الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٨٤٠
الحديث رقم ٨٤٠ من كتاب «كتاب الصيام» في موطأ مالك، تحت باب: باب صيام يوم عاشوراء.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ لَا يُفْطِرُ قَالَ وَمَا رَأَيْتُهُ احْتَجَمَ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ صَائِمٌ قَالَ مَالِكٌ لَا تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ إِلَّا خَشْيَةً مِنْ أَنْ يَضْعُفَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تُكْرَهْ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ سَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَمْ آمُرْهُ بِالْقَضَاءِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي احْتَجَمَ فِيهِ لِأَنَّ الْحِجَامَةَ إِنَّمَا تُكْرَهُ لِلصَّائِمِ لِمَوْضِعِ التَّغْرِيرِ بِالصِّيَامِ فَمَنْ احْتَجَمَ وَسَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ حَتَّى يُمْسِيَ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ
ــ
٦٦٤ - ٦٦٢ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَمَا رَأَيْتُهُ احْتَجَمَ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ صَائِمٌ) لِأَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ الصَّوْمَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ يَحْتَجِمُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَكَى أَكْثَرَ أَفْعَالِهِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ ثَابِتًا سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لَا إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ.
وَالَّذِي (قَالَ مَالِكٌ لَا تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ إِلَّا خَشْيَةً مِنْ أَنْ يَضْعُفَ) فَيَلْجَأَ إِلَى الْفِطْرِ، (وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ) لِأَنَّهَا إِخْرَاجٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَإِخْرَاجُ الْمَنِيِّ فِيهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
(وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ سَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا) لِأَنَّ فَاعِلَ الْمَكْرُوهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، (وَلَمْ آمُرْهُ بِالْقَضَاءِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي احْتَجَمَ فِيهِ لِأَنَّ الْحِجَامَةَ إِنَّمَا تُكْرَهُ لِلصَّائِمِ لِمَوْضِعِ التَّغْرِيرِ) بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءَيْنِ (بِالصِّيَامِ فَمَنِ احْتَجَمَ وَسَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ حَتَّى يُمْسِيَ
فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ) وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ مَهْدِيٍّ: لَا يَجُوزُ فَإِنِ احْتَجَمَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَشَذَّ عَطَاءٌ فَقَالَ: إِنْ تَعَمَّدَ الِاحْتِجَامَ أَوِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَإِنِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ: " «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتِقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» "، وَبِحَدِيثِ: " «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَأَفْطَرَ» "، قِيلَ: هَذِهِ حُجَّةٌ لَنَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ شَيْءٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ نَجَسٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُفْطِرُ، وَأَمَّا الْمُسْتَقِيءُ فَبِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ رُجُوعُ الْقَيْءِ بِتَرَدُّدِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ قَاءَ فَأَفْطَرَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَمَعْنَى قَاءَ اسْتِقَاءَ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْقَيْءُ وَالْحِجَامَةُ وَالِاحْتِلَامُ» "، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُبْلَةِ وَالْحِجَامَةِ» لِلصَّائِمِ انْتَهَى.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «أَرْخَصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْعَزِيمَةِ فَدَلَّ عَلَى نَسْخِ الْفِطْرِ بِالْحِجَامَةِ.
[بَاب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ»
ــ
١١ - بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
بِالْمَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ قَصْرُهُ، وَزَعَمَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنَّهُ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، رَدَّهُ عَلَيْهِ ابْنُ دِحْيَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ وَبِغَيْرِهِ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدِهِمْ أَنَّهُ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَهُوَ مُقْتَضَى الِاشْتِقَاقِ وَالتَّسْمِيَةِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عَاشُورَاءُ مَصْدَرٌ مَعْدُولٌ عَنْ عَاشِرٍ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْظِيمِ، هُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ لِلَيْلَةِ الْعَاشِرِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَشْرِ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْعَقْدِ وَالْيَوْمُ مُضَافٌ إِلَيْهَا، فَإِذَا قِيلَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّهُ قِيلَ يَوْمُ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا عَدَلُوا بِهِ عَنِ الصِّفَةِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ فَاسْتَغْنَوْا عَنِ الْمَوْصُوفِ فَحَذَفُوا اللَّيْلَةَ فَصَارَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَمًا عَلَى الْيَوْمِ الْعَاشِرِ. وَقِيلَ هُوَ تَاسِعُ الْمُحَرَّمِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فَعَلَى الْأَوَّلِ الْيَوْمُ مُضَافٌ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَعَلَى الثَّانِي مُضَافٌ لِلَّيْلَةِ الْآتِيَةِ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ: " «قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا، قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ؟ قَالَ، نَعَمْ» "، وَفِي الْمُصَنَّفِ عَنِ الضَّحَّاكِ: عَاشُورَاءُ يَوْمُ التَّاسِعِ قِيلَ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِشْرِ بِالْكَسْرِ فِي أَوْرَادِ الْإِبِلِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: وَرَدَتِ الْإِبِلُ عِشْرًا إِذَا وَرَدَتِ الْيَوْمَ التَّاسِعِ لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ فِي الْإِظْمَاءِ يَوْمَ الْوُرُودِ، فَإِذَا قَامَتْ فِي الرَّعْيِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ وَرَدَتْ فِي الثَّالِثِ قَالُوا: وَرَدَتْ رِبْعًا، وَإِنْ رَعَتْ ثَلَاثًا وَفِي الرَّابِعِ وَرَدَتْ قَالُوا: وَرَدَتْ خِمْسًا، وَإِنْ بَقِيَتْ فِيهِ ثَمَانِيَةً وَوَرَدَتْ فِي التَّاسِعِ قَالُوا: وَرَدَتْ عِشْرًا، فَيَحْسَبُونَ فِي كُلِّ هَذَا بَقِيَّةَ الْيَوْمِ الَّذِي وَرَدَتْ
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ لَا يُفْطِرُ قَالَ وَمَا رَأَيْتُهُ احْتَجَمَ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ صَائِمٌ قَالَ مَالِكٌ لَا تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ إِلَّا خَشْيَةً مِنْ أَنْ يَضْعُفَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تُكْرَهْ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ سَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَمْ آمُرْهُ بِالْقَضَاءِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي احْتَجَمَ فِيهِ لِأَنَّ الْحِجَامَةَ إِنَّمَا تُكْرَهُ لِلصَّائِمِ لِمَوْضِعِ التَّغْرِيرِ بِالصِّيَامِ فَمَنْ احْتَجَمَ وَسَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ حَتَّى يُمْسِيَ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ
ــ
٦٦٤ - ٦٦٢ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَمَا رَأَيْتُهُ احْتَجَمَ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ صَائِمٌ) لِأَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ الصَّوْمَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ يَحْتَجِمُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَكَى أَكْثَرَ أَفْعَالِهِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ ثَابِتًا سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لَا إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ.
