وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِطٍ لَهُ بِالْقُفِّ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ الثَّمَرِ وَالنَّخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهِيَ مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِهَا فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ ثَمَرِهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا هُوَ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَتْنِي فِي مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ فَجَاءَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَ هُوَ صَدَقَةٌ فَاجْعَلْهُ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ فَبَاعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِخَمْسِينَ أَلْفًا فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَالُ الْخَمْسِينَ
ــ
٢٢٣ - ٢٢١ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ قَاضِيهَا (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يُصَلِّي لَهُ بِالْقُفِّ) بِضَمِّ الْقَافِ وَبِالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ (وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَانٍ) بِفَتْحَتَيْنِ (وَالنَّخْلُ) بِالرَّفْعِ (قَدْ ذُلِّلَتْ) أَيْ مَالَتِ الثَّمَرَةُ بِعَرَاجِينِهَا لِأَنَّهَا عَظُمَتْ وَبَلَغَتْ حَدَّ النُّضْجِ (فَهِيَ مُطَوَّقَةٌ) أَيْ مُسْتَدِيرَةٌ فَطَوْقُ كُلِّ شَيْءٍ مَا اسْتَدَارَ بِهِ (بِثَمَرِهَا) بِفَتْحِ
الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ مُفْرَدُ ثِمَارٍ، وَبِضَمِّهَا وَضَمِّ الْمِيمِ جَمْعُ ثُمَّارٍ مِثْلَ كُتُبٍ وَكُتَّابٍ، وَهُوَ الْحَمْلُ الَّذِي تُخْرِجُهُ الشَّجَرَةُ، وَسَوَاءٌ أُكِلَ أَمْ لَا، يُقَالُ ثَمَرَ النَّخْلُ وَالْعِنَبُ يُقَالُ ثَمَرَ الْإَرَاكُ وَثَمَرَ الْعَوْسَجُ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبُونِيُّ: تَذْلِيلُهَا أَنَّهَا إِذَا طَابَتْ وَدَنَا جَذُّهَا تُفْتَلُ عَرَاجِينُهَا بِمَا فِيهَا مِنْ قِنْوَانِهَا لِيَذْبُلَ بِذَلِكَ فَيَصِيرَ تَمْرًا، فَإِذَا فُتِلَتِ الْعَرَاجِينُ انْعَطَفَتْ وَتَذَلَّلَتْ قِنْوَانُهَا بِالتَّمْرِ حَوْلَ الْجَرِيدِ مُسْتَدِيرَةً بِهَا فَهَذَا تَطْوِيقُهَا، وَذَلِكَ أَيْضًا مَأْخُوذٌ مِنْ طَوْقِ الْقَمِيصِ الدَّائِرِ حَوْلَهُ، قَالَ عِيسَى: كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ لَهُمُ الْخَرْصُ فِيهَا وَقِيلَ لِيَكُونَ أَظْهَرَ عِنْدَ الْبَيْعِ.
(فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ ثَمَرِهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا هُوَ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابَتْنِي فِي مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ) أَيِ اخْتِبَارٌ وَتَكُونُ بِمَعْنَى الْمَيْلِ عَنِ الْحَقِّ قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء: ٧٣] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةَ ٧٣) (فَجَاءَ) الرَّجُلُ (عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ) الَّذِي أَصَابَهُ فِي حَائِطِهِ (وَقَالَ هُوَ صَدَقَةٌ فَاجْعَلْهُ فِي سُبُلِ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ سَبِيلٍ (الْخَيْرِ فَبَاعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِخَمْسِينَ أَلْفًا) قَالَ أَبُو عُمَرَ: لِأَنَّهُ فَهِمَ مُرَادَ الْأَنْصَارِيِّ فَبَاعَهُ وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ وَقْفًا، وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ وَالدَّائِمُ كَالْعُيُونِ أَحْسَنُ وَهُوَ جَارٌ لِصَاحِبِهِ مَا لَمْ تَعْتَوِرْهُ آفَةٌ وَآفَاتُ الدَّهْرِ كَثِيرَةٌ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقْبِلُ عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا (فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَالُ الْخَمْسِينَ) لِبُلُوغِ ثَمَنِهِ خَمْسِينَ أَلْفًا كَمَا سُمِّيَ الْفَيُّومَ لِبُلُوغِ خَرَاجِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ دِينَارٍ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.