا بِمَا تَيَسَّرَ، وَإِنْ قَلَّ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ، وَإِذَا تَوَاصَلَ الْقَلِيلُ صَارَ كَثِيرًا.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ تَهَادُوا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الْمَوَدَّةَ وَيُذْهِبُ الضَّغَائِنَ» "، وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ " - بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ - وَهُوَ كَالْقَدَمِ لِلْإِنْسَانِ، وَبِلَفْظِ الْمُسْلِمَاتِ بَدَلَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، بَلْ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ: " يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ ".
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ زَادَ شَيْئًا مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا الْيَمَانِي الَّذِي يَغْشَاكَ فَعَرَّفُوهُ إِيَّاهُ قَالَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ
قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يُسَلَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَالَ أَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ وَأَمَّا الشَّابَّةُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ
ــ
١٧٨٩ - ١٧٤٣ - (مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ) الْقُرَشِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) الْقُرَشِيِّ الْقَبَّارِيِّ الْمَدَنِيِّ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: تَكَلَّمَ فِيهِ الْقَطَّانُ، (أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ زَادَ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا) ، لَمْ يُبَيِّنْهُ، (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ -: مَنْ هَذَا؟) الَّذِي زَادَ عَلَى التَّحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، (قَالُوا: هَذَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاكَ، فَعَرَّفُوهُ إِيَّاهُ قَالَ) مُحَمَّدٌ: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ) ، أَيْ قَوْلُهُ: وَبَرَكَاتُهُ فَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا ابْتِدَاعًا.
(سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يُسَلَّمُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ الرَّجُلُ (عَلَى الْمَرْأَةِ) الْأَجْنَبِيَّةِ؟ (فَقَالَ: أَمَّا الْمُتَجَالَّةُ) - بِالْجِيمِ -: الْعَجُوزُ الَّتِي انْقَطَعَ أَرَبُ الرِّجَالِ مِنْهَا، (فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ، فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ) خَوْفَ الْفِتْنَةِ بِسَمَاعِ رَدِّهَا السَّلَامَ.
[مَا جَاءَ فِي السَّلَامِ عَلَى الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ]
حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ فَإِنَّمَا يَقُولُ السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقُلْ عَلَيْكَ»
قَالَ يَحْيَى وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ سَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ هَلْ يَسْتَقِيلُهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَا
ــ
٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّلَامِ عَلَى الْيَهُودِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ
كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذِكْرِ النَّصْرَانِيِّ مَعَ أَنَّ حَدِيثَهَا اقْتَصَرَ عَلَى الْيَهُودِ إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ إِشَارَةً إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» "، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[مَا جَاءَ فِي وَبَاءِ الْمَدِينَةِ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَتْ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجِنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَتْ عَائِشَةُ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ» قَالَ مَالِكٌ وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَقُولُ
قَدْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ ... إِنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
ــ
٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي وَبَاءِ الْمَدِينَةِ
١٦٤٨ - ١٦٠١ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ) فِي الْهِجْرَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ، وَنَحْوُهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامٍ، وَزَادَ: قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ وَبَاؤُهَا مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ الْإِنْسَانُ إِذَا دَخَلَهَا وَأَرَادَ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ وَبَائِهَا قِيلَ انْهَقْ كَمَا يَنْهَقُ الْحِمَارُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
لَعَمْرِي لَئِنْ غَنَّيْتُ مِنْ خِيفَةِ الرَّدَى ... نَهِيقَ الْحِمَارِ إِنَّنِي لَمُرَوَّعُ
قَالَ عِيَاضٌ: قُدُومُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوَبَاءِ مَعَ صِحَّةِ نَهْيِهِ عَنْهُ لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَوْتِ الذَّرِيعِ وَالطَّاعُونِ وَالَّذِي بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا كَانَ وَخْمًا يَمْرَضُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْغُرَبَاءِ، أَوْ أَنَّ قُدُومَهُ الْمَدِينَةَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ لِأَنَّ النَّهْيَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ (وُعِكَ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، أَيْ: حُمَّ (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيقُ (وَبِلَالٌ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (قَالَتْ) عَائِشَةُ (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا) لَأَعُودَهُمَا، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ وَابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا: " «لَمَّا قَدِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ أَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْهَا بَلَاءٌ وَسَقَمٌ وَصَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ وَأَصَابَتْ أَبَا بَكْرٍ وَبِلَالًا وَعَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِيَادَتِهِمْ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ» " (فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ: تَجِدُّ نَفْسَكَ أَوْ جِسْمَكَ (وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَيَا عَامِرُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ (قَالَتْ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ، أَيْ: مُصَابٌ بِالْمَوْتِ صَبَاحًا أَوْ يُسْقَى الصَّبُوحَ وَهُوَ شُرْبُ الْغَدَاةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ يُقَالُ لَهُ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ، وَهُوَ مُنَعَّمٌ (فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى) أَقْرَبُ إِلَيْهِ (مِنْ شِرَاكِ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَخِفَّةِ الرَّاءِ سَيْرِ (نَعْلِهِ) الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ
الْمَوْتَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ لِرِجْلِهِ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: " فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ إِنَّ أَبِي لَيَهْذِي وَمَا يَدْرِي مَا يَقُولُ " وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ أَنَّ هَذَا الرَّجَزَ لِحَنْظَلَةَ بْنِ سَيَّارٍ، قَالَهُ يَوْمَ ذِي قَارٍ وَتَمَثَّلَ بِهِ الصِّدِّيقُ.
(وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ وَفِي رِوَايَةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ: كُفَّ وَزَالَ (عَنْهُ) الْوَعْكُ (يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُوْلَةٍ، أَيْ: صَوْتَهُ بِبُكَاءٍ أَوْ بِغِنَاءٍ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَصْلُهُ أَنَّ رَجُلًا انْعَقَرَتْ رِجْلُهُ فَرَفَعَهَا عَلَى الْأُخْرَى وَجَعَلَ يَصِيحُ فَصَارَ كُلُّ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ يُقَالُ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ رِجْلَهُ، قَالَ ثَعْلَبٌ: وَهَذَا مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ عَلَى غَيْرِ أَصْلِهَا (فَيَقُولُ أَلَا) بِخِفَّةِ اللَّامِ أَدَاةُ اسْتِفْتَاحٍ (لَيْتَ شِعْرِي) أَيْ: مَشْعُورِي، أَيْ: لَيْتَنِي عَلِمْتُ بِجَوَابِ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلِي (هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادِي) أَيْ: وَادِ مَكَّةَ (وَحَوْلِي إِذْخِرٌ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ حَشِيشُ مَكَّةَ ذُو الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ (وَجَلِيلُ) بِجِيمٍ وَكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى نَبْتٌ ضَعِيفٌ يُحْشَى بِهِ الْبُيُوتُ وَغَيْرُهَا وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ نَبْتَانِ مِنَ الْكَلَأِ طَيِّبَا الرَّائِحَةِ يَكُونَانِ بِمَكَّةَ وَأَوْدِيَتِهَا لَا يَكَادُ أَنْ يُوجَدَانِ فِي غَيْرِهَا.
(وَهَلْ أَرِدَنْ) بِنُونِ التَّوْكِيدِ الْخَفِيفَةِ (يَوْمًا مِيَاهَ) بِالْهَاءِ (مَجِنَّةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِكَسْرِ الْجِيمِ مَوْضِعٌ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ كَانَ بِهِ سُوقٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
(وَهَلْ يَبْدُوَنْ) بِنُونِ تَأْكِيدٍ خَفِيفَةٍ يَظْهَرَنْ (لِي شَامَةٌ) بِمُعْجَمَةٍ وَمِيمٍ مُخَفَّفًا، وَزَعَمَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّ الْمِيمَ تَصْحِيفٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالصَّوَابُ شَابَةٌ بِالْبَاءِ، وَبِالْمِيمِ وَقَعَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ جَمِيعِهَا كَذَا قَالَ، وَأَشَارَ الْحَافِظُ لِرَدِّهِ فَقَالَ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ الْمِيمِ، وَالْمَعْرُوفُ بِالْمِيمِ (وَطَفِيلُ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ جَبَلَانِ بِقُرْبِ مَكَّةَ عَلَى نَحْوِ ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْهَا كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: جَبَلَانِ مُشْرِفَانِ عَلَى مَجِنَّةَ عَلَى بَرِيدَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كُنْتُ أَحْسَبُهُمَا جَبَلَيْنِ حَتَّى مَرَرْتُ بِهِمَا وَوَقَفْتُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا هُمَا عَيْنَانِ مِنْ مَاءٍ، وَقَوَّاهُ السُّهَيْلِيُّ بِقَوْلِ كَثِيرٍ:
وَمَا أَنْسَ مَشْيًا وَلَا أَنْسَ مَوْقِفًا ... لَنَا وَلَهَا بِالْخَبِّ حُبٌّ طَفِيلُ
الْخَبُّ مُنْخَفَضُ الْأَرْضِ انْتَهَى، أَيْ: بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتُكْسَرُ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَجُمِعَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْعَيْنَيْنِ بِقُرْبِ الْجَبَلَيْنِ أَوْ فِيهِمَا وَيُبْعِدُ الثَّانِي كَلَامَ الْخَطَّابِيِّ، قِيلَ: الْبَيْتَانِ لَيْسَا لِبِلَالٍ بَلْ لِبَكْرِ بْنِ غَالِبٍ الْجُرْهُمِيِّ أَنْشَدَهُمَا لَمَّا نَفَتْهُمْ خُزَاعَةُ مِنْ مَكَّةَ فَتَمَثَّلَ بِهِمَا بِلَالٌ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ بِهِ ثُمَّ يَقُولُ بِلَالٌ: اللَّهُمَّ الْعَنْ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ
وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ.
(قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ) بِشَأْنِهِمَا وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَهْذُونَ وَمَا يَعْقِلُونَ مِنْ شِدَّةِ الْحُمَّى فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ (فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ) مِنْ حُبِّنَا لِمَكَّةَ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، فَكَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَكَانَ يُحَرِّكُ دَابَّتَهُ إِذَا رَأَى الْمَدِينَةَ مِنْ حُبِّهَا (وَصَحِّحْهَا) مِنَ الْوَبَاءِ (وَبَارِكْ) أَنْمِ وَزِدْ (لَنَا فِي صَاعِهَا) كَيْلٌ يَسَعُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ (وَمُدِّهَا) وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَطَيَّبَ هَوَاءَهَا وَتُرَابَهَا وَمَسَاكِنَهَا وَالْعَيْشَ بِهَا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: مَنْ أَقَامَ بِهَا يَجِدُ مِنْ تُرَابِهَا وَحِيطَانِهَا رَائِحَةً طَيِّبَةً لَا تَكَادُ تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ تَكَرَّرُ دُعَاؤُهُ بِتَحْبِيبِهَا وَالْبَرَكَةِ فِي ثِمَارِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِجَابَةَ حَصَلَتْ بِالْأَوَّلِ وَالتَّكْرِيرُ لِطَلَبِ الْمَزِيدِ فِيهَا مِنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْكَيْلِ بِحَيْثُ يَكْفِي الْمُدُّ بِهَا مَا لَا يَكْفِيهِ بِغَيْرِهَا، وَهَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ لِمَنْ سَكَنَهَا.
(وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ، وَكَانَتْ تُسَمَّى مَهْيَعَةً، وَبِهِ عَبَّرَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالتَّحْتِيَّةِ، بَيْنَهُمَا هَاءٌ سَاكِنَةٌ فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ فَهَاءٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحَكَى عِيَاضٌ كَسْرَ الْهَاءِ وَسُكُونَ الْيَاءِ عَلَى وَزْنِ جَمِيلَةَ، وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ مَسْكَنَ الْيَهُودِ وَلِذَا تَوَجَّهَ دُعَاؤُهُ عَلَيْهِمْ، فَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ بِالْأَمْرَاضِ وَالْهَلَاكِ، وَلِلْمُسْلِمِينَ بِالصِّحَّةِ وَإِظْهَارِ مُعْجَمَةٍ عَجِيبَةٍ فَإِنَّهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ وَبِيَّةٌ لَا يَشْرَبُ أَحَدٌ مِنْ مَائِهَا إِلَّا حُمَّ، وَلَا يَمُرُّ بِهَا طَائِرٌ إِلَّا حُمَّ وَسَقَطَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ كَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَهُ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ مَهْيَعَةَ فَتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا» ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَجَسُّمِ الْأَعْرَاضِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ لِيَحْصُلَ لَهُمُ الطَّمَأْنِينَةُ بِإِخْرَاجِهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: «قَدِمَ إِنْسَانٌ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لَقِيتَ أَحَدًا؟ قَالَ: لَا إِلَّا امْرَأَةً سَوْدَاءَ عُرْيَانَةً، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تِلْكَ الْحُمَّى وَلَنْ تَعُودَ بَعْدَ الْيَوْمِ» .
قَالَ الشَّرِيفُ السَّمْهُورْدِيُّ: وَالْمَوْجُودُ الْآنَ مِنَ الْحُمَّى بِالْمَدِينَةِ لَيْسَ حُمَّى الْوَبَاءِ بَلْ رَحْمَةُ رَبِّنَا وَدَعْوَةُ نَبِيِّنَا لِلتَّكْفِيرِ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ " أَصَحُّ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ حَرَّةَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالْعَرِيضِ " وَهُوَ يُؤْذِنُ بِبَقَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا بِهَا، وَأَنَّ الَّذِي نُقِلَ عَنْهَا أَصْلًا وَرَأْسًا سُلْطَانُهَا وَشِدَّتُهَا وَوَبَاؤُهَا وَكَثْرَتُهَا بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ الْبَاقِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا رُفِعَتْ بِالْكُلِّيَّةِ
ثُمَّ أُعِيدَتْ خَفِيفَةً لِئَلَّا يَفُوتَ ثَوَابُهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " «اسْتَأْذَنَتِ الْحُمَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أُمُّ مِلْدَمٍ فَأَمَرَ بِهَا إِلَى أَهْلِ قِبَاءَ فَبَلَغُوا مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا شِئْتُمْ إِنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللَّهَ لِيَكْشِفَهَا عَنْكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ تَكُونُ لَكُمْ طَهُورًا، قَالُوا: أَوَتَفْعَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَدَعْهَا» " انْتَهَى.
هَذَا وَقَدْ عَارَضَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَدِيثَ الْبَابِ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: " «لَمَّا دَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ حُمَّ أَصْحَابُهُ فَدَخَلَ يَعُودُهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تَجِدُكَ؟» " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ سُفْيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ هُوَ الدَّاخِلُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ وَعَامِرٍ، وَمَالِكٌ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ هِيَ الدَّاخِلَةَ انْتَهَى.
وَلَا مُعَارَضَةَ أَصْلًا لِأَنَّ دُخُولَ أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ دُخُولَ الْآخَرِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَمَّا أَخْبَرَتْهُ بِحَالِهِمْ جَاءَ لِعِيَادَتِهِمْ وَأَجَابُوا كُلًّا مِنْهُمَا بِالْأَشْعَارِ الْمَذْكُورَةِ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ أَيْضًا وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْخُلُ عَلَيْهَا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: " «أَصَابَتِ الْحُمَّى الصَّحَابَةَ حَتَّى جَهِدُوا مَرَضًا وَصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ حَتَّى مَا كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَّا وَهُمْ قُعُودٌ، فَخَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يُصَلُّونَ كَذَلِكَ فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ فَتَجَشَّمُوا الْقِيَامَ، أَيْ: تَكَلَّفُوهُ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الضَّعْفِ وَالسَّقَمِ الْتِمَاسَ الْفَضْلِ» " قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَفِي هَذَا الْخَبَرِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ حَنِينِهِمْ إِلَى مَكَّةَ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنْ حُبِّ الْوَطَنِ وَالْحَنِينِ إِلَيْهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أُصَيْلٍ - أَيْ: بِالتَّصْغِيرِ - الْغِفَارِيِّ، وَيُقَالُ فِيهِ الْهُذَلِيُّ، أَنَّهُ «قَدِمَ مِنْ مَكَّةَ فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ: كَيْفَ تَرَكْتَ مَكَّةَ يَا أُصَيْلُ؟ قَالَ: تَرَكْتُهَا حِينَ ابْيَضَّتْ أَبَاطِحُهَا وَأَحْجَنَ ثُمَامُهَا وَأَعْذَقَ إِذْخِرُهَا وَأَمْشَرَ سَلَمُهَا، فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: تَشَوَّقْنَا يَا أُصَيْلُ» .
وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ: دَعِ الْقُلُوبَ تَقَرُّ، وَقَدْ قَالَ الْأَوَّلُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادِي الْخُزَامَى حَيْثُ رَبَّتْنِي أَهْلِي
بِلَادٍ بِهَا نِيطَتْ عَلَيَّ تَمَائِمِي ... وَقُطِّعْنَ عَنِّي حِينَ أَدْرَكَنِي عَقْلِي
انْتَهَى.
وَهَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ حُبِّبَتِ الْمَدِينَةُ إِلَيْهِمْ بِدُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهَا وَمَحَبَّتِهِ فِيهَا، وَفَضَائِلُهَا جَمَّةٌ كَثِيرَةٌ صَنَّفَهَا النَّاسُ كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ.
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَفِي الْهِجْرَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الطِّبِّ عَنْ قُتَيْبَةَ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ بِنَحْوِهِ وَزِيَادَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَعَبْدَةَ وَابْنِ نُمَيْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، الثَّلَاثَةُ عَنْ هِشَامٍ (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَائِشَةَ) فِيهِ انْقِطَاعٌ لِأَنَّ
يَحْيَى لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ، وَقَدْ زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هِشَامٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، جَمِيعًا عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَقِبَ قَوْلِهَا: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا يَدْرِي أَبِي مَا يَقُولُ ثُمَّ دَنَوْتُ إِلَى عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ فَقُلْتُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا عَامِرُ؟ (قَالَتْ: وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، التَّيْمِيُّ مَوْلَى الصِّدِّيقِ، يُقَالُ أَصْلُهُ مِنَ الْأَزْدِ فَاسْتُرِقَّ وَيُقَالُ أَصْلُهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّاوِي قَدِيمًا فَعُذِّبَ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَافَقَ أَبَا بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَاسْتُشْهِدَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، رَوَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ رَجَزَهُ الَّذِي كَانَ (يَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ) أَيْ: شِدَّةً تُشَابِهُ شِدَّتَهُ (قَبْلَ ذَوْقِهِ) حُلُولِهِ (إِنَّ الْجَبَانَ) أَيْ: ضَعِيفَ الْقَلْبِ (حَتْفُهُ) هَلَاكُهُ (مِنْ فَوْقِهِ) لِجُبْنِهِ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ:
كُلُّ امْرِئٍ مُجَاهِدٍ بِطَوْقِهِ ... كَالثَّوْرِ يَحْمِي أَنْفَهُ بِرَوْقِهِ
وَالطَّوْقُ الطَّاقَةُ، وَالرَّوْقُ الْقَرْنُ، يُضْرَبُ مَثَلًا فِي الْحَثِّ عَلَى حِفْظِ الْحَرِيمِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَيُذْكَرُ أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ لِعَمْرِو بْنِ مَامَةَ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ مَا رَأْيُكَ فِي هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ فَقُلْتُ رَأْيِي أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا عَرَضْتَهُمْ عَلَى السَّيْفِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَذَلِكَ رَأْيِي قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ رَأْيِي
ــ
١٦٦٥ - ١٦١٧ - (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَاسْمُهُ نَافِعٌ (ابْنِ مَالِكٍ)
ابْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ (قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (فَقَالَ: مَا رَأْيُكَ فِي هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ؟ فَقُلْتُ: أَرَى أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ) تَطْلُبَ مِنْهُمُ التَّوْبَةَ عَنِ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ (فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا عَرَضْتَهُمْ عَلَى السَّيْفِ) أَيْ: قَتَلْتَهُمْ بِهِ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَذَلِكَ رَأْيِي) فِيهِمْ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ رَأْيِي) دَفْعًا لِفَسَادِهِمْ وَقَطْعًا لِبِدْعَتِهِمْ لَا لِلْكُفْرِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ إِذَا أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا مَا لِلْعَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ فَانْظُرُوا مَاذَا يَتْبَعُهُ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ
ــ
١٦٧٤ - ١٦٢٤ - (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ) نَافِعٍ (بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ) مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ (عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ) مَوْقُوفًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ لِأَنَّهُ خَبِرَهَا، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( «إِذَا أَحْبَبْتُمْ» ) أَيْ: أَرَدْتُمْ ( «أَنْ تَعْلَمُوا مَا لِلْعَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ» ) مِمَّا قُدِّرَ لَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ (فَانْظُرُوا) أَيْ: تَأَمَّلُوا (مَاذَا يَتْبَعُهُ) أَيِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ (مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمَدِّ، الْوَصْفُ بِمَدْحٍ أَوْ بِهِ وَبِذَمٍّ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَالْمُرَادُ مَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالْخَيْرِ دُونَ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْفِسْقِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ الْعَدُوُّ فَيُتْبِعُهُ بِالذِّكْرِ الْقَبِيحِ اهـ.
فَإِنْ ذَكَرَهُ الصُّلَحَاءُ بِشَيْءٍ؛ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ أَجْرَى عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مَا لَهُ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُمْ يَنْطِقُونَ بِإِلْهَامِهِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً تَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَةِ بَنِي آدَمَ بِمَا فِي الْمَرْءِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» " رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَلَا يَعْجَبْ، بَلْ يَكُونُ خَائِفًا مِنْ مَكْرِهِ الْخَفِيِّ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَلْيُبَادِرْ بِالتَّوْبَةِ وَيَحْذَرْ سَطْوَتَهُ وَقَهْرَهُ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ»
ــ
١٦٨٥ - ١٦٣٥ - (مَالِكٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ) وَقِيلَ: مَيْسَرَةُ (الْخُرَاسَانِيِّ) ابْنِ عُثْمَانَ صَدُوقٌ لَكِنَّهُ يَهِمُ وَيُرْسِلُ وَيُدَلِّسُ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَحَسْبُكَ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَافَحُوا» ) مُفَاعَلَةٌ
مِنَ الصَّفْحِ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْإِفْضَاءُ بِصَفْحَةِ الْيَدِ إِلَى صَفْحَةِ الْيَدِ، قَالَهُ الْحَافِظُ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمُصَافَحَةُ الْأَخْذُ بِالْيَدِ، وَفِي الْمَشَارِقِ: الْمُصَافَحَةُ بِالْأَيْدِي عِنْدَ السَّلَامِ وَاللِّقَاءِ وَهِيَ ضَرْبُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ (يَذْهَبِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَبِالرَّفْعِ، أَيْ: فَبِهِ يَذْهَبُ (الْغِلُّ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الْحِقْدُ وَالضَّغَانَةُ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ مَالِكٌ هَكَذَا مُعْضَلًا، وَقَدْ أُسْنِدَ مِنْ طُرُقٍ فِيهَا مَقَالٌ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ مِنْ قُلُوبِكُمْ» " وَإِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «تَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ عَنْكُمْ» " فَقَوْلُ السُّيُوطِيِّ: فِي الْمُصَافَحَةِ أَحَادِيثُ مَوْصُولَةٌ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ عَجِيبٌ مَعَ أَنَّهُ نَفْسَهُ ذَكَرَهُ فِي جَامِعِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: حَدِيثُ مَالِكٍ جَيِّدٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ شَتًّى حِسَانٍ كُلِّهَا، ثُمَّ ذَكَرَهُ بِأَسَانِيدِهِ جُمْلَةً مِنْهَا فِي الْمُصَافَحَةِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، فَكَأَنَّ السُّيُوطِيَّ اغْتَرَّ بِهِ وَغَفَلَ عَمَّا فِي جَامِعِهِ وَالْكَمَالُ لِلَّهِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ الْمُصَافَحَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ خِلَافُهُ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنَى مَا فِي الْمُوَّطَأِ وَعَلَى جَوَازِهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَفِيهِ آثَارٌ حِسَانٌ، (وَتَهَادَوْا) بِفَتْحِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ تَحَابُّوا، قَالَ الْحَافِظُ لِلْحَاكِمِ: إِنْ كَانَ بِالتَّشْدِيدِ فَمِنَ الْمَحَبَّةِ وَإِنْ كَانَ بِالتَّخْفِيفِ فَمِنَ الْمُحَابَاةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَحَثَّ عَلَيْهِ خُلَفَاؤُهُمُ الْأَوْلِيَاءُ تُؤَلِّفُ الْقُلُوبَ وَتَنْفِي سَخَائِمِ الصُّدُورِ، وَقَبُولُ الْهَدِيَّةِ سُنَّةٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ مَا فِيهِ مِنَّةٌ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو يَعْلَى وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُنَى وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَهَادَوْا (تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ) » بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ وَالْمَدِّ، الْعَدَاوَةُ ; لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ جَالِبَةٌ لِلرِّضَا وَالْمَوَدَّةِ فَتُذْهِبُ الْعَدَاوَةَ.
وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» " بِوَاوٍ فَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ فِرَاءٍ، أَيْ: غِلَّهُ وَغِشَّهُ وَحِقْدَهُ.
وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ بِالسَّخِيمَةِ» " قَالَ يُونُسُ بْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْغِلُّ.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: تَهَادَوْا فَإِنَّهُ يُضَعِّفُ الْوُدَّ وَيُذْهِبُ بِغَوَائِلِ الصَّدْرِ» " وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَحْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بِهِ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَكُنْ بِالرَّضِيِّ وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنِ الزُّهْرِيِّ انْتَهَى.
لَكِنَّ لَهُ شَوَاهِدَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ وَدَّاعٍ الْخُزَاعِيَّةِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: " «فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُضَعِّفُ الْحُبَّ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ» " وَتُضَعِّفُ بِالتَّثْقِيلِ، أَيْ: تُزِيدُهُ وَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
هَدَايَا النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ... تُوَلِّدُ فِي قُلُوبِهِمُ الْوِصَالَا
وَتَزْرَعُ فِي الضَّمِيرِ هَوًى وَوُدًّا ... وَتَكْسُوهُمْ إِذَا حَضَرُوا جَمَالَا
وَقَالَ آخَرُ:
إِنَّ الْهَدَايَا لَهَا حِفْظٌ إِذَا وَرَدَتْ ... أَحْظَى مِنَ الِابْنِ عِنْدَ الْوَالِدِ الْحَدْبُ
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: " «اجْتَمَعَ عَلِيٌّ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فَتَمَارَوْا فِي أَشْيَاءَ فَقَالَ عَلِيٌّ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْأَلْهُ، فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَيْهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْنَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ سَلُونِي، وَإِنْ شِئْتُمْ أَخْبَرْتُكُمْ بِمَا جِئْتُمْ لَهُ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا، قَالَ: جِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنِ الصَّنِيعَةِ لِمَنْ تَكُونُ؟ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّا لِذِي حَسَبٍ أَوْ دِينٍ، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنِ الرِّزْقِ يَجْلِبُهُ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فَاسْتَنْزِلُوهُ بِالصَّدَقَةِ، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنْ جِهَادِ الضَّعِيفِ، وَجِهَادُ الضَّعِيفِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنْ جِهَادِ الْمَرْأَةِ، وَجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ لِزَوْجِهَا، وَجِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنِ الرِّزْقِ مِنْ أَيْنَ أَتَى وَكَيْفَ يَأْتِي؟ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ إِلَّا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» " قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ لَكِنَّهُ مُنْكَرٌ عَنْ مَالِكٍ عِنْدَهُمْ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ وَلَا لَهُ أَصْلٌ فِي حَدِيثِهِ انْتَهَى.
وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ مَتْنَهُ حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ سَنَدُهُ الْمَذْكُورُ لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ وَإِلَّا فَالْجَمْعُ بَيْنَ حَسَنٍ وَبَيْنَ مُنْكَرٍ لَا يَصِحُّ تَنَافٍ، أَوْ مُرَادُهُ حُسْنُ اللَّفْظِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا»
ــ
١٦٨٦ - ١٦٣٦ - (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ) بِضَمِّ السِّينِ مُصَغَّرٌ (ابْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ) ذَكْوَانَ السَّمَّانِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ» ) يُحْتَمَلُ حَقِيقَةً لِأَنَّ الْجَنَّةَ مَغْلُوقَةٌ وَفَتْحُ أَبْوَابِهَا مُمْكِنٌ وَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْمَغْفِرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ وَكَتْبِ الدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْفَتْحُ حَقِيقَةٌ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى التَّأْوِيلِ وَيَكُونُ فَتْحُهَا تَأَهُّبًا مِنَ الْخَزَنَةِ لِمَنْ يَمُوتُ يَوْمَئِذٍ مِمَّنْ غَفَرَ لَهُ أَوْ يَكُونُ عَلَامَةً لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ فِي ذَيْنِكَ الْيَوْمَيْنِ ( «يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ» ) فِيهِ فَضَّلَهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَيَّامِ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُمَا وَيَنْدُبُ أُمَّتَهُ إِلَى صِيَامِهِمَا وَكَانَ يَتَحَرَّاهُمَا بِالصِّيَامِ، وَأَظُنُّ هَذَا الْخَبَرَ إِنَّمَا تَوَجَّهَ إِلَى طَائِفَةٍ كَانَتْ تَصُومُهُمَا تَأْكِيدًا عَلَى لُزُومِ ذَلِكَ كَذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: " «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ» " (فَيُغْفَرُ) فِيهِمَا
( «لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» ) ذُنُوبُهُ الصَّغَائِرُ بِغَيْرِ وَسِيلَةِ طَاعَةٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لِحَدِيثِ " «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» " (إِلَّا رَجُلًا) لِأَنَّهَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ كَلَامٍ مُوجَبٍ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ، قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَلَى الرَّفْعِ الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ: لَا يَبْقَى ذَنْبُ أَحَدٍ إِلَّا ذَنْبَ رَجُلٍ وَهُوَ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ وَالْمُرَادُ إِنْسَانٌ ( «كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ» ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ، أَيْ: عَدَاوَةٌ (فَيُقَالُ أَنْظِرُوا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يَعْنِي يَقُولُ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ النَّازِلَةِ بِهَدَايَا الْمَغْفِرَةِ أَخِّرُوا وَأَمْهِلُوا (هَذَيْنِ) أَتَى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ بَدَلَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّنْفِيرِ، وَالتَّعْبِيرُ يَعْنِي لَا تُعْطُوا مِنْهَا أَنْصِبَاءَ رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ (حَتَّى) تَرْتَفِعَ وَ (يَصْطَلِحَا) وَلَوْ بِمُرَاسَلَةٍ عِنْدَ الْبُعْدِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا بُدَّ هُنَا مِنْ تَقْدِيرِ مَنْ يُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ أَنْظِرُوا كَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا غَفَرَ لِلنَّاسِ سِوَاهُمَا قِيلَ ( «أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» ) وَكَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْعَدَاوَةِ وَإِدَامَةِ الْهَجْرِ، قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَلَمْ يَقْبَلْ غُفِرَ لِلْمُصَالِحِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا كَانَ الْهَجْرُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَجَرَ بَعْضَ نِسَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَابْنَ عُمَرَ هَجَرَ ابْنًا لَهُ حَتَّى مَاتَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ أَنَّ الشَّحْنَاءَ مِنَ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْكَبَائِرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ اسْتَثْنَى غُفْرَانَهَا وَخَصَّهَا بِذَلِكَ؟ وَأَنَّ ذُنُوبَ الْعِبَادِ إِذَا وَقَعَ بَيْنَهُمُ الْمَغْفِرَةُ وَالتَّجَاوُزُ سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا مِنَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ حَتَّى يَصْطَلِحَا فَإِذَا اصْطَلَحَا غَفَرَ لَهُمَا ذَلِكَ وَغَيْرَهُ مِنْ صَغَائِرِ ذُنُوبِهِمَا انْتَهَى.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ سُهَيْلٍ لَكِنْ قَالَ: إِلَّا الْمُتَهَاجِرَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ أَوِ الْجَمْعِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا.
