سيرة خالد بن عمرو بن عدي
مع عاصمِ بن ثابتِ بنِ أبي الأقلَحِ ومَرثَدِ بن أَبِي مَرثَدٍ الغَنَويِّ، قاتَلُوا هُذيلًا ورَهطًا مِن عَضَلٍ والقارةِ حتَّى قُتِلُوا [ومعَهم أُخِذَ] (١) خُبيبُ بنُ عديٍّ، ثمَّ صُلِبَ (٢)، وله يقولُ حسانُ بن ثابتٍ (٣):
ألَا لَيْتَنِي فِيها شهِدْتُ ابنَ طَارِقٍ … وزَيدًا ومَا تُغنِي الأمانِي ومَرثَدَا فدافَعْتُ عَن حِبِّي خُبَيْبٍ وعاصمٍ … وكانَ شِفاءً لو تدارَكْتُ خالِدًا [٦٠٩] خالدُ بنُ عمرِو بن عديِّ (٤) بنِ نابي (٥) بنِ عمرِو بن سَوادِ بنِ غنمِ بنِ كعبِ بنِ سلِمةَ الأنصاريُّ السَّلَميُّ (٦)، شهِدَ العَقَبةَ الثَّانيةَ (٧).
[٦١٠] خالدُ بنُ الوليدِ بنِ المُغيرَةِ بن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ مَخزومٍ القُرَشيُّ المَخزوميُّ أبو سُليمانَ (٨)، وقيلَ: أبو الوليدِ، أُمُّه لُبابَةُ (١) الصُّغرَى، وقيلَ: بل هي لُبابَةُ الكُبرَى، والأكثَرُ علَى أَنَّ أُمَّه لُبابَةُ الصُّغرى بنتُ الحارثِ بن حزْنٍ الهِلاليَّةُ، أُختُ ميمونةَ زوجِ النَّبيِّ ﷺ، ولُبابَةُ أُمُّه خالةُ بني العبَّاسِ بن عبدِ المطَّلبِ؛ لأنَّ لُبابةَ الكُبرَى زوجُ العبَّاسِ وأمُّ بنِيه، كانَ خالدٌ (٢) أحَدَ أشرافِ قُريشٍ في الجاهليَّةِ، وإليه كانَت القُبَّةُ والأعِنَّةُ في الجاهليَّةِ؛ فأمَّا القُبَّةُ فإنَّهم كانوا يضرِبونها ثمَّ يجمَعُون إليها ما يُجهِّزون به الجيشَ، وأمَّا الأعِنَّةُ فإنَّه كانَ يكونُ علَى خيولِ قُريشٍ في الحُروبِ، ذكَرَ ذلك الزُّبيرُ (٣).
اختُلِفَ في وقتِ إسلامِه وهجرتِه، فقيلَ: هاجَرَ خالدٌ بعدَ الحُديبيَةَ، وقيلَ: بل كانَ إسلامُه بينَ الحُديبيَةَ وخيبرَ، وقيلَ: بل كانَ إسلامُه سنَةَ خمسٍ بعدَ فراغِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن بني قُريظَةَ، وقيلَ: بل كانَ إسلامُه سنَةَ ثمانٍ (٤)، [وقيل: في أولِ سنةِ ثمانٍ] (٥) مع عمرِو بن العاصي وعُثمانَ بن طلحةَ، وقد ذكَرْنا في بابِ أخيه الوليدِ بنِ الوليدِ زيادةً في خبرِ إسلامِ خالدٍ (٦).
وكانَ خالدٌ على خيلِ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ الحُديبيةَ (١)، وكانت الحديبيةُ في ذي القَعدةِ سنةَ سِتٍّ، وخيبرُ بعدَها فِي المُحرَّمِ وصفرٍ سَنَةَ سبعٍ، وكانَت هجرَتُه مع عمرِو بنِ العاصي وعثمانَ بنِ طلحةَ، فلمَّا رآهم رسولُ اللهِ ﷺ قالَ: "رمَتْكم مكَّةُ بأفلاذِ كبِدِها" (٢)، ولم يزَلْ مِن حينَ أسلَمَ يُولِّيه رسولُ اللهِ ﷺ أعِنَّةَ الخيلِ فيكونُ في مُقدِّمَتِها في مُحاربةِ العربِ.