وَالَّذِي (قَالَ مَالِكٌ لَا تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ إِلَّا خَشْيَةً مِنْ أَنْ يَضْعُفَ) فَيَلْجَأَ إِلَى الْفِطْرِ، (وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ) لِأَنَّهَا إِخْرَاجٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَإِخْرَاجُ الْمَنِيِّ فِيهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
(وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ سَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا) لِأَنَّ فَاعِلَ الْمَكْرُوهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، (وَلَمْ آمُرْهُ بِالْقَضَاءِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي احْتَجَمَ فِيهِ لِأَنَّ الْحِجَامَةَ إِنَّمَا تُكْرَهُ لِلصَّائِمِ لِمَوْضِعِ التَّغْرِيرِ) بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءَيْنِ (بِالصِّيَامِ فَمَنِ احْتَجَمَ وَسَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ حَتَّى يُمْسِيَ
فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ) وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ مَهْدِيٍّ: لَا يَجُوزُ فَإِنِ احْتَجَمَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَشَذَّ عَطَاءٌ فَقَالَ: إِنْ تَعَمَّدَ الِاحْتِجَامَ أَوِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَإِنِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ: " «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتِقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» "، وَبِحَدِيثِ: " «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَأَفْطَرَ» "، قِيلَ: هَذِهِ حُجَّةٌ لَنَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ شَيْءٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ نَجَسٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُفْطِرُ، وَأَمَّا الْمُسْتَقِيءُ فَبِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ رُجُوعُ الْقَيْءِ بِتَرَدُّدِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ قَاءَ فَأَفْطَرَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَمَعْنَى قَاءَ اسْتِقَاءَ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْقَيْءُ وَالْحِجَامَةُ وَالِاحْتِلَامُ» "، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُبْلَةِ وَالْحِجَامَةِ» لِلصَّائِمِ انْتَهَى.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «أَرْخَصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْعَزِيمَةِ فَدَلَّ عَلَى نَسْخِ الْفِطْرِ بِالْحِجَامَةِ.
[بَاب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ»
ــ
١١ - بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
بِالْمَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ قَصْرُهُ، وَزَعَمَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنَّهُ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، رَدَّهُ عَلَيْهِ ابْنُ دِحْيَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ وَبِغَيْرِهِ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدِهِمْ أَنَّهُ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَهُوَ مُقْتَضَى الِاشْتِقَاقِ وَالتَّسْمِيَةِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عَاشُورَاءُ مَصْدَرٌ مَعْدُولٌ عَنْ عَاشِرٍ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْظِيمِ، هُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ لِلَيْلَةِ الْعَاشِرِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَشْرِ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْعَقْدِ وَالْيَوْمُ مُضَافٌ إِلَيْهَا، فَإِذَا قِيلَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّهُ قِيلَ يَوْمُ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا عَدَلُوا بِهِ عَنِ الصِّفَةِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ فَاسْتَغْنَوْا عَنِ الْمَوْصُوفِ فَحَذَفُوا اللَّيْلَةَ فَصَارَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَمًا عَلَى الْيَوْمِ الْعَاشِرِ. وَقِيلَ هُوَ تَاسِعُ الْمُحَرَّمِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فَعَلَى الْأَوَّلِ الْيَوْمُ مُضَافٌ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَعَلَى الثَّانِي مُضَافٌ لِلَّيْلَةِ الْآتِيَةِ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ: " «قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا، قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ؟ قَالَ، نَعَمْ» "، وَفِي الْمُصَنَّفِ عَنِ الضَّحَّاكِ: عَاشُورَاءُ يَوْمُ التَّاسِعِ قِيلَ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِشْرِ بِالْكَسْرِ فِي أَوْرَادِ الْإِبِلِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: وَرَدَتِ الْإِبِلُ عِشْرًا إِذَا وَرَدَتِ الْيَوْمَ التَّاسِعِ لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ فِي الْإِظْمَاءِ يَوْمَ الْوُرُودِ، فَإِذَا قَامَتْ فِي الرَّعْيِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ وَرَدَتْ فِي الثَّالِثِ قَالُوا: وَرَدَتْ رِبْعًا، وَإِنْ رَعَتْ ثَلَاثًا وَفِي الرَّابِعِ وَرَدَتْ قَالُوا: وَرَدَتْ خِمْسًا، وَإِنْ بَقِيَتْ فِيهِ ثَمَانِيَةً وَوَرَدَتْ فِي التَّاسِعِ قَالُوا: وَرَدَتْ عِشْرًا، فَيَحْسَبُونَ فِي كُلِّ هَذَا بَقِيَّةَ الْيَوْمِ الَّذِي وَرَدَتْ