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ وَوَهِمَ مَنْ عَزَاهُ لَهُ.
[مَا يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُهُ مِنْ الثِّيَابِ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ دَخَلَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى حَفْصَةَ خِمَارٌ رَقِيقٌ فَشَقَّتْهُ عَائِشَةُ وَكَسَتْهَا خِمَارًا كَثِيفًا
ــ
٤ - بَابُ مَا يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُهُ مِنَ الثِّيَابِ
١٦٩٣ - ١٦٤٣ - (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) بِلَالٍ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى عَائِشَةَ الثِّقَةِ الْعَلَّامَةِ (عَنْ أُمِّهِ) مَرْجَانَةَ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ مَقْبُولَةٌ، تُكَنَّى أُمَّ عَلْقَمَةَ (أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَلَى) عَمَّتِهَا (عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى حَفْصَةَ الْمَذْكُورَةِ خِمَارٌ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثَوْبٌ تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا (رَقِيقٌ فَشَقَّتْهُ عَائِشَةُ) حَتَّى لَا تَعُودَ حَفْصَةُ لِلُبْسِهِ (وَكَسَتْهَا خِمَارًا كَثِيفًا) غَلِيظًا لِأَنَّهُ أَسْتَرُ.
[مَا جَاءَ فِي إِسْبَالِ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
ــ
٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِسْبَالِ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ
١٦٩٦ - ١٦٤٦ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيِّ (عَنْ) مَوْلَاهُ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ) إِزَارًا أَوْ رِدَاءً أَوْ قَمِيصًا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا يُسَمَّى ثَوْبًا حَالَ كَوْنِهِ جَرَّهُ (خُيَلَاءَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ كِبْرًا وَعَجَبًا (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) نَظَرَ رَحْمَةٍ، أَيْ: لَا يَرْحَمُهُ لِكِبْرِهِ وَعُجْبِهِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: مَفْهُومُ خُيَلَاءَ أَنَّ الْجَارَّ لِغَيْرِهَا لَا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ إِلَّا أَنَّ جَرَّ الْقَمِيصِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الثِّيَابِ مَذْمُومٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ رَجُلًا نَزَعَ نَعْلَيْهِ فَقَالَ لِمَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ لَعَلَّكَ تَأَوَّلْتَ هَذِهِ الْآيَةَ {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه: ١٢] قَالَ ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ لِلرَّجُلِ أَتَدْرِي مَا كَانَتْ نَعْلَا مُوسَى قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي مَا أَجَابَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ كَعْبٌ كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ
ــ
١٧٠٣ - ١٦٥٣ - (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ) بِضَمِّ السِّينِ وَاسْمُهُ نَافِعٌ (ابْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ) مَالِكٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ (عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ) أَيْ: مَلْجَأِ الْعُلَمَاءِ الْحِمْيَرِيِّ (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ يُسَمَّ
(نَزَعَ نَعْلَيْهِ فَقَالَ) كَعْبٌ (لِمَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ لَعَلَّكَ تَأَوَّلْتَ هَذِهِ الْآيَةَ: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} [طه: ١٢] الْمُطَهَّرِ أَوِ الْمُبَارَكِ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ فَطَأْهُ لِتُصِيبَ قَدَمَيْكَ بَرَكَتَهُ (طُوًى) بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ بِالتَّنْوِينِ وَتَرْكُهُ مَصْرُوفٍ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ وَغَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلتَّأْنِيثِ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ مَعَ الْعَلَمِيَّةِ.
(ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ لِلرَّجُلِ: أَتَدْرِي مَا كَانَتْ نَعْلَا مُوسَى؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي مَا أَجَابَهُ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ) فَهَذَا سَبَبُ أَمْرِهِ بِخَلْعِهِمَا فَأَخْذُ الْيَهُودِ مِنْهُ لُزُومَ خَلْعِ النَّعْلَيْنِ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ مَدْبُوغَةً فَتَرَكَ ذِكْرَ الدِّبَاغِ لِلْعِلْمِ بِهِ وَلِجَرْيِ الْعَادَةِ بِدِبَاغِهَا قَبْلَ لُبْسِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ شَرْعَ مُوسَى اسْتِعْمَالُهَا بِلَا دِبَاغٍ وَهَذَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ لِأَنَّ كَعْبًا مِنْ أَحْبَارِهَا، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا: «كَانَ عَلَى مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِسَاءُ صُوفٍ وَجُبَّةُ صُوفٍ وَكُمَّةُ صُوفٍ وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ وَكَانَتْ نَعْلَاهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ» " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍالْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ حُمَيْدًاالْأَعْرَجَ هُوَ ابْنُ قَيْسٍ الْمَكِّيُّ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ، وَقِيلَ: ابْنُ عَمَّارٍ أَحَدُ الْمَتْرُوكِينَ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ عَنْهُ الْبُخَارِيَّ فَقَالَ: حُمَيْدٌ هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي التَّصَوُّفِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا جَعَلَ ثِيَابَهُ كُلَّهَا صُوفًا لِأَنَّهُ كَانَ بِمَحَلٍّ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فِيهِ سِوَاهُ، فَعَمِلَ بِالْيُسْرِ وَتَرَكَ التَّكَلُّفَ وَالْعُسْرَ، وَكَانَ مِنَ الِاتِّفَاقِ الْحَسَنِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ اللِّبْسَةِ الَّتِي لَمْ يَتَكَلَّفْهَا.
وَقَالَ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مَقْصُودًا لِلتَّوَاضُعِ وَتَرْكِ التَّنَعُّمِ أَوْ لِعَدَمِ وُجُودِ مَا هُوَ أَرْفَعُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اتِّفَاقِيٌّ لَا عَنْ قَصْدٍ بَلْ كَانَ يَلْبَسُ كُلَّ مَا وَجَدَ كَمَا كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ، وَكُمَّةٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَشَدِّ الْمِيمِ قَلَنْسُوَةٌ صَغِيرَةٌ أَوْ مُدَوَّرَةٌ.
[مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ فِي الْفِطْرَةِ]
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالْاخْتِتَانُ
ــ
٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ فِي الْفِطْرَةِ
بِكَسْرِ الْفَاءِ، أَيِ: السُّنَّةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الْأَنْبِيَاءُ وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ فَكَأَنَّهَا أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ فُطِرُوا عَلَيْهِ، هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.
١٧٠٩ - ١٦٥٩ - (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ) كَيْسَانَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ) مَوْقُوفًا لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا السَّنَدِ وَرَفَعَهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، وَكَذَا رَفَعَهُ حُمَيْدُ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ الْعَدَوِيُّ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (خَمْسٌ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: خِصَالٌ خَمْسٌ، ثُمَّ فَسَّرَهَا، أَوْ عَلَى الْإِضَافَةِ، أَيْ: خَمْسُ خِصَالٍ، أَوِ الْجُمْلَةُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيِ: الَّذِي شُرِعَ لَكُمْ خَمْسٌ (مِنَ الْفِطْرَةِ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ) تَفْعِيلٌ مِنَ الْقَلْمِ وَهُوَ الْقَطْعُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَلَمْتُ ظُفْرِي بِالتَّخْفِيفِ وَقَلَّمْتُ أَظْفَارِي بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ، أَيْ: إِزَالَةُ مَا طَالَ مِنْهَا عَنِ اللَّحْمِ بِمِقَصٍّ أَوْ سِكِّينٍ لَا غَيْرِهِمَا مِنَ الْآلَةِ وَيُكْرَهُ بِالْأَسْنَانِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْوَسَخَ يَجْتَمِعُ تَحْتَهُ فَيُسْتَقْذَرُ، وَقَدْ يَنْتَهِي إِلَى حَدٍّ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَيُسْتَحَبُّ كَيْفَمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَلَمْ يَثْبُتْ فِي اسْتِحْبَابِ قَصِّ الظُّفْرِ يَوْمَ الْخَمِيسِ حَدِيثٌ، وَكَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي كَيْفِيَّتِهِ شَيْءٌ وَلَا فِي تَعْيِينِ يَوْمٍ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَظْفَارِهِ وَشَارِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» " وَلَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ قَالَ: " «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلَاةِ» " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَقَالَ عُقْبَةُ: قَالَ أَحْمَدُ: فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مَنْ يُجْهَلُ. انْتَهَى.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ حَيْثُ يَذْكُرُونَ اسْتِحْبَابَ تَحْسِينِ الْهَيْئَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَقَلْمِ ظُفْرٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً فَبَعْضُهَا يُقَوِّي بَعْضًا.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَبِالْجُمْلَةِ فَأَرْجَحُهَا دَلِيلًا وَنَقْلًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِيهِ لَيْسَتْ بِوَاهِيَةٍ جِدًّا بَلْ فِيهَا مُتَمَسِّكٌ، خُصُوصًا الْأَوَّلَ، وَقَدِ اعْتُضِدَ بِشَوَاهِدَ مَعَ أَنَّ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: " «قَصُّ الظُّفْرِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْغُسْلُ وَالطِّيبُ وَاللِّبَاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» " وَلِلدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْمَنَ الْفَقْرَ وَشِكَايَةَ الْعَمَى وَالْبَرَصَ وَالْجُنُونَ فَلْيُقَلِّمْ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلِيَبْدَأْ بِخِنْصَرِهِ الْيُسْرَى» " وَالْخَبَرَانِ وَاهِيَانِ.
وَفِي مُسَلْسَلَاتِ الْحَافِظِ جَعْفَرٍ الْمُسْتَغْفَرِيِّ بِإِسْنَادٍ مَجْهُولٍ عَنْ عَلِيٍّ: " «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ» "، وَمَا يُعْزَى لِعَلِيٍّ:
ابْدَأْ بِيُمْنَاكَ وَبِالْخِنْصَرِ ... فِي قَصِّ أَظْفَارِكَ وَاسْتَبْصِرِ
وَثَنِّ بِالْوُسْطَى وَثَلِّثْ كَمَا ... قَدْ قِيلَ بِالْإِبْهَامِ وَالْبِنْصَرِ
وَاخْتَتَمَ الْكَفَّ بِسَبَّابَةٍ
فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَلَا تَمْتَرِ ... وَفِي الْيَدِ الْيُسْرَى بِإِبْهَامِهَا
وَالْأُصْبُعِ الْوُسْطَى وَبِالْخِنْصَرِ ... وَبَعْدَ سَبَّابَتِهَا بِنْصَرٌ
فَإِنَّهَا خَاتِمَةُ الْأَيْسَرِ
فَبَاطِلٌ عَنْهُ.
وَكَذَا مَا يُعْزَى لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ، قَالَ السَّخَاوِيُّ، وَنَصُّهُ وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ:
فِي قَصِّ ظُفْرِكَ يَوْمَ السَّبْتِ آكِلَةٌ ... تَبْدُو وَفِيمَا يَلِيهِ تَذْهَبُ الْبِرَكَهْ
وَعَالِمٌ فَاضِلٌ يَبْدُو بِتَلْوِهِمَا ... وَإِنْ يَكُنْ فِي الثُّلَاثَا فَاحْذَرِ الْهَلَكَهْ
وَيُورِثُ السُّوءَ فِي الْأَخْلَاقِ رَابِعُهَا ... وَفِي الْخَمِيسِ الْغِنَى يَأْتِي لِمَنْ سَلَكَهْ
وَالْعُمْرُ وَالرِّزْقُ زِيدَا فِي عُرُوبَتِهَا ... عَنِ النَّبِيِّ رُوِينَا فَاقْتَفَوْا نُسُكَهْ
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: هَذَا مُفْتَرًى عَلَيْهِ، بَلْ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ بِسَنَدٍ وَاهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ السَّبْتِ، خَرَجَ مِنْهُ الدَّاءُ، وَدَخَلَ فِيهِ الشِّفَاءُ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ خَرَجَ مِنْهُ الْفَاقَةُ، وَدَخَلَ فِيهِ الْغِنَى، وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ خَرَجَ مِنْهُ الْجُنُونُ، وَدَخَلَتْ فِيهِ الصِّحَّةُ، وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ خَرَجَ مِنْهُ الْمَرَضُ، وَدَخَلَ فِيهِ الشِّفَاءُ، وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ خَرَجَ مِنْهُ الْوَسْوَاسُ وَالْخَوْفُ، وَدَخَلَ فِيهِ الْأَمْنُ وَالشِّفَا، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ خَرَجَ مِنْهُ الْجُذَامُ، وَدَخَلَتْ فِيهِ الْعَافِيَةُ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ دَخَلَتْ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَخَرَجَتْ مِنْهُ الذُّنُوبُ» "، قَالَ: وَآثَارُ الْبُطْلَانِ لَائِحَةٌ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
(وَقَصُّ الشَّارِبِ) ، وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الشَّفَةِ، وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ حَلْقِ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ بِلَفْظِ قَصِّ الشَّارِبِ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: تَقْصِيرُ الشَّارِبِ.
(وَنَتْفُ الْإِبْطِ) - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ - يَبْدَأُ بِالْيُمْنَى اسْتِحْبَابًا، وَيَتَأَدَّى أَصْلُهُ بِالْحَلْقِ لَا سِيَّمَا مَنْ يُؤْلِمُهُ النَّتْفُ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَنْ نَظَرَ إِلَى اللَّفْظِ وَقَفَ مَعَ النَّتْفِ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى أَزَالَهُ بِكُلِّ مُزِيلٍ، لَكِنْ يَتَعَيَّنُ أَنَّ النَّتْفَ مَقْصُودٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْوَسَخِ الْمُجَسَّمِ بِالْعَرَقِ فِيهِ، فَيَتَلَبَّدُ وَيَهِيجُ، فَشُرِعَ النَّتْفُ الَّذِي يُضْعِفُهُ فَتَخِفُّ الرَّائِحَةُ بِهِ بِخِلَافِ الْحَلْقِ فَإِنَّهُ يُقَوِّي الشَّعْرَ وَيُهَيِّجُهُ، فَتَكْثُرُ الرَّائِحَةُ بِذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ الطَّبَرِيُّ: مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّ الْإِبْطَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ، إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَمِثْلُهُ لِلْقُرْطُبِيِّ، وَزَادَ: وَأَنَّهُ لَا شَعْرَ عَلَيْهِ.
وَنَازَعَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ، وَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وَالْخَصَائِصُ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَعْرٌ، فَإِنَّ الشَّعْرَ إِذَا نُتِفَ بَقِيَ الْمَكَانُ أَبْيَضَ وَإِنْ بَقِيَ فِيهِ آثَارُ الشَّعْرِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَقْرَمَ، وَقَدْ صَلَّى مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
" «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عُفْرَةِ إِبْطَيْهِ» "، حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْعُفْرَةُ: بَيَاضٌ لَيْسَ بِالنَّاصِعِ كَمَا قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آثَارَ الشَّعْرِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمَكَانَ أَعْفَرَ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ خَالِيًا عَنْ نَبَاتِ الشَّعْرِ جُمْلَةً، لَمْ يَكُنْ أَعْفَرَ، نَعَمْ، الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِإِبْطَيْهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ انْتَهَى.
