«لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٦١٨

الحديث رقم ٦١٨ من كتاب «كتاب القرآن» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما جاء في الدعاء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ…

«لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي، شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ»

سند حديث: ٢٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ…

٢٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرجَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ…

قال النبي صلى الله عليه وسلم: لكل نبي دعوة مقطوع فيها بالإجابة، وما عداها على رجاء الإجابة، يدعوا بهذه الدعوة على أمته، وأريد أن أدخر دعوتي المقطوع بإجابتها، فأشفع بها لأمتي في الآخرة، وهو أهم أوقات حاجاتهم، وهذا من كمال شفقته على أمته ورأفته بهم واعتنائه بالنظر في أحوالهم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته ورحمته بهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهُنَّ أَوَّلُ»

ــ

٤٩١ - ٤٩٤ - (مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمِ) بِضَمِّ النُّونِ (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ بَيْنَهُمَا جِيمٌ سَاكِنَةٌ، وَالْخَفْضُ صِفَةٌ لِنُعَيْمٍ وَأَبِيهِ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ الزُّرَقِيِّ) بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ الرَّاءِ فَقَافٍ، الْأَنْصَارِيِّ، مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ ; لِأَنَّ نُعَيْمًا أَكْبَرُ سِنًّا مِنْ عَلِيٍّ وَأَقْدَمُ سَمَاعًا (عَنْ أَبِيهِ) يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ، لَهُ رُؤْيَةٌ فَذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّهُ قِيلَ حَنَّكَهُ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَاتَ فِي حُدُودِ التِّسْعِينَ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، فَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ، وَهُمْ مِنْ بَنِي مَالِكٍ وَالصَّحَابِيِّ (عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ) ابْنِ مَالِكِ بْنِ عَجْلَانَ الْأَنْصَارِيِّ، مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، مَاتَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَأَبُوهُ رَافِعٌ صَحَابِيٌّ شَهِدَ الْعَقَبَةَ (أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا) مِنَ الْأَيَّامِ (نُصَلِّي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الْمَغْرِبَ، كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ (فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَأْسَهُ) أَيْ شَرَعَ فِي رَفْعِهِ (مِنَ الرَّكْعَةِ وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ظَاهِرُهُ وُقُوعُ التَّسْمِيعِ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ فَيَكُونُ مِنْ أَذْكَارِ الِاعْتِدَالِ.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ذِكْرُ الِانْتِقَالِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَجُمِعَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: لَمَّا شَرَعَ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ ابْتَدَأَ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ وَأَتَمَّهُ بَعْدَ أَنِ اعْتَدَلَ (قَالَ رَجُلٌ) هُوَ رِفَاعَةُ رَاوِي الْحَدِيثِ، قَالَهُ ابْنُ بَشْكُوَالٍ مُسْتَدِلًّا بِمَا لِلنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ

رِفَاعَةَ: " «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَطَسْتُ فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ» ". الْحَدِيثَ، وَنُوزِعَ لِاخْتِلَافِ سِيَاقِ السَّبَبِ وَالْقِصَّةِ، وَالْجَوَابُ لَا يُعَارَضُ فَيُحْمَلُ وُقُوعُ عُطَاسِهِ عِنْدَ رَفْعِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبْهَمَ نَفْسَهُ لِقَصْدِ إِخْفَاءِ عَمَلِهِ أَوْ نَسِيَ بَعْضُ الرُّوَاةِ اسْمَهُ، وَأَمَّا مَا عَدَّا ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فَإِنَّمَا فِيهِ زِيَادَةٌ لَعَلَّ الرَّاوِيَ اخْتَصَرَهَا. (وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) بِالْوَاوِ (حَمْدًا) نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ لَكَ الْحَمْدُ (كَثِيرًا طَيِّبًا) خَالِصًا عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ (مُبَارَكًا) كَثِيرَ الْخَيْرِ (فِيهِ) زَادَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، قَالَ الْحَافِظُ: فَفِي قَوْلِهِ كَمَا. . . إِلَخْ، مِنْ حُسْنِ التَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا هُوَ الْغَايَةُ فِي الْقَصْدِ، وَأَمَا مُبَارَكًا عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ، وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْبَقَاءِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} [فصلت: ١٠] (سُورَةُ فُصِّلَتْ: الْآيَةُ ١٠) فَهَذَا يُنَاسِبُ الْأَرْضَ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ لَا الْبَقَاءُ ; لِأَنَّهُ بِصَدَدِ التَّغَيُّرِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ} [الصافات: ١١٣] (سُورَةُ الصَّافَّاتِ: الْآيَةُ ١١٣) فَهَذَا يُنَاسِبُ الْأَنْبِيَاءَ ; لِأَنَّ الْبَرَكَةَ بَاقِيَةٌ لَهُمْ، وَلَمَّا نَاسَبَ الْحَمْدُ الْمَعْنَيَانِ جَمَعَهُمَا، كَذَا قِيلَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.

(فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنَ الصَّلَاةِ (قَالَ) كَمَا فِي النَّسَائِيِّ (مَنِ الْمُتَكَلِّمُ) فِي الصَّلَاةِ لِيَعْلَمَ السَّامِعُونَ كَلَامَهُ فَيَقُولُوا مِثْلَهُ (آنِفًا) بِالْمَدِّ وَكَسْرِ النُّونِ، يَعْنِي قَبْلَ هَذَا وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا قَرُبَ، زَادَ النَّسَائِيُّ: فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ: أَنَا، قَالَ: كَيْفَ؟ قُلْتُ: فَذَكَرَهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، الْحَدِيثَ. (فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ أَرْجُو الْخَيْرَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ) مُوَافِقَةً لِعَدَدِ حُرُوفِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا، وَالْبِضْعُ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى تِسْعَةٍ وَلَا يَعْكِرُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ الْمَارَّةُ ; لِأَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ الثَّنَاءُ الزَّائِدُ عَلَى الْمُعْتَادِ وَهُوَ حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى دُونَ مُبَارَكًا عَلَيْهِ فَإِنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ.

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ اثْنَيْ عَشَرَ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِعَدَدِ الْكَلِمَاتِ عَلَى رِوَايَةِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ. . . إِلَخْ. وَلِحَدِيثِ الْبَابِ، لَكِنْ عَلَى اصْطِلَاحِ النُّحَاةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ كَالْجَوْهَرِيِّ أَنَّ الْبِضْعَ يَخْتَصُّ بِمَا دُونَ الْعِشْرِينَ (مَلَكَا) غَيْرَ الْحَفَظَةِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطَّرِيقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ» " الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ بَعْضَ الطَّاعَاتِ قَدْ يَكْتُبُهَا غَيْرُ الْحَفَظَةِ (يَبْتَدِرُونَهَا) أَيْ يُسَارِعُونَ إِلَى الْكَلِمَاتِ الْمَذْكُورَةِ (أَيُّهُمْ يَكْتُبُهُنَّ) وَلِلنَّسَائِيِّ: " أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا " وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: " أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا " وَلَا تَعَارُضَ ; لِأَنَّهُمْ يَكْتُبُونَهَا ثُمَّ يَصْعَدُونَ بِهَا (أَوَّلُ) رُوِيَ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ ; لِأَنَّهُ ظَرْفٌ قُطِعَ عَنِ الْإِضَافَةِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى

الْحَالِ قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ، وَأَمَّا (أَيُّهُمْ) فَرُوِّينَاهُ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَكْتُبُهُنَّ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ تَبَعًا لِأَبِي الْبَقَاءِ فِي إِعْرَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: ٤٤] (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ٤٤) قَالَ: وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ (يُلْقُونَ) ، وَأَيُّ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ مَقُولٌ فِيهِمْ أَيُهِمُّ يَكْتُبُهُنَّ، وَيَجُوزُ نَصْبُ (أَيُّهُمْ) بِأَنْ يُقَدَّرَ الْمَحْذُوفُ (يَنْظُرُونَ أَيَّهُمْ) عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ (أَيُّ) مَوْصُولَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ يَبْتَدِرُونَ الَّذِي يَكْتُبُهُنَّ أَوَّلُ، وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ، وَاسْتَشْكَلَ تَأْخِيرُ رِفَاعَةَ إِجَابَةَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى كَرَّرَ سُؤَالَهُ ثَلَاثًا مَعَ أَنَّ إِجَابَتَهُ وَاجِبَةٌ، بَلْ وَعَلَى مَنْ سَمِعَ رِفَاعَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْأَلِ الْمُتَكَلِّمَ وَحْدَهُ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَمْ تَتَعَيَّنِ الْمُبَادَرَةُ بِالْجَوَابِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، وَلَا مِنْ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ فَكَأَنَّهُمُ انْتَظَرُوا بَعْضَهُمْ لِيُجِيبَ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَشْيَةُ أَنْ يَبْدُوَ فِي حَقِّهِ شَيْءٌ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِيمَا فَعَلَ، وَرَجَوْا أَنْ يُعْفَى عَنْهُ فَفَهِمَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَلِكَ فَقَالَ مَنِ الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا، فَقَالَ: أَنَا قُلْتُهَا لَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا خَيْرًا كَمَا فِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ.

