الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٣٢٧
الحديث رقم ٣٢٧ من كتاب «كتاب صلاة الليل» في موطأ مالك، تحت باب: باب الأمر بالوتر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٣ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب على الْمِنْبَرِ، عن عدد ركعات صلاة الليل، وكيفيتها، فمن حرصه صلى الله عليه وسلم على نفع الناس، ونشر العلم فيهم، أجابه وهو في ذاك المكان، فقال: صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى، أي يسلم فيها المصلي من كل ركعتين، فإذا خشي طلوع الصبح، صلى ركعة واحدة فأوترت له ما صلى قبلها من الليل.
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يختم العبد صلاة الليل بالوِتْر؛ إشارة منه -عليه الصلاة والسلام- بأن يختم الموفَّق حياته بالتوحيد.
وهناك صيغ أخرى لكيفية قيام الليل والوتر.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب الْأَمْرِ بِالْوِتْرِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»
ــ
- بَابُ الْأَمْرِ بِالْوِتْرِ
اخْتُلِفَ فِيهِ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: فِي وُجُوبِهِ وَعَدَدِهِ وَاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ وَاخْتِصَاصِهِ بِقِرَاءَةٍ وَاشْتِرَاطِ شَفْعٍ قَبْلَهُ وَفِي آخِرِ وَقْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي السَّفَرِ عَلَى الدَّابَّةِ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ.
زَادَ غَيْرُهُ: وَفِي قَضَائِهِ وَالْقُنُوتِ فِيهِ وَفِي مَحَلِّ الْقُنُوتِ مِنْهُ وَفِيمَا يُقَالُ فِيهِ وَفِي فَصْلِهِ وَوَصْلِهِ وَهَلْ يُسَنُّ رَكْعَتَانِ بَعْدَهُ وَفِي صَلَاتِهِ عَنْ قُعُودٍ، لَكِنَّ هَذَا الْأَخِيرَ يَنْبَنِي عَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا أَمْ لَا، وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ أَيْضًا، وَفِي أَنَّهُ أَفْضَلُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَوِ الرَّوَاتِبَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَوْ خُصُوصِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ.
٢٦٩ - ٢٦٦ ٣
- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) وَكِلَاهُمَا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ نَافِعًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ أَخْبَرَاهُ كَذَا فِي الْمُوَطَّآتِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَأَوْرَدَهُ الْبَاقُونَ بِالْعَنْعَنَةِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الصَّغِيرِ أَنَّهُ ابْنُ عُمَرَ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّائِلِ، الْحَدِيثَ وَفِيهِ: ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوَلِ وَأَنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْهُ فَمَا أَدْرِي أَهُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ» ؟ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ السَّائِلَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ.
وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْوِتْرِ وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ فِي مُجَلَّدٍ مِنْ رِوَايَةِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بِتَعَدُّدِ مَنْ سَأَلَ (رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ) وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟» (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) أَيِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ لَا يَنْصَرِفُ لِتَكْرَارِ الْعَدْلِ فِيهِ قَالَهُ الْكَشَّافُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لِلْعَدْلِ وَالْوَصْفِ وَإِعَادَةُ مَثْنَى مُبَالَغَةً فِي التَّأْكِيدِ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى مَثْنَى يَتَشَهَّدُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ، وَتَفْسِيرُهُ هُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ مَثَلًا أَنَّهَا مَثْنَى، وَتَبَيَّنَ مِنَ الْجَوَابِ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ عَدَدِهَا أَوْ عَنِ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ» ؟ وَقَوْلُ ابْنِ بَزِيزَةَ: جَوَابُهُ بِقَوْلِهِ مَثْنَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ السَّائِلَ طَلَبَ كَيْفِيَّةَ الْعَدَدِ لَا مُطْلَقَ الْكَيْفِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ، وَأَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنَ الْحَدِيثِ وَفِيهِ تَعَيُّنُ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ لِحَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ لِمَا صَحَّ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِهِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَيْضًا كَوْنُهُ كَذَلِكَ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلْإِرْشَادِ إِلَى الْأَخَفِّ، إِذِ السَّلَامُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَخَفُّ عَلَى الْمُصَلِّي مِنْ أَرْبَعٍ فَمَا فَوْقَهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الرَّاحَةِ غَالِبًا وَقَضَاءِ مَا يَعْرِضُ مِنْ أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَلَوْ كَانَ الْوَصْلُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَقَطْ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنِ ادَّعَى اخْتِصَاصَهُ بِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ الْفَصْلُ كَمَا صَحَّ عَنْهُ الْوَصْلُ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يُصَلِّي مَا بَيْنَ أَنْ يَفْرَغَ مِنَ الْعَشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» " وَاحْتُجَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا وَهُوَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِسْحَاقَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الرَّاجِحِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْأَخْذِ بِهِ فَلَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِي الْأَرْبَعِ وَبِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَيَّدَ الْجَوَابَ بِذَلِكَ مُطَابَقَةً لِلسُّؤَالِ وَبِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ حُكْمُ الْمَنْطُوقِ بِهِ، فَفِي السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» " لَكِنْ تُعُقِّبَ هَذَا الْأَخِيرُ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَعَلُّوا زِيَادَةَ وَالنَّهَارِ بِأَنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرُوهَا، وَحَكَمَ النَّسَائِيُّ عَلَى رَاوِيهَا بِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهَا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: مَنْ عَلِيٌّ الْأَزْدِيُّ حَتَّى أَقْبَلَ مِنْهُ وَأَدَعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَطَوَّعُ بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ، وَإِذَا كَانَ حَدِيثُ الْأَزْدِيِّ صَحِيحًا لَمَا خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ يَعْنِي مَعَ شِدَّةِ اتِّبَاعِهِ، رَوَاهُ عَنْهُ مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي سُؤَالَاتِهِ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» " مَوْقُوفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ فَلَعَلَّ الْأَزْدِيَّ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ الْمَوْقُوفُ بِالْمَرْفُوعِ فَلَا تَكُونُ زِيَادَتُهُ صَحِيحَةً عَلَى رَأْيِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الصَّحِيحِ أَنْ لَا يَكُونُ شَاذًّا.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَهَذَا مُوَافِقٌ لِنَقْلِ ابْنِ مَعِينٍ.
(فَإِذَا خَشِيَ أَحَدَكُمُ الصُّبْحَ) أَيْ فَوَاتَ صَلَاتِهِ (صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً) وَلِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ وَهْبٍ وَمَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ مَالِكٍ: «فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً» ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ هَكَذَا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً» " وَفِيهِ أَنَّ الْوِتْرَ وَاحِدَةٌ وَأَنَّ فَصْلَهُ أَوْلَى مِنْ وَصْلِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَعْنَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى رَكْعَتَيْنِ مِمَّا مَضَى وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى ( «تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» ) مِنَ النَّفْلِ فَفِيهِ أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ هِيَ الْوِتْرُ وَأَنَّ كُلَّ مَا تَقَدَّمَهَا شَفْعٌ، وَسَبْقُ الشَّفْعِ شَرْطٌ فِي الْكَمَالِ لَا فِي صِحَّةِ الْوِتْرِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافًا لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَوْتَرُوا بِوَاحِدَةٍ دُونَ تَقَدُّمِ نَفْلٍ قَبْلَهَا.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُثْمَانَ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَيْلَةً فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَهَا.
وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ سَعْدًا أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: إِنَّهُ فَقِيهٌ، وَفِي كُلِّ هَذَا رَدٌّ لِقَوْلِ ابْنِ التِّينِ: لَمْ يَأْخُذِ الْفُقَهَاءُ بِعَمَلِ مُعَاوِيَةَ، وَاعْتِذَارُ الْحَافِظِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَعَلَّهُ أَرَادَ فُقَهَاءَ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ بِرَكْعَةٍ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ تَعَيُّنِ الْوَصْلِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى ثَلَاثٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ مَوْصُولَةٌ حَسَنٌ جَائِزٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ، فَأَخَذْنَا بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَتَرَكْنَا مَا
اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَتَعَقَّبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ بِمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: " «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ تُشْبِهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» " وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَ هُوَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَأَخْرَجَ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَرَاهَةَ الْوِتْرِ بِثَلَاثٍ.
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ: وَقَالَ لَا يُشْبِهُ التَّطَوُّعُ الْفَرِيضَةَ، فَهَذَا كُلُّهُ يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي زَعَمَهُ.
وَقَالَ ابْنُ نَصْرٍ: وَلِمَ نَجِدْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرًا صَحِيحًا أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَةٍ، نَعَمْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الرَّاوِي هَلْ هِيَ مَوْصُولَةٌ أَوْ مَفْصُولَةٌ؟ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَقْعُدُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» " وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» ".
وَبَيَّنَ فِي عِدَّةِ طُرُقٍ أَنَّ السُّوَرَ الثَّلَاثَ لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتَا عِنْدَ ابْنِ نَصْرٍ، وَعَلَى الثُّبُوتِ فَفَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَإِذَنِ النِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي تَعَيُّنِ الثَّلَاثِ مَوْصُولَةً وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ تَأْبَاهُ، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْوِتْرِ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ» " وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَجَعَلُوا الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» " مُخْتَصًّا بِمَنْ أَوْتَرَ آخِرَ اللَّيْلِ.
وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ بِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ هُمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَحَمَلَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَجَوَازِ التَّنَفُّلِ جَالِسًا، وَقَدْ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ شَفْعًا مَا أَرَادَ وَلَا يَنْقُضُ وِتْرَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ.
وَأَخْرَجَ حَدِيثَ الْبَابِ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب الْأَمْرِ بِالْوِتْرِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»
ــ
- بَابُ الْأَمْرِ بِالْوِتْرِ
اخْتُلِفَ فِيهِ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: فِي وُجُوبِهِ وَعَدَدِهِ وَاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ وَاخْتِصَاصِهِ بِقِرَاءَةٍ وَاشْتِرَاطِ شَفْعٍ قَبْلَهُ وَفِي آخِرِ وَقْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي السَّفَرِ عَلَى الدَّابَّةِ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ.
زَادَ غَيْرُهُ: وَفِي قَضَائِهِ وَالْقُنُوتِ فِيهِ وَفِي مَحَلِّ الْقُنُوتِ مِنْهُ وَفِيمَا يُقَالُ فِيهِ وَفِي فَصْلِهِ وَوَصْلِهِ وَهَلْ يُسَنُّ رَكْعَتَانِ بَعْدَهُ وَفِي صَلَاتِهِ عَنْ قُعُودٍ، لَكِنَّ هَذَا الْأَخِيرَ يَنْبَنِي عَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا أَمْ لَا، وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ أَيْضًا، وَفِي أَنَّهُ أَفْضَلُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَوِ الرَّوَاتِبَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَوْ خُصُوصِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ.
٢٦٩ - ٢٦٦ ٣
- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) وَكِلَاهُمَا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ نَافِعًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ أَخْبَرَاهُ كَذَا فِي الْمُوَطَّآتِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَأَوْرَدَهُ الْبَاقُونَ بِالْعَنْعَنَةِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الصَّغِيرِ أَنَّهُ ابْنُ عُمَرَ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّائِلِ، الْحَدِيثَ وَفِيهِ: ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوَلِ وَأَنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْهُ فَمَا أَدْرِي أَهُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ» ؟ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ السَّائِلَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ.
وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْوِتْرِ وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ فِي مُجَلَّدٍ مِنْ رِوَايَةِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بِتَعَدُّدِ مَنْ سَأَلَ (رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ) وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟» (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) أَيِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ لَا يَنْصَرِفُ لِتَكْرَارِ الْعَدْلِ فِيهِ قَالَهُ الْكَشَّافُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لِلْعَدْلِ وَالْوَصْفِ وَإِعَادَةُ مَثْنَى مُبَالَغَةً فِي التَّأْكِيدِ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى مَثْنَى يَتَشَهَّدُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ، وَتَفْسِيرُهُ هُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ مَثَلًا أَنَّهَا مَثْنَى، وَتَبَيَّنَ مِنَ الْجَوَابِ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ عَدَدِهَا أَوْ عَنِ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ» ؟ وَقَوْلُ ابْنِ بَزِيزَةَ: جَوَابُهُ بِقَوْلِهِ مَثْنَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ السَّائِلَ طَلَبَ كَيْفِيَّةَ الْعَدَدِ لَا مُطْلَقَ الْكَيْفِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ، وَأَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنَ الْحَدِيثِ وَفِيهِ تَعَيُّنُ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ لِحَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ لِمَا صَحَّ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِهِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَيْضًا كَوْنُهُ كَذَلِكَ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلْإِرْشَادِ إِلَى الْأَخَفِّ، إِذِ السَّلَامُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَخَفُّ عَلَى الْمُصَلِّي مِنْ أَرْبَعٍ فَمَا فَوْقَهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الرَّاحَةِ غَالِبًا وَقَضَاءِ مَا يَعْرِضُ مِنْ أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَلَوْ كَانَ الْوَصْلُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَقَطْ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنِ ادَّعَى اخْتِصَاصَهُ بِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ الْفَصْلُ كَمَا صَحَّ عَنْهُ الْوَصْلُ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يُصَلِّي مَا بَيْنَ أَنْ يَفْرَغَ مِنَ الْعَشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» " وَاحْتُجَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا وَهُوَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِسْحَاقَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الرَّاجِحِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْأَخْذِ بِهِ فَلَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِي الْأَرْبَعِ وَبِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَيَّدَ الْجَوَابَ بِذَلِكَ مُطَابَقَةً لِلسُّؤَالِ وَبِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ حُكْمُ الْمَنْطُوقِ بِهِ، فَفِي السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» " لَكِنْ تُعُقِّبَ هَذَا الْأَخِيرُ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَعَلُّوا زِيَادَةَ وَالنَّهَارِ بِأَنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرُوهَا، وَحَكَمَ النَّسَائِيُّ عَلَى رَاوِيهَا بِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهَا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: مَنْ عَلِيٌّ الْأَزْدِيُّ حَتَّى أَقْبَلَ مِنْهُ وَأَدَعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَطَوَّعُ بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ، وَإِذَا كَانَ حَدِيثُ الْأَزْدِيِّ صَحِيحًا لَمَا خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ يَعْنِي مَعَ شِدَّةِ اتِّبَاعِهِ، رَوَاهُ عَنْهُ مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي سُؤَالَاتِهِ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» " مَوْقُوفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ فَلَعَلَّ الْأَزْدِيَّ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ الْمَوْقُوفُ بِالْمَرْفُوعِ فَلَا تَكُونُ زِيَادَتُهُ صَحِيحَةً عَلَى رَأْيِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الصَّحِيحِ أَنْ لَا يَكُونُ شَاذًّا.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَهَذَا مُوَافِقٌ لِنَقْلِ ابْنِ مَعِينٍ.
