الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٨٦١
الحديث رقم ٨٦١ من كتاب «كتاب الصيام» في موطأ مالك، تحت باب: باب قضاء التطوع.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٥٠ - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ. فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ. فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ وَبَدَرَتْنِي بِالْكَلَامِ - وَكَانَتْ بِنْتَ أَبِيهَا - يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِنِّي أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ إِلَيْنَا طَعَامٌ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
📖 هذا الحديث في تفسير سورة البقرة - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.
كان الصحابة رضي الله عنهم في في أول ما افتُرِضَ الصيام إذا نام أحدهم قبل أن يُفطر، لا يأكل في هذه الليلة ولا في اليوم التالي إلى الغروب، وإن قيس بن صِرْمة الأنصاري رضي الله عنه كان صائمًا، فلما جاء وقت الإفطار سأل امرأته إن كان عندهم طعام، فأخبرته أنها لا طعام عندها، وقالت: ولكن أذهب فأحضر طعامًا، وكان يعمل في أرضه يومه كله، فغلبه النعاس فنام، فلما رأته امرأته نائمًا قالت له: خيبةً لك، أي خسرانًا، فأصبح صائمًا، ولما انتصف النهار أغمي عليه، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} أي: أحل لكم الليلة التي تصبحون منها صائمين الرفث وهو الجماع، ولما صار الجماع هنا حلالا بعد أن كان حرامًا كان الأكل والشرب بطريق الأولى، فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرخصة، ونزلت: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} أي كلوا واشربوا جميع الليل حتى يتبين لكم بياض الصبح من سواد الليل، فجاءت الرخصة بالأكل والجماع في ليلة الصيام بعد أن كان محرمًا.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب قَضَاءِ التَّطَوُّعِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَالَتْ حَفْصَةُ وَبَدَرَتْنِي بِالْكَلَامِ وَكَانَتْ بِنْتَ أَبِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ إِلَيْنَا طَعَامٌ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْضِيَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ» قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلْيُتِمَّ يَوْمَهُ الَّذِي أَكَلَ فِيهِ أَوْ شَرِبَ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ وَلَا يُفْطِرْهُ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ يَقْطَعُ صِيَامَهُ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ قَضَاءٌ إِذَا كَانَ إِنَّمَا أَفْطَرَ مِنْ عُذْرٍ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لِلْفِطْرِ وَلَا أَرَى عَلَيْهِ قَضَاءَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ إِذَا هُوَ قَطَعَهَا مِنْ حَدَثٍ لَا يَسْتَطِيعُ حَبْسَهُ مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْوُضُوءِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَتَطَوَّعُ بِهَا النَّاسُ فَيَقْطَعَهُ حَتَّى يُتِمَّهُ عَلَى سُنَّتِهِ إِذَا كَبَّرَ لَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَإِذَا صَامَ لَمْ يُفْطِرْ حَتَّى يُتِمَّ صَوْمَ يَوْمِهِ وَإِذَا أَهَلَّ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ وَإِذَا دَخَلَ فِي الطَّوَافِ لَمْ يَقْطَعْهُ حَتَّى يُتِمَّ سُبُوعَهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ هَذَا إِذَا دَخَلَ فِيهِ حَتَّى يَقْضِيَهُ إِلَّا مِنْ أَمْرٍ يَعْرِضُ لَهُ مِمَّا يَعْرِضُ لِلنَّاسِ مِنْ الْأَسْقَامِ الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا وَالْأُمُورِ الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] فَعَلَيْهِ إِتْمَامُ الصِّيَامِ كَمَا قَالَ اللَّهُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ بِالْحَجِّ تَطَوُّعًا وَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِيهِ وَيَرْجِعَ حَلَالًا مِنْ الطَّرِيقِ وَكُلُّ أَحَدٍ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهَا إِذَا دَخَلَ فِيهَا كَمَا يُتِمُّ الْفَرِيضَةَ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ
ــ
١٨ - قَضَاءُ التَّطَوُّعِ
٦٨٢ - ٦٧٨ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ) مُرْسَلٌ وَصَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا الْمُرْسَلُ.
وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَضَعَّفْنَاهَا كُلَّهَا، وَقَالَ: النَّسَائِيُّ الصَّوَابُ، وَالتِّرْمِذِيُّ الْأَصَحُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ مَعْمَرٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَحَدَّثَكَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنْ سَمِعْتُ مِنْ نَاسٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ سَأَلَ عَائِشَةَ (زَوْجَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ) أَيْ شَاةٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ، (فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَتْ حَفْصَةُ بَدَرَتْنِي) سَبَقَتْنِي (بِالْكَلَامِ وَكَانَتْ بِنْتَ أَبِيهَا) أَيْ فِي الْمُسَارَعَةِ فِي الْخَيْرِ فَهُوَ غَايَةٌ فِي مَدْحِهَا لَهَا، ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأَهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْضِيَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ» ) ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَمَالِكٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُفْطِرَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٧) فَعَمَّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: ٣٠] (سُورَةُ الْحَجِّ: الْآيَةُ ٣٠) وَلَيْسَ مَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ بِمُعَظِّمِ الْحُرْمَةِ لِلصَّوْمِ، وَحَدِيثُ: " «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ» " وَرُوِيَ: " «فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ» "، وَرُوِيَ: " «فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلَا يَأْكُلْ» " فَلَوْ جَازَ الْفِطْرُ فِي التَّطَوُّعِ لَكَانَ أَحْسَنَ فِي إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ.
وَحَدِيثُ: " «لَا تَصُمِ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا بِإِذْنِهِ» " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَطَوِّعَ لَا
يُفْطِرُ وَلَا يُفْطِرُهُ غَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا كَانَ إِذْنُهُ لَا مَعْنَى لَهُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ذَلِكَ الْمُتَلَاعِبُ بِدِينِهِ أَوْ قَالَ بِصَوْمِهِ.
وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ: " «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا صَائِمَةٌ فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ فَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ سُؤْرَكَ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ فَاقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِي وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِي» "، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: " «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: " إِنَّا خَبَّأْنَا لَكَ حَيْسًا، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ» " انْتَهَى.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُمَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهِمَا، وَأَمَّا خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ: " «الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» " فَمَعْنَاهُ مُرِيدُ التَّطَوُّعِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَمِنْهَا: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: ٣٣] (سُورَةُ مُحَمَّدٍ: الْآيَةُ ٣٣) .
(قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلْيُتِمَّ يَوْمَهُ الَّذِي أَكَلَ فِيهِ أَوْ شَرِبَ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ وَلَا يُفْطِرْهُ) حَمْلًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَلَى صَوْمِ التَّطَوُّعِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
(وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ يَقْطَعُ صِيَامَهُ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ قَضَاءٌ إِذَا كَانَ إِنَّمَا أَفْطَرَ مِنْ عُذْرٍ) كَمَرَضٍ وَحَيْضٍ، (غَيْرُ مُتَعَمِّدٍ لِلْفِطْرِ) بِخِلَافِ مُتَعَمِّدِهِ حَرَامًا (وَلَا أَرَى عَلَيْهِ قَضَاءَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ إِذَا هُوَ قَطَعَهَا مِنْ حَدَثٍ لَا يَسْتَطِيعُ حَبْسَهُ) مَنْعَهُ (مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْوُضُوءِ) بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ، (قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي) لَا يَجُوزُ (أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا) وَهُوَ الْعُمْرَةُ وَالطَّوَافُ وَالِائْتِمَامُ وَالِاعْتِكَافُ (مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ) الْمُتَوَقِّفُ أَوَّلُهَا عَلَى تَمَامِهَا (الَّتِي يَتَطَوَّعُ بِهَا النَّاسُ فَيَقْطَعَهُ) بِالنَّصْبِ فِي جَوَابِ النَّهْيِ (حَتَّى يُتِمَّهُ عَلَى سُنَّتِهِ) طَرِيقَتِهِ لِيَأْتِيَ بِأَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ بِعِبَادَةٍ كَامِلَةٍ، (إِذَا كَبَّرَ لَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ) وَذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ عِبَادَةِ الصَّلَاةِ.
