عمار بن ياسر

آخر تحديث 11 أبريل 2026 - 01:05

📖 36 دقيقة قراءة

سيرة عمار بن ياسر

ابن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحُصين بن الوَذِيم (١) بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عَنْس، وهو زَيد بن مالك بن أُدَد بن زَيد بن يَشْجب بن عَريب بن زَيد بن كَهْلان بن سبإ بن يَشجب بن يعرب بن قَحطان. وبنو مالك بن أُدَد من مَذْحِج. كان قدم ياسرُ بن عامر وأخواه الحارث ومالك من اليمن إلى مكّة يطلبون أخًا لهم فرجع الحارث ومالك إلى اليمن وأقام ياسر بمكّة وحالَف أبا حُذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وزَوّجَه أبو حُذيفة أمَةً له يقال لها سُمَيّةُ بنت خُبَّاط (١)، فولدت له عمّارًا فأعتقه أبو حُذيفة. ولم يزل ياسر وعمّار مع أبى حُذيفة إلى أن مات وجاء الله بالإسلام فأسلم ياسر وسميّة وعمّار وأخوه عبد الله بن ياسر، وكان لياسر ابنٌ آخر أكبر من عمّار وعبد الله يقال له حُريث، قتلته بنو الدّيل في الجاهليّة (٢).

وخَلَفَ على سميّة بعد ياسر الأزرق، وكان روميًّا غلامًا للحارث بن كَلَدَة الثقفي، وهو ممّن خرج يوم الطائف إلى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مع عُبيد أهل الطائف وفيهم أبو بَكْرَة فأعْتَقَهم رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فولدت سميّة للأزرق سَلَمَةَ بن الأزرق فهو أخو عمّار لأمّه، ثمّ ادّعى ولدُ سلمة وعمر وعقبة بنى الأزرق أنّ الأزرق بن عمرو بن الحارث بن أبي شَمِر من غسّان، وأنّه حليف لبنى أميّة، وشَرُفوا بمكّة، وتزوّج الأزرق وولده في بنى أميّة، وكان لهم منهم أولاد، وكان عمّار يكنى أبا اليقظان.

وكان بنو الأزرق في أوّل أمرهم يدّعون أنّهم من بنى تغلب، ثمّ من بنى عِكَبٍّ، وتصحيح هذا أنّ جُبير بن مُطعم تزوّج إليهم امرأةً وهي بنت الأزرق فولدت له بُنَيّةً تزوّجها سعيد بن العاص فولدت له عبد الله بن سعيد، فمدح الأخطل عبد الله بن سعيد بكلمة له طويلة فقال فيها:

وَيَجْمَعُ نَوْفَلًا وَبنى عِكَبٍّ … كلا الحَيّينِ أفْلَحَ مَن أصابا ثمّ أفْسَدَتْهم خزاعةُ ودعوهم إلى اليمن وزيّنوا لهم ذلك وقالوا: أنْتُم لا يُغْسَلُ عنكم ذكرُ الروم إلّا أن تدّعوا أنّكم من غسّان. فانتموا إلى غسّان بعدُ (١).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر عن أبيه قال: قال عمّار بن ياسر: لقيتُ صُهيب بن سِنان على باب دار الأرقم ورسولُ الله فيها، فقلتُ له: ما تريد؟ قال لي: ما تريد أنت؟ فقلت: أردتُ أن أدخل على محمّد فأسمعَ كلامه، قال: وأنا أريد ذلك. فدخلنا عليه فعَرَضَ علينا الإسلام فأسلمنا، ثمّ مكثنا يومنا على ذلك حتَّى أمسينا، ثمّ خرجنا ونحن مستخفون. فكان إسلام عمّار وصُهيب بعد بضعة وثلاثين رجلًا (٢).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا معاوية بن عبد الرّحمن بن أبي مزرّد عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزُّبير قال: كان عمّار بن ياسر من المستضعفين الذين يعذَّبون بمكّة ليرجع عن دينه. قال محمّد بن عمر: والمستضعفون قوم لا عشائر لهم بمكّة وليست لهم منعة ولا قوّة، فكانت قريش تعذبهم في الرَّمْضَاءِ بأنْصاف النّهار ليرجعوا عن دينهم.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عثمان بن محمّد عن عبد الحكيم بن صُهيب عن عمر بن الحكم قال: كان عمّار بن ياسر يعذَّب حتَّى لا يدرى ما يقول، وكان صُهيب يعذَّب حتَّى لا يدرى ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذَّب حتَّى لا يدرى ما يقول، وبلال وعامر بن فُهيرة وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} (٣) [سورة النحل: ٤١].

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عثمان بن محمّد عن الحارث بن الفضل عن محمّد بن كعب القُرَظيّ قال: أخبرني من رأى عمّار بن ياسر متجرّدًا في سراويل قال: فنظرتُ إلى ظهره فيه حَبَطٌ كثير، فقلت: ما هذا؟ قال: هذا ممّا كانت تعذّبنى به قريش في رمضاء مكّة (١).

قال: أخبرنا يحيَى بن حمّاد قال: أخبرنا أبو عَوَانَة عن أبي بَلْج عن عمرو بن ميمون قال: أحرق المشركون عمّار بن ياسر بالنّار قال: فكان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَمُرّ به ويُمِرّ يده على رأسه فيقول: {يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا} [سورة الأنبياء: ٦٩] على عمّار كما كنت على إبراهيم، تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغيَة (٢).

قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم وعمرو بن الهيثم أبو قطن قالا: أخبرنا القاسم بن الفضل قال: أخبرنا عمرو بن مرّة الجَمَلى عن سالم بن أبي الجعد عن عثمان بن عفّان قال: أقبلتُ أنا ورسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، آخذٌ بيدى نَتَماشى في البطحاء حتَّى أتينا على أبى عمّار وعمّار وأمّه وهم يُعَذَّبون، فقال ياسر: الدّهْرُ هَكَذا، فقال له النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اصْبِرْ، اللهمّ اغْفِرْ لآلِ ياسر وقد فَعَلْتَ (٣).

قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا هشام الدّسْتُوائيّ قال: أخبرنا أبو الزّبير أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مَرّ بآل عمّار وهم يُعذَّبون فقال لهم: أبْشِروا آلَ عمّار فإنّ مَوْعِدَكم الجنّة.

قال: أخبرنا الفضل بن عَنْبَسَة قال: أخبرنا شعبة عن أبي بشر عن يوسف المكيّ أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مرّ بعمّار وأبى عمّار وأمّه وهم يُعَذَّبون في البطحاء فقال: أبْشِروا يا آل عمّار فإنّ موعدكم الجَنّة.

قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن عون عن محمّد أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لقى عمّارًا وهو يبكى فجعل يمسح عن عينيه وهو يقول: أخَذَكَ الكُفّارُ فَغَطّوك (٤) في الماء فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذاك لهم.

قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّى قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمّار بن ياسر فلم يتركوه حتَّى نال من رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وذَكَرَ آلهتهم بخير، فلمّا أتَى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: ما وَراءَكَ؟ قال: شَرّ يا رسول الله، والله ما تُركْتُ حتَّى نلْتُ منك وذكرتُ آلهتَهم بخير، قال: فكيف تجِدُ قلبَك؟ قال: مُطْمَئِنّ بالإيمان، قال: فإنْ عادوا فعُدْ (١).

قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّى قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر في قوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [سورة النحل: ١٠٦]، قال: ذلك عمّار بن ياسر.

وفى قوله: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [سورة النحل: ١٠٦]، قال: ذلك عبدُ الله بن أبي سَرْح.

قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن إسرائيل عن جابر عن الحكم {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [سورة النحل: ١٠٦]، نزلت في عمّار بن ياسر.

قال: أخبرنا حجّاج بن محمّد قال: قال ابن جُريج سمعتُ عبد الله بن عُبيد بن عُمير يقول: نزل في عمّار بن ياسر إذ كان يعذَّب في الله قولُه: {وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [سورة العنكبوت: ٢].

قال: أخبرنا محمّد بن كُناسة عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس في قوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ} [سورة الزمر: ٩]، قال: نزلت في عمّار بن ياسر.