(فَإِذَا خَشِيَ أَحَدَكُمُ الصُّبْحَ) أَيْ فَوَاتَ صَلَاتِهِ (صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً) وَلِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ وَهْبٍ وَمَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ مَالِكٍ: «فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً» ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ هَكَذَا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً» " وَفِيهِ أَنَّ الْوِتْرَ وَاحِدَةٌ وَأَنَّ فَصْلَهُ أَوْلَى مِنْ وَصْلِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَعْنَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى رَكْعَتَيْنِ مِمَّا مَضَى وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى ( «تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» ) مِنَ النَّفْلِ فَفِيهِ أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ هِيَ الْوِتْرُ وَأَنَّ كُلَّ مَا تَقَدَّمَهَا شَفْعٌ، وَسَبْقُ الشَّفْعِ شَرْطٌ فِي الْكَمَالِ لَا فِي صِحَّةِ الْوِتْرِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافًا لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَوْتَرُوا بِوَاحِدَةٍ دُونَ تَقَدُّمِ نَفْلٍ قَبْلَهَا.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُثْمَانَ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَيْلَةً فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَهَا.
وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ سَعْدًا أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: إِنَّهُ فَقِيهٌ، وَفِي كُلِّ هَذَا رَدٌّ لِقَوْلِ ابْنِ التِّينِ: لَمْ يَأْخُذِ الْفُقَهَاءُ بِعَمَلِ مُعَاوِيَةَ، وَاعْتِذَارُ الْحَافِظِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَعَلَّهُ أَرَادَ فُقَهَاءَ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ بِرَكْعَةٍ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ تَعَيُّنِ الْوَصْلِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى ثَلَاثٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ مَوْصُولَةٌ حَسَنٌ جَائِزٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ، فَأَخَذْنَا بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَتَرَكْنَا مَا
اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَتَعَقَّبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ بِمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: " «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ تُشْبِهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» " وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَ هُوَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَأَخْرَجَ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَرَاهَةَ الْوِتْرِ بِثَلَاثٍ.
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ: وَقَالَ لَا يُشْبِهُ التَّطَوُّعُ الْفَرِيضَةَ، فَهَذَا كُلُّهُ يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي زَعَمَهُ.
وَقَالَ ابْنُ نَصْرٍ: وَلِمَ نَجِدْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرًا صَحِيحًا أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَةٍ، نَعَمْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الرَّاوِي هَلْ هِيَ مَوْصُولَةٌ أَوْ مَفْصُولَةٌ؟ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ: " «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَقْعُدُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» " وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» ".
وَبَيَّنَ فِي عِدَّةِ طُرُقٍ أَنَّ السُّوَرَ الثَّلَاثَ لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتَا عِنْدَ ابْنِ نَصْرٍ، وَعَلَى الثُّبُوتِ فَفَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَإِذَنِ النِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي تَعَيُّنِ الثَّلَاثِ مَوْصُولَةً وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ تَأْبَاهُ، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْوِتْرِ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: " «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ» " وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَجَعَلُوا الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: " «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» " مُخْتَصًّا بِمَنْ أَوْتَرَ آخِرَ اللَّيْلِ.
وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ بِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ هُمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَحَمَلَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَجَوَازِ التَّنَفُّلِ جَالِسًا، وَقَدْ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ شَفْعًا مَا أَرَادَ وَلَا يَنْقُضُ وِتْرَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ.
وَأَخْرَجَ حَدِيثَ الْبَابِ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.