سيرة عامر بن عبد الله
العَنْبَرىّ، ويكنى أبا عَمْرو، ويقال أبا عبد الله، من بنى تميم روى عن عمر.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدّثنا عُبيد الله بن عمرو عن محمّد بن واسع عن عامر بن عبد قيس أنّه كان يأخذ عطاءه من عمر ألفين فلا يمرّ بسائل إِلَّا أعطاه، ثمّ يأتى أهلَه فيُلقيه إليهم فيعدّونه فيجدونه سواء لم ينقص منه شئ (١).
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدّثنا أبو بكر بن عَيّاش عن هشام بن حسّان قال: أراه ذكَرَه عن ابن سيرين قال: خرج عطاؤه، يعنى عامر ابن عبد قيس، قال: فأمرَ رجلًا فقسمه، قال: فحسب، قال: فزاد، قال: فقال هذا يزيد، أرى الأمير عرف أيّ شيء تصنع فزادك، قال: فألا ظننتَ به من هو أقدر من الأمير؟ أو قال: أحقّ من الأمير. قال: وقيل له فلانة امرأتك فى الجنّة، قال: فذهب فى طلبها، فإذا هى وليدة لأعراب سوء ترعى غنمًا لهم فإذا جاءت سبّوها وأغلظوا لها ورموا إليها برغيفين، قال: فتذهب بأحدهما إلى أهل بيت فتعطيهم إيّاه، قال: وإذا أرادت أن تغدو رموا إليها برغيفين، قال: فتذهب بهما إلى أهل بيت فتدفعهما كليهما إليهم، وإذا هى تصوم فتفطر على رغيف، قال: فاتّبعتُها فانتهت إلى مكان صالح فتركت غنمها فيه وقامت تصلّى، فقال: أخبرينى ألكِ حاجة؟ قالت: لا، فلمّا أكثر عليها قالت: وددتُ أنّ عندى ثوبين أبيضين يكونان كفنى، قال: لِمَ يسبّونكِ؟ قالت: إنى أرجو في هذا الأجر، قال: فرجعَ إليهم فقال: لِمَ تسبّون جاريَتكم هذه؟ قالوا: نخاف أن تفسد علينا، قال: وقد جاءت جارية لهم أُخرى ليس مثلها لم يسبّوها، قال: تبيعونها؟ قالوا: لو أعطيتنا بها كذا وكذا من المال ما بِعْنَاها، قال: فذهب فجاء بثوبين وصادفها (١) حين ماتت فقال: ولَّونيها، قالوا: نعم، فدفنها وصلّى عليها.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا جعفر بن سليمان قال: حدّثنى مالك بن دينار قال: حدّثنى فلان أنّ عامر بن عبد قيس مرّ فى الرحبة فإذا ذمّىّ يُظْلَم، قال: فألقى عامر رداءه ثمّ قال: لا (٢) أرى ذمّة الله تُخْفَر وأنا حَىّ فاستنقذه.
قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله الأنصارىّ قال: حدّثنا ابن عون عن محمّد قال: أوّل ما عرف مَعْقِل بن يَسَار عامرًا ذكر مكانًا عند الرحبة عند المُكاريين (٣)، قال: مرّ على رجل من أهل الذمّة قد أُخذ فكلّمهم فيه فأبوا، فكلّمهم فيه فأبوا، قال: كذبتم والله لا تظلمون ذمّة الله اليوم، أو قال: ذمّة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وأنا شاهد، فنزل فتخلصه (٤) منهم، فقال النّاس: إنّ عامرًا لا يأكل اللّحم ولا السمن ولا يصلّى فى المساجد ولا يتزوّج النساء ولا تمسّ بشرته بشرة أحدٍ ويقول: إنى مثل إبراهيم، فأتيتُه فدخلتُ عليه وعليه برنس فقلت: إنّ النّاس يزعمون أو يقولون إنّك لا تأكل اللّحم، قال: أما إنا إذا اشتهينا أمرنا بالشاة فذُبحت فأكلنا من لحمها أحدث هؤلاء شيئًا لا أدرى ما هو، وأمّا السمن فإنى آكل ما جاء من هاهنا، وضرب ابن عون يده نحو البادية وقال: لا آكل ما جاء من هاهنا، يعنى الجبل، وأمّا قولهم إنى لا أصلّى فى المساجد فإنّى إذا كان يوم الجمعة صليت مع النَّاس، ثمّ أختار الصلاة بعد هاهنا، وأمّا قولهم إنى لا أتزوّج النساء فإنما لى نفس واحدة فقد خشيتُ أن تغلبنى، وأمّا قولهم إنى زعمتُ أنى مثل إبراهيم فليس هكذا قلتُ، إنّما قلتُ: إنّى لأرجو أن يجعلنى الله مع النبيّين والصدّيقين والشّهداء والصّالحين وحَسُنَ أولئك رَفِيقًا.