سيرة صهيب الرومي
ابن مالك بن عبد عمرو بن عُقيل بن عامر بن جندلة بن جَذِيمة (٢) بن كعب ابن سعد بن أسلم بن أوس مناة بن النّمِر بن قاسط بن هِنْب بن أفْصى بن دُعْميّ بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وأمّه سلمى بنت قَعيد بن مَهيض بن خُزاعى بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم (١).
وكان أبوه سِنان بن مالك، أو عمّه، عاملًا لكسرى على الأبُلّة، وكانت منازلهم بأرض المَوْصِل، ويقال كانوا في قرية على شطّ الفرات ممّا يلى الجزيرة والموصل فأغارت الروم على تلك النّاحية فسبَتْ صُهيبًا وهو غُلام صغير، فقال عمّه:
أنشد بالله الغلام النمرىْ … دج به الروم وأهلى بالنبىْ (٢)
قال: والنبى اسم القرية التي كان أهله بها، فنشأ صُهيب بالروم فصارَ ألْكَنَ فابتاعته كلب منهم ثمّ قدمت به مكّة فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التّيميّ منهم فأعتقه فأقام معه بمكّة إلى أن هلك عبد الله بن جُدْعان وبُعثَ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لمّا أراد الله به من الكرامة ومَنّ به عليه من الإسلام. وأمّا أهل صُهيب وولده فيقولون بل هَرَبَ من الرّوم حين بلغ وعَقَلَ فقدم مكّة فحالف عبد الله بن جُدْعان وأقام معه إلى أن هلك (٣).
وكان صُهيب رجلًا أحمر شديد الحمرة، ليس بالطويل ولا بالقصير، وهو إلى القصر أقرب، وكان كثير شعر الرأس، وكان يخضب بالحنّاء (٤).
قال: أخبرنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا: أخبرنا حمّاد بن زيد عن معروف بن أبي معروف الجَزَريّ قال: سمعتُ محمّد بن سيرين يقول: صُهيب من العرب من النّمِر بن قاسط.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: صُهيب سابق الروم.
قال: أخبرنا عبد الملك أبو عامر العَقَديّ وأبو حُذيفة موسى بن مسعود قالا: أخبرنا زُهير بن محمّد قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقيّ قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو جميعًا عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل عن حمزة بن صُهيب عن أبيه أنه كان يُكنى أبا يحيَى ويقول إنّه من العرب ويُطْعِمُ الطعامَ الكثيرَ، فقال له عمر بن الخطّاب: يا صُهيب ما لك تُكنى أبا يحيَى وليس لك ولدٌ وتقول إنّك من العرب وأنت رجل من الروم وتُطْعِمُ الطعامَ الكثير وذلك سَرَفٌ في المال؟ فقال صُهيب: إنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كنانى أبا يحيَى، وأمّا قولك في النّسب وادّعائى إلى العرب فإنى رجل من النمر بن قاسط من أهل الموصل ولكن سُبِيتُ، سَبَتْنى الرومُ غلامًا صغيرًا بعد أن عَقَلْتُ أهلى وقومى وعرفتُ نسبى، وأمّا قولك في الطعام وإسرافى فيه فإنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كان يقول إنّ خِيارَكُمْ مَنْ أطْعَمَ الطَّعامَ ورَدّ السلامَ، فذلك الذي يحملنى على أن أطْعِمَ الطّعام (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن أبي عُبيدة عن أبيه قال عمّار بن ياسر: لقيتُ صُهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فيها فقلت: ما تريد؟ فقال لي: ما تريد أنت؟ فقلت: أردتُ أن أدخل على محمّد فأسْمَعَ كلامه، قال: وأنا أريد ذلك. قال فدخلنا عليه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثمّ مكثنا يومنا على ذلك حتى أمسينا، ثمّ خرجنا ونحن مُستخفون، فكان إسلام عَمّار وصُهيب بعد بضعةٍ وثلاثين رجلًا (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا معاوية بن عبد الرّحمن بن أبي مُزَرّد عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزُّبير قال: كان صُهيب بن سنان من المستضعَفين من المؤمنين الذين كانوا يعذَّبون في الله بمكّة (٣).