(وَإِذَا صَامَ لَمْ يُفْطِرْ حَتَّى
يُتِمَّ صَوْمَ يَوْمِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٧) ، (وَإِذَا أَهَلَّ) بِالْحَجِّ (لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ) وَكَذَا الْعُمْرَةُ وَهَذَانِ بِاتِّفَاقٍ، (وَإِذَا دَخَلَ فِي الطَّوَافِ) بِالتَّكْبِيرِ لَهُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ أَوِ الْمَشْيِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ، (لَمْ يَقْطَعْهُ حَتَّى يُتِمَّ سُبُوعَهُ) مَعَ مَا يَتْبَعُهُ وَهُمَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ وَذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ عِبَادَةِ الطَّوَافِ.
(وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ هَذَا إِذَا دَخَلَ فِيهِ حَتَّى يَقْضِيَهُ) أَيْ يُتِمَّهُ وَيُؤَدِّيَهُ وَالْقَضَاءُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْأَدَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: ١٠] (سُورَةُ الْجُمُعَةِ: الْآيَةُ ١٠) أَيْ أُدِّيَتْ، (إِلَّا مِنْ أَمْرٍ يَعْرِضُ لَهُ مِمَّا يَعْرِضُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، (لِلنَّاسِ مِنَ الْأَسْقَامِ) الْأَمْرَاضِ، (الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا وَالْأُمُورِ الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا) كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ، (وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة: ١٨٧] جَمِيعَ اللَّيْلِ، {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ} [البقرة: ١٨٧] بَيَاضُ النَّهَارِ {مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: ١٨٧] سَوَادُ اللَّيْلِ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: شَبَّهَ أَوَّلَ مَا يَبْدُو (مِنَ الْفَجْرِ) الْمُعْتَرِضِ فِي الْأُفُقِ وَمَا يَمْتَدُّ مَعَهُ مِنْ غَبَشِ اللَّيْلِ بِخَيْطَيْنِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، وَاكْتَفَى بِبَيَانِ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ بِقَوْلِهِ: " مِنَ الْفَجْرِ " عَنْ بَيَانِ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ خَرَجَا عَنِ الِاسْتِعَارَةِ إِلَى التَّمْثِيلِ، وَيَجُوزُ أَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ، فَإِنَّ مَا يَبْدُو بَعْضُ الْفَجْرِ.
{ثُمَّ أَتَمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] فَإِنَّهُ آخِرُ وَقْتِهِ، (فَعَلَيْهِ إِتْمَامُ الصِّيَامِ كَمَا قَالَ اللَّهُ) لِعُمُومِهِ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: " لَمَّا نَزَلَتْ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: ١٨٧] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٧) عَمَدْتُ إِلَى عِقَالَيْنِ أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَتَبَيَّنُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» . وَفِيهِمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «لَمَّا نَزَلَتْ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: ١٨٧] وَلَمْ يَنْزِلْ مِنَ الْفَجْرِ فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهُ {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: ١٨٧] » ، قَالَ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ: حَدِيثُ عَدِيٍّ يَقْتَضِي نُزُولَ " مِنَ الْفَجْرِ " مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ، وَحَدِيثُ سَهْلٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا نَزَلَ
مُنْفَصِلًا، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى وَاقِعَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ فَلَا إِشْكَالَ، وَإِلَّا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ عَدِيٍّ مُتَأَخِّرًا عَنْ حَدِيثِ سَهْلٍ، فَكَأَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَبْلُغْهُ مَا جَرَى فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَإِنَّمَا سَمِعَ الْآيَةَ مُجَرَّدَةً فَحَمَلَهَا عَلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ فَهْمُهُ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ " مِنَ الْفَجْرِ " مُتَعَلِّقًا بِيَتَبَيَّنَ، وَعَلَى مُقْتَضَى حَدِيثِ سَهْلٍ يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ انْتَهَى.
(وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ) أَحْرَمَ (بِالْحَجِّ تَطَوُّعًا وَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، (لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِيهِ وَيَرْجِعَ حَلَالًا مِنَ الطَّرِيقِ) وَكَذَا الْعُمْرَةُ بِاتِّفَاقٍ فِيهِمَا، (وَكُلُّ أَحَدٍ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ) تُقْصَدُ لِنَفْسِهَا وَلَا تَتَبَعَّضُ (فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهَا إِذَا دَخَلَ فِيهَا كَمَا يُتِمُّ الْفَرِيضَةَ) نَصًّا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّوْمِ، وَقِيَاسًا فِي بَاقِي السَّبْعِ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: ٣٣] (سُورَةُ مُحَمَّدٍ: الْآيَةُ ٣٣) (، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ) ، فَأَمَّا الْعِبَادَاتُ الَّتِي تَتَبَعَّضُ كَالْقِرَاءَةِ وَالْوَقْفِ وَالطُّهْرِ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْإِتْمَامِ وَالْقَطْعِ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب قَضَاءِ التَّطَوُّعِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَالَتْ حَفْصَةُ وَبَدَرَتْنِي بِالْكَلَامِ وَكَانَتْ بِنْتَ أَبِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ إِلَيْنَا طَعَامٌ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْضِيَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ» قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلْيُتِمَّ يَوْمَهُ الَّذِي أَكَلَ فِيهِ أَوْ شَرِبَ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ وَلَا يُفْطِرْهُ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ يَقْطَعُ صِيَامَهُ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ قَضَاءٌ إِذَا كَانَ إِنَّمَا أَفْطَرَ مِنْ عُذْرٍ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لِلْفِطْرِ وَلَا أَرَى عَلَيْهِ قَضَاءَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ إِذَا هُوَ قَطَعَهَا مِنْ حَدَثٍ لَا يَسْتَطِيعُ حَبْسَهُ مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْوُضُوءِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَتَطَوَّعُ بِهَا النَّاسُ فَيَقْطَعَهُ حَتَّى يُتِمَّهُ عَلَى سُنَّتِهِ إِذَا كَبَّرَ لَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَإِذَا صَامَ لَمْ يُفْطِرْ حَتَّى يُتِمَّ صَوْمَ يَوْمِهِ وَإِذَا أَهَلَّ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ وَإِذَا دَخَلَ فِي الطَّوَافِ لَمْ يَقْطَعْهُ حَتَّى يُتِمَّ سُبُوعَهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ هَذَا إِذَا دَخَلَ فِيهِ حَتَّى يَقْضِيَهُ إِلَّا مِنْ أَمْرٍ يَعْرِضُ لَهُ مِمَّا يَعْرِضُ لِلنَّاسِ مِنْ الْأَسْقَامِ الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا وَالْأُمُورِ الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] فَعَلَيْهِ إِتْمَامُ الصِّيَامِ كَمَا قَالَ اللَّهُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ بِالْحَجِّ تَطَوُّعًا وَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِيهِ وَيَرْجِعَ حَلَالًا مِنْ الطَّرِيقِ وَكُلُّ أَحَدٍ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهَا إِذَا دَخَلَ فِيهَا كَمَا يُتِمُّ الْفَرِيضَةَ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ
ــ
١٨ - قَضَاءُ التَّطَوُّعِ
٦٨٢ - ٦٧٨ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ) مُرْسَلٌ وَصَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا الْمُرْسَلُ.
وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَضَعَّفْنَاهَا كُلَّهَا، وَقَالَ: النَّسَائِيُّ الصَّوَابُ، وَالتِّرْمِذِيُّ الْأَصَحُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ مَعْمَرٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَحَدَّثَكَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنْ سَمِعْتُ مِنْ نَاسٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ سَأَلَ عَائِشَةَ (زَوْجَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ) أَيْ شَاةٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ، (فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَتْ حَفْصَةُ بَدَرَتْنِي) سَبَقَتْنِي (بِالْكَلَامِ وَكَانَتْ بِنْتَ أَبِيهَا) أَيْ فِي الْمُسَارَعَةِ فِي الْخَيْرِ فَهُوَ غَايَةٌ فِي مَدْحِهَا لَهَا، ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأَهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْضِيَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ» ) ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَمَالِكٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُفْطِرَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٧) فَعَمَّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: ٣٠] (سُورَةُ الْحَجِّ: الْآيَةُ ٣٠) وَلَيْسَ مَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ بِمُعَظِّمِ الْحُرْمَةِ لِلصَّوْمِ، وَحَدِيثُ: " «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ» " وَرُوِيَ: " «فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ» "، وَرُوِيَ: " «فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلَا يَأْكُلْ» " فَلَوْ جَازَ الْفِطْرُ فِي التَّطَوُّعِ لَكَانَ أَحْسَنَ فِي إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ.