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابىّ قال: حدَّثَنِى جدّى الصبّاح بن أبي عبدة العنبرىّ قال: حدَّثَنِى رجل من الحىّ كان صدوقًا فأُنْسيتُ أنا اسمه قال: صحبتُ عامرًا فى غزاة فنزلنا بحضرة غَيْضَة فجمع متاعه وطوّل لفرسه وطرح له، قال: ثمّ دخل الغيضة فقلت: لأنظرنّ ما يصنع الليلة، قال: فانتهى إلى رابية فجعل يصلّى حتّى إذا كان فى وجه الصبح أقبل فى الدّعاء، فكان فيما يدعو به: اللهمّ سألتك ثلاثًا فأعطيتنى اثنتين ومنعتنى واحدةً، اللّهمّ فَأَعْطِنيها حتّى أعبدك كما أحبّ وكما أريد، وانفجر الصبح، قال: فرآنى فقال: ألا أراك كنت تراعينى منذ الليلة لهممتُ بك، ورفع صوته عليّ، ولهممتُ وفعلتُ، قلتُ: دع هذا عنك والله لتُحدّثنى بهذه الثلاث التى سألتها ربّك أو لأخبرنّ بما تكره ممّا كنتَ فيه الليلة، قال: ويْلك لا تفعل! قال: قلت: هو ما أقول لك، فلمّا رآنى أنى غير مُنتهٍ قال: فلا تحدّث به مادمتُ حيّا، قال: قلت لك الله عليّ بذلك، قال: إنى سألتُ ربي أن يُذهب عنى حبّ النساء، ولم يكن شيء أخْوف عليّ فى دينى منهنّ، فوالله ما أُبالى امرأة رأيت أم جدارًا، وسألتُ ربى أن لا أخاف أحدًا غيره فوالله ما أخاف أحدًا غيره، وسألتُ ربي أن يُذهب عنى النوم حتّى أعبده بالليل والنهار كما أريد فمنعنى.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا همّام عن قتادة قال: سأل عامر بن عبد الله ربّه أن يهوّن عليه الطّهور فى الشتاء فكان يؤتى بالماء له بخار، وسأل ربّه أن ينزع شهوة النساء من قلبه فكان لا يبالى أذَكرًا لقى أم أنثى، وسأل ربّه أن يحول بين الشيطان وبين قلبه وهو فى الصلاة فلم يقدر على ذلك، قال: وكان إذا غزا فيقال: إنّ هذه الأجَمَة نخاف عليك فيها الأسد، قال: إنى لأستحيى من ربى أن أخشى غيره.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا همّام قال: قال قتادة: قال عامر: لَحَرفٌ في كتاب الله أُعطاه أحبّ إليّ من الدنيا جميعًا، فقيل له: وما ذاك يا أبا عمرو؟ قال: أن يجعلنى الله من المتّقين فإنّه قال: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [سورة المائدة: ٢٧].
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقان قال: حدّثنى مُحَدّث عن الحسن أنّ عامر بن عبد قيس قال: والله لئن استطعت لأجعلنّ الهمّ همًّا واحدًا، قال الحسن: ففعل والله.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن محمّد القرشىّ قال: حدّثنا عبد الجبّار بن النَّضر (١) السُّلَمىّ يحدّث عن شيخ له قال: قيل لعامر بن عبد الله: أضررتَ بنفسك، قال: فأخذ بجلدة ذراعه فقال: والله لئن استطعتُ لا تَنال الأرض من زُهْمه إِلَّا اليسيرَ. يعنى من وَدَكه.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن محمّد القرشي قال: حدّثنا عقبة بن فَضالة عن شيخ أحسبه سُكين الهَجَرىّ قال: كان عامر بن عبد الله إذا مرّ بالفاكهة قال: مقطوعة ممنوعة.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وعمرو بن عاصم قالا: قال حمّاد بن سَلَمَة عن ثابت البُنَانىّ قال: قال عامر بن عبد الله قال عفّان لابنى عمّ له قال عمرو لابنى أخٍ له: فَوِّضا أمركما إلى الله تستريحا.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا جعفر بن سليمان قال: حدّثنا مالك ابن دينار قال: حدّثنى من رأى عامر بن عبد قيس دعا بزيت فصبّه فى يده، كذا وصف جعفر، ومسح إحداهما على الأخرى ثمّ قال: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} [سورة المؤمنون: ٢٠]، قال: فدهن رأسه ولحيته.