قال: أخبرنا هَوذة بن خليفة قال: أخبرنا عوف عن أبي عثمان النّهْديّ قال: بلغنى أنّ صُهيبًا حين أراد الهجرة إلى المدينة قال له أهل مكّة: أتَيْتَنا ها هنا صُعْلوكًا حقيرًا فكَثُرَ مالُك عندنا وبلغتَ ما بلغتَ ثمّ تنطلق بنفسك ومالك؟ والله لا يكونُ ذلك. فقال: أرَأيْتُمْ إنْ تركتُ مالى تُخَلّونَ أنتُم سبيلى؟ قالوا: نعم. فجعل لهم ماله أجْمَعَ، فبلغَ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال رَبحَ صُهَيْبٌ، رَبحَ صُهيب (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وسليمان بن حرب وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا حمّاد بن زيد قال: أخبرني عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب قال: أقبل صُهيب مهاجرًا نحو المدينة واتّبعه نفرٌ من قريش فنزل عن راحلته وانْتَثَلَ ما في كِنانته ثمّ قال: يا معشرَ قريش لقد عَلِمْتُم أنى مِنْ أرْماكم رجلًا، وايْمُ الله لا تَصِلون إليّ حتَّى أرْمىَ بكلّ سهم معي في كنانتى ثمّ أضْرِبَكُم بسيفى ما بَقىَ في يدى منه شئٌ، فافعلوا ما شئْتُم، فإنْ شِئتُم دَلَلتُكم على مالى وخلّيتُم سبيلى، قالوا: نعم، ففعل. فلمّا قدم على النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: رَبِحَ البَيْعُ (٢) أبا يحيَى، رَبِحَ البَيْعُ، قال ونزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} (٣) [سورة البقرة: ٢٠٧].
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عاصم بن سُويد من بنى عمرو بن عوف عن محمّد بن عُمارة بن خُزيمة بن ثابت قال: قدِمَ آخرَ النّاس في الهجرة إلى المدينة عليّ وصُهيب بن سِنان، وذلك للنصف من شهر ربيع الأوّل، ورسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بقُباءَ لم يَرِمْ بعد.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر عن عبد الحكيم بن صُهيب عن عمر بن الحكم قال: قدم صُهيبٌ على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو بقباءَ ومعه أبو بكر وعمر وبين أيديهم رُطَبٌ قد جاءَهم به كلثوم بن الهِدْم أمّهاتُ جراذين (٤)، وصُهيب قد رَمِدَ بالطريق وأصابته مَجاعةٌ شديدة، فوقع في الرطب فقال عمر: يا رسول الله ألا ترى إلى صُهيب يأكل الرطب وهو رَمِدٌ؟ فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: تأكُلُ الرّطَبَ وأنْتَ رَمِدٌ؟ فقال صُهيب: وإنّما آكُلُه بشِقّ عَيْنى الصحيحة، فتبسّم رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وجعل صُهيب يقول لأبى بكر: وَعَدْتَنى أن نَصْطَحِبَ (١) فخرَجتَ وتركتَنى، ويقول: وعدتَنى يا رسول الله أن تصاحبنى فانطلقتَ وتركتنى فأخَذَتْنى قريشٌ فحبسونى فاشتريتُ نفسى وأهلى بمالى. فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: رَبحَ البَيْعُ. فأنزلَ الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [سورة البقرة: ٢٠٧]. وقال صُهيب: يا رسول الله ما تزوّدتُ إلّا مُدًّا من دقيق عَجَنْتُه بالأبواء حتَّى قدمتُ عليك (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لمّا هاجر صُهيب من مكّة إلى المدينة نزل على سعد بن خَيْثَمَة، ونزل العُزّابُ من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على سعد بن خَيْثَمَة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ عن أبيه قال: آخى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بين صُهيب بن سِنان والحارث بن الصّمّة.
قال: وشهد صُهيب بدرًا وأُحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (٣).
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا جرير بن حازم عن يَعْلى بن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله قال: كان صُهيب يقول: هَلُمّوا نُحَدّثكم عن مغازينا فأمّا أن أقولَ قال رسول الله فلا (٤).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني فُليح بن سليمان عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير عن أبيه قال: قال عمر لأهل الشّورى فيما يوصيهم به: وَلْيُصَلّ لكم صُهيبٌ (٥).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني طلحة بن محمّد بن سعيد عن أبيه عن سعيد بن المسيّب قال: لمّا تُوفّى عمر نظر المسلمون فإذا صُهيب يُصَلّى بهم المكتوباتِ بأمْرِ عُمَرَ فقدّموا صُهيبًا فصلّى على عُمَرَ (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو حُذيفة رجل من ولد صُهيب عن أبيه عن جدّه قال: توفى صُهيب في شوّال سنة ثمانٍ وثلاثين وهو ابن سبعين سنة بالمدينة، ودفن بالبقيع. قال محمّد بن عمر: وقد روى صُهيب عن عمر رضي الله عنهما.