وشهِدَ مع رسولِ اللهِ ﷺ فتْحَ مكَّةَ، فأبلَى فيها، وبعَثَه رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى العُزَّى، وكانَ بيتًا عظيمًا لقريشٍ وكِنانةَ ومُضَرَ بنَخْلةَ (٣) فهدَمَها، وجعَلَ يقولُ (٤):
كُفْرانَكِ [اليَومَ لا] (٥) سُبْحانَكِ إنِّي رأيْتُ اللهَ قَد أَهَانَكِ (٦)
قالَ أبو عمرَ رضي الله عنه: لا يصِحُّ لخالدِ بن الوليدِ مَشهدٌ مع رسولِ اللهِ ﷺ قبلَ الفتحِ.
وبعَثَه رسولُ اللهِ ﷺ أيضًا إلى الغُميصاءِ - ماءٌ مِن مياهِ جَذيمَةَ مِن بني عامرٍ - فقتَلَ منهم ناسًا لم يكُنْ قتلُه لهم صوابًا، فوَدَاهم رسولُ اللهِ ﷺ، وقالَ: "اللَّهمَّ إنِّي أبرَأُ إليك ممَّا صنَعَ (١) خالدٌ" (٢)، وخبرُه بذلك مِن صحيحِ الأثَرِ (٣)، ولهم حديثٌ.
وكانَ علَى مُقدِّمَةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يومَ حُنينٍ [في بنِي سُليمٍ] (٤)،
وجُرِحَ يومَئذٍ، فأتاه رسولُ اللهِ ﷺ في رَحلِه بعدَما هُزِمَت هوازِنُ ليعرِفَ خبَرَه ويعودَه، فنفَثَ في جُرحِه فانطلَقَ (١).
وبعَثَه رسولُ اللهِ ﷺ في سنَةِ تِسعٍ إلى أُكيدِرِ بن عبدِ المَلكِ صاحبِ دُومةِ الجَندلِ، وهو رجلٌ مِن أهلِ اليمَنِ كانَ ملِكًا (٢)، فأخَذَه خالدٌ فقدِمَ به علَى رسولِ اللهِ ﷺ، فحقَنَ دَمَه وأعطاه الجِزيةَ، فردَّه إلى قومِه.
وبعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ خالدَ بنَ الوليدِ أيضًا سنَةَ عشرٍ إلى بلحارثِ بنِ كعبٍ، فقدِمَ معه رجالٌ منهم فأسلَمُوا ورجَعُوا إلى قومِهم بنجرانَ.
وذكَرَ ابنُ أبي شَيبَةَ، عَن وكيعٍ، عَن إسماعيلَ، عَن قَيسٍ، قالَ: سمِعْتُ خالدَ بنَ الوليدِ يقولُ: اندَقَّت في يدي يومَ مُؤتَةَ تِسعةُ (٣) أسيافٍ، فما صبَرَت في يدي إلَّا صفيحَةٌ يمانيَةٌ (٤).
وأمَّرَه أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه على الجيوشِ، ففتَحَ اللهُ عليه اليَمامةَ وغيرَها، وقُتِلَ على يدِه أكثَرُ أهل الرِّدَّةِ، مِنهم مُسيلِمَةُ ومالكُ بن نُويرَةَ، وقد اختُلِفَ في حالِ مالكِ بنِ نويرَةَ،
فقيلَ: إنَّه قتَلَه مُسلمًا لظنٍّ ظنَّه به (١)، وكلامٍ سمِعَه (٢) منه (٣)، وأنكَرَ عليه أبو قتادةَ قتلَه، وخالَفَه في ذلك، وأقسَمَ ألَّا يُقاتِلَ تحتَ رايتِه أبدًا، وقيلَ: بل قتَلَه كافرًا، وخبَرُه في ذلك يطولُ ذِكرُه، وقد ذكَرَه كلُّ مَن ألَّفَ في الرِّدَّةِ (٤).
ثمَّ افتتَحَ دِمشقَ، وكانَ يُقالُ له: سيفُ اللهِ.