قال: أخبرنا محمّد بن عُبيد الطنافسيّ والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا المسعوديّ عن القاسم بن عبد الرّحمن قال: أوّلُ من بنى مسجدًا يُصَلَّى فيه عمّار بن ياسر.

قال: أخبرنا قَبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن أبيه قال: أوّلُ من اتّخذ في بيته مسجدًا يُصَلّى فيه عمّار.

قالوا: هاجر عمّار بن ياسر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عمر بن عثمان عن أبيه قال: لمّا هاجر عمّار بن ياسر من مكّة إلى المدينة نزل على مُبَشّر بن عبد المنذر.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن عبد الله بن جعفر قال: آخى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بين عمّار بن ياسر وحُذيفة بن اليَمان. قال عبد الله بن جعفر: إنْ لم يَكُنْ حُذيفة شَهِدَ بدرًا فإنّ إسلامه كان قديمًا.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: أقْطَعَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عمّار بن ياسر موضع داره.

قالوا: وشهد عمّار بن ياسر بدرًا وأُحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

قال: أخبرنا وهب بن جرير بن حازم وموسى بن إسماعيل قالا: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعتُ الحسن قال: قال عمّار بن ياسر: قد قاتلتُ مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الإنسَ والجِنّ، فقيل له: هذا قاتلتَ الإنسَ فكيف قاتلتَ الجنّ؟ قال: نزلنا مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، منزلًا فأخذتُ قِرْبتى ودَلْوى لأستَقى فقال لي رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أما إنّه سيَأتيك آتٍ يَمْنَعُك من الماء. فلمّا كنتُ على رأس البئر إذا رجلٌ أسود كأنّه مَرِسٌ (١) فقال: لا والله لا تَستَقى اليومَ منها ذَنوبًا واحدًا. فأخذته وأخذنى فصَرَعْتُه، ثمّ أخذتُ حجرًا فكسرتُ به أنفه ووجهه، ثمّ مَلأتُ قِرْبَتى فأتَيْتُ بها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: هل أتاك على الماء من أحد؟ فقلت: عَبدٌ أسود، فقال: ما صنعتَ به؟ فأخبرتُه، قال: أتدرى مَن هو؟ قلتُ: لا، قال: ذاك الشّيطان، جاءَ يمنعك من الماءِ (٢).

قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن الأجلح عن عبد الله بن أبي الهُذيل قال: لمّا بنى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مسجده جَعَلَ القومُ يحملون وجعل النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يحمل هو وعمّار، فجعل عمّار يرتجز ويقول:

نَحْنُ المسلمونَ نَبْتَنى المَساجِدا وجعل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول: المساجدا. وقد كان عمّار اشتكى قبل ذلك فقال بعضُ القوم: لَيَموتَنّ عَمّارٌ اليومَ، فسمعهم رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فنفضَ لَبِنَتَه وقال: وَيْحَكَ، ولم يَقُلْ وَيْلَكَ، يابنَ سُمَيّة تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغية.

قال: أخبرنا إسحاق بن الأزرق قال: أخبرنا عوف الأعرابى عن الحسن عن أمّه عن أمّ سلمى قالت: سمعتُ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول: تَقْتُلُ عمّارًا الفِئَةُ الباغية. قال عوف: ولا أحْسَبُهُ إلّا قال: وقاتِلُهُ في النّار.

قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: أخبرنا ابن عون عن الحسن عن أمّه عن أمّ سلمة قالت: إنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَيُعاطيهم يومَ الخندق حتَّى اغْبَرّ صَدْرُه وهو يقول:

اللّهمّ إنّ العَيشَ عيشُ الآخِرَهْ … فَاغْفِرْ لِلأنْصَارِ وَالمُهاجِرَهْ وجاءَ عمّار، فقال: ويْحك يابن سُميّة تقتلك الفئة الباغية.

قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسيّ قال: أخبرنا شُعبة قال: أخبرني أيّوب وخالد الحَذّاءُ عن الحسن عن أمّه عن أمّ سلمة أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال لعمّار: تقتلك الفئة الباغية.

قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسيّ قال: أخبرنا شُعبة قال: أخبرني عمرو بن دينار قال: سمعتُ أبا هشامٍ يحدّث عن أبي سعيد الخُدْرى أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال في عمّار: تقتلك الفئة الباغية.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا وُهيب قال: أخبرنا داود عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد الخُدْرى قال: لمّا أخَذَ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في بناءِ المسجد جَعَلْنا نحمل لَبِنَة لبنة وجعل عمّار يحمل لبنتَيْن لبنتين، فجئتُ فحدّثنى أصحابى أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، جعل ينفُضُ الترابَ عن رأسه ويقول: ويحك ابن سُميّة تقتلك الفئة الباغية.

قال: أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال: أخبرنا النّضْر بن شُميل قال:

أخبرنا شعبة عن أبي مسلمة عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: حدّثني من هو خيرٌ منّى أبو قتادة قال: قال النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لعَمّار وهو يَمْسَحُ الترابَ عن رأسه: بُؤسًا لكَ ابنَ سُميّة، تقتلك فِئةٌ باغية.

قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير عن الأعمش عن عبد الرّحمن بن زياد عن عبد الله بن الحارث قال: إنّنى لأسيرُ مع معاوية في مُنْصَرَفه عن صِفّين بينه وبين عمرو بن العاص قال: فقال عبد الله بن عمرو: يا أبَت سمعتَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول لعَمّار ويحك يابن سميّة تقتلك الفئة الباغية؟ قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تَسْمَعُ ما يقول هذا؟ قال فقال معاوية: ما تَزالُ تأتينا بهَنَةٍ تَدْحَضُ بها في بَوْلِك، أنَحْنُ قتلناه؟ إنّما قتله الذين جاءوا به.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون عن العوّام بن حَوْشَب قال: حدّثني أسود بن مسعود عن حَنْظلة بن خُويلد العَنَزيّ قال: بينا نحن عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمّار، يقول كلّ واحد منهما أنا قتلتُه، فقال عبد الله بن عمرو: ليَطبْ به أحدُكما نفسًا لصاحبه، فإنّى سمعت رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول: تقتله الفئة الباغية. قال فقال معاوية: ألا تُغْنى عنّا مَجْنُونَك يا عَمرو فما بالك مَعَنا؟ قال: إنّ أبى شكانى إلى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: أطعْ أباكَ حَيًّا ولا تعصه، فأنا معكم ولستُ أقاتلُ.

قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَدٍ قال: حدّثني سليمان بن بلال قال: حدّثني جعفر بن محمّد قال: سمعتُ رجلًا من الأنصار يحدّث أبى عن هُنيّ مولى عمر بن الخطّاب، قال: كنتُ أول شئٍ مع معاوية على عليّ فكان أصحاب معاوية يقولون: لا والله لا نقتل عمّارًا أبدًا، إنْ قتلناه فنحن كما يقولون. فلمّا كان يوم صفّين ذهبتُ أنْظُرُ في القتلى فإذا عمّار بن ياسر مقتول فقال هُنيّ فجئتُ إلى عمرو بن العاص وهو على سريره فقلت: أبا عبد الله، قال: ما تشاء؟ قلتُ: انْظُرْ أكلّمْكَ، فقامَ إليّ فقلت: عمّار بن ياسر ما سمعتَ فيه؟ فقال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، تقتله الفئة الباغية فقلت: هو ذا والله مقتولٌ، فقال: هذا باطل، فقلت: بَصُرَ به عينى مقتولٌ، قال: فانْطَلِقْ فَأرِنِيه. فذهبتُ به فأوقفته عليه فساعةَ رآه انتُقع لونه، ثمّ أعرض في شقّ وقال: إنّما قَتَلَه الذي خَرَجَ به.

قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح ومحمّد بن عبد الله الأسديّ عن سفيان عن أبي قيس الأوْديّ عن هُزَيْل (١) قال: أتى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقيل له إنّ عمّارًا وقع عليه حائطٌ فمات، قال: ما مات عمّارٌ.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: رأيتُ عمّار بن ياسر يوم اليَمامة على صَخْرة وقد أشرف يَصيح: يا معشرَ المسلمين، أمِنَ الجنّة تَفِرّونَ؟ أنا عمّار بن ياسر، هلُمّوا إليّ! وأنا أنْظُرُ إلى أُذنِه قد قُطعَتْ، فهى تَذَبْذَبُ (٢) وهو يقاتل أشدّ القتال.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قال رجل من بنى تميم لعمّار: أيّها الأجدع. فقال عمّار: خيرَ أُذنيّ سببتَ. قال شُعبة: إنها أُصيبت مع رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسيّ ويحيَى بن عبّاد قالا: أخبرنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: غزا أهل البصرة ماه، وعليهم رجل من عُطارد التميمى فأمَدّه أهل الكوفة وعليهم عمّار بن ياسر فقال الذي من آل عُطارد لعمّار بن ياسر: يا أجْدَعُ أتريد أن تشاركنا في غنائمنا؟ فقال عمّار: خيرَ أُذنيّ سببتَ. قال شعبة: يعني أنّها أصيبت مع النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قال فكُتب في ذلك إلى عمر فكتب عمر: إنّما الغنيمة لِمنْ شهِدَ الوقعة (٣).

قال ابن سعد: قال شعبة: لم ندْرِ أنّها أُصيبت باليمامة.

قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرّب قال: قُرِئَ علينا كتاب عمر بن الخطّاب: أمّا بعد فإنى بعثتُ إليكم عمّار بن ياسر أميرًا وابن مسعود معلّمًا ووزيرًا، وقد جعلتُ ابن مسعود على بيت مالكم، وإنّهما لمن النّجباء من أصحاب محمّد من أهل بَدْرٍ، فاسمعوا لهما وأطيعوا واقْتدوا بهما، وقد آثرتُكم بابن أمّ عبدٍ على نفسى وبعثْتُ عُثمان بن حُنيف على السواد ورزقتهم كلّ يوم شاةً فأجعَلُ شطرَها وبطنَها لعمّار والشطر الباقى بين هؤلاء الثلاثة (١).

قال: أخبرنا قَبيصة بن عُقبة قال: أخبرنا سفيان عن أبي سنان عن عبد الله بن أبى الهُذيل أنّ عمر رَزَقَ عمّارًا وابن مسعود وعثمان بن حنيف شاةً، لعمّار شطرُها وبطنها ولعبد الله ربعها ولعثمان ربعها كلّ يومٍ.

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: أخبرنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أنّ عمّارًا كان يَقْرَأ كلّ يوم جمعة على المنبر بياسين (٢).

قال: أخبرنا قَبيصة بن عُقبة قال: أخبرنا سفيان عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهُذيل قال: وأخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا سفيان عن الأجلح عن ابن أبي الهُذيل قال: رأيت عمّار بن ياسر اشترى قتًّا بدرهم فاسْتَزَاد حَبْلًا فأبَى فجابذه حتَّى قاسمه نصفين وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة (٣).

قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا غسّان بن مضر قال: أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن مُطَرّف قال: دخلتُ على رجلٍ بالكوفة وإذا رَجلٌ قاعد إلى جنبه وخيّاطٌ يخيط إمّا قطيفة سَمّور أو ثعالب، قال قلت: ألَم تَرَ ما صَنَعَ عليّ؟ صَنَعَ كذا وصنع كذا، قال فقال: يا فاسق، ألا أراك تذكر أمير المؤمنين! قال فقال صاحبى: مَهْلًا يا أبا اليَقْظان فإنّه ضيفى. قال: فعرفتُ أنّه عمّار.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا جرير بن حازم عن سعيد بن أبي مسلمة عن أبي نصرة عن مطرّف قال: رأيتُ عمّار بن ياسر يقطع على لحاف ثعالب ثوبًا.

قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا وُهيب عن داود عن عامر قال: سئل عمّار عن مسألة فقال: هَلْ كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا، قال: فدَعونا حتَّى يكون فإذا كان تجشّمناها لكم (٤).

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيميّ عن الحارث بن سُويد قال: وشى رجلٌ بعمّار إلى عمر فبلغ ذلك عمّارًا فرفع يديه فقال: اللّهُمّ إنْ كان كَذَبَ عليّ فابْسُطْ له في الدّنْيا واجْعَلْهُ مُوَطّأ العَقبِ (١).

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا خالد بن عبد الله قال: أخبرنا داود عن عامر قال: قال عمر لعمّار: أساءَك عَزْلُنا إيّاك؟ قال: لَئِنْ قلتَ ذاك لقد ساءَنى حين استعملتنى وساءنى حين عَزَلتنى.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ومسلم بن إبراهيم قالا: أخبرنا الأسود بن شيبان قال: أخبرنا أبو نوفل بن أبي عقرب قال: كان عمّار بن ياسر من أطول النّاس سكوتًا وأقلّه كلامًا، وكان يقول: عائذٌ بالله من فِتْنَةٍ، عائذ بالله من فتنة، قال: ثمّ عرضت له بعدُ فِتْنَةٌ عظيمة (٢).

قال: أخبرنا أبو داود الطيالسيّ قال: أخبرنا شُعبة قال: أنبأنا عمرو بن مُرّة قال: سمعتُ عبد الله بن سلمة يقول: رأيتُ عمّار بن ياسر يوم صفّين شيخًا آدم في يده الحَرْبَةُ، وإنّها لَتَرْعَدُ، فنظر إلى عمرو بن العاص ومعه الرّاية فقال: إنّ هذه راية قد قاتلتُ بها مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثلاثَ مَرّاتٍ وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتَّى يُبَلّغونا سَعَفَاتِ هَجَرَ لَعَرَفْتُ أنّ مَصْلَحَتَنَا على الحقِّ وأنّهم على الضّلالة.

قال: أخبرنا يحيَى بن عبّاد قال: أخبرنا شعبة قال: حدّثني عمرو بن مُرّة قال: سمعتُ عبد الله بن سلمة قال: رأيتُ عمّار بن ياسر يوم صفّين شيخًا آدم طُوالًا والحربة بيده، وإنّ يده لَتَرْعَشُ وهو يقول: والذى نفسى بيده لو ضربونا حتَّى يُبلّغونا سَعَفَاتِ هجر لعرفتُ أنّ مصلحتنا على الحقّ وأنّهم على الباطل. قال، وبيده الرّاية، فقال: إنّ هذه الرّاية قد قاتلتُ بها بين يدى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مرّتين وإنّ هذه لَلثَّالِثَة.

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا موسى بن قيس الحضرمى عن سلمة بن كُهَيل قال: قال عمّار بن ياسر يومَ صفّين: الجنَّة تحتَ البارقة، الظّمْآنُ قد يَرِدُ الماءَ الماءُ مَوْرُودٌ، اليومَ ألْقَى الأحِبّةَ (١) محمّدًا وحِزْبه، والله لو ضربونا حتَّى يُبلّغونا سعفات هَجَرَ لعلمتُ أنّا على حقّ وأنّهم على باطل، والله لقد قاتلتُ بهذه الرّاية ثلاث مرّات مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وما هذه المرّة بأبَرّهنّ ولا أتْقَاهُنّ (٢).

قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح قال: أخبرنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبى البَخْترى قال: قال عمّار يومَ صفّين: ائتُونى بشرْبة لَبَنٍ فإنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال لي إنّ آخرَ شَرْبَة تَشْرَبها من الدنيا شربةُ لَبَنٍ. فأُتىَ بلبن فشربه ثمّ تقدّم فقُتل (٣).