وَعِنْدَ ابْنِ قَانِعٍ قَالَ رِفَاعَةُ: فَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ مَالِي وَأَنِّي لَمْ أَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تِلْكَ الصَّلَاةَ.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: فَسَكَتَ الرَّجُلُ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ هَجَمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى شَيْءٍ كَرِهَهُ فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِلَّا صَوَابًا، قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتُهَا أَرْجُو بِهَا الْخَيْرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُصَلِّينَ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِعَيْنِهِ لِإِقْبَالِهِمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ أَوْ لِأَنَّهُ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ فِي حَقِّهِمْ، قَالَ الْبَاجِيُّ: لَمْ يَرَ مَالِكٌ الْعَمَلَ عَلَى حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَكَرِهَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَهُ، يُرِيدُ لَمْ يَرَهَا مِنَ الْأَقْوَالِ الْمَشْرُوعَةِ كَالتَّكْبِيرِ وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مُسْلِمٌ.

[بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ»

ــ

٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ

هُوَ مِنْ أَشْرَفِ الطَّاعَاتِ، أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ فَضْلًا وَكَرَمًا وَمَا تَفَضَّلَ بِالْإِجَابَةِ فَقَالَ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: ٦٠] (سُورَةُ غَافِرٍ: الْآيَةُ ٦٠) . وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِ» " وَلِأَبِي يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ فِي حَدِيثِ: وَأَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَمِنْكَ الدُّعَاءُ وَعَلَيَّ الْإِجَابَةُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ الْعِبَادَةُ لِقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: ٦٠] (سُورَةُ غَافِرٍ: الْآيَةُ ٦٠) وَالدُّعَاءُ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء: ١١٧] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١١٧) وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ هَذَا تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ.

وَقَالَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ: الْأَوْلَى حَمْلُ الدُّعَاءِ عَلَى

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهُنَّ أَوَّلُ»

ــ

٤٩١ - ٤٩٤ - (مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمِ) بِضَمِّ النُّونِ (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ بَيْنَهُمَا جِيمٌ سَاكِنَةٌ، وَالْخَفْضُ صِفَةٌ لِنُعَيْمٍ وَأَبِيهِ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ الزُّرَقِيِّ) بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ الرَّاءِ فَقَافٍ، الْأَنْصَارِيِّ، مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ ; لِأَنَّ نُعَيْمًا أَكْبَرُ سِنًّا مِنْ عَلِيٍّ وَأَقْدَمُ سَمَاعًا (عَنْ أَبِيهِ) يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ، لَهُ رُؤْيَةٌ فَذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّهُ قِيلَ حَنَّكَهُ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَاتَ فِي حُدُودِ التِّسْعِينَ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، فَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ، وَهُمْ مِنْ بَنِي مَالِكٍ وَالصَّحَابِيِّ (عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ) ابْنِ مَالِكِ بْنِ عَجْلَانَ الْأَنْصَارِيِّ، مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، مَاتَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَأَبُوهُ رَافِعٌ صَحَابِيٌّ شَهِدَ الْعَقَبَةَ (أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا) مِنَ الْأَيَّامِ (نُصَلِّي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الْمَغْرِبَ، كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ (فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَأْسَهُ) أَيْ شَرَعَ فِي رَفْعِهِ (مِنَ الرَّكْعَةِ وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ظَاهِرُهُ وُقُوعُ التَّسْمِيعِ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ فَيَكُونُ مِنْ أَذْكَارِ الِاعْتِدَالِ.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ذِكْرُ الِانْتِقَالِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَجُمِعَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: لَمَّا شَرَعَ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ ابْتَدَأَ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ وَأَتَمَّهُ بَعْدَ أَنِ اعْتَدَلَ (قَالَ رَجُلٌ) هُوَ رِفَاعَةُ رَاوِي الْحَدِيثِ، قَالَهُ ابْنُ بَشْكُوَالٍ مُسْتَدِلًّا بِمَا لِلنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ

رِفَاعَةَ: " «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَطَسْتُ فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ» ". الْحَدِيثَ، وَنُوزِعَ لِاخْتِلَافِ سِيَاقِ السَّبَبِ وَالْقِصَّةِ، وَالْجَوَابُ لَا يُعَارَضُ فَيُحْمَلُ وُقُوعُ عُطَاسِهِ عِنْدَ رَفْعِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبْهَمَ نَفْسَهُ لِقَصْدِ إِخْفَاءِ عَمَلِهِ أَوْ نَسِيَ بَعْضُ الرُّوَاةِ اسْمَهُ، وَأَمَّا مَا عَدَّا ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فَإِنَّمَا فِيهِ زِيَادَةٌ لَعَلَّ الرَّاوِيَ اخْتَصَرَهَا. (وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) بِالْوَاوِ (حَمْدًا) نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ لَكَ الْحَمْدُ (كَثِيرًا طَيِّبًا) خَالِصًا عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ (مُبَارَكًا) كَثِيرَ الْخَيْرِ (فِيهِ) زَادَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، قَالَ الْحَافِظُ: فَفِي قَوْلِهِ كَمَا. . . إِلَخْ، مِنْ حُسْنِ التَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا هُوَ الْغَايَةُ فِي الْقَصْدِ، وَأَمَا مُبَارَكًا عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ، وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْبَقَاءِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} [فصلت: ١٠] (سُورَةُ فُصِّلَتْ: الْآيَةُ ١٠) فَهَذَا يُنَاسِبُ الْأَرْضَ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ لَا الْبَقَاءُ ; لِأَنَّهُ بِصَدَدِ التَّغَيُّرِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ} [الصافات: ١١٣] (سُورَةُ الصَّافَّاتِ: الْآيَةُ ١١٣) فَهَذَا يُنَاسِبُ الْأَنْبِيَاءَ ; لِأَنَّ الْبَرَكَةَ بَاقِيَةٌ لَهُمْ، وَلَمَّا نَاسَبَ الْحَمْدُ الْمَعْنَيَانِ جَمَعَهُمَا، كَذَا قِيلَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.

(فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنَ الصَّلَاةِ (قَالَ) كَمَا فِي النَّسَائِيِّ (مَنِ الْمُتَكَلِّمُ) فِي الصَّلَاةِ لِيَعْلَمَ السَّامِعُونَ كَلَامَهُ فَيَقُولُوا مِثْلَهُ (آنِفًا) بِالْمَدِّ وَكَسْرِ النُّونِ، يَعْنِي قَبْلَ هَذَا وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا قَرُبَ، زَادَ النَّسَائِيُّ: فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ: أَنَا، قَالَ: كَيْفَ؟ قُلْتُ: فَذَكَرَهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، الْحَدِيثَ. (فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ أَرْجُو الْخَيْرَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ) مُوَافِقَةً لِعَدَدِ حُرُوفِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا، وَالْبِضْعُ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى تِسْعَةٍ وَلَا يَعْكِرُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ الْمَارَّةُ ; لِأَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ الثَّنَاءُ الزَّائِدُ عَلَى الْمُعْتَادِ وَهُوَ حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى دُونَ مُبَارَكًا عَلَيْهِ فَإِنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ.

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ اثْنَيْ عَشَرَ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِعَدَدِ الْكَلِمَاتِ عَلَى رِوَايَةِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ. . . إِلَخْ. وَلِحَدِيثِ الْبَابِ، لَكِنْ عَلَى اصْطِلَاحِ النُّحَاةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ كَالْجَوْهَرِيِّ أَنَّ الْبِضْعَ يَخْتَصُّ بِمَا دُونَ الْعِشْرِينَ (مَلَكَا) غَيْرَ الْحَفَظَةِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطَّرِيقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ» " الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ بَعْضَ الطَّاعَاتِ قَدْ يَكْتُبُهَا غَيْرُ الْحَفَظَةِ (يَبْتَدِرُونَهَا) أَيْ يُسَارِعُونَ إِلَى الْكَلِمَاتِ الْمَذْكُورَةِ (أَيُّهُمْ يَكْتُبُهُنَّ) وَلِلنَّسَائِيِّ: " أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا " وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: " أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا " وَلَا تَعَارُضَ ; لِأَنَّهُمْ يَكْتُبُونَهَا ثُمَّ يَصْعَدُونَ بِهَا (أَوَّلُ) رُوِيَ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ ; لِأَنَّهُ ظَرْفٌ قُطِعَ عَنِ الْإِضَافَةِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى

الْحَالِ قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ، وَأَمَّا (أَيُّهُمْ) فَرُوِّينَاهُ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَكْتُبُهُنَّ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ تَبَعًا لِأَبِي الْبَقَاءِ فِي إِعْرَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: ٤٤] (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ٤٤) قَالَ: وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ (يُلْقُونَ) ، وَأَيُّ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ مَقُولٌ فِيهِمْ أَيُهِمُّ يَكْتُبُهُنَّ، وَيَجُوزُ نَصْبُ (أَيُّهُمْ) بِأَنْ يُقَدَّرَ الْمَحْذُوفُ (يَنْظُرُونَ أَيَّهُمْ) عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ (أَيُّ) مَوْصُولَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ يَبْتَدِرُونَ الَّذِي يَكْتُبُهُنَّ أَوَّلُ، وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ، وَاسْتَشْكَلَ تَأْخِيرُ رِفَاعَةَ إِجَابَةَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى كَرَّرَ سُؤَالَهُ ثَلَاثًا مَعَ أَنَّ إِجَابَتَهُ وَاجِبَةٌ، بَلْ وَعَلَى مَنْ سَمِعَ رِفَاعَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْأَلِ الْمُتَكَلِّمَ وَحْدَهُ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَمْ تَتَعَيَّنِ الْمُبَادَرَةُ بِالْجَوَابِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، وَلَا مِنْ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ فَكَأَنَّهُمُ انْتَظَرُوا بَعْضَهُمْ لِيُجِيبَ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَشْيَةُ أَنْ يَبْدُوَ فِي حَقِّهِ شَيْءٌ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِيمَا فَعَلَ، وَرَجَوْا أَنْ يُعْفَى عَنْهُ فَفَهِمَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَلِكَ فَقَالَ مَنِ الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا، فَقَالَ: أَنَا قُلْتُهَا لَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا خَيْرًا كَمَا فِي أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ.

وَعِنْدَ ابْنِ قَانِعٍ قَالَ رِفَاعَةُ: فَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ مَالِي وَأَنِّي لَمْ أَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تِلْكَ الصَّلَاةَ.

وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: فَسَكَتَ الرَّجُلُ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ هَجَمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى شَيْءٍ كَرِهَهُ فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِلَّا صَوَابًا، قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتُهَا أَرْجُو بِهَا الْخَيْرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُصَلِّينَ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِعَيْنِهِ لِإِقْبَالِهِمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ أَوْ لِأَنَّهُ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ فِي حَقِّهِمْ، قَالَ الْبَاجِيُّ: لَمْ يَرَ مَالِكٌ الْعَمَلَ عَلَى حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَكَرِهَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَهُ، يُرِيدُ لَمْ يَرَهَا مِنَ الْأَقْوَالِ الْمَشْرُوعَةِ كَالتَّكْبِيرِ وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مُسْلِمٌ.

[بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ»

ــ

٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ

هُوَ مِنْ أَشْرَفِ الطَّاعَاتِ، أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ فَضْلًا وَكَرَمًا وَمَا تَفَضَّلَ بِالْإِجَابَةِ فَقَالَ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: ٦٠] (سُورَةُ غَافِرٍ: الْآيَةُ ٦٠) . وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِ» " وَلِأَبِي يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ فِي حَدِيثِ: وَأَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَمِنْكَ الدُّعَاءُ وَعَلَيَّ الْإِجَابَةُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ الْعِبَادَةُ لِقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: ٦٠] (سُورَةُ غَافِرٍ: الْآيَةُ ٦٠) وَالدُّعَاءُ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء: ١١٧] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ١١٧) وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ هَذَا تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ.

وَقَالَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ: الْأَوْلَى حَمْلُ الدُّعَاءِ عَلَى

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.1 / 29.5
الإضاءة 88%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله