سيرة وهب بن قابوس
أقبل ومعه ابن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس بغنمٍ لهما من جبل مُزينة فوجدا المدينة خُلوفًا فسألا: أين الناس؟ فقالوا: بأحُدٍ، خرج رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يقاتل المشركين من قريش فقالا: لا نسأل أثرًا بعد عين، فأسلما ثمّ خرجا حتى أتيا النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، بأحُد فيجدان القوم يقتتلون والدولة لرسول الله وأصحابه، فأغاروا مع المسلمين في النّهْبِ، وجاءت الخيل من ورائهم خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جَهْل فاختلطوا فقاتلا أشدّ القتال، فانفرقت فرْقَةٌ من المشركين فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: مَن لهذه الفرقة؟ فقال وهب بن قابوس: أنا يا رسول الله. فقام فرماهم بالنبل حتى انصرفوا ثمّ رجع، فانفرقت فرقة أخرى فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: مَن لهذه الكتبية؟ فقال المزَنِيّ: أنا يا رسول الله. فقام فذبّها بالسيف حتى ولّوا ثمّ رجع المُزَنِيّ، ثمّ طلعت كتيبةٌ أُخرى فقال: مَن يقوم لهؤلاء؟ فقال المُزَنيّ: أنا يا رسول الله، فقال: قُمْ وأبْشِرْ بالجنّة، فقام المُزَنيّ مسرورًا يقول: والله لا أُقيل ولا أسْتَقيل. فقام فجعل يدخل فيهم فيضرب بالسيف حتى يخرج من أقصاهم ورسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، والمسلمون ينظرون إليه، ورسول الله يقول: اللهمّ ارْحَمْه (١).
فما زال كذلك وهم مُحدقون به حتى اشتملت عليه أسيافُهم ورماحُهم فقتلوه فوُجِدَ به يومئذٍ عشرون طَعْنَةً برُمْحٍ كلّها قد خلصت إلى مقتل، ومُثّلَ به يومئذٍ أقبح المُثَل. ثمَ قام ابن أخيه الحارث بن عُقْبَة فقاتل كنحوٍ من قتاله حتى قُتلَ، فوقف عليهما رسول الله وهما مقتولان فقال: رضي الله عنك فإني عنك راضٍ، يعني وَهْبًا، ثمّ قام على قدميه وقد ناله، - صلى الله عليه وسلم -، من الجراح ما ناله وإنّ القيام لَيشقّ عليه فلم يزل قائمًا حتى وُضعَ المُزَنيّ في لحده عليه بُرْدة لها أعلام حُمْرٌ، فمدّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، البردة على رأسه فخمّره وأدرجه فيها طولًا وبلغت نصف ساقيه، وأمَرَنا فجمعنا الحَرْمَلَ فجعلناه على رجليه وهو في اللحد، ثمّ انصرف رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -. فكان عمر بن الخطّاب وسعد بن أبي وقّاص يقولان: فما حالٌ نموت عليها أحبّ إلينا من أن نلقى الله على حال المُزَنيّ (١).