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين أخبرنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البَخْتريّ قال: أُتى عمّار يومئذ بلَبَنٍ فضحك وقال: قال لي رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إنّ آخِرَ شَرابٍ تشربُه لَبَنٌ حتَّى تموت.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني يعقوب بن عبد الله القُمّيّ عن جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن عبد الرّحمن بن أبْزى عن أبيه عن عمّار بن ياسر أنّه قال وهو يسير إلى صفّين على شطّ الفرات: اللهمّ إنّهُ لَوْ أعْلَمُ أنّه أرضى لك عنى أنْ أرمى بنفسى من هذا الجبل فأتَرَدّى فأسْقُطَ فعلتُ، ولو أعلمُ أنّه أرضى لك عنى أنْ أوقد نارًا عظيمة فأقعَ فيها فعلتُ، اللهُمّ لو أعلم أنّه أرضى لك عنّى أنْ ألقىَ نفسى في الماء فأُغْرِقَ نفسى فعلتُ، فإنى لا أُقاتل إلّا أريد وَجهك، وأنا أرجو أنْ لا تُخَيّبَنى، وأنا أريدُ وَجْهَكَ.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني من سمع سلمة بن كُهيل يُخبرُ عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد قال: سمعتُ عمّار بن ياسر وهو بصفّين يقول: الجنّةُ تحت البارقة، والظّمْآنُ يَرِدُ الماءَ، والماءُ مورود، اليوم ألْقَى الأحِبّةَ محمّدًا وحِزْبَه، لقد قاتلتُ صاحبَ هذه الراية ثلاثًا برسول الله وهذه الرابعة كإحداهنّ.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني هاشم بن عاصم عن المنذر بن جَهْم قال: حدّثني أبو مروان الأسلميّ قال: شهدتُ صفّين مع النّاس، فبينا نحن وقوف إذ خرج عمّار بن ياسر وقد كادت الشمس أن تغرب وهو يقول: من رائحٌ إلى الله، الظّمآنُ يرِدُ الماءَ، الجَنّةُ تحت أطراف العوالى، اليوم ألْقى الأحِبّة: اليومَ ألْقى محمّدًا وحزْبَه.

قالَ: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الله بن أبي عُبيدة عن أبيه عن لؤلؤة مولاة أمّ الحَكَم بنت عمّار بن ياسر قالت: لمّا كان اليوم الذي قُتل فيه عمّار، والرّاية يَحْملها هاشم بن عُتبة، وقد قُتل (١) أصحابُ عليّ ذلك اليوم حتَّى كانت العصر، ثمّ تَقَرّبَ عَمّارٌ من وراء هاشم يُقدّمه وقد جَنَحَت الشمس للغروب، ومع عَمّار ضَيْحٌ (٢) من لَبَنٍ، فكان وجوبُ الشمس أن يُفْطِرَ، فقال حين وَجَبَت الشمس وشَرِبَ الضّيْحَ: سمعتُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول: آخر زادك من الدّنيا ضَيْحٌ من لَبَنٍ، قال: ثمّ اقتربَ فقاتل حتَّى قُتل، وهو يومئذٍ ابن أربع وتسعين سنة (٣).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الله بن (٤) الحارث بن الفُضيل عن أبيه عن عُمارة بن خُزيمة بن ثابت قال: شهِدَ خُزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسُلّ سيفًا، وشَهِدَ صفّين وقال: أنا لا أصلُ أبدًا حتَّى يُقتَل عمّارٌ فأنْظُرَ مَن يَقْتلُه، فإنّى سمعتُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول تقتُلُهُ الفئَةُ الباغية. قال فلمّا قُتل عمّار بن ياسر قال خُزيمة: قد بانت لي الضّلالة. واقترب فقاتل حتَّى قُتل. وكان الّذى قتل عمّار بن ياسر أبو غادية المُزَنى، طعنه برمح فسقط وكان يومئذ يقاتل في محَفَّة، فقُتل يومئذٍ وهو ابن أربع وتسعين سنة (١).

فلمّا وقع أكبّ عليه رجلٌ آخر فاحتزّ رأسه، فأقبلا يختصمان فيه، كلاهما يقول أنا قتلتُه. فقال عمرو بن العاص: والله إنْ يختصمان إلّا في النّار. فسمعها منه معاوية، فلمّا انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو بن العاص: ما رأيتُ مثلَ ما صنعتَ، قومٌ بَذَلوا أنْفُسَهم دونَنَا تَقولُ لهما إنّكما تختصمان في النّار، فقال عمرو: هو والله ذاك، والله إنّك لَتَعْلَمُه وَلَوَدِدْتُ أنّى مِتّ قبل هذه بعشرين سنة.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون (٢) قال: قُتل عمارٌ، رحمه الله، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكان أقدَمَ في الميلاد من رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكان أقْبَلَ إليه ثلاثَةُ نفر: عُقبة بن عامر الجُهَنيّ وعمر بن الحارث الخولانيّ وشَريك بن سَلَمَة المراديّ، فانْتَهَوْا إليه جميعًا وهو يقول: والله لو ضربتمونا حتَّى تَبْلُغوا بنا سَعَفَاتِ هَجَرَ لعلمتُ أنّا على حَقّ وأنْتُم على باطل. فحَمَلوا عليه جميعًا فقتلوه (٣).

وزعم بعض النّاس أنّ عقبة بن عامر هو الذي قتل عمّارًا، وهو الّذى كان ضَرَبه حين أمَرَه عثمان بن عفّان. ويقال بل الّذى قتله عمر بن الحارث الخولانيّ.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ومسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا ربيعة بن كلثوم بن جَبْر قال: حدّثني أبى قال: كنْتُ بواسِطِ القَصَبِ عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فقلتُ: الإذْنَ، هذا أبو غادية الجُهنى. فقال عبد الأعلى: أدْخِلوه، فَدَخَلَ عليه مُقَطّعاتٌ لَهُ فإذا رجلٌ طُوال ضَرْبٌ من الرجال كأَنّه ليس من هذه الأمّة، فلمّا أن قعد قال: بايعتُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قلتُ: بيَمينك؟ قال: نعم، وخَطَبَنا رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يوم العَقَبَة فقال: يا أيها النّاس ألا إنّ دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم إلى أن تَلْقَوْا ربّكم كحُرْمَةِ يَوْمكم هذا في شهركم هذا في بَلَدِكم هذا، ألا هَلْ بَلّغْتُ؟ فقلنا: نعم، فقال: اللهُمّ اشْهَدْ، ثمّ قال: ألا لا تَرْجعوا بعدى كُفّارًا يَضْرِبُ بعضكم رِقابَ بعض، قال ثمّ أتْبَعَ ذا فقال: إنّا كُنّا نَعُدّ عمّار بن ياسر فينا حَنانًا، فبينا أنا في مسجد قُباءَ إذ هو يقول: ألا إنّ نَعْثَلًا هذا لعثمان، فألْتَفِتُ فلو أجِدُ عليه أعْوانًا لَوَطِئْتُه حتَّى أقْتُله، قال قلت اللهُمّ إنّك إنْ تَشأُ تُمَكّنّى من عمّار، فلمّا كان يوم صفّين أقبل يستنّ أوّلَ الكتيبة رجلًا حتَّى إذا كان بين الصفّين فأبْصَرَ رجلٌ عَوْرَةً فطعنه في ركبته بالرمح فعثر فانكشف المِغْفَرُ عنْه، فضربتُه فإذا رأس عمّار. قال: فلم أرَ رجلًا أبْيَنَ ضَلالَةً عندي منه، إنّه سمع من النّبيّ، عليه السلام، ما سمع ثمّ قَتَلَ عَمّارًا (١).

قال واستسقى أبو غادية فأُتى بماء في زُجاجٍ فأبَى أن يشرب فيها، فأُتىَ بماءٍ في قَدَحٍ فَشَرب، فقال رجلٌ على رأس الأمير قائمٌ بالنّبطيّة: أوى يد كفتا يَتَوَرّعُ عن الشراب في زجاج ولم يتورّع عن قتل عمّار.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا أبو حفص وكلثوم بن جَبْر عن أبي غادية قال: سمعتُ عمّار بن ياسر يقع في عثمان يَشْتِمُه بالمدينة قال: فتوعّدتُه بالقتل قلت: لئنْ أمكننى الله منك لأفْعَلَنّ. فلمّا كان يومُ صفّين جَعَلَ عمّار يحمل على النّاس، فقيل هذا عمّارٌ، فرأيتُ فُرْجة بين الرّئَتَين وبين الساقين، قال فحملتُ عليه فطعنتُه في ركبته، قال: فوقع فقتلتُه. فقيل قتلت عمّار بن ياسر. وأُخبر عمرو بن العاص فقال: سمعتُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول إنّ قاتله وسالبه في النّار، فقيل لعمرو بن العاص: هو ذا أنت تُقاتله، فقال: إنّما قال قاتله وسالبه (٢).

