«لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِيهَا»

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٦٣٢

الحديث رقم ٦٣٢ من كتاب «كتاب القرآن» في موطأ مالك، تحت باب: باب العمل في الدعاء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لا بأس بالدعاء فيها»

«لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِيهَا»

سند حديث: ٣٩ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مالِكٍ، عَنْ هِشَامِ…

٣٩ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا، وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: ١١٠]، فِي الدُّعَاءِ " قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ؟ فَقَالَ:

رواة الحديث

📖 هذا الحديث في تفسير سورة الإسراء - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.

شرح حديث: «لا بأس بالدعاء فيها»

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: ١١٠] فِي الدُّعَاءِ قَالَ يَحْيَى وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِيهَا

ــ

٥٠٥ - ٥٠٨ - (مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} [الإسراء: ١١٠] جِدًّا فَتَنْقَطِعَ وَتَنْبَتَّ {وَلَا تُخَافِتْ} [الإسراء: ١١٠] وَلَا تَخْفِضْ صَوْتَكَ {بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ} [الإسراء: ١١٠] الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ (سَبِيلًا) وَسَطًا (فِي الدُّعَاءِ) أَرْسَلَهُ مَالِكٌ وَتَابَعَهُ عَلَى إِرْسَالِهِ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْإِسْكَنْدَرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، وَوَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ سُعَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَتَابَعُهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هِشَامٍ، وَأَطْلَقَتْ عَائِشَةُ الدُّعَاءَ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ

خَارِجَهَا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْمَعْمَرِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامٍ، فَزَادَ فِي التَّشَهُّدِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ قَالَ: " كَانَ أَعْرَابٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِذَا سَلَّمَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مَالًا وَوَلَدًا ". وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} [الإسراء: ١١٠] » (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١١٠) أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعُ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: ١١٠] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١١٠) عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعَهُمْ {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: ١١٠] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١١٠) وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِأَنَّهُ أَصَحُّ إِسْنَادًا وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ فَوَافَقَ عَائِشَةَ.

وَعِنْدَهُ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدٍ وَمَكْحُولٍ مِثْلَهُ. وَأَسْنَدَ عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا قَالَ: يَقُولُ قَوْمٌ إِنَّهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَوْمٌ إِنَّهَا فِي الدُّعَاءِ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " كَانَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا صَلَّى عِنْدَ الْبَيْتِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالدُّعَاءِ فَنَزَلَتْ " وَقِيلَ الْآيَةُ فِي الدُّعَاءِ وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: ٥٥] (سُورَةُ الْأَعْرَافِ: الْآيَةُ ٥٥) ، انْتَهَى.

وَفِي الِاسْتِذْكَارِ قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيهِ، أَيْ لَا تَجْهَرْ بِقِرَاءَتِكَ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ وَلَا تُخَافِتْ بِقِرَاءَتِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالصُّبْحِ، وَهَذَا نَصٌّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصُّبْحَ مِنَ النَّهَارِ. (قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِيهَا) وَأَوْلَى فِي غَيْرِهَا بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَدْعُو إِلَّا بِمَا فِي الْقُرْآنِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَلَنَا أَنَّهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» . . . الْحَدِيثَ. وَقَالَ: «غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا وَأَسْلَمُ سَلَّمَهَا اللَّهُ» ، وَغَيْرُ ذَلِكَ وَكُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَإِذَا أَرَدْتَ فِي النَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ

ــ

٥٠٥ - ٥٠٩ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَطَائِفَةٍ، مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَثَوْبَانَ وَأُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ) أَيْ أَطْلُبُ

مِنْكَ (فِعْلَ الْخَيْرَاتِ) الْمَأْمُورَاتِ أَيِ الْإِقْدَارَ عَلَى فِعْلِهَا وَالتَّوْفِيقَ لَهُ (وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ) أَيِ الْمَنْهِيَّاتِ (وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ) يُحْتَمَلُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْفَاعِلِ وَإِلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ أَنْسَبُ بِمَا قَبْلَهُ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْقَلْبِ وَمَعَ ذَلِكَ فَيُخْتَصُّ بِالتَّوَاضُعِ، وَفِيهِ أَنَّ فِعْلَ الثَّلَاثَةِ إِنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ (وَإِذَا أَدَرْتَ) بِتَقْدِيمِ الدَّالِّ عَلَى الرَّاءِ مِنَ الْإِدَارَةِ: أَوْقَعْتَ (فِي النَّاسِ) وَيُرْوَى بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الدَّالِ مِنَ الْإِرَادَةِ (فِتْنَةً) بَلَايَا وَمِحَنَ (فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ) الْفِتْنَةُ لُغَةً الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ وَتُسْتَعْمَلُ عُرْفًا لِكَشْفِ مَا يُكْرَهُ قَالَهُ عِيَاضٌ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى طَلَبِ الْعَافِيَةِ وَاسْتِدَامَةِ السَّلَامَةِ إِلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلَالَةٍ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا

ــ

٥٠٥ - ٥١٠ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) مِمَّا صَحَّ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَرِيرٍ وَغَيْرِهِمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى) أَيْ إِلَى مَا يُهْتَدَى بِهِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَنُكِّرَ لِيَشِيعَ فَيَتَنَاوَلَ الْحَقِيرَ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ (إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ) سَوَاءٌ ابْتَدَعَهُ أَوْ سَبَقَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ اتِّبَاعَهُمْ لَهُ تَوَلَّدَ عَنْ فِعْلِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ (لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ) الْإِشَارَةُ إِلَى مَصْدَرِ كَانَ (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ أَنَّ أَجْرَ الدَّاعِي إِنَّمَا يَكُونُ بِتَنْقِيصِ أَجْرِ التَّابِعِ وَضَمِّهِ إِلَى أَجْرِ الدَّاعِي، فَكَمَا يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى مَا يُبَاشِرُهُ يَتَرَتَّبُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا هُوَ سَبَبُ فِعْلِهِ كَالْإِرْشَادِ إِلَيْهِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْهُدَى إِمَّا الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْبُغْيَةِ أَوْ مُطْلَقُ الْإِرْشَادِ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُهْتَدَى بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَهُوَ بِحَسَبِ التَّنْكِيرِ مُطْلَقٌ شَائِعٌ فِي جِنْسِ مَا يُقَالُ لَهُ هُدًى، يُطْلَقُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَالْعَظِيمِ وَالْحَقِيرِ، فَأَعْظَمُهُ هُدًى مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَأَدْنَاهُ هُدًى مَنْ دَعَا إِلَى إِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلِذَا عَظُمَ شَأْنُ الْفَقِيهِ الدَّاعِي الْمُنْذِرِ حَتَّى فَضُلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَلْفِ عَابِدٍ، وَلِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُمُّ الْأَشْخَاصَ وَالْأَعْصَارَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

(وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلَالَةٍ) ابْتَدَعَهَا أَوْ سَبَقَ بِهَا (إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ) أَيْ مَنِ اتَّبَعَهُ لِتَوَلُّدِهِ عَنْ فِعْلِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ خِصَالِ الشَّيْطَانِ، وَالْعَبْدُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَى السَّبَبِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ كَمَا يُعَاقَبُ السَّكْرَانُ عَلَى

جِنَايَتِهِ حَالَ سُكْرِهِ لِمَنْعِ السَّبَبِ فَلَمْ يُعْذَرِ السَّكْرَانُ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمُحَرَّمَةِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا كَمَا يُثِيبُ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا، وَلِذَا كَانَ عَلَى قَابِيلَ الْقَاتِلِ لِأَخِيهِ كِفْلٌ مِنْ ذَنْبِ كُلِّ قَاتِلٍ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ (لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا) ضَمِيرُ الْجَمْعِ فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ عَائِدٌ عَلَى (مِنْ) بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ، وَإِنَّ كَانَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ وَلَا مُقْتَضِيَةٍ لِلثَّوَابِ وَلَا لِلْعِقَابِ بِذَاتِهَا، لَكِنَّهُ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ بِرَبْطِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِهَا ارْتِبَاطَ الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ، وَفِعْلِ مَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي صُدُورِهِ بِوَجْهٍ، وَلَمَّا كَانَتِ الْجِهَةُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِهَا الْجَزَاءَ غَيْرَ الْجِهَةِ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِهَا الْمُبَاشِرُ لَمْ يَنْقُصْ أَجْرُهُ مِنْ أَجْرِهِ وَلَا مِنْ وِزْرِهِ شَيْئًا، انْتَهَى.