وَحَدِيثُ: " «لَا تَصُمِ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا بِإِذْنِهِ» " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَطَوِّعَ لَا
يُفْطِرُ وَلَا يُفْطِرُهُ غَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا كَانَ إِذْنُهُ لَا مَعْنَى لَهُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ذَلِكَ الْمُتَلَاعِبُ بِدِينِهِ أَوْ قَالَ بِصَوْمِهِ.
وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ: " «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا صَائِمَةٌ فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ فَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ سُؤْرَكَ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ فَاقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِي وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِي» "، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: " «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: " إِنَّا خَبَّأْنَا لَكَ حَيْسًا، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ» " انْتَهَى.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُمَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهِمَا، وَأَمَّا خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ: " «الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» " فَمَعْنَاهُ مُرِيدُ التَّطَوُّعِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَمِنْهَا: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: ٣٣] (سُورَةُ مُحَمَّدٍ: الْآيَةُ ٣٣) .
(قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلْيُتِمَّ يَوْمَهُ الَّذِي أَكَلَ فِيهِ أَوْ شَرِبَ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ وَلَا يُفْطِرْهُ) حَمْلًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَلَى صَوْمِ التَّطَوُّعِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
(وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ يَقْطَعُ صِيَامَهُ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ قَضَاءٌ إِذَا كَانَ إِنَّمَا أَفْطَرَ مِنْ عُذْرٍ) كَمَرَضٍ وَحَيْضٍ، (غَيْرُ مُتَعَمِّدٍ لِلْفِطْرِ) بِخِلَافِ مُتَعَمِّدِهِ حَرَامًا (وَلَا أَرَى عَلَيْهِ قَضَاءَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ إِذَا هُوَ قَطَعَهَا مِنْ حَدَثٍ لَا يَسْتَطِيعُ حَبْسَهُ) مَنْعَهُ (مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْوُضُوءِ) بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ، (قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي) لَا يَجُوزُ (أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا) وَهُوَ الْعُمْرَةُ وَالطَّوَافُ وَالِائْتِمَامُ وَالِاعْتِكَافُ (مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ) الْمُتَوَقِّفُ أَوَّلُهَا عَلَى تَمَامِهَا (الَّتِي يَتَطَوَّعُ بِهَا النَّاسُ فَيَقْطَعَهُ) بِالنَّصْبِ فِي جَوَابِ النَّهْيِ (حَتَّى يُتِمَّهُ عَلَى سُنَّتِهِ) طَرِيقَتِهِ لِيَأْتِيَ بِأَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ بِعِبَادَةٍ كَامِلَةٍ، (إِذَا كَبَّرَ لَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ) وَذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ عِبَادَةِ الصَّلَاةِ.
(وَإِذَا صَامَ لَمْ يُفْطِرْ حَتَّى
يُتِمَّ صَوْمَ يَوْمِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٧) ، (وَإِذَا أَهَلَّ) بِالْحَجِّ (لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ) وَكَذَا الْعُمْرَةُ وَهَذَانِ بِاتِّفَاقٍ، (وَإِذَا دَخَلَ فِي الطَّوَافِ) بِالتَّكْبِيرِ لَهُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ أَوِ الْمَشْيِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ، (لَمْ يَقْطَعْهُ حَتَّى يُتِمَّ سُبُوعَهُ) مَعَ مَا يَتْبَعُهُ وَهُمَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ وَذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ عِبَادَةِ الطَّوَافِ.
(وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ هَذَا إِذَا دَخَلَ فِيهِ حَتَّى يَقْضِيَهُ) أَيْ يُتِمَّهُ وَيُؤَدِّيَهُ وَالْقَضَاءُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْأَدَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: ١٠] (سُورَةُ الْجُمُعَةِ: الْآيَةُ ١٠) أَيْ أُدِّيَتْ، (إِلَّا مِنْ أَمْرٍ يَعْرِضُ لَهُ مِمَّا يَعْرِضُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، (لِلنَّاسِ مِنَ الْأَسْقَامِ) الْأَمْرَاضِ، (الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا وَالْأُمُورِ الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا) كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ، (وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة: ١٨٧] جَمِيعَ اللَّيْلِ، {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ} [البقرة: ١٨٧] بَيَاضُ النَّهَارِ {مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: ١٨٧] سَوَادُ اللَّيْلِ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: شَبَّهَ أَوَّلَ مَا يَبْدُو (مِنَ الْفَجْرِ) الْمُعْتَرِضِ فِي الْأُفُقِ وَمَا يَمْتَدُّ مَعَهُ مِنْ غَبَشِ اللَّيْلِ بِخَيْطَيْنِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، وَاكْتَفَى بِبَيَانِ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ بِقَوْلِهِ: " مِنَ الْفَجْرِ " عَنْ بَيَانِ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ خَرَجَا عَنِ الِاسْتِعَارَةِ إِلَى التَّمْثِيلِ، وَيَجُوزُ أَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ، فَإِنَّ مَا يَبْدُو بَعْضُ الْفَجْرِ.
{ثُمَّ أَتَمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] فَإِنَّهُ آخِرُ وَقْتِهِ، (فَعَلَيْهِ إِتْمَامُ الصِّيَامِ كَمَا قَالَ اللَّهُ) لِعُمُومِهِ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: " لَمَّا نَزَلَتْ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: ١٨٧] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٨٧) عَمَدْتُ إِلَى عِقَالَيْنِ أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَتَبَيَّنُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» . وَفِيهِمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «لَمَّا نَزَلَتْ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: ١٨٧] وَلَمْ يَنْزِلْ مِنَ الْفَجْرِ فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهُ {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: ١٨٧] » ، قَالَ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ: حَدِيثُ عَدِيٍّ يَقْتَضِي نُزُولَ " مِنَ الْفَجْرِ " مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ، وَحَدِيثُ سَهْلٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا نَزَلَ
مُنْفَصِلًا، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى وَاقِعَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ فَلَا إِشْكَالَ، وَإِلَّا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ عَدِيٍّ مُتَأَخِّرًا عَنْ حَدِيثِ سَهْلٍ، فَكَأَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَبْلُغْهُ مَا جَرَى فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَإِنَّمَا سَمِعَ الْآيَةَ مُجَرَّدَةً فَحَمَلَهَا عَلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ فَهْمُهُ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ " مِنَ الْفَجْرِ " مُتَعَلِّقًا بِيَتَبَيَّنَ، وَعَلَى مُقْتَضَى حَدِيثِ سَهْلٍ يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ انْتَهَى.
(وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ) أَحْرَمَ (بِالْحَجِّ تَطَوُّعًا وَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، (لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِيهِ وَيَرْجِعَ حَلَالًا مِنَ الطَّرِيقِ) وَكَذَا الْعُمْرَةُ بِاتِّفَاقٍ فِيهِمَا، (وَكُلُّ أَحَدٍ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ) تُقْصَدُ لِنَفْسِهَا وَلَا تَتَبَعَّضُ (فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهَا إِذَا دَخَلَ فِيهَا كَمَا يُتِمُّ الْفَرِيضَةَ) نَصًّا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّوْمِ، وَقِيَاسًا فِي بَاقِي السَّبْعِ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: ٣٣] (سُورَةُ مُحَمَّدٍ: الْآيَةُ ٣٣) (، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ) ، فَأَمَّا الْعِبَادَاتُ الَّتِي تَتَبَعَّضُ كَالْقِرَاءَةِ وَالْوَقْفِ وَالطُّهْرِ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْإِتْمَامِ وَالْقَطْعِ.