قال: أخبرنا محمّد بن عمر وغيره قالوا: لمّا استلحم القتالُ بصفّين وكادوا يتفانَوْنَ قال معاوية: هذا يومٌ تفانى فيه العرب إلا أنْ تُدركهم فيه خِفّةُ العَبْدِ، يعني عمّار بن ياسر، قال وكان القتال الشديد ثلاثةَ أيّام ولياليَهنّ، آخرُهن ليلةُ الهَرير، فلمّا كان اليومُ الثالث قال عمّار لهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص ومعه اللّواءُ يومئذٍ: احْمِلْ فِدَاكَ أبى وأمّى! فقال هاشم: يا عمّار رحمك الله إنّك رجلٌ تَسْتَخِفّكَ الحَرْبُ وإنى إنّما أزحفُ باللّواء زَحفًا رَجاءَ أن أبلغَ بذلك ما أريد، وإنى إن خَفَفْتُ لم آمَنِ الهَلَكَةَ. فَلَمْ يَزَلْ به حتَّى حَمَلَ فَنَهَضَ عمّار في كتيبته فنهض إليه ذو الكلاع في كتيبته فاقتتلوا فقُتلا جميعًا واستُؤصِلت الكتيبتان، وَحَمَلَ على عمّار حُوَيّ السّكسَكِيّ وأبو الغادية المُزَنيّ وقَتَلاه، فقيل لأبى الغادية: كيْفَ قَتَلْتَه؟ قال: لمّا دَلَفَ إلينا في كتيبته ودلفنا إليه، نادى هل من مُبارزٍ، فَبَرَزَ إليه رجلٌ من السكاسك فاضطربا بسيفيهما فقَتَلَ عمّارٌ السّكسكيَّ، ثمّ نادى مَنْ يُبارِز، فَبَرَزَ إليه رجُل من حِمْيَرَ فاضطربا بسيفيهما فقتل عمّار الحميريَّ وأثْخَنَه الحميريّ، ونادى مَنْ يُبارِزُ، فبرزتُ إليه فاختلفنا ضَرْبَتَيْن، وقد كانت يده ضَعُفَتْ فأنْتَحى عليه بضربة أُخرى فسقط فضربتُه بسيفى حتَّى بَرَدَ. قال ونادى النّاسُ: قتلتَ أبا اليَقْظان قَتَلَك الله! فقلت اذْهَبْ إليكَ فوالله ما أُبالى من كنتَ، وبالله ما أعرفُه يومئذٍ. فقال له محمّد بن المنْتَشِر: يا أبا الغادية خَصْمُك يوم القيامة مازُنْدَرُ، يعني ضخمًا، قال فضحك، وكان أبو الغادية شيخًا كبيرًا جسيمًا أدْلَمَ، قال: وقال عليّ حين قُتل عمّار: إنّ امْرأ من المسلمين لم يَعْظُمْ عليه قَتْلُ ابن ياسر وتَدْخُل به عليه المصيبةُ الموجعةُ لَغيرُ رَشيدٍ، رَحِمَ الله عمّارًا يومَ أسْلَمَ، ورحم الله عمّارًا يومَ قُتِلَ، ورحم الله عمّارًا يومَ يُبْعَثُ حيًّا، لقد رأيتُ عمّارًا وما يُذْكَرُ من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أربعةٌ إلّا كان رابعًا ولا خمسةٌ إلّا كان خامسًا، وما كان أحدٌ من قدماء أصحاب رسول الله يشكّ أنّ عمّارًا قد وَجَبَتْ له الجنّة في غير موطن ولا اثنين، فهَنيئًا لعمّار بالجنّة، ولقد قيل إنّ عمّارًا مع الحقّ والحقّ معه، يَدورُ عمّار مع الحقّ أينما دار، وقاتلُ عمّار في النّار.

قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن إسماعيل بن أبي خالد عن يحيَى بن عابس قال: قال عمّار ادْفنونى في ثيابى فإنى مخاصم.

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا شريك عن أبي إسحاق الشيبانيّ عن مُثْنيّ العَبْديّ عن أشياخٍ لهم شهدوا عمّارًا قال: لا تَغْسِلوا عنى دمًا ولا تَحْثوا علىّ تُرابًا فإنى مخاصم.

قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن أشعث بن سَوّار عن أبي إسحاق أنّ عليًّا صلّى على عمّار بن ياسر وهاشم بن عتبة، رضي الله عنهما، فجعل عمّار ممّا يليه وهاشمًا أمام ذلك، وكبّر عليهما تكبيرًا واحدًا خمسًا أو ستًّا أو سبعًا، والشكّ في ذلك من أشعث.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا الحسن بن عُمارة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضَمْرَة أنّ عليًّا صلّى على عمّار ولم يَغْسِلْه.

قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا عبد العزيز بن سِياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: قُتل عمّار يومَ قتل وهو مُجْتَمعُ العَقْلِ.

قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا سعيد بن أوس العبسيّ عن بلال بن يحيَى العبسيّ قال: لمّا حضر حُذيفَةَ الموت، وإنّما عاش بعد قتل عثمان أربعين ليلة، فقيل له يا أبا عبد الله إنّ هذا الرجل قد قُتل، يعني عثمان، فما ترى؟ قال: أمّا إذْ أبَيْتُم فأجْلسونى، فأسْنَدوه إلى صدر رَجُلٍ ثمّ قال: سمعتُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول: أبو اليَقْظان على الفِطْرة، أبو اليقظان على الفطرة لن يَدَعَها حتَّى يموتَ أو يُنْسِيَه الهَرَمُ.

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا عبد الجبّار بن عبّاس عن أبي إسحاق قال: لمّا قُتل عمّار دخل خُزيمة بن ثابت فسطاطه وطرح عليه سلاحه وشَنّ عليه من الماء فاغتسل ثمّ قاتل حتَّى قُتل، رحمه الله.

قال: أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ قال: أخبرنا ابن عون عن الحسن قال: قال عمرو بن العاص: إنى لأرجو ألا يكونَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ماتَ يومَ ماتَ وهو يُحِبّ رجلًا فيُدْخلَه الله النّارَ، قال: فقالوا قد كنّا نَراهُ يُحِبّك وكان يستعملك، قال فقال الله أعلمُ أحَبّنى أم تألّفَنى، ولكنّا كنّا نراه يحبّ رجلًا، قالوا: فمن ذلك الرجلُ؟ قال: عمّار بن ياسر، قالوا: فذاك قتيلُكم يومَ صفّين، قال: قد والله قتلناه (١).

قال: أخبرنا يزيد بن هارون وموسى بن إسماعيل قالا: أخبرنا جرير بن حازم قال: أخبرنا الحسن قال: قيل لعمرو بن العاص قد كان رسول الله يُحِبّك ويستعملك، قال: قد كان والله يفعل فلا أدرى أحُبّ أم تَألّفٌ يتألّفنى ولكنّى أشْهَدُ على رجلين توفى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو يُحبّهما: عبد الله بن مسعود وعمّار بن ياسر. قالوا: فذاك والله قتيلُكم يومَ صفّين، قال: صَدَقْتُمْ والله لقد قتلناه.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوّام بن حَوْشَب عن عمرو بن مُرّة عن أبى وائل قال: رأى عمرو بن شُرَحْبيل أبو مَيْسَرَة، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله، في المنام قال: رأيتُ كأنّى أُدْخِلتُ الجنّة فإذا قِبابٌ مضروبة، فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لذى الكَلاع وحوشَب، وكانا ممّن قُتل مع معاوية، قال قلت: فأين عمّار وأصحابه؟ قالوا: أمامك، قال قلت: وقد قَتَلَ بعضهم بعضًا، قيل إنّهم لَقوا الله فوجدوه واسع المَغْفِرَة، قلت: فما فعلَ أهلُ النّهر؟ قيل: لَقُوا برْحا.