وَأَوْرَدَ إِذَا دَعَا وَاحِدٌ إِلَى ضَلَالَةٍ فَاتَّبَعُوهُ لَزِمَ كَوْنُ السَّيِّئَةِ وَاحِدَةً وَهِيَ الدَّعْوَةُ مَعَ أَنَّ هُنَا أَوْزَارًا كَثِيرَةً، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ فِي الْمَعْنَى مُتَعَدِّدَةٌ ; لِأَنَّ دَعْوَى الْجَمْعِ دَفْعَةُ دَعْوَةٍ لِكُلِّ مَنْ أَجَابَهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ التَّوْبَةُ مِمَّا تَوَلَّدَ وَلَيْسَ فِعْلَهُ، وَالْمَرْءُ إِنَّمَا يَتُوبُ مِمَّا فَعَلَهُ اخْتِيَارًا؟ أُجِيبَ بِحُصُولِهَا بِالنَّدَمِ وَدَفْعِهِ عَنِ الْغَيْرِ مَا أَمْكَنَ وَهُوَ إِقْنَاعِيٌّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» " قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَبْلَغُ شَيْءٍ فِي فَضْلِ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ وَإِلَى جَمِيعِ سُبُلِ الْخَيْرِ وَالْبَرِّ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: ٥] (سُورَةُ الِانْفِطَارِ: الْآيَةُ: ٥) أَيْ مَا قَدَّمْتَ مِنْ خَيْرٍ يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَهَا وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ شَرٍّ يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَهَا.

وَقَالَهُ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: ١٣] (سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: الْآيَةُ ١٣) وَعَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة: ١٦٦] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ: ١٦٦) ، انْتَهَى.

وَأُخِذَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ أَجْرٍ حَصَلَ لِلشَّهِيدِ أَوْ لِغَيْرِهِ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلُهُ زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ الْخَاصِّ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي لَا تَصِلُ جَمِيعُ الْأُمَّةِ إِلَى عِرْفِ نَشْرِهَا وَلَا تَبْلُغُ مِعْشَارَ عُشْرِهَا، فَجَمِيعُ حَسَنَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ فِي صَحَائِفِهِ زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مَعَ مُضَاعَفَةٍ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ ; لِأَنَّ كُلَّ مُهْتَدٍ وَعَامِلٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَهُ أَجْرٌ، وَلِشَيْخِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِثْلُهُ، وَشَيْخِ شَيْخِهِ مِثْلَاهُ، وَلِلشَّيْخِ الثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ، وَلِلرَّابِعِ ثَمَانِيَةٌ، وَهَكَذَا تُضَعَّفُ كُلُّ مَرْتَبَةٍ بِعَدَدِ الْأُجُورِ الْحَاصِلَةِ بَعْدَهُ إِلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِهِ يُعَرَفُ فَضْلُ السَّلَفِ عَلَى الْخَلْفِ، فَإِذَا فَرَضْتَ الْمَرَاتِبَ عَشَرَةً بَعْدَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ أَلْفٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَإِذَا اهْتَدَى بِالْعَاشِرِ الْحَادِي عَشَرَ صَارَ لَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلْفَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَهَكَذَا كَلَّمَا زَادَ وَاحِدٌ تَضَاعَفَ مَا كَانَ قَبْلَهُ أَبَدًا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ

ــ

٥٠٥ - ٥١١ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ) قَالَ أَبُو عُمَرَ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: ٧٤] (سُورَةُ الْفُرْقَانِ: الْآيَةُ ٧٤) فَإِذَا كَانَ إِمَامًا فِي الْخَيْرِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَأَجْرُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ، وَمُعَلِّمُ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُومُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ نَامَتْ الْعُيُونُ وَغَارَتْ النُّجُومُ وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ

ــ

٥٠٥ - ٥١٢ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُومُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: نَامَتِ الْعُيُونُ وَغَارَتِ النُّجُومُ) أَيْ غَرَبَتْ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حُدُوثِهَا) وَبِهِ اسْتَدَلَّ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) .

(وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الَّذِي لَا يَزُولُ وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ: قَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيِ الدَّائِمُ حُكْمُهُ فِيهِمَا.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقَيُّومُ: الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: ٣٣] (سُورَةُ الرَّعْدِ: الْآيَةُ: ٣٣) أَيْ حَافِظٌ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: ١١٠] فِي الدُّعَاءِ قَالَ يَحْيَى وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِيهَا

ــ

٥٠٥ - ٥٠٨ - (مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} [الإسراء: ١١٠] جِدًّا فَتَنْقَطِعَ وَتَنْبَتَّ {وَلَا تُخَافِتْ} [الإسراء: ١١٠] وَلَا تَخْفِضْ صَوْتَكَ {بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ} [الإسراء: ١١٠] الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ (سَبِيلًا) وَسَطًا (فِي الدُّعَاءِ) أَرْسَلَهُ مَالِكٌ وَتَابَعَهُ عَلَى إِرْسَالِهِ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْإِسْكَنْدَرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، وَوَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ سُعَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَتَابَعُهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هِشَامٍ، وَأَطْلَقَتْ عَائِشَةُ الدُّعَاءَ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ

خَارِجَهَا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْمَعْمَرِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامٍ، فَزَادَ فِي التَّشَهُّدِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ قَالَ: " كَانَ أَعْرَابٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِذَا سَلَّمَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مَالًا وَوَلَدًا ". وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} [الإسراء: ١١٠] » (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١١٠) أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعُ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: ١١٠] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١١٠) عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعَهُمْ {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: ١١٠] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١١٠) وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِأَنَّهُ أَصَحُّ إِسْنَادًا وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ فَوَافَقَ عَائِشَةَ.

وَعِنْدَهُ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدٍ وَمَكْحُولٍ مِثْلَهُ. وَأَسْنَدَ عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا قَالَ: يَقُولُ قَوْمٌ إِنَّهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَوْمٌ إِنَّهَا فِي الدُّعَاءِ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " كَانَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا صَلَّى عِنْدَ الْبَيْتِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالدُّعَاءِ فَنَزَلَتْ " وَقِيلَ الْآيَةُ فِي الدُّعَاءِ وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: ٥٥] (سُورَةُ الْأَعْرَافِ: الْآيَةُ ٥٥) ، انْتَهَى.

وَفِي الِاسْتِذْكَارِ قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيهِ، أَيْ لَا تَجْهَرْ بِقِرَاءَتِكَ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ وَلَا تُخَافِتْ بِقِرَاءَتِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالصُّبْحِ، وَهَذَا نَصٌّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصُّبْحَ مِنَ النَّهَارِ. (قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِيهَا) وَأَوْلَى فِي غَيْرِهَا بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَدْعُو إِلَّا بِمَا فِي الْقُرْآنِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَلَنَا أَنَّهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» . . . الْحَدِيثَ. وَقَالَ: «غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا وَأَسْلَمُ سَلَّمَهَا اللَّهُ» ، وَغَيْرُ ذَلِكَ وَكُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَإِذَا أَرَدْتَ فِي النَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ

ــ

٥٠٥ - ٥٠٩ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَطَائِفَةٍ، مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَثَوْبَانَ وَأُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ) أَيْ أَطْلُبُ

مِنْكَ (فِعْلَ الْخَيْرَاتِ) الْمَأْمُورَاتِ أَيِ الْإِقْدَارَ عَلَى فِعْلِهَا وَالتَّوْفِيقَ لَهُ (وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ) أَيِ الْمَنْهِيَّاتِ (وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ) يُحْتَمَلُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْفَاعِلِ وَإِلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ أَنْسَبُ بِمَا قَبْلَهُ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْقَلْبِ وَمَعَ ذَلِكَ فَيُخْتَصُّ بِالتَّوَاضُعِ، وَفِيهِ أَنَّ فِعْلَ الثَّلَاثَةِ إِنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ (وَإِذَا أَدَرْتَ) بِتَقْدِيمِ الدَّالِّ عَلَى الرَّاءِ مِنَ الْإِدَارَةِ: أَوْقَعْتَ (فِي النَّاسِ) وَيُرْوَى بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الدَّالِ مِنَ الْإِرَادَةِ (فِتْنَةً) بَلَايَا وَمِحَنَ (فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ) الْفِتْنَةُ لُغَةً الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ وَتُسْتَعْمَلُ عُرْفًا لِكَشْفِ مَا يُكْرَهُ قَالَهُ عِيَاضٌ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى طَلَبِ الْعَافِيَةِ وَاسْتِدَامَةِ السَّلَامَةِ إِلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلَالَةٍ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا

ــ

٥٠٥ - ٥١٠ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) مِمَّا صَحَّ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَرِيرٍ وَغَيْرِهِمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى) أَيْ إِلَى مَا يُهْتَدَى بِهِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَنُكِّرَ لِيَشِيعَ فَيَتَنَاوَلَ الْحَقِيرَ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ (إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ) سَوَاءٌ ابْتَدَعَهُ أَوْ سَبَقَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ اتِّبَاعَهُمْ لَهُ تَوَلَّدَ عَنْ فِعْلِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ (لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ) الْإِشَارَةُ إِلَى مَصْدَرِ كَانَ (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ أَنَّ أَجْرَ الدَّاعِي إِنَّمَا يَكُونُ بِتَنْقِيصِ أَجْرِ التَّابِعِ وَضَمِّهِ إِلَى أَجْرِ الدَّاعِي، فَكَمَا يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى مَا يُبَاشِرُهُ يَتَرَتَّبُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا هُوَ سَبَبُ فِعْلِهِ كَالْإِرْشَادِ إِلَيْهِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْهُدَى إِمَّا الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْبُغْيَةِ أَوْ مُطْلَقُ الْإِرْشَادِ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُهْتَدَى بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَهُوَ بِحَسَبِ التَّنْكِيرِ مُطْلَقٌ شَائِعٌ فِي جِنْسِ مَا يُقَالُ لَهُ هُدًى، يُطْلَقُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَالْعَظِيمِ وَالْحَقِيرِ، فَأَعْظَمُهُ هُدًى مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَأَدْنَاهُ هُدًى مَنْ دَعَا إِلَى إِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلِذَا عَظُمَ شَأْنُ الْفَقِيهِ الدَّاعِي الْمُنْذِرِ حَتَّى فَضُلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَلْفِ عَابِدٍ، وَلِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُمُّ الْأَشْخَاصَ وَالْأَعْصَارَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

(وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلَالَةٍ) ابْتَدَعَهَا أَوْ سَبَقَ بِهَا (إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ) أَيْ مَنِ اتَّبَعَهُ لِتَوَلُّدِهِ عَنْ فِعْلِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ خِصَالِ الشَّيْطَانِ، وَالْعَبْدُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَى السَّبَبِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ كَمَا يُعَاقَبُ السَّكْرَانُ عَلَى

جِنَايَتِهِ حَالَ سُكْرِهِ لِمَنْعِ السَّبَبِ فَلَمْ يُعْذَرِ السَّكْرَانُ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمُحَرَّمَةِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا كَمَا يُثِيبُ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا، وَلِذَا كَانَ عَلَى قَابِيلَ الْقَاتِلِ لِأَخِيهِ كِفْلٌ مِنْ ذَنْبِ كُلِّ قَاتِلٍ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ (لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا) ضَمِيرُ الْجَمْعِ فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ عَائِدٌ عَلَى (مِنْ) بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ، وَإِنَّ كَانَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ وَلَا مُقْتَضِيَةٍ لِلثَّوَابِ وَلَا لِلْعِقَابِ بِذَاتِهَا، لَكِنَّهُ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ بِرَبْطِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِهَا ارْتِبَاطَ الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ، وَفِعْلِ مَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي صُدُورِهِ بِوَجْهٍ، وَلَمَّا كَانَتِ الْجِهَةُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِهَا الْجَزَاءَ غَيْرَ الْجِهَةِ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِهَا الْمُبَاشِرُ لَمْ يَنْقُصْ أَجْرُهُ مِنْ أَجْرِهِ وَلَا مِنْ وِزْرِهِ شَيْئًا، انْتَهَى.