حدَّثَنا عبدُ الوارثِ، حدَّثَنا قاسمٌ، حدَّثَنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قالَ: حدَّثَنا إسماعيلُ بن عبدِ اللَّهِ بنِ خالدٍ السَّكُونِيُّ، قالَ: حدَّثَنا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، قالَ: حدَّثَني وحشيُّ بنُ حربِ بنِ وحشيِّ بنِ حربٍ، عَن أبيهِ، عَن جدِّه أنَّه قالَ: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ وذكَرَ خالدَ بنَ الوليدِ، فقالَ: "نِعمَ عبدُ اللهِ وأخُو العَشيرةِ وسيفٌ مِن سُيوفِ اللهِ، سَلَّه اللهُ علَى الكفَّارِ والمُنافقينَ" (٥).
حدَّثَنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالَ: حدَّثَنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال:
حدَّثَنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثَنا الرَّبِيعُ بنُ ثَعلَبٍ (١)، قال: حدَّثَنا أبو إسماعيلَ المُؤدِّبُ (٢)، عَن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عن عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، قالَ: اشتَكَى عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ خالدَ بنَ الوليدِ إلى النبيِّ ﷺ، فقالَ: "يا خالدُ، لِمَ تُؤذِي رجُلًا مِن أهلِ بدرٍ؟ لو أنفقْتَ مثلَ أُحُدٍ ذهَبًا لم تُدرِكْ عمَلَه"، قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّهم يقَعون فيَّ (٣) فأرُدُّ علَيهم، فقالَ: "لا تُؤذُوا خالدًا، فإِنَّه سَيفٌ مِن سيوفِ اللَّهِ، صَبَّه اللهُ علَى الكفَّارِ" (٤).
روَى جعفَرُ بن أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عباسٍ قالَ: وقَعَ بينَ خالدِ بن الوليدِ وعمَّارِ بن ياسرٍ كلامٌ، فقالَ عمَّارٌ: لقَد همَمْتُ أَلَّا أُكلِّمَك أبدًا، فبلَغَ ذلك النَّبيَّ ﷺ، فقالَ: "يا خالدُ، ما لَكَ ولعمَّارٍ، رجُلٌ مِن أهلِ الجنَّةِ، قد شهِدَ بدرًا؟! "، وقالَ لعمَّارٍ: "إِنَّ خالدًا يا عمَّارُ سَيفٌ مِن سُيوفِ اللَّهِ (٥) علَى الكُفَّارِ"، قالَ خالدٌ: فما زِلتُ أُحِبُّ عمَّارًا مِن يومئذٍ (٦).
ولمَّا حضَرَت خالدَ بنَ الوليدِ الوفاةُ، قالَ: لَقَد شَهِدْتُ مائةَ زَحفٍ أو زُهاءَها، وما في جسَدِي مَوضِعُ شِبرٍ إلَّا وفيه ضَربةٌ أو طعنةٌ أو رَميةٌ، ثمَّ ها أنذا أموتُ على فراشِي كما يموتُ العيرُ، فلا نامَت أعيُنُ الجُبناءِ (١).
وتُوفِّيَ خالدُ بن الوليدِ بحِمصَ، وقيلَ: بل تُوفِّيَ بالمدينةِ سنَةَ إحدَى وعشرينَ، [وقيلَ: بل تُوفِّيَ بحِمصَ ودُفِنَ في قريةٍ علَى ميلٍ مِن حِمصَ سنةَ إحدَى وعشرينَ] (٢)، أو اثنتينِ وعشرينَ في خِلافةِ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه، وأوصَى إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه.
وروَى يحيَى بنُ سعيدٍ (٣) القطَّانُ، عَن سُفيانَ، عَن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عَن أبي وائلٍ، قالَ: بلَغَ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه أَنَّ نِسوةً مِن نساءِ بني المُغيرةِ اجتمَعْنَ في دَارٍ يبكينَ علَى خالدِ بنِ الوليدِ، فقالَ عُمرُ: وما علَيهنَّ أن يبكينَ أبا سُليمانَ ما لم يكُنْ نَقعٌ أو لقلقةٌ (٤).