قال: أخبرنا قبيصة بن عُقبة قال: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي الضّحى قال: رأى أبو ميسرة في المنام روضة خضراء فيها قِبابٌ مضروبة فيها عمّار وقباب مضروبة فيها ذو الكلاع، قال قلتُ: كيف هذا وقد اقتتلوا؟ قال: فقيل لي وجدوا ربًّا واسع المغفرة.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار عن أبيه عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمّار أنّها وصفت لهم عمّارًا فقالت: كان رجُلًا آدَمَ طُوالًا، مضطربًا، أشْهَلَ العينين، بعيدَ ما بين المنكبين، وكان لا يُغيّرُ شيبه (١).

قال محمّد بن عمر: والذى أُجْمِعَ عليه في قتل عمّار أنّه قُتل، رحمه الله، مع عليّ بن أبي طالب بصفّين في صفر سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، ودُفن هناك بصفّين، رحمه الله ورضى عنه (٢).

١٨٢٦ الإصابة ترجمة (٤٩٥٥)، وغاية النهاية (١/ ٤٥٨)، والبدء والتاريخ (٥/ ٩٧)، وصفة الصفوة (١/ ١٥٤)، وحلية الأولياء (١/ ١٢٤)، وتاريخ الخميس (٢/ ٢٥٧)، والبيان والتبيين (٢/ ٥٦)، والمحبر (١٦١)، والأعلام (٤/ ١٣٧).
١٨٢٧ الإصابة ترجمة (٥٧٠٦)، والمحبر (٢٨٩)، (٢٩٦)، وتاريخ الطبري (١٦/ ٢١)، وحلية الأولياء (١/ ١٣٩)، وذيل المذيل (١١)، وصفة الصفوة (١/ ١٧٥)، وخلاصة تذهيب الكمال (١٣٧)، والأعلام (٥/ ٣٦).
١٨٢٨ الإصابة (١/ ٤١٦)، وحلية الأولياء (١/ ١٤٣)، والجمع بين رجال الصحيحين (١٢٤)، وصفة الصفوة (١/ ١٦٨)، والأعلام (٢/ ٣٠٢).
١٨٢٩ الإصابة ترجمة (٣٥٢٠)، وذيل المذيل (١٤)، والمحبر (٧١)، (٢٩٠)، والأعلام (٣/ ١٤٢).

عمار بن ياسر حسب الإصابة في تمييز الصحابة

٥٧٢٠- عمّار بن ياسر:

بن عامر «٢» بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف [بن حارثة بن عامر بن بأمّ بن عنس، بنون ساكنة، ابن مالك العنسيّ، أبو اليقظان، حليف بني مخزوم] «٣» ، وأمّه سمية مولاة لهم.

كان من السابقين الأولين، هو وأبوه، وكانوا ممن يعذّب في اللَّه،

فكان النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم يمرّ عليهم، فيقول: «صبرا آل ياسر موعدكم الجنّة» .

واختلف في هجرته إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، ثم شهد اليمامة فقطعت أذنه بها، ثم استعمله عمر على الكوفة، وكتب إليهم: أنه من النّجباء من أصحاب محمد.

قال عاصم، عن زرّ، عن عبد اللَّه: إن أول من أظهر إسلامه سبعة، فذكر منهم عمارا.

أخرجه ابن ماجة.

وعن وبرة، عن همّام، عن عمّار، قال: رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر. أخرجه البخاري.

وعن علي قال: استأذن عمّار على النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم فقال: ائذنوا له، مرحبا بالطّيّب المطيّب» . وفي رواية: إن عليا قال ذلك، وقال: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يقول: «إنّ عمّارا مليء إيمانا إلى مشاشه» «٤» .


(١) أسد الغابة ت (٣٨٠٣) ، الاستيعاب ت (١٨٨٢) ، الإكمال ٧/ ٣٥٦، أسد الغابة ت ٤/ ١٢٩، تجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٩٤، الثقات ٣/ ٣٠٢، الجرح والتعديل ٦/ ٣٨٩، الطبقات ٨١، المحن ١٧٢.
(٢) أسد الغابة ت (٣٨٠٤) ، الاستيعاب ت (١٨٨٣) ، الثقات ٣/ ٣٠٢، الرياض المستطابة ٢١١، المصباح المضيء ١/ ٧٥، التحفة اللطيفة ٣/ ٢٨٦، تقريب التهذيب ٢/ ٤٨، تهذيب التهذيب ٧/ ٤٠٨، تجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٩٤، أصحاب بدر ١١١، الكاشف ٢/ ٣٠١، التاريخ الصغير ١/ ٧٩، ٨٣، ٨٤، خلاصة تذهيب ٢/ ٢٦١، العبر ٢٥، ٣٨، ٤٠، الجرح والتعديل ٦/ ٣٨٩، التاريخ الكبير ٧/ ٢٥، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٤٦، صفة الصفوة ١/ ٤٤٢، تلقيح فهوم أهل الأثر ١٢٩، تهذيب الكمال ٢/ ٩٩٨، الطبقات الكبرى ٩/ ١٣٨، أزمنة التاريخ الإسلامي ١/ ٧٩٤، بقي بن مخلد ٥٤، البداية والنهاية ٧/ ٣١٢، الطبقات ٢١، ٧٥، الزهد لوكيع ١٤١، الفوائد العوالي ٢٨، علل الحديث للمديني ٥١، ٥٩، ٧١، تنقيح المقال ٨٥٩٨، التبصرة والتذكرة ١/ ١٦٩، تفسير الطبري ١١/ ٢٦٤، ١٣، ٩/ ٩٦٧٠، الصمت وآداب اللسان ٢٧٦، مشتبه النسبة ٥٤، سير أعلام النبلاء ١/ ٤٠٦.
(٣) سقط من أ.
(٤) المشاش: رءوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين. قال الجوهري: هي رءوس العظام اللينة التي يمكن مضغها. النهاية ٤/ ٣٣٣.

أخرجه التّرمذيّ، وابن ماجة، وسنده حسن، عن خالد بن الوليد، قال: كان بيني وبين عمّار كلام، فأغلظت له، فشكاني إلى النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، فجاء خالد فرفع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم رأسه. فقال: «من عادى عمّارا عاداه اللَّه، ومن أبغض عمّارا أبغضه اللَّه» .

وفي التّرمذيّ عن عائشة- مرفوعا: «ما خيّر عمّار بين أمرين إلا اختار أيسرهما» .

وعن حذيفة- رفعه: «اقتدوا باللّذين من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار» .

وأخرجه التّرمذيّ وابن ماجة، وقال التّرمذيّ: حسن.

وتواترت الأحاديث عن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم أنّ عمارا تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنه قتل مع علي بصفّين سنة سبع وثمانين في ربيع وله ثلاث وتسعون سنة، واتفقوا على أنه نزل فيه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل/ ١٠٦] .

وروى عن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم عدة أحاديث. وروى عنه من الصحابة أبو موسى، وابن عباس، وعبد اللَّه بن جعفر، وأبو لاس الخزاعي، وأبو الطفيل، وجماعة من التابعين.

عمار بن ياسر حسب معرفة الصحابة لأبي نعيم

عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، وَقِيلَ: هُوَ مَوْلَاهُمْ، وَهُوَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُصَيْنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ آدَدٍ، وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: هُوَ مِنْ عَبْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَذْحِجٍ، لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا ابْنُ مُؤْمِنَيْنِ غَيْرُ عَمَّارٍ، مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَالْمُعَذَّبِينَ فِي اللهِ، ذُو الْهِجْرَتَيْنِ، مُخْتَلَفٌ فِي هِجْرَتِهِ إِلَى الْحَبَشَةِ، بَدْرِيٌّ، ابْنُ مُؤْمِنَيْنِ، أَسْلَمَ أَبُوهُ يَاسِرٌ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَكَانَتْ أَوَّلَ شَهِيدَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، اسْمُ أُمِّهِ سُمَيَّةُ بِنْتُ سُلَيْمِ بْنِ لَخْمٍ، يُكَنَّى أَبَا الْيَقْظَانِ، كَانَ آدَمَ طُوَالًا أَصْلَعَ، فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ شَعَرَاتٌ، وَفِي قَفَاهُ شَعَرَاتٌ، مُجَدَّعُ الْأَنْفِ، قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ، بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ أَمِيرًا، سَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطِّيِّبُ الْمُطَيَّبُ، وَرَحَّبَ بِهِ، وَقَالَ: «مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ» ، وَضَرَبَ خَاصِرَتَهُ، وَقَالَ: «هَذِهِ خَاصِرَةٌ مُؤْمِنَةٌ» ، وَقَالَ: «مَنْ حَقِرَ عَمَّارًا أَحْقَرَهُ اللهُ» ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، قُتِلَ يَوْمَ صِفِّينَ، وَهُوَ ابْنُ نَيِّفٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ. رَوَى عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَجَابِرٌ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو الطُّفَيْلِ، وَأَبُو لَاسٍ الْخُزَاعِيُّ،

وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى. وَمِنَ التَّابِعِينَ: ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَهَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَبُو وَائِلٍ، وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وَنُعَيْمُ بْنُ حَنْظَلَةَ، وَمَيْمُونُ بْنُ أَبِي شَبِيبٍ فِي آخَرِينَ ٥٢٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ، قَالَ: " قُلْتُ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ "

عمار بن ياسر حسب أسد الغابة في معرفة الصحابة

(ب د ع) عمّار بن ياسر بن عامر بن مَالِك بن كِنانة بن قَيْس بن الحُصَين بن الوَذيم ابن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأَكبر بن يام بن عَنْس بن مالك بن أدَد بن زيد بن يَشْجُب المَذْحِجي ثم العَنْسي، أَبو اليقظان.

وهو من السابقين الأوّلين إِلى الإِسلام، وهو حليفَ بني مخزوم. وأُمّه سمية، وهي أَوّل من استشهد في سبيل اللَّه، ﷿، وهو وأَبوه وأُمّه من السابقين. وكان إِسلام عَمّار بعد بضعة وثلاثين. وهو ممن عذب في اللَّه.

وقال الواقدي وغيره من أَهل العلم بالنسب والخبر: إِن ياسراً والد عمار عُرَنيّ قَحطانيّ مَذْحجي من عنس، إِلا أَن ابنه عمارا مولى لبني مخزوم، لأَن أَباه ياسراً تزوج أَمَةً لبعض بني مخزوم، فولدت له عماراً.

وكان سبب قدوم ياسر مكة أَنه قدم هو وأَخوان له، يقال لهما: «الحارث» «ومالك»، في طلب أَخ لهما رابع، فرجع الحارث ومالك إِلى اليمن، وأَقام ياسر بمكة، فحالف أَبا حذيفة ابن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم، وتزوّج أَمة له يقال لها: «سمية»، فولدت له عماراً، فأَعتقه أَبو حذيفة، فمن هاهنا صار عمارٌ مولى لبني مخزوم، وأَبوه عُرَني كما ذكرنا.

وأَسلم عمارٌ ورسولُ اللَّه في دار الأَرقم هو وصُهَيب بن سِنان في وقت واحد:

قال عمار: لقيت صُهَيب بن سِنَان على باب دار الأَرقم، ورسول اللَّه فيها، فقلت:

ما تريد؟ فقال: وما تريد أَنت؟ فقلت: أَردت أَن أَدخل على محمد وأَسمع كلامه. فقال:

وأَنا أُريد ذلك. فدخلنا عليه، فَعَرَض علينا الإِسلام، فأَسلمنا.

وكان إِسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلاً (١).

وروى يحيى بن معين، عن إِسماعيل بن مجالد، عن مجالد، عن بَيَان، عن وَبْرة عن هَمَّام قال: سمعت عماراً يقول: رأَيت رسول اللَّه وما معه إِلا خمسة أَعبُد وامرأَتان وأَبو بكر وقال مجاهد: أَوَّل من أَظهر إِسلامه سبعة: رسول اللَّه، وأَبو بكر، وبلال، وخَبّاب وصهيب، وعَمّار، وأُمّه سمية.

واختلف في هجرته إِلى الحبشة. وعذب في اللَّه عذاباً شديداً:

أَنبأَنا أبو محمد عبد اللَّه بن علي بن سويدة التكريتي بإسناده إلى أبي الحسن علي بن أَحمد ابن مَتَّويَه في قوله ﷿: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ (٢) نزلت في عمار بن ياسر، أَخذه المشركون فعذبوه فلم يتركوه، حتى سب النبي وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه. فلما أَتى رسول اللَّه قال: ما وراءَك؟ قال: شر يا رسول اللَّه! ما تُركتُ حتى نلتُ منك وذكرتُ آلهتهم بخير! قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإِيمان. قال:

فإِن عادوا لك فَعُدْ لهم (١).

أَخبرنا أَبو جعفر عبيد اللَّه بن أحمد بإسناده إلى يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق قال:

حدثني رجال من آل عمار بن ياسر: أَن سمية أُم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة بن عبد اللَّه ابن عُمَر بن مخزوم على الإِسلام، وهي تأْبى غيره، حتى قتلوها. وكان رسول اللَّه مَرَّ بعمار وأُمه وأَبيه وهم يعذَّبون بالأَبطح في رَمْضاءِ مكة، فيقول: «صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة» (٢).

قال: وحدثنا يونس، عن عبد اللَّه بن عون، عن محمد بن سيرين قال: مر رسول اللَّه بعمار بن ياسر وهو يبكي، يدلك عينيه، فقال رسول اللَّه : مالك أَخذك الكفار فغطَّوك في الماءِ، فقلتُ كذا وكذا، فإِن عادوا لك فَقُلْ كما قلت.

قال: وحَدَّثنا يونُس، عن إِبن إسْحاق قال: حدثني حَكِيم بن جُبير، عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس: أَكان المشركون يبلغون من المسلمين في العذاب ما يُعذَرون به في ترك دينهم فقال؟ نعم، واللَّه إِن كانوا لَيَضْرِبون أَحدهم ويُجيعونه ويُعطشونه حتى ما يقدر على أَن يستوي جالساً، من شدة الضرّ الذي به حتى إِنه ليعطيهم ما سأَلوه من الفتنة، وحتى يقولوا له: اللات والعُزَّى إِلهك من دون اللَّه؟ فيقول: نعم. وحتى إِن الجعل ليمر بهم، فيقولون له: هذا الجعل إِلهك من دون اللَّه فيقول: نعم، اقتداء لما يبلغون من جَهْده (٣).

وهاجر إِلى المدينة، وشهد بدراً، وأُحداً والخندق، وبيعة الرضوان مع رسول اللَّه .

أنبأنا عبيد اللَّه بن أحمد بن علي بإسناده عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، في تسمية من شهد بدرا من بني مخزوم، قال: « … وعمار بن (٤) ياسر».

وكلهم قالوا: إِنه شهد بدراً، وأُحداً، وغيرهما.

أَنبأَنا أَبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن الدمشقي بها، أَنبأَنا أَبو العشائر محمد ابن خليل بن فارس، أَنبأَنا الفقيه أبو القاسم علي بن محمد بن علي المصيصي، أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن أبي نصر، أنبأنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حَيدرة الأَطرابلسي، حدّثنا إِبراهيم بن أَبي سفيان القيسراني، حدّثنا محمد بن يوسف الفِرْيَابِي (١)، حدّثنا الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعي بن حِرَاش، عن حذيفة بن اليمان قال:

قال رسول اللَّه : اقتدوا بالذين من بعدي: أَبي بكر وعُمَر، واهتدوا بهدي عَمّار، وتمسكوا بعهد ابن أُمّ عبد (٢).

أَنبأَنا أبو ياسر بن أبي حبة بإسناده عن عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدثني أَبي، حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا العوّام - يعني بن حوشب - عن سلمة بن كُهَيل، عن علقمة، عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمار كلام، فأَغلظت له في القول، فانطلق عمار يشكوني إِلى النبي ، فجاءَ خالد وهو يشكوه إِلى النبي ، قال: فجعل يُغْلِظ له، ولا يزيده إِلا غلظة، والنبي ساكت لا يتكلم، فبكى عمار وقال: يا رسول اللَّه، أَلا تراه! فرفع رسولُ اللَّه رأْسه وقال: من عادى عماراً عاداه اللَّه، ومن أَبغْضَ عماراً أَبغضه اللَّه. قال خالد: فخرجت فما كان شيءٌ أَحبّ إِليّ من رضا عمار، فلقيته فرضي (٣).