وَأَوْرَدَ إِذَا دَعَا وَاحِدٌ إِلَى ضَلَالَةٍ فَاتَّبَعُوهُ لَزِمَ كَوْنُ السَّيِّئَةِ وَاحِدَةً وَهِيَ الدَّعْوَةُ مَعَ أَنَّ هُنَا أَوْزَارًا كَثِيرَةً، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ فِي الْمَعْنَى مُتَعَدِّدَةٌ ; لِأَنَّ دَعْوَى الْجَمْعِ دَفْعَةُ دَعْوَةٍ لِكُلِّ مَنْ أَجَابَهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ التَّوْبَةُ مِمَّا تَوَلَّدَ وَلَيْسَ فِعْلَهُ، وَالْمَرْءُ إِنَّمَا يَتُوبُ مِمَّا فَعَلَهُ اخْتِيَارًا؟ أُجِيبَ بِحُصُولِهَا بِالنَّدَمِ وَدَفْعِهِ عَنِ الْغَيْرِ مَا أَمْكَنَ وَهُوَ إِقْنَاعِيٌّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» " قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَبْلَغُ شَيْءٍ فِي فَضْلِ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ وَإِلَى جَمِيعِ سُبُلِ الْخَيْرِ وَالْبَرِّ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: ٥] (سُورَةُ الِانْفِطَارِ: الْآيَةُ: ٥) أَيْ مَا قَدَّمْتَ مِنْ خَيْرٍ يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَهَا وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ شَرٍّ يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَهَا.

وَقَالَهُ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: ١٣] (سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ: الْآيَةُ ١٣) وَعَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة: ١٦٦] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ: ١٦٦) ، انْتَهَى.

وَأُخِذَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ أَجْرٍ حَصَلَ لِلشَّهِيدِ أَوْ لِغَيْرِهِ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلُهُ زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ الْخَاصِّ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي لَا تَصِلُ جَمِيعُ الْأُمَّةِ إِلَى عِرْفِ نَشْرِهَا وَلَا تَبْلُغُ مِعْشَارَ عُشْرِهَا، فَجَمِيعُ حَسَنَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ فِي صَحَائِفِهِ زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مَعَ مُضَاعَفَةٍ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ ; لِأَنَّ كُلَّ مُهْتَدٍ وَعَامِلٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَهُ أَجْرٌ، وَلِشَيْخِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِثْلُهُ، وَشَيْخِ شَيْخِهِ مِثْلَاهُ، وَلِلشَّيْخِ الثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ، وَلِلرَّابِعِ ثَمَانِيَةٌ، وَهَكَذَا تُضَعَّفُ كُلُّ مَرْتَبَةٍ بِعَدَدِ الْأُجُورِ الْحَاصِلَةِ بَعْدَهُ إِلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِهِ يُعَرَفُ فَضْلُ السَّلَفِ عَلَى الْخَلْفِ، فَإِذَا فَرَضْتَ الْمَرَاتِبَ عَشَرَةً بَعْدَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ أَلْفٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَإِذَا اهْتَدَى بِالْعَاشِرِ الْحَادِي عَشَرَ صَارَ لَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلْفَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَهَكَذَا كَلَّمَا زَادَ وَاحِدٌ تَضَاعَفَ مَا كَانَ قَبْلَهُ أَبَدًا.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ

ــ

٥٠٥ - ٥١١ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ) قَالَ أَبُو عُمَرَ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: ٧٤] (سُورَةُ الْفُرْقَانِ: الْآيَةُ ٧٤) فَإِذَا كَانَ إِمَامًا فِي الْخَيْرِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَأَجْرُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ، وَمُعَلِّمُ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُومُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ نَامَتْ الْعُيُونُ وَغَارَتْ النُّجُومُ وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ

ــ

٥٠٥ - ٥١٢ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُومُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: نَامَتِ الْعُيُونُ وَغَارَتِ النُّجُومُ) أَيْ غَرَبَتْ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حُدُوثِهَا) وَبِهِ اسْتَدَلَّ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) .

(وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الَّذِي لَا يَزُولُ وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ: قَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيِ الدَّائِمُ حُكْمُهُ فِيهِمَا.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقَيُّومُ: الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: ٣٣] (سُورَةُ الرَّعْدِ: الْآيَةُ: ٣٣) أَيْ حَافِظٌ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18 / 29.5
الإضاءة 89%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
الحمد لله