وَقَدْ تَمْنَعُ دَلَالَتُهُ عَلَى مَا قَالَ بِأَنَّ شَأْنَ الْمَغَابِنِ أَنَّهَا أَقَلُّ بَيَاضًا مِنْ بَاقِي الْجَسَدِ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِبَيَاضِ إِبْطَيْهِ، فَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُمَا شَعْرٌ فَكَانَا كَلَوْنِ جَسَدِهِ، ثُمَّ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُمَا شَعْرٌ الْبَتَّةَ، وَقِيلَ: كَأَنَّ لِدَوَامِ تَعَاهُدِهِ لَهُ لَا يَبْقَى فِيهِ شَعْرٌ.
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ: " «حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ» "، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْأَعْفَرَ: مَا بَيَاضُهُ لَيْسَ بِالنَّاصِعِ، وَهَذَا شَأْنُ الْمَغَابِنِ تَكُونُ لَوْنُهَا فِي الْبَيَاضِ دُونَ لَوْنِ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ.
(وَحَلْقُ الْعَانَةِ) بِالْمُوسَى، وَفِي مَعْنَاهُ الْإِزَالَةُ بِالنَّتْفِ وَالنُّورَةِ، لَكِنْ بِالْمُوسَى أَوْلَى بِالرَّجُلِ لِتَقْوِيَةِ الْمَحَلِّ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ، فَالْأَوْلَى لَهَا النَّتْفُ.
وَاسْتَشْكَلَهُ الْفَاكِهَانِيُّ بِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الزَّوْجِ بِاسْتِرْخَاءِ الْمَحَلِّ بِاتِّفَاقِ الْأَطِبَّاءِ، انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ "، وَلِابْنِ الْعَرَبِيِّ تَفْصِيلٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ شَابَّةً، فَالنَّتْفُ أَوْلَى فِي حَقِّهَا لِأَنَّهُ يَرْبُو مَكَانَ النَّتْفِ، وَإِنْ كَانَتْ كَهْلَةً الْأَوْلَى الْحَلْقُ ; لِأَنَّ النَّتْفَ يُرْخِي الْمَحَلَّ، وَلَوْ قِيلَ فِي حَقِّهَا بِالتَّنْوِيرِ مُطْلَقًا لَمَا بَعُدَ.
وَرَوَى أَنَسٌ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَتَنَوَّرُ، وَكَانَ إِذَا كَثُرَ شَعْرُهُ حَلَقَهُ» ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا طَلَى بَدَأَ بِعَانَتِهِ فَطَلَاهَا بِالنُّورَةِ، وَسَائِرَ جَسَدِهِ» "، أَهْلُهُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ أُعِلَّ بِالِانْقِطَاعِ، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ صِحَّتَهُ.
وَرَوَى الْخَرَائِطِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُنَوِّرُهُ الرَّجُلُ، فَإِذَا بَلَغَ مَرَاقَّهُ تَوَلَّى هُوَ ذَلِكَ» "، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَرَدَ فِي النُّورَةِ أَحَادِيثُ هَذَا أَمْثَلُهَا: قَالَ السُّيُوطِيُّ: هُوَ مُثْبَتٌ وَأَجْوَدُ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ النَّفْيِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَاسْتِعْمَالُهَا مُبَاحٌ لَا مَكْرُوهٌ.
(وَالِاخْتِتَانُ) ، وَهُوَ قَطْعُ الْقُلْفَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ مِنَ الرَّجُلِ، وَقَطْعُ بَعْضِ الْجِلْدَةِ الَّتِي بِأَعْلَى الْفَرْجِ مِنَ الْمَرْأَةِ، كَالنَّوَاةِ، أَوْ كَعُرْفِ الدِّيكِ، وَيُسَمَّى خِتَانُ الرَّجُلِ: إِعْذَارًا، وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ: خَفْضًا - بِمُعْجَمَتَيْنِ - هَذَا وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» ، فَذَكَرَ مَا هُنَا إِلَّا الْخِتَانَ، وَزَادَ: «إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ» "، وَلِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَفَعَهُ: " زِيَادَةُ الِانْتِضَاحِ "، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ "، وَلِأَبِي عَوَانَةَ زِيَادَةُ: " الِاسْتِنْثَارُ "، وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: ١٢٤] (سورة الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٢٤) ، ذَكَرَ مَفْرِقَ الرَّأْسِ، فَالْحَصْرُ فِي رِوَايَةِ: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ لَيْسَ بِمُرَادٍ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ ابْنِ بُجَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْحَارِثِيِّ عَنْ جَدَّتِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ»
ــ
١٧١٤ - ١٦٦٤ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ ابْنِ بُجَيْدٍ) - بِمُوَحَّدَةٍ وَجِيمٍ مُصَغَّرٌ - (الْأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ الْحَارِثِيُّ) - بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَمُثَلَّثَةٍ - نِسْبَةً إِلَى بَنِي حَارِثَةَ بَطْنٍ مِنَ الْخَزْرَجِ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَعْجِيلِ الْمَنْفَعَةِ: اتَّفَقَ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ عَلَى إِبْهَامِهِ إِلَّا يَحْيَى بْنَ بُكَيْرٍ، فَقَالَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بُجَيْدٍ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ، فِيمَا حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ فِي مُسْنَدِ الْمُوَطَّأِ، وَوَقَعَ فِي أَطْرَافِ الْمِزِّيِّ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ، وَلَمْ يُتَرْجِمْ فِي التَّهْذِيبِ لِمُحَمَّدٍ، بَلْ جَزَمَ فِي مُبْهَمَاتِهِ بِأَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ ; لِأَنَّ النَّسَائِيَّ إِنَّمَا رَوَاهُ غَيْرَ مُسَمًّى كَأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَمُسْتَنَدُ مَنْ سَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ مَا فِي السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ، عَنِ اللَّيْثِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ عَنْ جَدِّهِ، فَذَكَرَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ شَيْخِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْخَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِيهِ آخِرُ اسْمِهِ مُحَمَّدٌ، (عَنْ جَدَّتِهِ) أُمِّ بُجَيْدٍ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا، قَالَ أَبُو عُمَرَ: يُقَالُ اسْمُهَا حَوَّاءُ، وَتَرْجَمَ لَهَا أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ حَوَّاءُ جَدَّةُ عَمْرِو بْنِ مُعَاذٍ، وَيَأْتِي فِي جَامِعِ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ فِي التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ، حَدِيثِ عَمْرٍو عَنْهَا، وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: رُدُّوا) ، أَيْ أَعْطُوا (الْمِسْكِينَ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: السَّائِلَ (وَلَوْ بِظِلْفٍ) - بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَبِالْفَاءِ - وَهُوَ لِلْبَقَرِ وَالْغَنَمِ كَالْحَافِرِ لِلْفَرَسِ، " وَلَوْ " لِلتَّقْلِيلِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يُعْطَى، وَالْمَعْنَى: تَصَدَّقُوا بِمَا تَيَسَّرَ كَثُرَ أَوْ قَلَّ وَلَوْ بَلَغَ فِي الْقِلَّةِ الظِّلْفَ مَثَلًا، فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ.
وَقَالَ: (مُحْرَقٍ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الِانْتِفَاعِ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَقَدْ يُلْقِيهِ آخِذُهُ، وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: الْوَاوُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الشَّرْطِ لِلْعَطْفِ، لَكِنَّهَا لِعَطْفِ حَالٍ عَلَى حَالٍ مَحْذُوفَةٍ، وَقَدْ تَضَمَّنَهَا السِّيَاقُ تَقْدِيرُهُ: رُدُّوهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَالٍ، وَلَوْ بِظِلْفٍ وَقَيَّدَ بِالْإِحْرَاقِ، أَيِ الشَّيْءِ كَمَا هُوَ عَادَتُهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّ النَّيِّئَ قَدْ لَا يُؤْخَذُ، وَقَدْ يَرْمِيهِ آخِذُهُ فَلَا يَنْتَفِعُ بِخِلَافِ الْمَشْوِيِّ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا تَتْمِيمٌ لِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي ظِلْفٍ كَقَوْلِهَا: كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ.
يَعْنِي: لَا تَرُدُّوهُ رَدَّ حِرْمَانٍ بِلَا شَيْءٍ، وَلَوْ أَنَّهُ ظِلْفٌ، فَهُوَ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُبَالِغَةِ، وَلِلذَّهَابِ إِلَى أَنَّ الظِّلْفَ إِذْ ذَاكَ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ عِنْدَهُمْ بَعِيدٌ عَنْ الِاتِّجَاهِ
انْتَهَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَعْنٍ الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَافَهُ ضَيْفٌ كَافِرٌ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ»
ــ
١٧١٦ - ١٦٦٦ - (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلٍ) - بِضَمِّ السِّينِ مُصَغَّرٌ - (ابْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ) ذَكْوَانَ السَّمَّانَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَافَهُ ضَيْفٌ كَافِرٌ) ، هُوَ جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ الْغِفَارِيُّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَنَضْلَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وَكَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ، وَقَاسِمِ ابْنِ ثَابِتٍ فِي الدَّلَائِلِ، وَأَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ، ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَعَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ، أَوْ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ الْحَنَفِيُّ، ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَالْبَاجِيُّ، وَابْنُ بَطَّالٍ
( «فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ» ) ، أَيْ حِلَابَهَا كُلَّهُ، (ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ) - بِكَسْرِ الْحَاءِ - (سَبْعِ شِيَاهٍ) ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِ «عَنْ جَهْجَاهٍ: " أَنَّهُ قَدِمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ، فَحَضَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ، قَالَ: يَأْخُذُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ جَلِيسِهِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِي، وَكُنْتُ رَجُلًا عَظِيمًا طِوَالًا لَا يُقَدَّمُ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَذَهَبَ بِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَنْزِلِهِ فَحَلَبَ لِي عَنْزًا، فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا حَتَّى حَلَبَ لِي سَبْعَةَ أَعْنُزٍ، فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَيْتُ بِصَنِيعِ بُرْمَةٍ فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: أَجَاعَ اللَّهُ مَنْ أَجَاعَ رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، قَالَ: مَهْ يَا أُمَّ أَيْمَنَ أَكَلَ رِزْقَهُ، وَرِزْقُنَا عَلَى اللَّهِ (ثُمَّ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا) » ، وَفِي حَدِيثِ جَهْجَاهٍ: " «فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَنْزِلِهِ، فَحُلِبَتْ لِي عَنْزٌ فَتَرَوَّيْتُ وَشَبِعْتُ، فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ هَذَا ضَيْفَنَا؟ فَقَالَ: بَلَى "، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) » مِنْ أَمْعَائِهِ السَّبْعَةِ، (وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) الَّتِي هِيَ جَمِيعُ أَمْعَائِهِ.
قَالَ عِيَاضٌ: عِنْدَ أَهْلِ التَّشْرِيحِ: إِنَّ أَمْعَاءَ الْإِنْسَانِ سَبْعَةٌ: الْمَعِدَةُ، ثُمَّ ثَلَاثَةُ أَمْعَاءٍ بَعْدَهَا مُتَّصِلَةٌ بِهَا الْبَوَّابُ، ثُمَّ الصَّائِمُ، ثُمَّ الرَّقِيقُ وَالثَّلَاثَةُ رِقَاقٌ، ثُمَّ الْأَعْوَرُ وَالْقَوْلُونُ وَالْمُسْتَقِيمُ وَطَرَفَةُ الدُّبُرِ، وَكُلُّهَا غِلَاظٌ، وَقَدْ نَظَمَهَا الْحَافِظُ زَيْنُ الدَّيْنِ الْعِرَاقِيُّ فِي قَوْلِهِ:
سَبْعَةُ أَمْعَاءٍ لِكُلِّ آدَمِي ... مَعِدَةٌ بَوَّابُهَا مَعْ صَائِمِ
ثُمَّ الرَّقِيقُ أَعْوَرُ قُولُونُ مَعْ ... الْمُسْتَقِيمِ مَسْلَكُ الْمَطَاعِمِ
وَفِي الشُّرْبِ مَا سَبَقَ فِي الْأَكْلِ مِنَ الْأَقْوَالِ الْعَشْرَةِ، وَفِيهِ كَسَابِقِهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْلِيلِ الْأَكْلِ.
وَقَدْ رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا: " «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ حَسْبُ الْآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتِ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ، فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ» "، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي " شَرْحِ الْأَسْمَاءِ ": لَوْ سَمِعَ بِقْرَاطُ هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: ذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ لِبَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ، فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ كَلَامًا فِي قِلَّةِ الْأَكْلِ أَحْكَمَ مِنْهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: خَصَّ الثَّلَاثَةَ لِأَنَّهَا أَسْبَابُ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَطْنِ سِوَاهَا.
وَهَلِ الْمُرَادُ الثُّلُثُ الْمُسَاوِي حَقِيقَةً، وَالطَّرِيقُ إِلَيْهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ
أَوِ التَّقْسِيمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ ظَنُّهُ بِالثُّلُثِ الْحَقِيقِيِّ؟ مَحَلُّ احْتِمَالٍ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّحَ بِذِكْرِ الثُّلُثِ إِلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْجَحُ الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَوَّلُ، إِذْ هُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَالثَّانِي يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ.
وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ قَائِمًا
ــ
١٧٢٢ - ١٦٧٢ - (مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ قَائِمًا) ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ» "، وَفِي الْبُخَارِيِّ «عَنْ عَلِيٍّ: " أَنَّهُ شَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ» "، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: " «نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا» ".
وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ» "، قَالَ فِي الْمُفْهِمِ: لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ، وَلَا الْتِفَاتَ لِابْنِ حَزْمٍ، وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِهَا، فَمِنَ السَّلَفِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ مَالِكٌ تَمَسُّكًا بِشُرْبِهِ مِنْ زَمْزَمَ قَائِمًا، وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْهُ مُتَأَخِّرًا عَنِ النَّهْيِ، فَإِنَّهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَهُوَ نَاسِخٌ، وَحَقَّقَ ذَلِكَ فِعْلُ خُلَفَائِهِ بِخِلَافَ النَّهْيَ، وَيَبْعُدُ خَفَاؤُهُ عَلَيْهِمْ مَعَ شِدَّةِ مُلَازَمَتِهِمْ لَهُ، وَتَشْدِيدِهِمْ فِي الدِّينِ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا لِلنَّسْخِ يَصْلُحُ لِتَرْجِيحِ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ: النَّهْيُ إِمَّا تَنْزِيهٌ، أَوْ تَحْرِيمٌ، ثُمَّ نُسِخَ بِحَدِيثِ شُرْبِهِ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَقَدْ أَعَلَّ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ
حَدِيثَ: " «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا» "، بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ عُمَرَ بْنَ حَمْزَةَ الْعُمَرِيَّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَإِنْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَغَايَةُ مَا أَجَابَ بِهِ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي تَوْثِيقِهِ، وَمِثْلُهُ يُخَرِّجُ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ، وَقَدْ تَابَعَهُ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ، وَابْنِ حِبَّانَ، فَالْحَدِيثُ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ صَحِيحٌ، انْتَهَى.
لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنْ مُسْلِمًا أَخْرَجَ لَهُ هُنَا أَصْلًا لَا مُتَابَعَةً.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْجَوَازِ، وَكَرِهَهُ قَوْمٌ فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: لَعَلَّ النَّهْيَ يَنْصَرِفُ لِمَنْ أَتَى أَصْحَابَهُ بِمَاءٍ، فَبَادَرَ لِشُرْبِهِ قَائِمًا قَبْلَهُمُ اسْتِبْدَادًا وَخُرُوجًا عَنْ كَوْنِ سَاقِي الْقَوْمِ آخِرَهُمْ شُرْبًا، وَأَيْضًا فَأُمِرَ بِالِاسْتِقَاءِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَسْتَقِيءَ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، لَا مَرْفُوعٌ، وَالْأَظْهَرُ لِي أَنَّ شُرْبَهُ قَائِمًا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَالنَّهْيُ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْحَثِّ عَلَى مَا هُوَ أَوْلَى وَأَكْمَلُ ; لِأَنَّ فِي الشُّرْبِ قَائِمًا ضَرَرًا مَا فَكُرِهَ مِنْ أَجْلِهِ، وَفَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَمْنِهِ مِنْهُ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ قَوْلُهُ: " فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ "، عَلَى أَنَّهُ يُحَرِّكُ خَلْطًا يَكُونُ الْقَيْءُ دَوَاءَهُ.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ: إِنَّمَا ذَلِكَ لِدَاءِ الْبَطْنِ، انْتَهَى.
وَعَلَيْهِ فَالنَّهْيُ طِبِّيٌّ إِرْشَادِيٌّ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لِلْمَرْءِ ثَمَانِيَةُ أَحْوَالٍ: قَائِمٌ مَاشٍ مُسْتَنِدٌ رَاكِعٌ سَاجِدٌ مُتَّكِئٌ قَاعِدٌ مُضْطَجِعٌ، كُلُّهَا يُمْكِنُ الشُّرْبُ فِيهَا، وَأَهْنَؤُهَا وَأَكْثَرُهَا اسْتِعْمَالًا الْقُعُودُ، وَأَمَّا الْقِيَامُ فَنُهِيَ عَنْهُ لِأَذِيَّتِهِ لِلْبَدَنِ.
وَلِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ:
إِذَا رُمْتَ تَشْرَبُ فَاقْعُدْ تَفُزْ ... بِسُنَّةِ صَفْوَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ
وَقَدْ صَحَّحُوا شُرْبَهُ قَائِمًا ... وَلَكِنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ»
ــ
١٧٢٨ - ١٦٧٨ - (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كَيْسَانَ (الْمَقْبُرِيِّ) - بِضَمِّ الْبَاءِ، وَفَتْحِهَا - الْمَدَنِيِّ - (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) - بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ - الْخُزَاعِيِّ، ثُمَّ (الْكَعْبِيِّ) نِسْبَةً إِلَى كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو بَطْنٍ مِنْ خُزَاعَةَ اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَقِيلَ: هَانِئٌ وَقِيلَ: كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَكَانَ مَعَهُ لِوَاءُ خُزَاعَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ نَزَلَ الْمَدِينَةَ، وَلَهُ أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ) ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) الَّذِي خَلَقَهُ إِيمَانًا كَامِلًا، (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الَّذِي إِلَيْهِ مَعَادُهُ، وَفِيهِ جَزَاؤُهُ، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَعَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ قَصْدًا إِلَى اسْتِمْرَارِ الْإِيمَانِ، وَتَجَدُّدِهِ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ وَقْتًا فَوَقْتًا ; لِأَنَّهُ عَرَضٌ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ لِكَوْنِهِ فِعْلًا يُفِيدُ التَّجَدُّدَ وَالْحُدُوثَ، وَهَذَا مِنْ خِطَابِ التَّهْيِيجِ مِنْ قَبِيلِ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: ٢٣] (سورة الْمَائِدَةِ: الْآيَةُ ٢٣) ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِ، وَأَنَّ خِلَافَهُ لَا يَلِيقُ بِمَنْ يُؤْمِنُ بِذَلِكَ، وَلَوْ قِيلَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْغَرَضُ.
(فَلْيُقُلْ خَيْرًا) يُثَابُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّفَكُّرِ، فِيمَا يُرِيدُ التَّكَلُّمَ بِهِ، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ قَالَهُ.
(أَوْ لِيَصْمُتْ)
- بِضَمِّ الْمِيمِ - أَيْ يَسْكُتْ عَنِ الشَّرِّ فَيَسْلَمْ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «مَنْ صَمَتَ نَجَا» "، قَالَهُ عِيَاضٌ، وَقَدْ ضَبَطَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ - بِضَمِّ الْمِيمِ - وَكَأَنَّهُ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الطُّوفِيُّ: سَمِعْنَاهُ - بِكَسْرِهَا - وَهُوَ الْقِيَاسُ ; لِأَنَّ قِيَاسَ فَعَلَ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - مَاضِيًا يَفْعِلُ - بِكَسْرِهَا - مُضَارِعًا نَحْوَ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وَيَفْعُلُ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - فِيهِ دَخِيلٌ كَمَا فِي الْخَصَائِصِ لِابْنِ جِنِّيٍّ، انْتَهَى.
أَيْ يَسْكُتُ عَنْ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ، وَفَوَاتُهُمَا يُنَافِي حَالَ الْمُؤْمِنِينَ، وَشَرَفَ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَمْنِ، وَلَا أَمَانَ لِمَنْ فَاتَهُ الْغَنِيمَةُ وَالسَّلَامَةُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَوْ لِيَسْكُتْ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، لَكِنَّ الصَّمْتَ أَخَصُّ ; لِأَنَّهُ السُّكُوتُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ، أَمَّا السُّكُوتُ مَعَ الْعَجْزِ لِفَسَادِ آلَةِ النُّطْقِ، فَهُوَ الْخَرَسُ، أَوْ لِتَوَقُّفِهَا فَهُوَ الْعِيُّ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُصَدِّقَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ الْمُتَرَتِّبَيْنِ عَلَى الْكَلَامِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يُحَصِّلُ لَهُ ثَوَابًا، أَوْ خَيْرًا فَيَغْنَمُ، أَوْ يَسْكُتَ عَنْ شَيْءٍ يَجْلِبُ لَهُ عِقَابًا، أَوْ شَرًّا فَيَسْلَمُ، فَـ " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّقْسِيمِ فَيُسَنُّ لَهُ الصَّمْتُ حَتَّى عَنِ الْمُبَاحِ لِأَدَائِهِ إِلَى مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، وَبِفَرْضِ خُلُوِّهِ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ ضَيَاعُ الْوَقْتِ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَمِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ، قَالَ: وَأَفَادَ الْحَدِيثُ أَنَّ قَوْلَ الْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ لِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ قَوْلِ الْخَيْرِ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي تَفْصِيلِ آفَاتِ الْكَلَامِ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ حَصْرٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ آفَاتِ اللِّسَانِ أَسْرَعُ الْآفَاتِ لِلْإِنْسَانِ وَأَعْظَمُهَا فِي الْهَلَاكِ وَالْخُسْرَانِ، فَالْأَصْلُ مُلَازَمَةُ الصَّمْتِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ وَالْحُصُولُ عَلَى الْخَيْرَاتِ، فَحِينَئِذٍ تَخْرُجُ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مَخْطُومَةً وَبِأَزِمَّةِ التَّقْوَى مَزْمُومَةً، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلُّهُ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ أَوْ آيِلٌ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَدَخَلَ فِي الْخَيْرِ كُلُّ مَطْلُوبٍ مِنْ فَرْضٍ، وَنَفْلٍ فَأَذِنَ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، وَدَخَلَ فِيهِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا هُوَ شَرٌّ، أَوْ يَؤُولُ إِلَيْهِ، فَأُمِرَ بِالصَّمْتِ عَنْهُ، فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ حَقَّ الْإِيمَانِ خَافَ وَعِيدَهُ وَرَجَا ثَوَابَهُ، وَمَنْ آمَنَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ اسْتَعَدَّ وَاجْتَهَدَ فِي فِعْلِ مَا يَدْفَعُ بِهِ أَهْوَالَهُ، فَيَأْتَمِرُ بِالْأَوَامِرِ وَيَنْتَهِي عَنِ النَّوَاهِي، وَيَتَقَرَّبُ لِمَوْلَاهُ بِمَا يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ مَا عَلَيْهِ ضَبْطَ جَوَارِحِهِ، وَمِنْ أَكْثَرِ الْمَعَاصِي عَدَدًا وَأَيْسَرِهَا فِعْلًا مَعَاصِي اللِّسَانِ، وَقَدِ اسْتَقْرَأَ الْمُحَاسِبُونَ لِأَنْفُسِهِمْ آفَاتِ اللِّسَانِ، فَزَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ، وَأَرْشَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ جُمْلَةً، فَقَالَ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنْ آمَنَ بِذَلِكَ حَقَّ إِيمَانِهِ اتَّقَى اللَّهَ فِي لِسَانِهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَسَلْمَانُ: مَا شَيْءٌ أَحَقُّ بِطُولِ السِّجْنِ مِنَ اللِّسَانِ.
(وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ، أَيْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وُصِفَ بِهِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، أَوْ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْحِسَابَ إِلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا لَيْلَ بَعْدَهُ، وَلَا يُقَالُ يَوْمٌ إِلَّا لِمَا بَعْدَهُ لَيْلٌ، أَيْ يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِ مَعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَهْوَالِ، وَاكْتَفَى بِهِمَا عَنِ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ
وَالْكُتُبِ وَغَيْرِهِمَا ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِنُبُوءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ.
( «فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» ) بِالْبِشْرِ، وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَبَذْلِ النَّدَى وَكَفِّ الْأَذَى، وَتَحَمُّلِ مَا فَرَطَ مِنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: " فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ "، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ "، وَقَدْ أَوْصَى اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» "، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَمَنْ كَانَ مَعَ هَذَا التَّأْكِيدِ الشَّدِيدِ مُضِرًّا لِجَارِهِ كَاشِفًا لِعَوْرَاتِهِ، حَرِيصًا عَلَى إِنْزَالِ الْبَوَائِقِ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ اعْتِقَادٍ وَنِفَاقٍ، فَيَكُونُ كَافِرًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأَمَّا عَلَى امْتِهَانِهِ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حُرْمَةِ الْجَارِ، وَمِنْ تَأْكِيدِ عَهْدِ الْجِوَارِ فَيَكُونُ فَاسِقًا فِسْقًا عَظِيمًا، وَمُرْتَكِبَ كَبِيرَةٍ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِالْكُفْرِ، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ بَرِيدُ الْكُفْرِ، فَيَكُونُ مِنَ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ وَمَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُبَالِغُونَ فِي رِعَايَتِهِ وَحِفْظِ حَقِّهِ.
حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ أَبَرَّ مِنْكُمْ بِالْجَارِ، هَذَا قَائِلُهُمْ قَالَ:
نَارِي وَنَارُ الْجَارِ وَاحِدَةٌ ... وَإِلَيْهِ قَبْلِي يَنْزِلُ الْقَدَرُ
مَا ضَرَّ جَارِيَ إِذْ أُجَاوِرُهُ ... أَنْ لَا يَكُونَ لِبَابِهِ سَتْرُ
أَغُضُّ طَرْفِيَ إِذْ مَا جَارَتِي بَرَزَتْ ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي الْخِدْرُ
وَقَالَ آخَرُ:
أَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِي جَارَتِي ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا
قَالَ الْحَافِظُ: وَاسْمُ الْجَارِ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ وَالْعَابِدَ وَالْفَاسِقَ وَالصَّدِيقَ وَالْعَدُوَّ وَالْغَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ وَالنَّافِعَ وَالضَّارَّ وَالْقَرِيبَ وَالْأَجْنَبِيَّ وَالْأَقْرَبَ دَارًا وَالْأَبْعَدَ، وَلَهُ مَرَاتِبُ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَأَعْلَى مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُوَلُ كُلُّهَا، ثُمَّ أَكْثَرُهَا وَهَلُمَّ جَرَّا إِلَى الْوَاحِدِ، وَعَكْسُهُ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُخْرَى، فَيُعْطَى كُلٌّ حَقَّهُ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَقَدْ تَتَعَارَضُ صِفَتَانِ فَتُرَجِّحُ أَوْ تُسَاوِي، وَقَدْ حَمَلَهُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى الْعُمُومِ، فَأَمَرَ لَمَّا ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ أَنْ يُهْدَى مِنْهَا لِجَارِهِ الْيَهُودِيِّ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَوَرَدَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ: " «الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَهُوَ الْمُشْرِكُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَحَقُّ الْإِسْلَامِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ رَحِمٌ؛ حَقُّ الْإِسْلَامِ، وَالْجِوَارِ، وَالرَّحِمِ» ، وَالْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، فَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ
مَنْدُوبًا، وَيَجْمَعُ الْجَمِيعَ أَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَجَاءَ تَفْسِيرُ الْإِحْسَانِ وَالْإِكْرَامِ لِلْجَارِ فِي أَخْبَارٍ أُخَرَ مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْخَرَائِطِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، قُلْتُ: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ جَارِي عَلِيَّ؟ قَالَ: إِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ شَيَّعْتَهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنَّ أَعْوَزَ سَتَرْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَلَا تَرْفَعْ بِنَاءَكَ فَوْقَ بِنَائِهِ فَتَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيحَ، وَلَا تُؤْذِيهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا» "، وَرَوَى الْخَرَائِطِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاذٍ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الْجَارِ عَلَى جَارِهِ؟ قَالَ: إِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضَتْهُ، وَإِنِ اسْتَعَانَكَ أَعَنْتَهُ، وَإِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنِ احْتَاجَ أَعْطَيْتَهُ، وَإِنِ افْتَقَرَ عُدْتَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ اتَّبَعَتْ جِنَازَتَهُ، وَلَا تَسْتَطِيلُ عَلَيْهِ الْبِنَاءَ فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تُؤْذِيهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا "، وَإِنِ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً، فَأَهْدِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا، وَلَا تُخْرِجْ بِهَا وَلَدَكَ لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ» "، وَرَوَاهُ الْخَرَائِطِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، وَأَسَانِيدُهُمْ وَاهِيَةٌ، لَكِنَّ تَعَدُّدَ مَخَارِجِهَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا.
قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: وَإِكْرَامُ الْجَارِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَالَّذِي يَشْمَلُ جَمِيعَ وُجُوهِ، الْإِكْرَامُ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ، وَمَوْعِظَتُهُ بِالْحُسْنَى، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ، وَتَرْكُ الْإِضْرَارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ حِسِّيًّا كَانَ أَوْ مَعْنَوِيًّا، إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْإِضْرَارُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، وَالَّذِي يَخُصُّ الصَّالِحَ هُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ، وَغَيْرَ الصَّالِحِ كَفُّهُ عَمَّا يَرْتَكِبُهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَعِظُ الْكَافِرَ بِعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، وَإِظْهَارِ مَحَاسِنِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَالْفَاسِقَ بِمَا يَلِيقُ بِهِ بِرِفْقٍ، فَإِنْ أَفَادَ، وَإِلَّا هَجَرَهُ قَاصِدًا تَأْدِيبَهُ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالسَّبَبِ، وَهُنَا تَنْبِيهٌ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِإِكْرَامِ الْجَارِ مَعَ الْحَائِلِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْعَى حَقَّ الْحَافِظَيْنِ اللَّذَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا جِدَارٌ، وَلَا حَائِلٌ، فَلَا يُؤْذِيهِمَا بِأَنْوَاعِ الْمُخَالَفَاتِ فِي مُرُورِ السَّاعَاتِ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُمَا يُسَرَّانِ بِالْحَسَنَاتِ وَيَحْزَنَانِ بِالسَّيِّئَاتِ، فَيَنْبَغِي إِكْرَامُهُمَا وَرِعَايَةُ جَانِبِهِمَا بِالْإِكْثَارِ مِنْ عَمَلِ الطَّاعَاتِ، وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَجَنُّبِ الْمَعَاصِي، فَهُمَا أَوْلَى بِالْإِكْرَامِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْجِيرَانِ اه.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: حَدُّ الْجِوَارِ فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ مَرْفُوعًا، إِلَى أَرْبَعِينَ دَارًا، وَلَمْ يَثْبُتْ، وَعَنَوْا بِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَهَذَا دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ عِنْدَ النَّظَرِ أَنَّ الْجَارَ لَهُ مَرَاتِبٌ: الْأَوَّلُ الْمُلَاصَقَةُ، وَالثَّانِي الْمُخَالَطَةُ بِأَنْ يَجْمَعَهُمَا مَسْجِدٌ، أَوْ مَجْلِسٌ، أَوْ بُيُوتٌ، وَيَتَأَكَّدُ الْحَقُّ مَعَ الْمُسْلِمِ، وَيَبْقَى أَصْلُهُ مَعَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْعَاصِي بِالتَّسَتُّرِ عَلَيْهِ اه.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: " «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» "، قَالَ الزَّوَاوِيُّ: هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا كَانَ الْمَشْيُ قَلِيلًا فَالْأَقْرَبُ بَابًا أَوْلَى بِهِ، فَأَمَّا مَعَ السَّعَةِ وَكَثْرَةِ مَا يُهْدَى فَلْيُهْدِ
إِلَى غَيْرِ وَاحِدٍ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ.
(وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إِيمَانًا كَامِلًا، ( «فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» ) بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَالْإِتْحَافِ وَالزِّيَادَةِ (جَائِزَتُهُ) - بِجِيمٍ، وَزَايٍ مَنْقُوطَةٍ - أَيْ مِنْحَتُهُ، وَعَطِيَّتُهُ وَإِتْحَافُهُ بِأَفْضَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، رُوِيَ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) ، وَبِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ثَانِي لِيُكْرِمْ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى يُعْطِي، أَوْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ بِجَائِزَتِهِ، وَهِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَبَدَلُ اشْتِمَالٍ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ: " «فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ، قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» "، (وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) بِالْيَوْمِ الْأَوَّلِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ بَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ، لَكِنْ فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: مَعْنَى جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَنْ يُتْحِفَهُ، وَيُكْرِمَهُ بِأَفْضَلِ مَا يَسْتَطِيعُهُ، وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةٌ كَأَنَّهُ يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ كَمَا يَتَكَلَّفُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضِّيَافَةَ لِمَنْ أَرَادَ الْجَوَازَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَلِمَنْ أَرَادَ الْمَقَامَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ يَتَكَلَّفُ لَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَيُتْحِفُهُ وَيَزِيدُ فِي الْبِرِّ عَلَى مَا يُحْضِرُهُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَفِي الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ يُقَدِّمُ لَهُ مَا حَضَرَ، فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثُ فَقَدْ مَضَى حَقُّهُ.
(فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) مِمَّا يُحْضِرُهُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، (فَهُوَ صَدَقَةٌ) عَلَيْهِ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِصَدَقَةٍ تَنْفِيرٌ عَنْهُ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا سِيَّمَا الْأَغْنِيَاءُ يَأْنَفُونَ غَالِبًا مِنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أَصْهَارِهِ، فَيَأْتِيهِ طَعَامُهُ مِنْ عِنْدِ دَارِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، فَيَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَقُولُ: احْبِسُوا عَنَّا صَدَقَتَكُمْ، وَيَقُولُ لِنَافِعٍ: أَنْفِقْ مِنْ عِنْدِكَ الْآنَ، أَخْرَجَهُ أَبُو عُمَرَ فِي التَّمْهِيدِ.
(وَلَا يَحِلُّ لَهُ) لِلضَّيْفِ (أَنْ يَثْوِيَ) - بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَكَسْرِ الْوَاوِ، أَيْ يُقِيمَ (عِنْدَهُ) عِنْدَ مَنْ أَضَافَهُ (حَتَّى يُحْرِجَهُ) - بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَجِيمٍ - مِنَ الْحَرَجِ، وَهُوَ الضِّيقُ قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَيْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ حَتَّى يُؤَثِّمَهُ، وَهُوَ أَنْ يَضُرَّ بِهِ مَقَامَهُ، فَيَقُولَ أَوْ يَفْعَلَ مَا يُؤَثِّمُهُ، انْتَهَى.
وَلِمُسْلِمٍ: حَتَّى يُؤَثِّمَهُ، أَيْ يُوقِعَهُ فِي الْإِثْمِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَغْتَابُهُ لِطُولِ إِقَامَتِهِ، أَوْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُؤْذِيهِ، أَوْ يَظُنُّ بِهِ ظَنًّا سَيِّئًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ الْحَرَجُ جَازَتِ الْإِقَامَةُ بَعْدَ أَنْ يَخْتَارَ الْمُضِيفُ إِقَامَةَ الضَّيْفِ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الضَّيْفِ أَنَّ الْمُضِيفَ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ لِلِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ الضِّيَافَةَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الدِّينِ، وَخُلُقِ النَّبِيِّينَ لَا وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ: جَائِزَةُ، وَالْجَائِزَةُ تَفَضُّلٌ وَإِحْسَانٌ لَا تَجِبُ اتِّفَاقًا، هَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ بَطَّالٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ اللَّيْثُ وَأَحْمَدُ: تَجِبُ الضِّيَافَةُ لَيْلَةً وَاحِدَةً لِلْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: " «لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» "
وَحَدِيثُ الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا: " «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» "، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حَتَّى كَانَتِ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةً، أَوْ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِقِلَّةِ الْأَزْوَادِ، ثُمَّ نُسِخَ، وَبِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُضْطَرِّينَ، فَإِنَّ ضِيَافَتَهُمْ وَاجِبَةٌ مِنْ حَيْثُ الِاضْطِرَارِ، أَوْ مَخْصُوصٌ بِالْعُمَّالِ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ الْإِمَامُ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ، أَوِ الْكَلَامُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ الْمَارَّةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا أَهْلُ الْحَضَرِ وَالْبَادِيَةِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ: إِنَّمَا هِيَ عَلَى أَهْلِ الْبَوَادِي، لَا عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ لِوُجُودِ الْفَنَادِقِ وَغَيْرِهَا لِلنُّزُولِ فِيهَا، وَوُجُودِ الطَّعَامِ لِلْبَيْعِ فِيهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ إِلَّا بِالْقِيَامِ بِكِفَايَتِهِ، فَلَوْ أَطْعَمَهُ بَعْضَ كِفَايَتِهِ لَمْ يُكْرِمْهُ لِانْتِفَاءِ جُزْءِ الْإِكْرَامِ، وَإِذَا انْتَفَى جُزْؤُهُ انْتَفَى كُلُّهُ.
وَفِي كِتَابِ الْمُنْتَخَبِ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مَعَ الضَّيْفِ، فَلْيُلْقِمْهُ بِيَدِهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كُتِبَ لَهُ بِهِ عَمَلُ سَنَةٍ صِيَامُ نَهَارِهَا، وَقِيَامُ لَيْلِهَا» "، وَمِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ: مِنْ إِكْرَامِ الضَّيْفِ أَنْ يَضَعَ لَهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ حِينَ يَدْخُلُ الْمَنْزِلَ، وَمِنْ إِكْرَامِهِ أَنْ يُرْكِبَهُ إِذَا انْقَلَبَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِنْ كَانَ بَعِيدًا، وَأَنْ يَجْلِسَ تَحْتَهُ.
وَرَوَى ابْنُ شَاهِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِرَفْعِهِ: " «مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ لُقْمَةَ حَلْوَةٍ، لَمْ يَذُقْ مَرَارَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» "، هَذَا وَمَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ فِيمَنْ وَجَدَ فَاضِلًا عَنْ مَنْ يُمَوِّنُهُ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَعَلَى زَوْجَتِهِ بِإِيثَارِهِمَا الضَّيْفَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَصِبْيَانِهِمَا حَيْثُ نَوَّمَتْهُمْ أُمُّهُمْ حَتَّى أَكَلَ الضَّيْفُ، فَأُجِيبَ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ تَقْدِيمِ الضَّيْفِ عَلَى حَاجَةِ الصِّبْيَانِ بِأَنَّهُمْ لَمْ تَشْتَدَّ حَاجَتُهُمْ لِلْأَكْلِ، وَإِنَّمَا خَافَ أَبَوَاهُمَا أَنَّ الطَّعَامَ لَوْ قُدِّمَ لِلضَّيْفِ وَهُمْ مُنْتَبِهُونَ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَى الْأَكْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا جِيَاعًا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ تَجْمَعُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ الْفِعْلِيَّةَ وَالْقَوْلِيَّةَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَامِلَ الْإِيمَانِ مُتَّصِفٌ بِالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ قَوْلًا بِالْخَيْرِ، أَوْ سُكُوتًا عَنِ الشَّرِّ، أَوْ فِعْلًا لِمَا يَنْفَعُ، أَوْ تَرْكًا لِمَا يَضُرُّ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُهُ مِنْ تَوَقُّفِ الْإِيمَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ، بَلِ الْمُرَادُ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ كَمَا عُلِمَ، أَوْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِجْلَابِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَمَا تَقُولُ لِوَلَدِكَ: إِنْ كُنْتَ ابْنِي فَأَطْعِمْنِي تَحْرِيضًا، وَتَهْيِيجًا عَلَى الطَّاعَةِ ; لِأَنَّهُ بِانْتِفَاءِ الطَّاعَةِ تَنْتَفِي وَلَدِيَّتُهُ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَإِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ نَحْوَهُ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إِذْ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ وَخَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا فَقَالَ فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»
ــ
١٧٢٩ - ١٦٧٩ - (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ) - بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ - (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ (السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: بَيْنَمَا) - بِمِيمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ بِدُونِهَا - (رَجُلٌ) قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ يُسَمَّ (يَمْشِي بِطَرِيقٍ) ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْمُوطَّآتِ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ: " يَمْشِي بِفَلَاةٍ "، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: " يَمْشِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ "، (إِذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ) مِنْهَا، (وَخَرَجَ) مِنَ الْبِئْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ خَرَجَ "، (فَإِذَا كَلْبٌ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: " فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ "، (يَلْهَثُ) - بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَمُثَلَّثَةٍ - أَيْ يَرْتَفِعُ نَفَسُهُ بَيْنَ أَضْلَاعِهِ، أَوْ يُخْرِجُ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ حَالَ كَوْنِهِ (يَأْكُلُ الثَّرَى) - بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ، وَالْقَصْرِ - التُّرَابَ النَّدِيَّ (مِنَ الْعَطَشِ) ، وَيَجُوزُ أَنَّ " يَأْكُلُ " خَبَرٌ ثَانٍ، (فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ) - بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ - (مِنَ الْعَطَشِ) الشَّدِيدِ الَّذِي أَصَابَهُ (مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي) ، وَفِي رِوَايَةٍ " بِي "، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " فَرَحِمَهُ "، وَ " مِثْلُ " ضَبَطَهُ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ بِالنَّصْبِ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ بَلَغَ مَبْلَغًا مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: وَلَا يَتَعَيَّنُ لِجَوَازِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ مَفْعُولٌ بِهِ، أَيْ عَطَشًا، وَضَبَطَهُ الْحَافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ وَغَيْرُهُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ يَبْلُغُ، فَهُمَا رِوَايَتَانِ، (فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ) مَاءً، (ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ) لِيَصْعَدَ مِنَ الْبِئْرِ لِعُسْرِ الرُّقِيِّ مِنْهَا، (حَتَّى رَقِيَ) - بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الْقَافِ - كَصَعِدَ وَزَنًا وَمَعْنًى، وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ التِّينِ أَنَّ الرِّوَايَةَ رَقَى بِفَتْحِ الْقَافِ، فَإِنَّهُ قَالَ: كَذَا وَقَعَ، وَصَوَابُهُ: رَقِيَ عَلَى وَزْنِ عَلِمَ، وَمَعْنَاهُ: صَعِدَ، قَالَ تَعَالَى: {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ} [الإسراء: ٩٣] (سورة الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ٩٣) ، وَأَمَّا رَقَى بِفَتْحِ الْقَافِ، فَمِنَ الرُّقْيَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، وَخَرَّجَهُ عَلَى لُغَةِ طَيٍّ فِي مِثْلِ: بَقَى يَبْقَى وَرَضَى يَرْضَى يَأْتُونَ بِالْفَتْحَةِ مَكَانَ الْكَسْرَةِ، فَتُقْلَبُ الْيَاءُ أَلِفًا، وَهَذَا دَأْبُهُمْ فِي كُلِّ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: وَلَعَلَّ الْمُقْتَضِيَ لِإِيثَارِ الْفَتْحِ هُنَا - إِنْ صَحَّ - قَصْدُ الْمُزَاوَجَةِ بَيْنَ رَقَى وَسَقَى، وَهِيَ مِنْ مَقَاصِدِهِمُ الَّتِي يَعْتَمِدُونَ فِيهَا تَغْيِيرَ الْكَلِمَةِ عَنْ وَضْعِهَا الْأَصْلِيِّ.
(فَسَقَى الْكَلْبَ) ، زَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " حَتَّى أَرْوَاهُ "، كَمَا
فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَيْ جَعَلَهُ رَيَّانَ، (فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ) ، أَثْنَى عَلَيْهِ، أَوْ قَبِلَ عَمَلَهُ ذَلِكَ، أَوْ أَظْهَرَ مَا جَازَاهُ بِهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ.
