الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٦٠٥
الحديث رقم ٦٠٥ من كتاب «كتاب القرآن» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في سجود القرآن.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٦ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ سَجْدَةً، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَنَزَلَ فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى. فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ:
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ سَجْدَةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ عَلَى رِسْلِكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ فَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْإِمَامُ إِذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَسْجُدَ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يَقْرَأُ مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ شَيْئًا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَالسَّجْدَةُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ سَجْدَةً فِي تَيْنِكَ السَّاعَتَيْنِ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ قَرَأَ سَجْدَةً وَامْرَأَةٌ حَائِضٌ تَسْمَعُ هَلْ لَهَا أَنْ تَسْجُدَ قَالَ مَالِكٌ لَا يَسْجُدُ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَّا وَهُمَا طَاهِرَانِ وَسُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ قَرَأَتْ سَجْدَةً وَرَجُلٌ مَعَهَا يَسْمَعُ أَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا إِنَّمَا تَجِبُ السَّجْدَةُ عَلَى الْقَوْمِ يَكُونُونَ مَعَ الرَّجُلِ فَيَأْتَمُّونَ بِهِ فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُونَ مَعَهُ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَمِعَ سَجْدَةً مِنْ إِنْسَانٍ يَقْرَؤُهَا لَيْسَ لَهُ بِإِمَامٍ أَنْ يَسْجُدَ تِلْكَ السَّجْدَةَ
ــ
٤٨٢ - ٤٨٥ - (مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ) فِيهِ انْقِطَاعٌ، فَعُرْوَةُ وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَلَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ (بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ سَجْدَةً) أَيْ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، وَهِيَ سُورَةُ النَّحْلِ (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ) هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ، وَهِيَ الَّتِي عِنْدَ أَبِي عُمَرَ، وَيَقَعُ فِي نُسَخٍ: وَسَجَدْنَا مَعَهُ. قَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ عُرْوَةَ أَرَادَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَأَضَافَ الْخِطَابَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَنْ جُمْلَتِهِمْ، وَإِلَّا فَهُوَ غَلَطٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ.
(ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ هَيْئَتِكُمْ (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا) لَمْ يَفْرِضْهَا (عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَى مَشِيئَةِ الْمَرْءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا) وَفِي عَدَمِ إِنْكَارِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَنَّهُ إِجْمَاعٌ، وَلَعَلَّ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِلنَّاسِ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَبَادَرَ إِلَى حَسْمِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ. " أَنَّهُ حَضَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّجْدَةُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ " وَزَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ "، قَالَ الْحَافِظُ: اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ نَشَاءَ، عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ مُخَيَّرٌ فِي السُّجُودِ فَيَكُونُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَجَابَ مَنْ أَوْجَبَهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ نَشَاءَ
قِرَاءَتَهَا فَيَجِبُ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، وَيَرُدُّهُ تَصْرِيحُ عُمَرَ بُقُولِهِ: وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. فَإِنَّ انْتِفَاءَ الْإِثْمِ عَمَّنْ تَرَكَ الْفِعْلَ مُخْتَارًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.
(قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْإِمَامُ إِذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَسْجُدَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ النُّزُولُ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: رَوَى عَلِيٌّ يُكْرَهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنِ الْمِنْبَرِ يَسْجُدُ سَجْدَةً قَرَأَهَا.
(قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ) أَيْ مَا وَرَدَتِ الْعَزِيمَةُ عَلَى فِعْلِهِ كَصِيَغِهِ الْأَمْرِ مَثَلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمَنْدُوبَاتِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْوُجُوبِ (إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً) آخِرُ الْأَعْرَافِ، وَ (الْآصَالِ) فِي الرَّعْدِ، وَ (يُؤْمَرُونَ) فِي (النَّحْلِ) ، وَ (خُشُوعًا) فِي سُبْحَانَ، وَ (بُكِيًّا) فِي مَرْيَمَ، وَ (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) فِي الْحَجِّ، وَ (نُفُورًا) فِي الْفُرْقَانِ، وَ (الْعَظِيمِ) فِي النَّمْلِ، وَ (لَا يَسْتَكْبِرُونَ) فِي الم السَّجْدَةِ، وَ (أَنَابَ) فِي ص، وَ (تَعْبُدُونَ) فِي فُصِّلَتْ.
(لَيْسَ فِي الْمُفَصُّلِ مِنْهَا شَيْءٌ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَ (النَّجْمِ) فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» .
وَحَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ سَجْدَةٌ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: وَأُبَيٌّ وَزَيْدٌ فِي الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ كَمَا لَا يَجْهَلُ أَحَدٌ، زَيْدٌ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ مَاتَ، وَقَرَأَ أُبَيٌّ عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَرَّتَيْنِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أُبَيٍّ وَهُمْ مَنْ لَا يُشَكُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَهُ إِلَّا بِالْإِحَاطَةِ مَعَ قَوْلِ مَنْ لَقِينَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ، وَكَيْفَ يَجْهَلُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ سُجُودَ الْقُرْآنِ وَقَدْ قَالَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَهُ: " «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ الْقُرْآنَ» ". قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ثُمَّ قَطَعَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ بِإِثْبَاتِ السُّجُودِ فِي الْمُفَصَّلِ، قَالَ غَيْرُهُ: وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَضَعَّفَهُ الْمُحَدِّثُونَ لِضَعْفٍ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ وَاخْتِلَافٍ فِي إِسْنَادِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَالْمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلَى الثَّانِي.
وَتَقَدَّمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَجَدَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» " وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ» ". وَلِلْبَزَّارِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَجَدَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» ". وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ.
(قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يَقْرَأُ مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ شَيْئًا) فَيَسْجُدُ (بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ) فَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ (وَ) دَلِيلُ (ذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ
الشَّمْسُ وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» ) كَمَا أَسْنَدَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ ذَلِكَ (وَالسَّجْدَةُ مِنَ الصَّلَاةِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ سَجْدَةً فِي تَيْنِكَ السَّاعَتَيْنِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: مَنَعَهَا فِي الْمُوَطَّأِ فَقَاسَهَا عَلَى صَلَاةِ النَّوَافِلِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَسْجُدُ لَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، فَرَآهَا صَلَاةً اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَقَاسَهَا عَلَيْهَا.
(سَأَلَ مَالِكٌ عَمَّنْ قَرَأَ سَجْدَةً وَامْرَأَةٌ حَائِضٌ تَسْمَعُ، هَلْ لَهَا أَنْ تَسْجُدَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَسْجُدُ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَّا وَهُمَا طَاهِرَانِ) أَيِ الطَّهَارَةَ الْكَامِلَةَ بِالْوُضُوءِ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ يُوَافِقِ ابْنَ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ إِلَّا الشَّعْبِيُّ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " لَا يَسْجُدُ الرَّجُلُ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ " فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ أَرَادَ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى أَوِ الثَّانِي عَلَى حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَالْأَوَّلُ عَلَى الضَّرُورَةِ.
(وَسَأَلَ مَالِكٌ عَنِ امْرَأَةٍ قَرَأَتْ سَجْدَةً وَرَجُلٌ مَعَهَا يَسْمَعُ، أَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ لَا يَصِحُّ لَهُ ذَلِكَ ; إِذْ لَا يَجُوزُ الِائْتِمَامُ بِهَا، فَمَنِ اسْتَمَعَ لِقَارِئٍ فَقَدِ ائْتَمَّ بِهِ وَلَزِمَهُ حُكْمُهُ، فَإِنْ صَلَحَ لِلْإِمَامَةِ سَجَدَ الْمُسْتَمِعُ (إِنَّمَا تَجِبُ السَّجْدَةُ) أَيْ تُسَنُّ (عَلَى الْقَوْمِ يَكُونُونَ مَعَ الرَّجُلِ فَيَأْتَمُّونَ بِهِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: الِائْتِمَامُ أَنْ يَجْلِسَ لِلِاسْتِمَاعِ مِنْهُ (فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُونَ مَعَهُ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَمِعَ) بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَلِابْنِ وَضَّاحٍ " يَسْمَعُ " مُضَارِعٌ (سَجْدَةً مِنْ إِنْسَانٍ) أَيْ رَجُلٍ (يَقْرَؤُهَا لَيْسَ لَهُ بِإِمَامٍ أَنْ يَسْجُدَ تِلْكَ السَّجْدَةَ) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْجُدُ السَّامِعُ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: " «أَنَّ غُلَامًا قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، السَّجْدَةَ فَانْتَظَرَ الْغُلَامُ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يَسْجُدَ، فَلَمَّا لَمْ يَسْجُدُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ سُجُودٌ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّكَ كُنْتَ إِمَامَنَا فِيهَا، وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا مَعَكَ» " مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَرُوِيَ عَنْ
زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: بَلَغَنِي فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقَارِئَ الْمَذْكُورَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ; لِأَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَسْجُدْ، وَلِأَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ سَجْدَةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ عَلَى رِسْلِكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ فَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْإِمَامُ إِذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَسْجُدَ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يَقْرَأُ مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ شَيْئًا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَالسَّجْدَةُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ سَجْدَةً فِي تَيْنِكَ السَّاعَتَيْنِ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ قَرَأَ سَجْدَةً وَامْرَأَةٌ حَائِضٌ تَسْمَعُ هَلْ لَهَا أَنْ تَسْجُدَ قَالَ مَالِكٌ لَا يَسْجُدُ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَّا وَهُمَا طَاهِرَانِ وَسُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ قَرَأَتْ سَجْدَةً وَرَجُلٌ مَعَهَا يَسْمَعُ أَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا إِنَّمَا تَجِبُ السَّجْدَةُ عَلَى الْقَوْمِ يَكُونُونَ مَعَ الرَّجُلِ فَيَأْتَمُّونَ بِهِ فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُونَ مَعَهُ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَمِعَ سَجْدَةً مِنْ إِنْسَانٍ يَقْرَؤُهَا لَيْسَ لَهُ بِإِمَامٍ أَنْ يَسْجُدَ تِلْكَ السَّجْدَةَ
ــ
٤٨٢ - ٤٨٥ - (مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ) فِيهِ انْقِطَاعٌ، فَعُرْوَةُ وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَلَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ (بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ سَجْدَةً) أَيْ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، وَهِيَ سُورَةُ النَّحْلِ (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ) هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ، وَهِيَ الَّتِي عِنْدَ أَبِي عُمَرَ، وَيَقَعُ فِي نُسَخٍ: وَسَجَدْنَا مَعَهُ. قَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ عُرْوَةَ أَرَادَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَأَضَافَ الْخِطَابَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَنْ جُمْلَتِهِمْ، وَإِلَّا فَهُوَ غَلَطٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ.
(ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ هَيْئَتِكُمْ (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا) لَمْ يَفْرِضْهَا (عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَى مَشِيئَةِ الْمَرْءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا) وَفِي عَدَمِ إِنْكَارِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَنَّهُ إِجْمَاعٌ، وَلَعَلَّ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِلنَّاسِ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَبَادَرَ إِلَى حَسْمِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ. " أَنَّهُ حَضَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّجْدَةُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ " وَزَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ "، قَالَ الْحَافِظُ: اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ نَشَاءَ، عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ مُخَيَّرٌ فِي السُّجُودِ فَيَكُونُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَجَابَ مَنْ أَوْجَبَهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ نَشَاءَ
قِرَاءَتَهَا فَيَجِبُ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، وَيَرُدُّهُ تَصْرِيحُ عُمَرَ بُقُولِهِ: وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. فَإِنَّ انْتِفَاءَ الْإِثْمِ عَمَّنْ تَرَكَ الْفِعْلَ مُخْتَارًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.
(قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْإِمَامُ إِذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَسْجُدَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ النُّزُولُ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: رَوَى عَلِيٌّ يُكْرَهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنِ الْمِنْبَرِ يَسْجُدُ سَجْدَةً قَرَأَهَا.
(قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ) أَيْ مَا وَرَدَتِ الْعَزِيمَةُ عَلَى فِعْلِهِ كَصِيَغِهِ الْأَمْرِ مَثَلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمَنْدُوبَاتِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْوُجُوبِ (إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً) آخِرُ الْأَعْرَافِ، وَ (الْآصَالِ) فِي الرَّعْدِ، وَ (يُؤْمَرُونَ) فِي (النَّحْلِ) ، وَ (خُشُوعًا) فِي سُبْحَانَ، وَ (بُكِيًّا) فِي مَرْيَمَ، وَ (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) فِي الْحَجِّ، وَ (نُفُورًا) فِي الْفُرْقَانِ، وَ (الْعَظِيمِ) فِي النَّمْلِ، وَ (لَا يَسْتَكْبِرُونَ) فِي الم السَّجْدَةِ، وَ (أَنَابَ) فِي ص، وَ (تَعْبُدُونَ) فِي فُصِّلَتْ.
(لَيْسَ فِي الْمُفَصُّلِ مِنْهَا شَيْءٌ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَ (النَّجْمِ) فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» .
وَحَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ سَجْدَةٌ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: وَأُبَيٌّ وَزَيْدٌ فِي الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ كَمَا لَا يَجْهَلُ أَحَدٌ، زَيْدٌ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ مَاتَ، وَقَرَأَ أُبَيٌّ عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَرَّتَيْنِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أُبَيٍّ وَهُمْ مَنْ لَا يُشَكُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَهُ إِلَّا بِالْإِحَاطَةِ مَعَ قَوْلِ مَنْ لَقِينَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ، وَكَيْفَ يَجْهَلُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ سُجُودَ الْقُرْآنِ وَقَدْ قَالَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَهُ: " «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ الْقُرْآنَ» ". قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ثُمَّ قَطَعَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ بِإِثْبَاتِ السُّجُودِ فِي الْمُفَصَّلِ، قَالَ غَيْرُهُ: وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَضَعَّفَهُ الْمُحَدِّثُونَ لِضَعْفٍ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ وَاخْتِلَافٍ فِي إِسْنَادِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَالْمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلَى الثَّانِي.
وَتَقَدَّمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَجَدَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» " وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ» ". وَلِلْبَزَّارِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَجَدَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» ". وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ.
(قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يَقْرَأُ مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ شَيْئًا) فَيَسْجُدُ (بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ) فَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ (وَ) دَلِيلُ (ذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ
الشَّمْسُ وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» ) كَمَا أَسْنَدَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ ذَلِكَ (وَالسَّجْدَةُ مِنَ الصَّلَاةِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ سَجْدَةً فِي تَيْنِكَ السَّاعَتَيْنِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: مَنَعَهَا فِي الْمُوَطَّأِ فَقَاسَهَا عَلَى صَلَاةِ النَّوَافِلِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَسْجُدُ لَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، فَرَآهَا صَلَاةً اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَقَاسَهَا عَلَيْهَا.
(سَأَلَ مَالِكٌ عَمَّنْ قَرَأَ سَجْدَةً وَامْرَأَةٌ حَائِضٌ تَسْمَعُ، هَلْ لَهَا أَنْ تَسْجُدَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَسْجُدُ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَّا وَهُمَا طَاهِرَانِ) أَيِ الطَّهَارَةَ الْكَامِلَةَ بِالْوُضُوءِ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ يُوَافِقِ ابْنَ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ إِلَّا الشَّعْبِيُّ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " لَا يَسْجُدُ الرَّجُلُ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ " فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ أَرَادَ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى أَوِ الثَّانِي عَلَى حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَالْأَوَّلُ عَلَى الضَّرُورَةِ.
(وَسَأَلَ مَالِكٌ عَنِ امْرَأَةٍ قَرَأَتْ سَجْدَةً وَرَجُلٌ مَعَهَا يَسْمَعُ، أَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ لَا يَصِحُّ لَهُ ذَلِكَ ; إِذْ لَا يَجُوزُ الِائْتِمَامُ بِهَا، فَمَنِ اسْتَمَعَ لِقَارِئٍ فَقَدِ ائْتَمَّ بِهِ وَلَزِمَهُ حُكْمُهُ، فَإِنْ صَلَحَ لِلْإِمَامَةِ سَجَدَ الْمُسْتَمِعُ (إِنَّمَا تَجِبُ السَّجْدَةُ) أَيْ تُسَنُّ (عَلَى الْقَوْمِ يَكُونُونَ مَعَ الرَّجُلِ فَيَأْتَمُّونَ بِهِ) قَالَ الْبَاجِيُّ: الِائْتِمَامُ أَنْ يَجْلِسَ لِلِاسْتِمَاعِ مِنْهُ (فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُونَ مَعَهُ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَمِعَ) بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَلِابْنِ وَضَّاحٍ " يَسْمَعُ " مُضَارِعٌ (سَجْدَةً مِنْ إِنْسَانٍ) أَيْ رَجُلٍ (يَقْرَؤُهَا لَيْسَ لَهُ بِإِمَامٍ أَنْ يَسْجُدَ تِلْكَ السَّجْدَةَ) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْجُدُ السَّامِعُ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: " «أَنَّ غُلَامًا قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، السَّجْدَةَ فَانْتَظَرَ الْغُلَامُ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يَسْجُدَ، فَلَمَّا لَمْ يَسْجُدُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ سُجُودٌ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّكَ كُنْتَ إِمَامَنَا فِيهَا، وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا مَعَكَ» " مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَرُوِيَ عَنْ
زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: بَلَغَنِي فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقَارِئَ الْمَذْكُورَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ; لِأَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَسْجُدْ، وَلِأَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.