قال: أخبرنا حَمّاد بن مَسْعَدَة قال: حدّثنا ابن عون عن محمّد قال: كان بين عامر بن عبد الله العنبرىّ وبين رجل محاورةٌ فى شئ، قال: فعيّره عامر بشئ كان فى أمّه، فلمّا كان بعد ذلك قال: قيل له ما كنّا نراك تُحسن هذا! فقال: كم من شئ ترون أنّى لا أحسنه أنا أعلمكم به.
قال: أخبرنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا شُعْبة بن الحجّاج عن حَبيب بن الشّهيد قال: سمعت أبا بِشْر يحدّث عن سَهْم بن شَقيق قال: أتيت عامرَ بن عبد الله، قال شعبة: وبعضهم يكره أن يقول عبد قيس، فقعدت على بابه فخرج وقد اغتسل فقلت: إنّى أرى الغُسْل يُعْجِبُك، قال: ربّما اغتسلتُ، فقال: ما حاجتُك؟ قلت: الحديث، قال: وعهدتنى أحبّ الحديث؟
قال: أخبرنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا أبو هلال قال: حدّثنا محمّد بن سيرين قال: قيل لعامر بن عبد الله ألا تتزوّج؟ قال: ما عندى من نشاط وما عندى من مال فما أغرّ امرأةً مسلمةً.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدّثنا حَمّاد بن زيد عن أيّوب عن أبي قِلابة أنّ رجلًا لقىَ عامر بن عبد قيس فقال له: ما هذا الذى صنعتَ؟ أَلم يقل الله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [سورة الرعد: ٣٨]؟ قال: أفلم يقل الله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات: ٥٦].
قال: أخبرنا كَثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقان قال: حدّثنا مَيْمُون ابن مِهْران أنّ عامر بن عبد قيس بعث إليه أمير البصرة فقال: إنّ أمير المؤمنين أمرنى أن أسألك ما لك لا تزوّج النساء؟ قال: ما تَرَكْتُهُنَّ وإنّى لذائب الخطبة، قال: وما لك لا تأكل الجبن؟ قال: إِنّا بأرضٍ بها مجوس فما شهد شاهدان (١)
من المسلمين أنَّه ليس فيه ميتة أكلتُه، قال: وما يمنعك أن تأتى الأمراء؟ قال: لدى أبوابكم طلّاب الحاجات فادعوهم فاقضوا حوائجهم ودَعُوا من لا حاجة له إليكم.
قال: أخبرنا عتّاب بن زياد قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر قال: حدّثنى بلال بن سعد أنّ عامر بن عبد قيس وشى به إلى زياد، وقال غيره: إلى ابن عامر، فقال له: إنّ هاهنا رجلًا يقال له ما إبراهيم خير منك فيسكت وقد ترك النساء، فكتب فيه إلى عثمان فكتب أن انفه إلى الشأم على قَتبٍ، فلمّا جاءه الكتاب أرسل إلى عامر فقال: أنت الّذى قيل لك ما إبراهيم خير منك؟ فسكت، قال: أما والله ما سكوتى إِلَّا تعجّبًا لوددت أنى كنت غُبارًا على قدميه يدخل بي الجنّة (١)، قال: ولِمَ تركتَ النساء؟ قال: أما والله ما تركتُهنّ إِلَّا أنّي قد علمت أنّه متى ما تكن لى امرأة فعسى أن يكون ولد ومتى يكن ولد تشعبت الدنيا قلبى فأحببت التخلّى من ذلك، فأجلاه على قتب إلى الشأم (٢).
فلمّا قدم أنزله معاوية معه الخضراء وبعث إليه بجارية فأمرها أن تُعْلِمَهُ ما حاله فكان يخرج من السّحَر فلا تراه إلى بعد العَتَمَة (٣) ويبعث إليه معاوية بطعامه فلا يعرض لشئ منه ويجئ معه بِكِسَر فيجعلها فى ماء ثمّ يأكل منها ويشرب من ذلك الماء ثمّ يقوم، فلا يزال ذلك مقامه حتّى يسمع النّداء ثمّ يخرج فلا تراه إلى مثلها، فكتب معاوية إلى عثمان يذكر له حاله، فكتب إليه أن اجعله أوّل داخلٍ وآخر خارج ومُرْ له بعشرة من الرقيق وعشرة من الظَّهْر، فلمّا أتى معاوية الكتاب أرسل إليه فقال: إنّ أمير المؤمنين كتب إلى أن آمر لك بعشرة من الرقيق، فقال: إنّ عليّ شيطانًا فقد غَلَبَنِى فكيف أجمع عليّ عشرة! قال: وآمر لك بعشرة من الظَّهر، فقال: إنّ لى لبغلةً واحدةً وإنّى لمُشْفِقٌ أن يسألنى الله عن فضل ظهرها يوم القيامة، قال: وأمرنى أن أجعلك أوّل داخلٍ وآخر خارج، قال: لا إرْبَ لى فى ذلك (١).