(فَغَفَرَ لَهُ) ، الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ بِسَبَبِ قَبُولِهِ غَفَرَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ دِينَارٍ بَدَلَهُ: " فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ "، (فَقَالُوا) : أَيِ الصَّحَابَةُ، وَسُمِّيَ مِنْهُمْ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ حِبَّانَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) الْأَمْرُ كَمَا قُلْتَ، (وَإِنَّ لَنَا فِي) سَقْيِ (الْبَهَائِمِ) ، أَوْ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهَا (لَأَجْرًا) ثَوَابًا؟ (فَقَالَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فِي كُلِّ كَبِدٍ) - بِفَتْحِ الْكَافِ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ - وَيَجُوزُ سُكُونُهَا، وَكَسْرُ الْكَافِ، وَسُكُونُ الْمُوَحَّدَةِ -: رَطْبَةٍ بِرُطُوبَةِ الْحَيَاةِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ، أَوْ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ لَازِمَةٌ لِلْحَيَاةِ فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْهَا، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ وَصْفِ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: فِي كُلِّ كَبِدٍ حَرَّى لِمَنْ سَقَاهَا حَتَّى تَصِيرَ رَطْبَةً (أَجْرٌ) بِالرَّفْعِ، مُبْتَدَأٌ قُدِّمَ خَبَرُهُ، أَيْ حَاصِلٌ وَكَائِنٌ فِي إِرْوَاءِ كُلِّ ذِي كَبِدٍ حَيَّةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ " فِي " سَبَبِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمَعْنَى: فِي كُلِّ كَبِدٍ حَيٍّ، وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ، قَالَ الْأُبِّيُّ: حَتَّى الْكَافِرُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: ٨] (سورة الْإِنْسَانِ: الْآيَةُ ٨) ; لِأَنَّ الْأَسِيرَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَغْلَبِ كَافِرًا، انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: هَذَا الْحَدِيثُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَقَوْلُهُ: فِي كُلِّ كَبِدٍ، مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْبَهَائِمِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِقَتْلِهِ كَالْخِنْزِيرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْوَى لِيَزْدَادَ ضَرَرُهُ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: عُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ، وَهُوَ مِمَّا لَمْ يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ فَيَحْصُلُ الثَّوَابُ بِسَقْيِهِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ إِطْعَامُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَا يَمْنَعُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ، يَعْنِي: فَيَسْقِي، ثُمَّ يَقْتُلُ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نُحْسِنَ الْقِتْلَةَ، وَنُهِينَا عَنِ الْمُثْلَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ حَفْرِ الْآبَارِ فِي الصَّحْرَاءِ لِانْتِفَاعِ عَطْشَانَ وَغَيْرِهِ بِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ سَاغَ مَعَ مَظِنَّةِ الِاسْتِضْرَارِ بِهَا مِنْ سَاقِطٍ بِلَيْلٍ، أَوْ وُقُوعِ بَهِيمَةٍ، وَنَحْوِهَا فِيهَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ أَكْثَرَ وَمُتَحَقِّقَةً، وَالِاسْتِضْرَارُ نَادِرًا، أَوْ مَظْنُونًا غَلَبَ الِانْتِفَاعُ، وَسَقَطَ الضَّمَانُ، فَكَانَتْ جُبَارًا، فَلَوْ تَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ لَمْ يَجُزْ، وَضَمِنَ الْحَافِرُ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ وَأَنَّ سَقْيَ الْمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشُّرْبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الْمَظَالِمِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَفِي الْأَدَبِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحَيَوَانِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْجِهَادِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَهُمْ ثَلَاثُ مِائَةٍ قَالَ وَأَنَا فِيهِمْ قَالَ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ قَالَ فَكَانَ يُقَوِّتُنَاهُ كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ وَلَمْ تُصِبْنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ فَقُلْتُ وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حَيْثُ فَنِيَتْ قَالَ ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا وَلَمْ تُصِبْهُمَا»
قَالَ مَالِكٌ الظَّرِبُ الْجُبَيْلُ
ــ
١٧٣٠ - ١٦٨٠ - (مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ) الْقُرَشِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَدَنِيِّ الْمُعَلِّمِ، ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْثًا قِبَلَ) - بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ - جِهَةَ (السَّاحِلِ) ، أَيْ سَاحِلِ الْبَحْرِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " يَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ "، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرٍ: " بَعَثَنَا إِلَى أَرْضِ جُهَيْنَةَ "، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ بَعْثَهُمْ إِلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ بِالْقَبْلِيَّةِ - بِفَتْحِ الْقَافِ، وَالْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ، وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ - مِمَّا يَلِي سَاحِلَ الْبَحْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسُ لَيَالٍ، وَأَنَّهُمُ انْصَرَفُوا، وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا، أَيْ حَرْبًا، وَلَا مُنَافَاةَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْبَعْثَ لِلْمُتَصَدِّينَ رَصَدَ عِيرَ قُرَيْشٍ، وَقَصَدَ مُحَارَبَةَ حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنَّ تَلَقِّيَ عِيرِ قُرَيْشٍ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ فِي الْهُدْنَةِ، بَلْ مُقْتَضَى مَا فِي الصَّحِيحِ أَنْ يَكُونَ الْبَعْثُ فِي سَنَةِ سِتٍّ، أَوْ قَبْلَهَا قَبْلَ هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَلَقِّيَهُمْ لِلْعِيرِ لَيْسَ لِحَرْبِهِمْ، بَلْ لِحِفْظِهِمْ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْخَبَرِ أَنَّهُمْ قَاتَلُوا أَحَدًا، بَلْ فِيهِ أَنَّهُمْ أَقَامُوا نِصْفَ شَهْرٍ وَأَكْثَرَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: قَالُوا: كَانَ ذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ بَعْدَ نَكْثِ قُرَيْشٍ الْعَهْدَ، وَقَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْهُدَى: كَوْنُهُ فِي رَجَبٍ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِذْ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلَا أَغَارَ فِيهِ، وَلَا بَعَثَ فِيهِ سَرِيَّةً، قَالَ الْحَافِظُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْحَلَبِيُّ: هَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ مَلِيحٌ لَكِنَّهُ عَلَى مُخْتَارِهِ مِنْ عَدَمِ نَسْخِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ كَشَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَةَ تَبَعًا لِلظَّاهِرِيَّةِ، وَعَطَاءٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ مِنْ نَسْخِهِ.
(فَأَمَّرَ) - بِشَدِّ الْمِيمِ - أَيْ جَعَلَ أَمِيرًا (عَلَيْهِمْ) ، أَيْ عَلَى الْبَعْثِ (أَبَا عُبَيْدَةَ) عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ الْجَرَّاحِ) الْقُرَشِيَّ الْفِهْرِيَّ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الْبَدْرِيَّ مِنَ السَّابِقِينَ، مَاتَ شَهِيدًا بِطَاعُونِ عَمْوَاسٍ سَنَةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ أَمِيرًا عَلَى الشَّامِ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ.
وَفِي رِوَايَةِ حَمْزَةَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ: " أَمَّرَ عَلَيْنَا قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ "، قَالَ الْحَافِظُ: وَالْمَحْفُوظُ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ رِوَايَاتُ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَكَأَنَّ أَحَدَ رُوَاتِهِ ظَنَّ مِنْ صُنْعِ قَيْسٍ مِنْ نَحْرِ الْإِبِلِ الَّتِي اشْتَرَاهَا أَنَّهُ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(وَهُمْ) ، أَيِ الْجَيْشُ (ثَلَاثُمِائَةٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الرِّوَايَاتِ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَبِهِ جَزَمَ أَهْلُ السِّيَرِ كَابْنِ سَعْدٍ
قَائِلًا: مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلِلنَّسَائِيِّ أَيْضًا بِضْعَ عَشْرَةَ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَإِنْ صِحَّتْ فَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ اسْتِسْهَالًا لِأَمْرِ الْكَسْرِ لِقِلَّتِهِ، لَكِنَّ الْأَخْذَ بِالزِّيَادَةِ مَعَ صِحَّتِهَا وَاجِبٌ ; لِأَنَّهُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ.
(قَالَ) جَابِرٌ: (وَأَنَا فِيهِمْ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ "، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ وَهْبٍ: " نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا "، (فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ) الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ لِلتَّكَلُّمِ (فَنِيَ) - بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَكَسْرِ النُّونِ: فَرَغَ (الزَّادُ) جَوَّزَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى فَنِيَ: أَشْرَفَ عَلَى الْفَنَاءِ، (فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ) - بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَإِسْكَانِ الزَّايِ، وَفَتْحِ الْوَاوِ وَالدَّالِ - تَثْنِيَةَ مِزْوَدٍ بِالْكَسْرِ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الزَّادُ.
(قَالَ) جَابِرٌ: (فَكَانَ) أَبُو عُبَيْدَةَ (يُقَوِّتُنَاهُ) - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَبِضَمِّهِ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْوِيتِ - (كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (حَتَّى فَنِيَ) مَا فِي الْمِزْوَدَيْنِ مِنَ التَّمْرِ، (وَلَمْ تُصِبْنَا) مِمَّا جُمِعَ ثَانِيًا مِنَ الْأَزْوَادِ الْخَاصَّةِ، (إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ) كُلَّ يَوْمٍ هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى فَنِيَ: أَشْرَفَ عَلَى الْفَنَاءِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ: ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ أَزْوَادٌ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ وَأَزْوَادٌ بِطَرِيقِ الْخُصُوصِ، فَلَمَّا فَنِيَ الَّذِي بِطَرِيقِ الْعُمُومِ اقْتَضَى رَأْيُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ يَجْمَعَ الَّذِي بِطَرِيقِ الْخُصُوصِ لِقَصْدِ الْمُوَاسَاةِ بَيْنَهُمْ، فَفَعَلَ فَكَانَ جَمِيعُهُ مِزْوَدًا وَاحِدًا.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: " «فَزَوَّدَنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً» "، وَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ حَدِيثَ الْبَابِ وَيُجْمَعُ بِأَنَّ الزَّادَ الْعَامَّ كَانَ قَدْرَ جِرَابٍ، فَلَمَّا نَفِدَ وَجَمَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ الزَّادَ الْخَاصَّ اتَّفَقَ أَنَّهُ قُدِّرَ جِرَابٌ، وَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الرَّاوِيَيْنِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْآخَرُ، وَأَمَّا تَفْرِقَتُهُ تَمْرَةً تَمْرَةً، فَكَانَ فِي ثَانِي الْحَالِ، انْتَهَى.
وَلَا بَأْسَ بِمَا قَالَ إِلَّا قَوْلَهُ: مِزْوَدًا وَاحِدًا، فَإِنَّ الْحَدِيثَ هُنَا، وَفِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ رُوِيَ بِالتَّثْنِيَةِ، وَقَوْلُ عِيَاضٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَزْوَادِهِمْ تَمْرٌ غَيْرُ الْجِرَابِ الْمَذْكُورِ، وَرَدَّهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ حَدِيثَ وَهْبٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الَّذِي اجْتَمَعَ مِنْ أَزْوَادِهِمْ مِزْوَدَا تَمْرٍ، وَرِوَايَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّدَهُمْ جِرَابًا مَنْ تَمْرٍ، فَصَحَّ أَنَّ التَّمْرَ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِ الْجِرَابِ، قَالَ: وَقَوْلُ غَيْرِهِ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَفْرِقَتَهُ عَلَيْهِمْ تَمْرَةً تَمْرَةً قَصْدًا لِبَرَكَتِهِ، وَكَانَ يُفَرِّقُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَزْوَادِ الَّتِي جُمِعَتْ أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ بَعِيدٌ مِنَ السِّيَاقِ، بَلْ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، فَقَلَّتْ أَزْوَادُنَا حَتَّى مَا كَانَ يُصِيبُ الرَّجُلَ مِنَّا إِلَّا تَمْرَةٌ، قَالَ وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ: (فَقُلْتُ) لِجَابِرٍ:
(وَمَا تُغْنِي) عَنْكُمْ (تَمْرَةٌ) ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْ وَهْبٍ: وَأَيْنَ كَانَتِ التَّمْرَةُ تَقَعُ مِنَ الرَّجُلِ؟ (فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا) مُؤَثِّرًا (حَيْثُ فَنِيَتْ) ، لِأَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ لَا شَيْءَ، إِذْ تُحَلِّي الْفَمَ وَتَرُدُّ بَعْضَ أَلَمِ الْجُوعِ.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ: " أَنَّهُ أَيْضًا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا، فَقُلْتُ: مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَيَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ "، وَزَادَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: " «فَأَقَمْنَا عَلَى السَّاحِلِ حَتَّى فَنِيَ زَادُنَا، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ» " - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ - أَيْ وَرَقَ السَّلَمِ - بِفَتْحَتَيْنِ - شَجَرٌ عَظِيمٌ لَهُ شَوْكٌ كَالْعَوْسَجِ وَالطَّلْحِ، قِيلَ: وَهُوَ الَّذِي أَكَلُوا وَرَقَهُ.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: " «وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ وَنَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ» "، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَابِسًا خِلَافًا لِزَعْمِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ كَانَ أَخْضَرَ رَطْبًا، وَلِهَذَا تُعْرَفُ بِسَرِيَّةِ الْخَبَطِ.
(قَالَ) جَابِرٌ: (فَانْتَهَيْنَا) ، وَفِي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ انْتَهَيْنَا " (إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ) : اسْمُ جِنْسٍ لِجَمِيعِ السَّمَكِ، وَقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِمَا عَظُمَ مِنْهُ، (مِثْلُ الظَّرِبِ) - بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَمُوَحَّدَةٍ، حَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ السَّاقِطَةِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ - الْجَبَلُ الصَّغِيرُ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: هُوَ بِسُكُونِ الرَّاءِ إِذَا كَانَ مُنْبَسِطًا لَيْسَ بِالْعَالِي.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: " «فَوَقَعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ فَأَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ» "، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: " فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا الْعَنْبَرُ "، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَيْضًا: " فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ "، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْعَنْبَرُ دَابَّةٌ بَحْرِيَّةٌ كَبِيرَةٌ يُتَّخَذُ مِنْ جِلْدِهَا التِّرْسَةُ، وَيُقَالُ إِنَّ الْعَنْبَرَ الْمَشْمُومَ رَجِيعُ هَذَا الدَّابَّةِ، وَقِيلَ: الْمَشْمُومُ يَخْرُجُ مِنَ الشَّجَرِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ فِي أَجْوَافِ السَّمَكِ الَّذِي تَبْتَلِعُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: رَأَيْتُ الْعَنْبَرَ نَابَتَا فِي الْبَحْرِ مُلْتَوِيًا مِثْلَ عُنُقِ الشَّاةِ، وَفِي الْبَحْرِ دَابَّةٌ تَأْكُلُهُ وَهُوَ سُمٌّ لَهَا فَيَقْتُلُهَا فَيَقْذِفُهُ الْبَحْرُ فَيَخْرُجُ الْعَنْبَرُ مِنْ بَطْنِهَا.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْعَنْبَرُ سَمَكَةٌ تَكُونُ بِالْبَحْرِ الْأَعْظَمِ يَبْلُغُ طُولُهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا، يُقَالُ لَهَا: بَالَةٌ وَلَيْسَتْ عَرَبِيَّةً.
(فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: " فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ "، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ: " فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا "، قَالَ الْحَافِظُ: وَيُجْمَعُ بِأَنَّ مَنْ قَالَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، ضَبَطَ مَا لَمْ يَضْبِطْهُ غَيْرُهُ، وَمَنْ قَالَ نِصْفَ شَهْرٍ، أَلْغَى الْكَسْرَ الزَّائِدَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَنْ قَالَ شَهْرًا جَبَرَ الْكَسْرَ، أَوْ ضَمَّ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ وِجْدَانِهِمُ الْحُوتَ إِلَيْهَا، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ رِوَايَةَ أَبِي الزُّبَيْرِ لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمٌ، وَلَعَلَّ الْجَمْعَ
الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَوْلَى.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ: اثْنَى عَشَرَ يَوْمًا وَهِيَ شَاذَّةٌ، وَأَشَدُّ مِنْهَا شُذُوذًا، رِوَايَةُ الْخَوْلَانِيِّ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، زَادَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ: " «وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهِ حَتَّى ثَابَتْ إِلَيْنَا أَجْسَامُنَا» " - بِمُثَلَّثَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ - أَيْ رَجَعَتْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ حَصَلَ لَهُمْ فَزَالَ مِنَ الْجُوعِ السَّابِقِ.
(ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ) - بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ - (مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا) - بِالتَّذْكِيرِ - وَإِنْ كَانَتِ الضِّلَعُ مُؤَنَّثَةً لِأَنَّهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ فَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ.
(ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ) أَنْ تَرْحَلَ (فَرَحَلَتْ) - بِخِفَّةِ الْحَاءِ، وَشَدِّهَا - (ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا) الرَّاحِلَةُ لِعِظَمِهِمَا.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " «فَعَمَدَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ مَعَهُ فَمَرَّ تَحْتَهُ» "، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: " «ثُمَّ أَمَرَ بِأَجْسَمِ بَعِيرٍ مَعَنَا فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَجْسَمَ رَجُلٍ مِنَّا، فَخَرَجَ مِنْ تَحْتِهَا وَمَا مَسَّتْهُ رَأَسُهُ» "، وَجَزَمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ بِأَنَّ الرَّجُلَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَأَظُنُّهُ قَيْسًا فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ بِالطُّولِ، وَقِصَّتُهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ مَعْرُوفَةٌ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ أَطْوَلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، وَنَزَعَ لَهُ قِيسٌ سَرَاوِيلَهُ فَكَانَتْ طُولَ قَامَةِ الرُّومِيِّ بِحَيْثُ كَانَ طَرَفُهَا عَلَى أَنْفِهِ، وَطَرَفُهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَعُوتِبَ قَيْسٌ فِي نَزْعِ سَرَاوِيلِهِ فَقَالَ: أَرَدْتُ لِكَيْمَا يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهَا سَرَاوِيلُ قَيْسٍ وَالْوُفُودُ شُهُودٌ وَأَنْ لَا يَقُولُوا غَابَ قَيْسٌ وَهَذِهِ سَرَاوِيلُ عَادِيٍّ نَمَّتْهُ ثَمُودٌ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنَيْهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالتَّوْرِ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنَيْهِ - بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَسُكُونِ الْقَافِ وَمُوَحَّدَةٍ - النُّقْرَةُ الَّتِي فِيهَا الْحَدَقَةُ، وَالْفِدَرُ - بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَفَتْحِ الدَّالِ - جَمْعُ فِدْرَةٍ - بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ -: الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي رِوَايَةِ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ: " وَحَمَلْنَا مَا شِئْنَا مِنْ قَدِيدٍ وَوَدَكٍ فِي الْأَسْقِيَةِ وَالْغَرَائِرِ "، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ جَابِرٍ: " «فَأَتَيْنَا سَيْفَ الْبَحْرِ فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً، فَأَلْقَى دَابَّةً فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ، فَأَطْبَخْنَا وَاشْتَوَيْنَا وَأَكَلْنَا وَشَبِعْنَا قَالَ جَابِرٌ: فَدَخَلْتُ أَنَا وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا مَا يَرَانَا أَحَدٌ حَتَّى خَرَجْنَا، وَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهَا فَقَوَّسْنَاهُ، وَدَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ» " وَكِفْلٌ - بِكَسْرِ الْكَافِ، وَسُكُونِ الْفَاءِ وَلَامٍ - كِسَاءٌ يَجْعَلُهُ الرَّاكِبُ عَلَى سَنَامِهِ لِئَلَّا يَسْقُطَ.
وَفِي رِوَايَةِ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ: " وَحَمَلْنَا مَا شِئْنَا مِنْ قَدِيدٍ وَوَدَكٍ "، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: " «فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ، أَطْعِمُونَا
إِنْ كَانَ مَعَكُمْ فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ بِعُضْوٍ مِنْهُ فَأَكَلَهُ» "، وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: " «فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ فَهَلْ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِهِ فَتُطْعِمُونَا؟ فَكَانَ مَعَنَا مِنْهُ شَيْءٌ فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ فَأَكَلَ» "، وَلِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ عَنِ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ: " «فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّا نُدْرِكُهُ لَمْ يُرْوِحْ لَأَحْبَبْنَا لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مِنْهُ» "، قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا لَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ أَبِي الزُّبَيْرِ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ ازْدِيَادًا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ أَحْضَرُوا لَهُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُحْضِرُوا لَهُ مِنْهُ، وَكَانَ مَا أَحْضَرُوهُ لَمْ يُرْوِحْ فَأَكَلَ مِنْهُ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ: " «وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، أَيْ عِنْدَمَا جَاعُوا، ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ بِالتَّكْرَارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» "، وَلِلْحُمَيْدِيِّ فِي مَسْنَدِهِ وَغَيْرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ «عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي وَكُنْتُ فِي جَيْشِ الْخَبَطَ أَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ قَالَ: انْحَرْ، قُلْتُ: نَحَرْتُ ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ: انْحَرْ، قُلْتُ: نَحَرْتُ ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ: انْحَرْ، قُلْتُ: نَحَرْتُ ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ: انْحَرْ، قُلْتُ: قَدْ نُهِيتُ» "، وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ «أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ جُوعٌ شَدِيدٌ، فَقَالَ قَيْسٌ: مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي تَمْرًا بِالْمَدِينَةِ بِجُزُرٍ هُنَا؟ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَانْتَسَبَ، فَقَالَ: عَرَفْتُ نَسَبَكَ فَابْتَاعَ مِنْهُ خَمْسَ جَزَائِرَ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَأَشْهَدَ لَهُ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَامْتَنَعَ عُمَرُ لِكَوْنِ قَيْسٍ لَا مَالَ لَهُ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: مَا كَانَ سَعْدٌ لِيَخْنَى بِابْنِهِ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ - بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ، وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَنُونٍ - أَيْ يُقَصِّرُ، قَالَ: وَأَرَى وَجْهًا حَسَنًا وَفِعْلًا شَرِيفًا، فَأَخَذَ قِيسٌ الْجُزُرَ فَنَحَرَ لَهُمْ ثَلَاثَةً كُلَّ يَوْمٍ جَزُورًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ نَهَاهُ أَمِيرُهُ فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَنْحَرَ تُرِيدُ أَنْ تَخْفِرَ ذِمَّتَكَ وَلَا مَالَ لَكَ، قَالَ قَيْسٌ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ أَتُرَى أَبَا ثَابِتٍ يَعْنِي سَعْدًا أَبَاهُ يَقْضِي دُيُونَ النَّاسِ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيُطْعِمُ فِي الْمَجَاعَةِ لَا يَقْضِي عَنِّي تَمْرًا لِقَوْمٍ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَلِينُ وَجَعَلَ عُمَرُ يَقُولُ: أَعْزِمُ فَعَزَمَ عَلَيْهِ فَبَقِيَتْ جَزُورَانِ فَقَدِمَ بِهِمَا قَيْسٌ الْمَدِينَةَ ظَهْرًا يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهِمَا، وَبَلَغَ سَعْدًا مَجَاعَةُ الْقَوْمِ فَقَالَ: إِنْ يَكُ قَيْسٌ كَمَا أَعْرِفُ فَسَيَنْحَرُ لَهُمْ، فَلَمَّا لَقِيَهُ قَالَ: مَا صَنَعْتَ فِي مَجَاعَةِ الْقَوْمِ؟ قَالَ: نَحَرْتُ، قَالَ: أَصَبْتَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نَحَرْتُ، قَالَ: أَصَبْتَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نَحَرْتُ، قَالَ: أَصَبْتَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: نُهِيتُ، قَالَ: وَمَنْ نَهَاكَ؟ قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ أَمِيرِي، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ لَا مَالَ لِي وَإِنَّمَا الْمَالُ لِأَبِيكَ، فَقَالَ: لَكَ أَرْبَعُ حَوَائِطَ أَدْنَاهَا تَجِدُ مِنْهُ خَمْسِينَ وَسْقًا، وَقَدِمَ الْبَدَوِيُّ مَعَ قَيْسٍ فَأَوْفَاهُ أَوْسُقَهُ وَحَمَلَهُ وَكَسَاهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلُ قَيْسٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ فِي قَلْبِ جُودٍ» .
وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ: فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ الْجُودَ مِنْ سِيمَةِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ» "، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ نَحَرَ أَوَّلًا سِتًّا مِمَّا مَعَهُ مِنَ الظَّهْرِ، ثُمَّ اشْتَرَى خَمْسًا نَحَرَ مِنْهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ نُهِيَ، فَاقْتَصَرَ مَنْ قَالَ ثَلَاثًا عَلَى مَا نَحَرَهُ مِمَّا
اشْتَرَاهُ، وَمَنْ قَالَ تِسْعًا ذَكَرَ جُمْلَةَ مَا نَحَرَهُ، فَإِنْ سَاغَ هَذَا وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ يَتَنَزَّلِ الْحَافِظُ لِلْجَمْعِ، وَقَالَ: اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نَهْيِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَيْسًا أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى سِنَانِ الْجَيْشِ، فَقِيلَ: خِيفَةَ أَنْ تَفْنَى حُمُولَتُهُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ غَيْرِ الْعَسْكَرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَسْتَدِينُ عَلَى ذِمَّتِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ، فَأُرِيدَ الرِّفْقُ بِهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ اه.
وَلَا نَظَرَ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنَ الْعَسْكَرِ بَعْدَ نَحْرِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُوَاسَاةِ بَيْنَ الْجَيْشِ عِنْدَ الْمَجَاعَةِ، فَإِنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الطَّعَامِ يَسْتَدْعِي الْبَرَكَةَ فِيهِ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّرِكَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الْمَغَازِي عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ بِزِيَادَاتٍ قَدْ أَتَيْتُ عَلَى حَاصِلِهَا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقِ الْمُعِينِ.
(قَالَ مَالِكٌ: الظَّرِبُ) - بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ - وَزْنُ كَتِفٍ (الْجُبَيْلُ) - بِضَمِّ الْجِيمِ - مُصَغَّرً إِشَارَةً إِلَى صِغَرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنٍ بُكَيْرٍ: الْجَبَلُ الصَّغِيرُ.
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ جَدَّتِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقًا»
ــ
١٧٣١ - ١٦٨١ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الْعَدَوِيِّ (عَنْ عَمْرٍو) - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - (ابْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ، إِذْ هُوَ عَمْرُو بْنُ مُعَاذِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيُّ الْمَدَنِيُّ يُكْنَى أَبَا مُحَمَّدٍ وَقَلَبَهُ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو: تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ.
(عَنْ جَدَّتِهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قِيلَ اسْمُهَا حَوَّاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا جَدَّةُ ابْنِ نُجِيدُ أَيْضًا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: رُوِّينَاهُ بِالْمَشْرِقِ بِنَصْبِ نِسَاءٍ، وَخَفْضِ الْمُؤْمِنَاتِ عَلَى الْإِضَافَةِ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ، أَوْ مِنْ إِضَافَةِ الْعَامِّ لِلْخَاصِّ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، أَوْ عَلَى تَأْوِيلِ نِسَاءٍ بِفَاضِلَاتٍ، أَيْ فَاضِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا يُقَالُ: رِجَالُ الْقَوْمِ، أَيْ سَادَتُهُمْ وَأَفَاضِلُهُمْ، وَرُوِّينَاهُ بِبَلَدِنَا، بِرَفْعِ الْكَلِمَتَيْنِ: الْأُولَى عَلَى النِّدَاءِ وَالثَّانِيَةُ صِفَةٌ عَلَى اللَّفْظِ، أَيْ يَأَيُّهَا النِّسَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ، وَيَجُوزُ رَفْعُ الْأُولَى، وَنَصْبُ الثَّانِيَةِ بِالْكَسْرَةِ نَعْتٌ عَلَى الْمَوْضِعِ، كَمَا يُقَالُ: يَا زَيْدٌ الْعَاقِلَ بِنَصْبِ الْعَاقِلَ وَرَفْعِهِ، وَتَعَقَّبَ الْأُبِّيُّ قَوْلَهُ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، وَمَنَعَهُ الْبَصْرِيُّونَ، وَتَأَوَّلُوا نَحْوَ مَسْجِدِ الْجَامِعِ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ، أَيْ مَسْجِدِ الْمَكَانِ الْجَامِعِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النُّحَاةُ مَسْجِدَ الْجَامِعِ مِثَالًا لِإِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، لَا لِإِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، انْتَهَى.
وَمِثْلُ هَذَا
ظَاهِرٌ فَإِنَّمَا سَبَقَهُ الْقَلَمُ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى صِفَتِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَطَغَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ، وَأَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رِوَايَةَ الْإِضَافَةِ، وَرَدَّهُ ابْنُ السَّيِّدِ بِأَنَّهَا صَحَّتْ نَقْلًا وَسَاعَدَتْهَا اللُّغَةُ فَلَا مَعْنًى لِلْإِنْكَارِ.
(لَا تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ) أَنْ تُهْدِيَ (لِجَارَتِهَا) شَيْئًا، (وَلَوْ) كَانَ (كُرَاعَ شَاةٍ) - بِضَمِّ الْكَافِ - مَا دُونَ الْعَقِبِ مِنَ الْمَوَاشِي، وَالدَّوَابِّ، وَالْإِنْسِ كَمَا فِي الْعَيْنِ، وَخَصَّ النَّهْيَ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ مَوَادُّ الْمَوَدَّةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَلِأَنَّهُنَّ أَسْرَعُ انْتِقَالًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (مُحْرَقًا) ، نَعْتٌ لِكُرَاعٍ وَهُوَ مُؤَنَّثٌ، فَكَانَ حَقُّهُ مُحْرَقَةً إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ وَرَدَتْ هَكَذَا فِي الْمُوَطَّآتِ وَغَيْرِهَا.
وَحَكَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يُذَكِّرُهُ فَلَعَلَّ الرِّوَايَةَ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَهْيٌ لِلْمُهْدِيَةِ، وَأَنْ يَكُونَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي إِهْدَاءِ الشَّيْءِ الْقَلِيلِ وَقَبُولِهِ لَا إِلَى حَقِيقَتِهِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِإِهْدَاءِ الْكُرَاعِ أَيْ لَا يَمْنَعُ جَارَةً مِنْ إِهْدَائِهَا لِجَارَتِهَا الْمَوْجُودَ عِنْدَهَا اسْتِقْلَالُهُ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَجُودَ لَهَا بِمَا تَيَسَّرَ، وَإِنْ قَلَّ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ، وَإِذَا تَوَاصَلَ الْقَلِيلُ صَارَ كَثِيرًا.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ تَهَادُوا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الْمَوَدَّةَ وَيُذْهِبُ الضَّغَائِنَ» "، وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ " - بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ - وَهُوَ كَالْقَدَمِ لِلْإِنْسَانِ، وَبِلَفْظِ الْمُسْلِمَاتِ بَدَلَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، بَلْ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ: " يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ ".
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ زَادَ شَيْئًا مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا الْيَمَانِي الَّذِي يَغْشَاكَ فَعَرَّفُوهُ إِيَّاهُ قَالَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ
قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يُسَلَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَالَ أَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ وَأَمَّا الشَّابَّةُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ
ــ
١٧٨٩ - ١٧٤٣ - (مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ) الْقُرَشِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ، (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) الْقُرَشِيِّ الْقَبَّارِيِّ الْمَدَنِيِّ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: تَكَلَّمَ فِيهِ الْقَطَّانُ، (أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ زَادَ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا) ، لَمْ يُبَيِّنْهُ، (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ -: مَنْ هَذَا؟) الَّذِي زَادَ عَلَى التَّحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، (قَالُوا: هَذَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاكَ، فَعَرَّفُوهُ إِيَّاهُ قَالَ) مُحَمَّدٌ: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ) ، أَيْ قَوْلُهُ: وَبَرَكَاتُهُ فَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا ابْتِدَاعًا.
(سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يُسَلَّمُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ الرَّجُلُ (عَلَى الْمَرْأَةِ) الْأَجْنَبِيَّةِ؟ (فَقَالَ: أَمَّا الْمُتَجَالَّةُ) - بِالْجِيمِ -: الْعَجُوزُ الَّتِي انْقَطَعَ أَرَبُ الرِّجَالِ مِنْهَا، (فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ، فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ) خَوْفَ الْفِتْنَةِ بِسَمَاعِ رَدِّهَا السَّلَامَ.
[مَا جَاءَ فِي السَّلَامِ عَلَى الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ]
حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ فَإِنَّمَا يَقُولُ السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقُلْ عَلَيْكَ»
قَالَ يَحْيَى وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ سَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ هَلْ يَسْتَقِيلُهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَا
ــ
٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّلَامِ عَلَى الْيَهُودِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ
كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذِكْرِ النَّصْرَانِيِّ مَعَ أَنَّ حَدِيثَهَا اقْتَصَرَ عَلَى الْيَهُودِ إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ إِشَارَةً إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» "، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.