وأَنبأَنا عبد اللَّه بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا وكيع حدثنا سفيان، عن أَبي إِسحاق عن هانئ بن هانئ، عن علي قال: جاءَ (٤) عمار يستأَذن على النبي ، فقال: «ائذنوا له، مرحباً بالطيِّب المطيب (٥)».

أَنبأَنا إِبراهيم بن محمد وغير واحد بإِسنادهم عن أَبي عيسى الترمذي قال: حدثنا القاسم ابن دينار الكوفي، حدثنا عُبَيد اللَّه بن موسى، عن عبد العزيز بن سِيَاه، عن حبيب بن أَبي ثابت، عن عطاءَ بن يسار، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه : «ما خُيِّر عَمّار بين أَمرين إِلا اختار أَرشدهما» (١).

قال: وحدثنا الترمذي، حدثنا أَبو مصعب المديني، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاءِ بن عبد الرحمن، عن أَبيه، عن أَبي هريرة قال: قال رسول اللَّه : «أَبْشِر [يا] (٢) عمار، تقتلك الفئة الباغية» (٣).

وقد روى نحو هذا عن أم سلمة، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وحذيفة.

وروى شعبة أَن رجلاً قال لعمار: أَيها العبد الأَجدع! قال عمار: سَيِّبْ (٤) خَبَرَ أُذني - قال شعبة. وكانت أُصيبت مع رسول اللَّه . وهذا وهم من شعبة، والصواب أَنها أُصيبت يوم اليمامة.

ومن مناقبه أَنه أَوّل من بنى مسجداً في الإِسلام:

أَنبأَنا عبيد اللَّه بن أحمد بن علي بإسناده إلى يونس بن بُكَير عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه عن الحكم بن عتيبة (٥) قال: قدم رسول اللَّه المدينة أَوّل ما قدمها ضُحىً، فقال عمار:

ما لرسول اللَّه بُدٌّ من أَن نجعل له مكاناً إِذا استظل من قائلته ليستظل فيه، ويصلي فيه.

فجمع حجارة، فبنى مسجد قُبَاء، فهو أَوّل مسجد بُني وعَمَّار بناه.

أَنبأَنا إِسماعيل بن علي وغيره بإسنادهم عن محمد بن عيسى: أنبأنا عمرو بن علي، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عَزْرة (١)، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبزى، عن أَبيه، عن عمار بن ياسر: أَن النبي أَمره بالتيمم، للوجه والكفين (٢).

وشهد عمار قتال مسيلمة، فروى نافع، عن ابن عمر قال: رأَيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة، قد أَشرف يصيح: يا معشر المسلمين، أَمن الجنة تَفِرّون، إِليّ إِليّ، أَنا عمار ابن ياسر، هلموا إِلى - قال: وأَنا أَنظر إِلى أُذنه قد قُطِعت، فهي تَذَبذَبُ (٣) وهو يقاتل أَشد القتال.

ومناقب عمار المروية كثيرة اقتصرنا منها على هذا القدر.

واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة، وكتب إِلى أَهلها: «أَما بعد، فإِني قد بعثت إِليكم عمَّاراً أَميراً، وعبد اللَّه بن مسعود وزيراً ومعلماً، وهما من نجباءِ أَصحاب محمد، فاقتدوا بهما» (٤) ولما عزله عمر قال له: أَساءَك العزل؟ قال: واللَّه لقد ساءَتني الولاية، وساءَني العزل.

ثم إِنه بعد ذلك صحب علياً، رضي الله عنهما، وشهد معه الجمل وصفين، فأَبلى فيهما ما قال أَبو عبد الرحمن السلمي: شهدنا صفين مع علي، فرأَيت عمار بن ياسر لا يأْخذ في ناحية ولا واد من أَودية صفين إِلا رأَيت أَصحاب النبي يتبعونه، كأَنه علم لهم - قال: وسمعته يومئذ يقول لهاشم بن عتبة بن أَبي وقاص: يا هاشم، تفر من الجنة! الجنة تحت (٥) البارقة، اليوم أَلقى الأَحبة، محمداً وحِزْبه، واللَّه لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سَعَفَات (٦) هَجَر لعلمت أَنا على حق، وأَنهم على الباطل (٧).

وقال أَبو البَخْتِري: قال عمار بن ياسر يوم صفين: ائتوني بشربة. فأُتي بشربة لبن، فقال:

إن رسول اللَّه قال: «آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن»، وشربها ثم قاتل حتى قتل.

وكان عمره يومئذ أربعاً وتسعين سنة، وقيل: ثلاث وتسعون، وقيل: إحدى وتسعون.

وروى عُمَارة بن خزيمة بن ثابت قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يَسُلّ سيفاً.

وشهد صفين ولم يقاتل، وقال: لا أُقاتل حتى يقتل عمار فأَنظرَ من يقتله، فإنّي سمعت رسول يقول: «تقتله الفئة الباغية» فلما قُتِل عمار قال خزيمة «ظهَرَت لي الضلالة». ثم تقدّم فقاتل حتى قتل (١) ولما قُتل عَمَّار قال: «ادفنوني في ثيابي فإِني مخاصم».

وقد اختلف في قاتله، فقيل: قتله أَبو الغادية المزني وقيل: الجهني (٢) طعنه طعنة فسقط، فلما وقع أَكب عليه آخر (٣) فاحتز رأْسه، فأَقبلا يختصمان، كل منهما يقول: «أَنا قتلته». فقال عمرو بن العاص: واللَّه إِنْ يختصمان إِلا في النار، واللَّه لوددْت أَني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

وقيل: حمل عليه عُقبة بن عامر الجهني، وعمرو بن حارث الخولانيّ، وشريك بن سلمة المرادي فقتلوه.

وكان قتله في ربيع الأَوّل أَو: الآخر - من سنة سبع وثلاثين، ودفنه «على» في ثيابه، ولم يغسله. وروى أَهل الكوفة أَنه صلى عليه، وهو مذهبهم في الشهيد أَنه يصلي عليه ولا يغسل.

وكان عمار آدم، طويلاً، مضطرباً، أَشهل (٤) العينين، بعيد ما بين المنكبين. وكان لا يغير شيبه، وقيل: كان أَصلع في مقدم رأْسه شعرات.

وله أَحاديث، روى عنه علي بن طالب، وابن عباس، وأَبو موسى، وجابر، وأَبو أمامة، وأَبو الطفيل، وغيرهم من الصحابة. وروى عنه من التابعين: ابنه محمد بن عمار، وابن المسيب، وأَبو بكر بن عبد الرحمن، ومحمد بن الحنفية، وأَبو وائل، وعلقمة، وزِرّ بن حُبَيش، وغيرهم.

أَخرجه الثلاثة.

أسئلة شائعة - عمار بن ياسر

من هو عمار بن ياسر رضي الله عنه؟

هو عمار بن ياسر بن عامر العنسي المذحجي، أمه سُمَيّة بنت خُبّاط، أول شهيدة في الإسلام، وكان أبوه ياسر قد قدم من اليمن إلى مكة وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، فأسلم ياسر وسمية وعمار.

من والدا عمار بن ياسر؟

والده ياسر بن عامر، قدم من اليمن إلى مكة وحالف أبا حذيفة المخزومي، ووالدته سُمَيّة بنت خُبّاط، أمَة لأبي حذيفة، فولدت لياسر عمارًا فأعتقه أبو حذيفة، ولم يزل آل ياسر مع أبي حذيفة حتى مات.

متى أسلمت أسرة عمار رضي الله عنهم؟

أسلم ياسر وسمية وعمار وأخوه عبد الله بن ياسر بعد بعثة النبي ﷺ، وقد كانوا من السابقين إلى الإسلام، فلاقوا في الله أشد العذاب من قريش، وكانت سمية أول شهيدة في الإسلام.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 25 ذو الحجة
هلال متناقص اليوم 26 / 29.5
الإضاءة 14%
الهلال الجديد بعد 4 يوم
أستغفر الله