قال: فحدّثنا بلال بن سعد عمّن رآه بأرض الروم على بغلته تلك يركبها عقبةً ويحمل المجاهدين عقبةً، قال: وحدّثنا بلال أنّه كمان إذا فصل غازيًا وقف يتوسّم الرّفاق فإذا رأى رفقةً تُوَافقه قال: يا هؤلاء إنّى أريد أن أصحبكم على أن تُعطونى من أنفسكم ثلاث خِلال، فيقولون: ما هنّ؟ قال: أكون لكم خادمًا لا ينازعنى أحد منكم الخدمة، وأكون مؤذّنًا لا ينازعنى أحد منكم الأذان، وأنفق عليكم بقدر طاقتى، فإذا قالوا نعم انضمّ إليهم، فإن نازعه أحد منهم شيئًا من ذلك رَحَل عنهم إلى غيرهم (٢).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا جعفر بن سليمان قال: حدّثنا سعيد الجُرَيرى قال: لمّا سُيّر عامر بن عبد الله تبعه إخوانه، فلمّا كان بظهر المِربَد (٣) قال: إنّى داع فأَمِّنوا، فقالوا: هات فقد كنّا نَستَبطِئُ هذا منك، قال: اللهمّ من وشى بى وكذب عليّ وأخرجنى من مصرى وفرق بينى وبين إخوانى اللهمّ أكْثِر ماله وولده وأَصِحَّ جسمه وأطِلْ عمره (٤).
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكِلابىّ قال: حدّثنا عبد الملك بن مَعْن النّهْشَلىّ قال: حدّثنا نصْر بن حسّان العنبرىّ جدّ مُعاذ بن مُعاذ العنبرىّ القاضى عن حصين بن أبي الحرّ العنبرىّ جدّ عُبيد الله بن الحسن القاضى قال: قدمت الشأم فسألت عن عامر بن عبد قيس قال: فقيل إنّه يأوى إلى عجوز هاهنا، قال: فأتيتُها فسألتُها فقالت: هو فى سفح ذلك الجبل يصلّى فيه اللّيل والنّهار، فإن أردته فَتَحَيّنْه فى وقت فطوره، تعنى إفطاره، قال: فأتيته فسلّمت عليه فَسَاءَلَنِى مُسَاءَلة رجلٍ (٥) عهده بي بالأمس ولم يسألنى عن قومه من مات منهم ومَن بقى،
ولم يسمِّنى العشاء، قال: فقلت لعامر: لقد رأيت منك عجبًا، قال: وما هو؟ قال: غبتَ عنّا منذ كذا وكذا فَسَاءَلْتَنى مُسَاءَلَة رجلٍ عهده بى بالأمس، قال: قد رأيتك صالحًا فعن أىّ شأنك أسألك؟ قال: ولم تسألنى عن قومك من مات منهم ومن بقى وقد علمت مكانى منهم، قال: ما أسألك عن قوم من مات منهم فقد مات ومن لم يمت فسيموت، قال: ولم تسمّنى العشاء، قال: قد علمتُ أنّك كنتَ تأكل طعام الأمراء وفى طعامى هذا خشونة أو جشوبة، قال: فدخلتُ بعد ذلك المسجد فإذا هو جالس إلى كعب وبينهما سِفْرٌ من أسفار التوراة وكعب يقرأ فإذا مرّ على الشئ يعجبه فَسَّرَه له فأتى على شئ كهيئة الراء أو الزاى، قال فقال: يا أبا عبد الله أتدرى ما هذا؟ قال: لا، قال: هذه الرشوة أجدها فى كتاب الله تطمس البصر وتطبع على القلب.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: لمّا رأى كعب عامرًا بالشأم قال: مَن هذا؟ قالوا: عامر بن عبد قيس العنبرىّ البصرىّ، قال: فقال كعب: هذا راهب هذه الأمّة.
قال: أخبرنا إِسحاق بن أبي إسرائيل قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا سليمان بن المُغيرة قال: حدّثنا أيّوب السّخْتيانى قال: لمّا سُيّر أولئك الرهط إلى الشأم كان فيهم مَذْعور وعامر بن عبد قيس وصعصعة بن صُوحان، فلمّا عرفوا براءتهم أُمروا بالانصراف فانصرف بعضهم وبقى بعضهم فكان فيمن أقام مَذْعور وعامر وكان فيمن انحاز صعصعة بن صُوحان.
قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدىّ قال: حدّثنا أبو الوليد الشّيْبانىّ. قال: حدّثنا مخلد قال: سمعتُ أنّ واصلًا ذكر أنّ عامرًا غزا مع النَّاس فنزل المسلمون منزلًا وانطلق عامر فنزل فى كنيسة وقال لرجل خُذْ لِى (١) بباب الكنيسة: فلا يدخلنّ علىّ أحد، قال: فجاء الرجل فقال: إنّ الأمير يستأذن، فقال: فَأْذَنْ له، فدخل، فلمّا دخل وكان قريبًا قال له عامر: أنشدك الله أذكرك الله أن ترغبنى فى دنيا أو تزهدنى فى آخرة.
قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدىّ قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن أسماء ابن عُبيد قال: كان عامر العنبرىّ فى جيش فأصابوا جاريةً مِنْ عظماء العدوّ، قال: فوُصفَتْ لعامر فقال لأصحابه: هبوها لى فإنى رجل من الرجال، ففعلوا وفرحوا بذلك فجاءوا بها فقال: اذهبى فأنت حُرّة لوجه الله، قالوا: يا عامر والله لو شئت أن تَعْتِقَ بها كذا وكذا لأعتقت، قال: أنا أحاسب ربى.
قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدىّ قال: حدّثنا أسود بن سالم قال: حدّثنا حمّاد بن زيد عن سعيد الجُريرىّ أنّ رجلًا رأى النّبىّ، - صلى الله عليه وسلم -، فى المنام فقال: استغفر لى، فقال: يستغفر لك عامر، قال: فأتيتُ عامرًا فحدّثته، قال: فبكى حتّى سمعتُ نَشيجه.
قال: أخبرنا أحمد بن إبرإهيم العبدىّ عن عُبيد الله بن ثور قال: حدَّثَنِى سعيد بن زيد عن سعيد الجُريرى عن مُضارب بن حَزْن التميمىّ قال: قلنا لمعاوية: كيف وجدتم من أوفدنا إليكم من قرّائنا؟ قال: يُثنون ويَتَفَقَّعُون، يدخلون بالكذب ويخرجون بالغشّ، غير رجل واحد فإنّه رجل نفسه، قلنا: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: عامر بن عبد قيس.
قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال: حدّثنا سَهْل بن محمود قال: حدّثنا سفيان عن أبي موسى قال: لمّا أراد عامر الخروج أتى مُطَرّفًا ليسلّم عليه فدقّ الباب، فقال مطرّف للخادم: انظرى من هذا! فقالت: عامر، فخرج إليه فسلّم عليه ثمّ انصرف، فلمّا مضى من اللّيل ما مضى رجع فدقّ الباب، فقال مطرّف لخادمه: انظرى من هذا! قالت: عامر، فخرج إليه فقال: ما ردّك بأبي أنت وأمّى! قال: والله ما ردّنى إِلَّا حبّك، فسلّم عليه وودّعه ثمّ ذهب، فلمّا مضى من اللّيل ما مضى رجع فدقّ الباب، فقال مطرّف لخادمه: انظرى من هذا! قالت: من هذا؟ قال: عامر، فخرج إليه مطرّف فقال له مثل قوله، حتّى فعل ذلك ثلاث مِرَار.
قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال: حدّثنا بشير بن عمر الزّهْرانىّ قال: حدّثنا همّام عن قتادة أنّ عامر بن عبد الله لمّا حُضِر (١) جعل يبكى فقيل له:
ما يُبْكيك؟ فقال: ما أبكى جَزَعًا من الموت ولا حِرْصًا على الدنيا، ولكن أبكى على ظَمَإ الهواجر وعلى قيام ليل الشتاء.
قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال: حدّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث قال: حدّثنا أبو هلال قال: حدّثنا حُمَيد بن هلال قال: قال عامر: الدنيا أربع خصال: النوم والمال والنساء والطعام، فأما اثنتان فقد عَزَفَتْ نفسى عنهما، أمّا المال فلا حاجة لى فيه، وأمّا النساء فوالله ما أُبالى امرأةً رأيتُ أو جدارًا، ولا أجد بدًّا من هذا الطعام والنوم أن أصيب منهما، والله لأضرنّ (١) بهما جهدى! قال: وكان إذا كان اللّيل جعله نهارًا قام وإذا كان النّهار جعله ليلًا صام ونام.